← Баляга

Баляга · id 11151

عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح

السبكي، بهاء الدين

Полный текст (971 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إنّ من ساد، ثمّ ساد أبوه ... ثمّ قد ساد بعد ذلك جدّه (١) ومع هذا لا يحصل بهذا الاعتذار عما تقتضيه ثم فليكن الجواب أن التقدير ثم أعلى المراتب، أى الباقية حيث لم يحذفا هو حذف أحدهما، والله أعلم. (تم الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع أوله الحقيقة والمجاز)

стр. 737

الحقيقة والمجاز وقد يقيدان باللغويّين: ... ــ الجزء الرابع الحقيقة والمجاز ص: (الحقيقة والمجاز وقد يقيدان باللغويين). (ش): هذا هو القسم الثانى من علم البيان، والمقصود فيه (١) بالذكر، إنما هو المجاز لكنه احتاج إلى ذكر الحقيقة؛ لأن المجاز فرع عن الوضع للحقيقة على قول، وعن الوضع والاستعمال المستلزمين لوجود الحقيقة على قول، ولأنه لا بد من انتقال الذهن فى المجاز؛ فاحتاج إلى الحقيقة، وحاصله أن ذكر الحقيقة فى هذا العلم تبع للمجاز، بخلاف غيره من العلوم، ولذلك يقال: المجاز فى علم البيان أصل، وأيضا فالمجاز يشير تعريفه إلى تعريف الحقيقة؛ لاشتمال تعريفه على العدم، وهو قولنا:" غير ما وضع له"، واشتمال تعريف الحقيقة على الملكة، وهو قولنا: ما وضعت له، وتصور العدم يلزم منه تصور الملكة، وإنما قدم تعريفها على تعريفه؛ لأنها الأصل لغة، أو لتقدم تصور الملكة على تصور العدم. (قوله: الحقيقة والمجاز)؛ أى: هذا باب الحقيقة، والمجاز (قوله: وقد يقيدان باللغويين) يشير إلى أن منهم من تكلم فى هذا الباب على الحقيقة والمجاز مطلقا، فدخل اللغويان والعقليان، ومنهم من تكلم على الحقيقة والمجاز اللغويين، ولم يتكلم على العقليين بل جعلهما فى علم المعانى، كما فعل المصنف، فالمقيد باللغويين يخرج العقليين؛ قال الخطيبى: لا حاجة إلى التقييد باللغوى؛ لأن العقلى وقع الكلام عليه فيما سبق، بل التقييد باللغوى يخرج الشرعى والعرفى، ولا يصح؛ لأن هذا الباب معقود للكلام عليهما أيضا، كما سيأتى، ولا يحسن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: الشرعية والعرفية يدخلان فى اللغوى، باعتبار أن لهما نسبة إلى اللغة، فيسميان حقيقتين لغويتين أيضا لأنا نقول: قولنا: الشرعية حقيقة لغوية من المغالطة المسماة فى المنطق: اشتراك القسمة وتركيب المفصل، وهو ما يصدق من القول مفردا ولا يصدق مركبا، كقولك:" طبيب ماهر"، تريد: ماهرا فى الشعر، وكذلك: حقيقة لغوية، معناه إذا أريد الشرعية لغوى أصلها.

стр. 738

الحقيقة: الكلمة المستعملة فيما وضعت له، فى اصطلاح التخاطب"؛ ... ــ الحقيقة: ص: (الحقيقة إلخ). (ش): شرع فى حد كل منهما، فالحقيقة هى الكلمة المستعملة فيما وضعت له فى اصطلاح التخاطب فقوله:" الكلمة: جنس"، وأورد أنه يخرج عنه المركب، فإنه ليس بكلمة، فينبغى أن يقول:" اللفظ"، ليشمل المركب، فإنه ينقسم أيضا إلى الحقيقة والمجاز، إلا أن يريد بالكلمة ما يقابل الكلام أو أعم، فإنها حينئذ تتناول المركب أيضا، أو يقال: المركب ليس بموضوع،" قلت": فيه نظر، فإن المركبات الإسنادية ولو قلنا: إنها موضوعة، فقد يقال: إنما تسمى حقائق ومجازات، باعتبار العقل، فهى عقلية لا لغوية؛ لأن للعقل فيها تصرفا فإذا قلنا: إن العرب وضعت زيد قائم، لإفادة نسبة القيام لزيد، فكون ذلك حقيقة أو مجازا لا يعرف إلا بتصرف العقل فى تحقيق الإسناد وعدمه، ثم قول الخطيبى:" إلا أن يريد بالكلمة ما يقابل الكلام" فيه نظر؛ لأنه إذا أراد ما يقابل الكلام دخلت المركبات الإضافية، وخرجت المركبات الإسنادية والقائل: بأن المركبات موضوعة قائل به فى المركبات الإسنادية قطعا. وقوله: " المستعملة" فصل أخرج الكلمة قبل الاستعمال فإنها لفظ موضوع، وليس بحقيقة ولا مجاز، ومقتضى هذا الاحتراز أن يكون اللفظ قبل الاستعمال وبعد الوضع يسمى كلمة ويشهد له قولهم: الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد وفيه احتمال وفى كلام كثير ما يقتضى تقييدها بالمستعمل. وقوله: " فيما وضعت له" قال المصنف:" هو احتراز عن شيئين: أحدهما: ما استعمل فى غير ما وضع له غلطا، كما إذا أردت أن تقول لصاحبك: خذ هذا الكتاب. مشيرا إلى كتاب بين يديك، فغلطت فقلت:" خذ هذا الفرس" (قلت): فيه نظر، لأن الغلط ليس بكلام لغوى، فلا يسمى كلمة، كما أن كلام النائم لا يسمى كلاما. قال: والثانى أحد قسمى المجاز، وهو ما استعمله فيما لم يكن موضوعا له، لا فى اصطلاح التخاطب ولا فى غيره. كلفظ:" أسد" فى الرجل الشجاع. نعم قد خرج بقوله فيما وضعت له الأعلام، فإنها مستعملة فى غير ما وضعت له، فليست حقيقة ولا مجازا، وقد صرح بهذا الاحتراز، القشيرى وغيره. وقال الشيرازى فى شرح المختصر:" وخرج به ما استعمل فيما لم يوضع له، كالوضع الجديد، كما إذا قلت لمخاطبك: هات السكين، مشيرا إلى الكتاب، فإن السكين فى الكتاب وضع جديد غير مندرج تحتها؛ لأن اللفظ فى ابتداء الوضع ليس حقيقة ولا مجازا"، وفيه نظر؛ لأن هذا القائل إن أراد وضعا جديدا وهو ممن له أن يضع فقوله ذلك وضع واستعمال، فيكون حقيقة، وإن

стр. 739

والوضع: تعيين اللفظ للدّلالة على معنى بنفسه؛ فخرج المجاز؛ لأنّ دلالته بقرينة، دون المشترك (١)، ... ــ كان هذا القول غلطا، فقد تقدم الكلام عليه. وقولنا:" فى اصطلاح التخاطب"، أخرج به القسم الثانى من المجاز: وهو ما استعمل فيما وضع له لكن لا فى ذلك الاصطلاح الذى وقع به التخاطب عند الاستعمال، كاستعمال" الصلاة" بعرف الشرع فى الدعاء، فإنه كلمة مستعملة فيما وضعت له، ولكن لا فى هذا الاصطلاح الذى وقع به التخاطب، فهو مجاز شرعى وإن كان حقيقة لغوية. وقد يقال: إذا استعملت الصلاة بعرف الشرع فى الدعاء لم تستعمل فيما وضع له، لأنها وإن وضعت للدعاء فلم تستعمل فيه بالوضع الشرعى، فلا توصف حال استعمالها بعرف الشرع أنها استعملت فيما وضعت له بوجه ما، وإلا لزم أن يكون المجاز موضوعا، وسيأتى أنه غير موضوع، وقد دخل فى هذا الحدّ الحقائق الأربع: اللغوية، والشرعية، والعرفية العامة، والعرفية الخاصة، ويمكن أن يقال:" فيما وضعت له فى اصطلاح التخاطب" فصل يخرج المجازات كلها والكلام فى اشتقاق الحقيقة والمجاز معروف فى كتب اللغة والأصول؛ وقوله: " فى اصطلاح التخاطب" يتعلق بقوله:" وضعت له"؛ أى: الكلمة المستعملة فى شئ، وهى موضوعة فى اصطلاح التخاطب لذلك الشئ الذى وقع به التخاطب؛ أى: الاستعمال. فإذا كان الخطاب بعرف الشرع، وأطلقت على الدعاء، فهى كلمة مستعملة فى شئ، وهى موضوعة فى هذا الاصطلاح لغيره، وقال بعض الشارحين: إنّ قوله:" فى اصطلاح التخاطب" يتعلق بقوله: " المستعملة"، ثم قال:" ولو قال: على اصطلاح لسلم من أن يردّ عليه أن جارين متحدين لفظا ومعنى لا يتعلقان بشئ واحد، وليس ما قاله مراد المصنف لما ذكره" ومن جهة المعنى أيضا، فإنه يلزم أن يكون إطلاق الصلاة على الدعاء باصطلاح" الشرعي" حقيقة لأنها كلمة مستعملة فى اصطلاح وقع به التخاطب، ومستعملة فيما وضعت له لغة، وهو عكس مقصوده. الوضع ص: (والوضع:" تعيين اللفظ للدلالة على معنى بنفسه، فخرج المجاز؛ لأن دلالته بقرينة دون الكناية). (ش): لما جعل الوضع قيدا فى الحقيقة احتاج لتعريفه؛ فقال:" إنه تعيين اللفظ للدلالة على معنى، وهذا حسن، وقوله:" بنفسه" يخرج تعيين اللفظ للدلالة على معنى

стр. 740

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بقرينة فهو المجاز، فذلك التعيين لا يسمى وضعا وأورد أن المراد بالتعيين: تعيين الواضع، والمجاز ليس فيه تعيين واضع، بل فيه استعمال، فلم يدخل فى قوله:" تعيين" فلا حاجة لإخراجه؛ فلذلك أتى بفاء السببية؛ فقال:" فخرج المجاز لأن دلالته بقرينة"، ولا يرد عليه ما يوهمه كلامه فى حد الحقيقة من أن المجاز موضوع؛ لأن المعنى هناك أنه موضوع فى اصطلاح آخر. والخطيبى ادعى: أن هذا الحد تدخل فيه الاستعارة، وأنها موضوعة، وأن تعيين اللفظ للدلالة بنفسه ينقسم إلى: وضع حقيقى، ومجازى؛ وفيما قاله نظر، وإنما ألجأه إلى ذلك، أنه قصد أن يجعل هذا مقدمة للجواب عن اعتراض المصنف على السكاكى الذى سيأتى فى أواخر الباب، وللأصوليين خلاف فى أن المجاز موضوع أولا، ذكرناه فى شرح المختصر (قوله: دون الكناية)، يريد أن الكناية لا تخرج عن الوضع، فإنها وضعت لأنها تدل على معنى بنفسها، لا بقرينة، وتقريره يظهر لمن راجع ما حققناه فى الكناية من أنها أريد بها موضوعها استعمالا، وأريد لازمه إفادة، فالكناية موضوعه؛ لأن اللفظ عين فيها للدلالة على معناه الذى هو موضوع اللفظ بنفسه، فكانت موضوعة، وكونها دالة على لازم ذلك المعنى بقرينة حالية، كدلالة طويل النجاد على طول القامة يحتاج إلى قرينة، لكن ذلك ليس المعنى الذى استعملت الكلمة فيه، وقد علم من كلامه أن الكناية قسم من أقسام الحقيقة؛ لكونها قسما من أقسام الموضوع، وهذا هو الحق، وسيأتى فى كلامه ما يخالف هذا، وتعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه تارة يكون مع إفادة شئ آخر بقرينة، فيكون حقيقة كناية، وتارة لا يكون، فيكون حقيقة فقط. وبهذا التحقيق ظهر أن ما ذكره الخطيبى من الاعتراض على المصنف والجواب وقوله: إن الكناية لا حقيقة ولا مجاز بعيد عن الصواب لا حاصل له، وقد أورد على المصنف أن قوله" بنفسه" لا يصح أن يتعلق بالدلالة لخروج الحرف، فإنه عين ليدل بغيره على معنى، لا بنفسه، وأوّل على أنه تعلق باللفظ على أنه حال، التقدير:" تعيين اللفظ كائنا بنفسه" أى: مع نفسه أى لا يصاحب ذلك اللفظ غيره، وفيه تعسف، وقد يلتزم الأول، ويقال: الحرف وضع لمعنى بعينه؛ ليدل بنفسه على معنى فى غيره، فإن الحرف دل بنفسه على معنى لا يعقل إلا متعلقا بغيره بخلاف المجاز، فإنه يدل بنفسه على معناه، إنما يدل على معناه بالقرينة، وإلى ما ذكره يشير كلام ابن الحاجب فى أماليه. (تنبيه): قد يورد على ما ذكرناه من حد الوضع أنه يخرج عنه المشترك، فإنه عين فيه اللفظ للدلالة على المعنى، لا بنفسه، بل بقرينة. وهذا السؤال استشعره السكاكى

стр. 741

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حين حدّ الوضع بأنه: تعيين اللفظ بإزاء معان بنفسها؛ فقال:" إن المشترك كالقرء معناه الحقيقى ما لا يتجاوز معنييه كالطهر، والحيض، غير مجموع بينهما، قال: فهذا ما يدل عليه بنفسه، ما دام منتسبا إلى الوضعين، أما إذا خصصته بواحد إما صريحا كقولك:" القرء بمعنى الطهر" وإما استلزاما، كقولك:" القرء لا بمعنى الحيض" فإنه حينئذ ينتصب دليلا دالا بنفسه على الطهر بالتعيين، كما كان الواضع عينيه بإزائه بنفسه، ثم قال: وأما ما يظن بالمشترك من الاحتياج إلى القرينة فى دلالته على ما هو معناه، فقد عرفت أن منشأ هذا الظن عدم تحصيل معنى المشترك الدائر بين الوضعين. واعترض المصنف عليه بأنا لا نسلم أن معناه الحقيقى ذلك، وبأن قوله إذا قلنا: القرء بمعنى الطهر، أو لا بمعنى الحيض، فهو دال بنفسه على الطهر بالتعيين سهو ظاهر، فإن القرينة كما تكون معنوية تكون لفظية، وكل من قوله:" بمعنى الطهر"، وقوله:" لا بمعنى الحيض" قرينة. (قلت): أصل السؤال إنما يتوجه إذا وقع الاشتراك من واضع واحد، أما من واضعين لا يشعر أحدهما بالآخر فلا. وقول السكاكى:" معنى المشترك ما لا يتجاوز معنييه" معناه أنه عند الإطلاق صالح لكل منهما، فهو عند الإطلاق يدل بنفسه على معناه الذى هو أحدهما، وذلك ربما كان مقصودا لقصد الإبهام. وقد صرح بذلك ابن الحاجب فى الأمالى، وإن كان كلامه فى المختصر يوهم خلافه، حيث قال: أورد المشترك فإن أجيب بأنه يتبادر غير معين لزم أن يكون المعين مجازا. وقوله: أما إذا خصصته بواحد صريحا، كقولك: القرء بمعنى الطهر. فإنه دال بنفسه بالتعيين، كما كان الواضع عينه. فيه نظر؛ فإن القرء فى هذا التركيب ليس مشتركا، فإنك ذكرت كلمة القرء، وشرحت معناها بقولك:" الطهر" إن أردت بالقرء الذى ذكرته الطهر، فليس فيه استعمال القرء بمعنى الطهر، بل هو إخبار عن المجهول بالمعلوم، كما إذا قلت:" الإنسان ناطق" ليس مدلوله الناطق ناطق وإلا لاتحدا بل إن مدلول الإنسان هو الناطق. وأما اعتراض المصنف عليه بأنا لا نسلم أن معناه الحقيقى ذلك، فإن أراد أنا لا نسلم أنه وضع ليفيد الإبهام بين المعنيين عند الإطلاق، فهو موافق لكلام ابن الحاجب فى المختصر. والحق خلافه؛ لأن المشترك يتبادر الذهن منه إلى أحد المعنيين، ولا يلزم ما ذكره من كونه للمعين مجازا؛ لأنه دائر بين معنييه بقيد التعيين للمبهم كما حققناه فى شرح المختصر، فالقرينة إنما يحتاج إليها لتعيين أحد المعنيين

стр. 742

والقول بدلالة اللفظ لذاته (١) ظاهره فاسد، وقد تأوّله السكاكى (٢) ... ــ عند السامع، وهو ليس معنى المشترك من حيث هو مشترك. واعتراض المصنف الثانى كان مستغنيا عنه لما ذكرناه من الاعتراض. نعم يصح أن يعترض به المصنف فى نحو قولك:" اعتدّت فلانة بقرء طهر" فله أن يقول: كلام السكاكى يقتضى أن هذا دل على الطهر بنفسه، وليس كذلك بل بقرينة وصفه بالطهر. وأجيب عنه بأن الطهر هنا ليس قرينة لدلالة اللفظ على المعنى، بل لتعيين دلالته على أحد معنييه، بخلاف قرينة المجاز فإنه يعينه للدلالة على معناه. ص: (والقول بدلالة اللفظ لذاته ظاهره فاسد، وقد تأوله السكاكى). (ش): لا شك أن دلالة كل لفظ على معناه مع استواء المعانى بالنسبة إليه لا يمكن؛ لأنه ترجيح من غير مرجح، فاختصاص بعضها ببعض لا بد له من مرجح، وذلك إما ذات اللفظ أو غيره، وذلك الغير إما أن يكون وضع الله - تعالى - أو وضع العباد، على أقوال حققناها بأدلتها فى شرح المختصر، ولما كانت متقاربة، وكان الواضح فى الفساد هو القول بأن دلالتها لذاتها ذكره، فقال: والقول بدلالة اللفظ، أى: على معناه لذاته أى لذات اللفظ ظاهره فاسد، إنما قال: ظاهره، لأن له عنده تأويلا. وهذا المذهب منسوب إلى عباد بن سليمان المعتزلى. وتأوله السكاكى على أن المراد أن للحروف خواص تناسب معناها من شدة وضعف وغيره، فإن الحروف تنقسم إلى مجهورة، ومهموسة، وغير ذلك، ووجه فساد هذا القول أنه يفضى

стр. 743

والمجاز: مفرد، ومركّب: أما المفرد: فهو الكلمة المستعملة فى غير ما وضعت له فى اصطلاح التخاطب، ... ــ إلى عدم نقله إلى المجاز، وإلى عدم وضع اللفظ للشئ وضده. وأما النقيضان فادعى الإمام فخر الدين أنه لا يجوز أن يكون اللفظ موضوعا لهما معا؛ لأن ذلك لا يفيد غير تردد الذهن، وهو حاصل قبل استعمال اللفظ. وفيما قاله نزاع ذكرناه فى شرح المختصر. المجاز مفرد ومركب: ص: (والمجاز مفرد ومركب إلخ). (ش): المراد بالمجاز هنا ما ليس عقليا، فإنه سبق فى المعانى فدخل فيه المجاز اللغوى والشرعى والعرفى، ولم يذكر المصنف حدا للمجاز الذى هو أعم من مفرد ومركب إما لأنهما مختلفان بالحقيقة، فلا يمكن حدهما بحد واحد، وكان يمكنه أن يحد الأعم منها ثم يذكر لكل واحد حدا. وبدأ المصنف بحد المجاز المفرد، فقال: أما المفرد فهو الكلمة وهى جنس، فلم يدخل المجاز المركب، لا كما قال الخطيبى: إنه أخرج بها المركب فإن الجنس لا يخرج به. نعم يرد عليه الاستعارة بالتمثيل، نحو:" فلان يقدم رجلا ويؤخر أخرى" فإن المجاز فيه مجموع الكلام لا الكلمة، وإطلاق الكلمة على أعم من الكلام مجاز لا دليل يجوز دخوله فى هذا الحد، ولا يقال: هذا مركب، وكلامنا فى المجاز المفرد، لأنا إنما نريد بالمجاز المفرد ما يقابل مجاز الإسناد، وليس فى التمثيل مجاز إسنادى، وقوله:" المستعملة" مخرج للكملة قبل الاستعمال وبعد الوضع، وهو مراد المصنف بقوله:" يخرج غير المستعمل" وقوله: فى غير ما وضعت له يخرج الحقيقة، فإنها مستعملة فيما وضعت له، وقوله:" فى اصطلاح التخاطب" يخرج استعمال الصلاة للأركان بعرف الشرع؛ فإنه لفظ مستعمل فى غير ما وضع له لغة، لكنه ليس غير ما وضع له فى عرف الشرع الذى وقع به التخاطب، ويحتمل أن يكون قوله:" فى غير ما وضعت له" فصلا، وقوله:" فى اصطلاح التخاطب" قيدا فى الفصل للإدخال لا للإخراج، كأنه يقول: ليس كل مستعمل فى غير موضوعه مجازا إنما يكون مجازا بشرط أن يكون استعماله فى غير موضوعه بالاعتبار الذى وقع به التخاطب، وتقريره على هذا الوجه مقتضى عبارة الإيضاح، لكن هلا صنع ذلك فى حد الحقيقة فجعل قوله: فى" اصطلاح التخاطب" يدخل ما أخرجه قوله:" فيما وضع له"

стр. 744

على وجه يصحّ، مع قرينة عدم إرادته، ولا بدّ من العلاقة؛ ليخرج الغلط والكناية .... ــ من إطلاق الصلاة لغة على الدعاء فإنه لفظ مستعمل فى غير ما وضع له بحسب الشرع، ولكنه حقيقة بحسب ذلك الاصطلاح. وقولنا:" على وجه يصح" يخرج الغلط كما تقدم، وعليه ما سبق، ومنه يعلم اعتبار العلاقة، فيخرج - أيضا - إطلاق الكلمة على غير معناها لا لعلاقة عمدا، فإن ذلك إن كان وضعا جديدا فهو حقيقة، ولا يقال: إنه فى غير موضوعه، وإن لم يكن وضعا، والفرض أنه عمد، فهو من المخبر به عنه كذب، ويمكن أن يخرج بقوله:" على وجه يصح" الأعلام فإنها ليست لعلاقة، والمراد بقوله: على وجه يصح اعتبار العلاقة، ويمكن أن يخرج - أيضا - ما منعت العرب من استعماله له مع وجود العلاقة كنخلة لطويل غير إنسان ونحوه إن ثبت ذلك، وقد تكلمنا عليه فى شرح المختصر. بقى أن يقال: اعتبار العلاقة شرط للمجاز لا جزء من ذاتياته، وشرط الشئ لا يذكر فى حده، وقوله:" مع قرينة عدم إرادته" أى: إرادة ما وضع له. قال فى الإيضاح (١): يخرج به الكناية، وقد تبع فى ذلك السكاكى، وقد قدمنا ما يتضح به فساد قولهم، وقد صرح جماعة كثيرة بأن الكناية حقيقة، وأشار إليه السكاكى - أيضا - حيث قال بعد هذا الكلام:" ومن حق الكلمة فى الحقيقة التى ليست بكناية" فأفهم ذلك أن الكناية حقيقة، وعليه جرى قول السكاكى وكثير من شارحيه، وقد أشار إليه المصنف فيما سبق، فإنه صرح فى حد الحقيقة بأن الكناية موضوعة، فكيف يقول هنا: إنها غير موضوعة؟ وهذا تهافت ظاهر، فإخراجها من القسمين لا تحقيق له، وسيأتى فى حد المجاز تحرير الأقوال فى هذه المسألة اه. فإن قلت: هب أن الكناية مستعملة فى غير موضوعها، فكيف يقال: إنها خرجت باشتراط القرينة، ولا شك أن الكناية تحتاج إلى القرينة، وإنك لو قلت:" زيد كثير الرماد" ولم يكن معه قرينة تصرف إلى الكرم لما فهمت الكناية، ولكان الذهن يبتدر إلى أنه فحام أو طباخ أو فران. قلت: لا شك فى احتياج الكناية للقرينة، إلا أن تشتهر الكلمة فى الكناية فتستغنى عن القرينة، كالحقائق العرفية، ولكنها ليست قرينة تصرف الاستعمال إلى غير الموضوع، كما تصرف المجاز بل تصرف قصد الإفادة.

стр. 745

وكلّ منهما (١): لغوىّ، وشرعىّ، وعرفى خاصّ أو عامّ؛ ك أسد للسّبع والرجل الشجاع؛ وصلاة خ خ: للعبادة المخصوصة والدّعاء، وفعل للفظ والحدث، ودابّة لذى الأربع والإنسان. ــ (قوله: وكل منهما)؛ أى: من الحقيقة والمجاز منقسم. فالحقيقة تنقسم إلى لغوية؛ وشرعية، وعرفية خاصة. ومنهم من يسمى العرفية الخاصة اصطلاحية والمجاز: لغوى، وشرعى، وعرفى عام، وعرفى خاص (قوله: كأسد للسبع) مثال للحقيقة اللغوية، وقوله:" والرجل"، أى: وكأسد للرجل الشجاع مثال للمجاز اللغوى، وقوله: وصلاة للعبادة؛ أى: المعروفة مثال للحقيقة الشرعية، وقوله: والدعاء مثال للمجاز الشرعى، والأحسن أن يمثل بمجاز ليس حقيقة لغوية، وهو إطلاق الصلاة على الطواف فى قوله ﷺ :" الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله قد أحل فيه الكلام" (٢) يشهد لكونه مجازا شرعيا صحة الاستثناء، وهو مثال حسن عزيز الوجود؛ لأن الاستثناء عينه لذلك (قوله: وفعل للفظ) هو مثال للحقيقة العرفية الخاصة، وقوله: والحدث مثال للمجاز بحسب العرفية الخاصة؛ لأن الحدث أحد مدلولى الفعل عند النحوى، ومنه قولهم:" اسم الفاعل ما اشتق من فعل لمن قام به". قال فى شرح الحاجبية:" أى: من مصدر" لأن سيبويه يسمى المصدر فعلا وحدثا وحدثانا، ومثال العرفية العامة: لفظ دابة لذى الأربع، فهو حقيقة عرفية عامة والأحسن أن يقال: لذات الأربع ثم إن القول بأن الدابة ذات الأربع فيه نظر. فقد قال أصحابنا فى الوصية: إن الدابة الخيل، والبغال، والحمير، وقد أورد على جعل الدابة حقيقة منقولة أن الحقيقة المنقولة مخالفة للمنقول عنه، فالحقيقة العرفية إن كانت إطلاق الدابة على ذات الأربع فذلك الإطلاق حقيقة لغوية وإن كان عدم تسمية غيرها والاقتصار عليها فذلك معنى لا لفظ، والحقيقة العرفية لفظ. والجواب أن موضوع الحقيقة العرفية ما دب بقيد كونه ذا أربع، فهى مستعملة فيما وضع له بقيد كونه ذا أربع، فهى من إطلاق الكل على الجزء، وقد بسطت القول عليه فى شرح المختصر. والإنسان مثال لمجاز عرفى عام، والمراد باللغوية ما كان واضعها واضع اللغة، والشرعية ما كان واضعها الشارع والعرفية الخاصة ما اصطلح عليها قوم دون قوم، والعامة ما اصطلح عليها العرف العام، وللأصوليين فى إثبات الحقائق

стр. 746

والمجاز: مرسل إن كانت العلاقة غير المشابهة؛ وإلّا فاستعارة. وكثيرا ما تطلق الاستعارة على استعمال اسم المشبّه به فى المشبّه؛ فهما (١): مستعار منه، ومستعار له، واللفظ مستعار. ــ الشرعية خلاف يطول ذكره، والمجاز اللغوى ما تجوز فيه عن معنى لغوى والشرعى عن معنى شرعى، والعرفى عن معنى عرفى. فظهر بذلك أن اللفظ قد يكون حقيقة ومجازا باعتبار وضعين. ص: (والمجاز المرسل إلخ). (ش): شرع فى تقسيم المجاز إلى مرسل وغيره. واعلم أن (السكاكى) قسم المجاز خمسة أقسام: خال عن الفائدة، وقد ذكره المصنف فى الإيضاح قسما من المرسل وسنتكلم عليه، ومجاز فى حكم الكلمة بالزيادة أو النقص. وقد ذكره المصنف فى آخر الكلام على المجاز، وعقلى، وقد ذكره فى علم المعانى، وإلى مرسل مفيد، واستعارة، وهما المذكوران هنا والألف واللام فى قوله:" المجاز" يحتمل أن تعود إلى المجاز بنوعيه المفرد والمركب، ويحتمل أن تعود إلى المفرد فقط، وهو ظاهر عبارته؛ لأنه قدم هذا التقسيم على الكلام فى المجاز المركب، وسيأتى الكلام فى تقسيم المجاز المركب لهذين القسمين فى موضعه إن شاء الله - تعالى -، وعلى تقدير أنه يريد بالمجاز المجاز المفرد قال: إنه ينقسم إلى: مرسل، وغيره، فالمرسل ما كانت علاقته غير المشابهة، وغير المرسل ما كانت علاقته المشابهة، وغير المرسل يسمى استعارة، وقيل: المجاز والاستعارة مترادفان على معنى واحد (حكاه عبد اللطيف البغدادى) والمشهور الأول، فالاستعارة مجاز مفرد علاقته مشابهة معناه بما هو موضوع له والمرسل مجاز مفرد علاقته غير مشابهة معناه بما هو موضوع له (هكذا قال المصنف) وهو مخالف لكلام السكاكى، وللتحقيق، فقد قدمنا أن التحقيق وهو مقتضى كلام السكاكى أن العلاقة إذا كانت المشابهة ولم تقصد المبالغة فلا يكون ذلك استعارة، وإن قصدت المبالغة كان استعارة، وكثيرا ما نطلق الاستعارة على استعمال اسم المشبه به فى المشبه، فيقال: الاستعارة استعمال اللفظ، وهو توسع، فإنّ المجاز هو اللفظ المستعمل لا الاستعمال، وهذا ليس خاصا بالاستعارة، بل كثيرا ما يطلق المجاز على استعمال اللفظ فى غير موضوعه، فلو ذكر المصنف هذا التوسع فى المجاز بجملته لكان أصوب. (قوله: فهما)؛ أى: إذا أردنا

стр. 747

المجاز والمرسل والمرسل ك اليد خ خ: فى النّعمة والقدرة، والراوية خ خ: فى المزادة ... ــ بالاستعارة الاستعمال، فلا بد لها من مستعار، ومستعار منه، ومستعار له، فالمستعار منه المشبه به، والمستعار له المشبه، والمستعار هو اللفظ ويشتق المستعار له منه. أى من الاستعارة؛ لأنها معنى يصح الاشتقاق منه، أما إذا أطلقنا الاستعارة على اللفظ فلا يشتق منه مستعار له، ولا مستعار منه، ولا مستعار؛ لكونه اسما للفظ لا للحدث، كذا قال المصنف، وأيضا فإن المجاز لا يشتق منه، كما صرح به جماعة، وإن كان لنا فيه نظر، وأيضا فإن اللفظ سميناه استعارة، فكيف نسميه مستعارا؟ المجاز المرسل: ص: (والمرسل كاليد إلخ). (ش): شرع فى تقسيم المرسل، وهو: ما بينه وبين موضوعه علاقة غير المشابهة، وينبغى أن يقال: غير المبالغة فى المشابهة كما سبق، ومثله المصنف بإطلاق اليد على النعمة والقدرة؛ أى: على النعمة تارة، وعلى القدرة أخرى، ولم يبين المصنف العلاقة فى هذا الإطلاق، ويظهر أنها إذا أطلقت على القدرة من إطلاق السبب على المسبب، وإذا أطلقت على النعمة كذلك، لأن اليد سبب النعمة أو من إطلاق المحل على الحال؛ لأن اليد محل النعمة، ومنها تحصل، وهى سبب القدرة على البطش، ونحوه. قال فى الإيضاح: ويشترط أن يكون فى الكلام إشارة إلى المولى لها فلا يقال: اتسعت البلد فى البلد، أو اقتنيت يدا، كما يقال: اتسعت النعمة واقتنيت نعمة، وإنما يقال: جلت يده عندى، وكثرت أياديه لدى، وفيما ذكره نظر؛ لأن كل مجاز فلا بد له من قرينة كما سبق، فلا حاجة إلى تقييد هذا النوع، ثم الإشارة إلى المولى لها لا يتعين بل بذكر قرينة ما، فقد تحصل القرينة من غير إشارة إلى المولى، كقولك: رأيت يدا عمت الوجود، وقد تحصل الإشارة إلى المولى، ولا قرينة تصرف إلى المجاز، كقولك: يعجبنى يد زيد، وتمثيل المصنف بقوله: جلت يده عندى، فيه نظر، لأن ذلك ليس فيه ما يعين المجاز إذ لا مانع أن تقول: جلت يده عندى، مريدا الجارحة، وأما" كثرت أياديه عندى" ففيه قرينة تصرفه إلى المجاز، ولكن ليست الإشارة إلى المولى، بل لفظ" كثرت" بالثاء المثلثة، لأن الجارحة لا تكثر، وكذلك لفظ الأيادى، إذا قلنا: إن اليد بمعنى النعمة يجمع على أياد وبمعنى الجارحة على أيد، قال المصنف: وأما قوله:" المؤمنون تتكافأ دماؤهم

стр. 748

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم" (١) فهو استعارة، أى: هم مثل اليد؛ وما قاله هو الصواب على ما نختاره، إلا أنه لا يحسن منه؛ لأنه يرى أن مثل ذلك تشبيه لا استعارة إلا أن يريد بقوله استعارة، أنه ليس بمجاز مرسل، ونظير إطلاق اليد على القدرة إطلاق اليمين، وقد ادعى ذلك فى قوله تعالى: وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (٢) وليس كذلك، بل هو استعارة بالتخييل وإليه أشار الزمخشرى بجعله ذلك خارجا عن الحقيقة وعن المجاز، أى المجاز المرسل، والغرض من قوله تعالى: وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ إذا أخذ بجملته، ومجموعه تصوير عظمته - تعالى - والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقية أو جهة مجازية، فإن السامع لذلك إذا كان له فهم يقع على الزبدة والخلاصة (٣) التى هى الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظيمة التى تتحير فيها الأذهان هينة عليه هوانا لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه، إلا بما تؤديه هذه العبارة من التخييل، ولا ترى بابا فى علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب، ولا أنفع وأعون على تعاطى تأويل المشتبهات، وما أتى من زل إلا من قلة عنايتهم بالبحث والتنقيب، حتى يعلموا أن فى عداد العلوم الدقيقة علما لو قدروه حق قدره لما خفى عنهم أن العلوم كلها مفتقرة إليه، لا يحل عقدة من عقدها المؤرّبة (٤)، ولا يفك قيودها المكرّبة

стр. 749

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلا هو، وكم من آية أو حديث قد ضيم وسيم الخسف بالتأويلات البعيدة؛ لأن من تأول ليس من هذا العلم فى عير ولا نفير، ولا يعرف قبيلا منه من دبير، هذه نبذة من كلام الزمخشرى ذكرتها لحسنها غير أنه وقع فى أثنائها وهم، فإنه ذكر أن سبب نزولها: " أن جبريل جاء إلى النبى ﷺ فقال: يا محمد إذا كان يوم القيامة جعل الله السموات على إصبع والأرضين على إصبع والماء والشجر على إصبع وجميع الخلائق على إصبع ثم يقول: أنا الملك فضحك ﷺ تصديقا له ثم قال: قرأ هذه الآية وهذا وهم من الزمخشرى وتصحيف، وإنما القائل ذلك حبر من أحبار اليهود قصد بذلك التجسيم (١) ولهذا رد عليه بقوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (٢) وأما قوله فى الحديث: " تصديقا له"، فهو مؤول، إما على معنى التصديق بحسب اللفظ الذى له محمل صحيح، وإن لم يرد حقيقته التى أرادوها هم، أو غير ذلك. ومن إطلاق اليد بمعنى النعمة إخبار النبى ﷺ أن أسرع أزواجه لحوقا به أطولهن يدا فأخذوا قصبة يذرعونها، وفى البخارى:" كانت سودة أطولهن (٣) يدا"، وفى مسلم:" فكانت أطولنا يدا زينب" (٤)، وجمع بينهما بأنهما مجلسان، فالمجلس الذى حضرته زينب غير المجلس الذى حضرته سودة وكانت سودة، على الإطلاق أسرعهن لحوقا به، على أن فى جعله مجازا نظرا لجواز أن يكون كناية، كذا قاله بعضهم، وفيه نظر؛ لأن طول اليد الجارحة لا مناسبة فيه؛ لكثرة الصدقة كالمناسبة فى طول النجاد لطول القامة، وتطلق أيضا اليد على الانقياد كما يقال: " نزع يده من الطاعة" وقوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٥) يحتمل النعمة والقدرة والانقياد أى يعطوها صادرة عن نعمة حاصلة منكم عليهم وهى إبقاء أرواحهم أو صادرة عن قوة واستعلاء لكم، أو عن قوة لهم؛ لأنهم إذا أعطوا الجزية فقد تجاوزوا قوتهم إلى الضعف، وهو حسن، أو عن انقياد وطاعة منهم، ثم مثّل - المصنف - أيضا للمجاز المرسل بإطلاق الراوية على المزادة، فإنها حقيقة فى الحامل لها، فأطلق عليها وهو من مجاز المجاورة، وظاهر كلام السكاكى، أنها من إطلاق السبب على المسبب لأن الراوية سبب لحمل المزادة.

стр. 750

ومنه: تسمية الشئ باسم جزئه؛ كالعين فى الربيئة (١)، وعكسه؛ كالأصابع فى الأنامل .... ــ ثم أخذ المصنف فى تعداد العلاقات، وكان ينبغى أن يذكر هذه الأمثلة فى مواضعها. فأشار إلى النوع الأول بقوله:" ومنه" أى: ومن المرسل تسمية الشئ باسم جزئه؛ أى: إطلاق اسم جزء الحقيقة على الحقيقة كلها. وقوله:" تسمية" فيه نظر، فإن المجاز الاسم، لا التسمية ومثاله إطلاق العين على الربيئة، فإن الربيئة اسم للشخص الجاسوس سمى عينا وهو اسم جزئه فأطلق الجزء على الكل. وفيه" نظران". أحدهما: أن العين اسم لجزء الإنسان مطلقا لا بقيد كونه ربيئة، فلم يطلق اسم جزء الربيئة عليه بل أطلق اسم جزء الإنسان المطلق على الربيئة، إذ ليس فى قولنا للربيئة: عين ما يميزها عن عين غيره. الثانى: أن العين لم تطلق على ما هو كل لها وهو الإنسان مطلقا، بل على إنسان خاص، فهو من إطلاق جزء الشئ على أخص من كله (ثم أقول): إن أراد المصنف أن العلاقة هى الجزئية ففيه نظر؛ لأنه لم يطلق العين على الربيئة؛ لأنها جزء مطلقا؛ بل لأنها جزء مخصوص هو المقصود فى كون الرجل ربيئة، وما عداها لا يغنى شيئا مع فقدها، كما صرح به فى الإيضاح، وإن أراد أن هذا فيه إطلاق الجزء على الكل، والعلاقة ليست مطلق الجزئية استقام، لكنه بعيد من عبارته وعبارة غيره. ونظير إطلاق العين على الربيئة إطلاق الرقبة على الإنسان فى نحو قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (٢) ثم قد يقال: ما الذى صرف ذلك عن أن تكون علاقته المشابهة فيكون شبه الجزء بالكل، ألا ترى إلى قول المصنف فى الإيضاح: صارت العين كأنها الشخص كله، ولفظ كأن للتشبيه، ولك أن تنقل هذا السؤال إلى غالب المجاز المرسل وترده إلى الاستعارة فاعتبره فيها، ثم الذى يظهر أن الربيئة لم يطلق عليه عين؛ لأنها جزؤه، بل سمى عينا باسم مرسله لأنه يشبه عين مرسله فى الإطلاع على الحال، كما يقال: أرسلوا عينهم، وبذلك تتضح الاستعارة فيه، وأن يقال: سمى الربيئة عينا؛ لأنه يشبه العين؛ أى: عين من أرسله وإن أبيت إلا أن تقول: إنه من إطلاق الجزء على الكل، فقل: سمى عينا من

стр. 751

وتسميته (١) باسم سببه؛ نحو: رعينا الغيث، ... ــ إطلاق اسم جزء المرسل على كله، ويكون جعله عين من أرسله بمعنى: هو الذى أرسله، ومثل فى الإيضاح بقوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ (٢) فأطلق القيام، وهو جزء الصلاة عليها لكونه أظهر أركانها، وكذلك قوله تعالى: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً (٣) وكذلك قوله ﷺ :" من قام رمضان"، (٤) " من قام ليلة القدر" (٥) ومنه تسمية النافلة سبحة. وقوله:" وعكسه" إشارة إلى القسم الثانى: وهو إطلاق الكل على الجزء، كاستعمال الأصابع فى الأنامل فى قوله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ (٦) أى: أناملهم، دل عليه أن العادة أن الإنسان لا يضع جميع أصابعه فى أذنه، ومنه: " قطعت السارق"، وإنما قطعت يده ومثله الأصوليون بقوله :" قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين" (٧) أى: الفاتحة (قوله: وتسميته باسم سببه) إشارة إلى القسم الثالث وهو تسمية الشئ باسم سببه، نحو:" رعينا الغيث"؛ أى: النبات فسمى النبات غيثا، لأن الغيث سبب النبات، ومنه تسمية اليد قدرة، فإن اليد سبب القدرة، وجعل منه فى الإيضاح قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ (٨) سمى جزاء الاعتداء اعتداء، من إطلاق اسم السبب على المسبب ومنه قوله تعالى: وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٩) البلاء مجاز عن العرفان ومنه قول عمرو بن كلثوم: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا (١٠)

стр. 752

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فالجهل الأول حقيقة، والثانى مجاز. وفى الآية لطيفة ليست فى البيت، وهى ذكر لفظ التشبيه، ولفظ الاعتداء فإنهما منفران عن القصاص، ومرغبان فى العفو الذى هو مقصود الشارع، بخلاف فنجهل فى البيت، فإنه يخالف مقصوده من طلب الجهل والانتقام. ومما يوضح التجوز فى هذا كله قوله تعالى: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ (١) فإنه يشير إلى أن المجازى ليس ظالما، ثم أكد ذلك بقوله تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ فحصل من مجموع الجملة أن المجازى غير ظالم وجعل من ذلك قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها (٢) فإنه أطلق السيئة التى هى سبب القصاص عليه، وقيل: ليس مجازا، فإن السيئة كل ما يسوء الشخص من حق وباطل، فتكون حقيقة (كذا قال المصنف) وهذا الذى قاله هنا من كونه حقيقة، جاز بعينه فى فاعتدوا عليه، وفى فنجهل، فلا وجه لتخصيصه بالسيئة، ثم نقول: فنجهل فوق جهل الجاهلين حقيقة قطعا؛ لأن الجهل فوق جهل الجاهلين ليس مكافأة؛ لأنه ليس مثله بل زائد عليه، والزيادة على مقدار القصاص جهل، بخلاف مثل: ما اعتدى عليكم، وبعد أن خطر لى هذا السؤال رأيت فى الانتصار فى إعجاز القرآن للقاضى أبى بكر الباقلانى ما يشير إليه، وقد يجاب عنه بأن مقابلة التأديب بأكثر منه عند الجاهلية كان محمودا يمتدحون به؛ فليس جهلا حقيقة، فصح أن تسميته جهلا مجاز ثم اعلم أن ما ذكره المصنف هنا مخالف لما سيأتى فى البديع، لأنه عد قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها من المشاكلة وفسرها بما يقتضى أنها سميت سيئة من مجاز المقابلة لذكرها مع السيئة قبلها، لا للتشبيه، ولو كانت للتشبيه لجاز تسمية الجزاء سيئة، وإن لم يذكر قبلها لفظ السيئة. ثم بعد تسليم أن ذلك كله مجاز، قيل: إن علاقته المضادة؛ لأن الأول محرم، والثانى مشروع، وقوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ (٣) قيل: مجاز كذلك من إطلاق المسبب على السبب، وقيل: من مجاز المقابلة، ويفسده قوله تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ (٤) فإنه لم يذكر قبله ولا بعده مكر الآدمى، فلا مقابلة. قال فى الإيضاح: وقيل: يحتمل أن يكون مكر الله حقيقة، فان المكر هو

стр. 753

أو مسبّبه؛ نحو: أمطرت السماء نباتا، ... ــ التدبير فيما يضر الخصم، وهذا محقق من الله باستدراجه إياهم بنعمه مع ما أعدّ لهم من نقمه. (قلت): لا يصح ذلك؛ لأن التدبير أيضا يستحيل نسبة حقيقته إلى الله - تعالى - قال الجوهرى: التدبير فى الأمر أن ينظر إلى ما تؤول إليه عاقبته. وقال الراغب: هو التفكر فى دبر الأمور. وقال الغزالى: جودة الروية فى استنباط الأصلح، وهو على الله تعالى محال؛ ولذلك فسر قوله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ (١) بأنه أقام بذلك من يدبره. وقيل: معناه: يقضى. وقيل: يريد ولو أن المصنف ترك التعبير بالتدبير وقال: المكر حقيقة فى فعل ما يسوء الشخص فى عقباه لما ورد عليه هذا، لكنه لا يوافق اللغة. قال الجوهرى: المكر الاحتيال والخديعة، وذكر الراغب نحوه، فثبت أنه فى الآية مجاز. ومن لطيف مجاز التشبيه أو المقابلة قوله تعالى: فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (٢) فإن الجزاء سمى عدوانا لمقابلته للعدوان، أو لتسببه عنه ولذلك أخرج من عمومه بالاستثناء، فوجه لطفه أن المقابلة لم تقع بين كلمتين بل بين مدلولات كلمة واحدة، ويمكن أن يقال فى مثل ذلك: إنه جمع بين الحقيقة والمجاز، وهذا كله - أيضا - يحتمل أن يكون استعارة كما سبق (قوله: أو مسببه) إشارة إلى القسم الرابع وهو تسمية السبب باسم المسبب، نحو:" أمطرت السماء نباتا" فذكر النبات، وأريد الغيث؛ لأن الغيث سبب النبات، وهو عكس ما قبله، وعليه قوله تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ (٣) وجعل المصنف منه ((كما تدين تدان)) (٤)؛ أى: كما تفعل تجازى، وكذا قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً (٥)؛ أى: مطرا هو سبب الرزق، وقد يقال: إن المطر نفسه رزق؛ لأن الرزق بمعنى المرزوق، وكذلك قوله تعالى: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً (٦) وقال الشاعر: أكلت دما إن لم أرعك بضرّة ... بعيدة مهوى القرط طيّبة النشر (٧)

стр. 754

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كذا فى الإيضاح والمراد: أكلت الدية؛ والذى يظهر أنه معكوس وأنه من إطلاق المسبب على السبب نظرا إلى دية موروثه المقتول وكأن المصنف أراد دية القاتل. كأن من أكل الدية أكل دم القاتل، لكن نقول: الدية ليست سببا للدم بل سببا لعصمته، ومنه فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ (١) أى: أردت هذا المشهور، وعليه سؤال وهو أنّ الإرادة إن أخذت مطلقا لزم استحباب الاستعاذة لمجرد إرادة القراءة حتى لو أراد ثم عنّ له أن لا يقرأ يستحب له الاستعاذة وليس كذلك وإن أخذت الإرادة بشرط اتصالها بالقراءة استحال تحقق استحباب الاستعاذة قبل القراءة، وفى البخارى أن معنى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ؛ أى: إذا استعذت فاقرأ، وجعل المصنف منه: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ (٢) أى: أراد بقرينة، فقال: رب، وكذلك: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها (٣)، أى: أردنا بقرينة، فَجاءَها بَأْسُنا. وفيه نظر؛ لأن الأخص من الفعلين قد يعطف بالفاء على الأعم. تقول: أكرمنى زيد فجاد على. (تنبيه): اعلم أنه دخل فى قولنا: إطلاق السبب على المسبب أو عكسه الأسباب الأربعة: المادى ويسمى القابلى كإطلاق الخشب على السرير، ومثّله الإمام بقولهم: سال الوادى. وفيه نظر؛ لأن الوادى ليس مادة للسيل ولا للسائل، وهذا القسم أعنى السبب المادى، يدخل فى علاقة السببية ويدخل فى علاقة إطلاق الشئ على ما يؤول إليه فإن المادة تؤول إلى مسببها ودخل السبب الصورى وهو أيضا يدخل فى إطلاق الشئ على ما يؤول إليه؛ لأن المادة تؤول إلى الصورة، ومثل الإمام فخر الدين هذا بتسمية اليد بالقدرة. واعترض عليه الأصبهانى بأن القدرة ليست صورة اليد؛ بل لازمة لصورة اليد. وجوابه أنها صورة معنوية قال القرافى: انعكس الأمر على الإمام، وصوابه كتسمية القدرة باليد؛ فإن اليد سبب القدرة. وفيما قاله نظر؛ لأن القدرة هى سبب اليد؛ إذ لا يوضع إلا بها؛ لأن من الواضح أن المعنى باليد هنا إنما هو المعنى المسوغ للتصرف، لا الجارحة، ودخل السبب الفاعلى، سواء أكان فاعلا حقيقة أم لا، كتسمية المطر سماء، وقد ذكرنا أمثلته فى شرح كلام المصنف ودخل السبب الغائى مثل: تسمية العصير خمرا وهى من تسمية الشئ بما يؤول إليه (قوله: أو ما كان عليه)

стр. 755

أو ما كان عليه؛ نحو: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ (١)، أو ما يؤول إليه؛ نحو: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً (٢)، أو محلّه؛ نحو: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (٣)، أو حاله؛ نحو: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ (٤) أى: فى الجنة .... ــ إشارة إلى القسم الخامس وهى تسمية الشئ باسم ما كان عليه، كقوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ، أى: الذين كانوا يتامى؛ لأن الرشيد لا يسمى يتيما حقيقة. ومنه إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً (٥) واعلم أن قولنا: تسمية الشئ باسم ما كان عليه، عبارة قالها من لا أحصيه عددا وهى عند التحقيق فاسدة؛ فإن اسم ما كان عليه اليتيم والمجرم اليتيم والإجرام لا اليتيم والمجرم، وإصلاح العبارة أن نقول:" باسم" بالتنوين وما صفة له. واعلم أن فى جعل هذا مجازا فى المشتقات التفاتا على أن إطلاق اسم الفاعل باعتبار الماضى مجازا أولا وفيه خلاف، محله كتب الأصول (قوله: أو ما يؤول إليه) إشارة إلى السبب السادس وهو تسمية الشئ باسم ما يؤول إليه كتسمية العنب خمرا فى قوله تعالى: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً أى عنبا، ومنه: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٦) ومنه:" من قتل قتيلا" (٧) كذا قالوه، وفى ذلك نظر؛ لأن القتيل اسم مفعول، واسم المفعول لا يصدق حقيقة إلا حال تلبس الفعل به، كالمقتول قتل، وهو قتيل لا وهو صحيح، كما أن القنديل ينكسر مكسورا لا صحيحا لأن الكسر والقتل سبب كونه قتيلا ومكسورا والسبب مع المسبب فى الزمان لا يتقدم عليه فليتأمل، فإنه حق وإن كان مخالفا لكلام كثيرين، وأشار إلى السابع بقوله: أو محله أى أقسام المجاز تسمية الشئ باسم محله نحو قوله تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ وفيه نظر، فقد قيل: إنه من مجاز الحذف كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (٨) وقد ذكره المصنف فى باب الإيجاز فيلزمه أن يقول بمثله فى فَلْيَدْعُ نادِيَهُ وإلا فما الفرق؟ (قوله أو حاله) هو القسم الثامن وهو إطلاق اسم الحال على المحل نحو: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ

стр. 756

أو آلته؛ نحو: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (١) أى: ذكرا حسنا ... ــ أطلقت الرحمة وهى حالة على محلها وهى الجنة. وأشار إلى التاسع بقوله: أو آلته أى تسمية الشئ باسم آلته نحو قوله تعالى: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ أى ذكرا حسنا فأطلق اسم الآلة وهو اللسان على الذكر ولك أن تقول: هذا من باب إطلاق المحل على الحال؛ لأن الذكر حال فى اللسان فهو كقوله تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ. (تنبيه): قد ذكر المصنف تسع علاقات، وذكر قبلها الراوية للمزادة وهو من مجاز المجاورة، وكأنه استغنى بمثاله عن ذكره فحاصل ما ذكره عشرة إلا أن الأخرى منها هى السابعة كما سبق، وقد زاد غيره علاقات كثيرة تقارب هى وما ذكرناه أكثر من ثلاثين وبعضهم يعددها علاقات، وبعضهم يعدد أقسام المجاز بحسبها، وربما جمعوا بين العبارتين فأخطأوا؛ بأن يقولوا: من العلاقات إطلاق الجزء على الكل وهذه ليست علاقه بل العلاقة الجزئية، منها العشر المذكورة، ومنها مجاز إطلاق اسم الملزوم على اللازم كقوله تعالى: أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٢) أطلق الكلام على الدلالة؛ لأنها لازمة له. وفيه نظر؛ لأنه دخل فى إطلاق السبب على المسبب ومنها مجاز إطلاق اللازم على الملزوم، كقول الشاعر: قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم ... دون النّساء ولو باتت بأطهار (٣) أطلق شد المئزر على الاعتزال؛ لأن الاعتزال يلزمه شد الإزار وفيه نظر؛ لأنه من إطلاق المسبب على السبب ومنها مجاز إطلاق المطلق على المقيد، كقوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (٤) والمراد مؤمنة وهو يرجع إلى التعبير بالجزء عن الكل؛ لأن المطلق جزء المقيد إلا أنه أخص منه؛ لأن الجزء أعم من أن يكون جمليا كالمطلق، أو غير جملى كسقف الدار، ومنها عكسه، وهو أيضا يرجع إلى التعبير بالكل عن الجزء، ومنها الخالى عن الفائدة، وسنفرده بالذكر ومنها مجاز إطلاق العام وإرادة الخاص، ومثلوه بقوله تعالى: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٥) ولا يتعين لأن لفظ:" رفيق" يستعمل للواحد والجمع، ثم هذا القسم هو من التعبير بالجزء عن الكل، ومنها عكسه وهو أيضا من

стр. 757

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مجاز إطلاق الكل على الجزء، ومنها مجاز تسمية المتعلق باسم المتعلق، كتسمية المعلوم علما ومنها عكسه، وهما يدخلان فيما سبق، ومنها مجاز إطلاق أحد الضدين على الآخر، وإن شئت قلت: تسمية أحد المتقابلين باسم الآخر وهو أعم من الأول، كتسمية اللديغ سليما، والبرية المهلكة: مفازة، ومثله الأصوليون وكذلك المصنف فيما سيأتى من البديع بقوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها (١) ونحوه، وقد تقدم التمثيل بذلك لعلاقة السببية، وتقدم أنه لا يصح تمثيله بقوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ (٢). واعلم أنه لا يشترط فى مجاز المقابلة أن تتقدم الكلمة الحقيقة بل قد تتقدم مثل وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ (٣) وقد تتأخر كقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (٤) وقوله ﷺ :" إن الصدقة تقع فى يد الله تعالى قبل وقوعها فى يد المسكين". وليس منه: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ (٥)؛ لأن يد الله مغلولة محكى عنهم لم يؤت به للمقابلة. بل قد أغرب الخفاجى فقال فى سر الفصاحة: إن قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٦) من مجاز المقابلة؛ لأنه لما ذكرت البشارة فى المؤمنين فى آية أخرى ذكرت فى الكافرين وهذا يقتضى: أن مجاز مقابله لا يشترط فيه ذكر الطرف الحقيقى لفظا؛ بل يسمى كل اسم ثبت لأحد المتقابلين حقيقة أطلق على مقابلة مجازا وفى هذه التسمية نظر؛ لأنها مخالفة لاصطلاح الناس، ومنها مجاز تسمية المستعد لأمر باسمه كتسمية الخمر فى الدن مسكرا، كذا قالوه، وليس بشئ لأن هذا من تسمية الشئ باسم ما يؤول إليه وقد سبق، ومنها مجاز تسمية الشئ باسم مبدله ومثلوه بقولهم:" أكل الدم" أى الدية وقد تقدم التمثيل بذلك للسببية ومثلوه أيضا بقولهم: إنّ لنا أحمرة عجافا ... يأكلن كلّ ليلة إكافا (٧)

стр. 758

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا يصح إلا بأن نقول: أطلق الإكاف على بدل بدله لأن ثمن الإكاف: بدله، والعلف المأكول بدل للثمن وإلا فبدل الإكاف، وهو الثمن ليس مأكولا؛ لأن بيع الإكاف بالعلف يندر، ويحتمل أن يقال: تجوز بالإكاف عن الثمن لعلاقة البدلية، وتجوز تقديرا بالثمن عن العلف من علاقة السببية، وبه يحسن أن يقال: إن هذا مثال لعلاقة البدلية، وأن يقال: هو مثال لعلاقة السببية. ومنها مجاز إطلاق المعرف وإرادة المنكر، كقوله تعالى: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً (١)؛ لأن المراد" بابا من الأبواب" كذا قيل، وهو كلام سخيف لأن الألف واللام تأتى للعهد الذهنى، ويؤيده أنّ مصحوب هذه نكرة معنى، وإن كان معرفة لفظا، ومنها مجاز إطلاق النكرة وإرادة العموم كقوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٢) وقولهم:" امرأ وما اختار" أى: كل نفس، ودع كل امرئ. وفيه نظر؛ لجواز أن تكون كل هنا مضافا محذوفا، ويحتمل أن يقال: أريد حقيقة النفس التى هى أعم منها بقيد الوحدة والتعدد، ومنها مجاز إطلاق المعرف بالألف واللام وإرادة الجنس. نحو: الرجل خير من المرأة، وهو كلام ضعيف أيضا؛ لأن الألف واللام للجنس حقيقة، إلا أن يخرج ذلك على أنها حقيقة فى العموم، فاستعمالها فى غيره مجاز، ويلزم على هذا أن تكون الأداة العهدية مطلقا مجازا، ويفسده قول صاحب المحصول وغيره: الألف واللام للعموم عند عدم المعهود، ومنها مجاز النقص والزيادة، وسيأتيان فى كلام المصنف، ويتبين أنهما ليسا مجازين فى الحقيقة ومنها مجاز المشابهة، وهو الاستعارة، وسيأتى مفردا بالذكر. (تنبيه): قسم السكاكى المجاز المرسل إلى: مفيد، وخال عن الفائدة، وجعل الخالى عن الفائدة ما استعمل فى أعم من موضوعه، كالمرسن فإنه مستعمل فى الأنف لا بقيد كونه لمرسون وهو فى الأصل موضوع له بقيد كونه مرسونا، وكالمشفر فى قولنا:" غليظ المشافر" إذا قامت قرينة على أن المراد الشفة لا غير. قال المصنف: والشيخ عبد القاهر جعل الخالى عن الفائدة ما استعمل فى شئ بقيد مع كونه موضوعا لذلك الشئ بقيد آخر من غير قصد التشبيه، ومثله ببعض ما مثل به السكاكى،

стр. 759

الاستعارة والاستعارة قد تقيد بالتحقيقيّة؛ لتحقق معناها (١) حسّا أو عقلا؛ ... ــ ونحوه مصرحا بأن الشفة والأنف موضوعان للعضو من الإنسان، وإن قصد التشبيه صار اللفظ استعارة كقولهم فى موضع الذم: غليظ المشفر، فإنه بمنزلة أن يقال: كأن شفتيه فى الغلظ مشفر البعير. (تنبيه): إذا كان للمجاز علاقتان أو أكثر واحتمل التجوز عن كل، فمقتضى كلام الأصوليين أن أقوى العلاقات اعتبار الجزئية بأن يطلق الكل ويراد البعض. ألا ترى أنهم جعلوا التخصيص خيرا من المجاز، والتخصيص من إطلاق الكل وإرادة البعض، على ما ذكره الإمام فخر الدين وإن كان فيه خدش فإن دلالة العموم كلية لا كل، ومرادنا بالتخصيص إطلاق العام وإرادة الخاص، ولا إشكال فى أن إطلاق الكل على الجزء أولى من عكسه لاشتمال الكل على الجزء، فإن إطلاق السبب على المسبب أولى من عكسه؛ لاقتضاء السبب مسببا معينا بخلاف العكس، وأن أقوى الأسباب السبب الغائى لاجتماع السببية والمسببية فيه، وأن إطلاق الملزوم على اللازم أولى من العكس؛ لعدم اقتضاء الثانى الأول، إلا أن يكون لازما مساويا، وأن إطلاق الحال على المحل أولى من عكسه؛ لاستحالة وجود الحال دون محل. واعلم أن للحقيقة والمجاز مباحث شريفة وتحقيقات لطيفة، ذكرتها فى شرح المختصر فعليك بمراجعتها. الاستعارة: ص: (والاستعارة قد تقيد بالتحقيقية إلخ). (ش): هذا هو القسم الثانى من قسمى المجاز وهو ما كانت علاقته تشبيه معناه بموضوعه كما قال المصنف، وعلى ما حققناه ما كانت علاقته التشبيه بشرط قصد المبالغة، ومن الناس من يطلق الكلام على الاستعارة ومنهم من يقيدها بالتحقيقية وإنما كان كذلك لأن الاستعارة تنقسم إلى: استعارة بالكناية وغيرها، والاستعارة بالكناية تنقسم إلى: مصرح بها وغيره، فالمصرح بها تنقسم إلى تحقيقية وتخييلية، فالاستعارة ثلاثة أقسام: مصرح بها تحقيقية وهى أن يذكر المشبه به مرادا به المشبه ويكون المشبه

стр. 760

كقوله [من الطويل]: لدى أسد شاكى السّلاح مقذّف أى: رجل شجاع، ــ أمرا تحقيقيا إما حسا أو عقلا، ومصرح بها خيالية وهى أن يكون المشبه المتروك أمرا وهميا لا تحقق له فى الخارج، واستعارة غير مصرح بها وهى الاستعارة بالكناية وهو ذكر المشبه مرادا به المشبه به مثل: وإذا المنيّة أنشبت أظفارها (١) هذه طريق السكاكى، فالاستعارة عنده حينئذ ثلاثة أقسام كلها مجاز، والمصنف يرى أن الاستعارة على التحقيق مع التحقيقية. أما الاستعارة بالكناية: فليست عنده استعارة فى الحقيقة؛ لأن المنية عنده مستعملة فى موضوعها كما سيأتى. وأما التخييلية: وهو ما إذا كان المشبه وهميا؛ فلأنها عنده لا تستعمل إلا تبعا للاستعارة بالكناية وسيأتى إفرادها بالذكر فلذلك أطلق هذا الفصل، ثم قال:" وقد تقيد بالتحقيقية" أى بناء على انقسامها إلى النوعين فيفيد حينئذ التخصيص؛ لإفراد تلك بفصل، أو بقيد للإيضاح، إن مشينا على رأيه وعلى القولين فنجعل هذا الباب مقصورا على الاستعارة التحقيقية، وإنما تقيد بالتحقيقية لتحقق معنى الاستعارة فيها؛ لأن المشبه فى غيرها ليس محققا، وما ليس محققا ليس جديرا بأن يستعار له لفظ موضوع لغيره، ويحتمل أن يكون التقدير سميت تحقيقية لتحقق معناها، أى معنى الاستعارة وهو المشبه، وتحقق ذلك المعنى تارة يكون حسا وتارة يكون عقلا، فالحسى كإطلاق الأسد على الرجل الشجاع فى نحو قول زهير: لدى أسد شاكى السّلاح مقذّف ... له لبد أظفاره لم تقلّم (٢)

стр. 761

وقوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١) أى: الدّين الحقّ. ــ فإن أسدا هنا استعارة تحقيقية؛ لأن معناه وهو الرجل الشجاع أمر محقق حسى، وتارة يكون عقليا كقولك:" أبديت نورا" تريد حجة فإن الحجة عقلية لا حسية، فإنها تدرك بالعقل، وليست الألفاظ هى الحجة، فتكون حسية، بل الألفاظ دالة على الحجة، وكذلك قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أى الدين الحق، فإن الصراط حقيقة فى الطريق الجادة. واختلفوا فى قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ (٢) فظاهر كلام الزمخشرى أنها عقلية؛ لأنه قال: شبه ما غشى الإنسان من بعض الحوادث باللباس؛ لاشتماله على اللابس. وظاهر كلام السكاكى أنها حسية؛ لأنه جعل اللباس استعارة لما يلبس الإنسان عند جوعه وخوفه من انتقاع اللون ورثاثة الهيئة. قلت: وليس كلام الزمخشرى واضحا فى أن المشبه عقلى؛ لأنه جعل المشبه ما غشى الإنسان من بعض الحوادث، فقد يريد به ما يحصل من الجوع والخوف من انتقاع اللون كما قال السكاكى. واعلم أن قولنا: إن المشبه هنا عقلى أو حسى إنما نريد بالحسى فيه الحس الحقيقى لا الخيالى، فإن الخيالى داخل هنا فى حكم الوهمى فيكون من قسم الاستعارة التخييلية، ونريد بالعقلى أعم من الوجدانى، ألا ترى أن الجوع والخوف وجدانيان وقد سموهما عقليين، ونريد بالوهمى أعم من الخيالى، وهذا كله على خلاف الاصطلاح السابق فى أركان التشبيه، فإنا ألحقنا الخيالى بالحسى، والوهمى بالعقلى، ثم اعلم أن هذه الآية سيأتى ذكرها عند الكلام على تحقيق معنى الاستعارة التخييلية، وسيأتى على كون المشبه هنا عقليا إشكال، وعلى جعل هذا استعارة إشكال، وكلاهما يناقض هذا فليطلب من موضعه. واعلم أن ما جزم به المصنف من كون الاستعارة فى اللباس تحقيقية إما عقلية أو حسية، مخالف لما قاله السكاكى من أنها تخييلية، والحق أنها عقلية، لأن الضرر الحاصل بالجوع والخوف محقق. قال فى الإيضاح: ومن لطيف هذا الضرب ما يقع التشبيه فيه فى الحركات كقول أبى دلامة يصف بغلته أرى الشّهباء تعجن إن غدونا ... برجليها وتخبز باليدين (٣)

стр. 762

ودليل أنها مجاز لغوىّ: كونها موضوعة للمشبّه به، لا للمشبّه، ولا للأعمّ منهما. ــ ص: (ودليل أنها مجاز لغوى إلخ). (ش): قد علمت أن هذا الباب معقود للاستعارة التحقيقية، والاستعارة لفظ تضمن تشبيه معناه بما وضع له، والمراد بمعناه ما عنى به، أى ما استعمل فيه، وبهذا علم أن الاستعارة لا بد لها من الاستعمال فى غير موضوع اللفظ، فخرج بهذا نحو:" زيد أسد" فإنه تشبيه على رأى المصنف، ونحوه:" رأيته أسدا" فكل منهما تشبيه كما سبق، وخرج به نحو:" رأيت به أسدا" فليس استعارة ولا تشبيها، بل هو تجريد، وسيأتى الكلام عليه إن شاء الله - تعالى - وحاصله أن الكلام إذا اشتمل على المشبه به، فالمشبه إما أن يكون - أيضا - مذكورا لفظا أو تقديرا أو لا، فإن لم يكن الكلام استعارة - وليس تشبيها بلا خلاف - مثل:" لقيت أسدا" تريد شجاعا، كذا قال المصنف، وليس كما قال، فالخلاف فيه موجود. قال أبو الحسن حازم بن محمد بن حازم فى كتاب منهاج البلغاء وسراج الأدباء: التشبيه بغير حرف شبيه بالاستعارة فى بعض المواضع، والفرق بينهما أن الاستعارة وإن كان فيها معنى التشبيه فتقدير حرف التشبيه لا يسوغ فيها، والتشبيه بغير حرف على خلاف ذلك لأن تقدير حرف التشبيه واجب فيه ألا ترى إلى قول الوأواء الدمشقى: فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد (١) يسوغ لك أن تقدره:" وعضت على مثل العناب بمثل البرد"، وكذلك سائر ما فى البيت، ولا يسوغ ذلك فى الاستعارة نحو قول ابن نباتة حتى إذا بهر الأباطح والربا ... نظرت إليك بأعين النوار لأنه لا يصح أن تقدر:" نظرت إليك بمثل أعين النوار" اه والتحقيق أنه إن لم يصح تقدير أداة التشبيه فهو استعارة، وإن صح فيحتمل أن يكون استعارة وأن يكون تشبيها، فإذا قلت:" رأيت أسدا" جاز أن يكون تشبيها، والمشبه به باق على حقيقته على تقدير الحذف، وأن يكون استعارة ولا تقدير، وعليه أنشد الأدباء بيت الوأواء لأنه مقصود الشاعر، وذلك يفهم من كل مكان على حسبه، والغالب عند قصد

стр. 763

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المبالغة إرادة الاستعارة، كقوله تعالى: فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً (١) وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ (٢) وإن كان المشبه مذكورا، فالمشبه به إن كان خبر مبتدأ أو نحوه مثل:" كان"،" وإن" أو المفعول الثانى من باب علمت، فقد تقدم الكلام عليه، وإن رأى المصنف أنه تشبيه، والمختار جواز الأمرين فيه، فنحن ننازعه فى تعين" زيد أسد" للتشبيه، كما ذكرناه فيما سبق، وننازعه فى تعين" رأيت أسدا" للاستعارة، كما ذكرناه الآن، وإن لم يكن المشبه به كذلك فهو تجريد، وسيأتى الكلام عليه إذا تقرر هذا، فالاستعارة اختلف فيها، هل هى مجاز لغوى أو عقلى؟ والشيخ عبد القاهر يردد القول بينهما، فالجمهور على أنها مجاز لغوى، وإليه ذهب المصنف، والحاتمى شيخ السكاكى، بمعنى أن" أسدا" من قولك:" رأيت أسدا" مستعمل فى غير موضوعه، واستدلّ عليه بأن القرينة منصوبة معه، ولو كان حقيقة لما احتاج إلى القرينة، وهو ضعيف، فإن القرينة قد تكون لإرادة الأسد الذى هو إنسان بالدعاء، واستدل المصنف عليه بأنها، أى: بأن لفظها أى اللفظ المستعمل فيها موضوع للمشبه به فإن لفظ" الأسد" موضوع للحيوان المفترس لا للمشبه، وهو الرجل الشجاع، ولا لشئ له الشجاعة أعم من أن يكون الرجل الشجاع، أو الحيوان المفترس، وإذا لم يكن موضوعا للرجل الشجاع ولا لأعم منه ومن غيره كان مستعملا فى غير ما وضع له وهو شأن المجاز، وإنما قال: ولا لأعم منه؛ لأن اللفظ لو كان موضوعا لأعم منهما لكان متواطئا، أو مشككا، فيكون حقيقة بالنسبة إليهما. وقد يعترض على هذا بأن يقال: إطلاق المتواطئ على أحد نوعيه مجاز على قول مشهور، لكن ليس هذا موضع تحقيق هذا البحث، وقد حققناه فى شرح مختصر ابن الحاجب، وأيضا فالمصنف قال فى الإيضاح: لو كان موضوعا لأحدهما لكان استعماله فى الرجل الشجاع من جهة التحقيق لا من جهة التشبيه، وهذا المعنى، وهو لزوم عدم التشبيه لازم للتواطؤ سواء أكان استعماله فى أحدهما حقيقة أم مجازا؛ لأن التجوز فى إطلاق الأعم على الأخص باعتبار زيادة قيد الشخص لا باعتبار تشبيه معناه بأصله، فهو للتحقيق، أى ليس للتشبيه سواء أكان حقيقة أم مجازا، وبهذا ظهر الجواب عن قول الخطيبى: لا نسلم أنه

стр. 764

وقيل: إنها مجاز عقلى بمعنى: أن التصرّف فى أمر عقلىّ لا لغوى؛ لأنها لما لم تطلق على المشبّه، إلا بعد ادّعاء دخوله فى جنس المشبّه به. كان استعمالها فيما وضعت له؛ ولهذا صحّ التعجّب فى قوله [من الكامل]: قامت تظلّلنى من الشّمس ... نفس أعزّ علىّ من نفسى قامت تظلّلنى ومن عجب ... شمس تظلّلنى من الشّمس ــ للتحقيق إذ الوضع لأعم منهما. واستدل المصنف فى الإيضاح بأنه لو كان موضوعا للشجاع مطلقا لكان وصفا لا اسم جنس وفيه نظر؛ لأن الخصم يقول: اسم الجنس موضوعه حيوان شجاع، ولعمرى لقد كان المصنف مستغنيا عن الاستدلال على هذا فإنه لا ينازع أحد أن الاستعارة موضوعة فى الأصل لمعناها الأصلى، وأنها ليست موضوعة للأعم، إنما النزاع فى شئ وراء ذلك، كما سنبينه، وإن كان المصنف قصد أن يستوعب الأقسام الممكنة فبقى عليه أن يكون اللفظ موضوعا لكل منهما بالاشتراك وقيل: الاستعارة مجاز عقلى، بمعنى أن التصرف فيها فى أمر عقلى لا لغوى، لأنها لا تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله فى جنس المشبه به، فلما لم تطلق الاستعارة على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله فى جنس المشبه به، كان استعمالها فيما وضعت له فيكون حقيقة لغوية ليس فيها غير نقل الاسم وحده، وليس نقل الاسم المجرد استعارة؛ لأنه لا بلاغة فى مجرد نقل الاسم؛ لأن الأعلام المنقولة نحو:" يزيد، ويشكر" ليست استعارة، فلم يبق إلا أن يكون مجازا عقليا، بمعنى أن العقل جعل حقيقة الأسد أعم من الرجل الشجاع، وأطلقه عليه، فنقل الاسم تبع لنقل المعنى، قالوا: ولذلك صح التعجب فى قول ابن العميد: (١) قامت تظلّلنى من الشمس ... نفس أعزّ علىّ من نفسى قامت تظلّلنى ومن عجب ... شمس تظللنى من الشمس وصح النهى عنه أى عن التعجب فى قوله:

стр. 765

والنهى عنه قوله [من المنسرح]: لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زرّ أزراره على القمر وردّ: بأن الادعاء لا يقتضى كونها مستعملة فيما وضعت له، وأمّا التعجّب، والنهى عنه: فللبناء على تناسى التشبيه؛ قضاء لحقّ المبالغة. ــ لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زرّ أزراره على القمر (١) ومنه قوله: ترى الثياب من الكتّان يلمحها ... نور من البدر أحيانا فيبليها فكيف تنكر أن تبلى معاجرها ... والبدر فى كلّ وقت طالع فيها (٢) وتسميتهم هذا تعجبا نظرا إلى اللغة، فإن قوله:" من عجب" ليس تعجبا اصطلاحيا، وهذان البيتان أحسن مما قبلهما، فإن الذى يقال: إنه يبلى بنور القمر: هو الكتان، لا مطلق الغلالة. ووجه التعجب أن الشمس الحقيقية لا تظلل من الشمس؛ لأنها تحتاج إلى ما يظلل منها لنورها، والبدر الحقيقى يتعجب من عدم تأثيره فى بلى الكتان، فلو لم يكن حقيقة لما تعجب، ورد على هذا القائل فيما احتج به. أما قوله: إنها لم تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله فى جنس المشبه به، فذلك لا يخرج اللفظ عن كونه مستعملا فى غير ما وضع له، فإن قلت: كيف لا يخرجه (٣) وادعاء أنه أسد حقيقى كقوله: هذا أسد حقيقى وذلك يصيره حقيقة. قلت: لأن ادعاء ذلك ليس حقيقيا، بل ادعاء مجازيا. وفيه نظر، فإن الادعاء المجازى مضمون الجملة لا مضمون الاستعارة فقط، وأما التعجب والنهى فللبناء على تناسى التشبيه قضاء لحق المبالغة، وفيهما أيضا نوع تجوز، ويحتمل أن يقال: الاستعارة هنا أصلها التشبيه من كل وجه مبالغة، فهو كالتشبيه المشروط فى نحو قوله:

стр. 766

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ آراؤه مثل النّجوم ثواقبا ... لو لم يكن للثاقبات أفول (١) فإن المراد أنها مثل النجوم من كل وجه، فلذلك شرط عدم الأفول فتقدير الكلام هنا فى التعجب: كيف لا تبلى غلالته، وهو كالبدر من كل وجه، وحينئذ فالتعجب لا ينافى المجاز، وإذا كان قولنا:" كالبدر من كل وجه" لا ينكر التعجب بما ذكر، فالاستعارة التى هى أبلغ منه أولى، إلا أن يقال: بلى الغلالة ليس من الأوجه التى يقصد أن يشبه بها المستعار له، لأنه ليس وصفا مقصودا، ومعنى قولنا:" هو كالبدر من كل وجه" أى كل وجه حسن مقصود. ثم أورد السكاكى أن الإصرار على ادعاء الأسدية للرجل الشجاع ينافى نصب القرينة المانعة من إرادة السبع المخصوص، كقولك: جاء أسد يرمى بالنشاب، وأجاب بمنع المنافاة، لأن مبنى دعوى الأسدية لزيد على ادعاء أن أفراد جنس الأسد قسمان: قسم متعارف، وهو الحيوان المعروف، وغير متعارف، وهو الذى له تلك القوة والجراءة، لا مع تلك الصورة، بل مع صورة أخرى على نحو ما ارتكب المتنبى فى عد نفسه وجماعته من جنس الجن، وعد جماله من جنس الطير حيث قال: نحن قوم ملجنّ فى زىّ ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال (٢) ومنه قولهم: تحية بينهم ضرب وجيع وقوله تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٣)، وقول الشاعر: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس (٤)

стр. 767

والاستعارة: تفارق الكذب: بالبناء على التأويل، ونصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر. ولا تكون علما؛ لمنافاته الجنسيّة؛ إلا إذا تضمّن نوع وصفيّة؛ كحاتم. ــ كذا قال السكاكى، وفيه نظر؛ لأن البيت والآية على أحد القولين الاستثناء فيهما منقطع، وإذا كان منقطعا فلا نقدر أن المستثنى فرد من أفراد المستثنى منه، إذ لو قدرناه وأطلقنا المستثنى منه على أعم من المستثنى لكان الاستثناء متصلا؛ ولذلك كان الاستثناء المنقطع بتقدير لكن، وما بعده جملة، كما صرح به الأكثرون فلو قدرنا المستثنى داخلا فى المستثنى منه مجازا لكان متصلا. وقول النحاة: إن الاستثناء المنقطع لا بد فيه من المناسبة، لا يعنون به أنا نطلق المستثنى منه على أعم منه مجازا قبل الاستثناء، بل يعنون أن المناسبة شرط لصحة استعمال" إلا" بمعنى" لكن"، فالتجوز فى المنقطع إنما هو فى استعمال إلا بمعنى لكن لا فى المستثنى منه، وإن كان قد وقع فى كلام بعض النحاة ما يوافق كلام السكاكى، والتحقيق ما قلناه، ويدل لصحة ما قلناه أن الزمخشرى ذكر هذا الوجه ثم قال:" ولك أن تجعل الاستثناء منقطعا، فدل على تغايرهما. الاستعارة تفارق الكذب: ص: (والاستعارة تفارق الكذب إلخ). (ش): شرع فى أحكام الاستعارة فالأول منها أنها ليست بكذب لأمرين: أحدهما خفى معنوى، وهو البناء على التأويل؛ لأن الكاذب غير متأوّل، والمستعير متأول ناظر إلى العلاقة الجامعة وقد التبس ذلك على الظاهرية، فادعوا أن المجاز كذب، ونفوا وقوعه فى كلام المعصوم، وهو وهم منهم، الثانى: أمر ظاهر لفظى، أو غير لفظى، وهو كالفرع عن الأول أن المجاز ينصب قائله قرينة تصرف اللفظ عن حقيقته، وتبين أنه أراد ظاهره الموضوع له. ص: (ولا تكون علما إلخ). (ش): لما قرر المصنف أن الاستعارة لا بد لها من ادعاء دخول المشبه فى جنس المشبه به، علم أن المشبه به لا بد أن يكون جنسا، فاستحال أن يكون اللفظ المستعار علما، لأنه ليس موضوعا لجنس يمكن أن يدعى دخول المشبه فيه ويرد على المصنف أمران:

стр. 768

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدهما: أن هذه علة تستلزم أحد نوعى المدعى، وهو علم الشخص أما علم الجنس، فما ذكره لا يقتضى أن يمتنع التجوز به إلى غيره فيقال:" رأيت أسامة" يعنى" زيدا الشجاع" والظاهر أن ذلك جائز، وقد قررت فى شرح المختصر أن علم الجنس كلى، وأن ما أطلقوه من أن الأعلام جزئية محمول على أعلام الأشخاص. الثانى: أنه لو كانت العلة فى امتناع أن تكون الاستعارة علما ما ذكره لجاز التجوز فى الأعلام بالمجاز المرسل؛ لأنه ليس فيه مشبه ولا مشبه به، ولا ادعاء، والظاهر أن ذلك لا يجوز فلا نقول:" جاء زيد" تعنى" رأسه"، وقد صرح بذلك الإمام فخر الدين فى المحصول، حيث قال: إن نحو: رأيت زيدا، وضربت زيدا مجاز عقلى، لأن الأعلام لا يتجوز عنها، ويشهد لذلك أيضا أن المجاز فرع الحقيقة، والعلم ليس حقيقة ولا مجازا، فكيف يتجوز عنه. واستدل المصنف فى الإيضاح على أن الاستعارة لا تدخل فى الأعلام بأن العلم لا يدل إلا على تعيين شئ من غير إشعار بأنه إنسان أو غيره فلا اشتراك بين معناه وغيره إلا فى مجرد التعيين. ونحوه من العوارض العامة التى لا يكفى شئ منها جامعا فى الاستعارة (قوله: إلا إذا تضمن نوع وصفية كحاتم) يشير إلى أن العلم إذا تضمن وصفا كما أن اسم حاتم تضمن وصف الجود لشهرته به ومادر تضمن وصف البخل وما أشبههما، فيجوز أن يقال:" جاء حاتم" تعنى" زيد" (قلت): ولا حاجة لهذا الاستثناء بل هو منقطع؛ لأن ذلك إنما يفعل بعد تنكير العلم وتنكير العلم قد يكون تقديرا، وهذا منه، ومنه قول أبى سفيان: لا قريش بعد اليوم. فالاستعارة حينئذ لم تلاق العلم، بل لاقت النكرة، ويسمى هذا حينئذ استعارة تبعية، كما سيأتى. وقد قيل: إنها تتحمل الضمير وأما قوله: إن نحو:" حاتم" تضمن وصفا، فليس كذلك، فإن لفظ" حاتم" لم يتضمن الجود، ولم يدل عليه لا قبل العلمية، ولا معها، ولا بعدها، وإنما مسمى العلم موصوف يوصف اشتهر عنه وعبارته توهم أن المراد الأعلام المنقولة من الصفات، كالفضل مثلا، فإنه لو اشتهر شخص سمى بالفضل بفضل، جاز أن تقول: مررت بالفضل، مريدا شخصا يشبهه فى الفضل، فذلك واضح، ويمكن ادعاء دخول الاستعارة فيه، كما قيل: إنه يتحمل ضميرا، لكن ليس هذا المراد بدليل التمثيل بحاتم ومادر، وقوله: تضمن الوصفية يوهم هذا. وحاتم الطائى

стр. 769

وقرينتها: إما أمر واحد؛ كما فى قولك: رأيت أسدا يرمى خ خ، أو أكثر؛ كقوله (١) [من الرجز]: فإن تعافوا العدل والإيمانا ... فإنّ فى أيماننا نيرانا ــ خبره فى الجود مشهور، ومادر رجل من هلال بن عامر بن صعصعة، يضرب به المثل فى البخل، تقول العرب:" أبخل من مادر" لأنه سقى إبله فبقى فى أسفل الحوض ماء قليل، فسلح فيه ومدر به حوضه بخلا أن يشرب من فضله. القرينة قد تكون أمرا واحدا: ص: (وقرينتها إما أمر واحد إلخ). (ش): لما قدم أن الاستعارة تفارق الكذب بنصب القرينة علم أنها لازمة لها، فتلك القرينة قد تكون أمرا واحدا، وقد تكون أكثر، والمراد بالقرينة ما يمتنع معه صرف الكلام إلى حقيقته. فالأمر الواحد مثل:" رأيت أسدا يرمى" فإن وصفه بالرمى بالنشاب قرينة أنه ليس الحيوان المفترس، والأكثر مثله المصنف يقول بعض العرب: فإن تعافوا العدل والإيمانا ... فإنّ فى أيماننا نيرانا (٢) أى سيوفا تلمع كأنها نيران، فقوله: تعافوا باعتبار كل واحد من تعلقه بالعدل وتعلقه بالإيمان قرينة لذلك، لدلالته على أن جوابه تحاربون وتقهرون بالسيف، كذا قال المصنف. وفيه نظر؛ لأن تعافوا العدل والإيمان إذا كان قرينة فى حصول القهر، فالقهر لا يستلزم السيف، بل يستلزم مطلق العقوبة، فقد تكون بالنيران؛ لأن النار أحد أنواع القتال، فإن قيل: الغالب القتال بالسلاح قلنا: فالقرينة حينئذ ليست ما ذكر فقط، بل هى منضمة إلى هذا. وقول الطيبى: لأن العذاب بالنار لا يكون إلا للواحد القهار، كلام صحيح، إلا أنه استدلال عجيب؛ لأن قائل هذا البيت إن لزم كونه مؤمنا لذكره الإيمان فمن أين لنا أنه لم يتوعد بالنار، وقد يقع من المؤمن عصيانا أو تخويفا سلمناه أليس التوصل إلى الكفار بالتحريق جائزا عند الحاجة إليه بلا إشكال؟ ولو لم يكن جاز أن يراد نار الآخرة ولفظ الإيمان لا ينفى ذلك، على معنى أن أيدى المؤمنين كان فيها نار الآخرة مرسلة على الكفار - سلمنا أنه قرينة تصرفه إلى

стр. 770

أو معان ملتئمة، كقوله [من الطويل]: وصاعقة من نصله تنكفى بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب ــ السلاح، فمن أين له أن المراد السيوف جاز أن يراد أسنة الرماح؟ بل أسنة الرماح هى المشبهة فى الغالب بالنار، لأنها أشبه بالشعلة من النار لارتفاعها وسرعة حركتها ولمعانها، وليس مجموع ذلك فى السيف. ثم قد يقال: القرينة هنا أمر واحد له متعلقان لا أمور متعددة، ولو كانت القرينة أمورا متعددة لكانت قرائن لا قرينة هى أكثر من واحد فإن ذلك إنما يتأتى فى الشئ الملتئم من عدة أمور، وذلك قسم سيأتى، والذى يظهر فى البيت أن القرينة مجموع:" فإن تعافوا" مع قوله:" أيماننا" جمع يمين لأن الأول دل على العقوبة، والثانى دل على عدم إرادة النار الحقيقية، فإن الذى هو فى الإيمان السلاح لا النار، فإن الغالب أنه تأجج ولا يطول مكثها فى الأيدى. وقول المصنف: أو أكثر ينبغى أن يكون معطوفا على أمر؛ ليكون تقديره:" إما أكثر من أمر واحد"، فيكون أمور متعددة، ولا يكون معطوفا على قوله:" واحد" فإنه يلزم أن يكون التقدير: أو أمر أكثر من واحد؛ فإن ذلك لا يصح إلا بأن يكون الأكثر من أمر واحد يصدق عليه أمر. وفيه بعد، فإن الأمر ظاهره الوحدة، وإنما يقال:" أمر واحد"؛ لزيادة إيضاح، أو للاحتراز عن الهيئة الاجتماعية (قوله: أو معان ملتئمة) أى معان مرتبط بعضها ببعض، يريد أن تكون القرينة أمرا مركبا، ومثله بقول البحترى: وصاعقة من نصله تنكفى بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب (١) أراد أنامل الممدوح فذكر أن هناك صاعقة، ثم قال: من نصله فبين أنها من نصل سيفه ثم قال: على أرؤس الأقران، ثم قال:" خمس" فذكر عدد أصابع اليد فبان من مجموع ذلك غرضه كذا قال المصنف، وفيه نظر، أما قوله: أراد أنامل الممدوح، فالأحسن أن يقال: الأصابع كما ذكره هو آخرا والسكاكى ذكر الأنامل أولا، وآخرا، وكان مقصودهما أن تشبيه الأنامل بالسحائب أبلغ من تشبيه الأصابع، لكن قد يعكس؛ لأن الأنامل على الإطلاق أكثر من خمس، وإرادة الأنملة العليا من كل

стр. 771

وهى (١) باعتبار الطرفين قسمان؛ لأنّ اجتماعهما فى شئ: إمّا ممكن؛ نحو: (أحييناه) فى قوله: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ (٢) أى: ضالّا فهديناه، ولتسمّ وفاقيّة ... ــ أصبع تكلف لا حاجة له، وأما القرائن، فإن كان المراد استعارة الصاعقة للسيف، فالقرينة لذلك هى قوله:" من نصله" وذكر" السحائب" فإن السحائب ليس من شأنها أن تأتى بالصاعقة، ويكونان قرينتين متفاصلتين لا حقيقة ملتئمة منهما، وأما على أرؤس الأقران فليس قرينة لأن الصاعقة الحقيقية تنكفى على الرؤوس إلا أن يقال: معناه على رؤوسهم دون غيرهم، والصاعقة من شأنها أنها تقصم من واجهته، فإن سلمنا هذا فهى قرينة ثالثة منفصلة، وأما قوله:" ثم قال خمس" فظاهره أن ذكر هذا العدد قرينة، وليس كذلك؛ لأن هذا العدد ليس مصروفا أن ينسب إلى السحائب والخمس، وإن لم يكن لها خصوصية بالسحائب، وليس لها خصوصية فالمصروف معناها، بل القرينة ذكر السحائب، فينبغى أن يقال: ثم قال:" خمس سحائب" وحاصله أن القرينة هنا ليست حقيقة ملتئمة، وإن كان المراد استعارة السحائب للأصابع كما ذكره الطيبى، فالقرينة له ذكر الصاعقة، لأن السحائب الحقيقية لا تنكفى بها الصاعقة، وكذلك قوله:" من سيفه" فإن السحائب لا تنكفى بها السيوف، فهما قرينتان متفاصلتان. الاستعارة باعتبار طرفيها قسمان: ص: (وهى باعتبار الطرفين قسمان إلخ). (ش): الاستعارة تنقسم إلى أقسام، وانقسامها تارة يكون: بحسب اعتبار الطرفين أى طرفى التشبيه المضمر فى النفس، وهما المشبه والمشبه به وتارة باعتبار الجامع، وتارة باعتبار الثلاثة جميعا أى الطرفين، والجامع، وتارة باعتبار اللفظ، وتارة باعتبار أمر خارج عن جميع ذلك. التقسيم الأول باعتبار الطرفين، فهى تنقسم باعتبارهما قسمين: أحدهما أن يكون اجتماعهما أى الطرفين فى شئ ممكنا كقوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ أى ضالا فهديناه فالإحياء والهداية يمكن أن يجتمعا فى شئ (ولتسم وفاقية) أى تسمى الاستعارة إذا كان طرفاها يمكن اجتماعهما وفاقية؛ لتوافق طرفيها.

стр. 772

وإما ممتنع؛ كاستعارة اسم المعدوم للموجود؛ لعدم غنائه، ولتسمّ عناديّة، ومنها (١) التهكمية والتمليحيّة، وهما ما استعمل فى ضدّه أو نقيضه؛ لما مر؛ نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢). ــ الثانى أن يكون اجتماعهما فى شئ ممتنعا، والمراد به ما كان وضع التشبيه فيه على ترك الاعتداد بالصفة، وان كانت موجودة؛ لخلوها مما هو ثمرتها، كاستعارة اسم المعدوم للموجود بواسطة عدم غنائه، أى نفعه فإن الموجود والمعدوم لا يجتمعان، وتسمى هذه الاستعارة عنادية، لتعاند طرفيها فى الاجتماع، وكان المصنف مستغنيا عن هذا المثال بأن يجعل: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ مثالا للوفاقية والعنادية، فإن" ميتا" الاستعارة فيه عنادية؛ لأنه شبه فيه الموجود الضال بالميت، والضلال والموت لا يجتمعان، لأن الضلال هو الكفر الذى شرطه الحياة؛ ولهذا مثل فى الإيضاح للعنادية بإطلاق الميت على الحى الجاهل (قوله:" ومنها") أى من العنادية التهكمية والتمليحية، وهما لفظ مستعمل فى ضده، أى ضد موضوعه، أو نقيضه كما مر فى التشبيه أن التشبيه قد ينتزع من نفس التضاد لاشتراك الضدين فيه، ثم ينزل منزلة التناسب بواسطة تمليح أو تهكم، فيقال للجبان:" ما أشبهه بالأسد" وللبخيل:" هو كحاتم" ونحو قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فالبشارة والإنذار لا يجتمعان فالاستعارة عنادية، ولك أن تقول: استعارة أحد النقيضين للآخر، لم يمثل له المصنف، وقد عطفه على استعارة اسم المعدوم للموجود، واستعارة المعدوم للموجود هو استعارة الوجود والعدم؛ لأن الاستعارة فيهما تبعية وهما نقيضان، إلا أن يقال: النقيضان هما الوجود وأن لا وجود، لا الوجود والعدم، فنقول حينئذ: إن ثبت ذلك، فليكن الوجود والعدم ضدين، وحاصله أن التهكمية والتمليحية إذا فسرنا بما ذكره لزم أن يكون كل استعارة عنادية كذلك، فينبغى أن يفسر التهكمية والتمليحية بما لا يجتمع طرفاه، ولم يقصد فيه تهكم ولا تمليح، وليعم أن إطلاق البشارة لا يكون إلا فى الخير عند الإطلاق، وإن كانت فى أصل اللغة لكل خبر تتغير له البشرة من خير وشر، فتكون حقيقة لغوية، ثم غلب استعمالها فى الخبر السار الصادق بالأول حتى صار استعمالها فى غيره مجازا، وما ذكره المصنف هو المشهور. وقد أغرب الخفاجى، فقال فى سر الفصاحة: إن فبشرهم بعذاب أليم من مجاز المقابلة، لأنه لما ذكرت بالبشارة فى أهل الجنة ذكرت فى أهل النار، وقد تقدم النزاع معه فى ذلك عند الكلام فى مجاز المقابلة.

стр. 773

وباعتبار الجامع قسمان؛ لأنه: إما داخل فى مفهوم الطرفين؛ نحو: (كلّما سمع هيعة، طار إليها) (١)؛ فإن الجامع بين العدو والطيران: هو قطع المسافة بسرعة، وهو داخل فيهما؛ وإما غير داخل، كما مر (٢). ــ الاستعارة باعتبار الجامع قسمان: ص: (وباعتبار الجامع إلخ). (ش): هذا هو التقسيم الثانى، وهو باعتبار الجامع بين المشبه، والمشبه به فقط، وذكر له بذلك الاعتبار تقسيمين وإليهما أشار بقوله: وهما قسمان وأشار إلى الأول بقوله: لأنه أى لأن الجامع بين الشيئين لما داخل فى مفهوم الطرفين، يريد أن يكون الجامع أمرا أعم مما فى كل من الطرفين، فهو داخل فى مفهومهما، كتشبيه ثوب بآخر فى نوعهما، أو فى جنسهما، كما سبق قال: نحو:" كلما سمع هيعة طار إليها"، والذى فى صحيح مسلم من قوله ﷺ فى الغازى:" كلما سمع هيعة أو قرعة طار عليه" (٣) هذا لفظه، وعليه أى على الفرس فإن الجامع بين طار وعدا هو قطع المسافة بسرعة، وهو أمر موجود فى الطرفين اللذين هما العدو والطيران، لأنه أعم منهما. قال الجوهرى: " والهيعة كل ما أفزعك من صوت أو فاحشة تشاع" قال الشاعر: إن يسمعوا هيعة طاروا بها فرحا ... منّى وما سمعوا من صالح دفنوا (٤) كذا فى الصحاح، والبيت لمعتب ورأيته فى شعره: إن يسمعوا ريبة. (قوله:" أو غير داخل") عطفه على قوله:" داخل" يعنى أو لا يكون الجامع داخلا فى مفهوم الطرفين، بأن يكون وجه الشبه صفة على ما سبق، كتشبيه" زيد بالأسد" فى الشجاعة، والوجه المنير والوجه المتهلل بالشمس، فى قولك:" رأيت أسدا وشمسا" وقوله:" وأيضا" إشارة إلى التقسيم الثانى من نوعى تقسيم الاستعارة بحسب الجامع، وإنما لم يجعله من الأصل أربعة أقسام، لأن كلا من القسمين السابقين ينقسم

стр. 774

وأيضا: إمّا عاميّة، وهى المبتذلة؛ لظهور الجامع فيها؛ نحو: رأيت أسدا يرمى. أو خاصّيّة، وهى الغريبة، والغرابة قد تكون فى نفس المشبّه؛ كقوله [من الكامل]: وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشّكيم إلى انصراف الزّائر وقد تحصل بتصرف فى العامّيّة؛ كما فى قوله [من الطويل]: وسالت بأعناق المطىّ الأباطح (١) إذ أسند الفعل إلى الأباطح دون المطى أو أعناقها، وأدخل الأعناق فى السير. ــ لكل من القسمين اللاحقين وعكسه (قوله:" إما عامية") أى الاستعارة تارة تكون عامية، أى منسوبة إلى العوام وهى المبتذلة، لكون الجامع فيها ظاهرا، نحو:" رأيت أسدا يرمى وبحرا يتكلم" وقد تقدم ذكر هذا فى التشبيه، ولعمرى لقد كان المصنف مستغنيا بذكر كثير مما هنالك عن كثير مما ههنا، وعكسه، فإن الاستعارة تشبيه فى المعنى وتارة تكون خاصة، أى لا تستعملها إلا جماعة خواص الناس، وهم أصحاب الأذهان السليمة، وهى الغريبة، لأنها لا يدركها إلا من ارتفع عن درجة العوام. ثم الغرابة قد تكون من نفس الشبه، أى يكون التشبيه غريبا كما فى تشبيه هيئة العنان فى موقعة من قربوس بهيئة الثوب فى موقعة من ركبة المحتبى، كقول زيد بن مسلمة بن عبد الملك يصف فرسا بأنه مؤدب: وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشّكيم إلى انصراف الزّائر (٢) والقربوس: بفتح القاف والراء، ولا يجوز تسكين الراء إلا ضرورة؛ لأن فعلولا ليس موجودا (وقد تحصل) أى الغرابة (بتصرف فى العامية) بأن يكون التشبيه مشهورا، ولكنه يذكر على وجه غير مشهور، كما فى قوله: ولما قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطىّ الأباطح فإنه استعمل:" سالت" بمعنى سارت بسرعة وسلاسة ولين، حتى كأنها سيل، وأصل تشبيه السير السريع بالسيل معروف، وإنما حسن التصرف فيه أفاد الغرابة، فإنه

стр. 775

وباعتبار الثلاثة (١) ستة أقسام؛ لأن الطرفين إن كانا حسيّين، فالجامع إمّا حسىّ؛ نحو: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا (٢)؛ فإنّ المستعار منه ولد البقرة؛ والمستعار له الحيوان الذى خلقه الله تعالى من حلى القبط، والجامع لها الشكل؛ والجميع حسىّ. ــ أسند الفعل إلى الأباطح دون المطى وأعناقها والأنصار، أو وجوههم، حتى أفاد أن الأباطح امتلأت من الإبل. كذا قاله المصنف، وقد يقال: الكلام فى استعارة" سالت"" لسارت" وأما إسناد السيل إلى الأباطح فذلك مجاز آخر إسنادى، لا يتصل بتلك الاستعارة السابقة، وقول المصنف:" وأدخل الأعناق فى السير" يشير إلى أن الباء فى قوله:" بأعناق المطى" للتعدية، نعم قد تحصل الغرابة لإدخال الأعناق فى السير، لأن سرعة سير الإبل أكثر ما تظهر فى أعناقها. وقال فى الإيضاح: قد تحصل الغرابة بالجمع بين عدة استعارات؛ لإلحاق الشكل، بالشكل كقول امرئ القيس: فقلت له لمّا تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل (٣) أراد وصف الليل بالطول، فاستعار له صلبا يتمطى به، إذ كان كل صلب يطول عند التمطى، وبالغ بأن جعل له أعجازا يردف بعضها بعضا، ثم أراد أن يصفه بالثقل على كل قلب ساهر لمكابدته، فاستعار له كلكلا ينوء به أى يثقل. قال عبد اللطيف البغدادى: ينبغى أن لا تبعد الاستعارة جدا، فتعزب عن الفهم، ولا تقرب جدا فتستبرد، وخير الأمور أوسطها. ص: (وباعتبار الثلاثة إلخ) (ش): أى الاستعارة باعتبار الثلاثة، وهى الطرفان والجامع ستة أقسام، وإنما كان باعتبارها، وإن كان التقسيم بالحقيقة للجامع، لأن اختلاف الجامع كان باعتبار ما للطرفين من حسى وغيره، والستة تشبيه محس شئ بمحس شئ بوجه حسى، أو عقلى، أو مختلف، أو عقلى بعقلى، أو مختلفان، والحسى المستعار منه أو عكسه، والثلاثة لا تكون إلا بوجه عقلى، لما سبق فى التشبيه، وعلل كونها ستة بما يتضمن ذكر التشبيه، فقال: لأن الطرفين إن كانا حسيين، فالجامع على أقسام. الأول يكون حسيا مثاله قوله تعالى: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فإن المستعار منه حقيقة العجل، وهو ولد البقرة، والمستعار له الحيوان الذى خلقه الله - تعالى - من حلى القبط، والجامع الشكل، والجميع حسى. كذا قالوه، وفيه نظر؛ لأن
следующие страницы →