. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حقيقة مرادة لنفسها، مثل: جاء زيد. ومجاز مراد لنفسه، مثل: جاء أسد يرمى بالنشاب. فمدلول اللفظ الحقيقى غير الكناية والمجازى مراد لذاته، ويتحد فى هذين القسمين إرادة الاستعمال، مع إرادة الإفادة وحقيقة مرادة لغيرها مثل: زيد كثير الرماد، تريد حقيقة كثرة الرماد، فهو حقيقة مرادة لا لنفسها، بل لما هو ملزوم، لكثرة الرماد من كثرة الطبخ اللازم للكرم فى الغالب. فالكناية حقيقة؛ لأنك استعملت لفظها فيما وضع له، والحقيقة كذلك سواء أكان ذلك الموضوع مقصودا لذاته، أم لغيره. ولا عبرة بما وقع فى كلام المصنف من أن الكناية غير حقيقة ولا مجاز، لما سترى تحقيقه نقلا وبحثا عند الكلام على حد الحقيقة والمجاز.
ولك أن تقول: بحسب الاستعمال، هو لفظ أريد به ما وضع له، وأن تقول: بحسب المراد بالذات أريد به غير ما وضع له. ففى الكناية إرادة استعمال، وهى فيما وضع له، وإرادة إفادة، وهى غير ما وضع له. والمعتبر فى الحقيقة اللفظية هو إرادة الاستعمال.
بقى قسم رابع وهو مجاز مقصود لغيره، مثل أن تستعمل كلمة فى غير موضوعها، ولا يكون ذلك المعنى المجازى مقصودا لذاته؛ لما يلزمه. فهذا القسم قد يقال بامتناعه؛ لأن فيه الخروج عن موضوع اللفظ إلى التجوز بحسب الاستعمال، ثم الخروج عن ذلك المعنى المجازى بحسب القصد بالذات، ويدل عليه قول الجمهور: الكناية حقيقة خلافا للمصنف. ولو ثبت هذا القسم لانقسمت الكناية إلى: حقيقة ومجاز، وقد يقال بجوازه، ويحمل قولهم: الكناية حقيقة على لفظ استعمل فى موضوعه، مرادا به غيره. فعلم أن الكناية: لفظ أريد به موضوعه، ليستفاد منه غير موضوعه. وغير الكناية من الحقيقة:
لفظ أريد به موضوعه؛ ليستفاد منه ذلك الموضوع. والمجاز: لفظ أريد به غير موضوعه.
فإذا قلت: زيد كثير الرماد، مستعملا كثرة الرماد فى الكرم، فهو مجاز وليس كناية.
وإن استعملته فى معناه مريدا ذلك قصدا وإفادة من غير إرادة إفادة الكرم، كما إذا أردت الإخبار بأنه فحام فهو حقيقة مجردة. وإن أردت معناه، ليستفاد منه الكرم، فهو كناية. فظهر بهذا أنه يصح أن يقال: الكناية لفظ أريد به غير معناه، باعتبار إرادة الإفادة، وأن يقال: لفظ أريد به معناه باعتبار الاستعمال، وأما اجتماع أمرين من هذه الثلاثة، فالمجاز لا يجتمع مع الكناية، ولا مع الحقيقة المجردة، إلا عند من
стр. 632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يجوز استعمال اللفظ فى حقيقته ومجازه، فحينئذ يجوز أن تقول: زيد كثير الرماد، مريدا كرمه، وكثرة رماده المقصود لذاته، وأن تريد كرمه وكثرة رماده؛ ليستفاد من كثرة رماده كرمه، فيكون الكرم مدلولا عليه بالمجاز والكناية. وأما الحقيقة المجردة والكناية، فلا مانع من اجتماعهما بأن تقول: زيد كثير الرماد، وغرضك الإخبار بكثرة رماده؛ ليستفاد منه كرمه، ويستفاد حصول الرماد بنفسه لغرض ما، ولا تتخيل أن ذلك جمع بين حقيقتين، فإن إرادة الاستعمال فيه واحدة، والمتعدد إرادة الإفادة.
وقد تستعمل الكلمة فى معنى واحد؛ لتحصل أغراض لا تتناهى فظهر بهذا أن الكناية لفظ أريد به ما وضع له استعمالا، وغير ما وضع له إفادة. والمجاز أريد به غير ما وضع له استعمالا وإفادة. وعلم أن بين الكناية والمجاز عموما وخصوصا من وجه، يجتمعان فى القسم الرابع، ويرتفعان فى الحقيقة المجردة، ويوجد المجاز فقط، حيث استعمل اللفظ فى غير موضوعه، مرادا به إفادة مدلوله، وتنفرد الكناية فى استعمال اللفظ فى موضوعه، مرادا إفادة غيره.
إذا تحرر ذلك فاعلم أن فى كل من المجاز والكناية انتقالا. والانتقال تارة نعنى به انتقال المتكلم عن لفظ؛ إلى لفظ لانتقال ذهنه إليه، وتارة نعنى به انتقال ذهن السامع من اللفظ المستعمل إلى غيره. فإن أردت الأول فالمتكلم إذا أراد الإخبار بمعنى، فقد ينتقل ذهنه إلى ملزومه، فيستعمل لفظ الملزوم فى اللازم، كقولك: رأيت بحرا ماشيا تريد كريما، وقد ينتقل ذهنه إلى استعمال اللازم مريدا به الملزوم كقولك: كثير الرماد مريدا الكرم. وإن أردت انتقال ذهن السامع، فالحال بالعكس فالانتقال فى المثال الأول من الملزوم إلى اللازم، وفى المثال الثانى من اللازم إلى الملزوم، فظهر أن المجاز يحصل فيه تارة الانتقال من اللازم إلى الملزوم، وتارة بالعكس، كقول العرب: رعينا غيثا، فيطلق الملزوم على اللازم. وأمطرت السماء نباتا، يطلق اللازم على الملزوم. ويدل على ذلك أن من علاقات المجاز إطلاق المسبب على السبب وعكسه، والمتعلق على المتعلق وعكسه، والجزء على الكل وعكسه، وكل من الجزء والمسبب والمتعلق لازم للكل والسبب والمتعلق. والسكاكى جعل الانتقال فى المجاز أبدا من الملزوم إلى اللازم، نظرا إلى أنك إذا قلت: أمطرت السماء نباتا، فالنبات وإن كان ملازما للمطر إلا أنه باعتبار مساواته صار ملزوما، وفى هذا الكلام مناقشات، نذكرها فى
стр. 633
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
باب المجاز - إن شاء الله تعالى - ويلزم السكاكى أن يجعل الكناية أيضا انتقالا من الملزوم، لكنه تارة يتساهل فى إطلاق الملزوم على اللازم المساوى، وتارة يحقق، وأما الكناية فكذلك، إلا أنها تفارق المجاز فى أنه ليس فيها
انتقال الاستعمال، بل انتقال الذهن فقط. وإن أردت انتقال ذهن المتكلم، فالمتكلم إذا أراد إفادة الكرم، انتقل ذهنه إلى لازمه، وهو كثرة الرماد، فأخبر به ليستفاد منه ملزومه، والسامع إذا سمع اللازم، انتقل ذهنه إلى الملزوم فالانتقال فيها بحسب المتكلم من الإخبار بالملزوم إلى الإخبار باللازم، وبحسب السامع من فهم اللازم إلى فهم الملزوم. وهذا أحد قسميها، وهو الذى ذكره الناس.
وقد يقال: هى كالمجاز تنقسم إلى القسمين، فربما أخبر فيها بالملزوم، وأريد الاستعمال فيه، ليستفاد لازمه كقولك: نزل الغيث، تريد إفادة أن السنة مخصبة، ومنه قوله تعالى: قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا (١) لأنه لم يقصد إفادة ذلك؛ لأنه معلوم، بل إفادة لازمه، وهو أنهم ينبغى أن يحذروها ويجاهدوا. وكذلك قوله ﷺ :" المرء مع من أحب" (٢) والمقصود بالفائدة، إنما هو كون المخاطب مع النبى ﷺ .
واعلم أن قولنا: إطلاق اللازم على الملزوم وعكسه، جرى على عبارة القوم، وهى غير منقحة؛ لأنك إذا قلت: رأيت أسدا يتكلم، لم تطلق اللازم على الملزوم؛ لأن الملزوم ذات الأسد ولازمها معنى وهو شجاعة، والذى أطلقت عليه الأسد زيد، فإنما أطلقت ملزوما لشئ على ملزوم لشئ بين اللازمين تشابه. نعم قد يطلق الملزوم على اللازم فى نحو قولك: جاءنى عدل ويعجبنى الإنسان، وتريد ضحكه، أو كتابته، وكذلك عكسه، ومن أمثلتهما: أمطرت السماء نباتا، ورعينا غيثا. وكذا الكناية يعتبر فيها ما ذكرناه، فليتأمل.
وسيأتى تحقيق ذلك وتكميله عند ذكر الكناية، وإنما عجلت ذكر هذا هنا؛ للتقسيم الذى ذكره المصنف، ولأن بين هذا المكان وذلك مفاوز، ولا يقطعها إلا
стр. 634
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تحقيق معناهما. إذا تحرر هذا فلنرجع إلى تتبع كلامهم، فقول المصنف: اللفظ المراد به لازم ما وضع له مجاز إن قامت قرينة على عدم إرادة موضوعه، كقولك: رأيت أسدا يرمى بالنشاب، فإن الرمى قرينة قامت على عدم إرادة الحقيقة، والمراد بإرادة اللازم التى هى مورد القسمة إرادة الإفادة سواء أكانت متحدة مع إرادة الاستعمال، أم لا. فإن أحد قسميها وهو الكناية، أريد به استعمال اللفظ فيما وضع له، ليفيد غير ما وضع له.
فقد وجد هنا إرادة اللازم الذى هو غير موضوع اللفظ إفادة لا استعمالا. وقسمها الآخر وهو المجاز، أريد به غير موضوعه استعمالا وإفادة.
واعلم أن المراد باللازم هنا ليس ما ذكره المنطقيون، بل المراد اللازم العرفى، سواء أكان عقليا خاصة، أم عرضا عاما، أم غير ذلك لما تقدم من أن المراد: اللازم للفهم ولو عرفا، والمراد باللازم العارض، والملزوم المعروض وإن شئت قلت: اللازم التابع والملزوم المتبوع، غير أن المعتبر هنا اللازم المساوى، فإن الأعم لا ينتقل الذهن منه إلى الأخص، إنما ينتقل من اللازم المساوى.
قال فى المفتاح: أو الأخص وفيه نظر؛ فإن اللازم لو كان أخص من الملزوم، لوجد الملزوم دون اللازم وهو محال. وأجاب عنه الكاشى بأن ذلك إنما يمتنع فى اللازم العقلى، أما اللازم الأعم من ذلك، فلا يمتنع أن يوجد فيه الملزوم دون اللازم. ونحن هاهنا إنما نريد اللازم الاعتقادى مطلقا.
(قلت): يستحيل أن يكون اللازم أخص، سواء أكان عقليا أم اعتقاديا؛ لأن الذهن كيف يربط أمرا بأمر أعم منه والفرض أنه يعتقد لزومه لعرف، أو غيره. فإذا كان فى الذهن أخص من غيره استحال أن يربطه الذهن بالأعم.
إذا تقرر ذلك، فالسكاكى قال: الكناية ينتقل فيها من اللازم إلى الملزوم، أى: ينتقل ذهن السامع، كما تقول: فلان طويل النجاد، والمراد طول القامة، يعنى المراد بالإفادة لا بالاستعمال. ثم قال: إن المجاز ينتقل فيه من الملزوم، يعنى أن السامع ينتقل ذهنه من الملزوم، وهو الحقيقة إلى اللازم، وهو معنى المجاز.
وأما المصنف فإنه جعل كلا من المجاز والكناية، أريد به اللازم ولا يريد به إرادة الاستعمال، وإلا كان مجازا فقط، بل يريد إرادة الإفادة، وحينئذ فكلامه لا يصح، لأنه ليس كل مجاز قصد منه لازم موضوع اللفظ، بل المجاز الذى حصل فيه إطلاق اللازم
стр. 635
وقدّم عليها؛ لأنّ معناه كجزء معناها، ...
ــ
على الملزوم، أريد به الملزوم، والذى قصد به عكسه أريد به اللازم، وغيرهما من المجاز لم يرد واحد منهما، وإنما المصنف تبع السكاكى.
وأما الكناية فكذلك منها ما أريد به إفادة الملزوم لا اللازم، ومنها العكس.
وقوله أى: إرادة الحقيقة (إن قامت قرينة على عدم إرادته فمجاز) واضح ونعنى قيام القرينة على عدم إرادة موضوعه استعمالا، لا على عدم إرادته إفادة، فإن ذلك علم من قوله: المراد به لازم موضوعه، ولو جعلنا مراده ذلك، لخرج عنه غالب الكنايات، فإن معها قرينة تصرفها عن إرادة إفادة موضوعها، أى: مع ما هو شرط المجاز من
العلاقة وغيرها. والمراد باللازم العرفى، وإن لم تقم قرينة على عدم إرادة ما وضع له فهو الكناية. فالكناية حينئذ: لفظ أريد به لازم موضوعه، ولم تقم قرينة على عدم إرادة موضوعه. ونعنى بقولنا: أولا أريد إرادة الإفادة، وبقولنا: إرادة موضوعه إرادة الاستعمال، فدخل فى ذلك ما إذا لم تقم قرينة على شئ، بل قامت قرينة على إرادة اللازم، فإن الحقيقة لا تحتاج إلى قرينة وما إذا قامت قرينة على إرادة الموضوع، فكلاهما كناية، والكناية فى هذين القسمين حقيقة، ولا يدخل فيه المجاز، إذا قصد إفادة ملزومه، إن جوزنا ذلك، وجعلناه مجازا وكناية كما سبق.
ص: (وقدم عليها؛ لأن معناه كجزء معناها).
(ش): أى: قدم المجاز على الكناية؛ لأن معناه كجزء معنى الكناية. قال الخطيبى: لأن فى المجاز إرادة اللازم فقط أى: مثل الشجاعة ولفظ الأسد، وفى الكناية تجوز مع إرادة اللازم أى: الكرم من كثرة الرماد إرادة غيره أى: مدلول اللفظ، فيكون معنى المجاز كجزء معنى الكناية.
(قلت): قوله: تجوز مع إرادة اللازم إرادة غيره، إن قصد إرادة الملزوم بدلا عنه على جهة استعماله فيه فلا يصح؛ لأنه إذا أريد بالكناية غير اللازم استعمالا، كانت حقيقة لا كناية، وإن أراد أنه تجوز إرادة الملزوم واللازم معا استعمالا فيهما، فليس الأمر كذلك، إذ يكون جمعا بين الحقيقة والمجاز، ثم يلزم أن يكون المجاز جزء معنى الكناية لا كالجزء. وإن أراد أنه تجوز فى الكناية إرادة اللازم والملزوم إفادة والمجاز لا يجوز فيه إرادة إفادة غير مدلوله وهو اللازم، فذلك يقضى بأن معنى المجاز إنما يكون كجزء معنى الكناية فى بعض الأحوال، وهو إذا قصد بها إرادة اللازم والملزوم معا لا مطلقا،
стр. 636
ثم منه ما يبنى على التشبيه، فتعيّن التعرّض له، فانحصر المقصود فى الثلاثة:
التشبيه، والمجاز، والكناية.
ــ
وإذا أريد به اللازم والملزوم معا، فليس الإرادتان معا هما الكناية، حتى يكون المجاز كجزئها؛ بل الكناية من هاتين الإرادتين هى إحداهما، والأخرى ليست كناية، واللفظ حينئذ كناية وغير كناية باعتبارين. وقيل: إنما كان كالجزء، لأن المجاز فيه انتقال من الملزوم إلى اللازم، وهو واضح، والكناية فيها انتقال من اللازم إلى الملزوم، وهو لا يتضح بنفسه حتى ينضم إليه العلم بمساواة هذا اللازم لملزومه، فصار فى المجاز انتقال من شئ لشئ، وفى الكناية انتقال من شئ لشئ بقيد، ومطلق الانتقال جزء من الانتقال بقيد المساواة وفيه نظر؛ لأن مطلق الانتقال، جزء من الانتقال بقيد، فهو جزء لا كالجزء، ولأن المجاز ليس فيه انتقال مطلق؛ بل انتقال بقيد يقابل القيد الذى فى انتقال الكناية. ثم المصنف يرى أن الانتقال فى كل منهما من الملزوم إلى اللازم، والذى هو أقرب إلى
الصحة أن يقال: فى الكناية إرادة شيئين، أحدهما: مدلول اللفظ، وتلك إرادة استعمال، والثانى:
ملزومه، وتلك إرادة إفادة. والمجاز فيه إرادة شئ واحد، وهو مدلول اللفظ، فكان كالجزء.
وإنما لم يقل: إنه جزء، لأن المجاز لفظ مستعمل فى غير موضوعه، والكناية لفظ مستعمل فى موضوعه، فكيف يكون جزأه، وأحدهما مجاز والآخر حقيقة؟ نعم قد يرد على قوله: إنه كالجزء أن المجاز أيضا، فيه إرادتان: إرادة الإفادة وإرادة الاستعمال. غير أنهما تواردا على محل واحد، بخلاف الكناية، فإن إرادة الاستعمال فيها فى الموضوع، وإرادة الإفادة فى متعلقه، فلا تفاوت بينهما، إلا فى أن محل الإرادتين فى أحدهما واحد، وفى الآخر متعدد، وذلك لا يقضى بأنه كجزئها، إلا أن إرادة الإفادة متى كانت متحدة بإرادة الاستعمال؛ لا ينظر إليها، فإن إرادة الاستعمال فى الأصل إنما تقصد للإفادة.
ص: (ثم منه ما يبنى على التشبيه، فتعين التعرض له فانحصر فى الثلاثة).
(ش): أى من المجاز ما يبنى على التشبيه، وهو الاستعارة؛ لأن مبناها عليه.
وأطلق الاستعارة والمراد: التحقيقية، لا التخييلية، لما سيأتى. وقدم التشبيه على المجاز؛ لأن المجاز مبنى عليه، فهو مقدم على المبنى، ولذلك قدم التشبيه على الجميع.
ونعنى بالمجاز الاستعارة، فإن غيرها ليس مبنيا على التشبيه؛ لكنه لما انبنى أعظم أنواع المجاز على التشبيه؛ صح أن يقال: المجاز مبنى عليه، مثل:" الحج عرفة" (١).
стр. 637
التشبيه
الدلالة على مشاركة أمر لأمر فى معنى،
ــ
(تنبيه): بهذا التقسيم يعلم أن التشبيه حقيقة، وليس مجازا، وهذا مما لا يشك فيه ذو تحقيق، إذا كان مصرحا فيه بالأداة، نحو: زيد كالأسد. نعم إذا حذفت أداته، مثل: زيد أسد، ففيه مجاز الحذف. ونقل ابن الأثير فى كنز البلاغة أن الجمهور على أن التشبيه الصريح، نحو: زيد كالأسد، مجاز، ونحن لا نسلم له صحة هذا النقل، ولا نتخيل لذلك شبهة إلا أن ندعى أن معنى زيد كالأسد مشابهته فى جميع الأمور، وأن ذلك متعذر، وهذه شبهة ساقطة مبنية على باطل، كما سيأتى.
ثم رأيت فى العمدة لابن رشيق أن التشبيه مجاز قال: وإنما كان مجازا؛ لأن المتشابهين إنما يتشابهان بالمقاربة، وعلى المسامحة انتهى.
وهى الشبهة الساقطة التى تخيلت أنها التى لوحظت، ونقل الوالد أيضا فى تفسيره: أن التشبيه مجاز. والكلام على أن التشبيه خبر أو إنشاء سيأتى فى آخر الأقسام.
وقوله: (فانحصر فى الثلاثة) أى: انحصر هذا العلم أو الكلام فى الثلاثة، وهذه الفاء مشعرة بالتعليل، وليس فيما يليها ما يشعر بالتعليل، إنما ذكر سبب تقديم كل واحد على أخويه.
التشبيه: ص: (التشبيه الدلالة على مشاركة أمر لأمر فى معنى).
(ش): التشبيه فى اللغة: جعل الشئ شبيها بآخر، والتشبيه الاصطلاحى ليس فيه ذلك، بل فيه ادعاء التشبيه، أو اعتقاده مجازا عند وصفه بذلك، وهو قولك مثلا:
زيد كعمرو، وتسميته تشبيها مجاز؛ لأنه نقل إليه من اعتقاد التشبيه، فلفظ التشبيه الاصطلاحى مجاز عن لفظ التشبيه اللغوى، وقد حده المصنف فقال: الدلالة، ولا يصح ذلك بالتفسير المتقدم من أن الدلالة صفة اللفظ، فإن التشبيه فعل المتكلم، ولا يصح جواب الخطيبى، بأنه عرف التشبيه بحسب الاصطلاح، لا بحسب اللغة؛ لأن التشبيه بحسب الاصطلاح، ليس هو الدلالة؛ لأن الدلالة إن كانت صفة اللفظ، فواضح أن التعريف فاسد، وإن كانت صفة السامع، فكذلك؛ لأن التشبيه فعل المتكلم.
وإن كانت صفة المتكلم، فكذلك؛ لأن التشبيه فى الاصطلاح لفظ؛ ولذلك جعل أركانه
стр. 638
والمراد - ههنا - (١) ما لم تكن على وجه الاستعارة التحقيقية، والاستعارة بالكناية، والتجريد؛
ــ
المشبه، والمشبه به، والأداة، والوجه، وكل هذه ليست شيئا من كون المتكلم دل على المشاركة، فلا يبقى إلا أن التشبيه: الدلالة الحاصلة من اللفظ، وفيه تعسف. ويكون اللفظ سمى تشبيها مجازا فإن التشبيه بالحقيقة فعل المتكلم، وقوله: (فى معنى) يريد:
فى مدلول؛ لأنه فى محل العناية، لا ما يقابل الجوهر ثم يقال عليه: إن التشبيه الذى هو أصل الجميع التشبيه المعنوى الشامل للاستعارة، وغيرها، وقد قدم التشبيه الأخص وهو ذو الأداة لفظا، أو معنى، وجوابه أن التشبيه المعنوى، كالفرع عن التشبيه بالأداة؛ فإنها مرادة فيه فى المعنى، لا اللفظ.
(وقوله: والمراد هاهنا ما لم تكن على وجه الاستعارة، والاستعارة بالكناية؛ والتجريد).
هذا كالفصل المخرج لما دل على المشاركة، وليس هو المراد هنا، فالاستعارة وإن دلت على المشاركة، وفيها
التشبيه المعنوى، فليست تشبيها لفظيا، فليس مرادا هنا.
والاستعارة بالكناية ليست تشبيها، أما عند السكاكى، فلأنها عنده استعارة فتشبيهها معنوى، وأما عند المصنف؛ فلأنها وإن كانت تشبيها إلا أنه لما غلب عليها اسم الاستعارة، قصد تأخير الكلام فيها، وذكرها مع الاستعارة. وأما التجريد؛ فلأنه ليس تشبيها على ما سيأتى؛ فلذلك أخره إلى علم البديع.
وقوله: (على وجه الاستعارة) أطلقه هنا، وقيده فى الإيضاح بالتحقيقية، واحترز عن التخييلية؛ فإنها لا تدخل التشبيه على رأيه؛ لأن التشبيه الدال على المشاركة، إنما هو الاستعارة بالكناية التى هى قرينة التخييلية، وأما التخييلية فليس فيها إلا ذكر لازم المشبه به، فالمشاركة بين المشبه والمشبه به، لا بين لازم المشبه به وشئ. غير أنه ذكر فى التخييلية لازم المشبه به، تقوية للتشبيه الحاصل فى المكنية، وبهذا التقرير يعلم أنه لا حاجة لتقييدها بالتحقيقية؛ لأنها خرجت بقوله: مشاركة، وأما تقييده فى الإيضاح فلعله لاحتمال أن يتوهم دخولها باعتبار أنها تدل على إثبات مثل لازم المشبه به للمشبه، وحاصله أن الاستعارة التخييلية، لا تدخل فى كلامه. أما فى الإيضاح فقوله: التحقيقية، وأما فى التخلص فلعدم المشاركة، أو لدخولها فى إطلاق الاستعارة، أو
стр. 639
فدخل نحو: زيد أسد وقوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ (١)
ــ
لاستغنائه عن ذكرها بذكر قرينتها وهى المكنية؛ لأن التخييلية عنده لا توجد دون المكنية. وأورد الخطيبى عليه أن كلامه يقتضى أن الثلاثة ليست تشبيها وهى تشبيه.
والذى قاله لا يرد، لأن المراد التشبيه الاصطلاحى، وليست التحقيقية والتجريد تشبيها عنده، كما سيأتى. وأما المكنية، فهى وإن كانت تشبيها، فكلامه لا يقتضى أنها غير تشبيه، بل أنها تشبيه لم يرد الآن الكلام فيه، وقد حصل بمجموع ما ذكره رسم يحصل به تعريف التشبيه المراد هنا، وأورد على هذا الحد، قولك: قام زيد وعمرو، واشترك زيد وعمرو، وكذلك ترافقا، وتصاحبا، واجتمعا، وأكلا، وكذلك جميع أفعال المفاعلة فكل ذلك دال على المشاركة. وكذلك: زيد أفضل من عمرو، وكذلك: تشابه زيد وعمرو فإنه تشابه (٢) لا تشبيه وأورد المجاز، فإنك إذا قلت: رأيت أسدا، فقد دللت على مشاركته للأسد المفترس فى الشجاعة؛ إذ لا فرق بين قولك: رأيت شخصا مثل الأسد، ورأيت أسدا فى الدلالة على المشاركة على ما سنذكره - إن شاء الله تعالى - وهذا لا يرد، فإن المصنف قد قال: المراد ما لم يكن على وجه الاستعارة، والاستعارة مجاز، فقد صرح بإخراجه.
ص: (فدخل فيه نحو قولنا: زيد أسد، وقوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ).
(ش): أى دخل فى الحد قولنا: زيد كالأسد، فإنه تشبيه بلا خلاف، ودخل نحو قولنا: كالأسد، بحذف زيد؛ لدلالة قرينة عليه، ودخل فيه ما يسمى تشبيها على المختار، على ما سنذكره - إن شاء الله تعالى - وهو ما حذفت فيه أداة التشبيه، وكان المشبه به خبرا، أو فى حكم الخبر، كقولنا: زيد أسد، وقوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ وقول عمران بن حطان يخاطب الحجاج:
أسد علىّ، وفى الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصّافر
ولنا فى ذلك نزاع سنذكره - إن شاء الله تعالى - وأطلق المصنف: المشاركة، وشرط بعضهم أن يكون الاشتراك فى صفة ظاهرة. وقيل: فى أخص صفات النفس، وفيه نظر؛ إذ لا مانع من التشبيه فى صفة خفية، لكن إذا كانت خفية، يشترط فى
стр. 640
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التشبيه بها بيان وجه الشبه، كقولك: رأيت رجلا كالأسد فى البحر، وإنما يمتنع الخفاء فى العلاقة.
(تنبيه): إذا كان طرفا التشبيه مذكورين، والمشبه به خبر مبتدأ، أو فى حكمه مثل خبر كان، وإن، وثانى مفعولى علمت، والحال، فهل يكون ذلك تشبيها، أو استعارة؟ اختلفوا فيه، وأنا أذكر ما يتضح لى أنه الصواب، ثم أتحفه بكلام الناس فى ذلك. أما الذى يتضح لى - وبالله التوفيق - فهو أن ذلك على قسمين: تارة يقصد به التشبيه، فتكون أداة التشبيه مقدرة، وتارة يقصد به الاستعارة، فلا تكون مقدرة. ويكون الأسد مستعملا فى غير حقيقته، ويكون ذكر زيد والإخبار عنه بما لا يصلح له حقيقة، قرينة صارفة إلى الاستعارة، دالة عليها. فإن قامت قرينة على حذف الأداة، صرنا إليه، وإن لم تقم، فنحن بين إضمار واستعارة. والاستعارة أولى، فليصر إليها.
والأصوليون مختلفون فيما إذا دار الأمر بين المجاز والإضمار، أيهما أولى، وذلك فى مطلق المجاز، وفى علم أصول الفقه. أما الاستعارة التى هى أشرف أنواع المجاز، فإنها مقدمة على الإضمار، ولا سيما ونحن فى علم البيان الذى الاستعارة فيه هى الأصل. وهم مجمعون على أن الاستعارة خير من الإضمار، وهذا الذى ذكرته من تجويز الاستعارة، لا يحتاج فيه لدليل؛ لأنه مجاز سائغ، وكما يجوز أن تقول: جاءنى أسد تريد الاستعارة، يجوز أن
تقول: زيد أسد، وهذا قياس جلى، وما يظن من الفرق بينهما، سأجيب عنه - إن شاء الله - هذا هو الذى ظهر لى.
وأما الذى قالوه فها أنا أقوله، مبينا ما فيه: قال الزمخشرى فى قوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ (١): فإن قلت: هل يسمى ما فى الآية استعارة؟ قلت: مختلف فيه، والمحققون على تسميته تشبيها بليغا، لا استعارة.
(قلت): إن أراد أنهم يسمونه تشبيها، وإن كان استعارة، ويكون صم فى الآية مجازا؛ ولكنه يسمى تشبيها، لتقدير اسم المشبه، وذكر اسم المشبه به، مرادا بهما معا المشبه، فقريب. وإن أراد أن أداة التشبيه فيه محذوفة، وصم حقيقة، فلا نسلم. وما الدليل على ذلك؟ قال: لأن المستعار له مذكور، وهم المنافقون.
стр. 641
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(قلت): يعنى بكونه مذكورا: كونه مذكورا فى التقدير، فإن تقدير الآية: المنافقون صم، قالوا: وإنما تطلق الاستعارة حيث يطوى ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خلوا عنه، صالحا لأن يراد به المنقول عنه، والمنقول إليه لولا دلالة الحال، أو فحوى الكلام؛ ومن ثم ترى المفلقين السحرة منهم كانوا يتناسون التشبيه، ويضربون عن توهمه صفحا.
(قلت): هذا هو الذى عولوا عليه فى أن نحو: زيد أسد تشبيه وليس استعارة.
وزاده السكاكى وضوحا أن قال: وإنما عد زيد أسد، وقرينه المحذوف المبتدأ تشبيها؛ لأنك حين أوقعت أسدا - وهو مفرد غير جملة - خبرا لزيد، استدعى أن يكون هو إياه، مثله فى: زيد منطلق فى أن الذى هو زيد هو بعينه منطلق، وإلا كان زيد أسد مجرد تعديد، نحو: خيل فرس لا إسناد لكن العقل يأبى أن يكون الذى هو إنسان، هو بعينه أسد، فيلزم لامتناع جعل اسم الجنس وصفا للإنسان، حتى يصلح إسناده إلى المبتدأ المصير إلى التشبيه بحذف كلمته، قصدا للمبالغة، انتهى.
وقد زاده المصنف وضوحا بأن قال: الاسم إذا وقع هذه المواقع فالكلام موضوع لإثبات معناه لما يعتمد عليه، أو نفيه عنه. فإذا قلت: زيد أسد فقد وضعت كلامك فى الظاهر؛ لإثبات معنى الأسدية لزيد، وإذا امتنع إثبات ذلك له على الحقيقة كان لإثبات شبه من الأسد له، فيكون اجتلابه لإثبات التشبيه، فكان خليقا بأن يسمى تشبيها إذا كان إنما جاء ليفيده، بخلاف الحالة الأولى، فإن الاسم فيها لم يجتلب لإثبات معناه لشئ، كما إذا قلت: جاءنى أسد، فإن الكلام فيه موضوع لإثبات المجئ واقعا من الأسد، لا لإثبات معنى الأسد لشئ، فلم يكن ذكر المشبه به لإثبات التشبيه،
وصار قصده التشبيه مكنونا فى الضمير، لا يعلم إلا بعد الرجوع لشئ من النظر.
ووجه آخر فى كون قصد التشبيه مكنونا فى الضمير، وهو أنه لما لم يكن التشبيه مذكورا جاز أن يتوهم السامع فى ظاهر الحال، أن المراد باسم المشبه به ما هو موضوع، فلا يعلم قصد التشبيه إلا بعد شئ من التأمل، بخلاف الحال الثانية فإنه يمتنع فيه مع كون المشبه مذكورا، أو مقدرا انتهى.
وحاصل كلام الزمخشرى، والسكاكى، والمصنف، ومن تبعهم أن نحو: زيد أسد، إنما لم يكن استعارة؛ لامتناع إمكان حمل الكلام على الحقيقة، وأن من شرط
стр. 642
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الاستعارة إمكان حمل الكلام على الحقيقة فى الظاهر، وتناسى التشبيه. ولا حاصل لما قالوه؛ لأنا نقول: ليس من شرط الاستعارة صلاحية الكلام لصرفه إلى الحقيقة فى الظاهر؛ بل لو عكس ذلك، وقيل: لا بد من عدم صلاحيته، لكان أقرب؛ لأن الاستعارة مجاز لا بد له من قرينة، وإن لم تكن قرينة؛ امتنع صرفه إلى الاستعارة، وصرفناه إلى حقيقته وإنما نصرفه إلى الاستعارة بقرينة، غير أن تلك القرينة تارة تكون معنوية حالية، مثل: رأيت أسدا، وتارة تكون لفظية، مثل: زيد مخبرا عنه بالأسد، فإنه قرينة تصرف الأسد عن إرادة حقيقته. ثم إن المصنف وكل من تكلم فى قوله تعالى:
فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ (١)، وقوله: فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ (٢) جعل حصيدا وهشيما استعارة، وهو يناقض قولهم: إنه إذا وقع المشبه به خبرا، أو حالا، يكون تشبيها، وقد جعل الرمانى وغيره من الاستعارة: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً (٣) مع أن مبصرة حال، وجعل الرمانى، والإمام فخر الدين، والزنجانى، منه قوله تعالى: وَسِراجاً مُنِيراً (٤) وإن كان حالا. ثم ليت شعرى! كيف يصنعون فى الإخبار بالمصدر، نحو: زيد ضرب، هل يقدرون على أن يقدروا مثل: ضرب؟ وذلك لا سبيل إليه؛ لوضوح فساده، وبعده عن المقصود من الإخبار بالمصدر، وبرهان ذلك أيضا أنا لم نر أحدا ذهب فى قوله:
فإنّما هى إقبال وإدبار
أنه تشبيه، بل قيل: هو استعارة، ورده عبد القاهر فى دلائل الإعجاز، وقال: هو مجاز حكمى، وكأنه يريد مجاز الإسناد، فكان ذلك اتفاقا منهم على أنه ليس تشبيها، وقال عبد القاهر أيضا، فى قول المتنبى:
بدت قمرا ومالت خوط بان
إنه ليس على تقدير: مثل قمر، بل هو من قبيل المجاز الحكمى، وهذا وارد عليهم إن كان قمرا حالا ومما يرد عليهم
ما ذكره النحاة عن آخرهم فى نحو: زيد زهير شعرا؛ فإنه لا يوافق ما ذكروه، بل يشهد لما قلناه من أنه استعارة. ومما يدل لما قلناه،
стр. 643
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قول الزمخشرى فى قوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ (١) ما نصه: وهذا مجاز، شبههن بالمحارث. فقوله: (مجاز) صريح فى أنه استعارة، ولا يعكر عليه قوله: شبههن بالمحارث، فإن فى كل استعارة تشبيها معنويا. وكذلك قال جماعة فى قوله تعالى:
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ (٢) ثم إن الزمخشرى قال فى قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً (٣) ما نصه: والحصور من لا يدخل فى الميسر، قال الأخطل:
وشارب مربح بالكاس نادمنى ... لا بالحصور ولا فيها بسآر
استعير الحصور لمن لا يدخل فى اللعب، فإما أن يريد أن الحصور فى الآية استعارة، فقد جعل الحال استعارة، أو يريد أن الحصور فى البيت استعارة، فقد جعل خبر المبتدأ استعارة، وهو يرى أن: زيد أسد، تشبيه وممن جزم بأن قولنا: زيد أسد، استعارة - التنوخى فى الأقصى القريب، وقال ابن رشيق فى العمدة: إن حية فى قول ذى الرمة (٤):
فلمّا رأيت الليل والشّمس حيّة ... حياة الّذى يقضى حشاشة نازع
استعارة، وظاهر كلامه نسبة ذلك إلى ابن المعتز، إلا أنه قد يقال: لا دليل فيه لما يقول لما سيأتى. وهذه أمور نقلية من كلامهم تنقض أصلهم. ومما ينقض قولهم قول السكاكى، والمصنف، وغيرهما بعد ورقتين: إن من الاستعارة قولهم:
تحية بينهم ضرب وجيع
وقولهم: عتابك السيف، وبما اخترناه من أن: زيد أسد، يصح أن يقع استعارة.
صرح عبد اللطيف البغدادى، فقال فى قوانين البلاغة: التشبيه مصرح بحرفه، والاستعارة أن يطلق على المشبه
اسم المشبه به من غير تصريح بأداة التشبيه، يقال: زيد أسد، وبحر، وغيث، أو زيد أسد فى شجاعته ومما ينقض أصلهم هذا من جهة المعنى أنا نجد اللفظ فى كثير من التراكيب لا يصلح للحقيقة، ويسمونه استعارة، لا يكادون
стр. 644
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يترددون فيه، كقولك: تكلم الأسد، ورمى الأسد بالنشاب إلى غير ذلك من القرائن اللفظية الصارفة عن إرادة الحقيقة، وهو استعارة عندهم. وكيف يمكن تناسى التشبيه فى مثله، مع أن الرمى والكلام لا يصلحان من الأسد الحقيقى؟ وليت شعرى! أى فرق بين زيد وأسد، وبين: تكلم أسد، فى عدم إمكان حمل اللفظ فى الظاهر على الحقيقة، وفى كون الأول تشبيها محذوف الأداة، والأسد فيه حقيقة، والثانى استعارة، ثم نقول:
ليس كل ما وقع خبر مبتدأ يمتنع فيه حمله على الحقيقة، فإنك إذا قلت: هذا أسد، والذى فى دارى أسد ونحو ذلك، مريدا زيدا، فقد وقع الأسد خبر مبتدأ. ومع ذلك لا يمتنع حمله على حقيقته، فكان ينبغى أن يسمى استعارة. فالمعنى الذى قالوه، لا يستمر لهم فى كل خبر مبتدأ، إلا إن كان مقيدا بذلك، وتركوه؛ لوضوحه. ثم إن العلة التى ذكروها بعينها، موجودة فى الصفة التى لا تصلح أن تجرى بالحقيقة على موصوفها، نحو: رأيت رجلا بحرا، ومررت بزيد البحر، ومع ذلك هو عندهم استعارة، لا تشبيه؛ لأنه ليس فى حكم الخبر.
وحاصله أن ما ذكروه لا يطرد، ولا ينعكس، ثم يرد عليهم نحو: صار زيد أسدا، فإنه استعارة، كما صرح به المصنف فى الكلام على أن الاستعارة مجاز لغوى، مع ذكر طرفى التشبيه، ووجود ما ذكروه. ثم إن المصنف قال فى قوله ﷺ :" وهم يد على من سواهم" (١): إنه استعارة، وهو عكس ما ذكره هنا. وجعل صاحب مواد البيان من المجاز قوله تعالى: أُمَّهاتُهُمْ من قوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ (٢) وقوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ وقول النبى ﷺ :" النساء حبائل الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، والمسلم مرآة أخيه (٣) ". وقول على - رضى الله عنه -:" السفر
стр. 645
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ميزان القوم" إن القوم ومما يشهد لك من الأمور النقلية أن ابن مالك قال فى شرح الكافية: إذا قلت مشيرا إلى شخص: هذا أسد، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: تنزيله منزلة الأسد مبالغة، دون أداة تشبيه، وأنشد:
لسان الفتى سبع عليه سداده ... فإن لم يزع عن غربه فهو آكله
الثانى: أن ينوى أداة التشبيه، أى زيد مثل الأسد، وفى هذين الوجهين، لا ضمير فى أسد.
الثالث: أن يتأول أسد بصفة وافية بمعنى الأسدية، ويجرى مجرى ما أولته، فيحتمل الضمير، أما إذا أشرت لحيوان مفترس، فلا يتحمل ضميرا، انتهى.
وهذا الذى قال هو الحق الذى لا محيص عنه، فظهر بذلك صحة ما قلناه من أن:
زيد أسد يصح أن يكون تشبيها، وأن يكون استعارة، بحسب المقام. لا يقال: إنما جوز ابن مالك الاستعارة فى: هذا أسد؛ لأن اسم الإشارة لا يصرف عن الحقيقة، كما أن زيدا يصرف؛ لأنا نقول: قد مثل بقوله: لسان الفتى سبع، واللسان كزيد فى صرفه عن إرادة الحقيقة. ثم إن المصنف صرح فيما سيأتى فى التلخيص والإيضاح، بأن قولنا:
الحال ناطقة بكذا استعارة، وهو مخالف لهذا الكلام. وذكره فى الاستعارة التبعية. وأما الوجهان اللذان ذكرهما المصنف مستدلا بهما على أن: زيد أسد تشبيه، فالذى يظهر:
أن الأول هو الثانى، وأما قولهم: إنه تشبيه بليغ، فهو على العكس. فإن البلاغة لا تكون عند تقدير أداة التشبيه، والذى يظهر من كلامهم، أنا إذا جعلناه تشبيها، كانت الأداة مقدرة مع اللفظ، وحينئذ: فكيف يكون بليغا، والكلام حقيقة، والاستعارة أبلغ من الحقيقة بلا نزاع؟ وإنما البليغ إرادة الاستعارة، وادعاء أن المشبه فرد من أفراد
المشبه به.
نعم التشبيه المحذوف الأداة أبلغ من المذكور الأداة؛ لما فيه من الإيجاز. وأما أنه أبلغ من الاستعارة، فلا. وأما قول ابن مالك: إنه يجوز فى: زيد أسد؛ أن يكون تشبيها محذوف الأداة، وأن يكون مرادا به الرجل الشجاع، وأن يكون تنزيلا له منزلة الأسد مبالغة، فقد يستشكل الفرق بين الثانى والثالث، فيقال: إذا أردت به الرجل الشجاع، فقد نزلته منزلة الأسد، وجوابه بأحد أمرين:
стр. 646
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأول: أن يقول: فرق بين قولك: جاءنى أسد، تريد رجلا شجاعا، وقولك: جاءنى أسد تنزيلا له منزلة الأسد، والأول مجاز صرف لا مبالغة فيه، ولا نسميه استعارة؛ بل هو أليق باسم المجاز المرسل. والثانى استعارة؛ لأن معناه ادعاء أن المشبه داخل فى جنس المشبه به، وفرد من أفراده، أى: بلغ فى الشجاعة حدا يتوهم ناظره أنه نفس الأسد.
وسيأتى أن الادعاء لا يلزم منه إرادة الحقيقة كما هو رأى المصنف، وهذا معنى أبلغ من الأول، وهو الجدير باسم الاستعارة. وإلى هذا الفرق يشير قول البصريين: إن الأسد على هذا المعنى لا يتحمل ضميرا؛ لأنه لم يؤول بمشتق، وعلى المعنى الآخر يتحمل، لأنه مؤول ولا شك أنه مؤول على التقديرين، غير أنه على تقدير الاستعارة، يكون التأويل فى ادعاء دخول المشبه فى جنس المشبه به، وعلى تقدير المجاز المرسل، يكون التأويل فى إطلاقه على المشتق، فكان كالمؤول عليه. وفى الاستعارة أولناه على أسد وهو رجل، فكان المؤول عليه جامدا، فلم يتحمل الضمير. لكن هذا الذى قلناه يقتضى تخصيص قول المصنف: إن المجاز إذا كانت علاقته مشابهة معناه بغيره، يكون استعارة وأن يقال: إذا كانت العلاقة المشابهة، فإن قوى الشبه بحيث يمكن ادعاء أن هذا هو ذاك، كان استعارة، وإلا كان مجازا مرسلا. ويشهد لصحة ما قلناه قول السكاكى فى تفسير المجاز المرسل: إنه الخالى عن المبالغة فى التشبيه، ولم يقل:
الخالى عن التشبيه، فعلم أن العلاقة إذا كانت المشابهة، ولم تقصد المبالغة لا يسمى ذلك استعارة. وهذا هو الذى يقتضيه كلام الأكثرين كما ستراه - إن شاء الله تعالى - وإن شئت أن تسمى القسمين استعارة؛ أحدهما أبلغ من الآخر، فلا بدع.
الثانى: أن يقال: إن: زيد أسد، عند قصد تنزيله منزلته من باب مجاز الإسناد، فيكون الأسد فيه حقيقة على الحيوان المفترس؛ لكنك أسندته لما لا يصلح له حقيقة، فكان مجازا عقليا. ويشهد لهذا ما قدمناه من عبد القاهر من أن قول الشاعر:
فإنّما هى إقبال وإدبار
من المجاز العقلى، وإن كان الطيبى قد رد ذلك عند الكلام على قوله تعالى:
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ (١) بما لا نطيل بذكره. وقد يستأنس له بقول
стр. 647
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السكاكى: يلزم المصير إلى التشبيه؛ لامتناع جعل اسم الجنس وصفا، حتى يصح إسناده إلى المبتدأ. فكأن السكاكى إنما نفى المجاز اللفظى بأن يراد زيد، ولم ينف صحة إرادة المجاز الإسنادى. ثم إن المصنف بعد ذكره لما سبق، ذكر أن الخلاف فى هذه المسألة لفظى، راجع إلى الكشف عن معنى الاستعارة. وفيه نظر؛ لأن الخلاف معنوى فعلى القول بالاستعارة، يكون الأسد مجازا، وعلى القول بالتشبيه، يكون حقيقة قطعا.
وقوله: (إنه راجع إلى الكشف عن معنى الاستعارة) صحيح، لكن ليس الكشف عن معنى الاستعارة لفظيا، بل معنويا. نعم يمكن أن يقال: إن هذين اصطلاحان، لا يدافع أحدهما الآخر. ثم قال المصنف: إن كونه تشبيها اختيار المحققين، كالقاضى أبى الحسن الجرجانى، والشيخ عبد القاهر، والزمخشرى، والسكاكى.
(قلت): كلام أكثر هؤلاء ليس صريحا فيما ادعاه؛ لأنه يجوز أن يريدوا، أنه استعارة تسمى تشبيها، فيكون مجازا إلا أنه تشبيه حقيقة، ويشهد له تصريح أكثر هؤلاء فى مواضع - كما سبق - بعكس هذا. وقد صرح الإمام فخر الدين أيضا باختيار أنه تشبيه. ثم نقل المصنف، عن عبد القاهر أنه وافق على أنه تشبيه، ثم قال: فإن أبيت إلا أن تطلق عليه لفظ الاستعارة؛ فإن حسن دخول أدوات التشبيه لم يحسن إطلاقه؛ وذلك بأن يكون اسم المشبه به معرفة، مثل: زيد الأسد، فإنه يحسن أن تقول:
زيد كالأسد. وإن حسن دخول بعض أدوات التشبيه دون بعض؛ هان الخطب فيه، وذلك بأن يكون المشبه به نكرة غير موصوفة، قولك: زيد أسد، فإنه لا يحسن أن يقال:
كأسد، ويحسن أن يقال: كأن زيدا أسد، وتبعه الإمام فخر الدين.
(قلت): لا يظهر السبب فى امتناع حسن: زيد كأسد، وبهذا المثال مثل المصنف للمسألة التى نقل فيها عبد القاهر أنه تشبيه ليس استعارة. وكيف ينقل عنه أن الخطب فيه هين، وأنه إنما لا يحسن إطلاق الاستعارة، إذا كان الخبر معرفة. وكأنه لاحظ فى امتناع حسن: زيد كأسد، أنه تشبيه بفرد من أفراد الأسد، وذلك غير مقصود، إنما المقصود
تشبيهه بحقيقة الأسد وجنسه، فحسن أن يعرف فيقال: كالأسد أى كهذا الجنس، ولذلك قال الإمام فخر الدين: زيد كأسد بالتنكير، كلام بارد بخلاف: زيد كالأسد بالتعريف.
стр. 648
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن لم يحسن دخول شئ منها، إلا بتغيير لصورة الكلام كان إطلاقه أقرب، وذلك بأن يكون نكرة موصوفة بما لا يلائم المشبه به، كقولك: زيد بدر يسكن الأرض، وشمس لا تغيب، وقوله:
شمس تألّق، والفراق غروبها ... عنّا، وبدر والكسوف صدود
فإنه لا يحسن أن يدخل الكاف فى شئ من ذلك إلا بتغيير صورة اللفظ، كقولك:
هو كالبدر إلا أنه يسكن الأرض، وكالشمس إلا أنه لا يغيب.
(قلت): انظر كيف جعل إطلاق الاستعارة على هذا القسم قريبا، مع أن السامع لا يمكنه صرفه إلى حقيقته، وهو موافق لما اخترناه، غير أن فيما قاله من أن دخول أداة التشبيه فى شئ من ذلك، لا يمكن إلا بتغيير صورة اللفظ، نظرا لجواز أن يقال: هو كبدر يسكن الأرض، ويكون المشبه به خياليا لا حقيقيا، كما تقدم فى تشبيه فحم فيه جمر، ببحر من مسك موجه الذهب. ثم قال: وقد يكون فى الصفات والصلات التى تجئ فى هذا النوع ما يحيل تقدير أداة التشبيه معه، فعرف إطلاقه أكثر، كقول أبى الطيب:
أسد دم الأسد الهزبر خضابه ... موت فريص الموت منه يرعد
فإنه لا يحسن أن يقال: هو كالأسد والموت؛ لأن تشبيهه بجنس الأسد دليل أنه دونه، أو مثله، وجعل دم الأسد الذى هو أقوى الجنس خضاب يده، دليل أنه فوقه.
(قلت): إحالة دخول الأداة هنا كيف تجتمع مع القول بقرب إطلاق الاستعارة، وينبغى أن يكون موجبا لإطلاق الاستعارة، ومحيلا لكونه تشبيها؟ ثم ما المانع أن يقال:
هو كأسد دم الهزبر خضابه فيكون المشبه به أسدا بهذه الصفة؟ ولا بدع فى جعل فرد من مادة الأسد، بلغ إلى أن صار دم غيره من الأسود خضابه، كما سبق فى قوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهم
فإنه قصد به أن بعض أفراد النوع، يميز عنه بشئ غايته أن هذا بعيد، أما محال فلا نسلم، ثم قال: وكذا قول البحترى:
وبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا ... وموضع رحلى منه أسود مظلم
стр. 649
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن يرجع فيه إلى التشبيه الساذج حتى يكون المعنى: هو كالبدر لزم أن يكون البدر المعروف موصوفا بما ليس له، فظهر أنه إنما أراد أن يثبت من الممدوح بدرا له هذه الصفة العجيبة، التى لم تعرف للبدر، فهو مبنى على تخيل أنه أراد فى جنس البدر، وأخذ له هذه الصفة. فالكلام موضوع لا لإثبات الشبه بينهما؛ ولكن لإثبات تلك الصفة، فهو كقولك: زيد رجل كيت وكيت، لم تقصد إثبات كونه رجلا؛ بل إثبات كونه متصفا بما ذكرت، فإذا لم يكن اسم المشبه فى البيت مجتلبا لإثبات التشبيه تبين أنه خارج عن الأصل المتقدم من كون الاسم مجتلبا لإثبات التشبيه. فالكلام فيه مبنى على أن كون الممدوح بدرا، شئ قد استقر وثبت، وإنما العمل فى إثبات الصفة الغريبة.
(قلت): ما ذكره واضح؛ ولكنه لا يصل إلى درجة استحالة تقدير الأداة. وما المانع أن يكون المشبه به بدرا بهذه الصفة، ويكون المشبه به خياليا لا حقيقيا؟ ثم قال: وكما يمتنع فى ذلك دخول الكاف، يمتنع دخول: كأن ونحو تحسب، ثم قال: وأيضا هذا الفن إذا فليت عن سره، وجدت محصوله أنك تدعى حدوث شئ هو من الجنس المذكور، إلا أنه اختص بصفة عجيبة، لم يتوهم جوازها على ذلك الجنس، فلم يكن لتقدير التشبيه فيه معنى.
(قلت): كون تقدير التشبيه ليس له معنى صحيح؛ ولكن لا نقول: إنه مستحيل أن يراد.
(تنبيه): يستثنى من كلامهم، ما إذا كان المشبه به المذكور خبرا عن المشبه، وهو تمثيل، كقوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (١) فإنه يصدق أن طرفى التشبيه مذكوران، والمشبه به خبر، وهو استعارة، كما سيأتى. وهذا مما يدل لما اخترناه من أن ذلك، ليس لازما أن يكون تشبيها. ويستثنى أيضا نحو: زيد أسد يرمى بالنشاب إلا أن يجعل تشبيها خياليا، وفيه بعد. ومثال هذا قول ذى الرمة:
فلمّا رأيت الليل والشمس حيّة ... حياة الّذى يقضى حشاشة نازع
стр. 650
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولعل ابن رشيق إنما جعله استعارة لهذا المعنى.
(تنبيه): أطلق المصنف أن طرفى التشبيه إذا كانا مذكورين، فهو تشبيه لا استعارة، إذا كان المشبه به خبرا. فدخل فى ذلك ما إذا وقعا خبرا عن مفرد، كقولك:
زيد هو أسد، وما إذا لم يكن، كقولك: زيد أسد، والذى يظهر أنه لا فرق، لكن فى المفتاح وإنما عد نحو: زيد أسد تشبيها؛ لأنك حين أوقعت أسدا وهو مفرد غير جملة خبرا لزيد، استدعى أن لا يكون إياه إلى آخره. فظاهر هذه العبارة توهم أن المشبه به قد يكون جملة، وأنه متى كان جملة لا يكون تشبيها؛ لكن الظاهر أنه لا يريد ذلك، وكيف يتصور أن يريده ولفظ أسد يستحيل أن يقع جملة؟ لأنك إذا أخبرت به وبمبتدئه عن زيد، فالجملة مجموع الكلمتين لا الأسد، فلم يقع المشبه به خبرا للمبتدأ الذى هو زيد، وتقدير أداة التشبيه قيل: هو أسد، لا يحسن؛ لأن هو من هو أسد، ليس مشبها به، بل مشبه إلا بقصد قلب التشبيه.
ولو كانت الاستعارة التمثيلية لا تكون إلا بجملة؛ لكنت أقول: احترز عن: زيد يقدم رجلا ويؤخر أخرى، فإن المشبه به وقع خبرا، وليس تشبيها كما تقدم، وسيأتى ولكنه ليس بهذا القيد؛ لأن من التمثيل وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كما ذكرناه، وإنما يريد أن الخبر إذا كان جملة لم يستدع إيقاع الجملة خبرا أن لا يكون هو إياها، بل المطلوب تعلق أحدهما بالآخر فقوله: حين أوقعت أسدا وهو مفرد غير جملة، قيد لكون الأسد هو زيد، لا أنه قيد يخرج زيد هو أسد عن أن يكون أسد تشبيها. ثم قيل: فى كلام السكاكى نظر، فإن الحمل بين المبتدأ والخبر، يستدعى أن يكون أحدهما هو الآخر، مفردا كان الكلام، أم جملة.
(قلت): الخبر إذا كان مفردا، كقولك: زيد قائم، فالقائم هو زيد بلا شك، وإذا كان جملة كقولك: زيد هو القائم، فالمحكوم به ليس القيام، بل مضمون الجملة، وهو ثبوت القيام لزيد، أو الحكم به على الخلاف فى ذلك. وكل من ثبوت القيام لزيد والحكم به غير قيامه، فيصدق أن يقال فى: زيد قائم، الخبر هو المبتدأ؛ لأن: زيد قائم، بخلاف زيد هو قائم، فإن مدلوله: زيد ثبت له القيام، أو حكم له به، فلا يكون هو عين المبتدأ، إلا بتأويل: زيد موصوف بالقيام، أن تعلق أحدهما بالآخر، ينحل منه وصف يجرى على زيد هو الخبر فى المعنى.
стр. 651
والنظر - ههنا - فى أركانه - وهى: طرفاه، ووجهه، وأداته - وفى الغرض منه، وفى أقسامه:
أركان التشبيه
طرفاه: إما حسّيان؛ ...
ــ
ص: (والنظر فى أركانه: وهى طرفاه، ووجهه، وأداته، وفى الغرض منه وأقسامه).
(ش): طرفاه المشبه والمشبه به ووجهه المعنى الجامع، وهو بهذه الأركان شبيه بالقياس وأداته ما سيأتى، فهذه أربعة أركان.
(قلت): ويرد عليه ما لا أداة له، كقولنا: زيد أسد، وهو تشبيه على المختار عنده فهذا الكلام لا يلائم ما سبق؛ لأن الركن لا توجد الحقيقة دونه. فإن أجيب عن ذلك بأن أداة التشبيه مقدرة مع اللفظ، فالوجه كيف يدعى أنه ركن، وهو غير مذكور ولا مقدر مع اللفظ؟!
ص: (طرفاه إما حسيان إلى آخره).
(ش): اعلم أن التشبيه لا يمكن أن يكون حسيا؛ لأنه تصديق على الصحيح خلافا لمن قال: هو إنشاء، والتصديقات ليس شئ منها بحسى، فإن الحس إنما يدرك المفردات، فليتنبه لذلك. إنما طرفاه على أقسام، جملتها مائتان وتسعة وثمانون سأذكرها إن شاء الله.
الأول: الحسيان ولا بد لك من تحقيق قواعد هاهنا فنقول:
الحواس الخمس لا تدرك إلا الصور الجزئية الحقيقية فالحسى بالحقيقة ما أدرك بإحدى الحواس الخمس، وذلك لا يكون إلا جزئيا، وقد يطلق الحسى على المادة التى تدرك الحاسة أفرادها، وذلك على قسمين:
تارة تكون تلك الأفراد خارجية، وتارة تكون ذهنية فقط، فلا يكون شئ من أفرادها موجودا فى الخارج. فالقسم الأول المدرك بالحس كقولك فى المبصرات: خد زيد كهذا الورد، وفى المسموعات: سمعت كلاما مثل هذا الكلام، وفى المشمومات: هذا الفم كهذا العنبر، وفى المذوقات: شربت ماء كهذا العسل، وفى الملموسات: جلد زيد كثوب الحرير.
стр. 652
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والقسم الثانى نوعان: الأول أن تكون تلك المادة كلية وجدت أفراد لها، كقولك:
يعجبنى خد كالورد؛ فإن الطرفين كليان وليسا محسوسين؛ لأن الكلى لا يحس إنما المحسوس كثير من أفرادهما.
وقد يكون هذا القسم لم يوجد منه إلا فرد واحد كقولك: زيد قمر، فإن الثانى أن تكون المادة كلية لم يوجد شئ من أفرادها، كالمشبه به فى قولك: شقيق كأعلام الياقوت فإن أعلام الياقوت كلية غير موجودة، لكنها تسمى حسية باعتبارين:
أحدهما: أنه لو أدرك جزئى من جزئياتها لأدرك بالحاسة.
والثانى: أن أجزاء كل فرد من مفرديها وهما العلم والياقوت إذا أريد به معين، كان حسيا. وتسمية هذا حسيا أبعد مما قبله؛ لأنه لم يوجد منه فى الخارج فرد. وبهذا تعلم أن كل حكم علقته بمشبه ومشبه به باعتبار المستقبل، وكانا غير موجودين، فإن تسميته حسيا على نحو ما سبق كقولك: اللهم ارزقنى ولدا كالبدر، وأعطنى فى الجنة
حورا كالياقوت والمرجان، فكل ذلك يسمى حسيا. إذا تقرر ذلك، فاعلم أن المصنف أطلق الحسى على أمرين: أحدهما ما أدرك بالحس، والثانى ما أدركت مادته لا هو، وأراد به القسم الأخير، واقتضى كلامه أن القسم الأول من أول نوعى الثانى حسى حقيقى، وليس كما قال فليتأمل.
وإذا تأملت ما ذكرته، علمت أنه لا تكاد تجد تشبيها فيه الطرفان حسيان حقيقيان إلا قليلا.
الثانى: اعلم أن الذى تدركه الحواس هى الأعراض، فالبصر يدرك اللون، والسمع يدرك الصوت، والشم يدرك الرائحة، والذوق يدرك الطعم، واللمس يدرك الحرارة واللين مثلا. فإن أطلقت المحسوس على ذات لا تريد لونها مثلا، بل تريد معناها العقلى، كان ذلك حينئذ عقليا لا حسيا، وإن أطلقته على ذات تريد عرضها المدرك بالحاسة كان فيه توسع. فإذا قلت: لون زيد كلون عمرو، كانا محسوسين قطعا، وإذا قلت: زيد كعمرو، كان معناه تشبيه حقيقة بحقيقة فيكونان عقليين، وإذا قلت: زيد كعمرو مريدا تشبيه لونه بلونه، ساغ ذلك بقرينة تصرف إليه كقولك: زيد كعمرو بياضا، والإطلاق حينئذ مجاز كما صرح به الإمام فخر الدين فى المحصول. والظاهر أنه صار حقيقة عرفية لاشتهاره. وهذا التفصيل الذى ذكرناه هو التحقيق، وإن كان
стр. 653
كالخدّ والورد، والصوت الضعيف والهمس، والنّكهة والعنبر، والرّيق والخمر، والجلد الناعم والحرير، أو عقليّان؛ كالعلم والحياة، أو مختلفان؛ كالمنية والسّبع، والعطر وخلق كريم ...
ــ
مخالفا لكلامهم؛ لأنهم جعلوا الطرفين حسيين، وإن كان وجه الشبه بينهما عقليا كما ستراه، وهذا اصطلاح لهم لا مشاحة فيه. فنحن نتبعهم فيه على اصطلاحهم، والتحقيق ما سبق.
وهذا البحث لم يزل يدور فى خلدى إلى أن جزمت به، وكتبته ثم بعد مدة، رأيت ابن الأثير قد وقع عليه، فقال فى كنز البلاغة: قولنا: زيد أسد، تشبيه معنى بمعنى؛ لأن المقصود الشجاعة. ثم رأيت ابن رشيق فى العمدة أشار إليه فقال: إن التشبيه إنما هو أبدا على الأعراض لا على الجواهر.
(الثالث): حيث قلنا فى هذا الباب: حسى، أو خيالى، أو عقلى، أو وهمى، أو وجدانى، فالمراد أن يكون إدراك السامع له بإحدى هذه الطرق، أو نقول: المراد أن يكون الإنسان يدرك ذلك بأحدها. وإنما قلت ذلك احترازا من التشبيهات الواردة فى كلام الله تعالى، فإن علمه ليس بشئ من هذه الطرق. إذا تقرر ذلك فلنرجع لكلام المصنف.
فقوله: (كالخد والورد) مثال للمبصرات، فالخد مشبه والورد مشبه به، والواجب أن يقال: كلون الخد ولون الورد وأن يذكر معه ما يصرفه لخد معين وورد معين، وإلا فيكون غير مدرك بالحاسة كما سبق.
وقوله: (والنكهة والعنبر) مثال للمشمومات، وينبغى أيضا أن يقال: وريح العنبر، والإيراد عليه هنا أشد؛ لأنه
جعل المشبه به فى اللفظ العنبر، والمشبه فى اللفظ النكهة، وهى رائحة الفم فإما أن يقول: كالنكهة ورائحة العنبر، أو يقول: كالفم والعنبر كما قال فى الخد والورد، ثم عليه السؤال السابق.
وقوله: (والريق والخمر) مثال للمذوقات. وفيه نظر؛ لأن الريق لا يشبه بالخمر فى الطعم، وإنما يشبه بها إذا أريد تشبيه الطرب الحاصل بالريق بنشوة الخمر، وهو فيهما حينئذ يكون عقليا وجدانيا لا حسيا، فكان الأحسن أن يمثل بالريق والشهد، ثم عليه السؤالان السابقان.
وقوله: (والجلد الناعم والحرير) مثال للملموسات، وعليه السؤالان السابقان.
وقوله: (والصوت الضعيف والهمس) مثال للمسموعات. قال الخطيبى:
والصوت الضعيف ما كان ضعيفا فى نفسه، والهمس ما أسر من ذلك الكلام وأخفى،
стр. 654
والمراد بالحسى: المدرك هو أو مادّته - بإحدى الحواسّ الخمس الظاهرة؛ فدخل فيه الخيالىّ؛ كما فى قوله (١) [من مجزوء الكامل]:
وكأنّ محمرّ الشّقي ... ق إذا تصوّب أو تصعّد
أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد
ــ
ولا أدرى من أين له هذا، وأكثر أهل اللغة قالوا: الهمس الصوت الضعيف. لكن قال الثعالبى فى فقه اللغة: الهمس صوت حركة الإنسان، وقال ابن سيده فى المحكم:
الهمس الخفى من الأكل، والضرب، والوطء، وهو قريب من كلام الثعالبى. والآية ترشد إليه فى قوله تعالى: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً (٢) معناه أن الأصوات سكنت فلا تسمع إلا حركة الأعضاء. وبذلك يعلم أن قول المصنف: الصوت الخفى - أى من الكلام ونحوه - يشبه بصوت الحركة، فقوله: (المراد بالحسى ما أدرك هو أو مادته فدخل فيه الخيالى) يرد عليه ما سبق فينبغى أن يقيد الخيالى بأعم مما ذكره، ومثل له بقوله:
كأنّ محمر الشّقي ... ق إذا تصوّب أو تصعّد
أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد
يعنى بما لا يدرك هو ولكن أدركت مادته ما أدركت أفراده بالحس - أى أجزاء كل جزئى منه، ولم يدرك هو أى هيئته الاجتماعية فيكون ملحقا بالحسى؛ لاشتراك الحس والخيال فى أن المدرك بهما صورة لا معنى، ويتميز عن الوهمى بأن أجزاء كل فرد منه موجودة فى الخارج بخلاف الوهمى، وهنا قد شبه الشقيق بأعلام ياقوت منشورة على رماح من زبرجد. فأفراد المشبه به من العلم والياقوت والرماح والزبرجد حسية، والهيئة
الاجتماعية الحاصلة منها خيالية، فالمشبه مفرد حسى، والمشبه به مركب خيالى كذا قاله الخطيبى.
(قلت): قوله: إن أفراد المشبه به العلم والياقوت والرماح والزبرجد مدركة بالحس ليس بجيد؛ لأن الأفراد إنما هى أعلام من ياقوت ورماح من زبرجد، وهما خياليان.
стр. 655
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فليس له إلا مفردان. ثم أقول: كأن الشارح فهم أن المشبه الأعلام والرماح هو المتبادر إلى الذهن، وفيه نظر؛ لأنه يلزم تشبيه محمر الشقيق بالرماح الأخضر، وهو فاسد، بل إنما شبه محمر الشقيق بأعلام من ياقوت، وهى تمام المشبه به. ولصحة هذا التشبيه شرط وهو كون الأعلام من الياقوت معها رماح الزبرجد، ولا يصح فهم البيتين إلا بهذا الوجه، وإلا فسد. وعلى هذا فسد قول الخطيبى والمصنف فيما سيأتى: إنه تشبيه مفرد بمركب. بل هو تشبيه مفرد بمفرد على ما سيأتى تحقيقه فى تشبيه المفرد والمركب إن شاء الله تعالى.
وإن جعل المشبه به مجموع ما ذكر فليجعل المشبه أيضا مجموع الشقيق وساعده، ويكون التقدير: وكأن محمر الشقيق وساعده، إلا أن يقال: اسم الشقيق يشمل الورق والسواعد.
وقول الشاعر: (تصوب) أى مال إلى جهة الهبوط (وتصعد) أى مال إلى الصعود بجهة العلو (وإذا) متعلق بما فى (كأن) من معنى التشبيه. وقوله: (أعلام) كأنه يوهم أن العلم هو المنشور فوق الرماح، وظاهر كلام المحكم خلافه فإنه قال: العلم الراية. وقيل:
هو الذى يعقد على الرمح، وهذا يقتضى ترجيح أنه الرمح نفسه، ويشهد له قولهم: نار على علم فليحرر موضوع العلم.
وقالوا: إن قوله: (محمر الشقيق) من إضافة الصفة إلى موصوفها، وأنه أبلغ من قولنا: الشقيق المحمر.
(قلت): لا حاجة لذلك بل فيه نظر؛ لأن فى الشقيق المحمر والمسود والمبيض، فيكون شبه أحمره بأعلام الياقوت مقيدة بتلك القيود.
واعلم أن الخيالى هنا إنما هو المشبه به والمشبه حسى، فليس التشبيه هنا خياليا فقط، بل يصدق عليه الخيالى
باعتبار المشبه به، والحسى باعتبار المشبه، فينشأ من الحسى والخيالى أربعة أقسام، وأنشد فى الإيضاح للخيالى أيضا قول الشاعر:
كلّنا باسط اليد ... نحو نيلوفر ندى
كدبابيس عسجد ... قضبها من زبرجد
стр. 656
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كذا هو فى الإيضاح، ويروى نصبها بالنون والصاد، وهذا المقطوع أحسن من الأول، إلا أن النيلوفر فى بلادنا لا يشبه العسجد.
أخو العلم حىّ خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت، وهو ماش على الثّرى ... يظنّ من الأحياء وهو عديم
وقوله: (أو عقليان) أخرته، وإن كان المصنف قدمه؛ ليستوفى ما يتعلق بالحسى، وقد مثل العقليين بالعلم والحياة، فإن أراد نفس المصدرين فصحيح، كقولك: علم زيد كالحياة، وإن أراد المشتق منهما وهو الظاهر؛ لأن جماعة مثلوا للعقليين بقول العفيف البصرى.
وكذلك الإمام فخر الدين مثل لهما بالموجود والمعدوم، فصحيح أيضا لا يقال: إن العالم والحى ذاتان مبصرتان؛ لأن المقصود حقيقة العالم والحى العقليين، لا لونهما كما سبق تقريره، ويوضحه قولهم: الأسود ونحوه من المشتق يدل على شئ له السواد، لا على جسم فإذا لم يدل على جسم، لم يكن حسيا غير أنه سيأتى فى كلام المصنف ما يرد عليه هذا قريبا، وسيأتى فى المفتاح فى باب الاستعارة عند الكلام على الريح العقيم ما يقتضى خلاف هذا. وقد يقال عليه أيضا: إن الحى ليس مشبها به، بل صفة لموصوف محذوف تقديره: رجل حى ورجل حسى، ولذلك صرح عبد اللطيف البغدادى بأن هذا كله من مجاز الحذف.
وقوله: (أو مختلفان) أى أحدهما حسى، والآخر عقلى (كالمنية والسبع) مثال لمشبه عقلى، وهو المنية، وهذا صحيح، ومشبه محسوس وهو السبع، وهذا حسى على اصطلاحهم، وفيه البحث السابق؛ لأن تشبيه المنية بالسبع من جهة الافتراس، والسبع لم يقصد لونه، بل قصد حقيقته العقلية، لا يقال: فهو حينئذ على ما ذكرناه فى الحى والعالم فإن السبع ليس مشتقا، والجامد لا شك أنه دال على الجسم فيكون حسيا كالعلم، ونظيره تشبيه العدل بالميزان، وتشبيه القرينة الدالة بالشخص الناطق، كما مثل بالثلاثة السكاكى. والجميع قالوا: إن القسطاس
إنما قصد حقيقته العقلية، وهو عدم الجور، والناطق إنما قصد به ذات لها النطق، والأحسن تمثيله بقولنا سنة: كالنجم.
وقد يعترض على جعل الناطق حسيا؛ بأنه لا يجامع جعل الحى عقليا. ويجاب عنه بأن مراد السكاكى: أن يكون المشبه جامدا ناطقا، لا لفظ الناطق. كقولك: قرينة
стр. 657
وبالعقلىّ: ما عدا ذلك؛ ...
ــ
كلسان ناطق، وقد يمثل أيضا بقوله تعالى: أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ (١) وتشبيه الحجة بالنور، وبه مثل الإمام قال: ولا يقال: الحجة مسموعة، بل المعتبر هو المعانى العقلية، وهو شبيه بما قلناه فى الحى، والعالم أنهما عقليان.
وقوله: (والعطر وخلق كريم) مثال لعكسه، فإن العطر المشبه حسى والخلق عقلى، وقد يعترض عليه بأمرين:
أحدهما: أن العطر لا يشبه بالخلق إنما تشبه رائحته بالخلق، وأن العطر نفس الطيب لا رائحته.
الثانى: أن هذا من قلب التشبيه؛ فإنه إنما يشبه خلق الكريم بالعطر.
(تنبيه): لا يجوز عند بعضهم تشبيه المحسوس بالمعقول، وبه جزم الزنجانى فى معيار النظر، والإمام فخر الدين؛ إذ المشبه به يجب أن يكون أظهر من المشبه ولكون المعقول فرع المحسوس، لأنه مستفاد منه، وحيث جاء فى الأشعار يؤول على أنه جعل المعقول محسوسا على سبيل المبالغة، وهذا يستدرجك إلى أن تجعل جميع هذا النوع من باب قلب التشبيه، ولا يجوز عند بعضهم تشبيه واحد منهما بالآخر. قال التنوخى فى الأقصى القريب: تشبيه المعنى بالصورة والصورة بالمعنى لا بد فيه من تجوز، ومن عد تشبيه المعنى بالصورة، ولم يعد تشبيه الصورة بالمعنى لا معنى لترجيحه أحد الأمرين على الآخر، بل إما أن يعدا معا أو لا يعدا معا. انتهى.
وهذا قول ثالث يقتضى نفى تشبيه المعقول بالمحسوس أيضا على سبيل الحقيقة.
(تنبيه): إدراك الحواس علم عند الأشعرى وطائفة، والعلم عقلى فيلزم أن يكون الحسى عقليا، وجوابه: أن المراد بالحسى المدرك لا الإدراك، ألا ترى إلى قولهم:
الحسى ما أدرك.
ص: (والعقلى ما عدا ذلك).
(ش): أى ما عدا الحسى والخيالى، فدخل فيه الوهمى وهو ما ليس بمدرك بها، ولو أدرك لما أدرك إلا بالحواس، وينبغى أن يقال: ما لا يدرك؛ لأن قولنا: ما ليس بمدرك يدخل فيه كل ما يتعلق بالمستقبل، كقولك: إن يأتنى ولد كالبدر أحببته، وعليه قوله
стр. 658
فدخل فيه الوهمى، أى: ما هو غير مدرك بها (١)، ولو أدرك لكان مدركا بها؛ كما فى قوله (٢) [من الطويل]:
ومسنونة زرق كأنياب أغوال
ــ
تعالى: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٣) قاله المصنف وغيره: وقد يقال: إنه خيالى؛ لأن الرءوس والشياطين مدركة بالحس؛ لأن الجن يرون، أما الممتنع فالمركب بالإضافة.
على أنه قيل فى الآية: إن رءوس الشياطين ثمرة قبيحة لشجر منكر الصورة، وقيل:
الشياطين الحيات حكاهما ابن رشيق وغيره. وأورد على المصنف أنه حكم بأن الوهمى ما ليس مدركا بالحواس الظاهرة، ولو أدرك لكان مدركا بها، وعبارته فى الإيضاح: لما كان مدركا إلا بها فيلزم أن لا يكون الوهمى مدركا أصلا، والفرض أنه مدرك قطعا.
وأجيب عنه بأن مراده لو أدرك فى الخارج، لكان مدركا بالحواس لا أنه لا يدرك ابتداء إلا بها، وأورد عليه أنه ممنوع لأنا إذا قدرنا مثلا للمنية شيئا كالأظفار، فهذا لو وجد فى الخارج لما كان مدركا بالحواس الظاهرة؛ لأنه صفة المنية، وصفة العقلى لا يكون محسوسا إذا وجد، ومن الوهمى قول امرئ القيس:
أيقتلنى والمشرفىّ مضاجعى ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
والمشرفى: صفة السيف نسبة إلى مشرف مفرد مشارف، وهى قرى من أراضى العرب، وإنما جعل ذلك من الوهميات؛ لأن الغول لا وجود له، كما ثبت فى الصحيح قوله ﷺ :
" ولا غول" (٤) وما فى الصحيح من قوله ﷺ لأبى هريرة - رضى الله عنه -:" إنك تكلم الغول منذ ثلاث" (٥) فهو الشيطان، وجعل رءوس الشياطين من الوهمى إشارة إلى أن الشيطان لا رأس له، وأصحابنا ذكروا فى الطلاق لو قال لزوجته: إن لم تكونى أطول شعرا من إبليس، فأنت طالق، قالوا: لا يقع الطلاق للشك.
стр. 659
وما يدرك بالوجدان؛ كاللذة والألم.
ــ
ويتميز الوهمى عن الخيالى بأن المادة فى الخيالى مدركة أى أجزاء كل فرد منه، والوهمى ليس مدركا لا هو ولا مادته.
(قلت): التحرير أن يقال: أجزاء الخيالى (قوله: وما يدرك بالوجدان) أى دخل فى العقلى؛ لأنه يدرك بالقوة الباطنة (كاللذة) وهى إدراك الملائم (والألم) وهو إدراك المنافر، وفى إطلاق ذلك نظر. قال فى شرح التجريد: كل من اللذة والألم حسى وعقلى فإنا نلتذ بالمعارف، وهى عقلية لا تعلق لها بالحس، ونلتذ بمطعوم ومشروب ونتألم بفقدهما فعلى هذا لا يصح تعميم أن كل لذة وألم عقلى، ثم سيأتى فى كلام المصنف فى الوجه ما يخالف هذا. وإنما أدخل الوهمى فى العقلى، والخيالى فى الحسى؛ تقليلا لوجوه التشبيه ما أمكن.
واعلم أن الوجه الخيالى عبارة عن كون الجامع لا يكون موجودا فى المشبه به إلا بتأويل، كما صرح به فى الإيضاح وغيره، والكلام فى ذلك يحتاج إلى تحقيق، فنقول:
قدمنا الخلاف فى جواز تشبيه المحسوس بالمعقول، وأن الجمهور على جوازه، فالوجه إن كان خياليا فى المشبه حقيقيا فى المشبه به فلا وجه لمنعه، فإنه يضاهى تشبيه الخيالى بالحسى، أو العقلى، وإن كان خياليا فيهما، فالظاهر أنه كذلك؛ لأنه تشبيه حسى بحسى أو عقلى بعقلى، وإن كان حسيا فى المشبه خياليا فى المشبه به، فقد قدمنا الخلاف فى تشبيه الحسى بالعقلى، وأن المصنف والأكثرين على جوازه. فإن قلنا به فلا بدع فى أن يكون الوجه خياليا فى المشبه به حسيا فى المشبه وإن منعناه وجعلنا ما ورد منه من قلب التشبيه امتنع فإن عليه أن المشبه به لا بد أن يكون أوضح من المشبه والمعنى فيه أتم؛ لأنه كالأصل المستلحق والمشبه كالفرع الملحق.
إذا تقرر هذا، فاعلم أن المصنف يرى جواز تشبيه الحسى بالخيالى، وأنه ليس من القلب فيلزمه أن يجوز كون الوجه خياليا فى المشبه فقط، أو فى المشبه به فقط، أو فيهما فتفسيره الخيالى بأن يكون الوجه بالتأويل فى المشبه به فيه نظر؛ لأنه ينفى بالمفهوم أن يكون خياليا فيهما أو خياليا فى المشبه فقط، ولعله خلاف الإجماع إلا أن يؤول على أنه نص على هذا، ليفهم منه جواز الآخرين من باب الأولى، والذى يظهر - والله أعلم - أن المصنف أراد المشبه به فى اللفظ فيما ذكره من الأمثلة، فإنه يرى أنها من باب قلب التشبيه كما صرح به فى الإيضاح، وكذلك
السكاكى، ويكون مراده
стр. 660
ووجهه: ما يشتركان فيه تحقيقا أو تخييلا؛ والمراد بالتخييل: نحو ما فى قوله [من الخفيف] (١):
وكأنّ النّجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهنّ ابتداع
ــ
بالحقيقة أن يكون الوجه بالتأويل فى المشبه، ثم يقلب التشبيه غير أنه يقع النزاع معه فى أن ذلك من قلب التشبيه على ما سيأتى.
وقول المصنف: (تحقيقيا أو تخييليا) يبعد أن يكونا منصوبين على المفعول من أجله؛ لأنهما لم يشتركا من أجل ذلك، ولا حالا؛ لأن مجئ الحال مصدرا لا ينقاس على الصحيح، ولا تمييزا؛ لأن الاشتراك ليس من تحقيق ولا تخييل، والأظهر أنهما مصدران مؤكدان.
بقى النظر فى أن قولنا: اشتراكا تخييلا هل حقيقته أن يحصل التخييل فى الطرفين، أو يكفى أن يكون التخييل فى أحدهما، وفيه بحث شريف ذكرناه فى شرح المختصر.
ص: (ووجهه ما يشتركان فيه تحقيقا أو تخييلا إلى قوله الشديد الخضرة).
(ش): وجه الاستعارة هو العلاقة، وهو المعنى الجامع بين المستعار له والمستعار منه واشتراكهما فيه تارة يكون تحقيقا كمشاركة زيد الشجاع للأسد فى معنى الشجاعة كذا قالوه، وهو غير صحيح فإن الشجاعة وصف مركب من العقل والجراءة.
قال الإمام فخر الدين فى المباحث المشرقية فى آخر الفصل السابع من الباب السابع:
الشجاعة مركبة من الإقدام والعقل. انتهى. وعلى هذا ليس فى الأسد شجاعة كما اشتهر على الألسنة فإذا شبه الإنسان بالأسد فالوجه إنما هو الإقدام لا الشجاعة، ونحن وإن أطلقنا ذلك فهو تبع للجمهور، وتارة يكون تخييلا، ولو سمى تخيليا لكان أحسن؛ لأن المستعير متخيل لا مخيل لكنه سمى تخييلا باعتبار تخييله لغيره، وما حيث وقعت فى الحدود نكرة موصوفة بمعنى شئ؛ لكنها فى هذا المحل لا تكون بمعنى شئ لأن الشئ الموجود على مذهب أهل السنة فيلزم أن يكون وجه الشبه وجوديا. لكنه قد يكون عدميا كما سيأتى فى تشبيه الموجود الذى لا ينفع بالمعدوم، والوجه عدم الفائدة.
ثم اعلم أن المراد بالوجه ههنا ما هو أعم من الواحد والمتعدد فإنه سيقسمه إليهما، وقد مثل المصنف للخيالى بقول القاضى التنوخى:
وكأنّ النّجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهنّ ابتداع
стр. 661
فإنّ وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من حصول أشياء مشرقة بيض فى جوانب شئ مظلم أسود، فهى غير موجودة فى المشبّه به إلا على طريق التخييل، وذلك أنه لما كانت البدعة - وكل ما هو جهل - تجعل صاحبها كمن يمشى فى الظلمة، فلا يهتدى للطريق، ولا يأمن أن ينال مكروها شبّهت بها، ولزم بطريق العكس: أن تشبه السنة - وكل ما هو علم - بالنور، وشاع ذلك حتى تخيّل أن الثانى مما له بياض وإشراق؛ نحو: (أتيتكم بالحنيفيّة البيضاء) (١).
ــ
فإن الجامع بينهما الهيئة الحاصلة من حصول أشياء مشرقة بيض فى جوانب شئ مظلم، وليس ذلك فى السنن والابتداع إلا على وجه التخييل، هذا معنى عبارة الإيضاح.
(قلت): وتحرير العبارة أنه شبه النجوم بالسنن، والجامع حصول النور، وهو خيالى فى السنن، وشبه الدجى بالابتداع وهو خيالى فى الابتداع، وحصل فى ضمن ذلك تشبيه الهيئة بالهيئة، والتشبيه الصريح إنما هو الأول، والثانى قيد فيه، ثم ذكر المصنف أن كون البدعة تجعل صاحبها فى حكم من يمشى فى الظلمة جعلها مشبهة بالظلمة، ولزم من ذلك تشبيه الهدى بالنور، وأصل ذلك قوله تعالى: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ (٢) وشاع ذلك حتى وصف الأول بالسواد فى قولهم: شاهدت من جبينه سواد الكفر، والثانى بالبياض كقوله ﷺ :" أتيتكم بالحنيفية البيضاء" (٣) وليس منه:
" الظلم ظلمات يوم القيامة" (٤) لجواز أن يترتب على الظلم نفس الظلمة حقيقة قال:
فصار تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع، كتشبيه النجوم فى الظلام ببياض
стр. 662
والأول على خلاف ذلك؛ كقولك: شاهدت سواد الكفر من جبين فلان؛ فصار تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع، كتشبيهها ببياض الشّيب فى سواد الشباب، أو بالأنوار مؤتلفة بين النبات الشديد الخضرة؛
ــ
الشيب فى سواد الشباب، أو بالأنوار جمع نور بالفتح (بين النبات الشديد الخضرة) ووجهه أنه تخيل ما ليس بمتلون متلونا.
(قلت): يريد أنه صار متخيلا، كما أن اللون تحقق فى بياض الشيب، وكونه جعل التشبيه أولا بين الابتداع والظلمة، وأنه لزم عنه تشبيه الهدى بالنور فيه نظر، والأولى العكس، كما هو نص البيت، فإن الذى دخلت عليه أداة التشبيه هو الأجدر بأن يجعل المقصود وغيره لازم عنه، إلا أن يكون لاحظ فى ذلك تقدم الظلمة فى الخلق على النور، أو لقوله تعالى: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ (١) ثم يقال: كيف لزم عن تشبيه البدعة بالظلمة تشبيه الهدى بالنور، ومن شبه أحد الضدين بأمر لا يلزمه تشبيه ضده بضده، وليس كل ما ثبت لأحد الضدين ثبت ضده لضده، ولعله يريد انحدار الذهن من تشبيه البدعة بالظلمة إلى تشبيه السنة بالنور.
وقوله: (فصار تشبيه النجوم إلى آخره) هو الموافق لنظم البيت، ولكنه ليس موافقا لما سبق من قوله: شبهت البدعة بالظلم والهدى بالنور فإن مقتضى ذلك أن يقول: فصار تشبيه الهدى بين الابتداع بالنجوم بين الظلام، ولعل الجمع بين كلاميه وأنه أراد أولا التشبيه الأصلى، ثم أراد هنا التشبيه المقلوب.
بقى هنا أمور منها: أن هذا المثال وغيره من أمثلة التخييل، وما تقدم فى حد التخييل يقتضى أن التخييل كله من باب قلب التشبيه، وكلام السكاكى يصرح به البيت السابق ونظائره، والمصنف صرح به فى الإيضاح فى بعض الأمثلة، وعليه شيئان:
أحدهما: أن هذا يخالف قول المصنف شبه أولا كان كذلك ثم قلب.
الثانى: أنا لا نسلم القلب، فإن قال: لأن الخيالى أضعف من الحسى، فلا يجعل أصلا لزمه منع تشبيه الحسى بالخيالى والعقلى، نعم يحتاج إلى دعوى قلب التشبيه إذا علمنا من سياق كلام الشاعر أنه إنما قصد تشبيه السنن والابتداع بالنجوم والظلام ولا نسلم ذلك، بل سيأتى ما يدل على خلافه - إن شاء الله تعالى - ومنها: أن فى البيت
تقديرين:
стр. 663
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحدهما: أن النجوم هى التى تلوح بين الدجى، وهو قد جعل الابتداع يلوح بين السنن، فالتشبيه غير تام.
الثانى: أن لاح لا يستعمل إلا فيما له إشراق وظهور، وذلك مناسب لأن تجعل فاعله السنن لا الابتداع.
الثالث: وأورده الزنجانى أن الأشياء البيض فى المشبه به ظرف، والسواد مظروف، وفى المشبه بالعكس فكيف يصح أن يكون المشبه الهيئة الاجتماعية؟ وهو قريب من الأول، ولا يصح الجواب بأن لاح مسند إلى ضمير السنن؛ لأن قوله: بينهن ابتداع صريح فى الظرفية؛ ولأن لاح فيه ضمير المؤنث الغائب فلا يصح تذكيره، وإن كان مجازيا على المشهور. وقوله: (ولا أرض أبقل إبقالها) شاذ ولو جوزناه فنهاية ما يحصل به الجواب عن السؤال الثانى ولا يصح الجواب عن هذا والذى قبله بأنه من باب القلب مثل: عرضت الناقة على الحوض، ويكون التقدير: لاحت بين الابتداع؛ لأن القلب لا ينقاس لغة، وهذا الشاعر ليس ممن يحتج بقوله، وأجيب عنه بأن المراد تشبيه النجوم بالسنن، والدجى بالبدع سواء أكان الدجى ظرفا، أم مظروفا ولا يصح؛ لأن رعاية الظرفية هنا مقصودة. نعم قد خطر فى هذا البيت شئ حسن، لا يخلو عن تكلف لكنه ينحل به الإشكال، ويعلم به أنه ليس من قلب التشبيه وأقدم عليه أن قبل هذا البيت:
ربّ ليل قطعته كصدود ... وفراق ما كان فيه وداع
موحش كالثقيل يقذى به العي ... ن وتأبى حديثه الأسماع
وكأنّ النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهنّ ابتداع (١)
فهذا الرجل يذكر ليلا مضى له مدلهما شديد السواد، استولت ظلمته على نجومه فسترتها، وتخللت وسطها، فلم يبق فيه شئ من النور. ألا ترى قوله: (كصدود وفراق ما كان فيه وداع) أى ليس فيه شئ من النور، فلو أن نجومه باقية لكان فيه مثل الوداع الذى يتعلل به، فلما وصفه بأنه ظلمة فقط ليس فيه شئ من النور، قال:
стр. 664
فعلم فساد جعله فى قول القائل: النّحو فى الكلام كالملح فى الطعام كون القليل مصلحا والكثير مفسدا؛ لأن النحو لا يحتمل القلة والكثرة؛ بخلاف الملح ....
ــ
وكأن النجوم بين دجاه سنن - أى كأن نجومه الكائنة بين الدجى أى التى استولى الدجى عليها وسترها - لاح الابتداع بينها أى بين أجزاء كل نجم من نجومها فصارت السنن ظرفا، والبدعة مظروفا لها ساترا لها كما أن الظلمة سترت النجوم واستولت عليها استيلاء المظروف، وبهذا ظهر أنه ليس من قلب التشبيه؛ لأن المقصود تشبيه ليلته لا تشبيه بدعته، ولا يقدح فى هذا قوله بعد:
مشرقات كأنهنّ حجاج ... تقطع الخصم والظّلام انقطاع
لأنه يريد أنهن مع كونهن مشرقات غلبت عليها الظلمة فسترتها، وقد ذكر المصنف فى الإيضاح أمثلة كثيرة للوجه الخيالى لم أر الإطالة بذكرها.
ص: (فعلم فساد جعله فى قول القائل: النحو فى الكلام كالملح فى الطعام كون القليل مصلحا، والكثير مفسدا؛ لأن النحو لا يحتمل القلة والكثرة بخلاف الملح).
(ش): أى لكون وجه الشبه ما يشتركان فيه علم فساد جعل الوجه كون القليل مصلحا والكثير مفسدا فى قولهم: النحو فى الكلام كالملح فى الطعام إذ القلة والكثرة إنما يتصور جريانهما فى الملح؛ لأن قليله ينفع وكثيره يضر بالطعام دون النحو، فإنه إن وجد انتفع به كرفع الفاعل ونصب المفعول، وإن لم يوجد لم يوجد النحو فهذا حينئذ ليس بوجه؛ لعدم الاشتراك، وتقريره على هذا الوجه، يقتضى أن المانع فى المشابهة كون النحو لا يتفاوت بالقلة والكثرة، ولكن يمنع ذلك لأن النحو متفاوت قطعا، وقد يعرف النحوى تراكيب كثيرة لا يعرفها نحوى آخر. ويحتمل أن يراد أن التشبيه فاسد؛ لأن النحو كثيره وقليله يصلح بخلاف الملح ولفساد القلة والكثرة وجها، قيل:
الوجه فى هذا التشبيه كون الاستعمال مصلحا والترك مفسدا، ليكون مشتركا بينهما وإليه ذهب عبد القاهر، وقد تكلف للأول بأن كثرة النحو توجب الإقدام على ما لا يتوهم قليل النحو جوازه من تقديم وتأخير وإضمار، فيبقى كبيت الفرزدق السابق، ولعل هذا المراد من قول السكاكى: وربما أمكن تصحيح هذا، ولكن ليس ما يهمنا الآن. وقيل المراد: أن البيت قد يكون له أعاريب، فحمله على المعنى المراد تقليل للنحو وإصلاح، وحمله على تلك الأعاريب، الكثيرة كثرة مضرة، وقيل: لأن النحو مقصود
стр. 665
وهو إما غير خارج عن حقيقتهما؛ كما فى تشبيه ثوب بآخر فى نوعهما، أو جنسهما أو فصلهما. أو خارج صفة؛
إما حقيقية، وهى إما حسية كالكيفيات الجسمية مما يدرك بالبصر: من الألوان، والأشكال، والمقادير، والحركات، وما يتصل بها، أو بالسمع من الأصوات الضعيفة، والقوية، والتى بين بين، أو بالذّوق من الطعوم، أو بالشمّ من الروائح، أو باللمس من الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، والخشونة والملاسة، واللّين والصلابة، والخفة والثقل، وما يتصل بها، أو عقلية، كالكيفيات النفسانية: من الذكاء والعلم، والغضب والحلم، وسائر الغرائز. وإما إضافية؛ كإزالة الحجاب فى تشبيه الحجة بالشمس.
ــ
لغيره من العلوم، فكثرة النحو المستغرقة للعمر مفسدة لمنعها من العلوم المقصودة بالذات، وقيل: ليس المراد العلم بل استعمال أحكامه فى الكلام وفى الإيضاح، ومما يتصل بهذا قول القيروانى:
غيرى جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنّنى سبّابة المتدّم
فإنه أخذه من النابغة فى قوله:
لكلفتنى ذنب امرئ وتركته ... كذى العر يكوى غيره وهو راتع
وأفسده؛ لأن سبابة المتندم أول ما يتألم منه فلا يكون المعاقب غير الجانى.
(قلت): وقوله: (أول ما يتألم منه) يريد أن سبابة المتندم تتألم وهى جانية، وفيه نظر؛ لأن سبابة المتندم قد لا تكون جانية بأن يكون الندم وقع على فعل قلبى، أو فعل عضو آخر، وإنما اتصال الأعضاء وجعلها كالشئ الواحد سهل ذلك، ثم يقع النزاع مع المصنف فى جعله هذا مما يتصل بما قبله، وليس منه؛ لأن المصنف يدعى فساد التشبيه هنا لعدم الجامع، والذى قبله التشبيه فيه صحيح وإنما بين له وجها لغير ما يتوهم.
ص: (وهو إما غير خارج ... إلخ).
(ش): هذا تقسيم ثان لوجه الشبه، وهو أن وجه الشبه إما أن يكون غير خارج عن حقيقتهما أو لا، والأولى أن يقال: حقيقتيهما؛ فإنه ليس لهما حقيقة واحدة، فلا يصح أن يقال: حقيقتهما إلا بتأويل أنه اسم جنس يعمهما بالإضافة، وغير الخارج إما تمام حقيقتهما النوعية كما فى تشبيه ثوب بثوب فى الثوبية وإنسان بإنسان فى
стр. 666
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإنسانية، ولهذا القسم قال المصنف: غير خارج عن حقيقتيهما، ولم يقل: داخل؛ لأن الكل لا يقال: إنه داخل فى الكل، وإليه أشار بقوله: (فى نوعهما) وأما جزء الحقيقة الذى هو المشترك كتشبيه الفرس بالإنسان، وهو المراد بقوله: أو جنسهما أو جزؤها المميز، كتشبيه زيد بعمرو فى كونه ناطقا، وهذا لم يتعرض له المصنف، وكأنه تركه؛ لأن الاشتراك فى النوع يلزمه الاشتراك فى الفصل، لكنه قد يكون المرعى فى وجه الشبه هو المميز فقط،
وإن كان المتشابهان متحدين بالنوع تقول: زيد كعمرو نطقا، وتقول: إنسانية، وتقول: حيوانية. فإن قلت: كيف يشبه زيد بعمرو فى الإنسانية، والتشبيه إنما هو الدلالة على مشاركة أمر لآخر، والإخبار عن إنسان بأنه مشارك لآخر فى الإنسانية لا فائدة فيه، وأيضا فوجه الشبه من شأنه أن يكون فى المشبه به أتم منه فى المشبه، والإنسانية ونحوها يستحيل فيها التفاوت؛ لأن أشخاص النوع الواحد لا تفاوت فيها، لا يقال: يصح أن يقال: إنسانية زيد أكثر من إنسانية عمرو؛ لأن المعنى بذلك ما يتفاوت فيه من الصفات الخارجية، وليس الكلام إلا فى وجه غير خارج عن الحقيقة.
قلت: لعل المراد أن يكون المشبه مجهول الإنسانية للسامع فيقول: هذا كزيد فى الإنسانية - أى هو إنسان، وإذا اتضح لك الجواب فى هذا فهو بالنسبة إلى المشابهة فى الجنس، أو الفصل أوضح. على أن السكاكى لم يصرح بذلك، إنما قال ما نصه: لما انحصر التشبيه بين أن يكون الاشتراك بالحقيقة، والافتراق بالصفة مثل جسمين أبيض وأسود، وبين أن يكون الاشتراك بالصفة والافتراق بالحقيقة، مثل طولين جسم وخط، والوصف بين أن يكون حسيا وغيره ظهر أن وجه التشبيه يحتمل التفاوت. اهـ ملخصا.
وهذه العبارة وإن كان ظاهرها أن ما به الاتفاق بالحقيقة يكون وجه التشبيه، فهى غير صريحة؛ لاحتمال أن يريد أن من شأن طرفى التشبيه أن يتفقا بالحقيقة ويختلفا بالصفة، لا أن الاتفاق بالحقيقة يكون هو وجه الشبه. ومن تأمل كلامه، وتقسيمه الوصف بعد ذلك جوز هذا الاحتمال فليراجع. ومما يوضح أنه لا يصح تشبيه شخص بشخص فى النوعية أن عبد اللطيف البغدادى قال فى قوانين البلاغة: تشبيه نوع بنوع ونوع بجنس وجنس بنوع، ولا يشبه شخص بشخص من جهة ما هما تحت نوع واحد قريب يعمهما، بل من جهة حالة يشتركان فيها هى فى أحدهما أبين اه.
стр. 667
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو صريح فيما قلناه غير أنه قد يرد عليه أنه إذا امتنع تشبيه الشخص بالشخص فى النوعية. امتنع تشبيه النوع بالنوع فى الجنسية فكيف يقول: تشبيه نوع بنوع؟ وقد يجاب: بأن مراده أنه يشبه به بجامع غير النوعية، وأما تشبيه النوع بالجنس فقد يستشكل؛ لأن النوع مشتمل على الجنس، فكيف يشبه الكل بجزئه؟ وقد يجاب بأنه قد يشبه الكل بالجزء؛ لعدم الاعتداد بالجزء الزائد، فتقول: الحيوان الناهق كالحيوان - أى قيد النهيق فيه كالعدم. لا يقال: فقد شبهته بحيوان غير ناهق، وهو تشبيه نوع بنوع؛ لأنا نقول: بل هو مشبه بالحيوان لا بقيد النهيق، ولا عدمه، وكذلك تشبيه الجنس بالنوع فتشبيه الحيوان المطلق بالإنسان باعتبار أن الحيوانية لشرفها كأنها مقيدة
بالنطق.
وإما أن يكون خارجا عن حقيقتهما وهو صفة فهى إما حقيقية، أو إضافية.
فالحقيقية إما حسية وهى الكيفيات الجسمية المدركة بالبصر من الألوان والأشكال والمقادير والحركات ونحوها، ومما يتصل بها من حسن وقبح، أو بالسمع من الأصوات الضعيفة والقوية، والتى بين بين أى بين القوة والضعف، أو بالذوق من الطعوم، أو بالشم من الروائح، أو باللمس من الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، والخشونة، والملاسة، واللين، والصلابة، والخفة، والثقل، وما يتصل بالمذكور من حسن وقبح وتوسط فيهما، وصفات تشبهها. والضمير فى قوله: بها فى الأول والثانى للأمثلة لا للكيفيات، وإلا لزم التكرار أو يريد غير ذلك من الكيفيات الجسمية؛ لأنها لا تنحصر فيما ذكره، أو تكون عقلية كالكيفيات النفسية من الذكاء والعلم والغضب والحلم وسائر الغرائز، والإضافية كإزالة الحجاب فى تشبيه الحجة بالشمس فإنها إضافية لا تتعقل إلا بالإضافة إلى ما يزال بها، ومن الإضافى اعتبار الشئ فى محل دون محل ككون الكلام مقبولا عند شخص متروكا عند آخر.
(تنبيه): نشير فيه إلى شئ من معانى هذه الألفاظ السابقة على اصطلاح القوم.
الجنس: كلى مقول على كثيرين مختلفين بالحقيقة فى جواب ما هو، والنوع: كلى مقول على واحد أو كثيرين متفقين بالحقيقة فى جواب ما هو، والصفة الحقيقية: ما لها تقرر فى ذات الموصوف، والصفة الإضافية: ما ليس لها تقرر فى ذات الموصوف، واعتبرها العقل فى شئ بالنسبة لغيره، والحسية: ما كانت مدركة بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، والأشكال: جمع شكل وهى هيئة تعرض للشئ بواسطة إحاطة حد
стр. 668
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واحد كالكرة، أو حدود كالمثلث والمربع، والمقادير: جمع مقدار، وهو الكم المتصل كالخط والسطح والجسم التعليمى.
والحركة: هى عند المتكلمين حصول الجوهر فى حيز بعد أن كان فى حيز آخر.
وعند الحكماء: الخروج من القوة إلى الفعل على التدريج.
والرطوبة: كيفية يكون الجسم بسببها سهل الاتصال والانفصال؛ واليبوسة: كيفية يكون الجسم بسببها غير متساوى الأجزاء فى الوضع والملاسة استواء الأجزاء فى الوضع.
واللين: كيفية يكون الجسم بسببها ضعيف المعاوقة لملاقيه.
والصلابة: كيفية يكون الجسم بها قوى المعاوقة لملاقيه.
والخفة: هى المعاونة التى تحس فى الجسم عند قصد حركته إلى فوق.
والثقل: المعاونة التى تحس فى الجسم عند قصد حركته إلى أسفل.
والذكاء: كيفية نفسانية يتنبه الإنسان بها على الإدراك بسرعة.
والعلم: حصول صورة الشئ فى الذهن وإن أردت التصديق فهو اعتقاد جازم مطابق لموجب.
والحلم: كيفية نفسانية تقتضى العفو عن الذنب مع القدرة.
والغضب: كيفية نفسانية تقتضى إرادة الانتقام. وقيل: تغير يحصل عند غليان دم القلب لقصد الانتقام.
والغرائز: جمع غريزة وهى صفة طبيعية خلقت النفس عليها بخلاف الأخلاق، فإنها: ملكة نفسانية حصلت بحسب العادة، والشيرازى قال: الذكاء حدة القلب، والغضب: تغير يحصل عند غليان دم القلب لإرادة الانتقام، وقيل: الخفة: قوة يحصل من محلها بواسطتها مدافعة صاعدة، والثقل: قوة يحصل من محلها بواسطة مدافعة هابطة، وفى هذه الحدود مناقشات ومباحث ليس هذا العلم محلها.
واعلم أن اللين والصلابة قال فى شرح التجريد: إنهما من الكيفيات الاستعدادية فاللين يكون الجسم به مستعدا للانغماز، ويكون له به قوام غير سيال فينتقل من موضعه، ولا يمتد كثيرا ولا يتفرق بسهولة، وإنما قبول الغمز من الرطوبة وتماسكه من اليبوسة، والصلابة كيفية تقتضى مقابل ذلك، ولما كان استعداد الجسم للانغماز من الرطوبة، وتماسكه إلى حد الصلابة من اليبوسة، والرطوبة واليبوسة من الملموسات عد اللين والصلابة منها.
стр. 669
وأيضا (١): إما واحد، أو بمنزلة الواحد؛ لكونه مركّبا من متعدد، وكلّ منهما حسى، أو عقلى، وإما متعدد كذلك، أو مختلف:
والحسى طرفاه حسيان لا غير؛ لامتناع أن يدرك بالحس من غير الحسى شئ.
والعقلى أعم؛ لجواز أن يدرك بالعقل من الحسى شئ؛ ولذلك يقال: التشبيه بالوجه العقلى أعم.
فإن قيل: هو مشترك فيه؛ فهو كلىّ، والحسى ليس بكلىّ خ خ:
قلنا: المراد أنّ أفراده مدركة بالحسّ.
ــ
ص: (وأيضا إما واحد إلى قوله مدركة بالحس).
(ش): هذا تقسيم ثالث لوجه الشبه فهو إما أن يكون واحدا، أو بمنزلة الواحد لكونه مركبا من متعدد، وكل منهما أى من الواحد ومن المركب الذى هو بمنزلة الواحد حسى، أو عقلى، وإما متعدد كذلك، أى حسى، أو عقلى، أو مختلف
بأن يكون مركبا من حسى وعقلى، واقتضى كلامه أن الاختلاف لا يأتى فى القسمين السابقين، وأورد عليه الخطيبى أنه قد يأتى فى الثانى باعتبار الأجزاء لا بطرفها. فالنظر إلى المركب إنما هو للهيئة الاجتماعية، وهى إما حسية فقط، أو عقلية فقط، والحسى لا يكون طرفاه إلا حسيين لاستحالة أن يدرك بالحس شئ من غير الحسى، والعقلى طرفاه: إما عقليان، أو حسيان، أو مختلفان. فالعقلى أعم. فمتى كان واحد من الطرفين عقليا، كان الوجه عقليا، لجواز أن يدرك بالعقل شئ من الحسى. ولذلك يقال: التشبيه بالوجه العقلى أعم منه بالوجه الحسى، وإنما قلنا لجواز ولم نقل لوجوب؛ لأن الحسى قد يدرك حيث لا عقل كإدراك الحيوان. معنى ذلك أن من شبه بوجه حسى، فقد شبه بوجه عقلى، لا لأن كل وجه حسى عقلى، بل لأن من ضرورة التشبيه أن يكون ذلك الحسى قد علم وتعقل، وإن كان الجامع فى نفسه قد يكون حسيا لا عقليا كإدراك الحيوانات غير الإنسان فقول المصنف: (العقلى أعم) فيه نظر إلا باعتبار الصدق فى الواقع على ما ذكرناه (قوله: فإن قيل) إشارة إلى سؤال ذكره فى المفتاح، فقال: وهاهنا نكتة لا بد من التنبيه عليها، وهو أن التحقيق فى وجه الشبه يأبى أن يكون غير عقلى، وذكر ما أشرنا إليه فيما سبق، من أن المحسوس
стр. 670
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
متشخص فلا بد أن يكون جزئيا، ووجه الشبه لا بد أن يكون أمرا يشترك الطرفان فيه، فلو كان حسيا والحسى موجود متعين، فى محل لزم أن يكون لكل من الطرفين صفة يختص بها فلا اشتراك حينئذ؛ لاستحالة وجود شئ واحد فى محلين فلا يوجد فى الطرف الآخر إلا مثله، والمثلان ليسا شيئا واحدا، ووجه الشبه لا بد أن يكون واحدا، يحصل الاشتراك فيه كليا مأخوذا من المثلين بتجردهما عن التعيين.
ثم قال: يمتنع أن يقال: وجه الشبه حصول المثلين فى الطرفين؛ لأن المثلين متشابهان، ولا بد للتشابه من وجه فإن كان عقليا صح ما قلناه، وإن كان حسيا لزم أن يكون منقسما فيهما، فيستدعى أن يكون من المثلين مثلان آخران، ويتسلسل وهو محال، وفيه نظر؛ لأن الكلى وإن وجد فى الخارج فليس حسيا.
وقال المصنف فى الإيضاح: المراد بكونه حسيا أن تكون أفراده مدركة بالحس، وهذا فى الحقيقة تسليم لكلام السكاكى، واعتراف بأن وجه الشبه عقلى، غير أنه يسمى حسيا، ثم يرد عليه أن هذا فى الاصطلاح لا يسمى حسيا، ألا ترى ما تقدم من المصنف فى الخيالى، وأنه ملحق بالحسى لا حسى، وإن كانت أفراده مدركة بالحس
فالسكاكى يقول: كما سلبتم اسم الحسى عن الخيالى، وإنما ألحقتموه به، فعليكم أن تسلبوا اسم الحسى عن الوجه أبدا وتصرحوا بإرادة ذلك منه، وقد أورد على قولهم أن وجه الشبه لا بد أن يكون واحدا كليا موجودا فيهما أنه يستلزم حصول العرض الواحد فى وقت واحد بمحلين، وأجيب بأنا لا نعتبر مع وجه الشبه تعينا وتشخصا، بل نأخذه مجردا، واعترض بأنه إذا أخذ مجردا امتنع أن يكون موجودا فيهما؛ إذ الوجود فيهما، يلزمه تعينه فى كل منهما، فالموجود فيهما غير كلى، فليس وجه الشبه، ووجه الشبه غير موجود فيهما فليس وجها. وأجيب بأن التعيين غير مانع من فرض العقل إياه مشتركا بين كثيرين، بمعنى أنه يتمكن من مطابقته لما يشتمل عليه كل واحد منهما، وأورد على السكاكى أن هذا تسلسل اعتبارى فلا إحالة فيه، وأنا أقول: أصل الاعتراض الذى أورده السكاكى على نفسه وأجاب عنه فاسد الوضع؛ لأن القول بأن وجه الشبه حصول المثلين؛ يقضى بأنه عقلى؛ لأن حصول المثلين أيضا عقلى لا حسى فإن عنى به أن الوجه لا يشترط أن يكون واحدا مشتركا بينهما، فلا حاجة إلى العدول عن الحسى.