← Баляга

Баляга · id 11151

عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح

السبكي، بهاء الدين

Полный текст (971 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

كتاب عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح تأليف الشيخ بهاء الدين السبكي تحقيق الدكتور عبد الحميد هنداوي مدرس البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة [الجزء الأول] المكتبة العصرية

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المحقق الحمد لله الذى خص بهذا العلم قوما هم به قائمون، وجعلهم حفظة لكتابه حيث قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ فلما جزم الله تعالى بحفظ كتابه من عوادى الدهر ونوازله، تكفل لأولى الألباب حفظه تعالى لهذه الطائفة ما بقى كتابه أبد الدهر. فلا يخلو عصر من مجدد للبلاغة معيد لرونقها يجلو عنها ما علاها من غبرة الأخلاط، ولكنة الاختلاط. ولقد مرت البلاغة بعصور مزهرة فاح عبيرها وشذاها فى كتب الأوائل، ولا زلنا نتنسم إلى اليوم نسيمها، ونعطر رسائلنا بعرفها وأريجها. والبلاغة وإن تعددت مناهج الناس فى دراستها، واختلفت وتباينت مسالكهم إليها، فإن لها فى النهاية غاية واحدة، وهى الوقوف على وجوه جمال التعبير، ومعرفة أسرار الجمل والتراكيب. لقد مرت البلاغة العربية فى مسيرتها بأطوار شتى اختلفت فيها دروب السالكين ومناهجهم وإن اتحد القصد - كما بينا - فتفاوتت تلك المناهج بين الذاتية والموضوعية وبين الأدبية والتجريدية، والكلامية والمنطقية، وبين الإيجاز والإطناب، الإيجاز الذى قد يصل إلى حدّ التعقيد، ويتسم بجفاف المادة، وقلة الشواهد، وندرة التحليل، والإطناب الذى يبالغ فى الشرح والإفصاح والإكثار من الشواهد والتحليلات كما رأينا عند ابن الأثير والعلوى على سبيل المثال. كما تنوعت بين الميل إلى التجريد والتعقيد الشديد أو قل: التعقيد كما رأينا عند ابن قدامة وابن سنان والرازى وغيرهم. وبين إرسال القول على عواهنه وإرخاء الزمام لخواطر العقل، وسوانح الفكر كما رأينا فى مصنفات الأقدمين. ومنهم من سلك طريقة وسطا بين العناية بالتحليل ورونق التعبير، وحلاوة المنطق، وفصاحة التعبير

стр. 3

وبين التعقيد والتجريد كما فعل عبد القاهر فى كتابه أسرار البلاغة، غير أنه قد اضطرب الزمام فى يده فى دلائل الإعجاز لانشغاله بالرد على متكلمة زمانه والسابقين عليه. وبعد هذه المقدمة أقول: إن لكل مرحلة إذا طبيعتها من حيث منهج التأليف سواء فى علوم البلاغة أو غيرها من العلوم، وإنه لمن الظلم الواضح البين أن نحاكم مؤلفات القرن الثامن الهجرى وما بعده - حيث شروح التلخيص والمفتاح على كثرتها - إلى المناهج الحديثة فى الدرس البلاغى، فلكل عصر طبيعته ومنهجه. وينبغى ألا يصدنا ذلك عن الاهتمام بتحقيق تلك المصادر وتنقيحها وإعادة طبعها ونشرها على الوجه العلمى اللائق بها، حيث تبدو أهميتها فى كونها حلقة من حلقات التراث البلاغى الذى إن فقدنا حلقة منه انقطع إسناده إلينا. وكما ينبغى على راوى الحديث أن يثبت سلسلة الإسناد بكل رواتها دون نظر إلى حالهم من حيث العدالة أو التجريح، فكذلك تقتضى الأمانة العلمية إظهار التراث البلاغى بكل حلقاته كما هى بما فيها من ضعف أو قوة. وأخيرا نقول: إن هذه المؤلفات قد أثرت تأثيرا كبيرا فى الإنتاج اللاحق بها، ولا يمكن تفسير ذلك الإنتاج وفهمه على وجه الصواب، إلا بعد الاصطبار على تلك المصنفات ومحاولة فهمها واستيعابها مهما لقى الباحث فى سبيل ذلك من معاناة، وبذل من جهد. ولذا فنحن نقدم لدارس البلاغة كتاب عروس الأفراح فى ثوب قشيب يليق بجلالته، وبما ترك من تأثير كبير فى التأليف البلاغى بعده، وبما أثاره من مباحث وقضايا عديدة فى التراث البلاغى. ولقد ذاع صيت السبكى صاحب هذا الكتاب بمصنفه هذا، وبلغت شهرته الآفاق، فحرىّ بنا أن نقف على ما فيه حتى تكتمل لدينا حلقات تراثنا البلاغى وحتى يتصل إلينا إسناده على حقيقته من قوة أو ضعف. هذا وقد حاولنا جهدنا فى ضبط الكتاب على نسخه القديمة العتيقة، مع مراجعة بعض نسخه المخطوطة بدار الكتب المصرية.

стр. 4

كما قمنا بتفقيره ووضع علامات الترقيم حيث جاءت طبعاته السابقة خلوا من تلك العلامات تماما، فاختلط شعره بنثره، ومتنه بشرحه، وامتلأ بالتصحيفات والأخطاء، فحاولنا إصلاح ذلك ما أمكن، كذلك فقد اعتنينا بتخريج شواهده القرآنية والحديثية والشعرية. ووضعنا كتاب التلخيص متنا له، وذلك لصعوبة وصول القارئ إلى بغيته من شرح ما يبتغى من متنه لتداخل بعضه ببعض. هذا، والله نسأل أن يغفر لنا زلاتنا، وأن يجزل لنا المثوبة، وأن ينفع به من شاء من عباده، إنه تعالى هو نعم المولى ونعم النصير. وكتبه/ عبد الحميد هنداوى مدرس البلاغة والنقد الأدبى بكلية دار العلوم جامعة القاهرة الجيزة فى ١٥/ ٣ / ١٤٢١ هـ

стр. 5

خطة التحقيق ١ - قمنا بضبط النص على مخطوطة الكتاب المحفوظة بدار الكتب المصرية. ٢ - قمنا بترقيمه بعلامات الترقيم المناسبة. ٣ - تخريج الشواهد القرآنية. ٤ - تخريج الشواهد الحديثية فى كتب الحديث المشهورة. ٥ - تخريج الشواهد الشعرية فى دواوينها ومصادرها لا سيما كتب الأدب وكتب التراث البلاغى. ٦ - شرح معانى الألفاظ الغريبة. ٧ - الترجمة لأعلام البلاغة المذكورين فى الكتاب. ٨ - ترجمنا ترجمة مختصرة لكل من الخطيب القزوينى صاحب التلخيص والسبكى صاحب عروس الأفراح. ٩ - وضع متن التلخيص أعلى الصفحة وعروس الأفراح كالشرح عليه أسفل الصفحة. ١٠ - الفهارس العلمية الشاملة للموضوعات وللشواهد القرآنية الشعرية.

стр. 6

ترجمة جلال الدين القزوينى صاحب" التلخيص " اسمه ونسبه: هو محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن الحسن بن على بن إبراهيم بن على بن أحمد بن دلف بن أبى دلف العجلى القزوينى جلال الدين أبو المعالى بن سعد الدين بن أبى القاسم بن إمام الدين الشافعى العلامة. ولادته ونشأته: ولد سنة ست وستين وستمائة ٦٦٦ هـ وسكن الروم مع والده وأخيه واشتغل وتفقه حتى ولى قضاء ناحية بالروم وله دون العشرين، ثم قدم هو وأخوه أيام التتر من بلادهم إلى دمشق. صفته: كان فهما ذكيّا مفوها حسن الإيراد جميل الذات والهيئة والمكارم، وكان جميل المحاضرة حسن الملتقى حلو العبارة حاد الذهن جيد البحث منصفا، فيه مع الذكاء والذوق فى الأدب حسن الخط. وكان جوادا صرف مال الأوقاف على الفقراء والمحتاجين. وكان مليح الصورة فصيح العبارة كبير الذقن موطأ الأكناف جم الفضيلة يحب الأدب ويحاضر به ويستحضر نكته. طلبه للعلم ومشايخه: سمع من العز الفاروتى (١) وطائفة وأخذ عن الأيكى وغيره وخرج له البرزالى جزءا من حديثه وحدث به وتفقه واشتغل فى الفنون وأتقن الأصول والعربية والمعانى والبيان. وكان يرغب الناس فى الاشتغال بأصول الفقه وفى المعانى والبيان.

стр. 7

ولى القضاء فى ناحية الروم ثم دمشق ثم مصر ثم دمشق، وخطب بجامع القلعة لما أتى مصر بأمر من السلطان. قال عنه صاحب كشف الظنون:" المعروف بخطيب دمشق" ولعل هذا سبب شهرته بالخطيب القزوينى، وكان يفتى كثيرا. مصنفاته: قال ابن كثير:" له مصنفات فى المعانى، مصنف مشهور اسمه التلخيص اختصر فيه المفتاح للسكاكى". وهو من أجل المختصرات فيه كما قال السيوطى. وله: إيضاح التلخيص، والسور المرجانى من شعر الأرجانى. وفاته: قال ابن حجر:" قال الذهبى: مات فى منتصف جمادى الأولى سنة ٧٣٩ هـ وشيعه عالم عظيم وكثر التأسف عليه وسيرته تحتمل كراريس وما كل ما يعلم يقال. هذا كلام الذهبى على عادته فى الرمز إلى الحط على من يخشى غائلة التصريح فيه". اه كلام ابن حجر. وقال الحافظ ابن كثير:" دفن بالصوفية .. وكان عمره قريبا من السبعين أو جاوزها" (١).

стр. 8

ترجمة بهاء الدين السبكى صاحب شرح عروس الأفراح اسمه ونسبه ونسبته: أحمد بن علىّ بن عبد الكافى بن على بن تمّام بن يوسف بن موسى بن تمّام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن على بن مسوار بن سوّار بن سليم السّبكى. هكذا ساق أخوه تاج الدين نسب والده فى الطبقات الكبرى (١)، ووقع فى بعض المراجع" سوار" مكان" مسوار"؛ قال محققا الطبقات (٢):" وضبطناه بكسر فسكون، وما بعده بفتح فتشديد من الطبقات الوسطى" اه. والطبقات الوسطى من تأليف تاج الدين أيضا وفى بعض المراجع تصحيفات أخرى، انظر الدرر (الكرنكوى ج ١ ص ٢١٠). وأمّا نسبته" السبكى" فهى إلى" سبك" الواقعة فى المنوفية، وهى موجودة إلى الآن، غير أن اسمها" سبك العبيد" وهى الآن سبك الأحد أو سبك العويضات، وفى محافظة المنوفية أيضا" سبك الثلاثاء" وكانت تعرف قديما ب" سبك الضحاك"، أما البيت السّبكى الذى نترجم لواحد منهم فمنسوب إلى" سبك العبيد" أو" سبك الأحد" كما يسمى الآن؛ قال السيد محمد مرتضى الحسينى الزبيدى، نزيل مصر، فى تاج العروس من جواهر القاموس (سبك) (٣):" (وسبك الضحاك بالضمة بمصر) (٤) من أعمال المنوفية، وهى المعروفة الآن بسبك الثلاثاء، وقد دخلتها وبت بها ليلتين". " (وسبك العبيد) قرية أخرى بها من المنوفية أيضا، وقد دخلتها مرارا عديدة، وهى تعرف الآن بسبك الأحد وبسبك العويضات منها شيخنا تقى الدين على بن عبد الكافى بن على بن تمام

стр. 9

قاضى القضاة، أبو الحسن السبكى، شافعى الزمان، وحجة الأوان ... " (١). وينسب السّبكية إلى الأنصار، رضى الله عنهم. قال تاج الدين فى (طبقات الشافعية الكبرى) (٢):" نقلت من خط الجد ﵀ نسبتنا معاشر السبكية إلى الأنصار رضى الله عنهم". وقد رأيت الحافظ النّسابة شرف الدين الدّمياطى ﵀ يكتب بخطه للشيخ الإمام الوالد ﵀: الأنصارى الخزرجى. وصورة ما نقل من خط الجد: حدثنا الصاحب بهاء الدين أبو الفضائل تمّام، الوزير المالكى المذهب، ولد يوسف بن موسى بن تمام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن على بن مسوار ابن سوار بن سليم بن أسلم الأنصارى الخزرجى ... وهو عن مسوّدات بخطّ الجدّ ﵀ وذكر بعده النسبة إلى آدم ﵇، ثم قال فى آخره: وقد نقلت هذا من خط الفقيه الفاضل الحافظ شرف الدين محمد بن المخلص بن أسلم السّنهورىّ، فى سنة اثنتين وخمسين وستمائة ... ولم يكتب الشيخ الإمام ﵀ بخطه لنفسه: الأنصارىّ، قطّ، وإن كان شيخه الدّمياطى يكتبها له، وإنما كان يترك الشيخ الإمام كتابة ذلك؛ لوفور عقله، ومزيد ورعه، فلا يرى أن يطرق نحوه طعن من المنكرين، ولا أن يكتبها مع احتمال عدم الصحة، خشية أن يكون قد دعا نفسه إلى قوم وليس منهم. وقد كانت الشعراء يمدحونه، ولا يخلون قصائدهم من ذكر نسبته إلى الأنصار، وهو لا ينكر ذلك عليهم، وكان ﵀ أورع وأتقى من أن يسكت على ما يعرفه باطلا ... اه. ثم ذكر تاج الدين أمثلة من الشعر فيها ذكر تلك النسبة، وسكوت الشيخ تقى الدين، وإقراره

стр. 10

على ذلك. وخلاصة الأمر أن تقى الدين السبكى لم يكن ينكر نسبته إلى الأنصار - رضى الله عنهم - وهو أيضا لم يكن يجزم بها جزما، وإنما يرى احتمالا لعدم صحتها، وهذا مذهب الذين ترجموا له فى الجملة، وبعضهم جزم بها كالشيخ الأديب صلاح الدين أبى الصفاء خليل بن أيبك الصّفدى فى كتابه" أعيان العصر" (١). الأسر البارزة: عرف تاريخ الإسلام أسرا اشتهر أفرادها بالعلم، كما عرف أسرا اشتهر أفرادها بالشجاعة، أو الحكمة ... ، وقال الأستاذ/ محمود رزق سليم فى موسوعته (عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمى والأدبى) (٢): " أشرقت فى أفق هذا العصر أسر عدة من صميم الأمة أنجبت، ونبغ منها رجال خدموا الدولة فى مصر، أو الشام خدمات جليلة، سواء أكان ذلك فى وظائف الجيش أو الإدارة أو القضاء أو الكتابة، أو فى العلم والأدب. والبحث عن هذه الأسر ونجائبها وذكر مآثرهم بحث طريف، يحتاج إلى عناية مستقلة يبذلها أحد الأدباء". ثم ذكر أسرة السبكى ضمن ما ذكر. والده (٣): على بن عبد الكافى: سبق سياق نسبه، أول من ذاع صيته فى العالم الإسلامى من علماء السبكية، ذاع صيته فى مصر والشام والعراق والحجاز، وإن عرف بالعلم من السبكية قبله من أب وقريب، لكن لم ينتشر ذكر أحد منهم كما انتشر ذكر تقى الدين أبى الحسين شيخ الإسلام. أراد الله به خيرا فى طلب العلم، فقدّر له أبوين صابرين على تعليمه، وقدّر له نفسا صابرة

стр. 11

على الطلب، وقد عاش نحو ٧٣ سنة، وكان إلى أن بلغ نحو ٥٦ سنة منقطعا للعلم تحصيلا وتدريسا، وتأليفا، وفتيا، فبلغ الغاية، وطار اسمه فملأ الأقطار، وحلق على الدنيا، ولم يكتف بمصر من الأمصار. " ولد فى صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وتفقه فى صغره على والده وعلى غيره، وصحب فى التصوف الشيخ تاج الدين بن عطاء، ودرس بالقاهرة، وولى قضاء دمشق ستّ عشرة سنة، ودرّس بعدة مدارس. وقد ذكر له ولده فى (الطبقات الكبرى) ترجمة طنانة. ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر" (١). وكان أشعريّا فى الاعتقاد لم يختلف فى ذلك من ترجموا له، بل قطعوا بذلك، وانظر ما حكاه ابنه تاج الدين فى الطبقات الكبرى ج ١٠ ص ٢٠٠ - ٢٠١. هذا من حيث علم التوحيد، وأما فى الفقه فكان شافعيّا. إخوته: أخوه محمد بن على - أبو بكر: أكبر أولاد على بن عبد الكافى؛ لكنه مات قبل أن يكون له شأن، ولم أقف على شئ من أخباره سوى ما جاء فى الطبقات، ومن ذلك قول تاج الدين (٢): " أنشد الشيخ الإمام قصيدة يخاطب بها أخى الأكبر أبا بكر محمد - تغمده الله برحمته - وهى طويلة الأبيات ... ". أخوه الحسين: قال أخوهما:" واجتمعنا ليلة أنا والحافظ تقى الدين أبو الفتح، والأخ المرحوم جمال الدين الحسين ... ". أخته سارة: بنت على بن عبد الكافى (٧٣٤ - ٨٠٥ هـ) ذكرها ابن حجر العسقلانى فى معجمه (٣).

стр. 12

أخته ستيتة: بنت على بن عبد الكافى، ت ٧٧٦ هـ بالطاعون (١). أخوه عبد الوهاب تاج الدين أبو نصر: ولد بالقاهرة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة - على الراجح (٢)، وتوفى عام ٧٧١ هـ، صاحب طبقات الشافعية، كان يجل أخاه بهاء الدين أبا حامد إجلالا، ونقل فى طبقاته كثيرا مما يتعلق بوالده عن أخيه، وبهاء الدين يكبره بنحو عشر سنين. إجلال أخيه ووالده له: يذكر أخوه تاج الدين فى طبقاته:" نقلت من خط أخى شيخنا شيخ الإسلام أبى حامد أحمد، سلمه الله تعالى أن الوالد ... " الطبقات ١٠/ ١٨١. ووصفه بشيخ الإسلام أيضا فيها ١٠/ ٢٠٩، ٩/ ١٢٤. تاج الدين:" كتاب المناقضات للأخ الشيخ الإمام العلامة بهاء الدين أبى حامد أحمد، أمتع الله ببقائه ... " ١٠/ ١٩٠. ووصفه بالشيخ الإمام العلامة أيضا فى ١٠/ ٢١٦. تاج الدين:" ورأيت الأخ، سيدى الشيخ الإمام أبا حامد، سلمه الله، ذكر فى شرح التلخيص فى المعانى والبيان ... ". الوالد: يقول تاج الدين عن والده:" وأنشدنا لنفسه وقد وقف على كتاب المناقضات للأخ الشيخ الإمام العلامة بهاء الدين أبى حامد أحمد، أمتع الله ببقائه: أبو حامد فى العلم أمثال أنجم ... وفى النقد كالإبريز أخلص بالسّبك فأوّلهم من إسفرايين نشؤه ... وثانيهم الطوسىّ والثالث السبكى

стр. 13

وهذه منقبة للأخ، سلمه الله، فأى مرتبة أعلى من تشبيه والده، وهو من هو، علما ودينا وتحرزا فى المقال، له بالغزالى وأبى حامد الإسفرايينى. ولقد كان الوالد - رضى الله عنه - يجل الأخ ويعظمه، سمعته غير مرة يقول:" أحمد والد" ... وكذلك سمعت الشيخ الإمام ﵀ يقول فى مرض موته، والأخ غائب فى الحجاز:" غيبة أحمد أشد علىّ مما أنا فيه من المرض". وبلغه أن دروس الأخ خير من دروسه فقال: دروس أحمد خير من دروس على ... وذاك عند علىّ غاية الأمل (١) أبناؤه: ١ - تقى الدين أبو حاتم محمد: ترجم له عمه (٢) فقال: ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة وتوفى فى طاعون القاهرة سنة أربع وستين وسبعمائة، وله ذكر فى الطبقات الكبرى لعمه تاج الدين (٣). ٢ - صالحة: ذكرها الأستاذ/ محمد الصادق حسين نقلا عن الضوء اللامع ١٢/ ٧٠ العدد ٤٢٨. ٣ - عبد الله - جمال الدين: ت ٧٧٦ هـ ذكره الأستاذ/ محمد الصادق حسين. ٤ - عبد العزيز: ت ٧٧٦ هـ مع أخيه عبد الله بالطاعون، راجع شذرات الذهب ٦/ ٢٤٢ (نقلا عن البيت السبكى). شيوخه: أحضر على أبى العباس الحجار وأسمع على يونس الدبوسى وأبى الحسن على بن عمر الوانى، والبدر بن جماعة، وجماعة، وبدمشق من الجزرى والمزى، وغيرهما. وأخذ عن أبيه وأبى حيان والرشيدى، والأصبهانى، وسمع على الشيخ تقى الدين بن الصائغ

стр. 14

عدة قراءات، وتفقه على المجد الزنكلونى وابن القماح وغيرهما. هذا ما ذكره الحافظ ابن حجر (١) وغيره، وأكثر هذه الأسماء يحتاج إلى ترجمة وتحقيق، فلعل الله ييسر ذلك فى مقام آخر. تلاميذه: - الدميرى: كمال الدين محمد بن موسى صاحب كتاب" حياة الحيوان الكبرى" ويقول ابن شهبة:" إن الدميرى قدم على الشيخ بهاء الدين السبكى وأخذ عنه ... " (٢). وقد نقل ابن حجر فى الدرر كلاما للدميرى يدل على صحبته لبهاء الدين السبكى فراجعه. وظائفه: أذن له بالإفتاء وعمره عشرون سنة (٣) ولما توجه والده إلى قضاء القضاة بالشام ولاه السلطان الملك الناصر محمد مناصب والده فى تدريس المنصورية، والسيفية والهكارية (٤) وله عشرون سنة (٥). وذكر الصفدى توليه مشيخة الحديث بالجامع الطولونى والجامع الظاهرى (٦) ولفظ ابن قاضى شهبة بعد ما ذكر المنصورية والسيفية والهكارية (٧). " ثم درس بتربة الشافعى، وبجامع الحاكم، ودرّس بالشيخونية أوّل ما فتحت، وخطب بجامع

стр. 15

الحاكم، وولى إفتاء دار العدل، ثم ولى قضاء الشام فى شعبان سنة ثلاث وستين (أى ٧٦٣ هـ) كارها لذلك (١)، وتوجه أخوه إلى مصر على وظائفه، ودرس بدمشق بمدارس القضاء، ثم عاد إلى مصر فى صفر سنة أربع وستين على وظائفه، ثم ولى قضاء العسكر (٢) ". اه. وثمة وظيفة أخرى تولاها شابا؛ لكن سرعان ما نزعت منه، ذلك ما فهمته من كلام أخيه فى الطبقات الكبرى (٣) وهى قضاء القضاة بالعساكر المنصورة، سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة. وفاته: توفى البهاء السبكى سنة ٧٧٣ هـ، قال الحافظ ابن حجر فى كتابه الدرر الكامنة (٤): " ومات بهاء الدين مجاورا بمكة ليلة الخميس السابع عشر من شهر رجب سنة ٧٧٣ وله أربع وخمسون سنة وبضع أشهر، ووهم ابن حبيب فقال: عاش ستا وخمسين سنة".

стр. 16

مصنفاته: - تناقض كلام الرافعى والشيخ محيى الدين النووى: صنفه وكان عمره ست عشرة سنة. - تعليق على الحاوى: ذكره فى مصنفاته ابن حجر فى الدرر الكامنة ١/ ١٢٥ ط. دار الكتب العلمية. وذكره أيضا صاحب معجم المؤلفين. - تكملة شرح المنهاج . - شرح مختصر ابن الحاجب: وقد وصف هذا الشرح بأنه مطول، كما فى معجم المؤلفين. - شرح كتاب تسهيل الفوائد لابن مالك: ذكره فى معجم المؤلفين. - شرح التخليص للقزوينى فى المعانى والبيان، سماه" عروس الأفراح ": وهو كتابنا هذا. ذكره صاحب معجم المؤلفين وقال أخوه فى الطبقات الكبرى (١):" ورأيت الأخ، سيدى الشيخ الإمام أبا حامد، سلمه الله، ذكر فى شرح التلخيص فى المعانى والبيان ... ". - قطعة على شرح المنهاج: شرح المنهاج لأبيه. فكأنه أراد أن يكمله لا أن يعلق عليه؛ ولهذا يقال له: تكملة شرح المنهاج. كما فى معجم المؤلفين. - هدية المسافر فى المدائح النبوية: وقد ذكره بهاء الدين السبكى ضمن شعراء المديح النبوى فى العصر المملوكى، وذلك فى موسوعة الأستاذ/ محمود رزق سليم (٢).

стр. 17

الفنّ الأول علم المعانى

стр. 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المصنف لعروس الأفراح قال الشيخ الإمام، العالم العلامة، حجة الإسلام، مفتى الأنام أوحد الفصحاء والبلغاء، شيخ النحاة والأدباء، كنز المحققين وسيف المناظرين بهاء الملة والدين: أبو حامد أحمد ابن سيدنا ومولانا قاضى القضاة بقية المجتهدين ولسان المتكلمين تقى الدين السبكى، تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته: الحمد لله الذى فتق عن بديع المعانى لسان أهل البيان، ورتق الأفواه عن تفسير المثانى إلى أن فتحتها بلاغة آل عدنان، ومحق ببراعة كتابه العربى، وأسنة دينه القوى ما خالفهما من جدال اللسان، وجلاد السنان، ورزق الفصاحة المحمدية من الحكمة البالغة ما مزق حكم اليونان. نحمده على نعمتى الإنشاء والإعادة، ونشكره شكرا ورد به الخبر المسند فنصدر عن مبتداه بمنتهى السعادة، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تشتمل على جناح القلب فتسكن بمد النصر لها يرمى بشرر كالقصر، وتنكس حصون الشرك بملائكة السبع الطباق لما شيد لها النفى والإثبات من القصر، وتفتح عند موازنة الأعمال باب الغفران بعد المعاضلة، وتتحف بالجبر (١) إذا بدت من كتاب السيئات تخاريج المقابلة، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صاحب الفصل والوصل فى الواقعة إذا وقف الصف يوم الحشر، والمسند إليه الشفاعة إذا التفت الساق بالساق، واشتد كرب ذلك اللف والنشر ﷺ وعلى آل محمد وصحبه، الذين اغتدوا باستخدامه لهم ملوكا يستعبدون معالى الصفات، وارتدوا ملابس التقوى بتجريد قلوب لم يكن لها إلى غيره التفات، واقتدوا به فهم فى التشبيه كالنجوم، لأن محاسن الأمة منهم استعارة، وإليهم إضافات صلاة جارية على الخطاب المنصف والأسلوب الحكيم، حاوية لتمام الاتصال بالصراط المستقيم، وسلم تسليما يعلن به اللسان الطاهر، ويبطن القلب من اعتباره المناسب ما يساعده مقتضى الظاهر، ما خفقت للبلاغة راية مجد فى بنى غالب بن فهر، وتعلقت بأزمة الفصاحة أهل مصر، لما لهم من نسب وصهر.

стр. 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (أما بعد) فإن تلخيص المفتاح (١) فى علم البلاغة وتوابعها بإجماع من وقف عليه، واتفاق من صرف العناية إليه أنفع كتاب فى هذا العلم صنف، وأجمع مختصر فيه على مقدار حجمه ألف، ولم أزل مشغوفا بهذا الفن وله محبا، مشغول الخاطر بالعزم على التجرد إليه وإن كنت على غيره من العلوم مكبا، منذ أبرزتنى الإرادة إلى الوجود إبراز الهلال، وبشرتنى حال المولد بالبلوغ لهذا العلم براعة الاستهلال، وآذنتنى الفراسة أن حسن التخلص حينئذ إنما كان كناية عن مقتضى الحال، وتعريضا بحقيقة ما سيكون من إدراك الآمال. أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكّنا (٢) إلى أن أعربت عن حال التمييز، وبلغت ما تنازع إليه النفس من الاشتغال بمصنفاته ما بين مطنب ووجيز، فلم أطلع للمتأخرين فيه على تصنيف محكم تقر بتهذيبه العين، ولا وقفت لهم فيه على تأليف مجمل أو مفصل أشاهد صحاح معانيه فلا أطلب أثرا بعد عين، أما أهل بلادنا فهم مستغنون عن ذلك بما طبعهم الله تعالى عليه من الذوق السليم، والفهم المستقيم، والأذهان التى هى أرق من النسيم، وألطف من ماء الحياة فى المحيا الوسيم، أكسبهم النيل تلك الحلاوة، وأشار إليهم بأصبعه فظهرت عليهم هذه الطلاوة، فهم يدركون بطباعهم ما أفنت فيه العلماء فضلا عن الأغمار الأعمار، ويرون فى مرآة قلوبهم الصقيلة ما احتجب من الأسرار خلف الأستار. والسيف ما لم يلف فيه صيقل (٣) ... من طبعه لم ينتفع بصقال (٤) فيا لها غنيمة لم يوجف عليها من خيل ولا ركاب، ولم يزحف إليها بعدو عديّة ولا بلحاق لا حق وانسكاب سكاب، فلذلك صرفوا هممهم إلى العلوم التى هى نتيجة أو مادة لعلم البيان، كاللغة، والنحو، والفقه، والحديث، وتفسير القرآن. وأما أهل بلاد المشرق، الذين لهم اليد الطولى فى العلوم، ولا سيما العلوم العقلية والمنطق، فاستوفوا هممهم الشامخة فى تحصيله،

стр. 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واستولوا بجدهم على جملته وتفصيله، ووردوا مناهل هذا العلم فصدروا من عندها (١) بملء مسجلهم، وكيف لا وقد أجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم، فلذلك عمروا منه كل دارس، وعبروا من حصونه المشيدة ما رقد عنه الحارس، وبلغوا عنان السماء فى طلبه" ولو كان الدين بالثريا لناله رجال من فارس" (٢)، إلى أن خرج عنهم المفتاح فكأن الباب أغلق دونهم، وظهر من مشكاة بلاد المغرب المصباح، فكأنما حيل بينه وبينهم وأدارت المنون على قطبهم الدوائر، فتعطلت بوفاته من علومه أفواه المحابر، وبطون الدفاتر، وانقطعت زهراتهم الطيبة عن المقتطف، وتسلط على العضد لسان من يعرف كيف تؤكل الكتف، فلم نظفر بعد هؤلاء الأئمة - رحمهم الله تعالى - من أهل تلك البلاد بمن مخض هذا العلم فألقى للطالب زبدته، ومخض النصح فنشر على أعطاف العارى بردته، ولا حملت قبول القبول إلينا عنهم بطاقة، ولا حصلت للمتطلعين لهذا العلم على تلك الأبواب طاقة، ولا رأينا بعد أن انطمست تلك الشموس المشرقة، واندرست طبقة تحرى الفرقة، ولم يبق إلا رسوم هى من فضائلهم مسترقة، من أطلع غصن قلمه من روض الأذهان زهرة على ورقه، ولا من علق شنه بطبقتهم فيقال: وافق شن طبقة (٣)، بل ركدت بينهم فى هذا الزمان ريحه، وخبت مصابيحه، وناداهم الأدب سواكم أعنى، ورب كلمة تقول دعنى. وما بعض الإقامة فى ديار ... يهان بها الفتى إلّا بلاء (٤) فعند ذلك أزمع هذا العلم الترحل، وآذن بالتحول: وإذا الكريم رأى الخمول نزيله ... فى منزل فالرّأى أن يتحوّلا وفزع إلى مصر فألقى بها عصا التسيار، وأنشد من ناداهم من تلك الديار:

стр. 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أقمت بأرض مصر فلا ورائى ... تخبّ بى الرّكاب ولا أمامى (١) ولقد وصل إلينا من تلك البلاد على التلخيص شروح رحم الله مصنفيها؛ فإنهم ماتوا وهم أخيار وبيض وجوههم فى الآخرة كما سودهم بالمعالى فى هذه الدار، لا تنشرح لبعضها الصدور الضيقة، ولا تنفتح عندها مغلقة، ولا ينقدح فيها زناد الفكر عن مسألة محققة. يتناولون المعنى الواحد بالطرق المختلفة، ويتناوبون المشكل والواضح على أسلوب واحد كلهم قد ألفه، لا يخالف المتأخر منهم المتقدم إلا بتغيير العبارة، ولا يجد له على حل ما أشكل على غيره أو استشكال ما اتضح جسارة. ولا يطمع أن يذوق ما فى الاستدراك من اللذة، ولا تطمح نفسه لأن يقال برز على من سبقه وبزّه (٢)، بل يسرى خلف من تقدمه حتى فى الكلمة الفذة، ويسير أثره حذو القذة بالقذة، قصارى أحدهم أن يعزو أبياتا من الشواهد لقائليها، ويوسع الدائرة بما لا يقام له وزن من تكميل ناقصها وإنشاد ما قبلها وما يليها، وينشر للراغب مفردات الألفاظ من واضح كلام العرب، ويذكر ما لا حرج على مخالفه من اصطلاحات لبعض أهل الأدب، ولا يزيد فى شرح عبارة المصنف على الإيضاح زينا وجد فيه أم شينا، فلو نطق التلخيص لتلا ما جئتم به هذه بضاعتنا ردت إلينا، هذا والشرح يطول، والوقت ينفق ولم يكتب لطالب البيان وصول، قد استفرغوا فى ذلك قوى أفكارهم واستوعبوا مدى أعمارهم فليت شعرى وقد انقضى العمر متى يسبحون فى اللجة، ويجنحون إلى بياض المحجة. أبعد أن يشيب الغراب ويرجع الشباب الحائل. أم يصيرون إلى أن تعود إلى الدنيا القرون الأوائل؟ وحتّى يئوب القارظان كلاهما ... وينشر فى القتلى كليب لوائل (٣) (٤)

стр. 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفى أية مدة يصلون إلى تلك اللطائف، ويحصلون على تلك الحقائق التى طاف بأركان بيتها ممن له حجر سليم ومقام كريم كل طائف. لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان فكم من معضلة فى الكتاب يمرون عليها وهم عن حلاوة حلها معرضون، ومشكلة يصححون ألفاظها وهم للمعانى ممرضون، وكم أوردوا أسئلة وصارخ من التوفيق يناديهم: لو قبل ما هكذا تورد يا سعد الإبل (١). وكم هتف بطائرهم هاتف من العقل بصوت شجى: هيهات ما هذا بعشك فادرجى، وكم عاود النظر فى شئ من هذه الشروح على سبيل التنزل مطالع، ثم ثنى طرفه وهو يقول: يا خيبة المطامع، ويحلف صادقا أنها لم تكن تكتب إلا بأطراف الأصابع، هنالك يعلم الطالب أنه أملى له فيما أملى عليه، وأنه فى مهمه مهمل لا يجاب داعيه ولا يلتفت إليه. فلو أنشدت نعشا هناك بناته ... لمات ولم يسمع لها صوت منشد وإنما أحلت ذلك كله على سوء تصرف من لسان الناقل أو يد الناسخ وأحلت أن يصدر شئ منه عن المصنفين فإنهم أرباب قدم فى العلم راسخ. ولله در القائل: أخا العلم لا تعجل بعيب مصنّف ... ولم تتيقّن زلّة منه تعرف فكم أفسد الرّاوى كلاما بعقله ... وكم حرّف المنقول قوم وصحّفوا وكم ناسخ أضحى لمعنى مغيّرا ... وجاء بشئ لم يرده المصنّف فحدانى ذلك على أن أشد جياد الحزم، وأمد ركاب العزم، إلى شرح للتلخيص يحيى من هذا العلم الرفات، ويدرك منه ما فات، ويمتطى من معاليه أقصاها، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أعمال مصنفيه إلا أحصاها، ويجمع من شتاته ما تفرق شغر بغر (٢)، ويضم من شذوره

стр. 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الذهبية ما ذهب أيدى سبا وتمزق شذر مذر (١)، ويقتض من أبكاره ما مضت عليه القرون، ويفتض من ختامه ما انطوى على كل در مكنون، وينسج على منوال التفهيم تفاصيل محرره، ويحوى من القصب ما أحرز المدى وأطرب، وسكرت عن تبعه أبصار قوم لم يذوقوا حل ألوانه المكررة، ويقدم للطلاب معمولا على نمط ما قلاه من المتحلين باستعمال الأدب عام ولا خاص، محشوا بتأليف حبات من القلوب تصلح مسيرا طبقا عن طبق لدست (٢) الخواص، مختصا بصواب من مختار القول لأنه معمول ومقدم وتقديم المعمول مفيد للاختصاص. ويكون واسطة بين مفتاح المشرق ومصباح المغرب، خليا من العصبية حريا بالنسبة إلى مصر فإنها بقعة من عند الله مباركة طيبة لا شرقية ولا غربية فسبحان فالق إصباحها عن اعتدال يكون بين الحق والباطل فيصلا. وجاعل الشّمس مصرا لا خفاء به ... بين النّهار وبين اللّيل قد فصلا (٣) وكيف لا يدرك الفسطاط من هذا العلم المدى ويسلك فى إبراز حقائقه طرائق قددا، ويستخرج من ركابه أفلاذ الأكباد، ويضم من جياده ما سرح فى البلاد بداد، وهو قد اقتلع من تخوم خوارزم أساس البلاغة وأخذ زهرة أصفهان وأخلى ابن داود منها باعه وزفت إليه من ثم الخريدة بالأغانى وكفل لنيسابور اليتيمة فكان كما دل عليه الخبر خير المغانى، واقتطع من جيد المغرب عقده، ورشق مصنفاته بسهام النقد فما أغنت عن ابن رشيق العمدة (٤). ونشر قلائد

стр. 24

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عقيانه، ونثر زهر آدابه عن أفنانه. واستولى على الذخيرة. واستوفى محاسن أهل الجزيرة، فلذلك رجوت أن تخرج طينته فى هذا العلم كتابا يملى على المغترين من العلم فيملأ صدورهم ملاءة، وأن يرد ما أخذه عباءة ملاءة. ثم أحجمت عن سلوك هذا المسرى فصرت أقدم رجلا وأؤخر أخرى لعلمى أن الباع قصير والمتاع يسير، والبضاعة مزجاة، والصناعة لا تسعف الآمل كل وقت بما رجاه. هذا موضع ضيق الوقت بأعداء ندرأ بالله فى نحورهم، ونعوذ به من شرورهم: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها (١). ويمكرون ويصدفون عما انتهى إليهم منا فنتلو: ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢). إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... منّى وما سمعوا من صالح دفنوا مثل العصافير أحلاما ومقدرة ... لو يوزنون بزفّ (٣) الرّيش ما وزنوا صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا (٤) يتناهبون من العمر الأيام والليالى، ويحولون لو قدروا بين القلب وما يحاوله من العلوم والمعالى، لا تصدع المواعظ قلوبهم فتردعهم، ولا يسمعهم المذكر بأيام الله ولو أسمعهم، ولم يرد الله نفعهم فما نفعهم، هذا مع غشيان الفتنة لهم فى كل عام، وإتيان دائرة السوء عليهم بما ينحرهم كالأنعام، وأن أحدا منهم لا يصل إلى ما يتمناه. فإنا حول مائدة الكرم نستبشر بقوله تعالى كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ (٥). وأيّامنا مشهورة فى عدوّنا ... لها غرر (٦) معروفة وحجول

стр. 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأسيافنا ألطاف رب دفاعه ... منيع يردّ الطّرف (١) وهو كليل معوّدة نصرا من الله غالبا ... يعزّ على من كاده ويطول هو الصّمد الفرد الّذى مستجيره ... عزيز وجار المعتدين ذليل سلى إن جهلت النّاس عنّا وعنهم ... فليس سواء عالم وجهول فإنّ رسول الله قطب رحائنا ... تدور رحانا حوله وتجول (٢) ألهم الله كلا منا ومنهم توبة تضع من الأوزار عن الظهور كلا. وكفانا وإياهم حصائد الألسنة" وهل يكب الناس فى النار على وجوههم إلا" (٣). وحساد على نعم الله تعالى لا فى اثنتين، ولا يتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، لا أقول حان حينهم، بل كفينا عينهم ومينهم، وحال الله بين مناهم وبينهم، يريدون إطفاء العلم بأفواههم، فلا يحصلون إلا على إتعاب شفاههم وتسويد جباههم. وفى تعب من يحسد الشّمس نورها ... ويجهد أن يأتى لها بضريب نسأل الله أن يجعلنا من قوم عرفوا نعمته فحمدوا. محسّدين على ما كان من نعم ... لا ينزع الله منهم ما له حسدوا (٤)

стр. 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلى ما انضم إلى ذلك من فراق لذلك الوالد استولى على الجسد فهد قواه، ورمى القلب بسهام الوجد فأصماه، وشارفه باستيفاء أقسام الحزن عاملا على مباشرة سهمى رقيبه ومعلاه. فانصرفت آمال النفس عن الأمانى وانحرفت عما كان يعز عليها من معالى المعانى. قد كنت أشفق من دمعى على بصرى ... فاليوم كلّ عزيز بعدهم هانا إلى استغراق الزمان بذكر الدروس التى هى لغير هذا العلم موضوعة، والأخذ فى تصانيف فى الفقه وأصوله نرجو إكمالها إن شاء الله تعالى وتكميل ما شرع فيه من الخير سنة مشروعة، فليت شعرى هل تفضل من العمر عن هذه الشواغل بقية؟ وهل دون هذه السهام القواتل من تقية؟ غير أنه قد أسعفت الألطاف الإلهية، وأسعدت العناية المحمدية (١) حتى وضعت لهذا الكتاب شرحا ليس غائب الرسم فأعرفه بالحد، ولا مجانب الوسم فأصفه بما يوجب القبول أو الرد، بل هو بادى الصفحة، مدرك باللمحة، وها أنا قد أخرجته عن يدى وجعلته موقوفا فى سوق الاعتراض، مصروفا لمن يستحق منافعه وهو المبرأ من أمراض الأغراض، فمن نظر بعين الإنصاف، واعتبر وهو مصاف، وله بصحة الذهن اتصاف، علم أهو جدير بأن ينبذ بالعراء ويهجر هجر واصل للراء؟ أم هو حقيق بأن تضرب له أيدى النجباء آباط النجائب، وتعقد الخناصر على ما فيه من عجائب المحاسن ومحاسن العجائب؟ فإن تصفح الناظر فيه الغلط فليصفح ولا يكن من أناس بالأغاليط يفرحون، وليصلح ما يجده فاسدا فإن الله تعالى ذم رهطا قال فيهم: يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٢)، وإن رآه أمثل مما فرح الطلاب بجمعه من كلام كثيرين فليعوذه بقوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣). وكأنى بمن لا يعرف من التحقيق قبيلا من دبير، ولا هو من التدقيق فى العير ولا فى النفير، ولا تملك يده من هذا العلم قطميرا، وإن بسط ذراعيه بوصيد كهف العلم كأنه قطمير، يجد فى كتابى هذا قواعد مخترعة، ومعاقد هى فى بادئ الرأى هاذمة لقواعد المتقدمين وإنما هى عند التأمل والتحقيق من كلامهم منتزعة، وركوب لجة ما ركبها السابحون،

стр. 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسلوك محجة ما طرقها الشارحون، ولا سلكها الغادون والرائحون، أو ينظر أول كلامى دون آخره، ويقصر عن درك دقائقه حتى تمضى ساعاته حول ظواهره، فيظن أنه قد وجد تمرة الغراب، أو أنه قد سبق الهجين العراب. عذرت البزل إن هى خاطرتنى ... فما بالى وبال بنى لبون هيهات لا يدرك شأوى الضليع هذا الضالع، ولا يملك ما طمع فيه وإنما تقطع أعناق الرجال المطامع، فليعلم هذا القصير الباع المبطن من مكيدته ما استطاع، أنه لم يبق وجهه بل فضح نفسه وصنفه، ولأمر ما جدع قصير أنفه، وأنه لا يزال يتقلب من كمده على الجمر، ويأمر من اجتناب هذا الكتاب بالفحشاء ولا يطاع لقصير أمر: وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السّقيم ولكن تأخذ الآذان منه ... على قدر القرائح والعلوم (١) أيحسب أن ما فقده من كلام الشارحين صار الكتاب منه غفلا؟! أم يظن أن التقصير أغلق على خزائنهم دونى قفلا؟! ولا يدرى أننى وردت حياضهم فرشفت صفوا وقذفت ثفلا، وجبت أنجادهم وأغوارهم فتخيرت منها ما يصلح علوا وسفلا. أولى له فأولى إن لم يعط القوس باريها، لقد كان الأحرى به والأولى أن ينظر آخر الكلام أو يرجع من كتب المتقدمين ما فيها، فالاستيعاب لأطراف الكلام الموطأ يرشده ويوقظه من سنة الكرى، والاستذكار لما أسسه السلف من تمهيد القواعد ينشده: أطرق كرا، أطرق كرا ... إنّ النّعام فى القرى (٢) كأنما ضرب بينه وبين العلم بسور من الشدائد، وجعل عليه دون هذا الكتاب سدّا من حديد فهو يضرب فيه بذهنه الكليل الشارد، وقيل ارجع وراءك فالتمس نورا فإنما أنت تضرب فى حديد حتى يرجع بخفى حنين (٣)، ويسمى بحسده أشغل من ذات النحيين «٣»، ولو

стр. 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أوتى رشده لأنف أن يسخر منه الساخر، واغترف من هذا البحر الزاخر، واعترف بأنه الذى يلتقط منه جواهر المفاخر، وترى الفلك فيه بشراع العلم مواخر، ويقول من تقرع أسماعه: كم ترك الأول للآخر؟ وهب أنه ظفر بزلات معدودة، وعثر على هفوات ليست أمثالها عن جهابذة هذا الفن مردودة، ألم يعلم أن السعيد من عدت غلطاته، وردت إلى استقصاء الإحصاء سقطاته؟! فمن ذا الّذى ترضى سجاياه كلّها ... كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه (١) ولكن لأمر ما يسود من يسود، وعسى أن يكره الإنسان من ذم الحاسد ما تسفر عقباه عن محمود السعود: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود (٢) أعاذنا الله تعالى من هوى يرمى بالخرس لسان الاعتراف، ويعمى أبصار البصائر عن جميل الأوصاف، ويصمى (٣) القلوب فلا يصل إليها نور الإنصاف، ولما أوصلتنى السرى منه إلى صباح قدر صدته فلاح، وأسفر صبحه فأجاب من سمع من مناديه حى على الفلاح، وشرح طائره الميمون ببطاقة بالحتم مبشرة بالقدوم يخفق بها جناح النجاح، ووصلت فيه إلى اجتناء غروس ثمارها على أفنان الفنون مرتصة، وحصلت منه على اجتلاء عروس فى حلى الأفراح

стр. 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على منصة حمدت الله تعالى على إتمام نعمتى الإتمام والافتتاح، وسميته: (عروس الأفراح فى شرح تلخيص المفتاح) ولقد احتوى هذا الشرح بحمد الله تعالى من المباحث التى هى من بنات فكرى فلم أسبق إليها، ومن هبات ذكرى فما عثر أحد فيما علمت من أهل هذا الفن عليها، على جملة لا أعقد لها عددا حتى أفرغ من عدّ النجوم، ولا أعهد لها مددا سوى إلهام الحى القيوم، وكأين فيه من شاهد يردّ على هذا العلم ما يدعيه عن حق ضائع، ويثبت له عرفا يحفظ طيب الثناء بعرف ضائع، ويأمن من الإسقاط فإنى استخرجته بالفكرة، وعدلته بتزكيتى العقل والنقل عند قاض من التأمل ليست عنده فترة، وأجلسته فى مجالس العلماء فأثبتوا فخره، وأطلت البحث عنه ولم أجده فى كتاب ولم أسمعه من ذى فطرة. واعلم أنى مزجت قواعد هذا العلم بقواعد الأصول والعربية، وجعلت نفع هذا الشرح مقسوما بين طالبى العلوم الثلاثة وأكاد أقول بالسوية، وأضفت إليه من إعراب الآيات الواقعة فيه ما هو محرر وإن كان رقيق الحاشية، ومن ضبط ألفاظ أحاديثه النبوية ما كانت خباياه من الجامع الأزهر الصحيح فى زاوية، وضمنته شيئا من القواعد المنطقية والمقاعد الكلامية والحكمة الرياضية أو الطبيعية، وأتحفته من فوائد الوالد (١) وتحقيقه، ومن فوائد علمه الطارف والتالد وتدقيقه، ما هو تاج على هام الكواكب، وسراج إذا ادلهمت الغياهب، وطراز على حلة الطالب، وغرة فى جبهة العلوم ترفع عن عين اليقين الحاجب، وهو الذى تلقفت عنه علم البيان، وتكيفت منه بكل ما منحنى الله من المواهب الحسان، وأنا أسأل الله تعالى وأتضرع إليه، وأتوسل (٢) إليه بمحمد ﷺ فإنه أكرم خلقه عليه أن يسكنه وإياى وسائر ذريته فى الجنة مكانا مرفوعا، وأن يجعل المحمول على ظهورنا من مقدمات سوء المنطق وغيره من أشكال للأعمال المنتجة للأصغر والأكبر من الأوزار موضوعا. واعلم أننى لم أضع هذا الشرح، حتى استعنت عليه بنحو من ثلاثمائة تصنيف، وأنه تضمن الخلاصة من مائة تصنيف فى هذا العلم، منها ما وقفت عليه، ومنها ما وقفت على كلام من وقف عليه، وقال: إنه جمع بين طرفيه وإنى اختصرت فيه أكثر من خمسين مصنفا فى علم البلاغة وقفت عليها، لم أترك منها إلا ما هو خارج عن هذا العلم، أو قليل الجدوى فيه، أو هو فى غاية الوضوح، أو شواهد لا حاجة لها لكثرتها، أو ما زاغ البصر عنه، أو ما إن تأملته علمت أنه فاسد لا ترتضيه فمن

стр. 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك: دلائل الإعجاز للشيخ عبد القاهر الجرجانى (١)، والبديع لابن المعتز (٢) وإعجاز القرآن للرمانى (٣)، والواسطة لعلى بن عبد العزيز الجرجانى (٤)، والبديع لابن المنقذ (٥)، وسر الفصاحة لابن سنان الخفاجى (٦)، والعمدة لابن رشيق القيروانى (٧)، والعدة فى اختصار العمدة للصقلى (٨)، وكنايات البلغاء لأحمد بن محمد الجرجانى (٩)، والنصف من حلية المحاضرة للحاتمى (١٠)، ومنهاج البلغاء وسراج الأدباء لحازم (١١)، والصناعتان للعسكرى (١٢)،

стр. 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ونهاية الإنجاز (١) فى الإعجاز للإمام فخر الدين الرازى (٢)، والمعيار للزنجانى (٣)، وقوانين البلاغة لعبد اللطيف البغدادى (٤)، والمفتاح للسكاكى (٥)، وشرحه للإمام قطب الدين الشيرازى (٦)، وشرحه للشيخ ناصر الدين الترمذى (٧)، وشرحه للشيخ شمس الدين الخطيبى الخلخالى (٨)، وشرحه أيضا للشيخ عماد الدين الكاشى (٩)، وشرحه أيضا للقاضى حسام الدين (١٠) قاضى الروم، وتنقيح المفتاح للشيخ تاج الدين التبريزى (١١)، وروض الأذهان للشيخ بدر الدين بن مالك (١٢)، والمصباح أيضا له، وضوء المصباح مختصر المصباح لابن النحوية (١٣)، وشرحه له، والأقصى القريب للشيخ زين الدين

стр. 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ محمد بن محمد بن محمد بن عمرو التنوخى (١)، والمثل السائر للصاحب ضياء الدين نصر الله بن الأثير (٢)، والجامع الكبير لأخيه (٣)، ومختصر المثل السائر لابن العسال، والنصف الأول من كنز البلاغة (٤) لعماد الدين إسماعيل بن الأثير (٥)، ومختصر كنز البلاغة المذكور لولد مصنفه (٦)، وروضة الفصاحة لزين الدين الرازى الحنفى (٧)، والفلك الدائر على المثل السائر لعز الدين بن أبى الحديد (٨)، وقطع الدابر عن الفلك الدائر لعبد العزيز بن عيسى (٩)، وتحرير التحبير لابن أبى الإصبع (١٠)، وموارد (١١) البيان لأبى الحسن على بن خلف بن على بن عبد الوهاب الكاتب (١٢)، وبديع

стр. 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القرآن والتبيان لابن الزملكانى (١)، والبرهان له، والتبيان للشيخ شرف الدين الطيبى (٢)، وشرحه له، والإيضاح للمصنف (٣)، وحواشى الإيضاح للجزرى (٤) شيخ والدى فى علم الكلام، وشرح التلخيص للإمام الزاهد ولى الله شمس الدين القونوى (٥)، وشرحه أيضا للخطيب، وشرحه للشيرازى (٦)، وشرحه للزوزنى (٧)، وشرح البديعية للصفى بن سرايا الحلى (٨)، والطريق إلى الفصاحة للشيخ الرئيس علاء الدين بن النفيس شيخ والدى فى الطب (٩)، والمقدمة فى علم

стр. 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البيان لشيخنا شمس الدين الأصبهانى (١) الموضوعة فى أول تفسيره، والمقدمة فى البيان والبديع الموضوعة فى أول تفسير ابن النقيب (٢) (٣)، والنظم فى علم البديع لابن معط (٤)، والفوائد الغياثية للشيخ عضد الدين (٥). وإذا أردت أن تعلم مقدار ما زادته القريحة من المباحث والفوائد، فراجع هذه الكتب فإنك تعلم أن غالب ما عندك عنها رائد وبالله تعالى أستعين، وهو حسبى، ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وأفوض أمرى إلى الله، إن الله بصير بالعباد، وحسبى الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، وما شاء الله لا قوة إلا بالله لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آل محمد وصحبه وسلم.

стр. 35

بسم الله الرّحمن الرّحيم كلمة الافتتاح للخطيب القزوينى الحمد لله على ما أنعم، ... ــ شرح مقدمة صاحب التلخيص ص: قال المصنف ﵀: (الحمد لله على ما أنعم). (ش): الحمد هو الثناء بالقول على جميل الصفات والأفعال. وبين الحمد والشكر عموم وخصوص من وجه، فإن الشكر يكون على الأفعال فقط: بالقول، أو الفعل، أو الاعتقاد، وعبارة الزمخشرى: وهو بالقلب، واللسان، والجوارح. يريد التنويع، لا أن الشكر لا يكون إلا بمجموع الثلاثة. ثم استدل على ذلك بقوله: أفادتكم النّعماء منّى ثلاثة ... يدى ولسانى والضّمير المحجّبا (١) وفيه نظر؛ لأن البيت لا تعرض فيه بأن شيئا من ذلك يسمى شكرا، فضلا عن كل واحد، نعم يدل على إطلاق الشكر على أعمال الجوارح والقلوب، قوله ﷺ وقد رآه بلال يصلى ويبكى، كيف تبكى وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ -:" أفلا أكون عبدا شكورا" (٢) وقوله تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً (٣) وأما المدح، فاختلف النحاة فى أنه مقلوب الحمد أو لا، ويعزى الأول لابن الأنبارى، وأما المعنى فقال الزمخشرى: الحمد والمدح أخوان لا يريد أنهما متشابهان غير مترادفين كما توهمه الطيبى؛ بل يريد ترادفهما؛ لأنه صرح بذلك فى الفائق، فقال: الحمد هو المدح، وإليه أشار أيضا فى تفسير قوله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ (٤) وبه صرح الشيخ عز الدين بن عبد السّلام، ولا

стр. 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقدح فيه أن السكاكى فى خطبة المفتاح عطف أحدهما على الآخر، وفصل بين المحامد والممادح، فقال:" حمد الله ومدحه بما له من الممادح أزلا وأبدا وبما انخرط فى سلكها من المحامد متجددا"؛ لأنه فى مقام إطناب يناسبه عطف الشئ على نفسه بلفظين مختلفين، وإنما جعل ما سماه متجددا منخرطا فى سلك ما سماه أبديا وغاير بين اللفظين؛ لأنه جعل معنى المحامد منخرطا فى معنى الممادح فيكون بينهما تباين، أو عموم وخصوص، وقد فرق السهيلى بينهما بأن الحمد يشترط صدوره عن علم لا ظن، وأن تكون الصفات المحمودة صفات كمال، والمدح قد يكون عن ظن وبصفة مستحسنة وإن كان فيها نقص ما، وقال لهذين الشرطين: لا يوجد الحمد لغير الله تعالى، وهو المستحق له على الإطلاق وقد يرد عليه قول عائشة رضى الله عنها فى قصة الإفك:" لا أحمد إلا الله" (١) وقولها:" أحمد الله لا أحمدك" وقوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٢) قال ابن عباس رضى الله عنهما: يحمده فيه أهل السموات والأرض. ولا أدرى كيف استخرج السهيلى من الشرطين اللذين ذكرهما كون الحمد لا يستعمل لغير الله؟ فإن صفات النبى ﷺ صفات كمال يصدر كثير من ذكرها (٣) عن علم لا ظن، ثم لا نسلم له امتناع إطلاق الحمد لغير أهل الكمال، فقد يحمد غير الإنسان، كقول العرب: عند الصباح يحمد القوم السرى ومن أسمائه تعالى: الحميد. وقد قال الإمام فخر الدين فى تفسيره فى أواخر البقرة وفى كتابه اللوامع: إن حميدا يصح أن يكون بمعنى حامد، أى: يحمد الأفعال الحسنة وبمعنى حامد (٤)، وقال الشاعر: ومن يلق خيرا، يحمد النّاس أمره ... ومن يغو، لا يعدم على الغىّ لائما (٥) ولا يقدح فى الاستدلال به أن البيت للمرقش الأكبر، والكلام إنما هو فى الجواز

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشرعى، بل فى موضوع الكلمة لغة؛ لما يعلمه من وقف على كلامه، وقد يحمد من فعل خيرا كائنا ما كان. كقول تلك المرأة بالحديبية: يا أيّها المادح دلوى، دونكا ... إنّى رأيت النّاس يحمدونكا (١) وهذا البيت ذكره ابن إسحاق فى السيرة، وظاهر كلامه أنه من شعر هذه المرأة. لكن قال ابن الشجرى فى أماليه: إنه لرؤبة، وأنه فى مال لا فى ماء، فذكر الدلو حينئذ استعارة. وعلى هذا فيحمل كلام ابن إسحاق على أن المرأة فى الحديبية أنشدته من كلام غيرها، وقد يستأنس بأن الحمد لا يكون لغير الله تعالى، بما ورد فى الكتاب والسنة من أنه تعالى له الحمد، وهذه صيغة اختصاص، وبالاستغراق الذى هو ظاهر الألف واللام فى قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ (٢) فأما قول الزمخشرى: إن الاستغراق الذى يتوهمه كثير من الناس فى الحمد وهم، فقيل: إنها نزعة اعتزال؛ لأنهم يرون أن أفعال العباد مخلوقة لهم، وأنهم يحمدون عليها - تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا - وكأن قائل هذا القول لم يطرق سمعه قوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ (٣)، وقوله ﷺ عند الصباح:" اللهم ما أصبح بى من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك" (٤) وقيل: إن أراد أن الألف واللام ليست للاستغراق إذا دخلت على اسم الجنس، وليس كذلك؛ بل هى للاستغراق عنده، وعند الأكثرين وقيل: إن أراد أن التقدير: أحمد الله حمدا، لأنه مفسر بقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ (٥)، فكان المقصود به حمدا خاصا، فلا تكون للاستغراق، وإن أراد ذلك ففيه نظر.

стр. 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال عبد اللطيف البغدادى فى شرح الخطب النباتية: معناهما متقارب، إلا أن فى الحمد تعظيما وفخامة ليست فى المدح والشكر، وهو أخص بالعقلاء والعظماء منهما، فلذلك إطلاقه على الله تعالى أكثر، وقد يطلق عليه المدح. قال ﷺ : (إن الله يحب المدح؛ ولذلك مدح نفسه) ويقال: مدح الإنسان نفسه، ولا يقال: حمدها، إلا إذا طلب منها فضيلة فطاوعته. قلت: ولفظ الحديث:" لا أحد أحب إليه المدح من الله؛ ولذلك مدح نفسه" (١). ومراد عبد اللطيف بقوله: قد يطلق المدح على الله تعالى أنك تقول: مدحت الله، وما ذكره هو ما فهمه النووى، وليس صريحا، لاحتمال أن يكون المراد أن الله تعالى يحب أن يمدحه غيره، ولذلك مدح نفسه، لا أن المراد يحب أن يمدحه غيره. وقيل: المدح أعم من الحمد؛ لأن المدح يحصل للعاقل وغيره، والحمد لا يحصل إلا للفاعل المختار. قاله الإمام فخر الدين الرازى، ويرد عليه بما سبق. وقال الراغب: المدح أعم، لأن الحمد يكون على الصفات الاختيارية والمدح على أعم من الاختيارية والخلقية. وقال سيبويه، فى باب ما ينتصب على المدح: إن الحمد لا يطلق تعظيما لغير الله تعالى، وذكر فى باب آخر، أنه يقال: حمدته: إذا جزيته على حقه. وهذا الكلام هو التحقيق فتلخص أن الحمد إن أريد به التعظيم، اختص به الله ، وإن أريد به المجاز، لا يكون خاصا، ولا يرد شئ مما سبق على هذا القول؛ فإن الحمد فيه على المعنى الجائز وهو المجاز، والثناء جنس للجميع؛ بل لأعم، فإنه يكون فى الشر. وفى الحديث مر بجنازة،" فأثنى عليها شرا" (٢) بل ربما يأتى الشكر فى الشر، كما ذكره الشيخ عز الدين بن عبد السّلام فى بعض كلامه. وقوله: (على ما أنعم) أى لأجله إن كانت" على" للتعليل، وهو مذهب كوفى، وإن أبقيناها على معناها من الاستعلاء، فلعله لاحظ فيه من البلاغة الإشارة إلى تفخيم الحمد، قلت: وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أن الحمد من جملة النعم، والثانى: أن إرادة الاستعلاء على النعمة مخل بالبلاغة فى هذا المحل، ولهذا كانت النعمة فى الغالب إذا ذكرت مع الحمد فى القرآن لم تقترن بعلى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ (٣)، الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (٤)

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحيث أشير إلى ذكر النعمة أتى بعلى كقوله ﷺ إذا رأى ما يكره:" الحمد لله على كل حال" (١) إشارة إلى ستر النقمة، واستعلاء الحمد عليها، ولذلك جاء الحمد لله على ما أولانا؛ لأن منه النقمة والنعمة فأريد التغطية لأجل النقمة، وهو كالحمد لله على كل حال. وقد ذكرنا أن البلاغة تقتضى ذكر المحمود عليه بلفظ" على" فى جانب النقمة، واجتنابها فى جانب النعمة، فليتنبه لهذه الدقيقة. لا يقال ينتقض بقوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ (٢) فإن المقصود فى ذلك المحل استعلاء التكبير برفع الصوت، والأولى أن يجعل الحمد لله جملة، وعلى ما أنعم يتعلق بمحذوف، التقدير نحمده على ما أنعم إذ لا يصح تعلقه بالحمد المذكور، إذا جعلنا الحمد لله جملة، ولا بحمد مقدر، ويجوز أن يكون خبرا. وقوله: (ما) هى مصدرية، أى على إنعامه إما على حقيقته، أو بمعنى المنعم به إن جوزنا انحلال الأداة والفعل بمصدر مجازى، وهو أحد قولين وهو أولى من الموصولة، لأمرين: أحدهما: أن الجملة التى بعدها خالية من العائد فيلزم أن يكون العائد محذوفا، فيحتاج قوله: ما لم يعلم إلى تقدير ما يعمل فيه، أو يكون استغنى عن العائد بقوله: ما لم يعلم، كقولهم: أبو سعيد الذى رويت عن الخدرى، وهو ضعيف، أو ممتنع. والثانى: ما يلزم عليه من استعمال غير الأكثر من تعدى أنعم إلى المنعم به بنفسه فإن الغالب تعديته بالباء، كقولك أنعم عليه بكذا، وإنما لزم ذلك؛ لأنا نقدر العائد مجرورا لامتناع حذفه حينئذ إلا بتكلف وعلى هذه اللغة التى حكاها ابن سيده قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ (٣). وقوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (٤). لا كما قاله أبو البقاء وغيره، من أنه توسع فيه بحذف الحرف فحذف العائد بعده منصوبا، ويحتمل أن يعود الضمير على المصدر، كقوله تعالى: لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٥).

стр. 40

وعلّم من البيان ما لم نعلم، ... ــ ص: (وعلم) من البيان ما لم نعلم. (ش):" علم" معطوف على" أنعم" لا على" الحمد لله"، فرارا من عطف الجملة الفعلية على الجملة الاسمية؛ ولأن المعنى عليه أمكن، فحينئذ هذه السجعة جارية على آخر كلمة من السجعة قبلها، وهى أنعم طارحة لما قبلها، وهو غير الأحسن فى صناعة البديع، إذ الأحسن ملاحظة الثانية للأولى حتى يكونا كفرسى رهان. وعطف (علم) على (أنعم) من عطف الأخص على الأعم إن كانت" ما" مصدرية، ومن عطف الخاص على العام، إن كانت موصولة، فإن ما الموصولة عامة، وكلاهما خارج عن الأصل والغالب، لاستدعاء الأول عطف الشئ على نفسه. واستدعاء الثانى عطف بعض الشئ عليه، أو أحد أفراد الكلية عليها المستدعيين أيضا لعطف الشئ على نفسه، غير أن كلا منهما بليغ مستحسن، كما سيأتى إن شاء الله تعالى. وليتنبه لدقيقة، وهى أن الأصولى يؤول ما يرد من ذلك، حيث قدر على إرادة ما عدا الخاص بالعام، فرارا من التأكيد، حتى ذهب بعضهم إلى التزام ذلك، وجعله من المخصصات. أما هنا: فنحن لا نفر من التأكيد، بل نحافظ عليه؛ لما فيه من البلاغة، ولا سيما فى المقامات الخطابيات، ثم نحافظ على إدخال نعمة تعلم البيان فى قوله: (ما أنعم)؛ لتحصل براعة الاستهلال بذكر ما يناسب المقصود، كقوله: بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا (١) بل قد يقال: إنها فقط هى المرادة، ويكون من العام المراد به الخصوص؛ لما ذكرناه، ويكون الأول على جهة الطرح، كقولك: أعجبنى علم زيد وفقهه. والبيان يطلق على معان لا نطيل بذكرها والمراد هنا منها: الفصاحة، أو هذه العلوم التى ستأتى فى هذا المختصر؛ فإن الثلاثة تسمى علم البيان. وقوله: (ما لم نعلم) هو نفى غير متصل بالحال بقرينة أنه إنما قصد الحمد على العلم الموجود حال هذا
следующие страницы →