← Баляга

Баляга · id 11151

عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح

السبكي، بهاء الدين

Полный текст (971 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ثم قال: ويقرب من (هو قام): (زيد قائم) فى التقوّى؛ لتضمّنه الضمير، وشبّهه (١) بالخالى عنه (٢): من جهة عدم تغيّره فى التكلّم والخطاب والغيبة؛ ــ السادس: أنه فاعل فعل مشتق مما سبق، التقدير: أسرها الذين ظلموا. السابع: أنه خبر مبتدأ محذوف، أى: هم الذين. الثامن: أنه منصوب على الذم قاله الزجاج. التاسع: أنه منصوب على إضمار أعنى. العاشر: أنه مجرور نعتا للناس من قوله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ (٣) قاله الفراء وكثير من هذه التخاريج تأتى فى قوله تعالى: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ (٤) (قوله: واستثنى المنكّر) أى: قال: إنه يفيد الاختصاص واستثناه من كون ما ليس بفاعل معنوى مفيد للاختصاص، فنحو: رجل قام ليس بفاعل معنوى فقط إذ لو أخر لكان فاعلا لفظيا لا معنويا ومع ذلك أفاد الاختصاص عنده، وعدم كونه فاعلا معنويا فقط إما لكونه فاعلا لفظيا، مثل: رجل قام، وإما لأنه لا يكون فاعلا لا لفظا ولا معنى مثل: رجل قام أبوه، فلا يرد عليه فيه ما أوردناه عليه فى القسم الأول، نعم يرد عليه أن يقال: هو يقول: إن الاختصاص فى رجل قام؛ لأنه يقدره مؤخرا بدلا فهو فاعل معنوى فقط فلا يصح الاستثناء (قوله: لئلا ينتفى التخصيص إذ لا سبب له سواه) قد تقدم ما يرد عليه (قوله: وشرطه) أى شرط إفادة التقديم الاختصاص (أن لا يمنع مانع) عليه مؤاخذة لفظية؛ لأن عدم المانع ليس شرطا كما هو مقرر فى علم الجدل (قوله: لامتناع أن يراد المهر شر) تقدم ما عليه، وقوله: ثم لا نسلم انتفاء التخصيص لولا تقدير التقديم، أى: فى المنكر والمضمر وغيرهما، وقوله: لحصوله بغيره كما ذكره، أى: من التهويل (قوله: ويقرب من" هو قام"" زيد قائم" فى التقوّى) يعنى: أن اسم الفاعل قريب من الفعل وهذا ما قدمنا الإشارة له، ومعنى كلامه أن السكاكى قال: ويقرب زيد قائم من هو قام فى التقوية؛ لأن المبتدأ بوضعه يستدعى الخبر والضمير يصرفه له، وهذا القدر موجود فى الخبر، وقال: ولم أقل مثله؛ لأنه يشبه الخالى من الضمير من جهة أنه لا يتغير بالتكلم والخطاب والغيبة فصارت التقوية الحاصلة بالضمير

стр. 247

ولهذا لم يحكم بأنه جملة، ولا عومل معاملتها فى البناء ". ــ الذى يصرفه للمبتدأ ضعيفة؛ لعدم ظهورها تقول: زيد عارف وأنا عارف وأنت عارف (قوله: ولهذا) أى ولعدم ظهور الضمير فيه لم يحكم عليه بأنه جملة، وإن كان له فاعل ولا عومل معاملة الجملة فى البناء، يعنى أن الجمل من شأنها أن تكون مبنية، لا يظهر فيها إعراب وهذا يظهر فيه، فتقول: جاءنى رجل عارف ورأيت رجلا عارفا ومررت برجل عارف، ولأنه لو كان جملة لوقع صلة؛ لكنه لا يقع إلا بتقدير مبتدأ قبله (قلت): ولك أن تقول: لم يظهر الإعراب فى جاء رجل عارف فى مجموع اسم الفاعل وفاعله ومجموعهما هو الذى يشبه الجملة بل فى عارف فقط وعارف هو لم يظهر فيه إعراب فالأولى أن يقال: لو كان جملة لما تغير جزؤه، فإن الجمل لا يتغير جزؤها بدخول العامل عليه، قال ابن الحاجب فى أماليه: لم يختلفوا فى أن اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة مع الضمير ليست بجمل لأمرين: أحدهما: أن الجملة هى التى تستقل بالإفادة وهذه ليست كذلك. الثانى: أن وضعها أن تفيد معنى فى ذات تقدم ذكرها فإذا استعملت مبتدأ خرجت عن وضعها، ولذلك لما خرج بعضها عن هذا المعنى وجعل المعنى الفعل بشرط سبق ما يكون كالعوض عما كان يستحقه من الاعتماد أو كالدال على إخراجه عن وضعه الأصلى جاز أن يكون مع مرفوعه جملة، مثل: أقائم زيد، والذين يخالفون فى زيد ضارب غلامه ويجعلون ضارب غلامه جملة فليسوا يخالفون فى الذى ذكرناه، بل الخلاف فى أنه هل ثبت أن ضارب غلاماه مثل ضارب الزيدان أو لا، فمن جوزه أخرج الصفة عن موضوعها الأصلى واستعملها استعمال الفعل. اه. واعلم أن السكاكى يريد أن اسم الفاعل يقرب من الفعل فى إفادة التقوية التى هى أعم من التخصيص، والمصنف يوهم أنه إنما يفيد التقوية فلذلك نقل عن السكاكى ما اعترض عليه فيه، وها أنا أذكر، مبينا ما فيه. قال المصنف حاكيا عن السكاكى: ومما يفيد التخصيص ما يحكيه تعالى عن قوم شعيب ﵊: وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (١) أى: العزيز علينا رهطك لا

стр. 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنت، ولذلك قال ﵇: أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ (١) أى من نبى الله، ولو كان المراد ما عززت علينا لم يكن مطابقا. قال المصنف: (وفيه نظر)؛ لأن قوله: ما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ من باب: أنا عارف، لا من باب: أنا عرفت. (قلت) وهذا هو الذى يريده السكاكى وباب أنا عارف وأنا عرفت شئ واحد، وقد صرح السكاكى فى فصل القصر بإفادة أنا عارف للحصر، قال: والتمسك بالجواب ليس بشئ؛ لجواز أن يكون فهم كون رهطه أعز عليهم من قولهم: وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ (٢). قال: وقال الزمخشرى: دل إيلاء ضميره حرف النفى على أن الكلام فى الفاعل لا فى الفعل كأنه قال: وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ بل رهطك هم الأعزة علينا، وفيه نظر، لأنا لا نسلم أن إيلاء الضمير حرف النفى إذا لم يكن الخبر فعليا يفيد الحصر. (قلت): والخبر هنا فعلى؛ لأن الفعلى أعم من الفعل واسم الفاعل كما سبق، وإنما يريد الزمخشرى إيلاء الضمير حرف النفى مع كون المسند فعليا، نعم فى النفس وقفة من أن السكاكى اشترط إفادة الاختصاص أن يكون فاعلا معنويا لا لفظيا بتقدير التأخير، وما أنا عارف لو تأخر فيه الضمير لكان فاعلا لفظيا، لأنه يصير وضعه ما عارف أنا وهو فاعل لفظى، إلا أن يقال: يعربه حينئذ مبتدأ مؤخرا والمبتدأ فاعل معنوى، لكن كيف يقال حينئذ: إنه كان مؤخرا ثم قدم والفرض أن تقديمه الآن هو الأصل لأنا أعربناه مبتدأ فهو بتقدير تأخيره فى قولنا: ما عارف أنا متأخر عن محله، فإذا قلنا: ما أنا عارف فليس ذلك تقديما بل وضعا للشئ فى محله، وتقدير تأخيره على خلاف الأصل بخلاف الفاعل المعنوى المؤكد مثل: قمت أنا، فإنه بتقدير تأخيره يكون واقعا فى محله؛ لأن وضع الضمير المؤكد التأخير عن المؤكد. فلينظر فى ذلك. (تنبيه): قال الزمخشرى فى قوله تعالى: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (٣): هم هنا بمنزلتها فى قول الشاعر:

стр. 249

وممّا يرى تقديمه كاللازم: لفظ مثل وغير فى نحو: (مثلك لا يبخل)، و: (غيرك لا يجود) بمعنى: أنت لا تبخل، و (أنت تجود) من غير إرادة تعريض لغير المخاطب (١)، لكونه أعون على المراد (٢) بهما. ــ وهم يفرشون اللّبد كلّ طمرّة (٣) فى دلالته على قوة أمرهم لا على الاختصاص. اه. وهى دسيسة اعتزال لأنه لو جعلها هنا للاختصاص لزمه تخصيص عدم خروج الكفار، فيلزم خروج أصحاب الكبائر من المسلمين كمذهب أهل السنة، والزمخشرى أكثر الناس أخذا بالاختصاص فى مثل هذا وغيره من قواعد البيانيين، فإذا عارضه الاعتزال فزع من قواعدهم إليه. (قوله: ومما يرى تقديمه كاللازم إلخ) يريد أنه إذا استعملت كلمة مثل كناية من غير تعريض كقولك: مثلك لا يبخل ونحوه مما يراد فيه بلفظ مثل غير إفادة الحكم للمضاف إليه، وإنما يريد أن مقتضى القياس أن من كان بهذه الصفة التى هو عليها يكون غير فاعل لهذا الفعل، وعليه قول الشاعر: سواك يا فردا بلا مشبه (٤) ... ولم أقل مثلك أعنى به وكذلك حكم غير إذا سلك بها هذا المسلك؛ فتقول: غيرى يفعل ذلك؛ أى لا أفعله فقط من غير إرادة التعريض بإنسان، وعليه قول المتنبى:

стр. 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ غيرى بأكثر هذا النّاس ينخدع (١) لم يرد أن يعرض بواحد يصفه بأنه ينخدع، بل أراد أنه ليس ممن ينخدع واستعمال غير ومثل هكذا، قال المصنف: إنه مركوز فى الطباع، ويقدمان أبدا على الفعل إذا قصد هذا، والسر فيه أن تقديمهما يفيد تقوى الحكم، ومما ذكرناه من اشتراط التقديم يعلم عدم صحة التأويل عليه فى قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (٢) ويعلم منه فساد قول الطيبى فى قول الشاعر: فمن مثل ما فى الكأس عينى تسكب أنه من هذا الباب. واعلم أنه يقع فى عبارة كثير أن مثلك لا يفعل معناه أنت لا تفعل، وفيه تسامح، والتحقيق أن مثل فى هذا لا يراد بها الذات بل حقيقة المثل ليكون نفيا عن الذات بطريق برهانى كسائر الكنايات، ثم لا يشترط على هذا أن يكون لتلك الذات الممدوحة مثل فى الخارج حصل النفى عنه، بل هو من باب التخييل الذى يأتى فى الاستعارة. وقوله: ولم أقل مثلك - أعنى به سواك - لا ينافى ما قلناه؛ فإن معناه لم أعن إفادة الحكم على سواك، بل عنيت إفادة الحكم عليك مريدا للاستعمال فى سواك. وهذا المعنى إنما ينجلى لك إذا تأملت ما ستراه فى باب الكناية، فإن قلت: إنما يكون مثلك لا يفعل كذا نفيا له عن المخاطب بطريق برهانى أن لو كانت المماثلة تستدعى التساوى فى الصفات الذاتية وغيرها من الأفعال، فإن اتفاق الشخصين بالذاتيات لا يستلزم اتحاد أفعالهما. قلت: ليس المراد بالمثل هنا المصطلح عليه فى العلوم العقلية، بل المراد من هو على مثل حاله فى الصفات المناسبة لما سبق الكلام له، ولا نقول: معناه من هو مثلك فى كل شئ؛ لأن لفظ مثل لا يستدعى المشابهة من كل وجه كما سيأتى تحقيقه فى علم البيان. (تنبيه): بقى من الكلام على تقديم الاختصاص فوائد نذكرها عند الكلام على تقديم المفعول إن شاء الله تعالى.

стр. 251

قيل: وقد يقدّم؛ لأنه دالّ على العموم؛ نحو: (كلّ إنسان لم يقم)؛ بخلاف ما لو أخّر؛ نحو: (لم يقم كلّ إنسان)؛ فإنه يفيد نفى الحكم عن جملة الأفراد، لا عن كلّ فرد؛ وذلك لئلا يلزم ترجيح التأكيد على التأسيس؛ لأن الموجبة المهملة المعدولة المحمول فى قوّة السالبة الجزئيّة المستلزمة نفى الحكم عن الجملة دون كلّ فرد، والسالبة المهملة فى قوة السالبة الكليّة المقتضية للنفى عن كلّ فرد؛ لورود موضوعها فى سياق النفى: وفيه نظر: ١ - لأنّ النفى عن الجملة فى الصورة الأولى (١)، وعن كلّ فرد فى الثانية (٢): إنما أفاده الإسناد إلى ما أضيف إليه كل (٣)، وقد زال ذلك الإسناد؛ فيكون تأسيسا لا تأكيدا. ٢ - ولأنّ الثانية (٤) إذا أفادت النفى عن كل فرد، فقد أفادت النفى عن الجملة، فإذا حملت على الثانى لا يكون كلّ (٥) تأسيسا، ولأنّ النكرة المنفيّة إذا عمّت، كان قولنا لم يقم إنسان كلية لا مهملة. ــ ص: (قيل: وقد يقدم ... إلخ). (ش): ذهب كثير من أهل هذا العلم إلى أن تقديم المسند إليه قد يكون لإفادة العموم، فقوله: قد يقدم لأنه يعنى؛ لأن التقديم دليل على العموم نحو: كل إنسان لم يقم فإنه يفيد نفى الحكم عن كل واحد بخلاف لم يقم كل إنسان فإنه يفيد نفى الحكم عن جملة الأفراد، أى عن مجموعها لا عن كل فرد، أى لا ينفيها عن كل فرد إنما ينفى المجموع، وهو يصدق بنفى فرد واحد. أما الدليل على أن كل إنسان لم يقم معناه كل واحد فهو أن قولنا: إنسان لم يقم مهملة، لأنها غير مسورة وهى موجبة معدولة المحمول، والموجبة المعدولة المحمول المهملة فى قوة السالبة الجزئية المستلزمة نفى الحكم عن الجملة دون كل فرد، أى لا تدل على نفى الحكم عن كل فرد لا لأنها تدل على عدمه، وإذا كانت دالة على النفى عن الجملة كانت فى قوة الجزئية، لأن معناها ليس كل إنسان بقائم، فلو كانت كل إنسان لم يقم لا تفيد غير نفى الحكم عن الجملة لكانت للتأكيد فيلزم ترجيح التأكيد على التأسيس.

стр. 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما الثانى: فلأن قولنا لم يقم إنسان وهى سالبة مهملة فى قوة سالبة كلية، وهى لا شئ من الإنسان بقائم، وهى تقتضى نفى الحكم عن كل فرد، فلو كان دخول" كل" يجعل الحكم على كل فرد لزم أن يكون للتأكيد، فليجعل" كل" لنفى الحكم عن جملة الأفراد ليفيد فائدة تأسيسية. هذا مضمون ما نقله المصنف، وهو من كلام بدر الدين بن مالك، ولم يمنع المصنف شيئا من هذا الحكم، بل نازع فى صحة التعليل فقال: وفيه نظر ... وذكر أمورا، أحدها: أن النفى عن الجملة فى قولنا: إنسان لم يقم إنما أفاده الإسناد إلى إنسان، فإذا أضيف إليه" كل" انقلب الإسناد إليها فزال ذلك، فيكون النفى الوارد على الأفراد مستفادا من كل لا من الإنسان، لأنه حينئذ غير المسند إليه والنفى عن كل فرد المستفاد من لم يقم إنسان إنما كان من الإسناد إلى إنسان، فإذا دخلت كل وجعلت دالة على كل فرد كانت دلالتها حينئذ تأسيسية لزوال الإسناد إلى إنسان حينئذ فيكون تأسيسا فيهما على التقديرين. وأجيب بأن المسند إليه فى إنسان لم يقم وفى لم يقم إنسان هو الإنسان، وكذلك المسند إليه فى (كل إنسان لم يقم) وفى (لم يقم كل إنسان) إنما اختلف التعبير فكل إنسان لم يقم إذا كان معناه جملة الأفراد كان تأكيدا، لأنه عبر بكل عن إنسان، وهذا تأكيد؛ لأن التأكيد أن يعبر بلفظ عن شئ بعبارة تقتضى التقوية. (قلت): وهذا ينبنى على أن المسند إليه فى الكلية هو المضاف أو المضاف إليه، وقد ذكر جماعة من المنطقيين أنه المضاف إليه وهو إنسان لا كل، فإن قلنا بذلك فواضح لأن الإسناد إلى إنسان فى لم يقم كل إنسان باق فى المعنى، فلو استمر العموم لكانت كل تأكيدا، وإن لم نقل به وهو الحق، وقد حققناه فى شرح مختصر ابن الحاجب، والذى قاله المجيب لا شك أنه مراد هذا القائل، فيكون لم يقم كل إنسان إذا جعلنا النفى عن الأفراد تأكيدا باعتبار أنه عبر عنه بلفظ مؤكد كان يمكن أن يعبر عنه بغيره، لكن لا نسلم له حينئذ أن التأسيس باللفظ غير المؤكد خير من التأسيس باللفظ المؤكد، لأن ما ذكره المجيب ينحل إلى أنه صيغة تأسيس تأكيدية فحينئذ يصح اعتراض المصنف الثانى أن لم يقم إنسان إذا اقتضى النفى عن كل فرد فقد اقتضى النفى عن جملة الأفراد فإذا دخلت عليه كل فهى للتأكيد أيضا، وأجيب عنه بأن دلالة لم يقم

стр. 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إنسان على عدم قيام الجملة بالالتزام ودلالة لم يقم كل إنسان على نفيه عن الجملة بالمنطوق. (قلت): لمن ينازع ابن مالك ويدعى أن لم يقم كل رجل للنفى عن كل فرد فرد أن يمنع أن دلالة لم يقم كل إنسان على نفى القيام عن الجملة بالمنطوق، بل دل على نفى القيام عن كل فرد فرد يصير كأنك قلت: لم يقم كل فرد فرد فهو أيضا عموم سلب، ويلزم منه نفيه عن الجملة بالالتزام أيضا فاستويا، ثم إن ابن مالك قدم أن كل إنسان لم يقم لو لم يكن للعموم لكان تأكيدا، لأن إنسانا يفيد نفى الحكم عن الجملة باعتبار استلزامه له، فقد تضمن هذا الكلام أن كل إنسان لم يقم لو لم يكن دالا على الأفراد وكانت دلالته إنما هى على المجموع لكانت دلالته على الجملة مطابقة ودلالة إنسان لم يقم على نفى الحكم عن الجملة التزاما وجعل الأول تأكيدا للثانى، فكذلك هنا يلزم أن يكون لم يقم كل إنسان تأكيدا بالنسبة إلى لم يقم إنسان، وإن كان نفى الحكم عن الجملة فى الأول مطابقة وفى الثانى التزاما. الثالث: أن قوله: إن لم يقم إنسان فى قوة السالبة الكلية لا يصح؛ لأنه إذا عم كل فرد فرد كانت سالبة كلية لا فى قوتها. وأجيب عنه بأن اصطلاح المنطقيين أن السالبة الكلية ما كان مسورا بلا شئ ونحوه لا كل قضية يكون السلب فيها عاما، لكن ذهب كثيرون من الأصوليين إلى أن عموم النكرة فى سياق النفى معناه أن المنفى فيها مطلق الحقيقة فاستلزم نفى الأفراد، فيحسن على هذا أن يقال: لم يقم إنسان ليس سالبة كلية لا لفظا ولا معنى، وليس عاما بالوضع بل استلزم العموم بخلاف كل. وقد تقرر بما ذكرناه أن الاعتراضين الأولين على ابن مالك صحيحان، لكن قد يقال: إن لم يقم كل إنسان وإن كان نفيه عن الجملة تأكيدا لما دل عليه لم يقم إنسان من نفى الجملة، فهو تأسيس باعتبار أنه أزال ما دل عليه لم يقم إنسان من نفى القيام عن الأفراد، لأن لم يقم كل إنسان لم يتعرض للحكم على الأفراد بنفى ولا إثبات، ويرد على هذه القاعدة مع ذلك أمور منها: أن قوله: إن المهملة المعدولة المحمول فى قوة السالبة الجزئية ممنوع، لأن الحكم فى المهملة كان على الطبيعة - كما ذهب إليه بعضهم - فالمهملة ليست فى قوة الجزئية، ولا يلزم التأكيد لأن مدلول إنسان لم يقم

стр. 254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الطبيعة من حيث هى ومدلول كل إنسان لم يقم الأفراد، وإن كان الحكم فى المهملة على الأفراد - كما ذهب إليه بعضهم - فقد يقال: ليست فى قوة الجزئية، لأنه إن أريد أن معنى المسند إليه فيهما واحد فممنوع، لأن المسند إليه فى السالبة الجزئية مثل: كل إنسان قام يحتمل نفى الحكم عن بعض الأفراد، ومطلق الشمول أعم من العددى والمجموعى أو من المجموعى، والمسند إليه فى المهملة يحتمل كل واحد والبعض دون البعض فحينئذ كل إنسان يحتمل كل فرد والمجموع، وإنسان لم يقم يحتمل البعض ويحتمل الأفراد ولا يحتمل المجموع، فقد أسست كل احتمال النفى عن المجموع فقد صارت للتأسيس وإن لم تكن عامة فى كل فرد فرد. (قلت): وفيه نظر، لأن (إنسان لم يقم) أفاد الحكم على المجموع أيضا، فإن قال: إنه باللازم قلنا: فكل إنسان لم يقم أفاده باللفظ ونقل الدلالة عن اللازم إلى موضوع اللفظ تأكيد كما سبق. ومنها: أن قوله: دلالة كل رجل لم يقم على العموم إنما كان لأن التأسيس خير من التأكيد فلا يكون ذلك موضع كل، وهو بعيد، والذى يظهر أن كلّا دالة على ذلك بالوضع. ومنها: أن ما ذكروه ينتقض بقولك: ما إنسان إلا قائم فإنه لنفى كل فرد، ولو قلت: ما كل إنسان إلا قائم كان كذلك لنفى كل فرد كما سيأتى. ومنها: أن هذا إن مشى لهم فى النكرة إلا يمشى فى المعرفة، مثل كل ذلك لم يكن فإن تقديره المذكور لم يكن وهو عام يفيد كل فرد دون كل فهى للتأكيد أيضا. (تنبيه): إذا عرفت ذلك فاعلم أن ما قدمناه من الفرق بين سلب العموم فى لم يقم كل رجل وعموم السلب فى كل رجل لم يقم حق لا إشكال فيه، واختلف فى الاستدلال عليه على أقوال: أحدها: قدمناه مما ذكره المصنف، وقد علمت ما فيه، الثانى: أن النفى متوجه إلى الشمول دون أصل الفعل وهو قريب من الأول، الثالث: قول النبى ﷺ :" كل ذلك لم يكن" (١) فإن معناه لم يكن واحد منهما، وكذلك قول أبى النجم:

стр. 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى ... علىّ ذنبا كلّه لم أصنع (١) وسبب ذلك أن الحكم على كل فرد، وقيل: سببه فى الحديث أن السؤال عن أحد الأمرين لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما فجوابه بالتعيين أو بنفى كل منهما، وبأن ذا اليدين قال: قد كان بعض ذلك، والموجبة الجزئية نقيض السالبة الكلية، وفى البيت أن الشاعر عدل عن النصب الفصيح إلى الرفع الذى هو ضرورة عند سيبويه وغيره مع عدم الضرورة - وليس هذا إلا لذلك - هذا ما ذكروه، والتحقيق فى ذلك ما ذكره الوالد فى تصنيف له فى أحكام كل، وها أنا أذكره ملخصا، قال: لا بد من تقديم مقدمة، وهو أن قولنا: زيد قائم حكم على زيد بالقيام، وهى موجبة محصلة. وقولنا: زيد ليس بقائم حكم عليه بعدم القيام، وهى موجبة معدولة. ويشترط فى القسمين وجود موضوعهما. وقولنا: ليس زيد بقائم سالبة محصلة، وليس معناها الحكم على زيد بعدم القيام، وإلا لساوت الموجبة المعدولة، ولكن معناها سلب ما حكمت به فى الموجبة المحصلة، ولذلك تصدق مع وجود الموضوع وعدمه، والسالبة المحصلة نقيض الموجبة المحصلة وأعم من الموجبة المعدولة، ومدلول السالبة المحصلة نقيض مدلول الموجبة المحصلة. إذا تقرر ذلك جئنا لغرضنا فقلنا: لم يقم كل إنسان سالبة محصلة معناها نقيض لمعنى الموجبة المحصلة وهى قام كل إنسان حكم على كل فرد بالقيام فيكون المحكوم به فى السالبة المحصلة نقيض قيام كل فرد، ونقيض الكلى جزئى فيكون مدلوله سلب القيام عن بعضهم، ولذلك يقول المنطقيون: ليس كل إنسان بقائم سالبة جزئية.

стр. 256

وقال عبد القاهر: إن كانت كلمة كلّ داخلة فى حيّز النفى بأن أخّرت عن أداته؛ نحو [من البسيط] خ خ: ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه (١) ... أو معمولة للفعل المنفى؛ نحو: ما جاءنى القوم كلّهم خ خ، أو: ما جاءنى كلّ القوم خ خ، أو: لم آخذ كلّ الدراهم خ خ، أو: كلّ الدراهم لم آخذ -: توجّه النفى إلى الشمول خاصّة، وأفاد ثبوت الفعل أو الوصف لبعض، أو تعلّقه به. وإلّا عمّ: كقول النبى ﷺ لمّا قال له ذو اليدين (٢): أقصرت الصّلاة أم نسيت؟! -: كلّ ذلك لم يكن (٣)، وعليه قوله [من الرجز]: قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى ... علىّ ذنبا كلّه لم أصنع (٤) ــ وقولنا: كل إنسان لم يقم موجبة معدولة معناها الحكم بعدم القيام على كل فرد، وقد تقرر أن مدلول كل إنسان كل فرد فيكون معناها الحكم بعدم القيام على كل فرد، ولا يعارض هذا قول المنطقيين: كل إنسان ليس بقائم سالبة جزئية، لأنهم إنما قالوا ذلك من اعتقادهم من كل المجموع ونحن قد أثبتنا أن مدلولها عند العرب الأفراد فالحكم بالنفى على كل الأفراد فهذا هو السر فى الفرق بين كل ذلك لم يكن ولم يكن كل ذلك، واستقام به كلام اللغويين والنحويين وكلام المنطقيين، وظهر أن العرب أدركت بعقولها السليمة وطباعها الصحيحة ما تعب فيه اليونان دهرهم بل زادوا عليه فى تحرير دلائل كل، والحمد لله الذى وفقنا لفهم ذلك. اه كلامه. وقد أردف ذلك بفوائد تتعلق بما نحن فيه، وغالب ما سأذكره فى هذه المسألة هو من كلامه ذلك. ص: (وقال عبد القاهر إلخ). (ش): هذا الكلام المنقول عن عبد القاهر موافق فى الحكم لما قاله ابن مالك إلا أنه مخالف له فى الاستدلال، وإنما أخره المصنف ليتبين أنه إنما رد فيما تقدم الدليل ولم يرد

стр. 257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المدلول، ثم فى كلام عبد القاهر تحرير، وهو أن كلا إن كانت فى حيز النفى بأن أخرت عن أداة النفى كانت لنفى الشمول لا لنفى كل فرد مثل قوله: ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه ... تجرى الرّياح بما لا تشتهى السّفن (١) هذا على تقدير رواية الرفع، وقد جوز فيه ابن جنى النصب على إضمار فعل على شريطة التفسير فعلى هذا يكون من القسم الآخر، وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى، وكذلك إذا كانت معمولة للفعل المنفى، ولك أن تقول: إذا كانت معمولة للفعل كانت فى حيز النفى فلا ينبغى أن يجعل قسما برأسه، وكونها معمولة إما على جهة الفاعلية نحو: ما جاء كل القوم، وعبد القاهر مثله بما جاء القوم كلهم، وفيه نظر؛ لأن كلا ليست معمولة للفعل المنفى بالأصالة بل بالتبعية، وهى هنا للتأكيد، والذى أفاد نفى الشمول هو النفى عن القوم. أو كان على جهة المفعولية مثل لم آخذ كل الدراهم وعلى ما مثل به عبد القاهر فى الفاعل ينبغى أن يقول هنا: لم آخذ الدراهم كلها. (قلت): وذكره الفعل ليس للتقييد بل للوصف كذلك، تقول: لست آخذ كل الدراهم ليس القائم كل الرجال، والمراد الفعل الذى عمل فيه سواء كان متقدما أم متأخرا، وقد مثله بقوله كل الدراهم لم آخذ، وفيه نظر لما سنذكره فى آخر الكلام فليراجع. وقوله: (لنفى الشمول) أى لنفى المجموع وقوله: (خاصة) أى لا لكل واحد. قوله: (وأفاد ثبوت الفعل أو الوصف) ليشمل لم آخذ ولست آخذا، وهو إشارة لما قلناه من أن الوصف كالفعل. وقوله: (لبعض) أى أفاد الكلام ثبوت الفعل لبعض المشمولين فى جهة الفاعلية نحو: لم يقم كل الرجال أثبت قيام بعضهم. قوله: (أو تعلقه به) أى فى جهة المفعولية نحو: لم أضرب كل رجل، أفاد تعلق الضرب ببعضهم، وكذلك فى الوصف، مثل: ليس القائم كل رجل، لست الضارب كل أحد.

стр. 258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (قلت): وإفادة ذلك الثبوت للبعض فيه نظر، وإن ثبت ذلك فهو بمفهوم الصفة لا من نفس موضوع اللفظ. قوله: (وإلا عمّ) أى إن لم يكن كل فى حيز النفى عم الأفراد كقوله ﷺ :" كل ذلك لم يكن" (١) وقد تقدم الكلام عليه، ويستثنى من كلامه صورة يتقدم فيها كل، وهو سلب عموم سنعقد لها فرعا. (تنبيه): إذا قلت: انتفى كل رجل أو كل رجل منتف أو نفيت كل رجل فعموم النفى حاصل، ويكون النفى لكل واحد، لأنه متوجه على معنى كل، وهو كل واحد لا الاستغراق، والاستغراق الذى أفادته كل شمول المحكوم به لما أضيفت إليه كل، فإذا قلت: رجل قائم فالقيام مستغرق لكل فرد، فالمحكوم به مستغرق - أى اسم فاعل - ومدلول كل مستغرق - أى اسم مفعول - وسواء كان المحكوم به إثباتا أم نفيا كالإيجاب المعدول محموله، ومن هنا كان كل ذلك لم يكن للعموم، لأن معناه انتفى كل ذلك فالنفى محكوم به على كل فرد فعم جميع أفرادها. وفى قولك: لم يقم كل رجل دخل النفى على قام كل رجل وقام هو المسند وكل رجل مسند إليه فقبل دخول النفى دل قام على شمول القيام فجاء النفى لسلب الشمول فزال استغراق المحكوم به - وهو القيام - كأنك قلت: استغراق كل فرد لم يوجد. (تنبيه): علم مما سبق التفصيل بين أن تكون كل معمولة للنفى أو لا، فلو قال: كله لم أصنع بالرفع أو كله لم أصنعه بالضمير فهو سواء فى استغراق كل فرد، ولو نصب على الاشتغال فكذلك، قال الوالد: لأنك بنيت الكلام على كل وحكمت بالنفى عليها، لأن لم أصنعه فى معنى تركت كأنك قلت: تركته كله لم أصنعه، فإن قدرت منصوبا بتركت متقدمة على كله أو متأخرة أو بلم أصنع متأخرة محذوفة أو للم أصنع المنطوق فهو عموم سلب، وإن قدرته معمولا للم أصنع متقدمة فهو سلب عموم، ولذلك يقدر تركت كله لم أصنعه، فلو نصبت ولم تأت بضمير، فقد علم مما سبق أنه إذا وقعت معمولة تفيد سلب العموم، فمقتضى ذلك الإطلاق أنها هنا لسلب العموم فقط كقولك: لم أصنع كله، لأنه إن كان معمولا لفعل سابق فعامله تقدم أو

стр. 259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للمنطوق به، فلم أصنع فى قوة المتقدم لأنه عامل، لكن فى كتاب سيبويه عند ذكر كله لم أصنع أن قال: وهذا ضعيف - أى حذف الضمير - وهو بمنزلته فى غير الشعر، لأن النصب لا يكسر البيت ولا يخل به ترك إضمار الهاء، كأنه قال: كله غير مصنوع اه. وهو يقتضى أنه لا فرق بين الرفع والنصب فى التقدير كله غير مصنوع، ويلزم منه أن النصب أيضا يفيد عموم السلب فيبعد كل البعد حمل كلام سيبويه على أنه فيهما لسلب العموم. وقد اختار الوالد صحة ما قاله سيبويه، وحمله على ظاهره، وعلله بأن اللفظ ابتدئ بكل، ومعناها كل فرد، فعاملها المتأخر فى معنى الخبر عنها، لأن السامع إذا سمع المعمول تشوق إلى عامله تشوق سامع المبتدأ إلى الخبر، فكان" كله لم أصنع" (١) منصوبا ومرفوعا سواء فى المعنى. (فرع): إذا قلت: صنع كل فرد منتف أو لم يكن لم يدل على نفى كل صنع بل على نفى الصنع المستغرق، لأنه المعمول على كل قبل دخول السلب، فافهم ذلك فإنه قد يخفى، ويظن أنه لأجل تقدم كل على النفى يحصل عموم السلب، وذلك إنما يكون إذا كان مدلولها محكوما عليه بالنفى والحكم بالنفى على محمولها لا على موضوعها غير أن الصيغة محتملة لذلك وغيره. (فرع): النهى كالنفى فلا تضرب كل رجل معناه لا تضرب المجموع، ولذلك قالوا: لو قال: والله لا كلمت كل رجل إنما يحنث بكلامهم كلهم فلو كلم واحدا لم يحنث، وهذا وإن لم يكن نهيا فهو فى حكمه، فإن قلت: قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ (٢) وقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ (٣) ثبت الحكم فيه لكل فرد، قلت: بقرينة أو بجعل الأداة والإضافة للجنس، فإن قلت: فما تصنع فى قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٤) ونحوه من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٥) وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً (٦) وقوله

стр. 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١)؟ قلت: السلب عن المجموع أعم من السلب عن كل فرد فقد يدل دليل من خارج على عموم السلب خلافا لعبد القاهر. (فرع): هذه الأحكام السابقة لا تختص بها كل بل غيرها من صيغ العموم كذلك فى الغالب، فنظير كل إنسان لم يقم الرجال لم يقوموا فى النفى وإِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) فى الإثبات ومن قام فأكرمه، ونظير لم يقم كل إنسان لم يقم الرجال لم يقم من فى الدار أو الرجل مرادا به العموم، وإن كانت كل أدل على التفصيل من غيرها، وقد حققنا هذا الموضع فى شرح مختصر ابن الحاجب، أما لم يقم إنسان فلا يقال: تأخرت فيه صيغة العموم وهى النكرة عن النفى، لأن النفى هو صيغة عموم النكرة فليتأمل. (فرع): ما ذكرناه لا تختص به صيغ العموم، بل كل ما دل على متعدد أو مفرد ذى أجزاء كذلك؛ فإذا قلت: ما رأيت رجالا أو ما رأيت رجلين أو ما أكلت رغيفا أو ما رأيت زيدا وعمرا كل ذلك سلب للمجموع لا لكل واحد بخلاف ما لو تقدم السلب. (فرع): ما قدمناه من أنه إذا تقدم النفى على كل لا يفيد الاستغراق هو فيما إذا لم ينتقض النفى بإلا فإن انتقض قبل المحمول فالاستغراق باق كقوله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٣) فهو لعموم السلب، وسببه أن النفى للمحمول وما بعد إلا لا يسلط النفى عليه لأنه مثبت، وهو فى المفرغ مسند لما قبلها، وهو كل فرد كما كان قبل دخول النفى والاستثناء، وعلى قياس هذا ما كل أحد إلا قائم وما كل ذلك إلا يكون، وكذلك لو كان ما بعد إلا منفيا مثل: ما كل رجل إلا لم يقم، وإن وقعت إلا بعد المحمول كانت لسلب العموم مثل: ما كل إنسان قائم إلا فى الدار. (فرع): قد علم حكم كل مع النفى فما حكمها مع الشرط؟ والذى يظهر أن تقدم كل على الشرط كتقدمها على النفى فيكون الشرط عاما لكل فرد، فإذا قلت: كل رجل إن قام فاضربه وكل عبد لى إن حج فهو حر فمن حج منهم عتق، فلو تقدم

стр. 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشرط فقلت: إن حج كل عبد من عبيدى فهم أحرار لا يعتق أحد منهم حتى يحج جميعهم، ولو قال: إن حج كل عبد فهو حر فمن حج منهم عتق، ومن هذا الباب قوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها (١). (تنبيه): يتلخص فى هذا الفصل أسئلة: الأول: قوله: لأنه - أى التقديم - دال على العموم يقتضى أنه ليس بالوضع فحينئذ لا عموم فى قولنا: قام كل رجل والأمر بخلافه. والثانى: قوله: لئلا يلزم ترجيح التأكيد على التأسيس يقتضى أيضا أن العموم إنما عدلنا له بهذا المرجح لا بالوضع، وهو خلاف إجماعهم على أن كل عامة. الثالث: قوله: لئلا يلزم ترجيح التأكيد على التأسيس، قلنا: سلمنا أن التأسيس راجح على التأكيد حيث التأكيد ليس فيه معنى زائد، وأما التأسيس بصيغة مؤكدة فهو خير من التأسيس دونها مثل: إن زيدا قائم فهو خير وأبلغ من زيد قائم، والواقع هنا من التأكيد هو هذا النوع لا ذاك. الرابع: أن ما ذكروه ينتقض بكل المضافة لمعرفة مثل: كل ذلك لم يكن، فدخول كل حينئذ يكون كعدمه لأن المعنى بذلك المذكور، وكذلك كل الرجال قائمون، لكن له أن يقول: لا يلزم من تعذر التأسيس فى محل تعذره فى غيره. الخامس: قوله: إن السالبة الجزئية تستلزم نفى الحكم عن الجملة يخدش فيه قولنا: بعض الإنسان لا يحمل الصخرة العظيمة فإنه صادق، ولا يلزم منه نفى الحكم عن كل فرد فرد لأنه يصدق، بل كلهم، لكن مراده بالجملة الجملة باعتبار كل فرد فرد لا الجملة باعتبار تجزى الفعل، وهذه الإشكالات على كلام ابن مالك. السادس: قول المصنف: إن لم يقم إنسان إذا أفاد النفى عن كل فرد فقد أفاد النفى عن الجملة يعنى فيكون لم يقم كل إنسان تأكيدا أيضا نقول عليه: إن سلمنا ذلك فلم يقم كل إنسان أفاد رفع الدلالة على كل فرد، وهذه فائدة تأسيسية، ولا نسلم أن اللفظ إذا أفاد تأسيسا وتأكيدا لا يكون خيرا من المفيد تأسيسا فقط، وهذا كقولك: أكرم الرجال الطوال لا يقال: رفع الدلالة ليس فائدة، لأنا نقول: قد يكون فى رفع الدلالة على الأفراد فائدة، إما لأنه يدل على قيام البعض بالمفهوم أو غير

стр. 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك من الفوائد، وهذا على رأى عبد القاهر أوضح، لأنه يرى أن لم يقم كل إنسان يدل على قيام البعض. السابع: قوله: إن السالبة الكلية مقتضية لنفى الحكم عن كل فرد قد يمنع، ويقال: إنها اقتضت نفى الحقيقة من حيث هى هى، واستلزم ذلك نفى الحكم عن كل واحد وعن الجملة، وقد صرح جماعة بذلك فى أصول الفقه كما قدمناه، وحينئذ فلا يكون كل تأكيدا، بل دلت على معنى آخر، وهو نفى الحقيقة المستلزم لنفى الأفراد، وهذا وارد على المصنف وعلى ابن مالك. الثامن: قوله: إن النكرة المنفية سالبة كلية لا يصح، لأنه خارج عن اصطلاح القوم، بل هى فى حكمها. التاسع: قول ابن مالك والمصنف وعبد القاهر: إنه إذا تقدم النفى كانت لسلب العموم يدخل فيه ما إذا انتقض النفى نحو: ما كل رجل إلا قائم، وهو عموم سلب كما سبق. العاشر: تمثيله بما جاء القوم كلهم ليس بجيد، لأن كلهم هنا لا مسند ولا مسند إليه بل تأكيد، ولكن سلب العموم هنا فى الألف واللام فى القوم. الحادى عشر: فى كل الدراهم لم آخذ عموم سلب فيه نظر، لأنه إنما يكون ذلك إذا كان معمولا لفعل محذوف قبله، فإن كان معمولا لفعل محذوف بعده أو لهذا الفعل المذكور فمقتضى كلام سيبويه أنه لعموم السلب كما سبق. الثانى عشر: أنه يستثنى لو قلت: صنع كل ذنب لم يكن كان عموم سلب، وإن كانت كل متقدمة. الثالث عشر: على قول عبد القاهر: إن لم يقم كل رجل يقتضى قيام البعض، وليس كذلك، بل مسكوت عنه، وإلا لزم فى قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١) ونحوه، وكذلك فى نحو: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ (٢). الرابع عشر: أن قولهم نفى الحكم عن كل فرد فرد يفيد النفى عن الجملة وقول الخطيبى: إنه لا يفيد بنفسه وإنما يفيد باللازم قد يمنع ويقال: النفى عن الأفراد فى

стр. 263

تأخير المسند إليه: وأمّا تأخيره: فلاقتضاء المقام تقديم المسند. إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر: هذا كلّه مقتضى الظاهر؛ وقد يخرج الكلام على خلافه: أ - فيوضع المضمر موضع المظهر؛ كقولهم: (نعم رجلا) مكان: (نعم الرجل زيد) فى أحد القولين (١)، وقولهم: (هو أو هى زيد عالم) مكان الشأن أو القصة؛ ليتمكّن ما يعقبه فى ذهن السامع؛ لأنه إذا لم يفهم منه معنى، انتظره. ــ بعض الصور لا يلزم منه النفى عن الجملة، لأن قولنا: ليس كل رجل يحمل الصخرة العظيمة صادق باعتبار الأفراد كاذب باعتبار الجملة، فقد صح النفى عن الأفراد ولم يصح عن المجموع، فالنفى عن الأفراد لا يستلزم النفى عن الجملة بخلاف نفى الأفراد فإنه يستلزم نفى الجملة. الخامس عشر: أن قول عبد القاهر: إما أن تكون فى حيز النفى أو معمول الفعل المنفى تقسيم متداخل، لأنها إذا كانت معمولة للفعل المنفى كانت فى حيز النفى، وقد يجاب عنه بأن حيز النفى محله وهو النفى فقط والنكرة المنفية أقوى فى الدلالة على العموم من النكرة فى سياق النفى، ولذلك قال الآمدى فى أبكار الأفكار: إن النكرة فى سياق النفى لا تعم وإنما تعم النكرة المنفية. تأخير المسند إليه: ص: (وأما تأخيره فلاقتضاء المقام تقديم المسند). (ش): أى تأخير المسند إليه يكون لقيام سبب يقتضى تقديم المسند، وسيأتى ذكر أسبابه إن شاء الله تعالى. إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر: ص: (هذا كله مقتضى الظاهر وقد يخرج الكلام على خلافه فيوضع المضمر موضع المظهر إلخ). (ش): أى ما ذكرناه من هذه الأمور هو الجارى على مقتضى الظاهر، أى مقتضى القياس الوضعى، وقد يخرج المسند إليه على خلافه فيوضع المضمر موضع المظهر،

стр. 264

وقد يعكس: أ - فإن كان (١) اسم إشارة:، ف: ١ - لكمال العناية بتمييزه (٢)؛ لاختصاصه بحكم بديع؛ كقوله [من البسيط]: كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا! هذا الّذى ترك الأوهام حائرة ... وصيّر العالم النّحرير زنديقا! ــ والمراد بوضع المظهر أن يتقدم ما يعود عليه كقولهم: نعم رجلا زيد فإن فى نعم ضميرا، وكان أصله نعم الرجل وزيد خبر مبتدأ أى هو زيد أو مبتدأ محذوف وخبره أى زيد هو، أما إذا قلنا: زيد مبتدأ ونعم الرجل خبره فليس من هذا الباب، لأن الضمير يعود على متقدم فى الرتبة وهذا الذى ذكره هو مثال، فإن كل ضمير يعود على متأخر فى اللفظ والرتبة كذلك مثل: ضرب غلامه زيد إذا جوزناه وكالمجرور برب وكالمعمول لأول المتنازعين، وكما إذا أبدل منه المفسر أو جعل خبره. وقوله: (هو أو هى زيد عالم) يريد ضمير الشأن مثل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (٣) أصله الشأن الله أحد وقوله: أو هى زيد عالم صحيح على رأى البصريين، أما الكوفيون فعندهم أن تذكير هذا الضمير لازم، ووافقهم ابن مالك واستثنى ما إذا وليه مؤنث أو مذكر شبه به مؤنث أو فعل بعلامة تأنيث فيرجح تأنيثه باعتبار القصة على تذكيره باعتبار الشأن، والمقصود من ذلك أن يتمكن من ذهن السامع ما يعقب الضمير لأنه بالضمير يتهيأ له ويتشوق، ويقال فى معنى ذلك: الحاصل بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب، وسيأتى مثله فى باب التشبيه. ص: (قد يعكس إلخ). (ش): أى قد يوضع الظاهر موضع المضمر، فإن كان ذلك الظاهر اسم إشارة ففائدته كمال العناية فى ترك مقتضى الظاهر إلى غيره، ومنه قول ابن الراوندى (٤): سبحان من وضع الأشياء موضعها ... وفرّق العزّ والإذلال تفريقا كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذى ترك الأوهام حائرة ... وصيّر العالم النّحرير زنديقا فإن أصله هو؛ أى ما تقدم ذكره من إعياء مذاهب العاقل ورزق الجاهل.

стр. 265

٢ - أو التهكّم بالسامع، كما إذا كان فاقد البصر. ٣ - أو النداء على كمال بلادته. ٤ - أو فطانته. ٥ - أو ادّعاء كمال ظهوره (١)؛ وعليه (٢) من غير هذا الباب (٣) [من الطويل]: تعاللت كى أشجى وما بك علّة ... تريدين قتلى قد ظفرت بذلك ب - وإن كان غيره، ف: ١ - لزيادة التمكين، نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ (٤)، ونظيره من غيره (٥): وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ (٦). ــ قوله: (وإما لإرادة التهكم بالسامع) أى الاستهزاء به، وأصل التهكم (٧) فقلب، كما إذا كان السامع أعمى أو ضعيف البصر فتشير إلى شئ موضع الإضمار تهكما به، أو لا يكون ثم مشار إليه، أو الإعلام بكمال بلادته أو فطانته كما سبق، أى لأنه لا يدرى غير المحسوس، أو لأنه من فطنته تكون الأشياء بالنسبة إليه كالمحسوسة فيشار لها أو ادعاء أنه كامل الظهور فلا يخفى. ومنه من غير باب المسند إليه قول عبد الله بن الدمينة: تعاللت كى أشجى وما بك علّة ... تريدين قتلى قد ظفرت بذلك وقد قلت للعوّاد كيف ترونه ... فقالوا قتيلا قلت أيسرها لك (٨) فمقتضى الظاهر أن يقول: قد ظفرت به. ص: (وإن كان غيره فلزيادة التمكين إلخ). (ش): أى إن كان الظاهر غير اسم الإشارة فيؤتى به بدلا عن الضمير لزيادة التمكين - أى التقرير والتثبيت - حتى يكون مستحضرا لا يزول عن البال نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ ففى إعادة لفظ الجلالة هذا المعنى، ونظيره من غير المسند إليه: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ إن كان الحق الثانى هو الحق الأول، وقد يؤتى

стр. 266

٢ - أو إدخال الرّوع فى ضمير السامع وتربية المهابة. ٣ - أو تقوية داعى المأمور. مثالهما: قول الخلفاء: أمير المؤمنين يأمرك بكذا، وعليه من غيره (١): فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (٢). ٤ - أو الاستعطاف؛ كقوله [من الوافر]: إلهى عبدك العاصى أتاكا ــ بالظاهر لإدخال الروع فى ضمير السامع وتربية المهابة أو تقوية داعية المأمور، ومثالهما قول الخلفاء أمير المؤمنين يأمرك بكذا، والأصل أنا آمرك. قوله: (ومن غيره) أى غير المسند إليه على وضع الظاهر موضع المضمر لتقوية داعية المأمور لا للروع [مثل] (٣): فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (٤) أى علىّ. وقول المصنف: ومثالهما بعد أن عطف تربية المهابة بالواو وتقوية الداعية بأو دليل أنه يوهم أن الروع والمهابة واحد، وليس كذلك، بل الروع والفزع والمهابة الإجلال قال: أهابك إجلالا وما بك قدرة ... علىّ ولكن ملء عين حبيبها (٥) وقد يقصد به الاستعطاف كقوله: إلهى عبدك العاصى أتاكا ... مقرا بالذّنوب وقد دعاكا فإن تغفر فأنت لذاك أهل ... وإن تطرد فمن يرحم سواكا (٦)

стр. 267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أصله أنا أتيتك، ولقائل أن يقول فى هذا المثال وكثير مما سبق بل فى هذا الباب كله: هلا جعل ذلك من باب التجريد، فلا يكون الظاهر موضوعا موضع المضمر؛ فإن معنى الضمير هو المجرد منه ومعنى الظاهر المجرد، وهما مختلفان قطعا! بقى على المصنف من أسباب هذا القسم أن يقصد التوصل بالظاهر إلى الوصف نحو: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ (١) بعد قوله: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ أو تعظيم الأمر مثل: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ (٢) أو التنبيه على العلية، قال تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (٣)، ومنه: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ (٤) لأن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان. (تنبيه): ربما كان وضع الظاهر بغير لفظ الأول مثل: ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ (٥) لأن إنزال الخير مناسب للربوبية، وأعاده بلفظ الله لأن تخصيص الناس بالخير دون غيرهم مناسب للإلهية. (تنبيه): أنكر بعض البيانيين أن يكون قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ (٦) من وضع الظاهر موضع المضمر وقد قدمنا الكلام فيه عند الكلام على تعريف المسند إليه فليراجع. (فائدة): تتعلق بوضع الظاهر موضع المضمر سئل عنها والدى ﵀، وأجاب فأحببت ذكر السؤال والجواب بنصيهما. أما السؤال وهو نظم الشيخ العلامة صلاح الدين الصفدى فهو: أسيّدنا قاضى القضاة ومن إذا ... بدا وجهه استحيا له القمران ومن كفّه يوم النّدى ويراعه ... على طرسه بحران يلتقيان

стр. 268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومن إن دجّت فى المشكلات مسائل ... جلّاها بفكر دائم اللّمعان رأيت كتاب الله أكبر معجز ... لأفضل من يهدى به الثّقلان ومن جملة الإعجاز كون اختصاره ... بإيجاز ألفاظ وبسط معانى ولكنّنى فى الكهف أبصرت آية ... بها الفكر فى طول الزمان عنانى وما هى إلا استطعما أهلها فقد ... ترى استطعماهم مثله ببيان فما الحكمة الغرّاء فى وضع ظاهر ... مكان ضمير إنّ ذاك لشان فأرشد على عادات فضلك حيرتى ... فما لى بها عند البيان يدان وأما الجواب فهو: الحمد لله. قوله: استطعما أهلها متعين واجب، ولا يجوز مكانه استطعماهم لأن استطعما صفة للقرية فى محل خفض جارية على غير من هى له كقولك: أتيت أهل قرية مستطعم أهلها، لو حذفت أهلها هنا وجعلت مكانه ضميرا لم يجز، فكذلك هذا لا يسوغ من جهة العربية شئ غير ذلك إذا جعلت استطعما صفة لقرية وجعله صفة لقرية، سائغ عربى لا ترده الصناعة ولا المعنى، بل أقول: إن المعنى عليه، أما كون الصناعة لا ترده فلأنه ليس فيه إلا وصف نكرة بجملة كما توصف سائر النكرات بسائر الجمل، والتركيب محتمل لثلاثة أعاريب، أحدها هذا، والثانى أن تكون الجملة فى محل نصب صفة لأهل، والثالث أن تكون الجملة جواب إذا، والأعاريب الممكنة منحصرة فى الثلاثة لا رابع لها، وعلى الثانى والثالث يصح أن يقال: استطعماهم، وعلى الأول لا يصح لما قدمناه، فمن لم يتأمل الآية كما تأملناها ظن أن الظاهر وقع موضع المضمر أو نحو ذلك وغاب عنه المقصود، ونحن بحمد الله وفقنا الله للمقصود ولمحنا تعين الإعراب الأول من جهة معنى الآية ومقصودها، وأن الثانى والثالث وإن احتملهما التركيب بعيدان عن مغزاها، أما الثالث وهو كون الجملة جواب إذا فلأنه تصير الجملة الشرطية معناها الإخبار باستطعامهما عند إتيانهما وأن ذلك تمام معنى الكلام، ويجل مقام موسى والخضر ﵉ عن تجريد قصدهما وأن يكون معظمه أو هو طلب طعمة أو شئ من الأمور الدنيوية، بل كان القصد ما أراد ربك أن يبلغ اليتيمان أشدهما: وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ (١)

стр. 269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإظهار تلك العجائب لموسى ﵇، فجوابه إذا قوله: قالَ لَوْ شِئْتَ (١) إلى تمام الآية، وأما الثانى وهو كونه صفة لأهل فى محل نصب، فلا تصير العناية إلى شرح حال الأهل من حيث هم هم ولا يكون للقرية أثر فى ذلك، ونحن نجد بقية الكلام مشيرا إلى القرية نفسها، ألا ترى إلى قوله: فَوَجَدا فِيها ولم يقل عندهم، وأن الجدار الذى قصد إصلاحه وحفظه وحفظ ما تحته جزء من قرية مذموم أهلها، وقد تقدم منهم سوء صنيع من الآباء عن حق الضيف مع طلبه، وللبقاع تأثير فى الطباع، فكانت هذه القرية حقيقة بالإفساد والإضاعة فقوبلت بالإصلاح لمجرد الطاعة فلم يقصد إلا العمل الصالح، ولا مؤاخذة بفعل الأهل الذين منهم غاد ورائح فلذلك قلت: إن الجملة يتعين من جهة المعنى جعلها صفة لقرية ويجب معها الإظهار دون الإضمار، وينضاف إلى ذلك من الفوائد أن الأهل الثانى يحتمل أن يكونوا هم الأول أو غيرهم أو منهم ومن غيرهم، والغالب أن من أتى قرية لا يجد جملة أهلها دفعة بل يقع بصره أولا على بعضهم، ثم قد يستقرئهم، فلعل هذين العبدين الصالحين لما أتياها قدر الله لهما لما يظهر من حسن صنيعه استقراء جميع أهلها على التدريج ليتبين به كمال رحمته وعدم مؤاخذته بسوء صنيع بعض عباده، ولو أعاد الضمير فقال: استطعماهم تعين أن يكون المراد الأولين لا غير، فأتى بالظاهر إشعارا بتأكيد العموم فيه، وأنهما لم يتركا أحدا من أهلها حتى استطعماه وأبى، ومع ذلك قابلهم بأحسن الجزاء! فانظر هذه المعانى والأسرار كيف غابت عن كثير من المفسرين واحتجبت تحت الأستار حتى ادعى بعضهم أن ذلك تأكيد وادعى بعضهم غير ذلك وترك كثير التعرض لذلك رأسا؟! وبلغنى عن شخص أنه قال: إن اجتماع الضميرين فى كلمة واحدة مستثقل فلذلك لم يقل استطعماهم! وهذا شئ لم يقله أحد من النحاة، ولا له دليل، والقرآن والكلام الفصيح ممتلئ بخلافه، وقد قال تعالى فى بقية الآية: يُضَيِّفُوهُما وقال تعالى: فَخانَتاهُما (٢) وقال تعالى: حَتَّى إِذا جاءَنا (٣) فى قراءة الحرميين وابن عامر، وألف موضع هكذا، وهذا القول ليس بشئ، وليس

стр. 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هو قولا حتى يحكى! وإنما لما قيل نبهت عن رده، ومن تمام الكلام فى ذلك أن استطعما إذا جعل جوابا فهو متأخر عن الإتيان وإذا جعل صفة احتمل أن يكون اتفق قبل الإتيان هذه المرة، وذكر تعريفا وتنبيها على أنه لم يحملهما على عدم الإتيان لقصد الخير، وقوله: فَوَجَدا معطوف على أَتَيا. وكتبته فى ليلة الثلاثاء ثالث ذى القعدة سنة خمسين وسبعمائة بدمشق، ثم بعد ذلك استحضرت آية أخرى، وهى قوله تعالى: إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (١) وإن كانت هذه جملتين، ووضع الظاهر موضع المضمر إنما يحتاج إلى الاعتذار عنه إذا كان فى جملة واحدة، ولكن سئل عن سبب الإظهار هنا والإضمار فى مثل قوله تعالى: إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٢) وخطر لى فى الجواب أنه لما كان المراد من مدائن لوط إهلاك القرى صرح فى الموضعين بذكر القرية التى يحل بها الهلاك كأنها اكتسبت الظلم منهم واستحقت الإهلاك معهم، ولما كان المراد من قوم فرعون إهلاكهم بصفاتهم حيث كانوا ولم يهلك بلدهم أتى بالضمير العائد على ذواتهم من حيث هى لا تختص بمكان ولا يدخل معها مكان، وقد قلت: لأسرار آيات الكتاب معانى ... تدقّ فلا تبدو لكلّ معانى وفيها لمرتاض لبيب عجائب ... سنى برقها يعنو له القمران إذا بارق منها لقلبى قد بدا ... هممت قرير العين بالطّيران سرورا وإبهاجا وصولا على العلا ... كأن على هام السّماك مكانى وهاتيك منها قد أبحت كما ترى ... فشكرا لمن أولى بديع بيان وإنّ حياتى فى تموّج أبحر ... من العلم فى قلبى تمدّ لسانى وكم من كناس فى حماى مخدّر ... إلى أن أرى أهلا ذكى جنان فيصطاد منّى ما يطيق اقتناصه ... وليس له بالشّاردات يدان مناى سليم الذّهن ريض ارتوى ... بكلّ علوم الخلق ذو لمعان

стр. 271

السكاكىّ: هذا غير مختصّ بالمسند إليه، ولا بهذا القدر، بل كلّ من التكلّم والخطاب والغيبة مطلقا (١): ينقل إلى الآخر، ويسمّى هذا النقل التفاتا؛ كقوله (٢) [من المتقارب]: تطاول ليلك بالأثمد ... ــ فذاك الذى يرجى لإيضاح مشكل ... ويقصد للتّحرير عند عيان وكم لى فى الآيات حسن تدبّر ... به الله ذو الفضل العظيم حبانى بجاه رسول الله قد نلت كلّ ما ... أتى وسيأتى دائما بأمان فصلّى عليه الله ما ذرّ شارق ... وسلّم ما دامت له الملوان اه كلام الوالد، ومن خطه نقلته. تفسير السكاكى للالتفات: ص: (السكاكى: هذا غير مختص بالمسند إليه ولا بهذا القدر إلخ). (ش): الإشارة بقوله: هذا إما إلى نقل الكلام عن ضمير المتكلم إلى اسم ظاهر كما سبق فى قول: الخليفة أمير المؤمنين يأمرك بكذا أو إلى كل واحد من التكلم والخطاب والغيبة مطلقا، أى سواء كان مسندا إليه أم غيره، وسواء كان من متكلم أم غيره، ويسمى هذا النقل التفاتا قال ابن الأثير فى كنز البلاغة: ويسمى شجاعة العرب اه. ومنهم من يجعل الالتفات نقل الكلام من حالة إلى أخرى مطلقا، وجعل منه ابن النفيس فى طريق الفصاحة التعبير عن المضارع بالماضى وعكسه، وجعل غيره منه الانتقال من خطاب الواحد أو الاثنين أو الجمع لغيره، وهو أقرب شئ للالتفات المشهور لمشابهته له فى الانتقال من أحد أساليب ثلاثة لآخر، وفى انقسامه إلى ستة أقسام، وسنفرده بالذكر. وفسر السكاكى الالتفات بنقل واحد من التكلم والخطاب والغيبة إلى الآخر، يعنى أنه التعبير بإحدى هذه الطرق عما عبر به أو كان من مقتضى الظاهر أنه يعبر عنه

стр. 272

والمشهور (١): أنّ الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من الثلاثة بعد التعبير عنه بآخر منها، وهذا أخصّ: مثال الالتفات من التكلّم إلى الخطاب: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢). وإلى الغيبة: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٣). ــ بغيره، والمشهور أن الالتفات التعبير عن معنى بإحدى الطرق الثلاثة بعد التعبير عنه بطريق أخرى، وهو أخص من الأول لأن نحو قول الخليفة أمير المؤمنين يأمرك بكذا التفات عند السكاكى دون غيره. وقول السكاكى: خلاف الظاهر أعم من أن تكون مخالفة الظاهر لفظية لا معنوية كقوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ (٤) فإن سقناه على وفق الظاهر معنى لأنه جاء على الأصل، وعلى خلاف الظاهر لفظا لأن لفظ الجلالة للغيبة. أو تكون مخالفته للظاهر معنوية لا لفظية مثل أمير المؤمنين يأمرك بكذا أو معنوية ولفظية مثل: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. والسكاكى لم يصرح بما أراده بقوله: خلاف الظاهر، هل يريد بحسب اللفظ أو المعنى؟ لكن دلنا على أن ذلك مراده جعله فى أبيات امرئ القيس التى ستأتى ثلاث التفاتات، لكن مخالفة الظاهر فى المعنى لا فى اللفظ شرط كونها التفاتا أن لا يوافق لفظا سابقا فإن وافقه فليس التفاتا، فحاصله أن الالتفات عند السكاكى إتيان الكلام على أسلوب مخالف لأسلوب سابق مطابقا أو لم يسبقه غيره والمعنى يقتضى خلافه، وقد قسموا الالتفات إلى ستة أقسام. الأول: الالتفات من التكلم إلى الخطاب، ومثلوه بقوله تعالى: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ الأصل وإليه أرجع، فالتفت من التكلم إلى الخطاب، قلت: وفيه نظر لجواز أن يكون أراد بقوله ترجعون المخاطبين ولم يرد نفسه، ويؤيده ضمير الجمع، ولو أراد نفسه لقال يرجع، وعلى قول السكاكى يحتمل أن يكون المراد وما لكم والثانى فى ترجعون لأن وما لى مخالف للظاهر معنى وترجعون مخالف للظاهر لفظا، وقد قدمنا أن مخالفة الظاهر بأيهما كان التفاتا.

стр. 273

ومن الخطاب إلى التكلم [من الطويل]: طحا بك قلب فى الحسان طروب ... بعيد الشّباب عصر حان مشيب تكلّفنى ليلى وقد شطّ وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب ــ واعلم أنه سيأتى على كون الآية المذكورة فيها التفات سؤال وجواب عند الكلام على أدوات الشرط. الثانى: التفات من التكلم إلى الغيبة كقوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (١) كذا قالوه. قلت: وفيه نظر سأذكره فى آخر الكلام. الثالث: التفات من الخطاب إلى التكلم، ومنه قول علقمة بن عبدة الشاعر صاحب امرئ القيس المعروف بعلقمة الفحل، وليس عبدة بفتح الباء غيره: طحا بك قلب فى الحسان طروب ... بعيد الشّباب عصر حان مشيب تكلّفنى ليلى وقد شطّ وليها (٢) ... وعادت عواد بيننا وخطوب (٣) فالتفت فى قوله: تكلفنى عن قوله: بك من الخطاب إلى التكلم، وهذا مما خالف فيه الظاهر لفظا لا معنى، وفى هذين عند السكاكى التفاتان، أحدهما: بك لمخالفته الظاهر معنى والثانى: تكلفنى لمخالفته لفظا. قلت: وقد قيل: إن الرواية يكلفنى بالياء، والضمير للقلب، وليلى مفعول، فلا التفات فى تاء المتكلم، لأن الظاهر أن يكلفنى حينئذ صفة لقلب، ويكون من تمام الجملة الأولى، والالتفات لا يكون إلا فى جملتين مستقلتين كما سيأتى، ويجوز أن يكون بالتاء ويخاطب قلبه، ففى تكلفنى حينئذ التفاتان، أحدهما فى تاء الخطاب لانتقاله إليه عن أسلوب الغيبة السابق فى قوله: قلب، والثانى فى ياء المتكلم المنتقل إليها عن بك.

стр. 274

وإلى الغيبة: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ (١). ومن الغيبة إلى التكلم: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ (٢) وإلى الخطاب: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ (٣). ــ الرابع: من الخطاب إلى الغيبة كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ فقد التفت عن كنتم إلى جرين بهم، وفيه خروج عن الظاهر لفظا ومعنى. الخامس: من الغيبة إلى الخطاب كقوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ فقد التفت عن الغيبة وهى مالك إلى الخطاب وهو إياك نعبد، وفى إياك خروج عن الظاهر لفظا ومعنى، وعلى قول السكاكى يكون فيه التفاتان، وسنتكلم عليه. السادس: من الغيبة إلى التكلم كقوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ وفى التمثيل به نظر لما سيأتى، وفى فسقناه خروج عن الظاهر لفظا لا معنى، وقد وقعت التفاتات فى قول امرئ القيس: تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخلىّ ولم ترقد وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذى العائر الأرمد وذلك من نبأ جاءنى ... وخبّرته عن أبى الأسود (٤) فقيل: فيه ثلاث التفاتات فى كل بيت واحد، وهذا ظاهر على قول السكاكى فإن قلت: ينبغى أن يكون فيه على قوله أكثر من ذلك لأن فى ولم ترقد التفاتا؛ ففى الأول التفاتان. قلت: قد قدمنا أن مجيئه على خلاف الظاهر معنى إذا كان موافقا للظاهر لفظا لا يعتبر نعم يرد عليه أنه يمكن أن يقال: إن فى الثالث التفاتين، أحدهما فى ذلك، والثانى فى وخبرته، فيكون فى الأبيات الثلاثة أربع التفاتات، ولم أقل: والآخر فى جاءنى لما سيأتى، ولأجل توهم هذا السؤال ذهب بعض الناس إلى أن فى الأبيات سبع التفاتات: ليلك، وترقد، وبات، وله، وذلك، وجاءنى، وخبرته. وقيل: أربع، وهى: ليلك، وذلك، وجاءنى، وخبرته.

стр. 275

ووجهه (١): أنّ الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب: كان أحسن تطرية (٢) لنشاط السامع، وأكثر إيقاظا للإصغاء إليه؛ وقد تختصّ مواقعه بلطائف كما فى الفاتحة؛ فإن العبد إذا ذكر الحقيق بالحمد عن قلب حاضر، يجد من نفسه محرّكا للإقبال عليه، وكلما أجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام، قوى ذلك المحرّك إلى أن يؤول الأمر إلى خاتمتها المفيدة: أنه مالك الأمر كله فى يوم الجزاء، فحينئذ: يوجب الإقبال عليه، والخطاب بتخصيصه بغاية الخضوع، والاستعانة فى المهمّات. ــ وأما على رأى المصنف فلا التفات فى البيت الأول، وفى الثانى التفاتة واحدة، فتعين أن يكون فى الثالث التفاتان، فقيل: هما فى قوله: جاءنى، أحدهما باعتبار انتقاله عن الغيبة، والثانى باعتبار انتقاله عن الخطاب، وفيه نظر لأن الالتفات إنما يعتبر بالنسبة إلى الأسلوب الذى يليه. وقيل: أحدهما فى قوله: ذلك، والآخر فى قوله: جاءنى. قال المصنف: وهذا أقرب. قلت: يفسده أن أرباب هذا العلم شرطوا أن يكون الالتفات فى جملتين ولا يكون فى جملة واحدة، وإنما قلنا: إنه يلزم الالتفات فى جملة واحدة لأن جاءنى إن كان خبر ذلك فواضح وإلا فهو معمول لما قبله، وقد يرد هذا بأنه لا مفر من الالتفات فى جملة واحدة، لأن ذلك خطاب وجاءنى تكلم فلزم الالتفات فى جملة واحدة بكل حال، وسنتكلم على جواز الالتفات فى جملة واحدة. فإن قلت: هل يجوز أن يكون الالتفات الثالث فى قوله: عن أبى الأسود فإنه يعنى أباه فالتفت عن التكلم إلى الغيبة؟ قلت: لا، لأن أبا الأسود علم، وأيضا فأبو الأسود لم يقع موقع ياء المتكلم فى قوله: أبى بل موقع الاسم المضاف إليها وهو أب - والأحسن أن يجعل الالتفات الثانى فى ذلك والثالث فى وخبرته. ص: (ووجهه أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب إلخ). (ش): أى ووجه الالتفات أن الكلام إذا نقل من أسلوب لآخر كان أحسن تطرية (٣) - أى أشهى للقلب - لأن لذات النفوس فى التنقلات لما جبلت عليه من الضجر ويكون ذلك أكثر إصغاء، وقال فى المثل السائر فى قول الزمخشرى: إن

стр. 276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الالتفات يحصل به الفرار من الملل لا يصح، لأن الكلام الحسن لا يمل، ورده صاحب الفلك الدائر بأن المستلذ قد يمل لكثرته، وربما اختص مواقعه - أى مواضع وقوعه بلطائف - كما فى الفاتحة فإن العبد إذا ذكر الله تعالى وحمده ثم ذكر صفاته التى كل صفة منها تبعث على شدة الإقبال، والخطاب يجد من نفسه حاملا لا يقدر على دفعه فيخاطب من هذه صفاته مستعينا على قضاء مهماته، وقد ذكر فى الالتفات فى إياك لطائف غير هذه. (تنبيه): اعلم أنى لم أر من أوضح العبارة عن حقيقة الالتفات، وربما توهم قوم أنه لفظى، وربما أشكل التمييز بين حقيقته وحقيقة التجريد وحقيقة وضع الظاهر موضع المضمر وعكسه، ثم فى كونه حقيقة أو مجازا، فالكلام فى أربعة أمور: الأول: فى كشف الغطاء عن حقيقته: اعلم أن الالتفات نقل الكلام من أسلوب لغيره كما سبق، وهو نقل معنوى لا لفظى فقط، وشرطه أن يكون الضمير فى المنتقل إليه عائدا فى نفس الأمر إلى الملتفت عنه، يحترز عن مثل: أكرم زيدا وأحسن إليه، فضمير أنت الذى هو فاعل أكرم غير الضمير فى إليه وليس التفاتا، وإنما قلت: فى نفس الأمر لأنه بطريق الادعاء يعود لغيره، فحينئذ إذا كان الضمير الأول فى محله باعتبار الواقع فى نفس الأمر فقلت: إنى أخاطبك فأجب المخاطب كنت أعدت الضمير فى المخاطب، وهو ضمير غيبة على نفسك، وليس ذلك وضعا لضمير الغائب موضع ضمير المتكلم، بل جردت منك مثل نفسك وأمرته بأن يجيبه فضمير الغيبة واقع موقعه، وكذلك: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١) جرد من نفسه حقيقة مثلها وخاطبها. وفى قوله: طحا بك على رأى السكاكى جرد من نفسه حقيقة مثلها وخاطبها، فالضمير واقع فى محله فهو التفات وتجريد، وعلى رأى غيره هو تجريد فقط. وفى قوله: تكلفنى التفات على القولين، ولا نقول: إنه أعاد الضمير على غير الأول فيلزم أن يكون الضميران - وهما الكاف والياء - لشيئين، بل أعاده على الأول مدعيا أنه غير الثانى، فإن الحقيقة المجردة هى باعتبار الحقيقة عين المجرد عنها وباعتبار التجريد غيرها، فذلك

стр. 277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الذى جرده فى قوله: بك هو فى نفس الأمر نفسه فالتفت له بهذا الاعتبار، وبهذا علمنا أن الالتفات فى بك على رأى السكاكى أوضح من الالتفات الذى فى تكلفنى على قولهما، لأن فى بك خروجا عن ضمير المتكلم إلى شئ لا وجود له بالكلية وفى تكلفنى خروج عن الحقيقة المجردة إلى الحقيقة المجرد عنها، فهو عدول إلى الأصل وبك عدول إلى الفرع، والعدول إلى الفرع أبلغ من العدول إلى الأصل. وقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ (١) جرد فيه من المخاطبين مثلهم، وعاد الضمير عليهم فهو تجريد والتفات، فالضميران فى نفس الأمر لشئ واحد وبالادعاء لشيئين. وقوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ (٢) فى لفظ الجلالة منه على رأى السكاكى التفات وتجريد وعلى رأى غيره تجريد فقط. وقوله تعالى: فَسُقْناهُ التفات على رأيهما، لأنه عائد على الله تعالى حقيقة والكلام فيه كالكلام فى تكلفنى ليلى. وقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ التفات على رأى السكاكى، وتجريد وَإِيَّاكَ التفات لا تجريد على بحث فيه، وسيأتى بقية الكلام عليه إن شاء الله تعالى. الثانى: فى الفرق بين التجريد والالتفات، وقد علم مما سبق أن بينهما عموما وخصوصا من وجه: فيوجد التجريد دون الالتفات كقولك: رأيت منه أسدا ومثل: تطاول ليلك على رأى الجمهور، والالتفات دون التجريد نحو: تكلفنى ليلى ونحو: فَسُقْناهُ، والتفات وتجريد نحو: فَصَلِّ لِرَبِّكَ ولا واحدا منهما كغالب القرآن. الثالث: فى وضع الظاهر موضع المضمر وعكسه بالنسبة إلى الالتفات فعند السكاكى قد يجتمع وضع الظاهر موضع المضمر مع الالتفات كقوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ (٣) وأمير المؤمنين يأمرك بكذا وقد ينفرد الالتفات نحو: تطاول ليلك، وليس فيه وضع الظاهر موضع مضمر، بل وضع مضمر موضع مضمر، وقد ينفرد وضع الظاهر عن الالتفات كقوله تعالى: إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤) فإن أصله أنه لتقدمه فى قوله: أَحَبُّ إِلى

стр. 278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَبِينا (١) وأما وضع المضمر موضع الظاهر فينفرد عن الالتفات فى نحو: نعم رجلا زيد وربه رجلا لأن الضمير والظاهر كلاهما على أسلوب الغيبة، وينفرد الالتفات عنه كثيرا نحو: إِيَّاكَ نَعْبُدُ (٢) ونحو: (وبات وباتت له ليلة) ويجتمعان فى نحو: قول الخليفة: نعم الرجل أمير المؤمنين. وأما على رأى السكاكى فوضع الظاهر موضع المضمر والالتفات قد يجتمعان مثل: فَصَلِّ لِرَبِّكَ (٣) وقد ينفرد الالتفات، وهو الغالب مثل: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وقد ينفرد وضع الظاهر مثل: الْحَمْدُ لِلَّهِ (٤) ونحو: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ (٥) ووضع المضمر موضع الظاهر لا يجتمع مع الالتفات، لأن الالتفات لا بد فيه من ضمير سابق يلتفت عنه ومع ذلك فلا موقع للظاهر، ولكن ينفرد وضع المضمر فى نعم رجلا زيد، وينفرد الالتفات فى غير ذلك. الرابع: فى أن الالتفات حقيقة أو مجاز: إذا تأملت ما سبق علمت أنه حقيقة حيث كان معه تجريد وحيث لم يكن فسنتكلم إن شاء الله على كون التجريد حقيقة أو لا فى موضعه، وإذا تأملت ما حققناه وعرضت لك فيه وقفة فراجع ما ذكره السكاكى من أسباب الالتفات فى أبيات امرئ القيس يتضح لك ما قلناه، وقد صرح فى أثناء كلامه بلفظ التجريد، وصرح الخطيبى فى باب التجريد أن الالتفات تجريد، والتحقيق ما تقدم من التفصيل. (تنبيه): قالوا: لا يكون الالتفات إلا فى جملتين، وقد صرح بذلك الزمخشرى فى أوائل تفسيره، والظاهر أنهم إنما يريدون بالجملتين الكلامين المستقلين حتى يمتنع الالتفات بين الشرط وجوابه مثلا وكلام البيانيين فى إيجاز الحذف وغيره يبين أنهم إنما يريدون بالجملة الكلام المستقل بنفسه، فأما قول الشاعر: أأنت الهلالىّ الّذى كنت مرّة ... سمعنا به والأرحبىّ المغلّب (٦)

стр. 279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فليس منه لأن الضميرين أحدهما على اللفظ والآخر على المعنى، وشيخنا أبو حيان توهم أن ذلك من الالتفات لأنه لم يحقق معنى الالتفات وظن أنه أمر لفظى، وكذلك ظن أن منه قراءة من قرأ (إياك يعبد) بالياء مضمومة فى يعبد، وليس منه، والظاهر أنها مبنية على جواز أنا قام بالقياس على جواز أنا رجل قام، ولا يصح هذا القياس لأن شرط ذلك أن يتقدم ما لفظه لفظ الغيبة من موصول أو موصوف، نعم قد ظفرت فى القرآن الكريم بمواضع قد يقال: إن الالتفات فيها وقع فى كلام واحد وإن لم يكن من جزأى الجملة، منها قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي (١)، ومنها قوله تعالى: وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا (٢)، ومنها قوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ (٣) بعد قوله: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ التقدير: إن وهبت امرأة نفسها للنبى أحللناها لك، وجملتا الشرط والجزاء كلام واحد، فإن قلت: قد وقع الالتفات أيضا بين الشرط والجواب فى قول كثير: أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تقلّت (٤) قال الجوهرى: خاطبها ثم غايب. قلت: لا نسلم أن هذا التفات، بل روعى فيه لفظ مقلية فجاء على الغيبة كقولك: أنت رجل قام وأنت مقلية تقلت، كما تقدم فى قوله: أأنت الهلالىّ الّذى كنت مرّة ... سمعنا به ... وقول الجوهرى:" إنه خاطبها ثم غايب" يمكن حمله على ما قلناه، ولئن سلمنا أنه التفات فنقول: ليس قوله: لا ملومة جواب الشرط بل دليله على مذهب البصريين، ولا يمتنع اختلاف الجواب ودليله فى الخطاب والغيبة، ولو امتنع ذلك أو قلنا: إنه جواب

стр. 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على مذهب الكوفيين فالجواب أن الالتفات وقع بقوله: لا ملومة، والتقدير لا هى ملومة، ومنها قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ (١) فيقول: ومنها قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (٢) بل فيه التفاتان أحدهما بين أرسلنا والجلالة والثانى بين الكاف فى أرسلناك ورسوله، وكل منهما فى كلام واحد، ومنها قوله تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ (٣) ومنها: فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ (٤) جوز الزمخشرى فيه أن يكون ضمير جزاؤكم يعود على التابعين، قال: على طريق الالتفات، وهو ينافى ما تقدم عنه وعن غيره، ومنها قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ (٥) على قراءة الياء، قال الزمخشرى: على طريقة الالتفات، وهو أيضا ينافى ما تقدم، ثم كان الزمخشرى مستغنيا عن ادعاء الالتفات بأن يعيد الضمير فى ترجعون إلى نفس الناس فلا يكون التفاتا، ومنها ما قاله التنوخى فى الأقصى القريب: إن الواو فى: وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً (٦) واو الحال يلزمه وقوع الالتفات فى كلام واحد، ومنها: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧) لأن فطرنى وترجعون كلام واحد، فإن كان القائل: إن الالتفات لا يكون فى جملة واحدة، يعنى به جملة طرفاها مفردان، ويجوز وقوعه بين جملتين لهما محل واحد معمولتين لشئ واحد أو بين جملة ومتعلق بها لم ينتقض كلامه بشئ مما سبق. (تنبيه): قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ (٨) وقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ (٩) اتفقوا على أنه التفات واحد، وفيه نظر، لأن الزمخشرى ومن تبعه على أن الالتفات خلاف الظاهر مطلقا يلزمهم أنه إن كان التقدير قولوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ ففيه التفاتان، أعنى فى الكلام المأمور بقوله أحدهما فى لفظ الجلالة فإن الله تعالى حاضر فأصله الحمد لك، والثانى إياك لمجيئه على خلاف الأسلوب السابق، وإن لم يقدر قولوا: كان فى الحمد لله التفات عن التكلم إلى الغيبة، فإن الله سبحانه حمد نفسه، ولا يكون فى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ

стр. 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التفات لأن قولوا مقدرة معها قطعا، وأحد الأمرين لازم للزمخشرى والسكاكى، إما أن يكون فى الآية التفاتان أو لا يكون فيها التفات بالكلية، هذا إن فرعنا على رأى السكاكى وهو مقتضى كلام الزمخشرى لأنه جعل فى أبيات امرئ القيس ثلاثا وإن فرعنا على رأى الجمهور ولم نقدر قولوا: الحمد لله فلا التفات لأنا نقدر قولوا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإن قدرنا قولوا قبل الحمد لله كان فيه التفات واحد فى إياك وبطل قول الزمخشرى: إن فى أبيات امرئ القيس ثلاث التفاتات. (تنبيه): ما تقدم يقتضى أن أسلوب الغيبة لا فرق فيه بين أن يكون فيه ضمير غائب أو لا، بدليل تمثيلهم كما سبق بقوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ (١) فقد جعلوا لفظ الجلالة ملتفتا عنه، وهذا كثير فى كلامهم، وفيه نظر ينبغى أن يفصل بين أن يكون الاسم الظاهر مشتملا على ضمير غائب أو لا فإن كان مشتملا على ضمير مستتر أو كان فى الكلام ضمير غائب فيكون ذلك أسلوب غيبة والنقل عنه أو إليه التفاتا، وإن كان فى الكلام اسم ظاهر لا ضمير فيه فأين أسلوب الغيبة ونسبة الاسم الجامد إلى المتكلم والمخاطب والغائب على السواء؟! وإنما يبتدر الذهن من قول الشخص عن نفسه أو مخاطبه: فعل زيد إلى أنه غير المتكلم والمخاطب لغلبة الاستعمال، ولأن العدول عن الضمير الصريح فى تكلم أو خطاب إلى الاسم الجامد قرينة إرادة الغيبة فإن الأعلام وضعها إنما كان للتمييز والذى يحتاج للتمييز غالبا هو الغائب، فإن ضميره لا يستقل لاحتياجه إلى مفسر، وأما عود ضمير الغيبة على العلم فلاستقباح أن يقول الشخص عن نفسه: زيد فعلت لما فيه من التنافر، ولذلك لم تمتنع رعاية المعنى فى جملة أخرى فيقول الشخص عن نفسه: زيد قام وقعدت رعاية للمعنى لا للالتفات، فليس تعبير المتكلم عن نفسه أو مخاطبه بالعلم إلا وضع الظاهر موضع المضمر، غير أن هذه اصطلاحات لا مشاحة فيها. (تنبيه): ذكر التنوخى فى الأقصى القريب وكذلك ابن الأثير فى كنز البلاغة وابن النفيس فى طريق الفصاحة نوعا غريبا من الالتفات، وهو بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله أو تكلمه فيكون التفاتا عنه كقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ (٢)

стр. 282

ومن خلاف المقتضى: المخاطب بغير ما يترقّب بحمل كلامه على خلاف مراده، تنبيها على أنه هو الأولى بالقصد؛ كقول القبعثرى للحجّاج - وقد قال له متوعّدا: لأحملنّك على الأدهم! -: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب! خ خ (١) أى: من كان مثل الأمير فى السلطان وبسطة اليد، فجدير بأن يصفد لا أن يصفد (٢). ــ بعد أَنْعَمْتَ فإن المعنى غير الذى غضب عليهم، وفيه نظر، ونحن إذا كنا توقفنا فى أن الانتقال إلى الاسم الجامد التفات فهذا أولى لأن الفاعل فى المغضوب مثلا لم يذكر بالكلية فكيف يقال: انتقلنا إليه على سبيل الالتفات؟! وإن صح ذلك فعلى رأى السكاكى يلزمه أن تكون جميع الأفعال المبنية للمفعول فيها التفات. (تنبيه): توهم بعضهم أن فى نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا (٣) التفاتا، وليس كذلك، لأنه إذا أراد التفات اركعوا عن آمنوا لم يصح، لأن الصلة يأتى ضميرها غائبا، وإن كان المراد المخاطب لم يصح لأن لها لفظا ومعنى كما تقول: أنت الذى قام وأنت الذى قمت، وإن أراد التفات اركعوا عن الذين فإن الذين أسلوب غيبة والمنادى أسلوب غيبة لم يصح، لأن المنادى مخاطب فى المعنى فإن الإقبال عليه بالنداء كذكر ضميره، ولهذا يجوز أن تقول: يا تميم كلكم، وهذا قريب مما توهمه شيخنا أبو حيان فى قوله: أأنت الهلالىّ الّذى كنت مرّة ... سمعنا به ... (تنبيه): مما هو قريب من الالتفات وليس منه إذ ليس فيه انتقال من أحد الأساليب الثلاثة لغيره الانتقال من أحد أساليب ثلاثة، وهى التثنية والجمع والإفراد، إلى الآخر، وأقسامه كالالتفات ستة من أسلوب لأسلوب، وسيأتى الكلام عليه إن شاء الله تعالى. ص: (ومن خلاف المقتضى تلقى المخاطب إلخ). (ش): هذا هو الذى سماه السكاكى الأسلوب الحكيم، وسماه الشيخ عبد القاهر مغالطة، وهو من خلاف المقتضى بالفتح، أى مقتضى الظاهر، وهو قسمان:

стр. 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأول: تلقى المخاطب - بالكسر - بغير ما يترقب، وذلك يكون بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيها على أنه الأولى بالقصد إليه، وإنما قلنا: بكسر الطاء ليعود الضمير فى كلامه إليه لأنه لا يصدق عليه قبل تلقيه لما يتوقع أنه مخاطب - بالفتح - حقيقة كقول القبعثرى للحجاج - وقد قال له الحجاج متوعدا له بالقتل: لأحملنك على الأدهم - مثل الأمير من حمل على الأدهم والأشهب! فأراد الحجاج أن يقيده فتلقاه القبعثرى بغير ما يترقبه من فهمه التوعد بألطف وجه مشيرا إلى أن من كان مثله من السلطنة إنما يناسبه أن يجود بأن يحمل على الأدهم والأشهب من الخيل ويكون جديرا بأن يصفد بضم الياء أى يعطى لا أن يصفد بفتحها أى يشد ويوثق، وكذا قوله حين قال له فى الثانية: إنه حديد، قال: لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا. وهذا القسم قريب أو هو من تجاهل العارف بزيادة إشارة إلى سفه رأى المخاطب، وهو قريب من القول بالموجب، وسيأتيان فى البديع، والقيد يسمى أدهم، سمى بذلك لسواده قال: أوعدنى بالسّجن والأداهم (١) وقال جرير: لقطع المساحى أو لجدل الأداهم (٢) ... هو القين وابن القين لا قين مثله قال ابن سيده: كسروه تكسير الأسماء وإن كان فى الأصل صفة لأنه غلب عليه الاسم، ومن هذا قوله:

стр. 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أتت تشتكى عندى مزاولة القرى ... وقد رأت الضّيفان ينحون منزلى فقلت كأنّى ما سمعت كلامها ... هم الضّيف جدّى فى قراهم وعجّلى (١) كذا جعله المصنف منه، وفيه نظر. (تنبيه): صفد بمعنى أوثق وأصفد بمعنى أعطى خلاف الغالب، فإن الغالب استعمال الرباعى والخماسى فى الشر والثلاثى فى الخير إما جزما أو على راجح ومرجوح، مثل: وعدنى الخير وأوعدنى الشر، وشفى وأشفى - كذا على قول - وقوى البناء إذا اشتد وأقوى إذا انهدم، وخفرت الرجل أجرته وأخفرته تركته، وكسب واكتسب، قال الله : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ (٢) وحمل واحتمل، قال: تحت العجاج فما شققت غبارى ... أعلمت يوم عكاظ حين لقيتنى فحملت برّة واحتملت فجار (٣) ... أنّا اقتسمنا خطّتينا بيننا وأمطر فى الشر وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً (٤) ومطر فى الخير، قال ابن سيده: الثلاثى للأعم، وجاء على العكس ترب إذا افتقر وأترب إذا استغنى - على قول - وحبسته عن حاجته واحتبست الفرس فى سبيل الله، وقسط إذا جار وأقسط إذا عدل.

стр. 285

أو السائل بغير ما يتطلّب؛ بتنزيل سؤاله منزلة غيره؛ تنبيها على أنه الأولى بحاله، أو المهمّ له؛ كقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (١)، وكقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ (٢). ــ ص: (أو السائل إلخ). (ش): القسم الثانى من هذا الباب تلقى السائل بغير ما يتطلب، وذلك بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيها على أنه الأولى بحاله أو المهم، وعندى أن هذا من القسم الأول إلا أن فيه سؤالا فهو أخص من هذا الوجه وأعم باعتبار أنه ليس فيه حمل الكلام على غير ظاهره، فهو بهذا الاعتبار أجدر بأن يمثل له لا الذى قبله بقوله: أتت تشتكى - البيتين - وحاصله يرجع إلى العدول عن الجواب إلى غيره كقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ لما قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يتزايد حتى يستوى ثم ينقص حتى يعود كما بدا! وكقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الآية. والسبب فى هذا تنبيه السائل على أنه كان الأحرى به أو الأهم أن يسأل عما وقع الجواب عنه، وقد ورد عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه جاء عمرو بن الجموح - وهو شيخ كبير له مال عظيم - فقال: ماذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعها؟ فنزلت (٣) فعلى هذا ليست هذه الآية مما نحن فيه، لأن السائل لم يتلق بغير ما يتطلب بل أجيب عن بعض ما سأل عنه، ومن ذلك أجوبة موسى ﵊ لفرعون: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (٤) إلى آخرها، وآية الأهلة مثال لما كان السؤال فيه وقع عما لا حاجة لهم إليه مع ترك ما هم محتاجون له إشارة إلى أنه كان من حقهم أن يسألوا عن مواقيت الحج لا عن كبر الهلال وصغره إذ لا فائدة تحته، وآية الإنفاق مثال لما سألوا عنه وكان مهما إلا أن غيره أهم منه، كذا قالوه وفيه نظر.
следующие страницы →