. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يقدح فيه أن السكاكى فى خطبة المفتاح عطف أحدهما على الآخر، وفصل بين المحامد والممادح، فقال:" حمد الله ومدحه بما له من الممادح أزلا وأبدا وبما انخرط فى سلكها من المحامد متجددا"؛ لأنه فى مقام إطناب يناسبه عطف الشئ على نفسه بلفظين مختلفين، وإنما جعل ما سماه متجددا منخرطا فى سلك ما سماه أبديا وغاير بين اللفظين؛ لأنه جعل معنى المحامد منخرطا فى معنى الممادح فيكون بينهما تباين، أو عموم وخصوص، وقد فرق السهيلى بينهما بأن الحمد يشترط صدوره عن علم لا ظن، وأن تكون الصفات المحمودة صفات كمال، والمدح قد يكون عن ظن وبصفة مستحسنة وإن كان فيها نقص ما، وقال لهذين الشرطين: لا يوجد الحمد لغير الله تعالى، وهو المستحق له على الإطلاق وقد يرد عليه قول عائشة رضى الله عنها فى قصة الإفك:" لا أحمد إلا الله" (١) وقولها:" أحمد الله لا أحمدك" وقوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٢) قال ابن عباس رضى الله عنهما: يحمده فيه أهل السموات والأرض. ولا أدرى كيف استخرج السهيلى من الشرطين اللذين ذكرهما كون الحمد لا يستعمل لغير الله؟ فإن صفات النبى ﷺ صفات كمال يصدر كثير من ذكرها (٣) عن علم لا ظن، ثم لا نسلم له امتناع إطلاق الحمد لغير أهل الكمال، فقد يحمد غير الإنسان، كقول العرب: عند الصباح يحمد القوم السرى ومن أسمائه تعالى: الحميد. وقد قال الإمام فخر الدين فى تفسيره فى أواخر البقرة وفى كتابه اللوامع: إن حميدا يصح أن يكون بمعنى حامد، أى: يحمد الأفعال الحسنة وبمعنى حامد (٤)، وقال الشاعر:
ومن يلق خيرا، يحمد النّاس أمره ... ومن يغو، لا يعدم على الغىّ لائما (٥)
ولا يقدح فى الاستدلال به أن البيت للمرقش الأكبر، والكلام إنما هو فى الجواز
стр. 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشرعى، بل فى موضوع الكلمة لغة؛ لما يعلمه من وقف على كلامه، وقد يحمد من فعل خيرا كائنا ما كان. كقول تلك المرأة بالحديبية:
يا أيّها المادح دلوى، دونكا ... إنّى رأيت النّاس يحمدونكا (١)
وهذا البيت ذكره ابن إسحاق فى السيرة، وظاهر كلامه أنه من شعر هذه المرأة. لكن قال ابن الشجرى فى أماليه: إنه لرؤبة، وأنه فى مال لا فى ماء، فذكر الدلو حينئذ استعارة. وعلى هذا فيحمل كلام ابن إسحاق على أن المرأة فى الحديبية أنشدته من كلام غيرها، وقد يستأنس بأن الحمد لا يكون لغير الله تعالى، بما ورد فى الكتاب والسنة من أنه تعالى له الحمد، وهذه صيغة اختصاص، وبالاستغراق الذى هو ظاهر الألف واللام فى قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ (٢) فأما قول الزمخشرى: إن الاستغراق الذى يتوهمه كثير من الناس فى الحمد وهم، فقيل: إنها نزعة اعتزال؛ لأنهم يرون أن أفعال العباد مخلوقة لهم، وأنهم يحمدون عليها - تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا - وكأن قائل هذا القول لم يطرق سمعه قوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ (٣)، وقوله ﷺ عند الصباح:" اللهم ما أصبح بى من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك" (٤) وقيل: إن أراد أن الألف واللام ليست للاستغراق إذا دخلت على اسم الجنس، وليس كذلك؛ بل هى للاستغراق عنده، وعند الأكثرين وقيل: إن أراد أن التقدير: أحمد الله حمدا، لأنه مفسر بقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ (٥)، فكان المقصود به حمدا خاصا، فلا تكون للاستغراق، وإن أراد ذلك ففيه نظر.
стр. 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال عبد اللطيف البغدادى فى شرح الخطب النباتية: معناهما متقارب، إلا أن فى الحمد تعظيما وفخامة ليست فى
المدح والشكر، وهو أخص بالعقلاء والعظماء منهما، فلذلك إطلاقه على الله تعالى أكثر، وقد يطلق عليه المدح. قال ﷺ : (إن الله يحب المدح؛ ولذلك مدح نفسه) ويقال: مدح الإنسان نفسه، ولا يقال: حمدها، إلا إذا طلب منها فضيلة فطاوعته. قلت: ولفظ الحديث:" لا أحد أحب إليه المدح من الله؛ ولذلك مدح نفسه" (١).
ومراد عبد اللطيف بقوله: قد يطلق المدح على الله تعالى أنك تقول: مدحت الله، وما ذكره هو ما فهمه النووى، وليس صريحا، لاحتمال أن يكون المراد أن الله تعالى يحب أن يمدحه غيره، ولذلك مدح نفسه، لا أن المراد يحب أن يمدحه غيره. وقيل: المدح أعم من الحمد؛ لأن المدح يحصل للعاقل وغيره، والحمد لا يحصل إلا للفاعل المختار. قاله الإمام فخر الدين الرازى، ويرد عليه بما سبق. وقال الراغب: المدح أعم، لأن الحمد يكون على الصفات الاختيارية والمدح على أعم من الاختيارية والخلقية.
وقال سيبويه، فى باب ما ينتصب على المدح: إن الحمد لا يطلق تعظيما لغير الله تعالى، وذكر فى باب آخر، أنه يقال: حمدته: إذا جزيته على حقه. وهذا الكلام هو التحقيق فتلخص أن الحمد إن أريد به التعظيم، اختص به الله ، وإن أريد به المجاز، لا يكون خاصا، ولا يرد شئ مما سبق على هذا القول؛ فإن الحمد فيه على المعنى الجائز وهو المجاز، والثناء جنس للجميع؛ بل لأعم، فإنه يكون فى الشر. وفى الحديث مر بجنازة،" فأثنى عليها شرا" (٢) بل ربما يأتى الشكر فى الشر، كما ذكره الشيخ عز الدين بن عبد السّلام فى بعض كلامه.
وقوله: (على ما أنعم) أى لأجله إن كانت" على" للتعليل، وهو مذهب كوفى، وإن أبقيناها على معناها من الاستعلاء، فلعله لاحظ فيه من البلاغة الإشارة إلى تفخيم الحمد، قلت: وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أن الحمد من جملة النعم، والثانى: أن إرادة الاستعلاء على النعمة مخل بالبلاغة فى هذا المحل، ولهذا كانت النعمة فى الغالب إذا ذكرت مع الحمد فى القرآن لم تقترن بعلى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ (٣)، الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (٤)
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحيث أشير إلى ذكر النعمة أتى بعلى كقوله ﷺ إذا رأى ما يكره:" الحمد لله على كل حال" (١) إشارة إلى ستر النقمة، واستعلاء الحمد عليها، ولذلك جاء الحمد لله على ما أولانا؛ لأن منه النقمة والنعمة فأريد
التغطية لأجل النقمة، وهو كالحمد لله على كل حال. وقد ذكرنا أن البلاغة تقتضى ذكر المحمود عليه بلفظ" على" فى جانب النقمة، واجتنابها فى جانب النعمة، فليتنبه لهذه الدقيقة. لا يقال ينتقض بقوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ (٢) فإن المقصود فى ذلك المحل استعلاء التكبير برفع الصوت، والأولى أن يجعل الحمد لله جملة، وعلى ما أنعم يتعلق بمحذوف، التقدير نحمده على ما أنعم إذ لا يصح تعلقه بالحمد المذكور، إذا جعلنا الحمد لله جملة، ولا بحمد مقدر، ويجوز أن يكون خبرا.
وقوله: (ما) هى مصدرية، أى على إنعامه إما على حقيقته، أو بمعنى المنعم به إن جوزنا انحلال الأداة والفعل بمصدر مجازى، وهو أحد قولين وهو أولى من الموصولة، لأمرين:
أحدهما: أن الجملة التى بعدها خالية من العائد فيلزم أن يكون العائد محذوفا، فيحتاج قوله: ما لم يعلم إلى تقدير ما يعمل فيه، أو يكون استغنى عن العائد بقوله: ما لم يعلم، كقولهم: أبو سعيد الذى رويت عن الخدرى، وهو ضعيف، أو ممتنع.
والثانى: ما يلزم عليه من استعمال غير الأكثر من تعدى أنعم إلى المنعم به بنفسه فإن الغالب تعديته بالباء، كقولك أنعم عليه بكذا، وإنما لزم ذلك؛ لأنا نقدر العائد مجرورا لامتناع حذفه حينئذ إلا بتكلف وعلى هذه اللغة التى حكاها ابن سيده قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ (٣).
وقوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (٤). لا كما قاله أبو البقاء وغيره، من أنه توسع فيه بحذف الحرف فحذف العائد بعده منصوبا، ويحتمل أن يعود الضمير على المصدر، كقوله تعالى: لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٥).
стр. 40
وعلّم من البيان ما لم نعلم، ...
ــ
ص: (وعلم) من البيان ما لم نعلم.
(ش):" علم" معطوف على" أنعم" لا على" الحمد لله"، فرارا من عطف الجملة الفعلية على الجملة الاسمية؛ ولأن
المعنى عليه أمكن، فحينئذ هذه السجعة جارية على آخر كلمة من السجعة قبلها، وهى أنعم طارحة لما قبلها، وهو غير الأحسن فى صناعة البديع، إذ الأحسن ملاحظة الثانية للأولى حتى يكونا كفرسى رهان. وعطف (علم) على (أنعم) من عطف الأخص على الأعم إن كانت" ما" مصدرية، ومن عطف الخاص على العام، إن كانت موصولة، فإن ما الموصولة عامة، وكلاهما خارج عن الأصل والغالب، لاستدعاء الأول عطف الشئ على نفسه. واستدعاء الثانى عطف بعض الشئ عليه، أو أحد أفراد الكلية عليها المستدعيين أيضا لعطف الشئ على نفسه، غير أن كلا منهما بليغ مستحسن، كما سيأتى إن شاء الله تعالى.
وليتنبه لدقيقة، وهى أن الأصولى يؤول ما يرد من ذلك، حيث قدر على إرادة ما عدا الخاص بالعام، فرارا من التأكيد، حتى ذهب بعضهم إلى التزام ذلك، وجعله من المخصصات. أما هنا: فنحن لا نفر من التأكيد، بل نحافظ عليه؛ لما فيه من البلاغة، ولا سيما فى المقامات الخطابيات، ثم نحافظ على إدخال نعمة تعلم البيان فى قوله:
(ما أنعم)؛ لتحصل براعة الاستهلال بذكر ما يناسب المقصود، كقوله:
بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا (١)
بل قد يقال: إنها فقط هى المرادة، ويكون من العام المراد به الخصوص؛ لما ذكرناه، ويكون الأول على جهة الطرح، كقولك: أعجبنى علم زيد وفقهه.
والبيان يطلق على معان لا نطيل بذكرها والمراد هنا منها: الفصاحة، أو هذه العلوم التى ستأتى فى هذا المختصر؛ فإن الثلاثة تسمى علم البيان. وقوله: (ما لم نعلم) هو نفى غير متصل بالحال بقرينة أنه إنما قصد الحمد على العلم الموجود حال هذا
стр. 41
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكلام، فهو كقوله تعالى: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (١). ولو قال: ما لم نكن نعلم، كقوله تعالى: وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ (٢). لكان أوضح فى هذا المراد؛ لإشعار كان غالبا بالانقطاع، وقد نص النحاة على أن (لم) يجوز انفصال نفيها
عن الحال. هذا حظ النحوى والأصولى يجعل ذلك مجازا من مجاز التخصيص، وما ستراه فى آخر باب الفصل والوصل من كلام البيانيين، وابن الحاجب، مما يوهم أن ذلك حقيقة لا تعويل عليه، لما قررنا ثمّ. وقد عجبت من ابن مالك وابنه حين مثلا ذلك بقوله:
وكنت إذ كانت إلهى وحدكا ... لم يك شئ يا إلهى قبلكا (٣)
فإن كون الشئ لم يكن قبله نفى متصل، وقد اعترض عليهما شيخنا أبو حيان، وقد عجبت من ابن مالك، ومن شيخنا أبى حيان فى تمثيلهما لانقطاع نفى (لم) بقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (٤) فإن الحال هنا مقيدة بالحين، التقدير: لم يكن فيه شيئا مذكورا، ولم ينقطع ذلك أصلا، كقولك: لم يقم زيد أمس. والتحقيق أن النفى الذى نتكلم فى انقطاعه هو نفى الحدث المحكوم بنفيه، وإذا كان مقيدا بظرف فاتصاله باستغراق النفى الظرف، كقولك: لم يقم زيد أمس. فهذا نفى متصل، ولو قلت: لم يقم زيد أمس، تريد: أنه لم يقم فى بكرته، لكان ذلك مجازا، وأما القيام فيما بعد أمس فلا تعرض فى اللفظ إليه بنفى ولا إثبات، بخلاف النفى الذى لا يتقيد بظرف، فإنه يستغرق الأوقات التى لا غاية لها إلا زمن النطق.
والعجب من شيخنا أكثر، فإنه اعترض على ابن مالك فى المثال الأول فيما يعترض به عليه هنا فى المعنى. فإن قلت: هلا استدللت على عدم اتصال النفى بقوله (علم)؛ لأن أحدهما أثبت ما نفاه الآخر؟ قلت: لأن (علم) قد ينازع فى اقتضائه لحصول العلم؛ فإن العلماء اختلفوا فى أن (علم) هل يستدعى مطاوعة أو لا؟ ويشهد
стр. 42
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للأول قوله تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ (١). فأخبر عن كل من هداه بأنه مهتد، وأما قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ (٢). فليس منه؛ لأن الهدى فى تلك الآية بمعنى الدعوة؛ بدليل فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى (٣). وقد يشهد لوجود الفعل دون مطاوعة قوله تعالى: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً (٤). وقوله: وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً (٥)؛ لأن التخويف حصل، ولم يحصل للكفار خوف نافع يصرفهم إلى الإيمان، فإنه المطاوع للتخويف المراد بالآية
الكريمة. وعلى الأول، تكون الفاء فى قولك:
أخرجته فخرج للتعقيب فى الرتبة، لا فى الزمان ولا يصح أخرجته فما خرج، إلا مجازا.
وعلى الثانى: تكون الفاء للتعقيب فى الزمان، ويكون (أخرجته فما خرج) حقيقة. ورأيت بخط الوالد ما نصه: يقال: علمته فما تعلم، ولا يقال: كسرته فما انكسر؛ والفرق أن العلم فى القلب من الله يتوقف على أمور من المتعلم، ومن المعلم فكان (علمته) موضوعا للجزء الذى من المعلم فقط؛ لعدم إمكان فعل من المخلوق يحصل به العلم، ولا بد بخلاف الكسر، فإن أثره لا واسطة بينه وبين الانكسار. اه.
وقد بسطت القول فى هذه المسألة فى شرح مختصر ابن الحاجب، ومن الغريب أن (لم) استعملت للنفى المنقطع، والمتصل استعمالا واحدا. وقد استنبطت ذلك من قوله تعالى: وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ (٦) فنفى العلم عنهم منقطع، وعن آبائهم متصل، والفائدة حينئذ فى ذكر المفعول، وهو قوله تعالى: ما لَمْ تَعْلَمُوا [وإن كان الإنسان لا يعلّم إلا ما لم يعلم] (٧) التصريح بذكر حالة الجهل التى انتقلوا عنها، فإنه أوضح فى الامتنان خلافا للسهيلى، إذ يرى: أن نحو (ما قام زيد ولا عمرو) من عطف الجمل، ولابن مالك حيث ادعى فى نحو: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (٨)، أنه من عطف الجمل، فنظيره أن يكون التقدير هنا: ولم يعلم آباؤكم والذى ذهب إليه سيبويه وغيره أن الفعل الأول هو العامل، وإن لم يصلح:" تعلموا
стр. 43
والصلاة والسّلام على سيّدنا محمد خير من نطق بالصواب، وأفضل من أتى الحكمة وفصل الخطاب،
ــ
واسكن" لمباشرة" آباؤكم وزوجك". كما تقول: تقوم هند وزيد، وإن كان زيد لا يصلح لمباشرة" تقوم" فإنه من عطف
المفردات كما صرح به ابن الحاجب وغيره. وأما تصريح السهيلى فى قوله تعالى: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ (١): أنه من عطف الجمل، فليس ذلك لاختلاف المتعاطفين بالتذكير والتأنيث بل لتكرار (لا) كما هو معروف عنه، والأولى فى هذه أن تكون موصولة، لاقتضاء المقام ذلك.
ص: (والصلاة والسّلام على سيدنا محمد، خير من نطق بالصواب، وأفضل من أوتى الحكمة وفصل الخطاب).
(ش): الصلاة من الله الرحمة، ولها معان يطول ذكرها، قد أوعبنا الكلام عليها فى شرح المختصر، والصلاة هذه إما من الله فتكون بمعنى الرحمة، أو من العبد فتكون معناها: صلاة العبد على النبى ﷺ وهى قوله: اللهم صل عليه، وهى على التقديرين إنشاء، وكذلك الحمد، وقوله: (سيدنا) فيه استعمال السيد فى غير الله وقد روى نحوه عن ابن مسعود، وابن عمر رضى الله عنهم، ويشهد له قوله ﷺ :" أنا سيد ولد آدم ولا فخر" (٢)،" إن ابنى هذا سيد" (٣)،" قوموا إلى سيدكم" (٤)، وقوله تعالى:
وَسَيِّداً وَحَصُوراً (٥)، وقوله تعالى: وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ (٦)، وفى المسألة ثلاثة أقوال، حكاها ابن المنير فى المصفى أحدها: أن السيد يطلق على الله وعلى غيره، والثانى: أنه لا يطلق على الله تعالى، وعزاه لمالك، والثالث: أنه لا يطلق إلا على الله بدليل ما روى أنه ﷺ قيل له: يا سيدنا فقال:" إنما السيد الله" (٧) ولا أدرى كيف غفل هذا القائل عما تقدم من الآيات والسنة، ونقل فى الأذكار عن
стр. 44
وعلى آله الأطهار .. ، وصحابته الأخيار
ــ
النحاس أنه جوز إطلاقه على غير الله تعالى إلا أن يكون بالألف واللام. قال النووى:
والأظهر جوازه بالألف واللام لغير الله تعالى.
وقوله: (خير من نطق) ماش على مذهب أهل الحق من تفضيله ﷺ على الملائكة، ولما كان النطق من خواص الألفاظ التى تنزه البارى عنها، تم عموم هذا الكلام، وأخرجت من الموصولة قوله تعالى: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ (١)، وأيضا فهو نطق مجازى.
والحكمة: علم الشرائع، وفصل الخطاب: الكلام البين فهو فصل بمعنى مفصول بعضه من بعض، أو بمعنى فاصل؛ لأنه فاصل بين الخطأ والصواب، وفيه تلميح لإشارته إلى أن فصل الخطاب هو المقصود من هذا العلم. وقيل: هو قول: أما بعد، ففى ذلك توطئة لذكرها بعد ذلك.
ص: (وعلى آله الأطهار، وصحابته الأخيار).
(ش): آل النبى ﷺ هم بنو هاشم، وبنو المطلب، وقيل: جميع الأمة، وقيل: أولاد فاطمة رضى الله عنها. وكان الأحسن إضافتها إلى ظاهر؛ لأن الصلاة على الآل رويناها من طرق كثيرة ليس فيها الإضافة إلى مضمر، ولأن الكسائى، والنحاس، والزبيدى منعوا إضافة الآل إلى المضمر، لكن يرد عليهم قوله:
وانصر على آل الصّلي ... ب وعابديه اليوم آلك (٢)
وقوله: (الأطهار) جمع طاهر - ذكره ابن سيده - وهو نادر كجاهل وأجهال، والمراد الطهارة من الأدناس والنقائص. والصحابة الأكثر فيها فتح الصاد، ويجوز كسرها على لغة، وهم كل من رآه النبى ﷺ مسلما، وقيل غير ذلك مما يطول ذكره. والأخيار جمع خيّر كميّت وأموات. وبين الآل والصحابة عموم وخصوص من وجه؛ لأن التابعى الذى هو من بنى هاشم وبنى المطلب من الآل وليس من الصحابة، وسلمان الفارسى مثلا بالعكس فلذلك حسن عطفهم عليهم.
стр. 45
أما بعد:
فلمّا كان علم البلاغة وتوابعها من أجلّ العلوم قدرا؛ وأدقّها سرّا؛ ...
ــ
مقدمة فى أهمية علم البلاغة
ص: (أما بعد):
(ش): هى كلمة فصيحة. قيل: إنها فصل الخطاب الذى أوتيه داود ﵇، وقد كان النبى - صلّى الله عليه
وسلّم - يذكرها فى خطبه، وكذلك العرب قال سبحان:
لقد علم الحىّ اليمانون أنّنى ... إذا قلت: أمّا بعد. أنّى خطيبها (١)
وسيأتى ذلك فى آخر الكتاب، والمعنى: أما بعد الحمد والصلاة.
ص: (فلما كان علم البلاغة وتوابعها من أجل العلوم قدرا، وأدقها سرا).
(ش): علم البلاغة تارة يطلق على العلوم الثلاثة التى تضمنها هذا المختصر، وتارة يطلق على علم المعانى والبيان، وعلم البديع حينئذ تابع. والمصنف جعل علم البلاغة مجموع العلمين، وجعل علم البديع من توابع البلاغة، والتابع والمتبوع علما واحدا.
وقوله: (من أجل العلوم قدرا) يقع مثله فى الكلام كثيرا، أعنى دخول من على أفعل التفضيل، وإنما يكون ذلك فى أحد موضعين:
الأول: أن تكون الأفراد مستوية الرتبة فى تميزها على غيرها، فيقال عن كل منها إنه الأفضل؛ لأنه بعضه فيصح ما ذكره المصنف، إن كانت علوما مستوية الرتبة.
وهيهات أن يعلم ذلك، أما إذا كانت العلوم متفاوتة، فلا يصح أن يقال عن أعلاها:
إنه من خيرها بل هو خيرها ولا يقال عما يليه: إنه من خيرها؛ لأنه ليس شيئا منه، تقول: زيد أفضل الناس، ولا يقال: من أفضلهم إلا إذا كان له مساو.
الثانى: أن يكون بعض أنواع الحقيقة أفضل أنواعها، فيقال حينئذ عن ذلك النوع: إنه خيرها فيلزم عنه أن يقال عن كل فرد من أفراده: إنه من خيرها، أى من النوع الذى هو خيرها، ومن هذا القسم قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ
стр. 46
إذ به تعرف دقائق العربية وأسرارها، وتكشف عن وجوه الإعجاز فى نظم القرآن أستارها،
ــ
أَنْفُسِكُمْ (١) على قراءة فتح الفاء أى من النوع الأنفس، ولا يكون من النوع الأول؛ لأنه ليس له من يساويه فى النفاسة، فلو أراد ذلك المعنى لقال: أنفسكم دون" من" فليتنبه لهذه الدقيقة.
وعبارة السكاكى: أن هذا أعظم العلوم، وكأن المصنف أتى بمن خلافا له، وقد يوجه كلام السكاكى بأنه إذا كانت وجوه الإعجاز لا تدرك إلا بهذا العلم - كما ادعوه - صدق أنه أعظم العلوم؛ لتأديته إلى علم الأصول الشرعية، وقوله: (وأدقها سرا) سيأتى بيانه، وأتى المصنف بالطباق لمضادة الأجل للأدق، ثم شرع فى تعليل ذلك فقال:
ص: (إذ به تعرف دقائق العربية وأسرارها، ويكشف عن وجوه الإعجاز فى نظم القرآن أستارها).
(ش): اعلم أن علم العربية على ما قال الزمخشرى، يرتقى إلى اثنى عشر علما، غير أن أصولها أربعة: اثنان يتعلقان بالمفردات هما: اللغة، والتصريف، ويليهما الثالث وهو: علم النحو، فإن المركبات هى المقصود منه، وهى كالنتيجة لهما، ثم يليها علم المعانى، ولعلك تقول: أى فائدة لعلم المعانى فإن المفردات والمركبات علمت بالعلوم الثلاثة، وعلم المعانى غالبه من علم النحو؟ كلا إن غاية النحوى أن ينزل المفردات على ما وضعت له، ويركبها عليها، ووراء ذلك مقاصد لا تتعلق بالوضع مما يتفاوت به أغراض المتكلم على أوجه لا تتناهى، وتلك الأسرار لا تعلم إلا بعلم المعانى، والنحوى وإن ذكرها فهو على وجه إجمالى يتصرف فيه البيانى تصرفا خاصا لا يصل إليه النحوى وهذا كما أن معظم أصول الفقه من علم اللغة، والنحو، والحديث، وإن كان مستقلا بنفسه.
واعلم أن علمى أصول الفقه والمعانى فى غاية التداخل؛ فإن الخبر والإنشاء اللذين يتكلم فيهما علم المعانى، هما موضوع غالب الأصول، وإن كل ما يتكلم عليه الأصولى من كون الأمر للوجوب، والنهى للتحريم، ومسائل الأخبار، والعموم والخصوص،
стр. 47
وكان القسم الثالث من مفتاح العلوم الذى صنّفه الفاضل العلّامة أبو يعقوب يوسف السّكّاكى أعظم ما صنّف فيه من الكتب المشهورة نفعا؛ لكونه أحسنها ترتيبا، وأتمّها تحريرا، وأكثرها للأصول جمعا، ولكن كان غير مصون عن الحشو والتطويل والتعقيد؛ قابلا للاختصار مفتقرا إلى الإيضاح والتجريد -:
ــ
والإطلاق والتقييد، والإجمال والتفصيل، والتراجيح، كلها ترجع إلى موضوع علم المعانى.
وليس فى أصول الفقه ما ينفرد به كلام الشارع عن غيره، إلا الحكم الشرعى، والقياس، وأشياء يسيرة.
وقوله: (تكشف) فيه ترصيع مع قوله: (تعرف) وفيه ترشيحان لاستعارة الوجوه:
ترشيح سابق، وهو تكشف، ولا حق وهو أستارها، فهى استعارة مرشحة؛ لاقترانها بما يلائم المستعار منه، وهذه تدخل فى عبارة المصنف، حيث قال فى الاستعارة: إنها تسمى مرشحة إذا اقترنت. والسكاكى إنما قال: إذا عقبت بما يلائم المستعار منه، فلا يدخل فيه ترشيحها قبلها، إلا بتأويل كلام السكاكى - كما ستراه - وإنما يكون ذلك استعارة ذات ترشيحين، إن كان الوجوه استعارة. ويحتمل أن يراد بوجوه الإعجاز ضروبه وأنواعه، وقدم قوله: (به) ليفيد الاهتمام. فإن قلت: أين كان هذا العلم فى زمن الصحابة الذين يعرفون أسرار العربية، وانكشف لهم
أوجه الإعجاز؟ قلت: كان مركوزا فى طبائعهم.
وقوله: (أسرارها وأستارها) فيه جناس لاحق؛ لاختلاف الكلمتين بحرف واحد، والنظم: ترتيب الكلمات على حسب ترتيب المعانى فى النفس كما ذكره عبد القاهر.
ص: (وكان القسم الثالث ... إلخ).
(ش): لا شك أن المفتاح جدير بما ذكره، والمراد بالترتيب: أن يجعل للشئ المتعدد هيئة، بحيث يعتبر بعضها بالنسبة إلى بعض بالتقدم والتأخر والأصول قواعد هذا العلم، والحشو: ذكر ما لا حاجة لذكره، وهو قريب من التطويل، وسنتكلم عليه فى بابه.
والتعقيد: ما يحصل من عدم تهذيب العبارة. وقوله: (مفتقرا إلى الإيضاح) أى ليزول ما نسبه إليه من التعقيد، وتبعد إرادة كتابه الإيضاح؛ لأنه إنما صنفه، وسماه بالإيضاح بعد هذا المختصر، وأيضا هو يريد ذكر الحامل على التلخيص، فلو أراد أن المفتاح محتاج لكتاب الإيضاح، لما ناسب قوله مختصرا. ووصف التلخيص بكونه مختصرا لا ينفى أن يحصل به الإيضاح فقد يحصل من تقصير العبارة وضوح لا يحصل بتطويلها. وقوله: (والتجريد يعود إلى الحشو)، وقوله: (الاختصار يعود إلى التطويل) ففيه لف، ونشر غير مرتب.
стр. 48
ألّفت مختصرا يتضمّن ما فيه من القواعد، ويشتمل على ما يحتاج إليه من الأمثلة والشواهد، ولم آل جهدا فى تحقيقه وتهذيبه؛ ورتّبته ترتيبا أقرب تناولا من ترتيبه، ولم أبالغ فى اختصار لفظه تقريبا لتعاطيه؛ وطلبا لتسهيل فهمه على طالبيه،
ــ
ص: (ألفت مختصرا يتضمن ما فيه من القواعد، ويشتمل على ما يحتاج إليه من الأمثلة، والشواهد).
(ش): يشير إلى هذا المختصر، وقوله: (ما فيه) أى ما فى المفتاح، ويحتاج إن كان مبنيا للفاعل، فالضمير يعود على هذا المختصر، أو على المفتاح والشواهد ما كان من كلام من يستدل بقوله، من كتاب، وسنة، وقول العرب، والأمثلة أعم من ذلك، وأتى بالتضمن فى القواعد والاشتمال فى الأمثلة والشواهد؛ لأن ما هو فى ضمن الشئ كالحقير بالنسبة إليه، فقصد أن يجعل أعظم ما فى المفتاح - وهو قواعده - فى ضمن كتابه، وجعل ما يزيده من أمثلة وشواهد مشتملا عليه؛ تفخيما له أيضا فإن المضمن جزء من المتضمن، فقصد أن القواعد متضمنته؛ لأنها أجزاء الكتاب، والأمثلة لما لم تكن ركنا من موضوع الكتاب، جعل مشتملا عليها، فإن الشئ قد يشتمل على ما هو زائد على أجزائه الأصلية.
ص: (ولم آل جهدا فى تحقيقه، وتهذيبه، ورتبته ترتيبا أقرب تناولا من ترتيبه).
(ش): لم آل له استعمالان: أحدهما: لم أقصر، والثانى: لم أمنع نفسى جهدا.
ومنه قوله : لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا (١) وعلى الأول لا يكون جهدا مفعولا، والضمير فى قوله: من ترتيبه يعود على المفتاح، وفيما قبله يحتمل عوده عليه، وعلى هذا الكتاب وهو أقرب.
ص: (ولم أبالغ فى اختصار لفظه، تقريبا لتعاطيه، وطلبا لتسهيل فهمه على طالبيه).
(ش): يعنى بذلك أن الكلام إذا بولغ فى اختصاره صعب دركه، واستغلقت ألفاظه، فلذلك لم يبالغ فى اختصاره، بل جعله وسطا. بقى فى كلام المصنف بحث، وهو أن قوله تقريبا وطلبا لا يستقيم أن يكون معمولا ل (أبالغ) مجردا عن النفى؛ لعدم ملاءمته له. فهو كقولك: لم أضرب زيدا إكراما له، فهو مفعول له بعد تقدير دخول النفى عليه، والمشهور فى مثل ذلك خلافه كقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً
стр. 49
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَبِداراً (١). ولو جاء على ما ذكره المصنف لقال صيانة وحفظا وكذلك: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ (٢). فالقياس أن يقول على هذا: لم أبالغ فى اختصاره؛ إبعادا له على أن الأسلوب الذى استعمله يستعمله الناس كثيرا، وهو أحسن من جهة أن فيه نفى ذلك بكل تقدير، بخلاف اعتبار الفعل مقطوعا عن النفى فإنه يقتضى النفى بقيد وهذا البحث لم يزل يدور فى خلدى، ثم رأيت ابن الحاجب ذكره فى أماليه، فقال فى قوله تعالى: ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٣): إذا قلت: ما ضربته للتأديب، فإن أردت نفى ضرب معلل فاللام متعلقة بضربت! ولم تنف إلا ضربا مخصوصا وإن أردت نفى الضرب مطلقا؛ فاللام متعلقة بالنفى، والمعنى أن انتفاء الضرب كان من التأديب؛ لأن بعض الناس قد يؤدب بترك الضرب، ولا يستبعد تعلق الجار بالحرف الذى فيه معنى النفى؛ لجواز قولهم: ما أكرمته لتأديبه وما أهنته للإحسان إليه، وإنما يتعلق بما فى الحرف من معنى النفى، وقوله تعالى: ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ لو علق به، لكان المراد نفى جنون من نعمة الله، وهو غير مستقيم؛ لأن الجنوس ليس من نعمة الله، ولأنه إنما أريد نفى الجنون مطلقا، فتحقق أن المعنى انتفى عنك الجنون مطلقا بنعمة الله، وعلى هذا يحكم فى التعلق، فإن صح تعلقه بالفعل، وإلا علق بالحرف.
وعلى هذا قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ (٤) معناه: فى أن تبتغوا، فهى متعلقة بجناح، المعنى: أن الجناح فى ابتغاء التجارة منتف وتعلقه بليس بعيد؛ لأنه لم يرد نفى الجناح مطلقا، ويجعل ابتغاء التجارة ظرفا للنفى، فبهذا يبعد أن يكون متعلقا، انتهى. وحاصله ما قلناه، وأن الأصل التعلق بالفعل من غير نظر إلى النفى،
وقول ابن الحاجب: (التعلق بليس بعيد) لعله يريد التعلق المعنوى، وإلا فالراجح أن ليس لا يتعلق بها الجار والمجرور لفظا. وقال ابن الحاجب أيضا فى شرح خطبة المفصل فى قول الزمخشرى: لا يبعدون منابذة وزيغا: هو نصب على المفعول لأجله، لما تضمنه معنى: لا يبعدون. كأنه قيل: يقربون منهم لأجل المنابذة، أو انتفى بعدهم لأجل المنابذة لا بيبعدون؛ لأنه يفسد المعنى ثم رأيت للوالد فى بعض التعاليق
стр. 50
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نحو كلامه الأول، وقال: الذى تقتضيه صناعة العربية التعليق بالفعل الصريح، ثم ذكر الاحتمال الآخر، وذكر له مأخذين:
أحدهما: ما ذكره ابن الحاجب من تعلقه بفعل دل عليه حرف النفى، قال: كما يفعله بعض النحاة، والزمخشرى فى بعض المواضع.
والثانى: أنه قد يؤخذ الفعل بقيد كونه منتفيا.
قلت: والذى تلخص فى ذلك على التحقيق، أنه إذا ورد شئ من تعليقات الفعل اللفظية أو المعنوية بعد النفى، فالأصل تعلقه بالفعل المنفى، لا بالنفى إلا أن يقوم دليل على تعلقه بالنفى، فيتعلق به على أحد المأخذين السابقين، والذى يترجح المأخذ الثانى الذى ذكره الوالد، لا ما ذكره ابن الحاجب؛ لأن عمل معانى الحروف لا يساعد عليه أكثر النحاة، ثم ليتنبه إلى أن هذين الاحتمالين يأتيان فى كثير من تعلقات الفعل، فيأتى ذلك فى المفعول له تقول: ما ضربته إهانة، إذا أردت التعليق بالفعل الصريح، وتقييد النفى، وتقول: ما ضربته إكراما، إذا أردت تعليل انتفاء الضرب مطلقا. وتقول:
ما ضربته لأكرمه، وما ضربته لأهينه، وتقول فى الحال: ما ضربته مصلوبا، إذا أردت وقوع الضرب فى غير حال الصلب، وما ضربته مكرها إذا أردت ترك الضرب، وتقول فى الغاية: لا أضربه حتى يموت، إذا أردت أنك تضربه ضربا لا يموت منه. فالضرب حتى يموت منتف، لا مطلق الضرب، وتقول: لا أضربه حتى يسئ فانتفاء الضرب مطلقا قبل الإساءة حاصل وكذلك إلى أن يموت وإلى أن يسئ وتقول فى الاستثناء: لا يقوم القوم إلا زيدا،
والمعنى: أن قيام القوم غير زيد منتف، إما بقيام الجمع أو بقيامه، ولا يقوم القوم إلا زيدا بمعنى قيامه، أى انتفى قيام غير زيد، وتقول: ما ضربته حقا، إذا أردت تأكيد عدم الضرب، وما ضربته حقا إذا أردت نفى الضرب المؤكد، وتقول فى الظرف: لا أحب زيدا اليوم، والمعنى: أن انتفاء المحبة المستمرة وقع اليوم، ولا أحبه اليوم، بمعنى أن محبتك له فى هذا اليوم هى المنتفية وتقول فى المفعول معه: ما سرت والنيل إذا أردت انتفاء مصاحبة النيل. وتقول: ما سرت والكسل، إذا أردت انتفاء السير مطلقا بمصاحبة الكسل. وتقول فى الجار والمجرور: ما ضربت زيدا عن بغضه أو كراهته، إذا أردت التعليق بالصريح، وإن ترده قلت: ما ضربت زيدا عن محبته، أو من محبته. وقد ظفرت من القرآن العظيم بأمثلة لذلك، مع بعضها ما تصرفه
стр. 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قطعا إلى الفعل، ومع بعضها ما تصرفه إلى الانتفاء. قال تعالى: لا ظُلْمَ الْيَوْمَ (١) فاليوم ظرف للظلم، وليس المعنى: أن ذلك اليوم وقع فيه الحكم بانتفاء كل ظلم ذلك اليوم وغيره، وعكسه قوله تعالى: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ (٢) ليس معناه نفى تثريب ذلك اليوم فقط، بل إنه وقع فى ذلك اليوم انتفاء كل تثريب، وقال تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (٣) فلا شك أن الحل منتف من الطلاق إلى النكاح والمعنى أن انتفاء الحل إلى النكاح حاصل وليس المراد انتفاء الحل المغيا (٤) فيلزم الحل بعد الطلاق، لا إلى تلك الغاية وكذلك: حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (٥) وكذلك: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (٦) وكذلك: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ (٧)، حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (٨)،" نهى عن الصلاة بعد الصبح، حتى تطلع الشمس" (٩)، وقد كثر فى حتى دون غيرها.
وكذلك قوله تعالى: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٠) أى انتفى قتله يقينا. هذا أحسن ما قيل فيه، وأما الوارد على الأصل فكثير قال تعالى: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي (١١) (فعن أمرى) يتعلق بفعلته، لا بالانتفاء؛ لأن الواقع أنه فعله، وقال تعالى: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً (١٢)، وقال تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (١٣)، وقال تعالى: وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (١٤) فإن قلت: تجويز الأمرين يوقع فى إلباس؟ قلت: سبق أن الأصل أحدهما فلا إلباس، على أنه يجوز أن تقول: زيد لا يقوم ويقعد مريدا العطف على يقوم تارة، وعلى لا يقوم أخرى، وهما معنيان متنافيان.
قال تعالى: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ (١٥) بعطف نكون على
стр. 52
وأضفت إلى ذلك فوائد عثرت فى بعض كتب القوم عليها؛ وزوائد لم أظفر فى كلام أحد بالتصريح بها ولا الإشارة إليها، وسميته: تلخيص المفتاح خ خ.
وأنا أسأل الله تعالى من فضله أن ينفع به، كما نفع بأصله؛ إنه ولى ذلك، وهو حسبى ونعم الوكيل!
ــ
لا نكذب، وهذه القاعدة ربما تخرج من كلام المصنف فى باب الاستفهام، حيث يقول فى نحو: (ألم تعلم) أنه استفهام تقرير رعاية للمنفى، وإنكار رعاية للنفى، وقد وجدت الغالب التعلق بالفعل لا بالنفى إلا فى (حتى) فإنى لا أستحضر فى القرآن استعمال حتى بعد نفى أو نهى إلا والمقصود النفى مطلقا. نعم فى السنة قوله ﷺ فى الضيف:" حتى تحرجه" (١)، وقوله ﷺ :" لا تصف المرأة جارتها لزوجها، حتى كأنه ينظر إليها" (٢) ولا فرق فى حتى فيما نحن فيه بين أن تكون جارة أو غيرها؛ لأن المقصود التعلق المعنوى، وإنما أطلت فى ذلك؛ لأنه قاعدة مهمة يحتاج إليها فى جميع العلوم، ولم أر تحقيقها فى كتاب ولله الحمد والمنة.
ص: (وأضفت إلى ذلك فوائد عثرت فى بعض كتب القوم عليها، وزوائد لم أظفر فى كلام أحد بالتصريح بها، ولا الإشارة إليها).
(ش): هذا الكلام ربما يخالف ما بعده.
ص: (وسميته تلخيص المفتاح).
(ش): هذا الاسم إن كان علما قصدت مناسبته، أو وصفا ففى هذه التسمية نظر من وجوه.
منها: أنه ليس تلخيصا للمفتاح، بل للقسم الثالث منه، وكأنه أحاله على ما سبق من التصريح بذلك.
ومنها: أن التلخيص يؤذن بالاقتصار والموافقة، وهو قد خالفه كثيرا، وزاد عليه كما سبق وعده به.
ومنها: أنه جعله فيما سبق مختصرا، والاختصار والتلخيص متنافيان، فالاختصار تقليل اللفظ، وتكثير المعنى مأخوذ من الخصر، وهو المجتمع فوق الوركين، ومنه الخنصر.
стр. 53
مقدّمة فى بيان معنى الفصاحة، والبلاغة
ــ
فإن الجوهرى ذكره فى مادة خصر فيكون وزنه: فنعل، لكن ابن سيده ذكره فى المحكم فى الرباعى، فيكون وزنه: فعلل كزبرج، والمبسوط هو المختصر منه، والاختصار حاصل فى كل منهما، ويتعدى الفعل إلى واحد منهما أيهما كان بنفسه، وإلى الآخر بحرف مختلف، فتقول: اختصرت المبسوط من اللطيف، واختصرت اللطيف من المبسوط، وعند الإطلاق لا يقع إلا على المبسوط، فتقول: اختصرت المبسوط، واسم المفعول وهو المختصر حقيقة فى كل منهما بقيد، وعند الإطلاق اشتهر على اللطيف ومنه تسمية المصنف هذا مختصرا، باعتبار اختصاره من المفتاح، غير أنه قد زاد ونقص، وليس ذلك شأن الاختصار. وأما التلخيص فهو الشرح كما قال الجوهرى، فهو عكس الاختصار ومادته كلها ترجع إلى البسط، فلذلك لا يجتمع مع الاختصار، إلا أن يقال: إنه لم يرد اختصاره من المفتاح، بل إنه مختصر فى نفسه، وكأنه أراد ما سبق من إزالة التطويل والحشو، ثم لا يخفى أن فى إطلاق التلخيص على المختصر استعمال المصدر بمعنى المفعول مجازا.
مقدمة فى بيان معنى الفصاحة والبلاغة.
ص: (مقدمة).
(ش): المقدمة مأخوذة من التقديم، وفيها الفتح وهو الأشهر، بمعنى أن الإنسان يقدمها، ومنه مقدمة الرحل، والكسر بمعنى أنها تقدم الإنسان لمقصوده، ومنه مقدمة الجيش؛ لأنها تقدمه أى تجسره على القدم، أو من قدم بمعنى تقدم، قال تعالى: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (١)، ومقدمة الشئ تارة تكون منه فالإضافة فيها على معنى
من، ومنه مقدمة الجيش، ومقدمة الرحل، ومقدمة البرهان التى هى أحد أجزائه. وتارة تكون خارجة عنه كالذريعة، فالإضافة فيها على معنى اللام، وأما قول المصنف: (مقدمة) فإن أراد أنها مقدمة الكتاب فهى جزء منه، وإن أراد أنها مقدمة العلوم فهى ذريعة إليها، بدليل أنه سيذكر هذه العلوم مستقلة، ويجوز أن تكون جزءا لكل من الثلاثة، فلذلك قدمها عليها، فالراجح أنها جزء على التقديرين خلافا لقول الخطيبى: إنها ذريعة.
стр. 54
الفصاحة: يوصف بها المفرد (١)، والكلام، والمتكلّم
ــ
ما يوصف بالفصاحة:
ص: (الفصاحة يوصف بها المفرد).
(ش): اعلم أن الفصاحة هى صفة اللبن الذى تؤخذ عنه الرغوة، ومنه الفصيح، وهو هذا اللبن، وفصح إذا أخذت عنه الرغوة، قال الشاعر:
وتحت الرّغوة اللّبن الفصيح (٢)
كذا قال الجوهرى، وفى الاستشهاد نظر، فإن كلامه يقتضى أن فصاحة اللبن أخذ الرغوة عنه وأنه إنما سمى فصيحا عند ذلك. والبيت يدل على أنه فصيح قبل نزع الرغوة، بل ظاهره أن بقاء الرغوة شرط حتى لا يسمى فصيحا بعد أخذها؛ لأنه ليس حينئذ تحت الرغوة إلا أن يقال أراد بقوله: أخذت عنه الرغوة أنها استعملت عليه بعد أن كانت منبثة فى أجزائه لكن يبعده عبارة ابن سيده فإنه قال: إذا ذهبت عنه الرغوة، وعبارة الراغب، فإنه قال: إذا تعرى من الرغوة فأفصح اللبن إذا زال عنه اللبأ، وأفصح العجمى إذا خلص من اللكنة، وفصح الرجل جادت لغته، وأفصح تكلم بالعربية، وقيل: بالعكس قال الراغب: والأول أصح. وقيل: الفصيح الذى ينطق وأنكر النضر أفصح، كما نقله ابن عباد فى المحيط، وفى التنزيل وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً (٣) وهو دليل على أنه من الثلاثى، وأفصح الصبح إذا طلع، وأفصح النصرانى جاء فى فصحه، وفى الاصطلاح اختلف فيها عباراتهم. والمصنف عدل عن حد الفصاحة باعتبار الحقيقة الصادقة على أعم من فصاحة المفرد والكلام والمتكلم، وأفرد فصاحة المفرد عن فصاحة الكلام برسم، وقد تقدمه لذلك الخفاجى فى كتاب سر الفصاحة.
стр. 55
والبلاغة: يوصف بها الأخيران فقط
ــ
وقوله (المفرد) إما يعنى به اللفظ بكلمة واحدة، كما يقتضيه ما فسر به فصاحة المفرد بعد ذلك فيخرج عنه نحو: عبد الله علما كان أم لم يكن، وذلك يوصف بالفصاحة لا محالة، أو يعنى: ما وضع لمعنى ولا جزء له يدل فيه، فيخرج عنه أيضا.
الثانى: أو يعنى: ما يقابل الجملة فيخرج عنه الجملة الموصول بها، كقولك: رأيت الذى ضربته فإنها ليست بكلام فلا تدخل حينئذ فى المفرد، ولا فى الكلام، وكذلك كل واحدة من جملتى الشرط، وجوابه وهذه الأمور إذا خرجت عن المفرد ولم تدخل فى الكلام؛ لأنها ليست بكلام ففى أين يشرح فصاحتها؟ ولو قال المفرد والمركب لكان أحسن وقوله (والمتكلم) سيأتى ما عليه إن شاء الله تعالى.
ما يوصف بالبلاغة:
ص: (والبلاغة يوصف بها الأخيران فقط).
(ش): اعلم أن البلاغة فى اللغة من قولهم: بلغ بالضم إذا انتهى، ولا يوصف بها الكلمة إنما يوصف بها الكلام والمتكلم، وسيأتى ما على ذلك إن شاء الله تعالى. وقدم الفصاحة؛ لأنها أكثر مجالا من البلاغة، ولكون الفصاحة كالشرط للبلاغة على ما ستراه. وقال بعض الشارحين: لكونها أعم من البلاغة، وليس بجيد لما سيأتى، وقال الخطيبى الشارح: فلا يقال: كلمة بليغة فكل ما يوصف بالبلاغة يوصف بالفصاحة من غير عكس، وهذا بحسب الاصطلاح الذى ذكره ابن الأثير، وتابعه المؤلف وبعضهم يقول: الفصاحة والبلاغة مترادفان. فعلى هذا كل فصيح بليغ أيضا. اه.
قلت: قوله: كل ما يوصف بالبلاغة، يوصف بالفصاحة صحيح؛ لأن شرط البليغ أن يكون فصيحا كما سيأتى، وقوله: (وغيره يقول مترادفان) هو ما صرح به الجوهرى حيث قال: البلاغة الفصاحة والظاهر أنه يقصد بذلك أن البلاغة تكون فى الكلمة، كما تكون فى الكلام وذلك لا يوجب ترادفا؛ بل يوجب أن كل محل صلح للفصاحة صلح
للبلاغة، وإن اختلف معناهما. وقد صرح جماعة بأن بين البلاغة والفصاحة تغايرا وأن كل ما صلح لإحداهما من كلام ومتكلم وكلمة، صلح للأخرى، وقوله بعد ذلك: (فعلى هذا كل فصيح بليغ أيضا) أى سواء كان كلمة أم كلاما أم متكلما. ثم قال بعضهم:
البلاغة لا توجد فى الكلمة، فكانت أخص من الفصاحة فبذا قدمت الفصاحة عليها؛ لتقدم العام على الخاص؛ لأن الخاص عام مع شئ آخر.
стр. 56
ف الفصاحة فى المفرد: خلوّه من تنافر الحروف، والغرابة، ومخالفة القياس:
ــ
قلت: فيه نظر، وليس بين حقيقتى الفصاحة والبلاغة عموم وخصوص؛ بل هما كل وجزء، فالبلاغة كل ذو أجزاء مترتبة، والفصاحة جزء غير محمول كما ستراه. وعبارة الخطيبى التى قدمناها قريبة من هذا الكلام، وقال ابن الأثير: البلاغة شاملة للألفاظ والمعانى فهى أخص من الفصاحة كالإنسان مع الحيوان، فلذلك تقول: كل كلام بليغ فصيح، وليس كل كلام فصيح بليغا.
قلت: هذا الكلام أيضا ظاهر الفساد، وليست الفصاحة أعم من البلاغة ولا العكس بل الفصاحة جزء البلاغة، وإنما هو سمى المركب تركيبا غير حملى أخص، والمفرد أعم، وجعل الفصاحة عامة والبلاغة خاصة، لاشتمالها على الأمرين ثم عبر عن ذلك بالعام والخاص، وإنما هو كل وجزء، فليس ذلك اصطلاح القوم، ثم دخول الفصاحة فى الكلام سترى ما فيه، وقال حازم فى منهاج البلغاء: الفصاحة أخص من البلاغة.
(تنبيه): مما يوصف به الكلام والكلمة أيضا: البراعة، وأهملها الجمهور، وقد ذكرها القاضى أبو بكر فى الانتصار مع الفصاحة والبلاغة وحدها بما يقرب من حد البلاغة.
الفصاحة فى المفرد:
ص: (فالفصاحة فى المفرد خلوصه من تنافر الحروف، والغرابة، ومخالفة القياس).
(ش): كان الأحسن اجتناب لفظ الخلوص؛ لغلبة استعماله فى الانفكاك عن الشئ بعد الكون فيه، وليس المراد هنا كذلك، ولهذا عيب على من حد المبتدأ بأنه المتجرد من العوامل اللفظية غير الزائدة؛ فإن المبتدأ لم يكن له عامل يجرد عنه، وكذلك قولهم: ما عرى من عامل لفظى. ثم يرد عليه أن الخلوص من هذه الأمور عبارة عن عدمها فهو تعريف بالأمور العدمية وإنما يكون التعريف بالذاتيات، أو الخواص الوجودية فكان ينبغى أن يقول: الفصاحة التئام الحروف، وكثرة الاستعمال وموافقة القياس إلا أن هذا عدم مضاف فالأمر فيه سهل والمراد بالاستعمال:
استعمال العرب، وبالقياس: قياس التصريف.
(تنبيه): اعلم أن مقصود المصنف خلوص المفرد من كل واحد من الثلاثة المذكورة، لا من مجموعها، وعبارته لا تدل على ذلك فإنك إذا قلت: خلصت من
стр. 57
فالتنافر (١) نحو [من الطويل]:
غدائره مستشزرات إلى العلا
ــ
زيد وعمرو وبكر كان معناه أنك خلصت من مجموع الثلاثة، وذلك صادق بخلوصك من أحدهم بخلاف قولك: خلصت من زيد ومن عمرو ومن بكر، فإن تكرار حرف الجر مثله يؤذن بذلك، كما أن قولك: مررت بزيد وعمرو يقتضى مرورا واحدا، وبزيد وبعمرو يقتضى مرورين، وإنما جاءنا هذا فى مادة الخلوص؛ لأنها فى معنى النفى فإن المعنى:
أن لا يكون مشتملا على الأمور الثلاثة، وأنت لو قلت: الفصيح ما لم يشتمل على الثلاثة لما اقتضى زوال كل منها فليتأمل. ونظير ما يقتضيه تكرر حرف الجر فى مررت بزيد وبعمرو فيما سبق من تكرر الفعل ما يقتضيه تكرر الحرف هنا، من تعدد المفعول الذى حصل الخلوص منه.
ص: (فالتنافر نحو:
غدائره مستشزرات إلى العلى)
(ش): قسّم فى الإيضاح التنافر إلى: ما تكون الكلمة بسببه متناهية فى الثقل، وعسر النطق بها، كما روى أن أعرابيا سئل عن ناقته، فقال: تركتها ترعى الهعخع. وروى عن الخليل أنه قال: سمعنا كلمة شنعاء وهى: الهعخع ما ذكرنا تأليفها نقله الخفاجى والهاء والعين لا يكاد واحد منهما يأتلف مع الآخر من غير فصل، وشذ من ذلك قولهم هع يهع إذا قاء والظاهر أنه الخعخع، وهو نبت. قال الصغانى فى العباب ابن دريد:
الخعخع مثال هدهد ضرب من النبت، وقال ابن شميل: الخعخع شجرة، وقال أبو الدقيش: هى كلمة معاياة لا أصل لها، وقال ابن سيده: الخعخع: ضرب من النبت حكاه أبو زيد، وليس بثبت، وقال عبد اللطيف البغدادى فى قوانين البلاغة: وشذ قولهم الهعخع، وقيل: إنما هو الخعخع. اه.
وقال الصغانى فى كتابه المسمى الصحاح على ما نقل عنه: إنه العهعخ بضم العينين المهملتين حكاه عن الليث قال: قال: وسألنا الثقات فأنكروا أن يكون هذا الاسم فى كلام العرب، وقال الفذ منهم: هى شجرة يتداوى بها وبورقها، وقال ابن الأعرابى:
إنما هو الخعخع بخاءين معجمتين مضمومتين وعينين مهملتين. قال الليث:
стр. 58
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا موافق لقياس العربية والتأليف، وفى نهاية الإيجاز للإمام فخر الدين أيضا: ترعى العهعخ فتخلص فى هذه الكلمة حينئذ أربعة أقوال:
أحدها: أنه الخعخع.
والثانى: الهعخع وهو فيهما بضم الهاء والخاء كما رأيته مضبوطا بخط عبد اللطيف.
والثالث: أنه لا أصل لها.
والرابع: أنه العهعخ وهذا فيه الغرابة أيضا.
ومنه ما هو دون ذلك كلفظ مستشزرات، واستغنى المصنف بذكره هنا عن الأول؛ لأنه يدل عليه بطريق أولى، ولم يفعل ذلك فى الغرابة كما سيأتى، وإنما كان الثقل فى مستشزرات، لتوسط الشين، وهى مهموسة رخوة بين التاء، وهى مهموسة شديدة، والزاى وهى مجهورة، وقد استعمل ذلك فى قول عثمان لسعد وعمار: ميعادكما يوم كذا حتى أتشزن، أى: أستعد وذكره فى الفائق. وقول سليمان بن صرد - رضى الله عنه -: بلغنى عن أمير المؤمنين قول تشزن لى به، والإشارة بقوله: غدائره إلى قول امرئ القيس:
وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النّخلة المتعثكل
غدائره مستشزرات إلى العلى ... تضلّ المدارى فى مثنّى ومرسل (١)
الفرع: الشعر، والأثيث: الكثير، والقنو: العنقود، والمتعثكل: المتراكم، والغدائر:
الذوائب، والمستشزرات روى بفتح الزاى: أى مرفوعات، وبكسرها أى: مرتفعات ويقال: استشزر الشعر واستشزره صاحبه لازما ومتعديا حكاهما ابن سيده وغيره، ويروى العقاص: جمع عقصة أو عقيصة، وفيه زحاف بالقبض، وتضل العقاص: أى تخفى تحت الشعر، وفى البيتين شاهد للوصف بالجملة قبل الوصف بالمفرد، كقوله تعالى:
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ (٢) ولا يحتمل القطع فى البيت كما يحتمل فى الآية؛ لأن الصفات فى البيت غير مرفوعة إنما يحتملان معا أن تكون المتقدمة حالا.
стр. 59
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(تنبيه): قالوا: التنافر يكون إما لتباعد الحروف جدا، أو لتقاربها، فإنها كالطفرة، والمشى فى القيد، ونقله الخفاجى عن الخليل بن أحمد، ورأى أنه لا تنافر فى القرب وإن أفرط، ويشهد له أن لنا ألفاظا متقاربة حسنة، كلفظ الشجر والجيش والفم، ومتباعدة قبيحة مثل: ملع إذا أسرع، ويرد على من جعل القرب والبعد موجبين للتنافر، أن نحو الفم حسن مع تقارب حروفه، وقد يوجد البعد ولا تنافر مثل: (علم)، ومثل: (البعد)، فإن الباء من الشفتين والعين من الحلق، وهو حسن، وأو غير متنافرة مع أن الواو بعيدة من الهمزة، وكذلك (ألم) متباعدة، وكذلك (أمر) ولا تنافر، والحق فى الجواب عن ذلك أن المدعى إنما هو الغلبة - كما هو شأن العلامات - لا اللزوم، ويشبه استواء تقارب الحروف وتباعدها فى تحصيل التنافر استواء المثلين اللذين هما فى غاية الوفاق والضدين اللذين هما فى غاية الخلاف فى كون كل من الضدين والمثلين لا يجتمع مع الآخر فلا يجتمع المثلان؛ لشدة تقاربهما، وكما يقال العداوة فى الأقارب، ولا الضدان؛ لشدة تباعدهما، وحيث دار الحال بين الحروف المتباعدة والمتقاربة، فالمتباعدة أخف حتى جعل جماعة تباعد مخارج الحروف من صفات الحسن، ونقله ابن الأثير فى كنز البلاغة عن علماء البيان، وقال الخفاجى: إنه شرط للفصاحة ورد عليه فى المثل السائر بأنا نعلم الفصاحة قبل العلم بالمخارج وهو ضعيف؛ لأنه لم يجعل العلة العلم بتباعد المخارج، بل نفس التباعد، وذلك مدرك لكل سامع، ثم قالوا: إن كلام العرب ثلاثة أقسام: أغلبه ما تركب من الحروف المتباعدة، ويليه تضعيف الحرف نفسه، وأقله المركب من الحروف المتجاورة فهو بين مهمل وقليل جدا، وإنما كان أقل من المتماثلين، وإن كان فيهما ما فى المتقاربين وزيادة؛ لأن المتماثلين يخفان بالإدغام. قال ابن جنى فى آخر سر الصناعة: التأليف ثلاثة أضرب: أحدها: تأليف الحروف المتباعدة، وهو الأحسن، الثانى: تضعيف الحرف نفسه، وهو يلى الأول فى الحسن، وتليهما الحروف المتقاربة فإما رفض وإما قل استعماله، ولذلك لما أرادت بنو تميم إسكان عين معهم، كرهوا ذلك فأبدلوا الحرفين حاءين، فقالوا: محم؛ فرأوا ذلك أسهل من الحرفين المتقاربين. ثم قال: والتضعيف واحتمال الحروف المكروهة والاعتلال بأواخر الحروف أولى منها بأوله.
стр. 60
والغرابة (١): نحو [من الرجز]:
وفاحما ومرسنا مسرّجا (٢)
ــ
(قوله: والغرابة) ينبغى أن يحمل على الغرابة بالنسبة إلى العرب العرباء، لا بالنسبة إلى استعمال الناس، ولو أراد الثانى لكان جميع ما فى كتب الغريب غير فصيح، والقطع بخلافه، والمراد قلة استعمالها لذلك المعنى لا لغيره، ومثل المصنف الغرابة بقوله:
(وفاحما ومرسنا مسرّجا)
مشيرا إلى قول العجاج:
أيّام أبدت واضحا مفلّجا (٣) ... أغرّ برّاقا، وطرفا أبرجا
ومقلة وحاجبا مزجّجا ... وفاحما، ومرسنا مسرّجا (٤)(٥)
стр. 61
أى: كالسيف السّريجى فى الدقة والاستواء، أو كالسراج فى البريق واللمعان ...
ــ
(قوله: أى كالسيف السريجى فى الدقة والاستواء، أو كالسراج فى البريق) يشير إلى أنه لم يعلم ما أراد بقوله: مسرجا حتى اختلف فى تخريجه فقيل من قولهم للسيوف سريجية، أى منسوبة إلى قين يقال له سريج، يريد أنه فى الاستواء والدقة كالسيف السريجى، قاله ابن دريد، غير أنه يوهم أن البيت فى مذكر، وإنما هو فى مؤنث بدليل أيام أبدت، وقيل من السراج يريد فى البريق، من قولهم: سرج الله وجهه أى حسنه قاله ابن سيده. فإن قلت: لا يصح أنه كالسراج فى البريق، لأن اسم الذات لا نشتق منه أسماء الفاعلين أو المفعولين، ثم البيت ليس فيه أداة تشبيه. قلت: أما جعله تشبيها من غير أداة التشبيه، فالمراد تشبيه فى المعنى، أو تشبيه محذوف الأداة، كما ستراه منقولا عن جماعة فى قوله:
فأمطرت لؤلؤا من نرجس، وسقت ... وردا، وعضّت على العنّاب بالبرد (١)
إلا أن المصنف لا يراه فيصح له الجواب الأول، فلعله أطلق المسرج، وهو للسيف على المرسن لمشابهته له، ولا مانع من تسمية السيف السريجى مسرجا من التسريج، وهو التحسين بحيث صار يشبه السراج. فقوله: كالسراج فى البريق، تفسير معنى ألا ترى إلى قوله فى الإيضاح: وهذا يقرب من قولهم: سرج وجهه، وسرج الله وجهه وفيما قاله نظر؛ لأنه تقدير ثالث من غير مراعاة السراج، إلا أن يقال: إنه يقرب منه من حيث المعنى وعبارة المحكم أى كالسراج، وقولهم: سرج الله وجهه.
والمرسن (بفتح الميم مع فتح السين وكسرها) حكاهما ابن سيده، وقال الجوهرى: إنه بكسر الميم وهو وهم. واعلم أن السكاكى ذكر المرسن فى باب المجاز، وذكر ما لا يوافق عليه، وسيأتى فى موضعه إن شاء الله تعالى. واعلم أن المصنف فسر الغرابة فى الإيضاح بما ذكره وفيه نظر؛ لأن هذا غرابة معنى لا غرابة كلمة، وفسرها أيضا بكون الكلمة لا يعرف معناها إلا بالبحث فى كتب اللغة المبسوطة، وهذا النوع من الغرابة أخف من الذى قبله، فكان ينبغى للمصنف أن يذكره ليستدل به على أشد منه، كما فعل فى التنافر، وقد مثل فى الإيضاح هذا بما روى عن عيسى بن عمر النحوى
стр. 62
والمخالفة (١) نحو [من الرجز]:
الحمد لله العلىّ الأجلل (٢)
ــ
أنه سقط عن حمار، فاجتمع الناس عليه، فقال: ما لكم تكأكأتم علىّ تكأكؤكم على ذى جنة افرنقعوا عنى؛ فإن تكأكأتم بمعنى اجتمعتم، وافرنقعوا بمعنى تفرقوا لا يكاد يطلع عليه من غير بحث. قلت: وكذلك حكاها الجوهرى، وقد حكاها الزمخشرى عن أبى علقمة عند قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ (٣) وكذلك حكاها عنه الخفاجى، وقال: إن هذا التركيب أخرجه عن الفصاحة أمران: ضعف التأليف فى تتكأكأون، ونقله بصيغة المضارع، والغرابة فى افرنقعوا، ويعنى بقوله (ضعف التأليف) تنافر الحروف وقال الزمخشرى: افرنقعوا مأخوذ من حروف الفرقة مع زيادة العين، وفيه نظر؛ لأن العين ليست من حروف الزيادة، وجعله الجوهرى مشتقا من فرقعة الأصابع فوزنه على هذا افعنللوا، وعلى الأول افعنلعوا، وحكى ابن الجوزى فى كتاب الحمقى هذه عن أبى عبيدة، وقال: ما لكم تكأكأون ثم قال: فقال الناس: تكلم بالعبرانية فعصروا حلقه إلى أن استغاث، وآلى أن لا ينحو على الجهل، وقد اعترض على المصنف فى تفسير الغرابة بما ذكر، إنما الغرابة قلة الاستعمال كما يقتضيه كلام المفتاح وغيره، وكون الكلمة ثقيلة نوع آخر مما يخل بالفصاحة ولو سمى هذا باسم التعقيد لكان حسنا.
وقوله: (والمخالفة نحو الحمد لله العلى الأجلل).
يشير إلى قول أبى النجم:
الحمد لله العلىّ الأجلل ... أعطى، فلم يبخل، ولم يبخّل (٤)
لأن قياس التصريف الأجل لاجتماع المثلين، وتحرك الثانى وذلك يوجب الإدغام وأمثال ذلك كثيرة جدا، وأنشد سيبويه:
стр. 63
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقى ... أنّى أجود لأقوام وإن ضننوا (١)
وقد يرد على المصنف ما خالف القياس، وكثر استعماله فورد فى القرآن، فإنه فصيح مثل: استحوذ. قال الخطيبى:
أما إذا كانت مختلفة الاستعمال لدليل فلا تخرج عن كونه فصيحا، كما فى سرر يريد أن قياس سرير أن يجمع على أفعلة وفعلان، مثل أرغفة ورغفان. قلت: إن عنى بالدليل ورود السماع فذلك شرط؛ لجواز الاستعمال اللغوى لا للفصاحة، وإن عنى دليلا يصيره فصيحا وإن كان مخالفا للقياس فلا دليل فى سرر على الفصاحة إلا وروده فى القرآن فينبغى حينئذ أن يقال: إن مخالفة القياس إنما تخل بالفصاحة حيث لم تقع فى القرآن الكريم، ولقائل أن يقول حينئذ: لا يسلم أن مخالفة القياس تخل بالفصاحة، ويسند هذا المنع بكثرة ما ورد منه فى القرآن، بل مخالفة القياس مع قلة الاستعمال مجموعهما هو المخل، وإن أراد الخطيبى أن سررا خالف القياس، لعدم الإدغام فليس بصحيح، فإنه ليس قياس الإدغام وليس كل مثلين يدغم أحدهما فى الآخر. ثم اعلم أن ما ذكره المصنف ظاهره يقضى بأن كل ضرورة ارتكبها شاعر فقد أخرج الكلمة عن الفصاحة. قال حازم فى المنهاج: الضرائر السائغة منها المستقبح وغيره، وهو ما لا تستوحش منه النفس كصرف ما لا ينصرف وقد تستوحش منه النفس فى البعض، كالأسماء المعدولة، وأشد ما تستوحشه النفس تنوين أفعل من وما لا يستقبح قصر الجمع الممدود، ومد الجمع المقصور، ويستقبح منه ما أدى إلى التباس جمع بجمع مثل: رد مطاعم إلى مطاعيم، أو رد مطاعيم إلى مطاعم، فإنه يؤدى إلى التباس مطعم بمطعام، وأقبح ضرائر الزيادة المؤدية لما ليس أصلا فى كلامهم كقوله:
من حوثما نظروا أدنو فأنظور (٢)
стр. 64
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أى أنظر، أو الزيادة المؤدية لما يقل فى الكلام، كقول امرئ القيس فى بعض الروايات:
طأطأت شيمالى (١)
أراد شمالى، وكذلك يستقبح النقص المجحف، كقول لبيد:
درس المنا بمتالع فأبان (٢)
أراد المنازل، وكذلك العدول عن صيغة لأخرى، كقول الحطيئة:
فيها الزّجاج وفيها كلّ سابغة ... جدلاء محكمة من نسج سلّام (٣)
أراد سليمان ﵇.
قلت: وما ذكره تفصيل حسن ينبغى اعتباره، إلا أن الضرائر المتعلقة بحركة إعراب الكلمة لا ينبغى أن ينظر إليها المتكلم فى فصاحة الكلمة؛ لأن الحركة زائدة على وضع الكلمة تحدث عند التركيب، وقد قسم النحاة الضرائر إلى المستقبح وغيره، وإنما ذكرت كلام حازم لما فيه من الزيادة، وأطلق الخفاجى أن صرف المنصرف وعكسه فى الضرورة مخل بالفصاحة فتلخص فى ذلك قولان، وصرح الخفاجى أيضا بأن فصاحة الكلمة يعتبر فيها إعراب الكلمة، ورد على من عساه يمنع ذلك، وفيه نظر كما سبق. نعم اعتبار حركة الإعراب فى فصاحة الكلام، سأذكره فى موضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 65
قيل (١): ومن الكراهة فى السمع؛ نحو [من المتقارب]:
كريم الجرشّى شريف النّسب (٢)
ــ
(قوله: قيل: ومن الكراهة فى السمع نحو كريم الجرشى شريف النسب).
يشير إلى قول المتنبى:
مبارك الاسم أغرّ اللّقب ... كريم الجرشّى شريف النّسب (٣)
فإن السمع يمج الجرشى، والمراد بها النفس، وربما مج السامع الكلمة، وتبرأ منها كما يتبرأ من سماع الصوت المنكر، وربما استلذ بسماع بعض الألفاظ.
(قوله: وفيه نظر) يريد أن الكراهة من جهة الصوت لا تعلق لها بالفصاحة، لأن السمع قد يستلذ بغير الفصيح بحسن الصوت وبالعكس، فإن كان كراهة الجرشى لاستغرابه، فقد دخل فيما سبق. قال الخطيبى هذا على ما بناه من أن الكراهة فى السمع راجعة إلى الغنم. ويجوز أن تكون راجعة إلى اشتمال اللفظ على تركيب ينفر الطبع عنه فتكون الكراهة فى السمع حينئذ راجعة إلى نفس اللفظ. قلت: هذا القسم الذى فرضه، لا يوجد إلا فى الكلام، فإن نفرة الطبع عن تركيب الكلمة إنما تكون لتنافر حروفها، وقد تقدم الاحتراز عنه، وهو إنما يتكلم الآن فى فصاحة المفرد على أنا نمنع الكراهة فى لفظ الجرشى، وقد ذكر حازم كراهة لفظ الجرشى، وعلله بتتابع الكسرات، وتماثل الحروف، وكونها حوشية.
(تنبيه): قد ذكر العلماء أمورا، بعضها يمكن أن يقال: إن الخلوص منه شرط لفصاحة المفرد، وبعضها لا يمكن ادعاء ذلك فيه؛ لوروده فى القرآن الكريم، وما قاله الزوزنى فى شروح التلخيص من أن الكلمة غير الفصيحة، قد تقع فى القرآن الكريم زلة قدم، وكذلك ما وقع فى كلام الطيبى فى سورة الأنعام وفى كلام ابن عصفور مما يوهم ذلك، منها أن تكون متوسطة بين قلة الحروف وكثرتها، والمتوسطة ثلاثة أحرف فإن كانت الكلمة على حرف واحد، مثل: قه - فعل أمر فى الوصل - قبحت، وإن
стр. 66
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كانت على حرفين، لم تقبح إلا بأن يليها مثلها، ذكره حازم. قال حازم: المفرط فى القصر ما كان على مقطع مقصور، والذى لم يفرط ما كان على سبب. والمتوسط ما كان على وتد أو على سبب ومقطع مقصور أو على سببين، والذى لم يفرط فى الطول ما كان على وتد وسبب. والمفرط فى الطول ما كان على وتدين، أو على وتد وسببين. اه.
وفيه مخالفة لكلام غيره، وقال حازم أيضا: إن الطول تارة يكون بأصل الوضع، وتارة تكون الكلمة متوسطة فتبطلها الصلة وغيرها، كقول المتنبى:
خلت البلاد فى الغزالة ليلها ... فأعاضهاك الله كى لا تحزنا (١)
وقول أبى تمام:
ورفعت للمستنشدين لوائى (٢)
اه، فإن قلت: زيادة الحروف لزيادة المعنى، كما فى اخشوشن بمعنى خشن، واقتدر فى قوله تعالى: فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٣). وقوله تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٤). وغير ذلك فكيف جعلتم كثرة الحروف مخلا بالفصاحة مع كثرة المعنى فيه؟
قلت: لا مانع من أن تكون إحدى الكلمتين أقل معنى من الأخرى، وهى أفصح منها. إذ الأمور الثلاثة التى يشترط الخلوص عنها لا تعلق لها بالمعنى، ثم كون زيادة الحروف دائما لزيادة المعنى المراد به أن يكونا لمعنى واحد ومادة واحدة. فخرج بالأول نحو علم واستعلم وكسر وانكسر وبالثانى المادتان المستقلتان فلا تفاضل بينهما.
ومن الغريب أن التنوخى نقل عن بعض الناس أن صيغة فاعل أبلغ من فعيل لكثرة استعمالها، وذكره ابن الأثير فى المثل السائر، وأخوه فى الجامع، وقال: لأن اسم
стр. 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفاعل لا يكون إلا بمعنى الفاعل، والفاعل قوى، وفعيل يكون بمعنى الفاعل والمفعول، فهو دائر بين قوى وضعيف، وما يختص بقوى أبلغ مما دار بين قوى وضعيف، ولأن فاعل أشمل لشموله المتعدى والقاصر. ورده التنوخى بأن المفاضلة إنما تكون بين كلمتين ومادة واحدة، لا بين الأوزان، ثم قد يرد على هذه القاعدة أمور منها:
أن ياء التصغير تنقص المعنى وتحقره غالبا، ويمكن الجواب عنه بأنه إنما يكثر المعنى بزيادة حرف لا لمعنى، أما الحرف المراد لمعنى، فإنه لا يتجاوز معناه، كما أن حرف المضارعة لا يزيد المعنى فى يضرب على ضرب بل يغير الزمان فقط. أو يقال: إن ياء التصغير زادت المعنى؛ لأن مدلول الاسم قبل التصغير مطلق الحقيقة، وبعده الحقيقة بقيد الحقارة، أو التحبيب ونحو ذلك من أسباب التصغير. وبعد أن ذكرت ذلك بحثا رأيت علاء الدين بن النفيس، قد سبقنى إليه فى كتابه طريق الفصاحة، فقال: التصغير وإن دل على الاحتقار والنقص فذلك لا محالة زيادة فى
المعنى. اه. ولكن فيه نظر لما سيأتى.
ومنها قولهم لمن مات: ميت بالإسكان، ولمن قارب الموت: مائت، وإن كان مائت يطلق أيضا على من مات. فإن قيل: إنهما لمعنيين مختلفين، فجوابه أن المعنى الذى فى المقارب للموت بعينه موجود فى الميت حقيقة وزيادة عليه.
ومنها أن جموع القلة أقلها حروفا أفعل وفعلة، وهما أكثر حروفا من أشياء من جموع الكثرة مثل فعل وفعل وفعل بل غالب جموع الكثرة لا يتجاوز خمسة أحرف، وكذلك أفعال وأفعلة وهما جمعا قلة، وجموع السلامة كلها للقلة، وأقلها خمسة أحرف.
فنحن نجد فى كثير من المواد جمع قلة حروفه أكثر من نظيره من تلك المادة، وهو جمع كثرة.
ومنها أن اسم الفاعل من الثلاثى على أربعة (ف اع ل)، فإذا أردت المبالغة، ساغ لك أن تحوله إلى مثله عددا، وهو فعيل أو أقل وهو فعل، وقد يجاب عن فعيل بأنّا لم ندع أن العلامة مطردة منعكسة، ولا قلنا: إن عدم زيادة الحروف يدل على عدم زيادة المعنى. ويجاب عن فعل بأنه حصل فيه معارض، وهو أنه على وزن أفعال السجايا، فكان أبلغ من جهة أخرى، والجواب السابق أيضا: فإن فاعل لم تزد حروفه على فعل، حتى يلزم أن يكون أبلغ بل فعل نقصت حروفه عن فاعل، فإن فاعلا هو
стр. 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأصل، والمدعى أن اللفظ إذا حول إلى أكثر حروفا منه كان أبلغ. وأما إذا حول إلى أنقص فلا يلزم أن ينقص المعنى، بل قد يقترن بما يجعله أبلغ. ونقل الزمخشرى هذه القاعدة بعد أن قال: قيل: رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا. قال ابن المنير: حاصله أن الرحمة المستفادة من رحمن، أعم من الرحمة المستفادة من رحيم، والدلالة للعموم على قصور المبالغة أولى كما أن ضاربا أعم من ضراب، وضراب أبلغ منه بخصوصه، واستحسنه صاحب الإنصاف. قلت: فيه نظر من وجوه:
الأول: أنهما بنيا على أن مراد الزمخشرى برحمن الدنيا والآخرة، أنه يراد به ما هو أعم من كل منهما، وهو ممنوع لجواز أن يريد أن الرحمن، يراد به مجموع الرحمتين، فيكون مدلول الرحيم بعض مدلول الرحمن، ولا يكونان أعم وأخص، بل كل وجزء، فيتم ما قاله حينئذ.
الثانى: أن قوله: والدلالة بالعموم على قصور المبالغة أولى فيه نظر. لأنا نقول: سلمنا أن الأخص أكثر معنى من الأعم، لأنه يدل على الأعم وزيادة ولكن الزمخشرى: لا يعنى بزيادة المعنى هنا ذلك، بل المبالغة فى المعنى فى غير انضمام معنى إليه زائد، ولا منافاة بين كون الأخص أزيد معنى، والأعم أبلغ منه فى الدلالة على أصل المعنى،
فإن معنى الإنسان أكثر من معنى الحيوان. والظاهر أن دلالة الحيوان على معناه، أبلغ من دلالة الإنسان على الحيوان، لأن الأولى بالمطابقة، والثانية بالتضمن. وإذا صح لنا هذا فى ذلك فلننقله إلى مقصودنا، وهو أعم وأخص من مادة واحدة.
الثالث: أن ضرابا وضاربا ليس أحدهما عند التحقيق أعم من الآخر؛ لأن ضرابا لا يتميز عنه بوصف ذاتى، بل ضراب عبارة عن ذى ضروب كثيرة، أو ذى ضرب يوصف بالقوة، وذلك لا يوجب له حقيقة الأخص لما تقرر فى علم المنطق، وليس عندى فى الجواب عن ذلك كله إلا أن هذه علامات لا يشترط اطرادها. فإن قلت: قد اشتمل القرآن على كثير من الرباعى والخماسى، فليكن فصيحا. قلت: لم يدعوا أن غير الثلاثى غير فصيح بل الثلاثى أفصح، ومع هذا فمن شرط ذلك أن تكون كلمتان لمعنى واحد إحداهما ثلاثية والأخرى رباعية، ولا يكون ثم مرجح لإحداهما على الأخرى - فيكون العدول إلى الرباعية عدولا عن الأفصح، وأين يوجد هذا فى القرآن؟
стр. 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومما يجب ضبطه لينتفع به فى هذا الكتاب كله أنه ليس لكل معنى كلمتان فصيحة وغيرها فربما لا يكون للمعنى إلا كلمة فصيحة أو غير فصيحة، ويضطر إلى استعمالها.
ومنها: أن تجتنب الحركة الثقيلة على بعض الحروف كالضمة على الجيم، وأن تجتنب الأسباب الخفيفة المتوالية، كقولهم: القتل أنفى للقتل، ويرد عليه وروده فى القرآن. قال تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (١). وقال تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ (٢).
وقد يقال: إن هذا كله يتعلق بفصاحة الكلام، لأن الأسباب لم تجتمع فى كلمة واحدة.
ومنها أن لا تجتمع الأفعال المتوالية، كقول المتنبى:
عش ابق اسم سد قد جد مر انه رف اسر نل ... غظ ارم صب احم اغز اسب رع زع دل اثن نل (٣)
وقال حازم: إن بيت المتنبى إنما قبح لقصر كلماته المتوالية التى على حرفين، وينبغى أن يذكر هذا فى شروط فصاحة الكلام.
ومنها: أن لا تكون الكلمة مبتذلة، إما لتغيير العامة لها إلى غير أصل الواضع كاللقالق ولهذا عدل فى التنزيل إلى قوله: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ (٤)؛ لسخافة لفظ الطوب، وما رادفه كما قال الطيبى، ولاستثقال جمع الأرض لم تجمع فى القرآن، وجمعت السماء، وحيث أريد جمعها قال: الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ (٥) وقد قسم حازم فى المنهاج الابتذال والغرابة فقال ما ملخصه الكلمة على أقسام:
الأول: ما استعملته العرب دون المحدثين، وكان استعمال العرب له كثير فى الأشعار، وغيرها فهذا حسن فصيح.
стр. 70
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثانى: ما استعملته العرب قليلا، ولم يحسن تأليفه ولا صيغته فهذا لا يحسن إيراده.
الثالث: ما استعملته العرب وخاصة المحدثين دون عامتهم فهذا حسن جدا لأنه خلص من حوشية العرب وابتذال العامة.
الرابع: ما كثر فى كلام العرب وخاصة المحدثين وعامتهم ولم يكثر فى ألسنة العامة فلا بأس به.
الخامس: ما كان كذلك، ولكنه كثر فى ألسنة العامة، وكان لذلك المعنى اسم استغنت به الخاصة عن هذا، فهذا يقبح استعماله لابتذاله.
السادس: أن يكون ذلك الاسم كثيرا عند الخاصة والعامة، وليس له اسم آخر، وليست العامة أحوج لذكره من الخاصة، ولم يكن من الأشياء التى هى أنسب بأهل المهن فهذا لا يقبح، وليس يعد مبتذلا، مثل لفظ: الرأس والعين.
السابع: أن يكون كما ذكرناه إلا أن حاجة العامة له أكثر، فهو كثير الدوران بينهم، كالصنائع، فهذا مبتذل.
الثامن: أن تكون الكلمة كثيرة الاستعمال عند العرب والمحدثين لمعنى، وقد استعملها بعض العرب نادرا لمعنى آخر، ويجب أن يجتنب هذا أيضا.
التاسع: أن يكون العرب والعامة استعملوها دون الخاصة، وكان استعمال العوام لها من غير تغيير، فاستعمالها على ما نطقت به العرب ليس مبتذلا، وعلى التغيير قبيح مبتذل اه. ثم اعلم أن الابتذال فى الألفاظ وما يدل عليه ليس وصفا ذاتيا، ولا عرضا لازما؛ بل لاحقا من اللواحق المتعلقة بالاستعمال فى زمان دون زمان، وصقع دون صقع، ومن أسباب الفصاحة أيضا أن لا تكون مشتركة بين معنيين: أحدهما مكروه كقولك: لقيت فلانا فعزرته، إلا بقرينة، كقوله تعالى:
فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ (١). ولك أن تقول: القرينة لا بد منها لكل إطلاق لفظ مشترك، فإن لم تكن قرينة، لم يجز
ذلك إلا لغرض الإبهام، وإن وجدت القرينة فهو فصيح لوروده فى القرآن الكريم، وقد يقال: هذا يتعلق بفصاحة الكلام لا الكلمة،
стр. 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأن تكون الحروف لذيذة عذبة، وقد يقال: إن غالب ذلك راجع إلى التنافر فدخل فى كلام المصنف، وجعل من الإخلال بالفصاحة أيضا أن يجمع بين ثلاث حركات متوالية، وليس بصحيح لوروده فى القرآن، ولو صح فهو من التنافر، وأيضا فهو فى الكلمة الواحدة: أما الكلمات فقد تجتمع فيها الحركات المتوالية، وتصل إلى ثمانية، قال تعالى: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً (١) وجعل حازم فى المنهاج من المستقبح تتابع الكسرات، وحروف العلة نحو الكيماء.
(تنبيه): ليس من شرط الكلمة أن تكون قابلة هذه الأمور الثلاثة، فقد لا تقبلها كالكلمة التى على حرف واحد فلا تنافر فيها، بل الحروف كلها ليس فيها تنافر حروف.
(تنبيه): قال فى الإيضاح: ثم علامة كون الكلمة فصيحة، أن يكون استعمال العرب الموثوق بعربيتهم لها كثيرا، أو أكثر من استعمالهم ما بمعناها. قلت: قوله: أو أكثر من استعمالهم ما بمعناها فيه نظر؛ لاستلزامه أن مراتب الفصاحة لا تتفاوت، لأنه إذا كان استعمالهم لها أكثر من غيرها وجعلناه دليل الفصاحة فلا يكون غير فصيح بحال، لا يقال:
قوله كثيرا يرفع هذا الوهم؛ لأنه إنما يقصد بقوله: أن يكون استعمالهم لها كثيرا كون الكلمة ليس لها مرادف؛ فكثرة استعمالها دليل فصاحتها. أما إذا كان كلمتان مترادفتان، فقد شرط فى فصاحة إحداهما الأكثرية، ولا شك أن رتب الفصاحة متفاوتة، ولو كان مراده الكثرة من كلمة لها مرادف لما قال: أو أكثر؛ لأن الأكثر كثير.
(تنبيه): قال ابن النفيس فى كتاب الطريق إلى الفصاحة: قد تنقل الكلمة من صيغة لأخرى، أو من وزن لآخر، أو من مضى لاستقبال وبالعكس، فتحسن بعد أن كانت قبيحة، وبالعكس فمن ذلك خود بمعنى أسرع قبيحة فإذا جعلت اسما خودا، وهى المرأة الناعمة قل قبحها، وكذلك ودع يقبح بصيغة الماضى؛ لأنه لا يستعمل ودع إلا قليلا، ويحسن فعل أمر أو فعلا مضارعا، ولفظ اللب بمعنى العقل يقبح مفردا، ولا يقبح مجموعا، كقوله تعالى: لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢) قال ولم يرد لفظ اللب مفردا إلا
стр. 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مضافا كقوله ﷺ : ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الحازم من إحداكن" (١) أو مضافا إليها، كقول جرير:
يصرعن ذا اللّبّ حتّى لا حراك ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا (٢)
وكذلك الأرجاء تحسن مجموعة كقوله تعالى: وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها (٣) ولا تحسن مفردة إلا مضافة، كقولنا: رجا البئر، وكذلك الأصواف تحسن مجموعة نحو قوله تعالى:
وَمِنْ أَصْوافِها (٤) ولا تحسن مفردة، كقول أبى تمام:
فكأنّما لبس الزّمان الصّوفا (٥)
ومما يحسن مفردا ويقبح مجموعا المصادر كلها، وكذلك طيف وطيوف وبقعة وبقاع، وإنما يحسن جمعها مضافا مثل بقاع الأرض.
(تنبيه): رتب الفصاحة متقاربة، وإن الكلمة تخف وتثقل بحسب الانتقال من حرف إلى حرف لا يلائمه قربا أو بعدا، فإن كانت الكلمة ثلاثية فتراكيبها اثنا عشر:
الأول: الانحدار من المخرج الأعلى إلى الأوسط إلى الأدنى، نحو ع د ب.
الثانى: الانتقال من الأعلى إلى الأدنى إلى الأوسط نحو ع م د.
الثالث: من الأعلى إلى الأدنى إلى الأعلى نحو ع م هـ.
الرابع: من الأعلى إلى الأوسط إلى الأعلى نحو ع ل هـ.
الخامس: من الأدنى إلى الأوسط إلى الأعلى نحو م ل ع.
السادس: من الأدنى إلى الأعلى إلى الأوسط نحو ب ع د.
السابع: من الأدنى إلى الأعلى إلى الأسفل نحو ف ع م.
الثامن: من الأدنى إلى الأوسط إلى الأدنى نحو ف د م.
التاسع: من الأوسط إلى الأعلى إلى الأدنى نحو د ع م.
стр. 73
وفيه نظر (١):
وفى الكلام: خلوصه من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات، والتعقيد، مع فصاحتها: ...
ــ
العاشر: من الأوسط إلى الأدنى إلى الأعلى نحو د م ع.
الحادى عشر: من الأوسط إلى الأعلى إلى الأوسط نحو ن ع ل.
الثانى عشر: من الأوسط إلى الأدنى إلى الأوسط نحو ن م ل.
إذا تقرر هذا فاعلم أن أحسن هذه التراكيب وأكثرها استعمالا ما انحدر فيه من الأعلى إلى الأوسط إلى الأسفل، ثم ما انتقل فيه من الأوسط إلى الأدنى فهما سيان فى الاستعمال، وإن كان القياس يقتضى أن يكون أرجحهما ما انتقل فيه من الأوسط إلى الأعلى إلى الأدنى، وأقل الجميع استعمالا ما انتقل فيه من الأدنى إلى الأعلى إلى الأوسط، هذا إذا لم ترجع إلى ما انتقلت عنه، فإن رجعت فإن كان الانتقال من الحرف الأول إلى الثانى فى انحدار من غير طفرة، والطفرة الانتقال من الأعلى إلى الأدنى أو عكسه - كان التركيب أخف وأكثر، وإن فقدا بأن يكون النقل من الأول فى ارتفاع مع طفرة - كان أثقل، وأقل استعمالا، وأحسن التراكيب ما تقدمت فيه نقلة الانحدار من غير طفرة بأن ينتقل من الأعلى إلى الأوسط إلى الأعلى، أو من الأوسط إلى الأدنى إلى الأوسط، ودون هذين ما تقدمت فيه نقلة الارتفاع من غير طفرة.
وأما الرباعى والخماسى فعلى نحو ما سبق فى الثلاثى، ويختص ما فوق الثلاثة بكثرة اشتماله على حروف الذلاقة لتجبر خفتها ما فيه من الثقل، وأكثر ما تقع الحروف الثقيلة فيما فوق الثلاثى مفصولا بينهما بحرف خفيف، وأكثر ما تقع أولا وآخرا وربما قصد بها تشنيع الكلمة لذم أو غيره.
الفصاحة في الكلام .
ص: (وفى الكلام خلوصه من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات، والتعقيد مع فصاحتها).
(ش): أى الفصاحة فى الكلام: خلوصه من ذلك مع فصاحة الكلمات وعليه من السؤال ما تقدم فى فصاحة الكلمة
من اقتضاء كلامه الخلوص من المجموع فقط، وغير
стр. 74
فالضعف (١) نحو: ضرب غلامه زيدا ...
ــ
ذلك ثم قوله: تنافر الكلمات فيه نظر؛ لأن الكلام قد يكون كلمتين فقط، ويعنى بقوله تنافر الكلمات منافرة كل واحدة للأخرى، لا تنافر أجزاء كلمة واحدة، فإن ذلك من فصاحة الكلمة. قوله: (فالضعف نحو ضرب غلامه زيدا) فإن فيه رجوع الضمير إلى المتأخر لفظا ورتبة، وقد اختلف فى جواز ذلك، فالجمهور على منعه، وجوزه أبو الحسن، والطوال، وابن جنى، وابن مالك مستدلين بقوله:
جزى ربّه عنّى عدىّ بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل (٢)
وأجيب عنه بأن الضمير لمصدر جزى، وكذلك قوله:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمّار (٣)
وأجيب عنه بجواز أن يكون الضمير لمتقدم فى بيت سابق.
واعلم أن المصنف والشراح قالوا: إنما كان ضعيفا؛ لأن ذلك ممتنع عند الجمهور، ولا يجتمع القول بضعفه، وكونه غير فصيح مع القول بامتناعه. فإن أرادوا أنه جائز، ولكنه ضعيف؛ لأن الأكثر على امتناعه فلا يلزم من القول بجواز ما منعه الجمهور الاعتراف بضعفه، فربما ذهب ذاهب إلى جواز شئ وفصاحته مع ذهاب غيره إلى امتناعه، فليتنبه لذلك. وقد وقع فى عبارة الخفاجى أن التصرف الفاسد يخل بالفصاحة، فإن أراد ما ليس بكلام ففيه نظر؛ لأن الفصاحة من صفات الكلمة والكلام فما ليس بكلام لا يسمى غير فصيح، إذ لا تسلب الصفة عن غير القابل، ولو خلينا وعبارة التلخيص، لأخذنا منها جواز ذلك، كما اختاره ابن مالك. وعليه اعتراض ثان، وهو أن هذا على تقدير جوازه وضعفه ليس مثالا صحيحا، لأن هذا
стр. 75
والتنافر (١): كقوله [من الرجز]:
وليس قرب قبر حرب قبر
ــ
ليس ضعفا فى الكلام فإن الكلام هنا هو الفعل وفاعله الضعف، إنما جاء هنا من إضافة الغلام، أو من تأخر المفعول بعد تقدم ضميره، وذلك أمر دائر بين الفاعل وما أضيف إليه، أو بين المفعول وغيره لا من الكلام، أو نقول: الضعف فى استعمال هذا الضمير مخل بفصاحة الكلمة لا الكلام، وهذا بعض ما قدمت الوعد به، وبه تبين أن مراده بالكلام ما زاد على كلمة من الجملة، وما يتعلق أو يتصل بها، ثم ذلك الضعف ربما كان فى النثر دون الشعر؛ لأن ضرورة الشعر كما تجيز ما ليس بجائز، فقد تقوى ما هو ضعيف فعلى البيانى أن يعتبر ذلك، فربما كان الشئ فصيحا فى الشعر غير فصيح فى النثر، ولذلك جوز جماعة: ضرب غلامه زيدا فى الشعر فقط، وابن مالك المجوز لهذا فى النثر، لا ندرى هل يوافق على ضعفه فى الشعر أو لا؟ فإن قلت: الضعف فى ضرب غلامه زيدا إنما حصل من الحركة الإعرابية، لا من مادة الكلمة، وقد قدمتم أن ضعف حركة الإعراب لضرورة أو غيرها، لا يقدح فى الفصاحة. قلت: ذلك بالنسبة إلى فصاحة الكلمة المفردة فضعف حركة إعرابها لا يخل بفصاحتها، لكنه قد يخل بفصاحة مجموع الكلام الذى فيه تلك الكلمة إذا أوجب تعقيدا، كما نحن فيه، وقد لا يخل بفصاحة الكلام، إذا لم تتعلق تلك الضرورة بالمعنى، كصرف المنصرف، وعكسه. فإن الإفادة التى هى مقصودة من الكلام، لا تختل بذلك فليتأمل. وقد تلخص من ذلك أن ضرورة حركة الإعراب، لا تخل بفصاحة الكلمة أبدا، وتخل بفصاحة الكلام تارة دون أخرى.
(قوله: والتنافر كقوله: وليس).
يشير إلى قول الشاعر:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس (قرب قبر حرب قبر) (٢)