← Баляга

Баляга · id 11151

عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح

السبكي، بهاء الدين

Полный текст (971 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وليس منه قوله تعالى مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ (١) وإن كان نوره أتم من المشكاة، لأن المقصود تشبيه ما لم يعلمه البشر بما علموه لكون المشكاة فى الذهن أوضح، وقد تكون القوة فى المشبه به باعتبار الوضوح، ويؤيده أنه ليس بين نوره تعالى وبين نور المشكاة اشتراك فى القوة والضعف يقتضى أن أحدهما أتم فى نفس الحقيقة، فإنما هو باعتبار الوضوح، ومن التشبيه المقلوب فى قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا (٢) فإن المقصود فى الأصل أنهم جعلوا الربا كالبيع، فقلب مبالغة فيه زعما أن الربا أولى بالحل من البيع. وقال الإمام فخر الدين فى تفسيره أنه لما تساوى عندهم البيع والربا كان البيع مثل الربا وعكسه سواء، ومعنى هذا أنه مما أصله التشابه واستعمل فيه صيغة التشبيه كما سيأتى فلا يكون مما نحن فيه، واختاره ابن المنير فى الانتصاف، وكذلك قوله تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ (٣) المقصود الزجر عن تشبيه غير الخالق بالخالق وأتى بمن فى قوله تعالى: كَمَنْ لا يَخْلُقُ إما للمشاكلة وإن كان المراد الأصنام أو لإرادة ذوى العلم ممن عبد ليعلم غيره من باب الأولى، أو لأنهم لما عبدوها نزلوها منزلة العاقل، قال المصنف: إنما قلب لأنهم غلوا فى عبادتها إلى أن صارت عبادتهم أصلا وعبادة الله عندهم فرعا، وفيه نظر لقوله تعالى حكاية عنهم: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى (٤) والأحسن أن يقال: إنهم لما عبدوا غير الله كانت حالتهم فى القبح حالة من يشبه غير الله بالله، وعبارة الزمخشرى أنهم حين جعلوا غير الله مثل الله فى تسميته باسمه والعبادة له، وسووا بينه وبينه فقد جعلوا أنه من جنس المخلوق وشبيها به فأنكر عليهم ذلك بقوله: أَفَمَنْ يَخْلُقُ (٥)، انتهى. وجوز الطيبى فيه فى شرح الكشاف أنه يريد أنهما لما تساويا صح تشبيه كل بالآخر، وأن يكون من قلب التشبيه. قال المصنف: ومنه قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ (٦) مكان قوله هواه إلهه، فإن أراد أنه مثل فى قلب التشبيه كما صرح به الشيرازى وجعل ظاهر كلام

стр. 702

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صاحب المفتاح لقوله: إن هذه الآية مصبوبة فى هذا القالب ففيه نظر، فإن هذا ليس بتشبيه، لأن قولك: اتخذ هواه إلهه، ليس معناه مثل إلهه، بل معناه اتخذ هواه معبوده فهو كقولك: اتخذت زيدا مكرما. فليس تشبيها ولا استعارة، سواء أقلنا: إن قولك: اتخذت زيدا أسدا تشبيه، أم قلنا: استعارة، وجعل ذلك ظاهر كلام السكاكى فيه نظر، لأن الظاهر أن السكاكى أراد أنها مصبوبة فى قالب مطلق القلب الصادق على جعل المفعول الأول ثانيا والثانى أولا، فإن أراد الشيرازى هذا وأنه مثله فى كونه مقلوبا فليس هذا موضع الكلام على القلب، وذاك باب قد سبق فى علم المعانى، وذكر الوالد فى تفسيره أنه إنما قيل إلهه هواه إشارة إلى أنه جعل الإله المعلوم الثابت كهواه، وهذا غير معنى اتخذ هواه إلهه. انتهى. فعلى هذا ليس ذاك مقلوبا، لكن يكون هواه استعارة أو تشبيها على الخلاف، هذا ما ذكره الوالد فى تفسيره، ورأيت بخطه فى بعض التعاليق أنه تأمل ما قيل بهذه الآية، وهى قوله تعالى: وَإِذا رَأَوْكَ (١) إلى قولهم: إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا (٢) فعلم أن المراد الإله المعهود الباطل الذى عكفوا عليه وصبروا وأشفقوا من الخروج عنه، فجعلوه هواهم، ومن التشبيه المقلوب فيما زعم ابن الزملكانى فى البرهان قوله تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى (٣) وليس كما قال، فإن المعنى ليس الذكر الذى طلبت كالأنثى التى وضعت، لأن الأنثى أفضل منه، وسواء أكان ذلك من كلام الله غير محكى، والتقدير: وليس الذكر الذى طلبت، أو من كلامها، والتقدير: ليس الذكر الذى طلبت وتكون علمت ذلك لما رأت من حسن أوصافها فتفرست فيها أنها خير من الذكر الذى طلبته. ومن التشبيه المقلوب قوله تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ (٤) ويمكن أن يجعل من قلب التشبيه قوله ﷺ :" ذكاة الجنين ذكاة أمه" (٥) على رأى من قدره مثل ذكاة، واكتفى بذكاة الأم عن ذكاة الجنين، وكذلك قوله - عليه

стр. 703

والثانى: بيان الاهتمام به؛ كتشبيه الجائع وجها كالبدر فى الإشراق، والاستدارة بالرغيف؛ ويسمّى هذا إظهار المطلوب. ــ الصلاة والسّلام -:" والبكر تستأمر وإذنها صماتها" (١) إن قدرت فيه أداة التشبيه، ويمكن أن يجعل منه قوله: لعاب الأفاعى القاتلات لعابه بقى هنا سؤال وهو أن قلب التشبيه كيف يكون محصلا للمبالغة فى النفى والاستفهام فى نحو: أَفَمَنْ يَخْلُقُ وفى نحو: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ ونفى الأبلغ لا يستلزم نفى ما دونه، وقد يجاب بأنا نقدر النفى داخلا قبل القلب، فأصله ليس زيد كالأسد ثم بولغ فى نفى التشبيه. (تنبيه): قال حازم فى المنهاج: شرط فى جواز عكس التشبيه أن يجتمع فى المتشابهين أوصاف ثلاثة أو اثنان، منها وهو المقدار واللون والهيئة، وهو غريب، ويرد عليه بعض المثل السابقة. وقال أيضا: أنه إذا استويا فى وجه الشبه، وأحدهما فى نفسه عظيم، والآخر حقير شبه الحقير بالعظيم عند إرادة التعظيم، وشبه العظيم بالحقير عند إرادة التحقير. الثانى: بيان الاهتمام بالمشبه به لفظا، ومعنى كالجائع إذا شبه وجها كالبدر فى الإشراق، والاستدارة بالرغيف، ويسمى هذا الوجه إظهار المطلوب، قال السكاكى: ولا يحسن المصير إليه إلا فى مقام الطمع فى شئ وفى حصر الاهتمام فى الطمع وإظهار المطلوب نظر، وإنما جاز ذلك فيما نحن فيه لخصوص المادة. قال السكاكى والمصنف: وهذا كما يحكى فى قول شخص حين سمع: وعالم يعرف بالسجزى ... أشهى إلى النّفس من الخبز وذكر الحكاية، وقد يعترض عليه بأن هذا أفعل تفضيل، لا تشبيه، وقد يجاب بأمرين: أحدهما: أنه ليس المراد أنه تشبيه بل تمثيل؛ لأن الإنسان يسرى ذهنه لما فيه. والثانى: أنه قد يجعل أفعل التفضيل كله تشبيها كما تقدم عن الطيبى.

стр. 704

هذا إذا أريد إلحاق الناقص - حقيقة أو ادعاء - بالزائد، فإن أريد الجمع بين شيئين فى أمر: فالأحسن ترك التشبيه إلى الحكم بالتشابه؛ احترازا من ترجيح أحد المتساويين؛ ــ ص: (هذا إذا أريد إلى آخره). (ش): يريد أن ما تقدم كله مفروض فيما إذا أريد إلحاق الناقص حقيقة فى التشبيه المستقيم، أو ادعاء فى التشبيه المقلوب بالزائد، وينبغى أن نقول فيه أيضا حقيقة أو ادعاء، ولو أخر المصنف حقيقة أو ادعاء عن قوله بالزائد؛ ليكون عائدا لأحدهما، ويقدر فى الآخر لكان أحسن. وفى هذا الكلام مخالفة لما سبق؛ لأنه يقتضى أن من شرط التشبيه أن يقصد إلحاق الناقص بالزائد، وقد تقدم أن المصنف إنما شرط ذلك فى بعض ما سبق، لا فى كله، ويرد عليه أيضا أنه قدم أن وجه الشبه لا بد أن يكون فى المشبه به أشهر، فينبغى أن يشرط فى التشابه شرطا آخر، وهو عدم شهرة أحدهما عن الآخر. (قوله: فإن أريد الجمع بين شيئين فى أمر إلخ) عبارة قاصرة، فإن إرادة الجمع بينهما لا تنافى إرادة إلحاق الناقص بالزائد، والأحسن عبارته فى الإيضاح حيث قال: فإن أريد مجرد الجمع فإنها تعطى ما يقصده من أنه لا يقصد إلحاق الناقص بالزائد، ومع ذلك هى قاصرة؛ لأن التشابه على ما يقتضيه كلامه لا يقصد فيه مجرد الجمع، بل يقصد به الجمع بقيد التساوى، وينبغى أن يقال: التساوى حقيقة، أو ادعاء. والتحقيق أن ما سيأتى ينقسم إلى قسمين: تشابه يقصد به التساوى، وتشابه يقصد به مجرد الجمع. قال: (فالأحسن ترك التشبيه) لأن الفرض أنه لم يقصد إلحاق الناقص بالزائد، فلا يؤتى بصيغة التشبيه المقتضية لذلك احترازا عن ترجيح أحد المتساويين على الآخر، فإن التشبيه ترجيح المشبه به على المشبه، وإنما قلنا: إن التشابه يقتضى التساوى؛ لأن تشابه زيد وعمرو قضية تنحل فى المعنى إلى قولنا: زيد يشبه عمرا، وعمرو يشبه زيدا. وأنت لو صرحت بهاتين القضيتين لكانتا متنافيتين، إلا بأن تجعل التشبيه فى أحدهما مقلوبا، والحكم على أحدهما بالقلب دون الآخر تحكم، وترجيح لأحد المتساويين على الآخر، فصارا كالدليلين المتعارضين فى شئ فيتساقطان فى محل التعارض، وهو ترجيح أحدهما على الآخر، ويعمل بهما فى مجرد المشابهة فيكونان متساويين، فيصير مضمون التشابه التساوى، هذا تحقيق هذا الموضع.

стр. 705

كقوله [من الطويل]: تشابه دمعى إذ جرى ومدامتى ... فمن مثل ما فى الكأس عينى تسكب فو الله، ما أدرى أبالخمر أسبلت ... جفونى أم من عبرتى كنت أشرب ــ لا يقال: لا نسلم دلالة التشابه على التساوى، بل إذا تعارضا فى الدلالة على التفاوت ارتفع دليل التفاوت، وصار الكلام لمجرد الجمع الذى هو أعم من التفاوت والتساوى؛ لأنا نقول: إذا حصل التعارض فى التفاوت، عدل لما وراءه وهو المساواة. فإن قلت: إذا كان التشابه يقتضى التساوى؛ لدلالة الفعل على وقوعه من الجانبين، فيلزم ذلك فى نحو: شابه زيد عمرا؛ لدلالة فاعل على المشاركة. (قلت): فاعل وتفاعل، وإن اتفقا فى الدلالة على المشاركة فهما مختلفان بوجه آخر، وهو أن تفاعل فيه إسناد الفعل لاثنين، وفاعل إخبار بوقوع الفعل من أحدهما على الآخر المستلزم لوقوعه من الآخر. ومثل المصنف التشابه بقول أبى إسحاق الصابى: تشابه دمعى إذ جرى ومدامتى ... فمن مثل ما فى الكأس عينى تسكب فو الله ما أدرى أبالخمر أسبلت ... جفونى أم من عبرتى كنت أشرب؟ (١) ويروى: عيناى تسكب من قوله: بها العينان تنهل، فكأنه أراد أن المدامة والدمع متساويان فى الخمرة، أو الجريان. فإن قلت: إذا كان التشابه يقتضى التساوى، والتشبيه يقتضى التفاوت، فكيف جمع بينهما فى قوله تعالى: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ (٢) قال الزمخشرى: معناه مثل الذى رزقنا، ثم قال تعالى: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً فقد جمع بين صيغتى التشبيه والتشابه. (قلت): ليس عن ذلك جواب إلا أن يقال: التشابه هنا المراد به التساوى فى مقدار وجه الشبه والتشبيه، باعتبار أن وجه الشبه فى المشبه به معروف، وكذلك قوله تعالى: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ (٣) فإن تشابه القلوب يلزم منه تشابه الأقوال النابعة لما فى القلب، فقد جمع بين التشبيه والتشابه، وجوابه كالأول.

стр. 706

ويجوز التشبيه - أيضا - كتشبيه غرّة الفرس بالصبح، وعكسه، متى أريد ظهور منير فى مظلم أكثر منه. ــ وقد يشكل على هذا قول الشاعر: (تشابه دمعى) مع قوله: (فمن مثل) فكيف جمع بينهما ولا سيما والفاء تشير إلى تسبب ذلك عن التشابه؟ ولولا قوله فى البيت الثانى: فو الله ما أدرى، لكنت أقول: التشابه لمجرد الجمع، والتشبيه بعده لإيضاح المشبه الناقص والمشبه به الزائد، ولو صح ما ادعاه بعضهم من أن (مثل) هنا من قولهم: مثلك لا يفعل كذا، لأمكن الجواب به، لكن الظاهر أن مثلك لا يفعل كذا، لا يستعمل فى حشو الكلام؛ ولذلك قال الإمام فخر الدين فى نهاية الإيجاز، وغيره: إن ذلك مما صار تقديمه كاللازم. ومن التشابه قول الصاحب بن عباد: رقّ الزّجاج وراقت الخمر ... وتشابها فتشاكل الأمر فكأنّما خمر ولا قدح ... وكأنّما قدح، ولا خمر (١) وعلى هذا الشاهد من السؤال ما على الذى قبله من اجتماع التشبيه والتشابه، إلا أن يقال: إن (كأن) فيه للشك، لا للتشبيه، ويشهد له قوله: (ولا قدح ولا خمر) أو يقال: التشبيهان المصرح بهما تعارضا لفظا كما تعارضا معنى فى لفظ التشابه، فتساقطا وبقى أصل التشبيه، وقد يسلك هذا بأن يقدر من مثل ما جرى من دمعى فى الكأس، وقد يسلك فى الآيتين الكريمتين، بأن يقدر تشبيه محذوف يدل عليه مقابله. واعلم أن هذا هو القسم الذى قصد به التساوى بين أمرين. (قوله: ويجوز التشبيه أيضا) أى يجوز استعمال صيغة التشبيه عند إرادة التشابه، وذلك إذا أريد مجرد الجمع بين أمرين، وهذا هو القسم الذى قدمت أن المقصود فيه مجرد الجمع لا التساوى، وهذا القسم يستعمل كل من المشبه والمشبه به فيه موضع الآخر، كتشبيه غرة الفرس بالصبح، وتشبيه الصبح بغرة الفرس، إذا كان المراد وقوع منير فى مظلم أكثر من المنير، بخلاف التشبيه الذى ليس بتشابه، فإنه لا يجوز أن يوضع المشبه موضع المشبه به من غير ادعاء؛ لأن وجه الشبه فيه أتم، وهذا المثال يبين ما قلناه، من أن المقصود فى هذا القسم مطلق الجمع؛ لأن غرة الفرس والصبح متفاوتان،

стр. 707

وهو باعتبار طرفيه: إمّا تشبيه مفرد بمفرد، وهما غير مقيّدين؛ كتشبيه الخد بالورد. ــ إلا أن تفاوتهما لم يقصد، وكذلك تساويهما، بخلاف القسم قبله، فإنه يراد تساويهما. وقد تلخص أن وجه الشبه إن كان مستويا فى المحلين، فالأحسن التشابه، وإن استعمل التشبيه فيه فخلاف الأصل، وإن لم يكن، بل كان متفاوتا، فإن لم يقصد التفاوت جاز التشابه والتشبيه، أما التشابه فلإرادة مجرد الجمع، وأما التشبيه فرعاية لكون الوجه فى المشبه به باعتبار الخارج أتم، وإن قصد التفاوت تعين التشبيه. هذا هو التحقيق، وإن كان فيه مخالفة لظاهر كلام المصنف وغيره. وقد علم أن كل تشبيه يسوغ فيه التشابه من غير عكس؛ لأنه إذا حصل التفاوت بين الشيئين، قد يقصد المتكلم الإخبار بأصل الاشتراك، فيسوغ له حينئذ التشبيه بخلاف العكس. (قلت): ينبغى أن يلحق بلفظ التشابه ما وازنه من التماثل، والتشاكل، والتساوى، والتضارع، وكذلك هما سواء لا ما كان له فاعل ومفعول، مثل: شابه، وساوى، وضارع فإن فيه إلحاق الناقص بالزائد. ص: (وهو باعتبار طرفيه إلى آخره). (ش): لما انقضى الكلام فى الطرفين، والوجه، والأداة، والغرض، شرع فى الأقسام، فأولها: الكلام على أقسام التشبيه باعتبار الطرفين، ولك أن تقول: من أقسام التشبيه باعتبار الطرفين، كونهما حسيين، أو لا، وقد تكلم على ذلك. فإن قلت: إنما تكلم عليه استطرادا حين ذكر الطرفين فى أركان التشبيه. قلت: فهلا استطرد لهذا أيضا؟ وأى فرق بين التقسيم إلى حسى وغيره، حتى يجعل فى الكلام على الطرفين، وبين التقسيم إلى مركب وغيره، حتى يجعل من أقسام التشبيه؟ وقد قسم التشبيه، باعتبار الطرفين إلى: تشبيه مفرد بمفرد، أو مركب بمركب، أو مفرد بمركب، أو عكسه. الأول: تشبيه مفرد بمفرد، وهو أربعة أقسام: أن يكونا غير مقيدين، كتشبيه الخد بالورد، والمراد بالقيد هنا ما كان قيدا له مدخل فى التشبيه. يحترز بذلك عن قولنا: خد زيد كهذا الورد، وكذلك كل تشبيه كان طرفاه حسيين، فإن المفرد فيه غير مقيد بقيد تشخصه الخاص، وكذلك قولنا: هذا الخد كهذا الورد، تشبيه

стр. 708

أو مقيّدان؛ كقولهم: هو كالراقم على الماء. أو مختلفان؛ كقولهم [من الرجز]: والشّمس كالمرآة فى كفّ الأشلّ ــ مفرد غير مقيد، بمفرد غير مقيد، وأن قول المصنف: تشبيه الخد بالورد، لا يعنى به ما إذا كانا كليين، بل أعم من ذلك، ومثله المصنف فى الإيضاح بقوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ (١) لا يقال: المشبه به مقيد، بقوله تعالى: (لكم) و (لهن)؛ لأنا نقول: هو قيد لفظى، لا أثر له فى وجه الشبه كما سبق. نعم قد يقال: المشبه هنا مقيد، والمعنى: هن فى وقت المضاجعة لا مطلقا، وإليه يشير ما نقله المصنف عن الزمخشرى، أن ذلك تشبيه محسوس بمحسوس، وأن المراد: أن كلا يكون لصاحبه كاللباس. الثانى: أن يكونا مفردين مقيدين، والفرق بين المفرد المقيد والمركب: أن المركب كل واحد من أجزائه جزء الطرف، والمفرد المقيد يكون الطرف فيه ذلك المقيد، والقيد شرط لا جزء، ومثله المصنف بقولهم: هو كالراقم على الماء وعبارته فى الإيضاح: كقولهم لمن لا يحصل من سعيه على شئ: هو كالقابض أو الراقم على الماء، فإن المشبه هو الساعى (٢) بهذا الوجه. والثانى: الساعى كالراقم على الماء، ويكون قيد كون سعيه كذلك فلا يكون السعى قيدا، بل صفته هى القيد، ووجه الشبه بينهما هو عدم النفع به، والتسوية بين الفعل والترك، وكلام التلخيص قريب من الصورة الثانية، وعبارته فى الإيضاح تقتضى الأولى، لا سيما وقد قال: إن القيد فيهما هو الجار والمجرور، ولو أراد المثال الثانى لكان القيد فى المشبه هو الصفة بقيدها. وقد أورد على المصنف أن عدم الحصول على شئ هو وجه الشبه، فكيف يجعل قيدا فى الطرفين؟ ولو صح لكان كل طرفين مقيدين، لأن وجه الشبه قيد فيهما. الثالث: أن يكونا مختلفين، والمقيد هو المشبه به، كقول ابن المعتز أو أبى النجم: والشمس كالمرآة فى كفّ الأشل

стр. 709

وعكسه (١). وإمّا تشبيه مركّب بمركب؛ كما فى بيت بشّار (٢). ــ فإن المشبه الشمس مطلقا، والمشبه به المرآة بقيد كونها فى كف الأشل، وفيه نظر لما سيأتى فى القسم بعده. الرابع: مختلفان، والمقيد هو المشبه مثل أن تقول: والمرآة فى كف الأشل كالشمس، وإليه أشار بقوله: وعكسه القسم الثانى تشبيه مركب بمركب، وهو ما طرفاه كثرتان مجتمعتان، ومثاله بيت بشار السابق، وقد تقدم فى تقسيمات وجه الشبه، فلو أخر المصنف ذلك إلى هنا، لكان أولى، وهو قوله: كأنّ مثار النّقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا، ليل تهاوى كواكبه (٣) فإنه لم يرد تشبيه مثار النقع بالليل، فإنه غير طائل، ولا تشبيه السيوف بالكواكب، فإنه غير طائل، بل قصد تشبيه الهيئة الحاصلة من اجتماعهما على هذه الصورة، بالهيئة الحاصلة من الليل والكواكب المتهاوية، ألا ترى أن: تهاوى كواكبه، جملة هى صفة لليل، بخلاف قول امرئ القيس: كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى (٤) فإن ذلك مشبه ومشبه به متعددان، كما سيأتى.

стр. 710

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واعلم أن المصنف قال فى الإيضاح: إن المقصود فى بيت بشار الهيئة الحاصلة؛ ولذلك وجب الحكم بأن أسيافنا فى حكم الصلة للمصدر، ونصب الأسياف لا يمنع من تقدير الاتصال؛ لأن الواو فيها بمعنى مع، فهو كقولهم: تركت الناقة وفصيلها: قال المصنف فى الإيضاح: وهذا القسم ضربان: الأول: ما لا يصح تشبيه كل جزء من أحد طرفيه بما يقابله من الطرف الآخر، كقوله: غدا والصبح تحت الليل باد ... كطرف أشهب ملقى الجلال (١) فإن الجلال فيه فى مقابلة الليل، فلو شبه به لم يكن شيئا، وقد أورد أن تشبيه الليل بالجلال صحيح بجامع مطلق الستر، فلم يصح ما قاله. وأجيب بأن المصنف لم يمنع صحته، بل منع حسنه، وقول القاضى التنوخى: كأنما المريخ والمشترى ... قدامه فى شامخ الرّفعه منصرف بالليل عن دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعه (٢) فإن المريخ فى مقابلة المنصرف، ولو قيل: كأنما المريخ منصرف عن الدعوة كان خلفا من القول، وعلى سياق ما سبق يتعين أن يكون المريخ والمشترى قدامه، جملة حالية؛ ليكون التشبيه مركبا، والثانى: ما يصح تشبيه كل جزء من أجزاء أحد طرفيه بما يقابله من الآخر، غير أن الحال تتغير، كقول أبى طالب الرقى: وكأنّ أجرام النّجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق فلو قيل: كأن النجوم درر، وكأن السماء بساط أزرق، لصح؛ لكن أين يقع من التشبيه، الذى يريك الهيئة التى تملأ القلوب سرورا وعجبا، من طلوع النجوم، مؤتلقة متفرقة فى أديم السماء، وهى زرقاء زرقتها صافية؟ (قلت): تشبيه المركب بالمركب، والمفرد المقيد بالمفرد المقيد لا يكاد ينفصل أحدهما عن الآخر فى اللفظ، بل فى المعنى فحيث كان المقصود الهيئة الحاصلة من مجموع أمرين، أو أمور، فهو تشبيه مركب بمركب؛ لأن كل واحد من أجزاء الطرف

стр. 711

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الواحد ليس مقصودا، وإن صح تشبيهه بجزء الطرف الآخر، وحيث كان المقصود أحد أجزاء الطرف الآخر؛ ولكن بقيد فيه، وليس ذلك القيد مقصودا لنفسه، بل للطرف، فهو مقيد بمقيد، وإذا وجدت فى أحد الطرفين قيدا لفظيا، فانظر إلى المعنى، فإن وجدت المقيد هو المقصود، والقيد تبع؛ لم يؤثر فيه شيئا، فهو مفرد مقيد. وإن وجدت تشبيههما إلى الهيئة الحاصلة فى الذهن على السواء، فهو تشبيه مركب، وإن أردت تشبيه أشياء متفاصلة بأشياء متفاصلة فهو تشبيه متعدد بمتعدد، وإذا أتيت بالعطف، وقلت: زيد وثوبه، كبكر وثوبه، احتمل ذلك تشبيه زيد ببكر، وثوب زيد بثوب بكر، فيكون لفا ونشرا، فهذان حينئذ تشبيهان متفاصلان متعددان، وليس الكلام فيه. واحتمل أن يريد: زيد كعمرو، فى حال كون كل منهما مع ثوبه، والثوبان شرطان فى تشبيه أحدهما بالآخر، فيكون تشبيه مفرد مقيد بمفرد مقيد، وتكون الواو للمعية. وليس من شرط الواو التى لا تنصب أن لا يكون معنى المعية مرادا معها، واحتمل أن يريد تشبيه الهيئة الحاصلة من مجموع ذلك بالهيئة الحاصلة من مجموع هذا، فيكون تشبيه مركب بمركب، والواو للمعية كما سبق. وكذلك إذا قلت: النجوم والدجا، كالسنة والابتداع، والتركيب فى هذا الباب، هو جعل المشبه به أمرا حاصلا من مجموع أمرين، أو أمور، والتقييد أن تشبه شيئا بشرط انضمام شئ إليه، والتركيب فى هذا أعم من التركيب النحوى، فإن التركيب عند النحوى، كتركيب الإسناد، كزيد قائم، أو المزج مثل: بعلبك، أو الإضافة، مثل: غلام زيد، والتركيب المقصود هنا أمر يرجع إلى المعنى، أعم من أن يكون القيد إضافة، أو صفة، أو حالا، أو ظرفا، أو غير ذلك، وأعم من أن يكون ملفوظا به، أو مقدرا، وهذا تحقيق لم يتعرضوا له فليتأمل. إذا تقرر ذلك فبيت بشار مركب بمركب؛ لأن المقصود تشبيه الهيئة الحاصلة من أحدهما بالهيئة الحاصلة من الآخر، وإن كان قوله: تهاوى كواكبه قيدا فى اللفظ، ولم يدخل عليه حرف التشبيه، ولكنه مقصود على أنه جزء، لا شرط؛ فلذلك جعلناه مركبا، وأما جعل أسيافنا مفعولا معه، فليس شرطا، كما سبق. وأما قوله: غدا والصبح تحت الليل باد

стр. 712

وإما تشبيه مفرد بمركّب؛ كما مرّ فى تشبيه الشقيق. ــ فيظهر أنه تشبيه مقيد بمقيد، فإن المقصود تشبيه الصبح بقيد كونه بهذه الصفة، لا الهيئة الحاصلة، وكذلك قوله: كأنما المريخ والمشترى وأما قوله: وكأن أجرام النجوم، فيظهر فيه أنه مركب بمركب؛ لأن المقصود تشبيه الهيئة بالهيئة، كما قال المصنف، وإن كان يحتمل أن يكون تشبيه مقيد بمقيد، وإنما يصح ذلك بناء على أن قوله: وكأن أجرام النجوم، فيه تركيب من قيد مقدر المعنى أجرام النجوم فى السماء الزرقاء. ولقائل أن يقول: جعلت فى الكلام قيدا مطويا، وهو كون النجوم فى سماء زرقاء، وهى حالة دائمة كدوام الارتعاش لحركة الشمس، وجعلت قوله: والشمس كالمرآة فى كف الأشل، تشبيه مفرد غير مقيد بمفرد مقيد، ولم تعتبر الارتعاش الدائم للشمس؛ لكونها لا يختلف حالها فاجعل زرقة السماء قيدا دائما للنجوم، ويكون تشبيه مفرد غير مقيد، بمفرد مقيد. لا يقال: كيف تعتبر حركة الشمس قيدا، وهى وجه الشبه؟ لأنا نقول: هو وارد على المصنف، حيث جعل وجه الشبه فى قولنا: درر نثرن على بساط أزرق، من جملته وقوع أشياء بيض فى جوانب شئ أزرق. القسم الثالث: تشبيه مفرد بمركب، قال المصنف: كما مر فى بيت الشقيق، يشير إلى قوله: وكأنّ محمر الشقيق ... إذا تصوّب أو تصعّد أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد فإن قلت: قد سبق الاعتراض على هذا بأن وضع هذين البيتين كوضع قوله: وكأن أجرام النّجوم لوامعا. فإنه ليس مع واحد منهما من الشقيق، وأجرام النجوم قيد لفظى، ولوامعا لا تقييد فيه معنى، فإما أن يقدر لهما قيد، ويجعلا تشبيه مركب بمركب، أو يجعلا تشبيه مفرد بمفرد، وكيف يمكن أن يشبه مفرد مشتمل على صفة واحدة بمركب مشتمل على صفتين ملحوظتين فى الشبه؟ فإن قيل: المراد الشقيق وساعده، قلنا: فهو تشبيه مركب بمركب.

стр. 713

وإما تشبيه مركّب بمفرد؛ كقوله [من الكامل]: يا صاحبىّ تقصّيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصوّر تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الرّبا فكأنّما هو مقمر ــ قلت: المراد بالمركب ما كان هيئة حاصلة من حقيقتين متفاصلتين يجتمعان، والشقيق مراد به هو وسواعده، فالمجموع منهما حقيقة واحدة، لا حقيقتان، ركبت إحداهما مع الأخرى، بخلاف أجرام النجوم فإنها لا يطلق على مجموع النجوم، والسماء أنهما نجوم لأنهما حقيقتان مختلفتان. نعم قد يقال: هلا جعلت الأعلام برماحها حقيقة واحدة؛ لأن الجميع يسمى علما؟ وينبغى أن يعلم أنه إن صح تشبيه المفرد بالمركب، لا يكاد يتم إلا بأن يكون المفرد مقيدا فى المعنى. القسم الرابع: تشبيه مركب بمفرده، كقوله: يا صاحبىّ تقصّيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصوّر تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الرّبا فكأنّما هو مقمر (١) يريد أن النبات لشدة خضرته وكثرته، صار لونه إلى السواد، فنقص من ضوء الشمس حتى صار كأنه ليل مقمر، وفيه نظر؛ فقد يقال: المشبه النهار بقيد كونه مشمسا، أى لم يستر الغيم شمسه، وكونه كثر فيه الزهر، لا مجموع النهار والزهر، وكون المشبه به مفردا واضح، إلا أنه مفرد مقيد، ولا يكاد التشبيه يقع بين مركب ومفرد إلا والمفرد مقيد، كما سبق. (تنبيه): القيد قد يكون الجار والمجرور، مثل: هو كالراقم على الماء، أو مفعولا صريحا، كقولهم: هو كمن يجمع سيفين فى غمد، وقد يكون حالا، كقول الطرماح: يا ظبى السّهل والأجبال موعدكم ... كمبتغى الصيد فى عرينة الأسد (٢)

стр. 714

وأيضا: إن تعدّد طرفاه: فإما ملفوف؛ كقوله (١) [من الطويل]: كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى ــ ص: (وأيضا إن تعدد طرفاه إلى آخره). (ش): هذا تقسيم آخر للتشبيه باعتبار الطرفين، فإما أن يكونا متعددين، أو المشبه فقط متعدد، أو المشبه به فقط متعدد، أو لا يكون واحد منهما متعددا. واعلم أن كلا من هذه الأقسام، أعم من كل من الأقسام السابقة؛ لأن كل واحد من المفرد المقيد، وغير المقيد، والمركب، قد يتعدد، وقد يتحد، وهذا غالب أقسام التشبيه، فالقسم الأول: أن يتحد كل واحد منهما، تركه المصنف لوضوحه؛ ولأن ما سبق يكفى فى مثاله، والثانى: أن يتعدد طرفاه - أى المشبه، والمشبه به معا - فهو قسمان: الأول: يسمى الملفوف، وهو ما ذكر فيه المشبهان، ثم ذكر المشبه بهما، كقول امرئ القيس، يصف عقابا يصطاد الطير: كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى والضمير فى قوله: وكرها يعود إلى العقاب؛ لأن المشبهين القلوب الرطبة والقلوب اليابسة، والمشبه بهما هما العناب والحشف البالى، فشبه القلب غير أن المشبه ملفوف باعتبار ذكر المشبهين أولا والمشبه به ملفوف؛ لأنه لف مع مشبه به آخر، وإن كان لم يفصل بين أجزاء المشبه به فيه مشبه. واعلم أن ما ذكره المصنف، وغيره فى بيت امرئ القيس فيه نظر؛ لأنا نقول: لا نسلم أن المشبه متعدد، وهو القلب الرطب، والقلب اليابس، ويكون بعض القلوب شبه بالعناب، وبعضها شبه بالحشف، بل كل واحد من القلوب، شبه بالعناب فى حالة رطوبته، والحشف فى حالة يبسه، كما اقتضاه كلام كثير. فالمشبه القلوب بقيد الرطوبة أو اليبوسة، فهو كتشبيه مفرد تعدد قيده باعتبار حالتين، وهو نظير قولنا: فى الجمود والشجاعة كالأسد والبحر، وقوله: (رطبا ويابسا) يمكن

стр. 715

أو مفروق؛ كقوله [من السريع:] النّشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنم وإن تعدّد طرفه الأول: فتشبيه التسوية؛ كقوله [من المجتث]: صدغ الحبيب وحالى ... كلاهما كالليالى ــ عوده إلى كل واحد من القلوب، فلا حاجة إلى توزيع الحالين على القلوب، ومما يرجح ذلك إفراد الحالتين فى قوله: (رطبا ويابسا) أى كأن كل قلب رطبا ويابسا، لا يقال: هو متعدد باعتبار أنه جمع؛ لأن ذلك يقضى بأن يكون قولنا: أياد كالبحار تشبيه متعدد بمتعدد، فيلزم أن يكون: وكأن أجرام النجوم ... البيت، تشبيه متعدد بمتعدد، وليس كذلك، وسيأتى قريبا ما يدل على ما قلناه صريحا. والثانى: يسمى المفروق، وهو ما ذكر فيه المشبه والمشبه به، ثم ذكر مشبه ثان ومشبه به، كقول المرقش الأكبر: النشر مسك، والوجوه دنا ... نير، وأطراف الأكفّ عنم (١) شبه النشر وهو عرف الرائحة بالمسك، وكذلك ما بعده، والعنم شجر لين يشبه به أكف الجوارى، وقيل: هو ورق، وضبطه بالغين المعجمة تصحيف، وهو تشبيه محذوف الأداة. واعلم أن فى تسمية هذا القسم تشبيها تعدد طرفاه نظرا لأن هذه تشبيهات متعددة، لا تشبيه واحد متعدد الأطراف. القسم الثالث: أن يتعدد طرف التشبيه الأول - أى المشبه دون المشبه به - فيسمى تشبيه التسوية؛ لأنك سويت بين أشياء متعددة فى التشبيه بشئ واحد، وهو قوله: صدغ الحبيب وحالى ... كلاهما كالليالى وثغره فى صفاء ... وأدمعى كاللآلى (٢)

стр. 716

وإن تعدّد طرفه الثانى: فتشبيه الجمع؛ كقوله (١) [من السريع]: كأنّما يبسم عن لؤلؤ ... منضّد أو برد أو أقاح ــ فالمشبه متعدد، وهو الصدغ والحال، والمشبه به واحد وهو الليالى، وكذلك المشبه الثغر والأدمع، والمشبه به اللآلى، ويعلم من هذا والذى قبله فى بيت المرقش ما يشهد لأن الجمع ليس مقصودا فى تسمية أحد الطرفين متعددا، كما سبق، ألا ترى أنه جعل الليالى واللآلى مفردا، وكذلك ما قبله. (قوله: وإن تعدد طرفه الثانى) أى المشبه به، إشارة إلى القسم الرابع (فتشبيه الجمع) أى يسمى تشبيه جمع؛ لأنك شبهت واحدا بجمع، ولو عكست وسميت الأول تشبيه جمع؛ لأنك شبهت جمعا بواحد، وسميت هذا التشبيه تسوية؛ لأنك سويت بين المشبه بها، لكان صحيحا إلا أن التشبيه لما كان حكما على المشبه، وإلحاقا له اعتبر حاله فى الجمع والتسوية، فكانت التسمية بحسبه، ومثله بقول البحترى: كأنّما يبسم عن لؤلؤ ... منضّد، أو برد أو أقاح وقد أورد على الاستشهاد بهذا البيت أن هذا ليس فيه تشبيه، بل استعارة. وأجيب عنه، بأنه مثل قولك: لقيت منه أسدا، وهو تشبيه، فكذلك هذا، والتقدير: كأنما يبسم عن أسنان كائنة كلؤلؤ، وفيه نظر؛ لأن هذا تجريد؛ والمصنف يرى أنه لا يسمى تشبيها، بل الجواب أن كأن صيغة تشبيه، سواء أدخلت عليها ما، أم لا، كما سبق عند الكلام على أداة التشبيه، فحقيقة كأنما يبسم هذه متبسمة عن اللؤلؤ، فهو كقولك: هذه مثل المتبسم عن اللؤلؤ، ويلزم من ذلك أن تكون الأسنان كاللؤلؤ. بقى على المصنف اعتراض، وهو أن المشبه به هنا ليس جمعا، بل هو واحد؛ لأنه شبهها بأحد هذه الأمور، لا بكلها؛ لأن" أو" تشرك فى اللفظ لا فى المعنى، إلا أن يقال: إن" أو" فيه بمعنى الواو، أو يقال: إن" أو" للتنويع. ومثل المصنف أيضا بقوله - أى امرئ القيس: كأنّ المدام، وصوب الغمام ... وريح الخزامى، ونشر القطر

стр. 717

وباعتبار وجهه: إمّا تمثيل (١)، وهو ما وجهه منتزع من متعدّد؛ كما مر (٢)، وقيده السكاكى بكونه غير حقيقى؛ كما فى تشبيه مثل اليهود بمثل الحمار ... ــ يعلّ به برد أنيابها ... إذا طرب الطّائر المستحر (٣) وفيه نظر؛ لأن المدام وما عطف عليه مشبه به فى المعنى، لا فى اللفظ، وهو إنما يتكلم فى التشبيه اللفظى، وإنما قلنا: ليس مشبها به لفظا؛ لأن المدام وما عطف عليه هو اسم كأن، وهو المشبه لا المشبه به، والمعنى المدام، وما عطف عليه يشبه حال ما يعل به برد أنيابها، فهو كقولك: كأن زيدا يقوم فى أن حال زيد يشبه حال من يقوم، وإن كانت كأن هنا للشك، فليس من التشبيه اللفظى فى شئ. ص: (وباعتبار وجهه إلى آخره). (ش): شرع فى تقسيمات التشبيه باعتبار وجهه، فذكر ثلاث تقسيمات: الأول: أنه ينقسم إلى تمثيل وغيره، فالتمثيل ما كان وجه الشبه فيه وصفا منتزعا من متعدد أمرين، أو أمور، وقيده السكاكى بكونه غير حقيقى، وكأن المصنف لا يرى هذا القيد، بل يكون تمثيلا، سواء أكان حقيقيا، أم لا. قال: كما فى تشبيه مثل اليهود بمثل الحمار، يشير إلى قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً (٤) كما تقدم فى الوجه المركب العقلى أن وجه الشبه حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع التعب فى استصحابه، وهو أمر غير حقيقى؛ لأنه ليس له تقرر فى ذات الموصوف، لأنه ليس فيه بالحقيقة إلا عدم العمل، بل هو أمر تصورى منتزع من أمور متعددة.

стр. 718

وإمّا غير تمثيل، وهو بخلافه. وأيضا: إمّا مجمل، وهو ما لم يذكر وجهه: فمنه: ما هو ظاهر يفهمه كلّ أحد؛ نحو: زيد كالأسد خ خ، ومنه: خفى لا يدركه إلا الخاصّة؛ كقول بعضهم: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها؟! أى: هم متناسبون فى الشرف كما أنها متناسبة الأجزاء فى الصورة. ــ (قوله: وإما غير تمثيل، وهو ما لم يكن كذلك) وهو ما لم يكن وجهه منتزعا من متعدد على رأى المصنف، وعلى رأى السكاكى، ما لم يكن منتزعا أو كان وصفا حقيقيا. التقسيم الثانى: باعتبار وجهه إلى: تشبيه مجمل، وتشبيه مفصل، فالمجمل ما لم يذكر وجهه بشئ، ويسمى مجملا لإجمال وجهه؛ وفيه نظر؛ لأن التشبيه حينئذ ليس مجملا، إنما المجمل وجهه؛ لكنه لا مانع من تسمية التشبيه أيضا مجملا؛ لأنه لخفاء وجهه، لا تتضح دلالته على المقصود منه، وهو إما أن يكون وجها ظاهرا يفهمه كل أحد، كقولك: زيد أسد - أى كالأسد؛ لأن كل أحد يعلم أن المراد فى الشجاعة، لكونه أشهر أوصاف الأسد، أو يكون خفيا لا يدركه إلا الخاصة، أى الذين لهم أذهان صحيحة، يرتفعون بها عن درجة العوام (كقول بعضهم: هم كالحلقة المفرغة، لا يدرى أين طرفاها) أى لتناسب أصولهم وفروعهم فى الشرف الذى يمتنع معه معرفة الطرف والوسط، كما أن الحلقة متناسبة الأجزاء فى الصورة، فوجه الشبه التناسب الذى يمتنع معه التفاوت؛ لكنه فى المشبه فى المعنى، وفى المشبه به فى الصورة، وإنما قيد الحلقة بالمفرغة؛ لأن المضروبة يعلم طرفاها بالابتداء والانتهاء، فكان ذكر الوصف حيث كان وجه الشبه مذكورا، وهو قوله: لا يدرى طرفاها، لأن وجه الشبه هو تناسب الأجزاء، وعدم دراية الطرفين لزم عن التناسب، ولأن عدم دراية طرفى الحلقة، ليس وجها؛ لأن الوجه أمر صادق على الطرفين، وطرفا الحلقة أمر لا يصدق على المشبه إذ لا يصدق على المشبه أن يقال: لا يدرى طرفاها، ولولا ضمير الحلقة المؤنث، الذى لا يمكن عوده على قوله: (هم) لكنت أقول: هو عائد إليهما، فيمكن حينئذ أن يجعل وجه الشبه؛ لأنه لو قال: هم كالحلقة المفرغة، لا يدرى الطرفان، لصدق ذلك فى المشبه والمشبه به معا. نعم قد يقال: هب أن وجه الشبه لم يذكر كيف يسمى هذا مجملا، وقد أشير فيه إلى وجه الشبه بذكر هذا الوصف الذى يصير به وجه الشبه ظاهرا، يفهمه أكثر الناس؟

стр. 719

وأيضا: منه: ما لم يذكر فيه وصف أحد الطرفين، ... ــ وقوله: (لا يدرى طرفاها) قد يرد عليه أن الحلقة المفرغة ليس لها طرفان، وجوابه أنها سالبة محصلة، لا تستلزم وجود موضوعها، كقوله تعالى: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً (١) وقول الشاعر: على لا حب لا يهتدى بمناره (٢) فيصدق أن يقال: كل من هذين الطرفين لا يعلم طرفاه، أما فى المشبه؛ فلأن له طرفين غير معلومين، وأما فى المشبه به، فلأنه لا طرف له، ولينظر بعد ذلك فى أن لفظ طرفاه فى هذا المثال جمع فيه بين الحقيقة والمجاز أو لا. وهذه العبارة ذكر الشيخ عبد القاهر أنها قيلت للحجاج، حين سأل عن بنى المهلب، أيهم أنجد؟ ونسبه الزمخشرى فى سورة الزخرف إلى الأنمارية، قيل: هى فاطمة بنت الحرشب، تصف أبناءها حين سئلت، أيهم أفضل؟ فقالت: عمارة، لا بل فلان، لا بل فلان، ثم قالت: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. وذكر المبرد فى الكامل نحوه وأولادها ربيع، وعمارة، وقيس، وأنس. وبقى فى هذا المثال اعتراض، سنذكره قريبا إن شاء الله تعالى. (قوله: وأيضا منه) أى من التشبيه المجمل (ما لم يذكر فيه وصف أحد الطرفين) أى لم يذكر معه وصف المشبه، ولا وصف المشبه به، كقولنا: زيد كالأسد. واعلم أن قول المصنف: ما لم يذكر فيه وصف أحد الطرفين، قد ينازع فى دلالته على ما يقصده من أنه لم يذكر فيه وصف المشبه، ولا المشبه به، فيقال: هذا يصدق بأن يذكر فيه وصف أحدهما، فإنك إذا قلت: لم أضرب أحد هذين، قد يصدق بضرب أحدهما، وتقريره أن أحد الرجلين ليس نكرة، فيعم كل واحد منهما عموم النكرة فى

стр. 720

ومنه: ما ذكر فيه وصف المشبّه به وحده، ومنه: ما ذكر فيه وصفهما؛ ــ النفى، كقوله: لم يقم واحد من الرجلين، فلم يبق له عموم، لكونه معرفة، ولا يمكن أن يدعى عمومه، لأنه اسم جنس، أضيف إلى الرجلين؛ لأن اسم الجنس إنما يعم بالإضافة إذا لم يدل بالمادة على الخصوص، أما إذا دل فلا، كقولك: أكلت بعض الرغيف أو ثلثه، لا يعم الأثلاث والأبعاض، وكذا أحد الشيئين لا يعمهما، ولو سلمنا أن أحدهما يعمهما، فوقوعه بعد النفى كوقوع سائر صيغ العموم، وهى بعد النفى للخصوص؛ لأنها سلب عموم، لا عموم سلب كما سبق، إلا أن يدعى أن أحدا لا يتعرف بالإضافة لمعرفة، ويؤيد ما قلناه، قوله تعالى: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما (١) المراد منه ما ذكرناه، بدليل قوله: أَوْ كِلاهُما، والشرط كالنفى. وأما قوله ﷺ :" إنى لست كأحدكم" (٢) فالقرينة قامت على إرادة العموم، وبعد أن كتبت هذه السطور، وقفت على كلام الزمخشرى، قال فى قوله تعالى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٣): إن معناه لا تطع أحدا ثم قال: فإن قلت: ما معنى أو لا تطع أحدهما فهلا جئ بالواو ليكون نهيا عن طاعتهما؟! قلت: لو قيل: ولا تطعهما، لجاز أن يطيع أحدهما وإذا قيل: لا تطع أحدهما، علم أن الناهى عن طاعة أحدهما عن طاعتهما أنهى كما إذا نهى أن يقول لأبويه: أف، علم أنه منهى عن ضربهما انتهى. وهذا يدل على أن لم أضرب أحدهما، معناه لم أضرب واحدا منهما، وفيه نظر؛ لما سبق. (قوله: ومنه ما ذكر فيه وصف المشبه به وحده) أى: ولم يذكر وصف المشبه، وسكت عن مثاله؛ لأن مثاله سبق عن قريب، وهو قولهم: هم كالحلقة المفرغة، لا يدرى أين طرفاها. ومثله فى الإيضاح بقول النابغة: فإنّك شمس، والملوك كواكب ... إذا طلعت، لم يبد منهنّ كوكب (٤)

стр. 721

كقوله [من البسيط]: صدفت عنه ولم تصدف مواهبه ... عنّى وعاوده ظنّى فلم يخب كالغيث إن جئته وافاك ريّقه ... وإن ترحّلت عنه لجّ فى الطّلب وإما مفصّل، وهو ما ذكر فيه وجهه؛ كقوله [من المجتث]: وثغره فى صفاء ... وأدمعى كاللآلى ــ ومنه ما ذكر فيه وصفهما معا، ومثله المصنف بقول أبى تمام: صدفت عنه، ولم تصدف مواهبه ... عنّى؛ وعاوده ظنّى فلم يخب كالغيث إن جئته، وافاك ريقه ... وإن ترحلت عنه، لج فى الطلب (١) التقدير: وهو كالغيث، فإن البيت الأول مشتمل على وصف المشبه، والثانى مشتمل على وصف المشبه به، وهو الغيث، كذا قال المصنف، وهو الظاهر. ويحتمل أن تكون الضمائر فى البيت الثانى عائدة إلى المشبه، ويكون استعمال الريق، وما بعده استعارة، ويروى: يصدف بالياء، ومواهبه مفعول من صدفه صدفا، فهو متعد، ويروى بالتاء من فوق، ومواهبه فاعل من صدف صدوفا وصدفا أيضا - أى: انصرف. واعلم أن المصنف سكت عن القسم الرابع، وهو ما ذكر فيه وصف المشبه فقط، وكان ينبغى ذكره، والقول بأن ذلك لا يمكن؛ لأن وصف المشبه يقتضى أن يكون وجه الشبه فيه أتم منه فى المشبه به، والحال بالعكس ممنوع؛ لأنا نقول: ذكره فى المشبه لا يستدعى أن يكون فيه أتم، فقد يكون طوى ذكره فى المشبه به؛ لأنه فيه أشهر وأتم. (قوله: والمفصل) هو قسيم قوله فيما سبق: المجمل (وهو ما ذكر وجهه كقوله: وثغره فى صفاء ... وأدمعى كاللآلى) فوجه التشبيه وهو الصفاء مذكور، وفيه نظر؛ لجواز أن يكون المراد ثغره فى صفائه كأدمعى، ويكون فيه ذكر صفاء الثغر، وصفاء الثغر ليس هو وجه الشبه؛ إنما الصفاء الذى هو أعم من صفاء الثغر، وصفاء اللآلى هو وجه الشبه. ويحتمل أن يكون ثغره مبتدأ، وفى صفاء خبره، ولا تشبيه فيه، لكنه بعيد.

стр. 722

وقد يتسامح بذكر ما يستتبعه مكانه؛ كقولهم للكلام الفصيح: هو كالعسل فى الحلاوة خ خ؛ فإنّ الجامع فيه لازمها، وهو ميل الطبع. ــ (قوله: وقد يتسامح) أى يتسامح المتكلم (بذكر ما يستتبعه) أى ما يستتبع وجه الشبه، ويستلزمه، ومثله المصنف بقولهم للكلام الفصيح: هو كالعسل فى الحلاوة، فإن الجامع فيه لازمها - أى لازم الحلاوة. (وهو ميل الطبع) إليها وليس الجامع الحلاوة؛ لأن الكلام ليس فيه حلاوة حقيقية، بل فيه ما يوجب ميل الطبع إليه، وكأن المصنف يشير إلى أن هذا معدود من قسم ما ذكر فيه الوجه، وإن لم يذكر؛ لأنه ذكر ملزومه فهذا وجه التسامح، لأن المتكلم اكتفى بالملزوم عن اللازم. قال الخطيبى: المراد قد يتسامح علماء البيان، وبه صرح فى المفتاح، ولعل المراد: قد يتسامحون فى جعل هذا التشبيه مفصلا مذكور الوجه، وإن كان وجهه ليس مذكورا. بقى هنا أسئلة: الأول: أن قولهم: إن الحلاوة ليست وجه الشبه، فيه نظر؛ فإن الحلاوة إن لم تكن موجودة بالحقيقة فى الكلام، فهى موجودة بالتخيل، فهو من الجامع الخيالى، كما تقدم فى السنن والابتداع. الثانى: أنه أى فرق بين هذا، وبين قولهم: لا يدرى أين طرفاها؟ فإنه ذكر فيه ما يستلزم وصف المشبه، إذ يلزم منه الاستواء الذى هو وجه الشبه فيهما، فلأى شئ جعل ذلك مجملا، وهذا مفصلا؟ الثالث: أن الحلاوة تستلزم الميل إليها، والميل إليها وصف خاص بها، فهو يستلزم وصف المشبه به لا الوجه نفسه، وهو مطلق الميل كما أن طرفى الحلقة إنما يستلزم استواءها، لا استواء المشبه. (قلت): الظاهر أن المراد بالوصف هو الوصف المعنوى، لا الصناعى، وأن المراد ذكر وصف مع التشبيه، سواء أكان فى جملته أو له به تعلق لفظى، أم لم يكن. ألا ترى أن: لا يدرى أين طرفاها، لا يصلح صفة نحوية؛ لأن الحلقة معرفة، ولا يدرى نكرة، وأن البيت الأول فى قوله: صدفت عنه، ليس له تعلق لفظى بالمشبه، بل هو وصف معنوى له، وأن: إن جئته فى البيت الثانى، لا يصلح صفة للغيث؛ لتنكيره، وبهذا ظهر الجواب عما أورده على ذلك.

стр. 723

وأيضا: إما قريب مبتذل، وهو ما ينتقل من المشبّه إلى المشبّه به من غير تدقيق نظر؛ لظهور وجهه فى بادئ الرأى؛ لكونه أمرا جمليّا؛ فإنّ الجملة أسبق إلى النفس. أو قليل التفصيل مع غلبة حضور المشبّه به فى الذهن: ــ ولا يخفى أيضا من فحوى كلامهم أن المراد بالوصف وصف وقع التشبيه به، أو بلازمه، لا وصف للمشبه، أو المشبه به لا تعلق له بالتشبيه؛ فلذلك ظهر الموجب لذكر هذا القسم فى قسم المجمل الذى لم يذكر وجهه، ولم يذكر فى قسم ما ذكر وجهه، وهو المفصل؛ لأنه مع ذكر الوجه لا حاجة إلى ذكر الوصف المنبئ عنه، والذى يظهر أن الوصف لأحد الطرفين هو حصته من وجه الشبه، وأن الوجه المذكور ذكر المعنى الكلى الثابت للطرفين. ص: (وأيضا إما قريب إلى آخره). (ش): هذا تقسيم ثالث للتشبيه، وهو باعتبار وجه الشبه إما تشبيه قريب أى وهو الممتهن المستعمل للعامة، أو بعيد - أى غريب - مستعمل للخاصة. (فالقريب ما ينتقل فيه) أى: الذهن (من المشبه إلى المشبه به من غير تدقيق نظر؛ لظهور وجهه فى بادى الرأى) وهو علة لقوله: ينتقل، وذلك الظهور إما أن يكون، لكون وجه الشبه أمرا جمليا، فإن الجملة أسبق إلى النفس والحس، وأظهر عندهما من التفصيل، فإن الشئ يدرك أولا، ثم إذا أمعن النظر، أدرك تفصيله، كما أن إدراك الإنسان من حيث هو شئ ما أو جسم، أو حيوان أسبق إلى الفهم، وأظهر من إدراكه من حيث كل واحد من أجزائه؛ لأن الثانى يشتمل على الأول وزيادة، وكأن مراده بالجملى: إدراك الشئ مجملا، لا مفصلا بمعنى إدراك جنسه، أو صفة صادقة عليه، وعلى غيره، وإما أن يكون ذلك لكون الوجه مفصلا؛ لكونه قليل التفصيل. (قوله: مع غلبة حضور المشبه به فى الذهن) قال الخطيبى: هو قيد فى نوعى قرب الوجه، أى: إنما يكون قربه، لكونه جمليا مع حضور المشبه به، أو لكونه قليل التفصيل مع حضور المشبه به، ثم قسم حضور المشبه به إلى قسمين: تارة يكون حضوره عند حضور المشبه، لقرب المناسبة بينهما، كتشبيه الجرة الصغيرة بالكوز فى المقدار، والشكل فى قليل التفصيل، وتارة يكون حضور المشبه به فى الذهن غالبا مطلقا أى سواء أكان مع حضور المشبه، أم لا، وحضور الشئ مطلقا يكون لتكرره على الحس.

стр. 724

إما عند حضور المشبّه؛ لقرب المناسبة؛ كتشبيه الجرّة الصغيرة بالكوز، فى المقدار والشكل. أو مطلقا؛ لتكرّره على الحس؛ كالشمس بالمرآة المجلوّة فى الاستدارة والاستنارة؛ لمعارضة كلّ من القرب والتفصيل. وإما بعيد غريب، وهو بخلافه؛ لعدم الظهور: إما لكثرة التفصيل؛ كقوله: والشمس كالمرآة، ... ــ وينبغى أن يقال: أو على الفكر، والتكرر سبب الإلف. وقال السكاكى: التوفيق بين حكم الإلف، وحكم التكرر أحوج شئ إلى التأمل، يعنى فإن التكرار مكروه؛ لأنه يمل، وجبلت القلوب على معاداة المعادات، والإلف يحتاج إلى التكرار، فلو كان التكرار يورث الكراهة، لكان المألوف أكره شئ عند النفس. وقد أجيب عنه بأن التكرار المكروه، ما لم يترتب على إعادته فائدة، أما إذا ترتب فإنه غير مكروه، وهو مألوف كالطعام اللذيذ ورؤية المحبوب. والذى لا فائدة فيه، كتكرار الإخبار بشئ واحد من شخص واحد. وقال الشيرازى: التكرار الموجب للإلف ما لم يكن للإنسان منه بد، كالأشياء الستة الضرورية المذكورة فى الطب، والذى يوجب الكراهة التكرار فيما للإنسان منه بد. وأورد عليه أن من الضروريات ما ليس مألوفا، ولكن يفعل للضرورة، كالاستفراغات. ومثل المصنف لما نحن فيه بتشبيه الشمس بالمرآة المجلوة للاستدارة والاستنارة، فإن كل واحد من قرب المناسبة المقتضى لحضور المشبه به فى الذهن عند حضور المشبه ومن التكرار المقتضى لحضوره فى الذهن مطلقا، يعارض التفصيل المقتضى لبعده. يعنى أن التفصيل كان مقتضيا للبعد، فعارضه كل من هذين الأمرين، فيبقى الآخر مرجحا فصار التشبيه قريبا، وقوله: يعارض التفصيل يعنى التفصيل القليل، أما الكثير فلا يعارضه هذان كما سيأتى، ويلوح لك من هذه العلة أن هذا القيد ليس فى الوجه الجملى أيضا، كما زعم الخطيبى، بل فى الوجه القليل التفصيل فقط. (قوله: وإما بعيد) معطوف على قوله: إما قريب، أى: التشبيه قد يكون بعيدا غريبا، وهو بخلاف ما سبق فيكون القريب، ما يحصل من غير تدقيق نظر، والبعيد ما كان كثير التفصيل، أو قليله، إلا أن المشبه فيه غير غالب الحضور. وقوله: (غريب) مقابل لقوله: فى القريب مبتذل، والمراد بالغرابة: قلة الاستعمال، وقوله: (لعدم الظهور) علة للبعد، والمراد عدم ظهور الوجه، وقوله: (لكثرة التفصيل) تعليل لعدم الظهور، وهو إشارة إلى النوع الأول. (كقوله: والشمس كالمرآة) يشير إلى قول الشاعر:

стр. 725

أو ندور حضور المشبّه به: إمّا عند حضور المشبّه؛ لبعد المناسبة؛ كما مر. وإمّا مطلقا؛ لكونه وهميّا، أو مركبا خياليّا، أو عقليّا؛ كما مر. أو لقلّة تكرّره (١) على الحس؛ كقوله: والشمس كالمرآة؛ فالغرابة فيه من وجهين (٢). ــ والشمس كالمرآة فى كفّ الأشل (٣) فإن الوجه فيه كثير التفصيل؛ لما فيه من الإشراق، والاستدارة، والتموج وغير ذلك، بخلاف قولنا: الشمس كالمرآة، من غير أن تقول: فى كف الأشل، فإن التفصيل فيه قليل، فهو مثال للقسم السابق كما تقدم. (قوله: أو ندور حضور المشبه به) هذا هو النوع الثانى، أى: بأن يكون الوجه قليل التفصيل؛ إلا أن حضور المشبه به نادر، وفيه نظر؛ ينبغى أن يقول: غير غالب؛ لأن القريب ما كان غالبا، والبعيد بخلافه، وخلاف الغالب أعم من النادر، والكثير الذى لا يغلب والمتوسط. وقوله: (إما عند حضور المشبه) أى إما أن تكون ندرة حضوره عند حضور المشبه (لبعد المناسبة) بين الطرفين (كما مر) فى تشبيه البنفسج بأطراف الكبريت، وإما أن يكون ندور المشبه به مطلقا؛ لكون الوجه وهميا، أو مركبا خياليا، أو مركبا عقليا، وكان ينبغى أن يكتفى بذكر العقلى عن الوهمى، كما صنع حين قسم الوجه إلى عقلى وحسى، ولم يذكر الوهمى إدخالا له فى العقلى. (قوله: كما مر) أى من الأمثلة، فالوهمى كتشبيه السهام بأنياب أغوال، والخيالى تشبيه الشقيق بأعلام ياقوت، والعقلى كالتشبيه فى قوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً (٤) أو تكون الندرة لقلة تكرره على الحس كقوله: والشّمس كالمرآة فى كفّ الأشل فربما يقضى الرجل دهره، ولا يرى مرآة فى كف الأشل؛ فالغرابة فى قولنا: كالمرآة فى كف الأشل من جهة ندرة المشبه به، لقلة تكرره على الحس، ومن جهة كثرة التفصيل.

стр. 726

والمراد بالتفصيل: أن تنظر فى أكثر من وصف، ويقع على وجوه، أعرفها: أن تأخذ بعضا، وتدع بعضا؛ كما فى قوله (١) [من الطويل]: حملت ردينيّا كأنّ سنانه ... سنا لهب لم يختلط بدخان وأن تعتبر الجميع؛ كما مرّ من تشبيه الثريا. وكلّما كان التركيب من أمور أكثر، كان التشبيه أبعد. ــ ص: (والمراد بالتفصيل، أن ينظر فى أكثر من وجه واحد إلى آخره). (ش): المراد بالتفصيل أن يكون المنظور فيه للتشبيه أكثر من وصف، سواء أكان وصفين، أم ثلاثة، أم أكثر، وسواء أكان ذلك الأكثر لشيء واحد، أم أكثر. قوله: (ويقع، أى: التفصيل على وجوه) ينبغى أن يقول: على أحد وجوه، أعرفها وجهان: أحدهما: أن يأخذ بعض الأوصاف، ويدع بعضها. كقول امرئ القيس: حملت ردينيا كأنّ سنانه ... سنا لهب لم يتّصل بدخان (٢) المراد رمح منسوب إلى امرأة تسمى ردينة، فحصل التفصيل باعتبار أنه لم يأخذ سنا اللهب، بل اعتبره بقيد كونه لم يتصل بدخان على خلاف المعهود، فإن اللهب لا ينفك فى المعهود عن الدخان، فالشاعر فصل وأخذ اللهب منفصلا عن الدخان، واستحضاره اللهب المنفصل عن الدخان، لا يقع فى الخاطر إلا بتدقيق الفكر، وبهذا ظهر أن مراده بأخذ بعض الأوصاف وترك بعض: أن يأخذ الحقيقة، مريدا بعض أوصافها، مشترطا تعريها عن بعض الأوصاف، وهذا أخص من قولنا: ويدع بعضا. (قوله: وأن يعتبر الجميع) هو الوجه الثانى، أى: يعتبر جميع أوصاف ذلك الشئ كما سبق. وفيه نظر؛ لأن اعتبار جميع الأوصاف لا يمكن، فينبغى أن يقال: جملة منها، أو يقال: وجميع الأوصاف التى يجتمع منها تركيب فى المعنى. مثاله: تشبيه الثريا بعنقود ملاحية، فإنه اعتبر فيها سبعة أشياء كما تقدم، وأورد على المصنف أنه ذكر أولا وجوها، ولم يذكر إلا اثنين، وهو غير وارد، كأنه لم

стр. 727

والبليغ: ما كان من هذا الضّرب لغرابته، ولأنّ نيل الشيء بعد طلبه ألذّ ... ــ يتصور قسم ثالث؛ لأنه إما أن يراد ترك بعض الأوصاف، أو لا يراد، فهو اعتبار الجميع. وجوابه: أن بين إرادة طرح البعض وإرادة الجميع واسطة وهو إرادة البعض، مع قطع النظر عن البعض فلا يكون بقيد تركه، ولا بقيد إثباته، وهو أقل تفصيلا من القسمين، فلذلك كانا أعرف منه. نعم ما ذكره المصنف مخالف لكلام الشيخ عبد القاهر، فإنه عد الأعرف أكثر من ذلك، وكلما كان التركيب، أى: تركيب وجه الشبه من أمور أكثر من غيرها، كان التشبيه أبعد، أى: أبعد عن الذهن، كما فى قوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا (١) إلى قوله: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ فإنها عشر جمل، وقع التركيب من مجموعها، بحيث لو سقط منها شئ اختل المقصود من التشبيه، وكأن المصنف أراد بالعشر: (١) أنزلناه. (٢) فاختلط. (٣) مما يأكل. (٤) حتى إذا أخذت. (٥) وازينت. (٦) وظن. (٧) أنهم قادرون. (٨) أتاها. (٩) فجعلناها. (١٠) كأن لم تغن. وفيه نظر؛ لأنه إذا اعتبر صورة الجملة، وجعل: أنهم قادرون عليها جملة، مع كونها فى حكم المفرد، فليعد كأن لم تغن جملة، ولم تغن وحده جملة حادية عشرة، إلا أن يفرق بأن: ظن أهلها جملة وحدها، بخلاف: كأن لم تغن بالأمس فإن الجملة الصغرى فيه جزء من الكبرى، وإذا قلنا: إن الوقف على: فاختلط - كما جوزه الزمخشرى - كانت اثنتى عشرة. (قوله: والبليغ) أى التشبيه البليغ، هو ما كان من هذا الضرب، أى: كثير التفصيل لا غيره. (قوله: لغرابته) تعليل لكون الغريب بليغا، فإنه لا تدركه إلا الخاصة، ويعلل حسنه وبلاغته أيضا، بأن نيل الشئ بعد طلبه ألذ، وكلما كثرت الأوصاف التى يقع بها التركيب كثر الطلب، ولذلك يقال: الحاصل بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب. لا يقال: إذا كثر التركيب حصل التعقيد المنافى للبلاغة، كما سبق فى مقدمة الكتاب، لأن المراد بعدم ظهور التشبيه دقته ولطفه وترتيب بعض المعانى على بعض، التعقيد المذموم ما حصل بسبب تركيب الألفاظ، أو اختلال الانتقال من المعنى الأول إلى المعنى الثانى المراد.

стр. 728

وقد يتصرف فى القريب بما يجعله غريبا؛ كقوله [من الكامل]: لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلّا بوجه ليس فيه حياء وقوله [من الكامل]: عزماته مثل النّجوم ثواقبا ... لو لم يكن للثّاقبات أفول ــ قيل: المراد بالبليغ هنا: ما بلغ القبول من القلوب، وإلا فالبليغ بالاصطلاح هو الكلام، أو المتكلم، والتشبيه: دلالة المتكلم، وليس منهما وفيه نظر؛ لجواز أن تكون الدلالة صفة اللفظ، كما سبق، فيكون التشبيه صفة للكلام البليغ. وصح تسميته: بليغا ببلاغة موصوفه، وهو الكلام. ثم أشار المصنف إلى أنه قد يحصل الخروج عن الأصل، فيتصرف فى التشبيه القريب، بما يجعله غريبا فيصير بليغا، كقول المتنبى: لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلّا بوجه ليس فيه حياء (١) يريد أن هذا الوجه الحسن الذى أشار إليه لم تبرز الشمس لمقابلته، إلا ولها وجه ليس فيه حياء؛ لأنها لو استحيت لما برزت فى مقابلته، فتشبيه الوجه بالشمس مشهور مبتذل، وإنما قوله: ليس فيه حياء، جعل هذا التشبيه القريب المشهور غريبا، فصار بليغا. ولك أن تقول: أين التشبيه هنا، ولا أداة تشبيه ظاهرة، ولا مقدرة؟ وإن أراد التشبيه المعنوى فليس الكلام فيه، وحاصل ما قاله: أن الشمس لا تصل أن تشبه هذا الوجه، فهو تشبيه منفى المشبه فيه هو الشمس، والمشبه به هو الوجه، وتشبيه الشمس بالوجه الحسن ليس مبتذلا، إنما المبتذل عكسه، وهذا ينحل إلى أن يكون كقولنا: هذا الوجه أحسن من الشمس، وقد تقدم الكلام فى كونه تشبيها أولا. ثم ذكر المصنف قسما آخر مما يصير التشبيه القريب به، بعيدا بليغا وهو أن يشبه شئ بشئ بشرط شئ، إما لفظا، أو معنى، وأشار إليه بقوله: وكقوله: عزماته مثل النّجوم ثواقبا ... لو لم يكن للثّاقبات أفول (٢)

стр. 729

ويسمّى هذا: التشبيه المشروط ... ــ فإن تشبيه العزمات بالثواقب مبتذل، إلا أن تشبيهها بشرط أن لا يكون لها أفول غريب. وحاصل هذا البيت نفى التشبيه بالنسبة إلى مجموع الأوجه، فإن نصفه الأول فى المعنى جواب لو كأنه قال: لو لم يكن للثاقبات أفول لكانت عزماته كالثاقبات، وجواب لو ممتنع فكأنه قال: ليست عزماته كالثاقبات. وفيه نظر؛ لأن المبتذل إثبات تشبيه الآراء بالشهب، أما نفى شبهها للشهب مبالغة فيها فليس مبتذلا، ثم المعنى على أن المراد ليست الثاقبات كالآراء فهو عكس المبتذل، ولا يخفى أن مثل هنا للمماثلة من كل وجه؛ لأنه لو لم تقصد المناسبة من كل وجه يناسب المدح، لكانت عزماته كالنجوم، وإن كان للنجوم أفول لاشتراكهما فى غير ذلك من الأوجه، وتقدمت الإشارة لهذا عند الكلام على الأداة. (قوله: ويسمى هذا: التشبيه المشروط)؛ لأنه شبه شئ بشئ بشرط شئ آخر فيه، والظاهر أن الغرابة فى هذا من أن المقصود فيه التشبيه بالنجوم من كل وجه ممكن، وقوله: هذا الوجه أنه إشارة للمثال الثانى لا الأول، وجعله بعض الشارحين إليهما نكلفا لا حاجة له، فإن كلام الإيضاح كالصريح فى عدم عوده إلى الأول؛ ولأن بيت المتنبى ليس فيه شرط، لا لفظا ولا معنى، ومن التشبيه المشروط فيه قوله: مها الوحش إلّا أنهنّ أوانس ... قنا الخطّ إلّا أن تلك ذوابل (١) وقوله: يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيّا يمطر الذّهبا (٢) قال فى الإيضاح: وقد يخرج من الابتذال بالجمع بين عدة تشبيهات، كقوله: كأنّما يبسم عن لؤلؤ ... منضّد، أو برد، أو أقاح (٣) وقد تقدم الكلام على ما يرد عليه، ونزيد هنا أن هذه ليست تشبيهات، بل تشبيه بأشياء إن ثبت ذلك كما قالوه، وإلا فالحق أنه تشبيه بأحد أشياء، كما هو مدلول" أو"

стр. 730

وباعتبار أداته: إما مؤكّد، وهو ما حذفت أداته؛ مثل قوله تعالى: وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ (١)، ومنه نحو [الكامل]: والرّيح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء أو مرسل، وهو بخلافه؛ كما مر. وباعتبار الغرض: إما مقبول، وهو الوافى بإفادته؛ كأن يكون المشبّه به أعرف شئ بوجه الشبه فى بيان الحال ... ــ وهذا البيت مشهور على هذا الوجه، لكن قال ابن رشيق فى العمدة: إن رواية أكثر أهل الأندلس والمغرب: كأنّما يبسم عن لؤلؤ ... أو فضّة، أو برد، أو أقاح فيكون المشبه به أربعة. ص: (وباعتبار أداته إلى آخره). (ش): التشبيه باعتبار أداته، وهو التقسيم الثالث قسمان: مؤكد، ومرسل. فالمؤكد ما حذفت أداته، كقوله تعالى: وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ أى تمر كمر السحاب، ومنه قوله: والريح تعبث بالغصون، وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء (٢) وفى جعل هذا منه نظر؛ لأن هذا استعارة، لا تشبيه، ولا ينجى من ذلك قوله: (ومنه)؛ لأن الضمير عائد إلى التشبيه، وإنما هذا تشبيه معنوى ليس الكلام فيه، والمراد بالأصيل قريب الغروب، فإن الشمس فيه يكون شعاعها أصفر كالذهب، واللجين بضم اللام: الفضة، وقول الخطيبى: إن اللجين فى البيت بفتح اللام، وهو الورق المتناثر عند الخبط ليس صحيحا، ويسمى هذا القسم مؤكدا لتأكده بحذف الأداة كما سيأتى، والمرسل بخلافه، أى: ما ذكرت أداته كما مر. ص: (وباعتبار الغرض إلى آخره). (ش): هذا التقسيم الرابع، فالتشبيه باعتبار الغرض إما أن يكون مقبولا، أو مردودا.

стр. 731

أو أتمّ شئ فيه فى إلحاق الناقص بالكامل، أو مسلّم الحكم فيه معروفة عند المخاطب فى بيان الإمكان. أو مردود؛ وهو بخلافه. خاتمة أعلى مراتب التشبيه فى قوّة المبالغة باعتبار ذكر أركانه أو بعضها: حذف وجهه وأداته فقط، أو مع حذف المشبّه، ... ــ فالمقبول الوافى بإفادة الغرض، إما لكون المشبه به أعرف الأشياء بوجه الشبه فى بيان الحال، أى: إذا كان المقصود بيان حال المشبه من جهة وجه الشبه، أو بيان مقداره. فلو شبهت شيئا بالمسك فى الرائحة كان مقبولا؛ لأن المسك أعرف الأشياء فى الرائحة، ولو شبهته به فى السواد، كان مردودا. قال عم الفارسى: ويجب فى إرادة المقدار أن لا يكون المشبه به فى وجه الشبه أزيد، ولا أنقص من المشبه بحسب الإمكان؛ لأنه كلما كان أدخل فى السلامة من الزيادة والنقصان كان أبلغ. (قوله: أو أتم شئ) معناه: أو يكون المشبه به أتم شئ فى إلحاق الناقص بالكامل، أى: يقصد ذلك عند إرادة إلحاق الناقص بالزائد، ومقتضاه أنه إذا قصد إلحاق الناقص بالزائد كان المشبه به أتم مطلقا، وهو خلاف ما فى أول كلامه، من أنه إنما يكون أتم فى أربع من تلك الأحوال، أو يكون المشبه به مسلم الحكم معروفه عند المخاطب، وذلك يستعمل عند إرادة إمكان المشبه كما سبق فى قوله: فإنّ المسك بعض دم الغزال والتشبيه المردود بخلافه، أى: ما نقص عن إفادة الأغراض المذكورة، وقد جعل جماعة السلامة من الابتذال من أسباب القبول، ولا شك أن قسمى القبول والرد مع قسمى القرب والبعد متفاوتان. خاتمة ص: (فصل أعلى مراتب التشبيه). (ش): هذا الفصل يتضمن ما بين صيغ التشبيه من التفاوت فى المبالغة، بحسب ذكر جميع الأركان، أو ذكر البعض. وقد علم أن للتشبيه أربعة أركان، المشبه والمشبه به، والأداة، ووجه الشبه؛ فالصيغ الممكنة فى التعبير عن ذلك ثمان عشرة:

стр. 732

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إحداها: أن تذكر الأربعة، كقولك: زيد كالأسد فى الشجاعة. الثانية: أن يحذف المشبه فقط، كقولك: كالأسد فى الشجاعة، أى: زيد إذا حذفت المبتدأ فى جواب استفهام أو غيره، وليس لواحدة من هاتين الصورتين شئ من القوة؛ لعدم الموجب لها. الثالثة: أن تحذف الأداة فقط، كقولك: زيد أسد فى الشجاعة، وفيه نوع قوة؛ لجعل المشبه فى ظاهر اللفظ هو المشبه به. الرابعة: أن يحذف وجه الشبه فقط، كقولك: زيد كالأسد، وفيها نوع قوة ليس فى التى قبلها؛ لأن وجه الشبه عند حذفه، عام فى الظاهر، يعنى به عموم بدل وصلاحية، لا عموم استغراق، كما سبق تقريره عند الكلام على الأداة. لا يقال: هو مجمل، والمجمل ليس أبلغ من المفصل، بل المفصل فيه زيادة؛ لأنا نقول: قد يكون الإجمال أبلغ، لتذهب نفس السامع كل مذهب، كما سبق فى باب الإيجاز فى نحو: (ولو ترى) وقد عرف بهذا أن لكل من هذا النوع والذى قبله قوة ليست للآخر. الخامسة: أن يحذف المشبه به، وهذا القسم لم يتعرضوا له توهما منهم أنه متعذر، وليس كذلك، بل مثاله كقولك: زيد مثل فى الشجاعة، أى: مثل الأسد، بقرينة تدل على إرادة الأسد، والظاهر أنه لا قوة لهذا. السادسة: أن يحذف اثنان، وهما المشبه، وكلمة التشبيه، كقولك: أسد فى الشجاعة، أى: زيد، فهى كقولك: زيد أسد فى الشجاعة، ولها نوع قوة هى كالنوع الثالث؛ إذ لا فرق بين التصريح بذكر المشبه، وتركه. السابعة: أن يحذف المشبه والمشبه به، كقولك: مثل فى الشجاعة، أى: زيد، وهى كالخامسة. الثامنة: أن يحذف المشبه ووجه الشبه، كقولك: كالأسد، وهى كقولك: زيد كالأسد، كما سبق. التاسعة: أن تحذف الأداة والمشبه به، كقولك: زيد فى الشجاعة، أى: زيد كالأسد فى الشجاعة، فى جواب من سأل عن مثل الأسد، ولا قوة لهذا.

стр. 733

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العاشرة: أن تحذف الأداة والوجه، كقولك: زيد أسد، وهو أقوى الجميع لإثبات المشبه به فى الظاهر للمشبه، وحذف الوجه، فقد اجتمع فيه القوتان. الحادية عشرة: أن يحذف المشبه به والوجه، كقولك: زيد مثل، وذلك يكون فى الجواب عن الاستفهام عن مماثل الأسد، أو عن حكم زيد مع الأسد، فتقول: مثل. الثانية عشرة: أن يحذف ثلاثة، وهى المشبه، والأداة، والمشبه به، كقولك: فى الشجاعة مريدا زيد كالأسد فى الشجاعة، فى جواب من قال: فى أى شئ يشبه زيد الأسد؟ الثالثة عشرة: أن يحذف ثلاثة، وهى المشبه، والأداة، والوجه، كقولك: الأسد، فى جواب ما الذى يشبهه زيد؟ الرابعة عشرة: أن يحذف المشبه، والمشبه به، والوجه، كقولك: مثل، فى جواب من قال: ما حكم زيد مع الأسد؟ الخامسة عشرة: أن تحذف الأداة، والمشبه به، والوجه، كقولك: زيد، فى جواب من يشبه الأسد؟ السادسة عشرة (١): أن يحذف المشبه، والمشبه به، والوجه، ويقتصر على الأداة، كقولك: مثل، فى جواب: ما شأن زيد مع عمرو؟ وكذلك: كأن فى نحو قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ (٢) قال عبد اللطيف البغدادى فى قوانين البلاغة: حذف المشبه، وليس فى الكلام مشبه به أصلا، وحقيقته أن الفعل المنفى المشبه به مسكوت عنه. السابعة عشرة: أن يحذف الجميع، كالتشبيه المعلق على شرط، فإنه يحذف اكتفاء بدليله فى نحو قوله: عزماته مثل النّجوم ثواقبا ... لو لم يكن (٣) للثّاقبات أفول (٤)

стр. 734

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإن تقديره على مذهب البصريين: لو لم يكن للثاقبات أفول لكانت عزماته كالثاقبات، وكذلك قوله: بلد لها شرف سواها مثلها ... لو كان مثلك فى سواها يوجد (١) وكذلك بحذف التشبيه فى نحو قولك: زيد أبوه كالأسد، وعمرو، أى: وعمرو أبوه كالأسد. الثامنة عشرة: أن يذكر المشبه ولازم المشبه به، كالاستعارة بالكناية والتخييل، فى قوله: وإذا المنيّة أنشبت أظفارها (٢) على رأى المصنف، ولكن هذا لا يرد عليه، فإنه التزم أنه لا يذكره فى هذا الباب، بل يفرده بالذكر عند ذكر الاستعارة، ثم إذا تقرر ذلك فاعلم أن المصنف وغيره لم يذكروا من رتب التشبيه إلا ثمانية، وحصروه فيها؛ لعدم اعتبارهم حذف المشبه به، والصواب ما ذكرناه. ثم اعلم أن قوة التشبيه فى هذه الصورة منحصرة فى أمرين: أحدهما - أن تكون أداة التشبيه محذوفة، والثانى - أن يكون وجهه محذوفا، فحيث حصل حذفهما، فهو أقوى الأقسام، وحيث حصل حذف أحدهما حصل نوع قوة، وحيث انتفيا فلا قوة. وظاهر كلامهم استواء بقية الصور فى الضعف فلنرجع لعبارة المصنف، فقوله: أعلى مراتب التشبيه فى قوة المبالغة باعتبار ذكر أركانه تحرز به عن مراتبه بالنسبة إلى الأقسام السابقة، فإنه متفاوت بحسبها من كون الوجه مركبا، أو مفردا، حسيا، أو عقليا بالنسبة إلى اختلاف أداته، وغير ذلك.

стр. 735

ثم حذف أحدهما كذلك (١)، ولا قوّة لغيرهما (٢) ... ــ وقوله: حذف وجهه وأداته فقط، أو مع حذف المشبه خبر المبتدأ، يعنى أو حذفهما مع حذف المشبه، يشير إلى استواء ذكر المشبه به، وحذفه فى مبالغة التشبيه، وإن كانا مختلفين باعتبار الإيجاز وغيره، لكن ذلك لا يرجع لقوة التشبيه وضعفه، فهاتان صورتان. (قوله: ثم حذف أحدهما) أى ثم يليه فى القوة حذف أحدهما، أى: حذف الوجه دون الأداة، سواء أكان المشبه مذكورا نحو: زيد كالأسد، أم غير مذكور، نحو: كالأسد، أو حذف الأداة دون الوجه، سواء أكان المشبه مذكورا، نحو: زيد أسد؛ أم غير مذكور، نحو: أسد؛ فدخل فيه أربع صور. وقوله: (ولا قوة لغيره) دخل فيه بقية الأقسام، وظاهر عبارته استواء: زيد أسد فى الشجاعة، وزيد كالأسد؛ لأن نوعى القوة فيه على السواء، وعلى المصنف مناقشة؛ فإنه جعل حذف كلمة التشبيه ووجهه أبلغ الصور الثمان، ثم جعل الثامنة وهى إفراد المشبه به بالذكر مساوية للسابعة، وهى حذف كلمة التشبيه والوجه، لا يقال: هما صورة واحدة؛ إذ لا فرق بين قولك: زيد أسد، وقولك: أسد؛ لأنا نقول: المصنف جعل الصور ثمانيا، وحكم على اثنتين منهما بأنهما أقوى، فلا يكون غيرهما كذلك. ولا يخفى أن هذه الأقسام بعد التفريع على أن زيدا أسد تشبيه لا استعارة، وقد تقدم الكلام عليه. واعلم أن (قوله: أعلى مراتب التشبيه، حذف كذا وكذا، ثم حذف كذا) عبارة ظاهرها أن أعلى المراتب أن يقع فيه حذف أمرين، ثم حذف أمر، وهو غير المراد، ووجهه أن" ثم" قد تأتى لمجرد بيان الترتيب فى الدرجة، سواء أكان بين الصورتين ترتيب، أم لا، بل ربما كان الثانى فى الزمان قبل الأول، كقوله:

стр. 736

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إنّ من ساد، ثمّ ساد أبوه ... ثمّ قد ساد بعد ذلك جدّه (١) ومع هذا لا يحصل بهذا الاعتذار عما تقتضيه ثم فليكن الجواب أن التقدير ثم أعلى المراتب، أى الباقية حيث لم يحذفا هو حذف أحدهما، والله أعلم. (تم الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع أوله الحقيقة والمجاز)

стр. 737

الحقيقة والمجاز وقد يقيدان باللغويّين: ... ــ الجزء الرابع الحقيقة والمجاز ص: (الحقيقة والمجاز وقد يقيدان باللغويين). (ش): هذا هو القسم الثانى من علم البيان، والمقصود فيه (١) بالذكر، إنما هو المجاز لكنه احتاج إلى ذكر الحقيقة؛ لأن المجاز فرع عن الوضع للحقيقة على قول، وعن الوضع والاستعمال المستلزمين لوجود الحقيقة على قول، ولأنه لا بد من انتقال الذهن فى المجاز؛ فاحتاج إلى الحقيقة، وحاصله أن ذكر الحقيقة فى هذا العلم تبع للمجاز، بخلاف غيره من العلوم، ولذلك يقال: المجاز فى علم البيان أصل، وأيضا فالمجاز يشير تعريفه إلى تعريف الحقيقة؛ لاشتمال تعريفه على العدم، وهو قولنا:" غير ما وضع له"، واشتمال تعريف الحقيقة على الملكة، وهو قولنا: ما وضعت له، وتصور العدم يلزم منه تصور الملكة، وإنما قدم تعريفها على تعريفه؛ لأنها الأصل لغة، أو لتقدم تصور الملكة على تصور العدم. (قوله: الحقيقة والمجاز)؛ أى: هذا باب الحقيقة، والمجاز (قوله: وقد يقيدان باللغويين) يشير إلى أن منهم من تكلم فى هذا الباب على الحقيقة والمجاز مطلقا، فدخل اللغويان والعقليان، ومنهم من تكلم على الحقيقة والمجاز اللغويين، ولم يتكلم على العقليين بل جعلهما فى علم المعانى، كما فعل المصنف، فالمقيد باللغويين يخرج العقليين؛ قال الخطيبى: لا حاجة إلى التقييد باللغوى؛ لأن العقلى وقع الكلام عليه فيما سبق، بل التقييد باللغوى يخرج الشرعى والعرفى، ولا يصح؛ لأن هذا الباب معقود للكلام عليهما أيضا، كما سيأتى، ولا يحسن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: الشرعية والعرفية يدخلان فى اللغوى، باعتبار أن لهما نسبة إلى اللغة، فيسميان حقيقتين لغويتين أيضا لأنا نقول: قولنا: الشرعية حقيقة لغوية من المغالطة المسماة فى المنطق: اشتراك القسمة وتركيب المفصل، وهو ما يصدق من القول مفردا ولا يصدق مركبا، كقولك:" طبيب ماهر"، تريد: ماهرا فى الشعر، وكذلك: حقيقة لغوية، معناه إذا أريد الشرعية لغوى أصلها.

стр. 738

الحقيقة: الكلمة المستعملة فيما وضعت له، فى اصطلاح التخاطب"؛ ... ــ الحقيقة: ص: (الحقيقة إلخ). (ش): شرع فى حد كل منهما، فالحقيقة هى الكلمة المستعملة فيما وضعت له فى اصطلاح التخاطب فقوله:" الكلمة: جنس"، وأورد أنه يخرج عنه المركب، فإنه ليس بكلمة، فينبغى أن يقول:" اللفظ"، ليشمل المركب، فإنه ينقسم أيضا إلى الحقيقة والمجاز، إلا أن يريد بالكلمة ما يقابل الكلام أو أعم، فإنها حينئذ تتناول المركب أيضا، أو يقال: المركب ليس بموضوع،" قلت": فيه نظر، فإن المركبات الإسنادية ولو قلنا: إنها موضوعة، فقد يقال: إنما تسمى حقائق ومجازات، باعتبار العقل، فهى عقلية لا لغوية؛ لأن للعقل فيها تصرفا فإذا قلنا: إن العرب وضعت زيد قائم، لإفادة نسبة القيام لزيد، فكون ذلك حقيقة أو مجازا لا يعرف إلا بتصرف العقل فى تحقيق الإسناد وعدمه، ثم قول الخطيبى:" إلا أن يريد بالكلمة ما يقابل الكلام" فيه نظر؛ لأنه إذا أراد ما يقابل الكلام دخلت المركبات الإضافية، وخرجت المركبات الإسنادية والقائل: بأن المركبات موضوعة قائل به فى المركبات الإسنادية قطعا. وقوله: " المستعملة" فصل أخرج الكلمة قبل الاستعمال فإنها لفظ موضوع، وليس بحقيقة ولا مجاز، ومقتضى هذا الاحتراز أن يكون اللفظ قبل الاستعمال وبعد الوضع يسمى كلمة ويشهد له قولهم: الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد وفيه احتمال وفى كلام كثير ما يقتضى تقييدها بالمستعمل. وقوله: " فيما وضعت له" قال المصنف:" هو احتراز عن شيئين: أحدهما: ما استعمل فى غير ما وضع له غلطا، كما إذا أردت أن تقول لصاحبك: خذ هذا الكتاب. مشيرا إلى كتاب بين يديك، فغلطت فقلت:" خذ هذا الفرس" (قلت): فيه نظر، لأن الغلط ليس بكلام لغوى، فلا يسمى كلمة، كما أن كلام النائم لا يسمى كلاما. قال: والثانى أحد قسمى المجاز، وهو ما استعمله فيما لم يكن موضوعا له، لا فى اصطلاح التخاطب ولا فى غيره. كلفظ:" أسد" فى الرجل الشجاع. نعم قد خرج بقوله فيما وضعت له الأعلام، فإنها مستعملة فى غير ما وضعت له، فليست حقيقة ولا مجازا، وقد صرح بهذا الاحتراز، القشيرى وغيره. وقال الشيرازى فى شرح المختصر:" وخرج به ما استعمل فيما لم يوضع له، كالوضع الجديد، كما إذا قلت لمخاطبك: هات السكين، مشيرا إلى الكتاب، فإن السكين فى الكتاب وضع جديد غير مندرج تحتها؛ لأن اللفظ فى ابتداء الوضع ليس حقيقة ولا مجازا"، وفيه نظر؛ لأن هذا القائل إن أراد وضعا جديدا وهو ممن له أن يضع فقوله ذلك وضع واستعمال، فيكون حقيقة، وإن

стр. 739

والوضع: تعيين اللفظ للدّلالة على معنى بنفسه؛ فخرج المجاز؛ لأنّ دلالته بقرينة، دون المشترك (١)، ... ــ كان هذا القول غلطا، فقد تقدم الكلام عليه. وقولنا:" فى اصطلاح التخاطب"، أخرج به القسم الثانى من المجاز: وهو ما استعمل فيما وضع له لكن لا فى ذلك الاصطلاح الذى وقع به التخاطب عند الاستعمال، كاستعمال" الصلاة" بعرف الشرع فى الدعاء، فإنه كلمة مستعملة فيما وضعت له، ولكن لا فى هذا الاصطلاح الذى وقع به التخاطب، فهو مجاز شرعى وإن كان حقيقة لغوية. وقد يقال: إذا استعملت الصلاة بعرف الشرع فى الدعاء لم تستعمل فيما وضع له، لأنها وإن وضعت للدعاء فلم تستعمل فيه بالوضع الشرعى، فلا توصف حال استعمالها بعرف الشرع أنها استعملت فيما وضعت له بوجه ما، وإلا لزم أن يكون المجاز موضوعا، وسيأتى أنه غير موضوع، وقد دخل فى هذا الحدّ الحقائق الأربع: اللغوية، والشرعية، والعرفية العامة، والعرفية الخاصة، ويمكن أن يقال:" فيما وضعت له فى اصطلاح التخاطب" فصل يخرج المجازات كلها والكلام فى اشتقاق الحقيقة والمجاز معروف فى كتب اللغة والأصول؛ وقوله: " فى اصطلاح التخاطب" يتعلق بقوله:" وضعت له"؛ أى: الكلمة المستعملة فى شئ، وهى موضوعة فى اصطلاح التخاطب لذلك الشئ الذى وقع به التخاطب؛ أى: الاستعمال. فإذا كان الخطاب بعرف الشرع، وأطلقت على الدعاء، فهى كلمة مستعملة فى شئ، وهى موضوعة فى هذا الاصطلاح لغيره، وقال بعض الشارحين: إنّ قوله:" فى اصطلاح التخاطب" يتعلق بقوله: " المستعملة"، ثم قال:" ولو قال: على اصطلاح لسلم من أن يردّ عليه أن جارين متحدين لفظا ومعنى لا يتعلقان بشئ واحد، وليس ما قاله مراد المصنف لما ذكره" ومن جهة المعنى أيضا، فإنه يلزم أن يكون إطلاق الصلاة على الدعاء باصطلاح" الشرعي" حقيقة لأنها كلمة مستعملة فى اصطلاح وقع به التخاطب، ومستعملة فيما وضعت له لغة، وهو عكس مقصوده. الوضع ص: (والوضع:" تعيين اللفظ للدلالة على معنى بنفسه، فخرج المجاز؛ لأن دلالته بقرينة دون الكناية). (ش): لما جعل الوضع قيدا فى الحقيقة احتاج لتعريفه؛ فقال:" إنه تعيين اللفظ للدلالة على معنى، وهذا حسن، وقوله:" بنفسه" يخرج تعيين اللفظ للدلالة على معنى

стр. 740

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بقرينة فهو المجاز، فذلك التعيين لا يسمى وضعا وأورد أن المراد بالتعيين: تعيين الواضع، والمجاز ليس فيه تعيين واضع، بل فيه استعمال، فلم يدخل فى قوله:" تعيين" فلا حاجة لإخراجه؛ فلذلك أتى بفاء السببية؛ فقال:" فخرج المجاز لأن دلالته بقرينة"، ولا يرد عليه ما يوهمه كلامه فى حد الحقيقة من أن المجاز موضوع؛ لأن المعنى هناك أنه موضوع فى اصطلاح آخر. والخطيبى ادعى: أن هذا الحد تدخل فيه الاستعارة، وأنها موضوعة، وأن تعيين اللفظ للدلالة بنفسه ينقسم إلى: وضع حقيقى، ومجازى؛ وفيما قاله نظر، وإنما ألجأه إلى ذلك، أنه قصد أن يجعل هذا مقدمة للجواب عن اعتراض المصنف على السكاكى الذى سيأتى فى أواخر الباب، وللأصوليين خلاف فى أن المجاز موضوع أولا، ذكرناه فى شرح المختصر (قوله: دون الكناية)، يريد أن الكناية لا تخرج عن الوضع، فإنها وضعت لأنها تدل على معنى بنفسها، لا بقرينة، وتقريره يظهر لمن راجع ما حققناه فى الكناية من أنها أريد بها موضوعها استعمالا، وأريد لازمه إفادة، فالكناية موضوعه؛ لأن اللفظ عين فيها للدلالة على معناه الذى هو موضوع اللفظ بنفسه، فكانت موضوعة، وكونها دالة على لازم ذلك المعنى بقرينة حالية، كدلالة طويل النجاد على طول القامة يحتاج إلى قرينة، لكن ذلك ليس المعنى الذى استعملت الكلمة فيه، وقد علم من كلامه أن الكناية قسم من أقسام الحقيقة؛ لكونها قسما من أقسام الموضوع، وهذا هو الحق، وسيأتى فى كلامه ما يخالف هذا، وتعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه تارة يكون مع إفادة شئ آخر بقرينة، فيكون حقيقة كناية، وتارة لا يكون، فيكون حقيقة فقط. وبهذا التحقيق ظهر أن ما ذكره الخطيبى من الاعتراض على المصنف والجواب وقوله: إن الكناية لا حقيقة ولا مجاز بعيد عن الصواب لا حاصل له، وقد أورد على المصنف أن قوله" بنفسه" لا يصح أن يتعلق بالدلالة لخروج الحرف، فإنه عين ليدل بغيره على معنى، لا بنفسه، وأوّل على أنه تعلق باللفظ على أنه حال، التقدير:" تعيين اللفظ كائنا بنفسه" أى: مع نفسه أى لا يصاحب ذلك اللفظ غيره، وفيه تعسف، وقد يلتزم الأول، ويقال: الحرف وضع لمعنى بعينه؛ ليدل بنفسه على معنى فى غيره، فإن الحرف دل بنفسه على معنى لا يعقل إلا متعلقا بغيره بخلاف المجاز، فإنه يدل بنفسه على معناه، إنما يدل على معناه بالقرينة، وإلى ما ذكره يشير كلام ابن الحاجب فى أماليه. (تنبيه): قد يورد على ما ذكرناه من حد الوضع أنه يخرج عنه المشترك، فإنه عين فيه اللفظ للدلالة على المعنى، لا بنفسه، بل بقرينة. وهذا السؤال استشعره السكاكى
следующие страницы →