. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثالث: أن المصنف بعد أسطر يسيرة فى الإيضاح أنكر أن يكون الجواب المصاحب لقد جوابا كما ستراه.
(تنبيه): قال الزمخشرى بعد تجويزه أن يكون التقدير: فانفجرت، أو فإن ضربت فقد انفجرت. وهى على هذا فاء فصيحة، لا تقع إلا فى كلام بليغ.
(قلت): والفاء الفصيحة هى الدالة على محذوف قبلها، هو سبب لما بعدها. سميت فصيحة؛ لإفصاحها عما قبلها. وقيل: لأنها تدل على فصاحة المتكلم بها، فوصفت بالفصاحة على الإسناد المجازى، ونسب الطيبى هذا إلى الحواشى المنسوبة إلى الزمخشرى. واختلفوا: هل شرط ذلك المحذوف ألا يكون شرطا، حتى تكون هى عاطفة لا جزائية أو لا؟ فاشترط الطيبى فيها ذلك، وقال: إن كلام صاحب المفتاح يشعر به، وأنه يعضده قول الزمخشرى: إنها لا تقع إلا فى كلام بليغ، وفاء الجزاء يكثر وقوعها فى الكلام العامى.
(قلت): ليس فى المفتاح ما يشعر بما ذكره، نهايته أنه ذكر أن التقدير: فضرب، وقال: إن الفاء فصيحة، ولم يذكر تقدير الشرط بالكلية، فضلا عن أن يقول: إنها تكون حينئذ فصيحة أو لا.
وقوله: أنه يعضده قوله: لا تقع إلا فى كلام بليغ فيه نظر؛ لأنها على التقديرين لا تقع إلا فى كلام بليغ، فالبلاغة فيه من جهة حذف جملة سابقة شرطية كانت، أو غيرها؛ والإشعار بأن المأمور لم يتوقف عن امتثال الأمر، فكان
المطلوب الانفجار لا الضرب. ثم قول الزمخشرى على هذا ظاهره العود إلى تقدير الشرط ولا حاجة إلى تأويله وإعادته إلى الأول. والأحسن أن يجعله عائدا إلى ما سبق من مطلق التقدير، ليصلح للتقديرين معا، فقد تبين أن الفاء هذه فصيحة على التقديرين، على ما تراه عاطفة فيها معنى السببية على القول الأول، جزائية على الثانى. وعلى ما قاله الطيبى فصيحة على الأول لا الثانى. ومما يدل لما قلناه من أن الزمخشرى، لم يشترط فى الفاء الفصيحة أن لا يكون المقدر قبلها شرطا، أنه قال فى قوله تعالى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ (١): وفيه معنى الشرط، أى: إن صح هذا فقد
стр. 597
أو غيرهما (١)؛ نحو: فَنِعْمَ الْماهِدُونَ على ما مر (٢).
وإما أكثر من جملة؛ نحو: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ (٣) أى: إلى يوسف؛ لأستعبره الرؤيا، ففعلوا وأتاه، فقال له: يا يوسف.
والحذف على وجهين: ألّا يقام شئ مقام المحذوف؛ كما مر، وأن يقام؛ نحو:
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ (٤) أى: فلا تحزن واصبر.
ــ
كرهتموه، وهى الفاء الفصيحة. فهذا كالصريح فى أن الفاء الفصيحة، يجوز أن يقدر الشرط قبلها؛ لأن قوله: أى إن صح الظاهر، أنه يريد تقديرا لفظيا.
(قوله: أو غيرهما) أى أن يكون جملة غير سببية ولا مسببة، تحذف لمعنى من المعانى، كقوله سبحانه: فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٥) أى: هم نحن على أحد القولين السابقين.
ص: (وإما أكثر إلى آخره).
(ش): وقد يكون المحذوف أكثر من جملة نحو: فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ التقدير: إلى يوسف لأستعبره الرؤيا، فأرسلوه إليه، فأتاه فقال له .. وأمثلته كثيرة، فلا نطيل بذكرها.
(تنبيه): أذكر فيه - إن شاء الله تعالى - تقسيما لإيجاز الحذف، فنقول: المحذوف أقسام:
الأول: جزء كلمة، مثل: حذف النون فى:" لم يك" فإنها حذفت للتخفيف؛ وكالحذف فى: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٦) حذفت الياء للتخفيف، ورعاية الفاصلة.
وحكى عن الأخفش: أن المؤرخ السدوسى سأله، فقال: لا أجيبك حتى تنام على بابى ليلة، ففعل، فقال له: إن عادة
العرب أنها إذا عدلت بالشئ عن معناه، نقصت حروفه. والليل لما كان لا يسرى، وإنما كان يسرى فيه، نقص منه حرف، كما فى قوله تعالى: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٧) الأصل: بغية، فلما حول ونقل عن فاعل، نقص منه حرف. انتهى.
стр. 598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ورأيت الطيبى ذكر هذا الجواب من غير أن يذكر هذه الحكاية. ولك أن تجعل:
فعولا وفعيلا حيث كانا لمؤنث مطلقا، من باب الإيجاز.
الثانى: حذف كلمة أو أكثر، فهى إما اسم، أو فعل، أو حرف.
الأول: الاسم، فمنه حذف المبتدأ فقط، وحذف الخبر فقط، ومنه حذف المضاف، والمضافين والثلاثة، وحذف الصفة، وحذف الموصوف، وحذف المعطوف مع حرف العطف مثل: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ (١) وحذف الحال، مثل: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ (٢) أى قائلين: سلام.
وحذف التمييز مثل: كم مررت؟ أى: كم ميلا؟ وحذف المستثنى، مثل: ليس إلا.
واختلفوا فى حذف المبدل منه، وخرج عليه: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ (٣) وأما حذف الفعل فكثير، حيث دلت عليه قرينة. وحذف الحرف كثير أيضا، جوز جماعة حذف الواو العاطفة، وخرج عليه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٤) وهمزة الاستفهام تحذف كثيرا. وحذف الفاء فى جواب الشرط لا يجوز إلا ضرورة. وحذف لام الأمر جوزه بعضهم.
الثالث: الجمل، فيحذف جواب لولا نحو: فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ (٥) وجواب لما نحو: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (٦) ويحذف الشرط بلو، نحو: إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وجواب أما، نحو: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ (٧) وجواب إذا نحو: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا (٨). ومنها حذف القسم منها حذف جوابه، قال القاضى التنوخى: وكل ذى جواب
جوز حذف جوابه. ومنها:
باب الإغراء، وباب التحذير، وباب نعم وبئس، وباب التنازع والاختصاص، والنصب على المدح.
стр. 599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(تنبيه): من تأمل ما سبق علم أن الإيجاز ليس من شرطه إمكان المساواة، فيكون جائزا، بل قد يكون واجبا بحيث لا يجوز خلافه. فهو حينئذ قسمان: قسم مفوض إلى المستعمل، وقسم هو من أصل الوضع، وهو أن يوضع الكلام على اقتصار وحذف مثل المبتدآت التى يجب حذفها، وغير ذلك مما هو واجب الحذف، كالعامل فى الإغراء والتحذير، وفى مصدر بدل من اللفظ بفعله، والخبر فى باب نعم وبئس على أحد الأقوال، وفى خبر المبتدأ بعد لولا غالبا وغير ذلك.
(تنبيه): واعلم أن الذى ذكر المصنف من تقسيم الإيجاز إلى إيجاز قصر وإيجاز حذف، وتقسيم تقليل اللفظ إلى إخلال وغيره، وتقسيم زيادته إلى تطويل وغيره، تبع فيه جميعه الرمانى. قال الرمانى: والإيجاز على ثلاثة أوجه: الإيجاز بسلوك الطريق الأقرب دون الأبعد، والإيجاز باعتماد الغرض دون سعة، ومن الإيجاز بإظهار الفائدة ما يستحسن دون ما يستقبح. ثم قال: الإيجاز: تهذيب الكلام بما يحسن به البيان، والإيجاز: تصفية الألفاظ من الكدر، والإيجاز: إظهار المعنى الكثير باللفظ اليسير.
قال عبد اللطيف البغدادى فى قوانين البلاغة: إنه يوافقه فى المعنى لا فى اللفظ وقال: هى ستة أزواج متقابلة، البسط وهو يعبر بقول عما يمكن أن يعبر عنه باسم، أو بقول كثير الأجزاء عما يمكن أن يعبر عنه بقول قليلها، ويقابله القبض وهو عكس ذلك والاختصار وهو أن يقتصر من أشياء يقصد التعبير عنها، على ما إذا صرح بلفظ فهم به
الباقى. ويقابله: التطويل، وهو أن يصرح بجميع الألفاظ التى يلزم بعضها بعضا، أو يذكر بعضها ببعض، والإجمال: وهو أن يعبر عن الأشياء الكثيرة باسم جنسها، ويقابله التفصيل، وهو أن يذكر تلك الأشياء واحدا واحدا. والتكرير: إما بإعادة اللفظ بعينه، أو بلفظ مرادف للأول، أو يذكر مبسوطا مرة، ومقبوضا أخرى. أو يذكر مجملا مرة، ومفصلا أخرى. ويقابله الإفراد والإضمار أن يسكت عن أشياء اتكالا على أن السامع يأتى بها من قبل نفسه، ويضيفها إلى التى نطق بها القائل؛ لوضوحها أو لقرينة حالية. والفرق بينه وبين الاختصار: أن الذى ينبه على الشئ فى الاختصار، هو شئ من نفس القول، والمنبه فى الإضمار شئ من خارج، والتصريح عكسه.
والإيجاز: الاقتصار على المعانى الضرورية فى بلوغ الغرض، وعلى أقل ألفاظها الدالة عليها عددا. والتذييل: أن يضيف إلى المعانى الضرورية سائر الأشياء التابعة للتزيين والتفخيم.
стр. 600
وأدلته كثيرة:
منها: أن يدل العقل عليه، والمقصود الأظهر على تعيين المحذوف؛ نحو:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (١).
ــ
ص: (وأدلته كثيرة إلى آخره).
(ش): لما كان الحذف لا يجوز إلا لدليل، احتاج إلى ذكر أدلته؛ ليعلم أنه لا بد للحذف من أحدها. فإن قلت: قد قسم النحاة الحذف إلى حذف اقتصار، وحذف اختصار، وفسروا الحذف اقتصارا: بأن يحذف لا لدليل. فقد أثبتوا حذفا لا لدليل.
(قلت): هى عبارة مختلة أو اصطلاح لا مشاحة فيه، والحق أنه لا حذف فيه إذا ثبت ذلك، فالدليل تارة يدل على محذوف مطلق، وتارة على محذوف معين. فمنها العقل إذا دل على أصل الحذف من غير دلالة على تعيينه، بل يستفاد التعيين من دليل آخر، كقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ فإن العقل يدل على أنها ليست المحرمة؛ لأن التحريم لا يضاف إلى الأجرام، فتعين حذف شئ. (قلت): وقد تقدم أنه ينقل عن الحنفية أنهم يرون أن التحريم والتحليل يضافان إلى الذوات، وأما تعيين ذلك المحذوف وأنه التناول، فاستفيد من دليل آخر، وهو أن التناول هو المقصود الأظهر، أى: الأغلب فى الميتة إرادة أكلها، وكذلك: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ (٢) فى إرادة النكاح، وهذا الذى قاله بناء على مذهب الجمهور. أما من جعله مجملا، فلا ظهور، ولا تعيين، إلا بدليل خارجى. وأما من قال: الميتة عبر بها عن أكلها، فلا حذف.
(قلت): وفيما قاله المصنف نظر من وجهين:
أحدهما: أن الدليل المسوغ للحذف لا بد أن يكون دليلا على تعيين المحذوف، إما لفظيا كالمعين، أو خارجيا كما فى المجمل، لا على أصل الحذف. فإن أراد أن العقل دل على أصل الحذف، فليس ذلك دليلا مسوغا للحذف، إلا لغرض الإبهام.
وإن أراد أن العقل دل على أصل الحذف، والظهور دل على تعيينه. فالدال حينئذ على المحذوف المعين، وهو الظهور فالأولى أن يقال: ظهور إرادة المحذوف دليل عليه. وتارة يجوز العقل مع ذلك إرادة المنطوق به، وتارة لا يجوز بأن يدل العقل على استحالة إرادته.
стр. 601
ومنها: أن يدل العقل عليهما؛ نحو: وَجاءَ رَبُّكَ (١) أى: أمره أو عذابه (٢).
ــ
الثانى: أن قوله: أدلته كثيرة منها أن يدل العقل لا يصح؛ لأن يدل العقل ينحل إلى دلالة العقل، فكأنه قال: أدلته الدلالة، وهو فاسد. وتأويله: إما بأن يؤول الأدلة على الدلالات وهو الأولى، أو يؤول: أن يدل بالدلالة التى بمعنى الفاعل، كما هو قول فى: عسى زيد أن يقوم. كما يؤول الموصول الحرفى وصلته بالمصدر، بمعنى المفعول فى قول ضعيف، ذكره جماعة فى قوله سبحانه: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وقوله سبحانه: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ (٤) ويقرب مما نحن فيه، قولك: زيد أكرم على من أن أضربه. نقل الشيخ أبو حيان فى تذكرته، عن صاحب البديع، أن" أن" فيه بمعنى الذى، وفيه نظر؛ لأن" أن" لا تكون بمعنى الذى، ولأنه كان يلزم أن يقول: أنا أكرم على زيد من أن أضربه.
ونقل الشيخ أبو حيان عن بهرمان أن هذا وقع جوابا لمن قال: أنت تريد أن تضربنى، فمعناه: أنت أكرم على ممن يقدر فى نفسه ذلك. انتهى.
وصحة قولك: أنا أكرم على زيد من أن أضربه، يشهد لها مع كثرة الاستعمال.
وذكر سيبويه لها فى كتابه، قوله ﷺ :" أنا أكرم على الله من أن يعذبنى بذات الجنب" ثم قال: ومنها - أى من أدلة الحذف - أن يدل العقل عليهما أى: على الحذف والتعيين، نحو: قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ أى: أمره، أو عذابه؛ لأن العقل دل على أصل الحذف لاستحالة مجئ البارى عقلا، فإن ذلك يستلزم الجسمية، ودل العقل أيضا على التعيين، وهو الأمر أو العذاب. (قلت:) فإذا كان محتملا لهما، فأين التعيين؟ إلا أن
يكون أراد بقوله: الأمر الذى بمعنى العذاب، أو العذاب، وذلك اختلاف فى العبارة فقط، لا فى المعنى.
стр. 602
ومنها: أن يدل العقل عليته، والعادة على التعيين؛ نحو: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ (١)، فإنه يحتمل فى حبه خ خ؛ لقوله تعالى: قَدْ شَغَفَها حُبًّا (٢). وفى مراودته خ خ؛ لقوله تعالى: تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ (٣)، وفى شأنه حتى يشملهما، والعادة دلت على الثانى؛ لأن الحب المفرط لا يلام صاحبه عليه فى العادة؛ لقهره إياه.
ــ
واعلم أن الزمخشرى قال: إن هذه الآية الكريمة تمثيل. مثلت حاله - سبحانه - فى القهر، بحال الملك إذا حضر بنفسه. فعلى هذا لا حذف فى الآية الكريمة وإن أراد التعيين فيهما، بمعنى عدم الثالث، فذلك ليس بتعيين، ثم هو ممنوع؛ لأن العقل لا ينفى تقدير عباد ربك أو جنود ربك، وغير ذلك فهذا كالقسم الأول.
ومنها أن يدل العقل على أصل الحذف، وتدل العادة على تعيين المحذوف، كقوله سبحانه: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ العقل دل على أنه لا بد من محذوف؛ لأن الشخص لا يلام إلا على الفعل. واحتمل أن يكون التقدير فى حبه لأجل: شَغَفَها حُبًّا أو فى مراودته لأجل تُراوِدُ فَتاها وأن يكون فى شأنه وأمره، والعادة دلت على إرادة المراودة لأن الإنسان لا يلام على الحب المفرط، لأنه يقهر صاحبه، إنما يلام على المراودة التى يقدر على دفعها.
(قلت): كلامه متهافت؛ لأنه قال: العقل دل على الحذف، لأن الإنسان لا يلام إلا على ما هو من كسبه، ثم جعله محتملا لثلاثة أمور - أى يجوزها العقل - منها: إرادة الحب، ثم قال: إن الحب ليس من الكسب، فيلزم أن يكون احتمال الحب منفيا عقلا.
ثم إنه جوز أن يكون المراد الحب والمراودة، أو الأمر المطلق، وأقام الدليل على عدم إرادة الحب، فأثبت المراودة، وقد نفى الاحتمال الآخر، وهو إرادة الأمر الذى يشملها، فلم يذكر ما يدفعه. وهذا الاحتمال يرجحه القول الذاهب
إلى أن المقتضى عام، وهو أحد قولى الشافعى، ومنصوصه فى الأم وإن كان مرجوحا عند الأصوليين. ومنها العادة بأن تدل على أصل المحذوف، وعلى التعيين، وذلك بأن يكون العقل غير مانع من إجراء اللفظ على ظاهره من غير حذف، كقوله سبحانه: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ (٤) أى:
مكان قتال، والمراد مكانا صالحا للقتال. وإنما كان كذلك لأنهم كانوا أخبر الناس بالقتال، والعادة تمنع أن يريدوا: لو نعلم حقيقة القتال؛ فلذلك قدره
стр. 603
ومنها: الشروع فى الفعل؛ نحو: (باسم الله)؛ فيقدّر ما جعلت التسمية مبدأ له.
ومنها: الاقتران؛ كقولهم للمعرّس: بالرّفاء والبنين أى: أعرست.
ــ
مجاهد مكان قتال. ويدل على ذلك أنهم أشاروا على النبى ﷺ ، بأن لا يخرج من المدينة.
(قلت): وتعيين المحذوف هنا دل عليه السياق والقرينة. وأما تسمية ذلك عادة ففيه نظر.
وأيضا قيل: إن المراد لو نعلم أنه يعرض لكم قتال ما، أو لو نعلم أن ما أنتم متوجهون إليه قتال؛ لكنه ليس بقتال، بل هو إلقاء النفس إلى التهلكة، فعلى هذين لا حذف.
ومنها الشروع فى الفعل نحو: باسم الله فيقدر ما جعلت البسملة مبدأ له، فإن كانت عند الشروع فى القراءة قدرت أقرأ، أو إلا كل قلت: آكل كذا قال المصنف. وقد اختلف الناس هل يقدر فى مثله الفعل، أو الاسم المصدر؟ واختلفوا: هل يقدر عام كالابتداء، أو خاص كما ذكره؟
ومنها أن يدل الاقتران على المحذوف المعين، كقولهم لمن أعرس: بالرفاء والبنين أى:
بالرفاء والبنين أعرست. قلت: وهذا الدليل يغنى عن ذكر الدليل السابق، فإن السابق داخل فى هذا، فلم يكن به حاجة لذكر الشروع. قال الخطيبى: ومنها أن يدل عرف اللغة على الحذف، والقرينة الحالية على التمثيل. ثم ذكر المثل المشهور: إن لا حظية فلا ألية، أى: إن لم توجد حظية، فلا تترك ألية. والحظية ذات الحظوة عند زوجها. والألية:
بمعنى الآلية اسم فاعل من ألا إذا قصر. وأصله أن رجلا تزوج امرأة، فلم تحظ عنده، ولم تكن بالمقصرة فيما
يحظى النساء عند أزواجهن، فقالت له: إن لا حظية، فلا ألية أى: إن لم يكن لك حظية، لأن طبعك لا يلائم النساء، فإنى غير مقصرة فيما يلزمنى للزوج. فحظية مرفوع؛ لأنه فاعل المضمر الذى هو يكن من كان التامة، وألية خبر مبتدأ تقديره: فأنا لا ألية أى: غير ألية. ويجوز نصب حظية وألية على تأويل: إن لا أكن حظية، فلا أكون ألية. وهو مثل يضرب فى مداراة الناس والتودد لهم، قال ذلك الزمخشرى فى الأمثال.
وفيما قاله الخطيبى نظر؛ لأن اطراد عرف اللغة بالحذف ليس دليلا على الحذف، بل هو حذف مطرد يحتاج لدليل، وهو القرينة. ثم ذكر من مواضع الحذف ما لا حاجة لذكره، لدخوله فى كلام المصنف وغيره، ممن أطلق القرينة اللفظية أو الحالية. نعم من أعظم الأدلة على الحذف اللغة، وذلك مثل قولك: ضربت، فإن اللغة قاضية أن الفعل المتعدى لا بد له من مفعول، فاللغة دلت على أصل الحذف لا تعيينه، وكذلك المبتدأ المحذوف، والخبر، والفاعل عند من أجاز حذفه.
стр. 604
(الإطناب) والإطناب: إما بالإيضاح بعد الإبهام؛ ليرى المعنى فى صورتين مختلفتين، أو ليتمكّن فى النفس فضل تمكّن، أو لتكمل لذّة العلم به؛ نحو: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (١)؛ فإنّ اشْرَحْ لِي: يفيد طلب شرح لشئ ما له، وصَدْرِي: يفيد تفسيره، ومنه باب نعم على أحد القولين؛ إذ لو أريد الاختصار، لكفى: نعم زيد خ خ.
ــ
الإطناب:
ص: (والإطناب إما بالإيضاح بعد الإبهام إلى آخره).
(ش): الإطناب يكون بأحد أمور: إما بالإيضاح بعد الإبهام أى: أسبابه قصد الإيضاح، والباء فى قوله: بالإيضاح للسببية أى: إذا أردت أن تبهم ثم توضح فإنك تطنب، وفائدته: إما رؤية المعنى فى صورتين مختلفتين بالإبهام والإيضاح، أو ليتمكن المعنى فى النفس فضل تمكن أى: تمكنا زائدا، أو لتكمل لذة العلم به، لأن الشئ إذا علم من وجه ما، تشوقت النفس للعلم به من باقى الوجوه دفعة واحدة.
ومثال الإيضاح بعد الإبهام. رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي فإن قوله: اشرح لى يفيد طلب شرح شئ ما له، وقوله:" صدرى" يفيد تفسيره وبيانه، وكذلك: وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢) والمقام يقتضى التأكيد للإرسال المؤذن بتلقى الشدائد، وكذلك قوله سبحانه: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (٣) فإن المقام يقتضى التأكيد؛ لأنه مقام امتنان وتفخيم، وكذلك: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٤).
(قلت): وفيه نظر من وجهين:
الأول - أن هذا يستلزم أن يكون كل مفعول بيانا بعد إبهام، ويكون الإطناب موجودا حيث وجد المفعول، وهذا لا يتخيله أحد.
الثانى - أن الإطناب ما لو زال، لرجع الكلام إلى المساواة، والمفعول هنا لو لم يذكر رجع الكلام إلى الإيجاز، فدل ذلك على أن اشرح لى صدرى مساواة. وإنما ذكر المفسرون ذلك فى قوله سبحانه: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فقال كثير
стр. 605
ووجه حسنه - سوى ما ذكر -: إبراز الكلام فى معرض الاعتدال، وإيهام الجمع بين المتنافيين.
ومنه التوشيع (١)، وهو: أن يؤتى فى عجز الكلام بمثنّى مفسّر باثنين، ثانيهما معطوف على الأول؛ نحو: (يشيب ابن آدم ويشبّ معه خصلتان: الحرص، وطول الأمل) (٢).
ــ
منهم إنه منصوب على التمييز؛ لإشعار الكلام (٣) الذم على ما يقع به من شرح من الكفر كيف كان الذم بالقول وغيره فحسن إبهام الشرح، ثم تبيينه بالمصدر.
ثم مثل للإيضاح بعد الإبهام بباب نعم وبئس على القول: بأن المخصوص خبر مبتدأ. (قلت): أو مبتدأ خبره محذوف، والألف واللام فى الفاعل للجنس، فإنه حصل التبيين بقوله: زيد بعد الإبهام بقوله: نعم الرجل. أما إذا قلنا: نعم الرجل خبر مقدم، فإنه لم يحصل إبهام ثم تبيين؛ لأنه كلام واحد مبين، غايته أن فيه تقديم المسند على المسند إليه. قال: إذ لو أريد الاختصار لكفى نعم زيد.
(قلت): نعم زيد مساواة لا اختصار ثم قال: (ووجه حسنه) أى حسن الإيضاح بعد الإبهام فى باب نعم. (سوى ما ذكر) من الفوائد أمران:
أحدهما: إبراز الكلام فى معرض الاعتدال أى: التوسط، فإن نعم الرجل زيد متوسط بين الإطناب الزائد بأن تقول: هو زيد.
والإيجاز بأن تقول: نعم زيد الثانى إيهام الجمع بين متنافيين وهما الإطناب والإيجاز. فربما أوهم أنه جمع بين
متنافيين، وليس كذلك. فإن قلت: الإيجاز والإطناب متنافيان قطعا. قلت: نعم، ولكنه جمع بينهما فى محلين؛ فلهذا، ينبغى أن يقول: إيهام الجمع بينهما فى محل باعتبار واحد، أما جمعهما فى محل واحد باعتبار واحد فمحال.
وقد يرد على المصنف أن إيهام الجمع بين متنافيين دخل فى قوله ليرى المعنى فى صورتين مختلفتين قال: (ومنه) أى: من الإيضاح بعد الإبهام: (التوشيع) وهو فى اللغة: لف القطن بعد الندف. وفى اصطلاحهم: أن يؤتى فى عجز الكلام، أى:
стр. 606
وإما بذكر الخاصّ بعد العامّ؛ للتنبيه على فضله؛ حتى كأنه من جنسه؛ تنزيلا للتغاير فى الوصف منزلة التغاير فى الذات؛ نحو: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى (١).
ــ
آخره، بمثنى مفسر باسمين ثانيهما معطوف على الأول، نحو قوله ﷺ :" يشيب ابن آدم وتشب معه خصلتان الحرص وطول الأمل" (٢)، ولك أن تقول: كل مثنى أو جمع ذكر ثم فصل، سواء أكان فى أول الكلام أو آخره، يحصل به الإيضاح بعد الإبهام فما الذى خص آخر الكلام دون أوله وأوسطه؟ وما الذى خص المثنى دون المجموع؟ وهل هذا غير اللف والنشر الذى سيأتى فى البديع؟
ص: (وإما بذكر الخاص إلى آخره).
(ش): من أسباب الإطناب إيراد الخاص بعد العام، ويؤتى به للتنبيه على فضل الخاص حتى كأنه ليس من جنس العام تنزيلا للتغاير فى الوصف فيما حصل به للخاص التمييز عن غيره؛ بمنزلة التغاير فى الذات على الأسلوب الذى سلكه المتنبى فى قوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإنّ المسك بعض دم الغزال (٣)
وهذا بناء على الراجح عند الأصوليين من أن عطف الخاص على العام ليس بتخصيص. وقيل: هو تخصيص؛ فإن العطف عليه يبين أن هذا الخاص لم يرد بالأول، ومثله المصنف بذكر جبريل وميكائيل عليهما الصلاة والسّلام، بعد ذكر الملائكة - صلى الله عليهم وسلم - فى قوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ (٤) تنبيها على زيادة فضلهما.
وعبارة المصنف أحسن من قول غيره فى الآية، أنه عطف فيها الخاص على العام؛ لأن جبريل ليس معطوفا على الملائكة، بل إما على لفظ الجلالة؛ أو على الرسل، والمراد بهم رسل بنى آدم. والمثال الثانى قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ومثله فى الإيضاح أيضا بقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
стр. 607
وإما بالتكرير لنكتة؛ كتأكيد الإنذار فى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (١)، وفى ثمّ دلالة على أن الإنذار الثانى أبلغ.
ــ
إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ (٢) فإن الأمر بالمعروف خاص بالنسبة إلى الدعاء إلى الخير. وفيه نظر؛ لأنه من ذكر الأخص الذى هو الجزء الإضافى بعد الأعم، الذى هو الكلى، لا من ذكر الخاص الذى هو فرد بعد العام الذى هو متعدد، وقد قدمنا ذلك فى شرح خطبة الكتاب.
ص: (وإما بالتكرير إلى آخره).
(ش): من أسباب الإطناب إرادة التكرير لنكتة أى: فائدة، وتلك الفائدة إما تأكيد الإنذار، كقوله : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ وفى ثم تنبيه على أن الإنذار الثانى أبلغ من الأول، كذا قاله الزمخشرى. وسره أن فيها تنبيها على أن ذلك تكرر مرة بعد أخرى، وإن تراخى الزمان بينهما، ومن شأن ذلك أنه لا يكون إلا فى شئ لا يقبل أن يتطرق عليه تغيير، بل هو مستمر على تراخى الزمان.
وذكر الإنذار هنا بحسب المثال وإلا فتأكيد كل شئ كذلك، كقوله :
وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (٣) وقد قدمنا فى باب الفصل والوصل تحقيقا فى هذا المكان، وهل هذا إنذار مؤكد أو إنذاران، لا بأس بمراجعته. زاد فى الإيضاح أن التكرير قد يكون لزيادة التنبيه على ما ينفى التهمة؛ ليكمل تلقى الكلام بالقبول، ومنه قوله تعالى: وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ (٤) فإنه تكرر فيه النداء قال: وقد يكون لطول فى الكلام، كقوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)، ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا (٦) الآية. وقد يكون لتعدد المتعلق كما فى قوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧) فإنها وإن تعددت فكل واحد منها يتعلق بما قبله، وإن كان قيل: إن بعضها ليس بنعمة فليس من الآلاء. وجوابه: أن الزجر
стр. 608
وإما بالإيغال؛ فقيل: هو ختم البيت بما يفيد نكتة يتمّ المعنى بدونها؛ كزيادة المبالغة فى قولها [من البسيط]:
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنّه علم فى رأسه نار
ــ
والتحذير نعمة. وبما ذكرناه تعلم الحكمة فى كونها زادت عن ثلاثة، ولو كان عائدا لشئ واحد، لما زاد على ثلاثة، لأن التأكيد لا يبلغ أكثر من ثلاثة، كذا قال ابن عبد السّلام وغيره.
فإن قلت: إذا كان المراد بكل ما قبله فليس ذلك بإطناب، بل هى ألفاظ كل أريد به غير ما أريد بالآخر.
(قلت): إذا قلنا: العبرة بعموم اللفظ، فكل واحد أريد به ما أريد بالآخر، ولكن كرر ليكون نصا فيما يليه، وظاهرا فى غيره. فإن قلت: يلزم التأكيد. قلت: والأمر كذلك، ولا يرد عليه أن التأكيد لا يزاد به على ثلاثة؛ لأن ذلك فى التأكيد الذى هو تابع، أما ذكر الشئ فى مقامات متعددة أكثر من ثلاثة فلا يمتنع.
ص: (وإما الإيغال).
(ش): أى: يقع الإطناب بالإيغال من أوغل إذا أمعن. واختلف فيه، فقيل: هو ختم البيت بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها، كزيادة المبالغة فى قول الخنساء:
وإنّ صخرا لتأتم الهداة به ... كأنّه علم فى رأسه نار (١)
فإنها لم ترض أن تشبهه بالعلم الذى هو الجبل الذى يأتم الهداة به، حتى جعلت فى رأسه نارا.
(قلت): وفيه نظر؛ لأن الإطناب: تأدية المراد بزيادة لفظ، والمراد من التشبيه بعلم فوقه نار، غير المراد من التشبيه بالعلم فقط، فلم يحصل بقولها: فوقه نار إطناب. ولو كان هذا إطنابا لكان ذكر الصفة المخرجة فى قولك: أكرم رجلا عالما إطنابا، إلا أن يقال: لم يرد إلا مطلق الهداية، وفيه بعد. وهذا قريب مما سبق فى قول المتنبى:
ولا خير فيها للشجاعة والندى (٢)
стр. 609
وتحقيق التشبيه فى قوله (١) [من الطويل]:
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الّذى لم يثقّب
وقيل: لا يختصّ بالشعر؛ ومثّل بقوله تعالى: اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢)
ــ
وكذلك تكون النكتة تحقيق التشبيه فى قول امرئ القيس:
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الّذى لم يثقّب (٣)
(قلت): وفيه النظر السابق، فإن المعنى لا يتم بدونه، لأن الذى لم يثقب، لم يتم المعنى بدونها لأنها مقصودة فى التشبيه. أو يقال: أريد بقوله: الجزع غير المثقب، فيكون قسما من الإيضاح بعد الإبهام لا قسيما.
ثم نقول: ليس إيضاحا بعد إبهام؛ لأن الإيضاح بعد الإبهام أن يقصد الإبهام أولا، ثم يقصد الإيضاح لغرض الإبراز فى صورتين. وهذا أريد بالجزع فيه غير المثقب، ثم اقتصر عليه، فكان إيجازا. فلما قال: لم يثقب، صار مساواة. وقيل: إن الإيغال لا يختص بالشعر، كذا عبارة المصنف. والصواب: لا يختص به الشعر، فعلى هذا يرسم بأنه ختم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها، كقوله سبحانه: اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٤) لأن المقصود حث السامعين على الاتباع، ففى وصفهم بالثانى زيادة مبالغة على اتباع الناس لهم، من ذكر كونهم مرسلين.
(قلت): وإذا كان الإيغال، إما زيادة المبالغة، أو تحقيق التشبيه، فما الموجب للقول بأنه لا يكون إلا فى الشعر؟ وهلا قطع بكونه فى الشعر والنثر؛ لأن فى القرآن من ذلك ما لا يكاد ينحصر؟ إلا أن هذا اصطلاح لا مشاحة فيه.
стр. 610
وإما بالتذييل؛ وهو تعقيب الجملة بجملة أخرى تشتمل على معناها للتأكيد، وهو ضربان:
ضرب لم يخرّج مخرج المثل؛ نحو: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١) على وجه.
وضرب أخرج مخرج المثل؛ نحو: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٢)
ــ
ص: (وإما بالتذييل إلى آخره).
(ش): يكون الإطناب بالتذييل، وهو أن يأتى بجملة عقب جملة، والثانية تشتمل على معنى الأولى، وهو ضربان: ضرب منه لا يستقل بنفسه بإفادة المراد، بل يتوقف فى إعادته على ما قبله، كقوله تعالى: جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ يجازى إِلَّا الْكَفُورَ (قوله: على وجه) أى: إنما تكون هذه الآية مثالا على وجه، وهو أن المعنى: وهل يجازى ذلك الجزاء إلا الكفور؟ وقال فى الإيضاح: وذكر الزمخشرى فيه وجها آخر أن الجزاء فيه عام لكل مكافأة يستعمل تارة فى معنى المعاقبة، وأخرى فى معنى الإثابة.
فلما استعمل فى معنى المعاقبة فى قوله سبحانه: جَزَيْناهُمْ بمعنى: عاقبناهم قيل:
وهل يجازى إلا الكفور، بمعنى: وهل يعاقب؟ فعلى هذا يكون من الضرب الثانى.
(قلت): فيما قاله المصنف نظر؛ لأن:" وهل يجازى إلا الكفور" على التقديرين من الضرب الأول؛ لأنها لا تستقل بنفسها. إما لأن المراد وهل يجازى ذلك الجزاء أى:
العقاب الأشد على الأول، وإما وهل يجازى ذلك الجزاء الذى هو العقوبة. فالذى قاله المصنف لا وجه له؛ ولهذا قال الزمخشرى بعد ذكر الوجه الثانى: إنما أراد الجزاء الخاص، وهو العقاب.
والضرب الثانى ما خرج مخرج المثل لاستقلاله بنفسه كقوله تعالى: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً.
(قلت): وقد يقال: ليس هذا إطنابا؛ لأن فى الثانية شيئا مرادا لم تتضمنه الأولى، وهو كون الباطل زهوقا، وهو يعطى المبالغة؛ لكونه اسما يدل على الثبوت، ولصيغته
стр. 611
وهو - أيضا - إمّا لتأكيد منطوق؛ كهذه الآية. وإما لتأكيد مفهوم؛ كقوله [من الطويل]:
ولست بمستبق أخا لاتلمّه ... على شعث أىّ الرّجال المهذّب (١)
ــ
وهو فعول الدالة على المبالغة، فقد اشتملت على معنى زائد، لا على معنى الأولى فقط.
قال المصنف فى الإيضاح: وقد اجتمع الضربان فى قوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ (٢) فإن: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ من الأول وكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ من الثانى. ثم قال: (وهو أيضا) أى والتذييل أو الضرب الثانى، وفيه بعد؛ لأن الضرب الأول تطرقه هذا التقسيم أيضا، إما لتأكيد مفهوم كقول النابغة الذبيانى:
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أىّ الرّجال المهذّب (٣)
لأن صدر البيت دل بمفهومه على نفى الكامل، فحقق ذلك بقوله: أى الرجال المهذب؟ لأنه استفهام بمعنى النفى.
(قلت): وفى دعوى أن صدره دل على نفى الكامل بالمفهوم نظر؛ لأن معنى النصف الأول: لا يدوم لك ود من لا تلم شعثه، سواء أكان له شعث، أو لم يكن، بل كان كاملا. فكأنه قال: من لم ترض بعيوبه، لا يحصل لك وده. وذلك لا يلزم منه، أنه لا وجود للكامل.
стр. 612
وإما بالتكميل، ويسمى الاحتراس - أيضا - وهو أن يؤتى فى كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفعه؛ كقوله من [الكامل]:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الرّبيع وديمة تهمى
ونحو: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ (١).
ــ
ص: (وإما بالتكميل إلى آخره).
(ش): التكميل ويسمى الاحتراس أيضا، وهو أن يؤتى فى كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفع ذلك التوهم. وهو ضربان: ضرب يتوسط الكلام أى: يقع بين المسند والمسند إليه، نحو قول طرفة يمدح قتادة:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الرّبيع وديمة تهمى (٢)
لأن قوله: فسقى ديارك صوب الربيع، يفهم منه أن المراد: سقاها ما لا يفسد؛ ولكن الإطلاق قد يوهم ما هو أعم، أو أنه دعاء عليه، فصرف هذا الوهم بقوله: غير مفسدها، ولهذا عيب على القائل:
ألا يا اسلمى يا دارمىّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر (٣)
حيث لم يأت بهذا القيد، والعيب عليه عيب؛ لأن البيت موافق لقوله : يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (٤) وضرب يقع فى آخره، كقوله سبحانه:
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ لنفى ذلك، لا يقال: أعزة على
стр. 613
وإما بالتتميم، وهو أن يؤتى فى كلام لا يوهم خلاف المقصود بفضلة، لنكتة؛ كالمبالغة؛ نحو: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ (١) فى وجه، أى: مع حبه.
ــ
الكافرين، أفاد معنى جديدا؛ لأن القول هو إطناب لما قبله من حيث رفع توهم غيره، وإن كان له معنى فى نفسه.
ص: (وإما بالتتميم إلى آخره).
(ش): التتميم: أن يؤتى فى كلام لا يوهم غير المراد بفضلة تفيد نكتة، كالمبالغة فى نحو قوله : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ فى وجه أى: مع حبه، والضمير للطعام أى: مع اشتهائه، وكذلك: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ (٢) وقيل: المراد على حب الله، فلا يكون مما نحن فيه؛ لأن الإطعام على حب الله، ليس أبلغ من الإطعام لا بهذا القيد.
(قلت): فيه نظران:
أحدهما - أنه قد يقال: إن على حبه يفيد فائدة زائدة، وهى الإطعام مع الحب. فإما أن يقال: ليس هذا مبالغة، بل تضمن فائدة جديدة؛ لأن مطلق الإطعام لم يفده بهذا القيد، إلا أن يجاب بأن إفادته إفادة جديدة، لا ينافى أنه إطناب لما قبله، وإما أن يقال: مطلق الإطعام يحتمل أن يكون مع حبه أولا، فهو يوهم أن لا يكون مع الحب، وهذا احتمال مساو، والوهم يحصل بالمساوى، بل بالمرجوح، وحينئذ فيكون من قسم التكميل. وليت شعرى: أى فرق فى اللغة بين التكميل والتتميم وهما شئ واحد؟
والثانى - أن هذا قريب من الإيغال، أو هو هو، على أنه يمكن أن يقال: فرق بين التكميل والتتميم لغة، فالتكميل استيعاب الأجزاء التى لا توجد الماهية المركبة إلا بها. والتتميم قد يكون بما وراء الأجزاء من زيادات يتأكد بها ذلك الشئ الكامل، ويستأنس لذلك بقوله تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (٣) أى لم تنقص أجزاؤها وقوله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ (٤) روى إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك، وهو وصف فيه زيادة على الأجزاء فإن ماهيتى الحج والعمرة توجدان دونه، وقد جمع بينهما فى قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
стр. 614
وإما بالاعتراض، وهو أن يؤتى فى أثناء كلام أو بين كلامين متصلين [ب] معنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب،
ــ
عْمَتِي (١) لما كانت أركان الدين وجد منها الجزء الأخير إذ ذاك، استعمل فيه لفظ الكمال. ولما كانت نعم الله حاصلة للمؤمنين قبل ذلك اليوم غير ناقصة، استعمل فيها الإتمام لأنه زيادة على نعم الله التى كانت قبل ذلك كاملة. فإن تم هذا، ظهر وجه تسمية الأول بالتكميل؛ لأنه يدفع إيهام غير المراد، وذلك كالجزء من المراد، لأن الكلام إذا أوهم خلاف المراد، كان كالذى دلالته ناقصة بخلاف التتميم.
ص: (وإما بالاعتراض إلى آخره).
(ش): الإطناب يكون أيضا بالاعتراض فى أثناء كلام، أو بين كلامين متصلين معنى أى: يكون اتصالهما معنويا، سواء أكان لفظيا، أو لا بجملة، أو أكثر، لا محل لها من الإعراب لنكتة سوى دفع الإيهام أى: الذى ذكر فى التكميل.
وقول المصنف: (لا محل لها من الإعراب) اعتراض، وتقرير كلامه بجملة لا محل لها من الإعراب، أو أكثر كذلك وكون الواقع بين الكلامين المتصلين معنى لا لفظا جملة اعتراضية هو اصطلاح أهل المعانى، لنظرهم إلى المعنى. أما النحاة فلا يسمونها اعتراضية، حتى يكون ما قبلها وما بعدها، بينهما اتصال لفظى. والزمخشرى يكثر منه ذكر الاعتراض فى شئ بين كلامين، بينهما اتصال معنوى، فيعترض عليه النحاة، بأنه ليس ذلك باعتراض. ولا اعتراض عليه، لأنه يمشى على اصطلاح أهل هذا العلم ما أمكنه.
وقول المصنف: (أو أكثر) هو صحيح فيما وقع بين كلامين بينهما اتصال معنوى فقط. فإن كان بينهما اتصال لفظى، فكذلك عند الجمهور، خلافا لأبى على، ودليل الجواز قول زهير:
لعمرك والخطوب مغيرات ... وفى طول المعاشرة التغالى
لقد باليت مظعن أمّ أوفى ... ولكنّ أمّ أوفى لا تبالى (٢)
стр. 615
لنكتة سوى دفع الإيهام؛ كالتنزيه فى قوله تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (١)، والدعاء فى قوله [من السريع]:
إنّ الثّمانين وبلّغتها ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان (٢)
والتنبيه فى قوله (٣) [من الكامل أو السريع]:
واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتى كلّ ما قدرا
ــ
هذا عند النحاة، وسنتكلم عليه آخر الكلام - إن شاء الله تعالى - وأما البيانيون فاعتراض أكثر من جملتين عندهم إذا لم يكن بين الكلام اتصال لفظى، فإنه الاعتراض عنده. ثم أخذ المصنف فى تفصيل نكت الاعتراض، فقال: كالتنزيه أى: إرادة تنزيه الله فى قوله: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ فسبحانه هنا تضمنت تنزيها لله تعالى عن البنات. وكالدعاء فى قول عوف بن محلم الشيبانى:
إنّ الثّمانين وبلّغتها ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان
وينبغى أن يذكر نكتة اقتضت الإطناب فإرادة التنزيه فى سبحانه تقضى بشناعة جعل البنات لله تعالى، ففيه تأكيد وتسديد. والدعاء بالثمانين فيه تأكيد لتحقيق مقالته؛ لأنه إذا بلغ الثمانين صدقه فى احتياج سمعه إلى ترجمان. وإن كان قيل: إن هذه الجملة، ليس فيها تسديد للكلام، إلا بهذه الطريق الموهمة للدعاء عليه بالصيرورة إلى ضعف سمعه، واحتياجه لترجمان. وهذا سؤال ذكره الشيخ عز الدين بن عبد السّلام، ورأيت التنوخى سبقه إليه. وبالجملة ما اقتصر المصنف عليه من إرادة التنزيه والدعاء، لا يقضى بالاعتراض إلا بهذه الضميمة. وكالتنبيه فى قول الشاعر:
واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتى كلّ ما قدرا (٤)
стр. 616
ومما جاء بين كلامين وهو أكثر من جملة: قوله تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ (١)؛ فإن قوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ بيان لقوله: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
ــ
وينبغى أن يقال: النكتة أن الإخبار بأن علم المرء ينفعه فيه تأكيد لامتثال الأمر فى قوله: اعلم. زاد المصنف فى الإيضاح: أنه قد يكون لتخصيص أحد مذكورين بزيادة التأكيد فى أمر علق بهما، نحو: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ (٢) أو للاستعطاف، كقول المتنبى:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتى، لرأيت فيه جهنما (٣)
أو التنبيه على سبب أمر غريب، كقول الشاعر:
فلا هجره يبدو وفى اليأس راحة ... ولا وصله يبدو لنا فنكارمه
فإن قوله: فلا هجره يبدو يشعر بطلب هجر الحبيب، وهو مستغرب حتى ذكر سببه، وهو أن اليأس راحة فهى المطلوبة، لا أن الهجر نفسه مقصود، وفيه نظر. قد يقال: إن هذا من قسم التكميل؛ لأن فيه دفع إيهام أن يكون الهجر لنفسه مقصودا، ثم قال المصنف:
ومما جاء بين كلامين، وهو أكثر من جملة أيضا، قوله تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فإن قوله تعالى:
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ متصل بقوله: فَأْتُوهُنَّ لأنه بيان له.
(قلت): وفى قول المصنف: أن فيه اعتراض أكثر من جملة نظر؛ لأن المراد بقولنا أكثر من جملة: أن لا تكون إحداهما معمولة للأخرى، وإلا فهما فى حكم جملة واحدة.
وقوله تعالى: يُحِبُّ التَّوَّابِينَ خبر إن (٤)، فلا يكون مع ما قبله جملتين معترضتين، وكذلك قوله تعالى: يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ معطوف على الخبر، وفيما ذكره المصنف شبه من قول الزمخشرى فى قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥) إن فى هذه الآية الكريمة سبع جمل معترضة:
стр. 617
وقال قوم: قد تكون النكتة فيه غير ما ذكر.
ــ
جملة الشرط، واتقوا، وفتحنا، وكذبوا، وأخذناهم، وكانوا يتقون. هكذا نقل عنه أبو حيان، وابن مالك، ولم أره فى كلام الزمخشرى، وفيه نظر، أما على قواعد هذا العلم، فينبغى أن يعد هذا كله جملة واحدة لارتباط بعضه ببعض. وأما على رأى النحاة فينبغى أن يكون: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا جملة واحدة؛ لأن جملة" واتقوا" معطوف على خبر أن، و" لفتحنا" جملة ثانية. أو يقال: هما جملة واحدة، لارتباط الشرط بالجزاء لفظا، ولكن كذبوا ثانية، أو ثالثة، و" أخذناهم" ثالثة، أو رابعة. و" بما كانوا يكسبون" متعلق بأخذناهم، ولا يعد اعتراضا. نعم جوزوا فى قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ (١) أن تكون حالا من قوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٢) فيلزم أن يكون اعترض فيه بسبع جمل مستقلات إن كان" ذواتا أفنان" خبر مبتدأ محذوف، وإلا فيكون ست جمل وهذا مثال حسن لا غبار عليه، ومن أحسن ما يمثل به اعتراض أكثر من جملة على قاعدة هذا العلم قوله تعالى: وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ (٣) فإنها ثلاث جمل معترضة، بين: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وقوله : وَقِيلَ بُعْداً وفيه اعتراض فى اعتراض، فإن:" وقضى الأمر" معترض بين:" غيض الماء" وبين" استوت". ولا مانع من وقوع الاعتراض فى الاعتراض عند البيانيين، بل على قواعد النحاة أيضا، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٤) فهذا اعتراض فى اعتراض نحوى، والذى قبله اعتراض فى اعتراض بيانى.
ثم قال المصنف: وقال قوم قد تكون النكتة فيه أى الاعتراض غير ما ذكر، بأن يراد به دفع توهم ما يخالف المقصود، ثم هؤلاء فرقتان: جوز بعضهم وقوعه آخر الكلام، أى فى آخر جملة لا يليها جملة أخرى متصلة بها معنى. أما لأنها ليس بعدها شئ، أو لأن بعدها ما لا يتصل بما قبلها. قال المصنف: وبهذا يشعر كلام الزمخشرى فى مواضع من كشافه، فالاعتراض عند هؤلاء يشمل التذييل.
(قلت): قوله: يشمل التذييل فيه نظر؛ فإنه إنما يشمل من التذييل على هذا ما لا محل له من الإعراب، والتذييل قد يكون له محل، فإن المصنف مثل له فى الإيضاح بقول أبى الطيب:
وما حاجة الأظعان حولك فى الدّجى ... إلى قمر ما واجد لك عادمه
стр. 618
ثم جوّز بعضهم وقوعه آخر جملة لا تليها جملة متصلة بها؛ فيشمل التذييل، وبعض صور التكميل. وبعضهم كونه غير جملة؛ فيشمل بعض صور التتميم والتكميل.
وإما (١) بغير ذلك؛ كقوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ (٢)؛ فإنه لو اختصر، لم يذكر: وَيُؤْمِنُونَ بِهِ لأن إيمانهم لا ينكره من يثبتهم، وحسّن ذكره إظهار شرف الإيمان؛ ترغيبا فيه.
ــ
قوله: ما واجد لك عادمه، جملة لها محل الجر على النعت لقمر، وأما قوله تعالى:
إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٣) فلا محل لها باعتبار الكلام المحكى، وإن كان لها محل النصب بالقول، فلا اعتبار بذلك فيما نحن فيه.
ثم قال المصنف: وبعض صور التكميل، أى: يشمل من التكميل ما لا محل له من الإعراب، ولا يشمل ما له محل؛ لأن الاعتراض لا محل له. قال فى الإيضاح: ويباين التتميم؛ لأن التتميم كما سبق فضلة، والفضلة لا بد أن يكون لها محل من الإعراب، وأن شرطنا فى التتميم أن لا يكون جملة ما وضح لكن ليس فى كلامه تصريح باشتراط أن يكون مفردا.
(قوله: وبعضه) أى وبعضهم جوز أن يكون الاعتراض غير جملة. كذا أطلقه هنا، وقيده فى الإيضاح بأن يكون فى أثناء الكلام. وعلى هذا القول يشمل الاعتراض بعض صور التتميم، وهو ما كان واقعا فى أثناء كلام، أو بين كلامين متصلين. ويشمل بعض التكميل، وهو الضرب الأول منه إذا لم يكن له محل، جملة كان، أم أقل أم أكثر. قال فى الإيضاح: ويباين التذييل (٤). وفيه نظر؛ لأن التذييل ليس من شرطه أن لا يكون بعده كلام آخر، له اتصال معنوى بما قبله.
ص: (وإما بغير ذلك).
(ش): أى: يكون الإطناب بغير المذكور كقوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ فإن إيمانهم ليس مما ينكره أحد. وحسن ذكره إظهار شرف الإيمان؛ ترغيبا فيه.
стр. 619
واعلم: أنه قد يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب باعتبار كثرة حروفه وقلّتها، بالنسبة إلى كلام آخر مساو له فى أصل المعنى؛ كقوله [من الطويل]:
يصدّ عن الدّنيا إذا عنّ سؤدد ... ولو برزت فى زىّ عذراء ناهد (١)
وقوله [من الطويل]:
ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء فى جانب الفقر (٢)
ويقرب منه قوله تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٣)
ــ
ص: (واعلم أنه قد يوصف الكلام إلى آخره).
(ش): قد يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب معا باعتبار كثرة حروفه وقلتها بالنسبة إلى كلام آخر، يحتمل أن يريد بالنسبة إلى كلامين آخرين مساويين له فى المعنى، حتى يكون موجزا بالنسبة إلى أحدهما، مطنبا بالنسبة إلى الآخر، كقول أبى تمام:
يصدّ عن الدّنيا إذا عنّ سؤدد ... ولو برزت فى زىّ عذراء ناهد
فإن البيت فيه إطناب بنصفه الثانى، وفيه إيجاز بنصفه الأول، لأنه يعطى معنى ما جعله أبو على الحسن الكاتب فى بيت، وهو:
ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء فى جانب الفقر
ويحتمل أن يريد أن الكلامين يعتبر أحدهما بالآخر من غير اعتبار كلام الأوساط، بل الأقل. وكان المصنف مستغنيا عن ذكر هذا بقوله فيما تقدم عن السكاكى، أن الاختصار قد يكون باعتبار أن الكلام خليق بأبسط منه، ثم قال المصنف: ويقرب منه قوله تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ بالنسبة إلى قول الحماسى، وهو الجلاح عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثى:
стр. 620
وقول الحماسى [من الطويل].
وننكر إن شئنا على النّاس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول (١)
ــ
وننكر إن شئنا على النّاس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
وقد عزى هذا البيت للسموأل بن عاديا، قيل: ولا يصح، لأنه ورد فى هذه القصيدة:
وما مات منا سيد حتف أنفه
وقد أجمعوا على أن الرسول ﷺ لم يسبق إلى قوله: حتف أنفه، والسموأل جاهلى.
فإن الآية الكريمة وجيزة. وإنما قال: يقرب منه، لأن الآية الكريمة فى السؤال، والبيت فى الإنكار، فلما لم يتواردا على شئ واحد، ولكن كان عدم السؤال يستلزم عدم الإنكار، كانت الآية الكريمة أبلغ فى الثناء، لاستلزامها ترك الإنكار من باب أولى والله أعلم.
(تم الفن الأول ويليه الفن الثانى)
стр. 621
عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح
تأليف
الشيخ بهاء الدين السبكي
تحقيق
الدكتور عبد الحميد هنداوي
مدرس البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة
[الجزء الثاني]
المكتبة العصرية
стр. 622
الفنّ الثانى علم البيان
وهو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد، بطرق مختلفة، فى وضوح الدّلالة عليه.
ــ
(الفن الثانى فى علم البيان) ص: (وهو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة فى وضوح الدلالة عليه).
(ش): قال جماعة: إن هذا العلم أخص من علم المعانى، وإن علم المعانى كالمفرد، والبيان كالمركب فإن صح على ما فيه من البحث، فهو متأخر عنه طبعا؛ فلذلك أخر عنه وضعا.
وقوله: علم جنس، قال الشارح أى: بالقواعد، وفيه نظر، بل الأولى أن يجعل بمعنى المعلوم، وهى القواعد لدلالة كلامه وكلام غيره عليه. وقوله: (يعرف به) مميز له من غيره، والمراد بالطرق التراكيب، والمراد الدلالة العقلية لما سيأتى. وقوله: المعنى، الجمهور على أن المراد المطابق لمقتضى الحال، وقيل المراد: جنس المعنى، وقوله: فى وضوح الدلالة يتعلق بقوله: مختلفة الانقسام الوضوح إلى: قوى وأقوى وغيره، كما ستراه فى قولك: زيد كالبحر فى السخاء، وقولك: زيد كالبحر، وقولك: زيد بحر، وقولك: البحر زيد.
(وهنا تنبيهات): الأول: ينبغى أن يقيده بالكلام العربى، كما قيده فى حد علم المعانى، وهو جزء بتعلقه بالكلام العربى، فالبيان الذى هو مركب كذلك، ولعله سكت عنه إحالة على ذلك.
الثانى: أورد على هذا لحد أداء المعنى الركيك باللفظ الركيك، فالحد غير مانع.
وأجيب بأن المراد بالمعنى: هو الذى تقتضيه الحال، أو نقول: ليس لنا علم يعرف به ضوابط الركاكة، بل ذلك يعلم
من هذا العلم؛ لأن الشئ يعرف بضابط مقابله. ثم نقول: قوله: (فى وضوح الدلالة) يخرجه؛ لأن المراد مراتب الوضوح.
ويشهد له قوله بعد ذلك: لم يكن بعضها أوضح من بعض. وبهذا يعلم أن قوله:
стр. 623
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(فى وضوح الدلالة) ليس المراد وخفائها، بل الخفاء ليس بمراد، إنما الكلام فى طرق واضحة، بعضها أوضح من بعض، غير أنه يصدق على ما ليس أوضح، أنه خفى بالنسبة إلى الأوضح؛ فلذلك قال السكاكى: الوضوح والخفاء، وإنما يريد ما ذكرناه، بدليل قوله قبل ذلك: فى وضوح الدلالة عليه والنقصان، ويدل له أن ما ليس بواضح أصلا، ليس طريقا بليغا، فلا يكون مقاما بيانيا ولا فصيحا.
الثالث: أورد أيضا علم الإعراب، فإنه كذلك فالحد غير مانع. وجوابه أنه خرج بقوله:
(المعنى) إنما علم الإعراب يعرف به إيراد اللفظ، والمعنى تبع له، ثم بقوله:
(بطرق مختلفة) فإن ذلك لا يطرد فى الإعراب. ولما ذكر السكاكى هذا الحد، ذكر عقبه: ليحترز بالوقوف على ذلك عن الخطأ فى مطابقة الكلام لتمام المراد منه.
وقال الترمذى: إنه يخرج به علم الإعراب. وقال الكاشى: إنه لا يحترز به عن شئ وعلم الإعراب لا يرد؛ لأنه أحال هذا الحد على حد المعانى الذى ذكر فيه لفظ التتبع، وهو غير حاصل للعرب؛ فإنهم يتكلمون بطباعهم.
(قلت): وهذا الجواب لا يصح؛ لأن النحاة يتتبعون تلك التراكيب. ثم لو صح لما كان جوابا عن المصنف؛ لأنه لم يرتض ذلك الحد، فحينئذ لعل الجواب ما ذكرناه.
الرابع: قال جماعة كثيرة منهم السكاكى: هذا العلم أخص من علم المعانى، وأن هذا بمنزلة المركب، وذلك بمنزلة المفرد. وفيه نظر من وجوه، منها: أن الأعم موجود فى ضمن الأخص، فيلزم أن يذكر علم المعانى فى علم البيان، وليس الأمر كذلك.
فإن قالوا: إن معرفته متوقفة على معرفة علم المعانى، فبينهما حينئذ تلازم لا أن أحدهما جزء الآخر. ثم لا نسلم أن علم البيان يتوقف على معرفة علم المعانى؛ لجواز أن يعلم الإنسان حقيقة التشبيه والكناية والاستعارة، وغير ذلك من علم البيان، ولا يعلم تطبيق الكلام على مقتضى الحال. فليس علم المعانى جزءا من البيان، ولا لازما له.
стр. 624
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: أن تطبيق الكلام على مقتضى الحال كالمادة، وهذه الطرق كالصورة، والمادة ليست جزءا للصورة.
ومنها: أن ما سنذكر من الصور فيه تأكيد للتطبيق على مقتضى الحال، فليكن هذا العلم منزلا من ذلك منزلة التأكيد من التأسيس، لا منزلة الكل من الجزء.
ومنها: أن المعنى الواحد إن أريد به أصل المعنى فهو حاصل فى قولك: جاء زيد، سواء أكان إنكاريا، أو ابتدائيا، أو طلبيا. وإن أريد المعنى الذى يقتضيه المقام، فقد يقال: إن علم البيان يعرف به تطبيق الكلام على مقتضى الحال، وإن علم المعانى يقصد به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة.
أما الأول: فلأن ما بين قولك: زيد قائم، وإن زيدا قائم، وإن زيدا لقائم من التفاوت يضاهى ما بين قولك: زيد كالأسد، وزيد أسد، والأسد زيد من التفاوت.
والمعنى فى كل منها متفاوت؛ بسبب التأكيد. فكما اختلف حال المنكر وغيره فى التأكيد بإن واللام، اختلف حاله مع غيره فى هذه الطرق المذكورة فى البيان.
وأما الثانى: فلأن غالب علم المعانى، يعلم به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة فى وضوح الدلالة فإن المجاز الإسنادى أوضح فى الدلالة من الحقيقة الإسنادية، فإن: عيشة راضية، أدل على رضا صاحبها من قولك: راض صاحبها، كما أن:
زيد أسد، أدل من قولك: زيد كالأسد. وكذلك كل واحد من مقتضيات ما يتعلق بالمسند، أو المسند إليه من حذف، وذكر، وتقديم، وتأخير، وإتباع وغيره مما يطول ذكره. وكذلك الإيجاز، والإطناب، والمساواة إنما هى طرق مختلفة فى وضوح الدلالة. ولا شك أن الطرق البيانية مختلفة بالمبالغة وعدمها. فربما حصلت المبالغة بالإيجاز دون الإطناب، الذى هو أوضح.
الخامس: قال السكاكى: فلما كان علم البيان شعبة من علم المعانى لا ينفصل عنه إلا بزيادة اعتبار كان كالمركب، وعلم المعانى كالمفرد. ثم إن بعضهم قال: معناه أن علم
стр. 625
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البيان باب من أبواب علم المعانى، وفصل من فصوله، وإنما أفرد كما يفرد علم الفرائض عن الفقه. وهذا الكلام فيه نظر؛ لأنه صرح بأن علم البيان مركب وعلم المعانى مفرد. والباب أو الفصل من العلم، كالفرائض ليس مركبا بالنسبة إلى العلم؛ لأن الفقه، مثلا إن كان اسما لجميع أبوابه على سبيل الكل المجموعى، فالفرائض جزء للفقه، فالفقه مركب لا باعتبار الأعم والأخص، بل باعتبار الجمع والمفرد.
بخلاف علم المعانى؛ فإنه عندهم مفرد كالجنس، وعلم البيان مركب كالنوع.
وإن كان الفقه مثلا كليا، يصدق على كل باب منه، وينفصل بعضها عن بعض بخاصية، فلا يصح أن يقال: إن حد المعانى يخرج حد البيان، كما فعلوه؛ لأن حد الجنس لا يجوز أن يكون مخرجا للنوع، كما أن حد الحيوان لا يجوز أن يخرج الإنسان.
ولعل هذا القائل اغتر بقول السكاكى: شعبة منه، والشعبة كالباب. وغفل عن قوله: إنه منفصل عنه بزيادة اعتبار، فإنه إشارة إلى أنه ليس كالباب، بل كالنوع فإن الإنسان شعبة من الحيوان، ينفصل عنه بزيادة النطق.
السادس: أورد بعض شراح المفتاح أن قولهم: فى وضوح الدلالة، لا ينبغى؛ فإن الوضوح ليس بمقصود، بل المقصود: الخفاء، فإنه كلما كان الكلام خفيا فى الدلالة، كان أبلغ. فلو قيل: فى خفاء الدلالة كان أقرب إلى الإشارة إلى اعتبارات الأبلغ. واعترض على هذا بالمنع، وبأن ذكر الوضوح، يستلزم ذكر الخفاء؛ لأن كل واضح، خفى بالنسبة إلى غيره وبالعكس، وبغير ذلك مما لا طائل تحته. والسؤال قوى فلذلك عبر الطيبى بالخفاء.
السابع: لا شك أن الإيراد الواحد للمعنى الواحد بالطرق المختلفة لا يمكن. فلو قال المصنف: بإحدى طرق، لشمل الإيراد الواحد، وكان أحسن؛ لأن قوله: بطرق لا يتأتى إلا عند تعدد الإيراد. وليس القصد منحصرا فى ذلك.
الثامن: أورد الترمذى على هذا الحد أنه يلزم عليه أن من عرف لمعنى واحد طرقا مختلفة يكون يعرف علم البيان. وليس كذلك؛ لأن هذا لآحاد العوام.
стр. 626
ودلالة اللفظ: إما على تمام ما وضع له، أو على جزئه، أو على خارج عنه. وتسمى الأولى وضعية، وكل من الأخيرتين عقليّة.
ــ
قال: ولا ينجى من ذلك، أن تكون الألف واللام للجنس؛ لأن الجنس يصدق فى فرد واحد، ولا للاستغراق، فإنه مستحيل؛ لأن المعانى لا تتناهى، فكيف تعلم كلها؟ وأجيب عنه بأن الأداة للاستغراق، ولا يلزم الإحاطة بتفاصيل المعانى غير المتناهية، فإنها تعلم بوجه كلى.
التاسع: كان ينبغى أن يقول: فى إيضاح الدلالة؛ إذ هو فى الطرق والوضوح عند السامع.
ص: (ودلالة اللفظ إلى آخره).
(ش): وهى كون اللفظ، بحيث إذا أطلق، فهم منه المعنى من كان عالما بالوضع.
وقيل: هى صفة للسامع. وهى إما على ما وضع له، أو على جزئه، أو على خارج. هذا تقسيم صحيح وذكروا للحصر أدلة، أصحها الاستقراء، ومراده على جميع ما وضع له، وبقوله: (على جزئه) أى: من حيث هو كذلك، وكذا
قوله: (على خارج) فإن اللفظ قد يوضع للشئ ولبعضه، كالإمكان فإنه مشترك بين العام والخاص، والعام جزء الخاص. ونوزع فى هذا المثال، وقيل: إنه كل. ومثل بلفظ الحرف، فإنه اسم للشئ وبعضه، كليت فإن الحرف اسم لها ولبعضها، وللشئ ولازمه كالشمس للكوكب ولضوئه، والفعل فإنه اسم للمصدر، ولازميه المكان والزمان، ولا يحتاج أن نقول: فى المطابقة من حيث هو كذلك، كما صنع الخطيبى وجماعة؛ لما ذكرناه فى شرح المختصر.
وهذا التقسيم يعم المفرد والمركب، إذا قلنا: إن المركبات موضوعة.
وقد ذكرنا فى هذه المواضع مباحث شريفة فى شرح المختصر، فلتطلب منه.
ص: (وتسمى الأولى وضعية وكل من الأخيرتين عقلية).
(ش): يريد أن الذى يدل عليه بالوضع هو دلالة المطابقة، والأخريان بالعقل، بمعنى أن الواضع إنما وضعه؛ ليفيد جميع معناه، غير أن العقل اقتضى أن الشئ لا يوجد بدون جزئه ولازمه، وهذه طريقة بعضهم. وبعضهم يجعل الثلاثة وضعية، وبعضهم يجعل الأولى والثانية دون الثالثة، وهى طريقة الآمدى، وابن الحاجب، وصاحب البديع.
стр. 627
وتختصّ (١) الأولى بالمطابقة، والثانية بالتضمّن، والثالثة بالالتزام. وشرطه اللزوم الذهنى ولو لاعتقاد المخاطب بعرف عام أو غيره.
ــ
ولا خلاف أن الدلالات الثلاث لفظيات، بمعنى أن للفظ فيها مدخلا، وهو شرط فى استفادتها منه. وإنما الخلاف فى أن اللفظ موضوع لها أو لا.
(قلت): وعندى أن هذا الخلاف لا تحقيق له؛ لأنه إن عنى بالوضع، أنه بقيد الاقتصار، فلا خلاف أنه ليس كذلك. وإن عنى بقيد الانضمام، فلا خلاف أن الأمر كذلك. لم يبق إلا أن يقال: موضوع للهيئة الاجتماعية من الأجزاء أو لا. فعلى الأول، يكون الجزء كالشرط للموضوع، لا يلاقيه الوضع. وعلى الثانى بخلافه.
ص: (وتقيد الأولى بالمطابقة، والثانية بالتضمن، والثالثة بالالتزام).
(ش): سميت الأولى مطابقة؛ لتطابق اللفظ والمعنى، والثانية دلالة تضمن؛ لتضمن الكل لجزئه، والثالثة الالتزام؛ لما فيها من الاستلزام.
ص: (وشرطه اللزوم الذهنى ولو لاعتقاد المخاطب لعرف أو غيره).
(ش): الضمير عائد على الالتزام، والمراد دلالته، واللزوم الذهنى لا إشكال فى دلالة اللفظ عليه. وأما الخارجى فاختلف فى دلالة اللفظ عليه، فالمنطقيون يشترطون الذهنى؛ لأن الدلالة إما من وضع اللفظ، أو من انتقال الذهن
إلى اللازم، وهما منتفيان فى الخارجى. ولا يشترطون الخارجى؛ لحصول الفهم دونه، كالعدم، والملكة مثل:
دلالة العمى على البصر.
وذهبت جماعة إلى اعتبار اللزوم مطلقا. قال فى الإيضاح: الخلاف فى ذلك بعيد، ولعل المانع إنما منع اشتراط اللزوم العقلى لا الذهنى. وقد أطلنا الكلام فى ذلك فى شرح المختصر.
(قوله: ولو لاعتقاد المخاطب بعرف أو غيره) أى: لا يشترط اللزوم العقلى، الذى لا يتصور انفكاكه، بل لو اقتضى العرف العام أو الخاص ملازمة أمر لآخر، واطرد ذلك بحيث صار استحضار أحدهما مستلزما للآخر، كنفى ذلك فى اللزوم الذهنى. قال الشارح كان ينبغى أن يقول: لاعتقاد المتكلم لأن الملازمة من جهته.
(قلت): ليس كذلك؛ بل الدلالة كون اللفظ، بحيث يفهم منه المخاطب ذلك. ثم من أين لنا أنه لم يقل: المخاطب بكسر الطاء؟ إلا أن كلامه فى الإيضاح يوضح إرادة السامع.
стр. 628
والإيراد المذكور لا يتأتّى بالوضعية؛ لأن السامع إذا كان عالما بوضع الألفاظ لم يكن بعضها أوضح؛ وإلا لم يكن كل واحد منها دالّا عليه. ويتأتى بالعقلية؛ لجواز أن تختلف مراتب اللزوم فى الوضوح.
ــ
واعلم أن اللزوم العرفى هو اصطلاح البيانيين، لاحتياجهم إلى ذلك فى الاستعارة، والكناية، والتشبيه. أما المنطقيون، فإنما يعتبرون اللزوم العقلى.
(تنبيه): اعلم أن جعل اللازم إما عقليا، أو عرفيا، لا يتعدى إلى الجزء، بل الجزء لا بد أن يكون عقليا. فلو ظن أهل العرف أن شيئا جزء لشئ وليس جزأه، فهذا ظن كاذب لا عبرة به، بخلاف قولنا: لازم عرفى، فإن معناه: أن العرف قضى له بأن استحضار هذا يلزم منه استحضار ذلك، وإن لم يكن مجرد العقل يقتضى لزومه. نعم يمكن أن يقال: ما توهمه أهل العرف جزءا هو لازم ذهنى، أما جزء عرفى فلا. وإنما نبهت على هذا؛ لأن فى المفتاح، أن التعلق إما أن يكون باعتبار الجزء، أو اللزوم. ثم قال: لا يجب فى ذلك التعلق، أن يكون مما يثبته العقل فهذه العبارة ربما توهم أن التعلق بنوعيه، يمكن أن يكون عرفيا، كما توهم ذلك الخطيبى، وجعل كلام المصنف مخالفا له. وليس هذا مراده؛ لأنه قال فى آخر كلامه: وقد سبق أن اللزوم لا يجب أن يكون عقليا. فقد علمنا أن مراده بالتعلق الذى لا يجب أن يكون عقليا: تعلق اللازم، لا تعلق الجزء من حيث هو جزء، فليتأمل.
(تنبيه): فسر اللزوم فى الإيضاح بأن يكون حصول ما وضع اللفظ له فى الذهن ملزوما لحصول الخارج عنه، لئلا
يلزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر، لكون نسبة ذلك الخارج إليه وغيره على السواء.
(قلت): قد يكون الترجيح بأكثرية الحضور، لا باللزوم.
ص: (والإيراد المذكور، لا يتأتى بالوضعية؛ لأن السامع إن كان عالما بوضع الألفاظ، لم يكن بعضها أوضح، وإلا لم يكن كل واحد دالا عليه، ويتأتى بالعقلية، لجواز أن تختلف مراتب اللزوم فى الوضوح).
(ش): أى: إيراد المعنى بالطرق المختلفة لا يتأتى بالوضعية أى: بدلالة المطابقة؛ لأن السامع إن كان عالما بوضع اللفظ، لم يكن بعضها أوضح من بعض، وإلا لم يكن كل واحد دالا، لأنك إذا قلت: خده يشبه الورد فى الحمرة، لم يمكن أن يكون ثم تركيب آخر، يدل بالوضع على هذا المعنى إلا بأن توجد ألفاظ مرادفة لهذه الألفاظ،
стр. 629
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن وجدت لم تكن أوضح منها، وإن لم يفهمها السامع، فلا وضوح فلا تفاوت، ونحو:
العقار الخمر، إنما يقال لمن يعرف مدلول الخمر، ولا يعرف مدلول العقار.
(قلت): ربما كان أحد التركيبين الوضعيين أوضح؛ لشهرته وكثرة استعماله، أو لكونه مفسرا بغيره، أو لكون أحد اللفظين المترادفين مشتركا بين المعنى المستعمل وغيره، فيكون مرادفه أوضح منه فيتأتى حينئذ ذلك بالوضعية. وقد يجاب بأن المفسر والمفسر مختلف؛ لأن المفسر بالكسر يدل على المفردات، والمفسر مدلوله الهيئة الاجتماعية. وقد يجاب عن الوضوح بكثرة الاستعمال بأن ذلك اختلاف لأمر عارض.
وفى شرح الشيرازى أنه لا يقال: ربما يزداد الوضوح وينقص بزيادة الألفاظ ونقصها؛ لأن اللفظ إذا زيد عليه، فقد زاد المعنى. وفيما قاله نظر؛ بل التحقيق أن المدلول مختلف بالتفصيل والإجمال، كما سبق، ثم يرد عليهم ما سيأتى إن شاء الله.
ثم الدلالة الوضعية قد تكون نصا، وقد تكون ظاهرا. ورتب الظهور متفاوتة، فإن مراتب الوضوح متفاوتة فى قولك: جئت لأجل إكرامك، وإكراما لك، ولإكرامك وبإكرامك فالأول نص فى العلية، والثانى ظاهر قوى، والثالث ظاهر ضعيف، والرابع أضعف، ودلالة كل منها على النسبة بالمطابقة. ولهذا السؤال زاد الطيبى فى الحد فى وضوح الدلالة التركيبية قال: لأن الدلالات الوضعية، وإن اختلفت فى الوضوح فبحسب لفظة مع أخرى، أما المعنى التركيبى بعد علم المفردات فلا يتفاوت.
(قوله: ويتأتى) أى: اختلاف طرق الإيراد. (بالعقلية، لجواز أن تختلف مراتب اللزوم فى الوضوح) أى: وإنما يتأتى بالدلالات العقلية؛ لجواز أن يكون للشئ لوازم بعضها أوضح لزوما من بعض، وإنما قال الدلالات، وإنما هى
دلالتا الالتزام والتضمن، باعتبار جزئياتها، فإن قلت: ذكر حكم الدلالتين واستدل لدلالة اللزوم فقط.
(قلت): لأن الجزء لازم للكل، ولك أن تجعل هذا سؤالا فى أصل التقسيم، ونقول:
إن دلالة الالتزام تشمل دلالة التضمن. ولما وجد الشارحون المصنف قال: إنما يتأتى ذلك بالعقلية، وذكر أنها تتأتى فى دلالة الالتزام، توهموا أن دلالة التضمن، ليست كدلالة الالتزام. وليس كذلك، بل الذى يظهر أنها تتأتى بدلالة العقلية، تضمنا كانت، أم التزاما. فإن دلالة الإنسان على الحيوان، أظهر من دلالته على الجسم، وإن
стр. 630
ثم اللفظ المراد به لازم ما وضع له: إن دلّت (١) قرينة على عدم إرادته، فمجاز؛ وإلّا فكناية.
ــ
كانت دلالته على كل منهما تضمنا، وقد يقصد المتكلم التشبيه بجامع جزء الحقيقة الواضح، أو جزئها الخفى، أو غير ذلك من الاعتبارات.
ثم اعلم أن معنى كلام المصنف وغيره أن هذه الطرق لا تتأتى بالوضعية فقط، بل تتأتى بالعقلية إما فقط، أو مع الوضعية؛ لأن المدلول الوضعى فيه إحدى الدلالات المتفاوتة.
ص: (ثم اللفظ إلى آخره).
(ش): لما كانت الطرق تتعلق بالدلالات العقلية، وهى لا بد فيها من انتقال من لازم إلى ملزوم أو عكسه، احتاج إلى ذكر تقسيم، يعلم به ما حصل فيه الانتقال، وهو المجاز والكناية.
اعلم أن تحقيق الفرق بين الكناية والمجاز، من أهم ما نحن بصدده فى هذا الفن.
وقد رأيت غالب المصنفين فى هذا الفن خبط فيه، ولم يحققه أحد، وها أنا أذكر تحقيقه، على ما يقتضيه النظر الصحيح، ما بين كلام للوالد فى تصنيف لطيف، وما استخرجته بالفكر:
اعلم أن مراد المتكلم يطلق على أمرين:
الأول: المعنى الذى استعمل له اللفظ الذى نطق به، حقيقة كان، أم مجازا، فإن استعمله فيما وضعته العرب له فهو الحقيقة، وإن استعمله فى غير ما وضعته له فهو مجاز.
الثانى: معنى وراء ذلك، فإن من تكلم بكلام وأراد به معنى، تارة يكون ذلك المعنى مقصودا لذاته، وتارة يكون مقصودا لغيره، كالوسيلة بأن يكون وراء ما هو له كالعلة الغائية، ويكون ذكر ما ذكره توطئة لذلك المقصود. فكل من الحقيقة والمجاز المذكورين أولا، قد يكون مرادا لنفسه، وقد يكون مرادا لغيره. فالأقسام أربعة:
стр. 631
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حقيقة مرادة لنفسها، مثل: جاء زيد. ومجاز مراد لنفسه، مثل: جاء أسد يرمى بالنشاب. فمدلول اللفظ الحقيقى غير الكناية والمجازى مراد لذاته، ويتحد فى هذين القسمين إرادة الاستعمال، مع إرادة الإفادة وحقيقة مرادة لغيرها مثل: زيد كثير الرماد، تريد حقيقة كثرة الرماد، فهو حقيقة مرادة لا لنفسها، بل لما هو ملزوم، لكثرة الرماد من كثرة الطبخ اللازم للكرم فى الغالب. فالكناية حقيقة؛ لأنك استعملت لفظها فيما وضع له، والحقيقة كذلك سواء أكان ذلك الموضوع مقصودا لذاته، أم لغيره. ولا عبرة بما وقع فى كلام المصنف من أن الكناية غير حقيقة ولا مجاز، لما سترى تحقيقه نقلا وبحثا عند الكلام على حد الحقيقة والمجاز.
ولك أن تقول: بحسب الاستعمال، هو لفظ أريد به ما وضع له، وأن تقول: بحسب المراد بالذات أريد به غير ما وضع له. ففى الكناية إرادة استعمال، وهى فيما وضع له، وإرادة إفادة، وهى غير ما وضع له. والمعتبر فى الحقيقة اللفظية هو إرادة الاستعمال.
بقى قسم رابع وهو مجاز مقصود لغيره، مثل أن تستعمل كلمة فى غير موضوعها، ولا يكون ذلك المعنى المجازى مقصودا لذاته؛ لما يلزمه. فهذا القسم قد يقال بامتناعه؛ لأن فيه الخروج عن موضوع اللفظ إلى التجوز بحسب الاستعمال، ثم الخروج عن ذلك المعنى المجازى بحسب القصد بالذات، ويدل عليه قول الجمهور: الكناية حقيقة خلافا للمصنف. ولو ثبت هذا القسم لانقسمت الكناية إلى: حقيقة ومجاز، وقد يقال بجوازه، ويحمل قولهم: الكناية حقيقة على لفظ استعمل فى موضوعه، مرادا به غيره. فعلم أن الكناية: لفظ أريد به موضوعه، ليستفاد منه غير موضوعه. وغير الكناية من الحقيقة:
لفظ أريد به موضوعه؛ ليستفاد منه ذلك الموضوع. والمجاز: لفظ أريد به غير موضوعه.
فإذا قلت: زيد كثير الرماد، مستعملا كثرة الرماد فى الكرم، فهو مجاز وليس كناية.
وإن استعملته فى معناه مريدا ذلك قصدا وإفادة من غير إرادة إفادة الكرم، كما إذا أردت الإخبار بأنه فحام فهو حقيقة مجردة. وإن أردت معناه، ليستفاد منه الكرم، فهو كناية. فظهر بهذا أنه يصح أن يقال: الكناية لفظ أريد به غير معناه، باعتبار إرادة الإفادة، وأن يقال: لفظ أريد به معناه باعتبار الاستعمال، وأما اجتماع أمرين من هذه الثلاثة، فالمجاز لا يجتمع مع الكناية، ولا مع الحقيقة المجردة، إلا عند من
стр. 632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يجوز استعمال اللفظ فى حقيقته ومجازه، فحينئذ يجوز أن تقول: زيد كثير الرماد، مريدا كرمه، وكثرة رماده المقصود لذاته، وأن تريد كرمه وكثرة رماده؛ ليستفاد من كثرة رماده كرمه، فيكون الكرم مدلولا عليه بالمجاز والكناية. وأما الحقيقة المجردة والكناية، فلا مانع من اجتماعهما بأن تقول: زيد كثير الرماد، وغرضك الإخبار بكثرة رماده؛ ليستفاد منه كرمه، ويستفاد حصول الرماد بنفسه لغرض ما، ولا تتخيل أن ذلك جمع بين حقيقتين، فإن إرادة الاستعمال فيه واحدة، والمتعدد إرادة الإفادة.
وقد تستعمل الكلمة فى معنى واحد؛ لتحصل أغراض لا تتناهى فظهر بهذا أن الكناية لفظ أريد به ما وضع له استعمالا، وغير ما وضع له إفادة. والمجاز أريد به غير ما وضع له استعمالا وإفادة. وعلم أن بين الكناية والمجاز عموما وخصوصا من وجه، يجتمعان فى القسم الرابع، ويرتفعان فى الحقيقة المجردة، ويوجد المجاز فقط، حيث استعمل اللفظ فى غير موضوعه، مرادا به إفادة مدلوله، وتنفرد الكناية فى استعمال اللفظ فى موضوعه، مرادا إفادة غيره.
إذا تحرر ذلك فاعلم أن فى كل من المجاز والكناية انتقالا. والانتقال تارة نعنى به انتقال المتكلم عن لفظ؛ إلى لفظ لانتقال ذهنه إليه، وتارة نعنى به انتقال ذهن السامع من اللفظ المستعمل إلى غيره. فإن أردت الأول فالمتكلم إذا أراد الإخبار بمعنى، فقد ينتقل ذهنه إلى ملزومه، فيستعمل لفظ الملزوم فى اللازم، كقولك: رأيت بحرا ماشيا تريد كريما، وقد ينتقل ذهنه إلى استعمال اللازم مريدا به الملزوم كقولك: كثير الرماد مريدا الكرم. وإن أردت انتقال ذهن السامع، فالحال بالعكس فالانتقال فى المثال الأول من الملزوم إلى اللازم، وفى المثال الثانى من اللازم إلى الملزوم، فظهر أن المجاز يحصل فيه تارة الانتقال من اللازم إلى الملزوم، وتارة بالعكس، كقول العرب: رعينا غيثا، فيطلق الملزوم على اللازم. وأمطرت السماء نباتا، يطلق اللازم على الملزوم. ويدل على ذلك أن من علاقات المجاز إطلاق المسبب على السبب وعكسه، والمتعلق على المتعلق وعكسه، والجزء على الكل وعكسه، وكل من الجزء والمسبب والمتعلق لازم للكل والسبب والمتعلق. والسكاكى جعل الانتقال فى المجاز أبدا من الملزوم إلى اللازم، نظرا إلى أنك إذا قلت: أمطرت السماء نباتا، فالنبات وإن كان ملازما للمطر إلا أنه باعتبار مساواته صار ملزوما، وفى هذا الكلام مناقشات، نذكرها فى
стр. 633
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
باب المجاز - إن شاء الله تعالى - ويلزم السكاكى أن يجعل الكناية أيضا انتقالا من الملزوم، لكنه تارة يتساهل فى إطلاق الملزوم على اللازم المساوى، وتارة يحقق، وأما الكناية فكذلك، إلا أنها تفارق المجاز فى أنه ليس فيها
انتقال الاستعمال، بل انتقال الذهن فقط. وإن أردت انتقال ذهن المتكلم، فالمتكلم إذا أراد إفادة الكرم، انتقل ذهنه إلى لازمه، وهو كثرة الرماد، فأخبر به ليستفاد منه ملزومه، والسامع إذا سمع اللازم، انتقل ذهنه إلى الملزوم فالانتقال فيها بحسب المتكلم من الإخبار بالملزوم إلى الإخبار باللازم، وبحسب السامع من فهم اللازم إلى فهم الملزوم. وهذا أحد قسميها، وهو الذى ذكره الناس.
وقد يقال: هى كالمجاز تنقسم إلى القسمين، فربما أخبر فيها بالملزوم، وأريد الاستعمال فيه، ليستفاد لازمه كقولك: نزل الغيث، تريد إفادة أن السنة مخصبة، ومنه قوله تعالى: قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا (١) لأنه لم يقصد إفادة ذلك؛ لأنه معلوم، بل إفادة لازمه، وهو أنهم ينبغى أن يحذروها ويجاهدوا. وكذلك قوله ﷺ :" المرء مع من أحب" (٢) والمقصود بالفائدة، إنما هو كون المخاطب مع النبى ﷺ .
واعلم أن قولنا: إطلاق اللازم على الملزوم وعكسه، جرى على عبارة القوم، وهى غير منقحة؛ لأنك إذا قلت: رأيت أسدا يتكلم، لم تطلق اللازم على الملزوم؛ لأن الملزوم ذات الأسد ولازمها معنى وهو شجاعة، والذى أطلقت عليه الأسد زيد، فإنما أطلقت ملزوما لشئ على ملزوم لشئ بين اللازمين تشابه. نعم قد يطلق الملزوم على اللازم فى نحو قولك: جاءنى عدل ويعجبنى الإنسان، وتريد ضحكه، أو كتابته، وكذلك عكسه، ومن أمثلتهما: أمطرت السماء نباتا، ورعينا غيثا. وكذا الكناية يعتبر فيها ما ذكرناه، فليتأمل.
وسيأتى تحقيق ذلك وتكميله عند ذكر الكناية، وإنما عجلت ذكر هذا هنا؛ للتقسيم الذى ذكره المصنف، ولأن بين هذا المكان وذلك مفاوز، ولا يقطعها إلا
стр. 634
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تحقيق معناهما. إذا تحرر هذا فلنرجع إلى تتبع كلامهم، فقول المصنف: اللفظ المراد به لازم ما وضع له مجاز إن قامت قرينة على عدم إرادة موضوعه، كقولك: رأيت أسدا يرمى بالنشاب، فإن الرمى قرينة قامت على عدم إرادة الحقيقة، والمراد بإرادة اللازم التى هى مورد القسمة إرادة الإفادة سواء أكانت متحدة مع إرادة الاستعمال، أم لا. فإن أحد قسميها وهو الكناية، أريد به استعمال اللفظ فيما وضع له، ليفيد غير ما وضع له.
فقد وجد هنا إرادة اللازم الذى هو غير موضوع اللفظ إفادة لا استعمالا. وقسمها الآخر وهو المجاز، أريد به غير موضوعه استعمالا وإفادة.
واعلم أن المراد باللازم هنا ليس ما ذكره المنطقيون، بل المراد اللازم العرفى، سواء أكان عقليا خاصة، أم عرضا عاما، أم غير ذلك لما تقدم من أن المراد: اللازم للفهم ولو عرفا، والمراد باللازم العارض، والملزوم المعروض وإن شئت قلت: اللازم التابع والملزوم المتبوع، غير أن المعتبر هنا اللازم المساوى، فإن الأعم لا ينتقل الذهن منه إلى الأخص، إنما ينتقل من اللازم المساوى.
قال فى المفتاح: أو الأخص وفيه نظر؛ فإن اللازم لو كان أخص من الملزوم، لوجد الملزوم دون اللازم وهو محال. وأجاب عنه الكاشى بأن ذلك إنما يمتنع فى اللازم العقلى، أما اللازم الأعم من ذلك، فلا يمتنع أن يوجد فيه الملزوم دون اللازم. ونحن هاهنا إنما نريد اللازم الاعتقادى مطلقا.
(قلت): يستحيل أن يكون اللازم أخص، سواء أكان عقليا أم اعتقاديا؛ لأن الذهن كيف يربط أمرا بأمر أعم منه والفرض أنه يعتقد لزومه لعرف، أو غيره. فإذا كان فى الذهن أخص من غيره استحال أن يربطه الذهن بالأعم.
إذا تقرر ذلك، فالسكاكى قال: الكناية ينتقل فيها من اللازم إلى الملزوم، أى: ينتقل ذهن السامع، كما تقول: فلان طويل النجاد، والمراد طول القامة، يعنى المراد بالإفادة لا بالاستعمال. ثم قال: إن المجاز ينتقل فيه من الملزوم، يعنى أن السامع ينتقل ذهنه من الملزوم، وهو الحقيقة إلى اللازم، وهو معنى المجاز.
وأما المصنف فإنه جعل كلا من المجاز والكناية، أريد به اللازم ولا يريد به إرادة الاستعمال، وإلا كان مجازا فقط، بل يريد إرادة الإفادة، وحينئذ فكلامه لا يصح، لأنه ليس كل مجاز قصد منه لازم موضوع اللفظ، بل المجاز الذى حصل فيه إطلاق اللازم
стр. 635
وقدّم عليها؛ لأنّ معناه كجزء معناها، ...
ــ
على الملزوم، أريد به الملزوم، والذى قصد به عكسه أريد به اللازم، وغيرهما من المجاز لم يرد واحد منهما، وإنما المصنف تبع السكاكى.
وأما الكناية فكذلك منها ما أريد به إفادة الملزوم لا اللازم، ومنها العكس.
وقوله أى: إرادة الحقيقة (إن قامت قرينة على عدم إرادته فمجاز) واضح ونعنى قيام القرينة على عدم إرادة موضوعه استعمالا، لا على عدم إرادته إفادة، فإن ذلك علم من قوله: المراد به لازم موضوعه، ولو جعلنا مراده ذلك، لخرج عنه غالب الكنايات، فإن معها قرينة تصرفها عن إرادة إفادة موضوعها، أى: مع ما هو شرط المجاز من
العلاقة وغيرها. والمراد باللازم العرفى، وإن لم تقم قرينة على عدم إرادة ما وضع له فهو الكناية. فالكناية حينئذ: لفظ أريد به لازم موضوعه، ولم تقم قرينة على عدم إرادة موضوعه. ونعنى بقولنا: أولا أريد إرادة الإفادة، وبقولنا: إرادة موضوعه إرادة الاستعمال، فدخل فى ذلك ما إذا لم تقم قرينة على شئ، بل قامت قرينة على إرادة اللازم، فإن الحقيقة لا تحتاج إلى قرينة وما إذا قامت قرينة على إرادة الموضوع، فكلاهما كناية، والكناية فى هذين القسمين حقيقة، ولا يدخل فيه المجاز، إذا قصد إفادة ملزومه، إن جوزنا ذلك، وجعلناه مجازا وكناية كما سبق.
ص: (وقدم عليها؛ لأن معناه كجزء معناها).
(ش): أى: قدم المجاز على الكناية؛ لأن معناه كجزء معنى الكناية. قال الخطيبى: لأن فى المجاز إرادة اللازم فقط أى: مثل الشجاعة ولفظ الأسد، وفى الكناية تجوز مع إرادة اللازم أى: الكرم من كثرة الرماد إرادة غيره أى: مدلول اللفظ، فيكون معنى المجاز كجزء معنى الكناية.
(قلت): قوله: تجوز مع إرادة اللازم إرادة غيره، إن قصد إرادة الملزوم بدلا عنه على جهة استعماله فيه فلا يصح؛ لأنه إذا أريد بالكناية غير اللازم استعمالا، كانت حقيقة لا كناية، وإن أراد أنه تجوز إرادة الملزوم واللازم معا استعمالا فيهما، فليس الأمر كذلك، إذ يكون جمعا بين الحقيقة والمجاز، ثم يلزم أن يكون المجاز جزء معنى الكناية لا كالجزء. وإن أراد أنه تجوز فى الكناية إرادة اللازم والملزوم إفادة والمجاز لا يجوز فيه إرادة إفادة غير مدلوله وهو اللازم، فذلك يقضى بأن معنى المجاز إنما يكون كجزء معنى الكناية فى بعض الأحوال، وهو إذا قصد بها إرادة اللازم والملزوم معا لا مطلقا،