. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأن تكون الحروف لذيذة عذبة، وقد يقال: إن غالب ذلك راجع إلى التنافر فدخل فى كلام المصنف، وجعل من الإخلال بالفصاحة أيضا أن يجمع بين ثلاث حركات متوالية، وليس بصحيح لوروده فى القرآن، ولو صح فهو من التنافر، وأيضا فهو فى الكلمة الواحدة: أما الكلمات فقد تجتمع فيها الحركات المتوالية، وتصل إلى ثمانية، قال تعالى: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً (١) وجعل حازم فى المنهاج من المستقبح تتابع الكسرات، وحروف العلة نحو الكيماء.
(تنبيه): ليس من شرط الكلمة أن تكون قابلة هذه الأمور الثلاثة، فقد لا تقبلها كالكلمة التى على حرف واحد فلا تنافر فيها، بل الحروف كلها ليس فيها تنافر حروف.
(تنبيه): قال فى الإيضاح: ثم علامة كون الكلمة فصيحة، أن يكون استعمال العرب الموثوق بعربيتهم لها كثيرا، أو أكثر من استعمالهم ما بمعناها. قلت: قوله: أو أكثر من استعمالهم ما بمعناها فيه نظر؛ لاستلزامه أن مراتب الفصاحة لا تتفاوت، لأنه إذا كان استعمالهم لها أكثر من غيرها وجعلناه دليل الفصاحة فلا يكون غير فصيح بحال، لا يقال:
قوله كثيرا يرفع هذا الوهم؛ لأنه إنما يقصد بقوله: أن يكون استعمالهم لها كثيرا كون الكلمة ليس لها مرادف؛ فكثرة استعمالها دليل فصاحتها. أما إذا كان كلمتان مترادفتان، فقد شرط فى فصاحة إحداهما الأكثرية، ولا شك أن رتب الفصاحة متفاوتة، ولو كان مراده الكثرة من كلمة لها مرادف لما قال: أو أكثر؛ لأن الأكثر كثير.
(تنبيه): قال ابن النفيس فى كتاب الطريق إلى الفصاحة: قد تنقل الكلمة من صيغة لأخرى، أو من وزن لآخر، أو من مضى لاستقبال وبالعكس، فتحسن بعد أن كانت قبيحة، وبالعكس فمن ذلك خود بمعنى أسرع قبيحة فإذا جعلت اسما خودا، وهى المرأة الناعمة قل قبحها، وكذلك ودع يقبح بصيغة الماضى؛ لأنه لا يستعمل ودع إلا قليلا، ويحسن فعل أمر أو فعلا مضارعا، ولفظ اللب بمعنى العقل يقبح مفردا، ولا يقبح مجموعا، كقوله تعالى: لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢) قال ولم يرد لفظ اللب مفردا إلا
стр. 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مضافا كقوله ﷺ : ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الحازم من إحداكن" (١) أو مضافا إليها، كقول جرير:
يصرعن ذا اللّبّ حتّى لا حراك ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا (٢)
وكذلك الأرجاء تحسن مجموعة كقوله تعالى: وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها (٣) ولا تحسن مفردة إلا مضافة، كقولنا: رجا البئر، وكذلك الأصواف تحسن مجموعة نحو قوله تعالى:
وَمِنْ أَصْوافِها (٤) ولا تحسن مفردة، كقول أبى تمام:
فكأنّما لبس الزّمان الصّوفا (٥)
ومما يحسن مفردا ويقبح مجموعا المصادر كلها، وكذلك طيف وطيوف وبقعة وبقاع، وإنما يحسن جمعها مضافا مثل بقاع الأرض.
(تنبيه): رتب الفصاحة متقاربة، وإن الكلمة تخف وتثقل بحسب الانتقال من حرف إلى حرف لا يلائمه قربا أو بعدا، فإن كانت الكلمة ثلاثية فتراكيبها اثنا عشر:
الأول: الانحدار من المخرج الأعلى إلى الأوسط إلى الأدنى، نحو ع د ب.
الثانى: الانتقال من الأعلى إلى الأدنى إلى الأوسط نحو ع م د.
الثالث: من الأعلى إلى الأدنى إلى الأعلى نحو ع م هـ.
الرابع: من الأعلى إلى الأوسط إلى الأعلى نحو ع ل هـ.
الخامس: من الأدنى إلى الأوسط إلى الأعلى نحو م ل ع.
السادس: من الأدنى إلى الأعلى إلى الأوسط نحو ب ع د.
السابع: من الأدنى إلى الأعلى إلى الأسفل نحو ف ع م.
الثامن: من الأدنى إلى الأوسط إلى الأدنى نحو ف د م.
التاسع: من الأوسط إلى الأعلى إلى الأدنى نحو د ع م.
стр. 73
وفيه نظر (١):
وفى الكلام: خلوصه من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات، والتعقيد، مع فصاحتها: ...
ــ
العاشر: من الأوسط إلى الأدنى إلى الأعلى نحو د م ع.
الحادى عشر: من الأوسط إلى الأعلى إلى الأوسط نحو ن ع ل.
الثانى عشر: من الأوسط إلى الأدنى إلى الأوسط نحو ن م ل.
إذا تقرر هذا فاعلم أن أحسن هذه التراكيب وأكثرها استعمالا ما انحدر فيه من الأعلى إلى الأوسط إلى الأسفل، ثم ما انتقل فيه من الأوسط إلى الأدنى فهما سيان فى الاستعمال، وإن كان القياس يقتضى أن يكون أرجحهما ما انتقل فيه من الأوسط إلى الأعلى إلى الأدنى، وأقل الجميع استعمالا ما انتقل فيه من الأدنى إلى الأعلى إلى الأوسط، هذا إذا لم ترجع إلى ما انتقلت عنه، فإن رجعت فإن كان الانتقال من الحرف الأول إلى الثانى فى انحدار من غير طفرة، والطفرة الانتقال من الأعلى إلى الأدنى أو عكسه - كان التركيب أخف وأكثر، وإن فقدا بأن يكون النقل من الأول فى ارتفاع مع طفرة - كان أثقل، وأقل استعمالا، وأحسن التراكيب ما تقدمت فيه نقلة الانحدار من غير طفرة بأن ينتقل من الأعلى إلى الأوسط إلى الأعلى، أو من الأوسط إلى الأدنى إلى الأوسط، ودون هذين ما تقدمت فيه نقلة الارتفاع من غير طفرة.
وأما الرباعى والخماسى فعلى نحو ما سبق فى الثلاثى، ويختص ما فوق الثلاثة بكثرة اشتماله على حروف الذلاقة لتجبر خفتها ما فيه من الثقل، وأكثر ما تقع الحروف الثقيلة فيما فوق الثلاثى مفصولا بينهما بحرف خفيف، وأكثر ما تقع أولا وآخرا وربما قصد بها تشنيع الكلمة لذم أو غيره.
الفصاحة في الكلام .
ص: (وفى الكلام خلوصه من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات، والتعقيد مع فصاحتها).
(ش): أى الفصاحة فى الكلام: خلوصه من ذلك مع فصاحة الكلمات وعليه من السؤال ما تقدم فى فصاحة الكلمة
من اقتضاء كلامه الخلوص من المجموع فقط، وغير
стр. 74
فالضعف (١) نحو: ضرب غلامه زيدا ...
ــ
ذلك ثم قوله: تنافر الكلمات فيه نظر؛ لأن الكلام قد يكون كلمتين فقط، ويعنى بقوله تنافر الكلمات منافرة كل واحدة للأخرى، لا تنافر أجزاء كلمة واحدة، فإن ذلك من فصاحة الكلمة. قوله: (فالضعف نحو ضرب غلامه زيدا) فإن فيه رجوع الضمير إلى المتأخر لفظا ورتبة، وقد اختلف فى جواز ذلك، فالجمهور على منعه، وجوزه أبو الحسن، والطوال، وابن جنى، وابن مالك مستدلين بقوله:
جزى ربّه عنّى عدىّ بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل (٢)
وأجيب عنه بأن الضمير لمصدر جزى، وكذلك قوله:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمّار (٣)
وأجيب عنه بجواز أن يكون الضمير لمتقدم فى بيت سابق.
واعلم أن المصنف والشراح قالوا: إنما كان ضعيفا؛ لأن ذلك ممتنع عند الجمهور، ولا يجتمع القول بضعفه، وكونه غير فصيح مع القول بامتناعه. فإن أرادوا أنه جائز، ولكنه ضعيف؛ لأن الأكثر على امتناعه فلا يلزم من القول بجواز ما منعه الجمهور الاعتراف بضعفه، فربما ذهب ذاهب إلى جواز شئ وفصاحته مع ذهاب غيره إلى امتناعه، فليتنبه لذلك. وقد وقع فى عبارة الخفاجى أن التصرف الفاسد يخل بالفصاحة، فإن أراد ما ليس بكلام ففيه نظر؛ لأن الفصاحة من صفات الكلمة والكلام فما ليس بكلام لا يسمى غير فصيح، إذ لا تسلب الصفة عن غير القابل، ولو خلينا وعبارة التلخيص، لأخذنا منها جواز ذلك، كما اختاره ابن مالك. وعليه اعتراض ثان، وهو أن هذا على تقدير جوازه وضعفه ليس مثالا صحيحا، لأن هذا
стр. 75
والتنافر (١): كقوله [من الرجز]:
وليس قرب قبر حرب قبر
ــ
ليس ضعفا فى الكلام فإن الكلام هنا هو الفعل وفاعله الضعف، إنما جاء هنا من إضافة الغلام، أو من تأخر المفعول بعد تقدم ضميره، وذلك أمر دائر بين الفاعل وما أضيف إليه، أو بين المفعول وغيره لا من الكلام، أو نقول: الضعف فى استعمال هذا الضمير مخل بفصاحة الكلمة لا الكلام، وهذا بعض ما قدمت الوعد به، وبه تبين أن مراده بالكلام ما زاد على كلمة من الجملة، وما يتعلق أو يتصل بها، ثم ذلك الضعف ربما كان فى النثر دون الشعر؛ لأن ضرورة الشعر كما تجيز ما ليس بجائز، فقد تقوى ما هو ضعيف فعلى البيانى أن يعتبر ذلك، فربما كان الشئ فصيحا فى الشعر غير فصيح فى النثر، ولذلك جوز جماعة: ضرب غلامه زيدا فى الشعر فقط، وابن مالك المجوز لهذا فى النثر، لا ندرى هل يوافق على ضعفه فى الشعر أو لا؟ فإن قلت: الضعف فى ضرب غلامه زيدا إنما حصل من الحركة الإعرابية، لا من مادة الكلمة، وقد قدمتم أن ضعف حركة الإعراب لضرورة أو غيرها، لا يقدح فى الفصاحة. قلت: ذلك بالنسبة إلى فصاحة الكلمة المفردة فضعف حركة إعرابها لا يخل بفصاحتها، لكنه قد يخل بفصاحة مجموع الكلام الذى فيه تلك الكلمة إذا أوجب تعقيدا، كما نحن فيه، وقد لا يخل بفصاحة الكلام، إذا لم تتعلق تلك الضرورة بالمعنى، كصرف المنصرف، وعكسه. فإن الإفادة التى هى مقصودة من الكلام، لا تختل بذلك فليتأمل. وقد تلخص من ذلك أن ضرورة حركة الإعراب، لا تخل بفصاحة الكلمة أبدا، وتخل بفصاحة الكلام تارة دون أخرى.
(قوله: والتنافر كقوله: وليس).
يشير إلى قول الشاعر:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس (قرب قبر حرب قبر) (٢)
стр. 76
وقوله (١) [من الطويل]:
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معى وإذا ما لمته لمته وحدى
ــ
وبخط عبد اللطيف البغدادى:
وما بقرب قبر حرب قبر
قال الكرمانى: ذكروا أنه من شعر الجن، وأنه لا يتهيأ لأحد أن ينشده ثلاث مرار فلا يتتعتع اه. وفيه إقواء، لأن البيت مصرع أو هما بيتان من مشطور الرجز، وحركة الأول الخفض والثانى الرفع، ولا يمكن أن يكون مصرعا، ويكون بيتا واحدا. فإن قوله (بمكان قفر) لا يصلح أن يكون عروضا إنما هو ضرب لما تقرر فى علم العروض، فلا بد من جعله بيتا مشطورا، أو نصفا مصرعا فإن التصريع يلحق العروض بالضرب، وجعل بعض الشراح ذلك من تنافر الحروف، وليس كذلك؛ لأن كل كلمة على انفرادها لا تنافر فيها، وكل ما حصل فيه تكرار الحروف، فإن فيه هذا التنافر، ولا يرد قوله تعالى: وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ (٢) لأن فى مخرجى الميم والنون - وهما طرف اللسان والشفة وذلاقتهما، وتوسطهما بين الضعف والقوة - ما أزال ثقل التكرار، وجعل الخفاجى ثقل هذا البيت؛ لتقارب الحروف المتماثلة وتكررها أيضا، ومن التكرار القبيح على ما ذكره ابن الأثير فى الجامع:
وازورّ من كان له زائر ... وعفّ عافى العرف عرفانه (٣)
(وكقوله: كريم متى أمدحه) قد جعل فى الإيضاح التنافر منقسما إلى أعلى وهو ما سبق، ودونه وهو قول أبى تمام:
كريم متى أمدحه، أمدحه والورى ... معى وإذا ما لمته، لمته وحدى (٤)
стр. 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال فى الإيضاح: لأن فى قوله: (أمدحه) ثقلا؛ لما بين الحاء والهاء من التنافر، فإنهما حرفان متنافران لتقاربهما، فإن التقارب قد يكون سببا للتنافر؛ ولذلك حكم على الكلمات التى تكررت فيها الحروف المتماثلة بالثقل كما تقدم، ثم فيما قاله من ثقل (أمدحه) نظر؛ فإن اجتماع الحاء والهاء فصيح؛ لوروده فى القرآن قال الله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ (١) وإنما جاء الثقل هنا من تكرار أمدحه، وسيأتى فى التكرار والتصريح من كلام حازم فى المنهاج بأن ما لعله يعزى لهذا البيت من الثقل إنما هو من التكرار فى (أمدحه)، وفى (لمته) وبه جزم الخفاجى فى سر الفصاحة، وقيل: إنما حصل الثقل من اجتماع الحاء والهاء بعد الفتحة، وليس ذلك فى الآية الكريمة، وقيل: الثقل من الهاء والحاء والهمزة.
واعترض أيضا بأن الكلام إنما هو فى تنافر الكلمات، وهذا من تنافر الحروف. قلت: ليس كذلك بل التنافر على هذا التقدير بين الكلمات لأن الهاء كلمة وحدها نعم يرد على المصنف فى هذا وفى الذى قبله أن التنافر فيهما ليس فى الكلام بل فيه مع متعلقاته إلا أن يراد بالكلام جزءا الإسناد، وما يتعلق بهما كما سبق وكما سيأتى فى الإيجاز، وذكر الخطيبى أنواعا من ذلك لا حاجة لذكرها؛ إذ هى داخلة فى كلام المصنف.
(فائدة): بيت أبى تمام المذكور معناه واضح، غير أن فيه نقدا، وهو الإتيان فى المدح (بمتى) وفى اللوم (إذا)، والمعنى على العكس، فإن (إذا) دالة على ما تحقق أو رجح وجوده و (متى) لا تدل على ذلك، غير أن الذى دعاه إلى (متى) احتياجه لجزم الفعل بعدها، وأما (إذا) فكان مستغنيا بأن يقول: (ومتى ما لمته) وكان أولى لموافقة الأول لفظا ومعنى، وعدم اقتضائه ما لا يليق من نسبة توقع اللوم إلى نفسه، وقد اعترض بأن المدح لا يقابله اللوم بل الذم، قلت: الإتيان باللوم أحسن؛ لأنه ينفى الذم من باب أولى على أنه روى (ذمته ذمته وحدى) يقال: ذامه يذيمه، أى عابه على أن الحبيب سلفا فى مقابلة المدح باللوم، قال:
ومن يلق خيرا يحمد النّاس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغىّ لائما (٢)
стр. 78
والتعقيد: ألّا يكون الكلام ظاهر الدّلالة على المراد؛ لخلل: إمّا فى النظم: كقول الفرزدق فى خال هشام:
وما مثله فى النّاس إلّا مملّكا ... أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه
أى: ليس مثله فى الناس حىّ يقاربه إلا مملّكا أبو أمّه (١) أبوه.
ــ
قوله: (التعقيد أن لا يكون ظاهر الدلالة على المراد لخلل إما فى النظم).
يعنى فى اللفظ، وهو أن يختل على السمع نظم الكلام فلا يدرى كيف يصل إلى معناه، كقول الفرزدق يمدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومى، خال هشام بن عبد الملك بن مروان. هذا هو الصواب. وفى المهذب للشيخ أبى إسحاق يمدح هشام بن إبراهيم بن إسماعيل بن الوليد بن المغيرة، فوضع هشاما موضع إبراهيم، ووضع إبراهيم موضع هشام؛ فإن الممدوح إبراهيم بن هشام لا هشام بن إبراهيم. واعلم أن الشيخ محيى الدين النووى توهم أن الشيخ وهم بأن جعل الممدوح هشاما، وإنما هو ولده إبراهيم وليس كذلك؛ بل الشيخ علم الممدوح وأباه ولكن وهم فى تسمية كل منهما باسم الآخر، فقد اشتبه عليه الاسم لا المسمى، ثم أوجب هذا الوهم للشيخ محيى الدين أنه أبقى إبراهيم قبل هشام، كما هو فى عبارة الشيخ أبى إسحاق؛ لتوهمه أن إبراهيم الذى ذكر الشيخ أنه ولد هشام غير إبراهيم الذى هو ابنه، فقال: إن الممدوح إبراهيم بن هشام بن إبراهيم، وإنما هو إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، ثم إن الشيخ محيى الدين لما جعل إبراهيم والد هشام، أسقط ذكر أبيه إسماعيل، ثم إنه جعل جد هشام هو المغيرة، وإنما المغيرة هو جد جده، فإنه هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة، وقد حررت نسبته كذلك من أنساب القرشيين للشيخ شرف الدين الدمياطى بخطه، ومن مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر اختصار الذهبى بخطه، ثم اجتمع الشيخ أبو إسحاق والنووى على إسقاط هشام والد إسماعيل، فحاصله أن الشيخ أبا إسحاق وهم فى أمرين، والشيخ محيى الدين وهم فى أربعة أمور، اشتركا منها فى وهم واحد، فاجتمع فى كلاميهما خمسة أوهام. إذا تحرر ذلك فبيت الفرزدق المذكور:
وما مثله فى النّاس إلا مملّكا ... أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه (٢)
стр. 79
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يريد وما مثل إبراهيم الممدوح فى الناس حى يقاربه إلا مملكا، وهو هشام أبو أمه، والضمير فى (أمه) للمملك،
وهو هشام وفى (أبوه) للممدوح ففصل بين (أبو أمه) وهو مبتدأ و (أبوه) وهو خبر بحى الأجنبى، وفصل بين المبتدأ والخبر، وهما مثله وحى بقوله (فى الناس إلا مملكا أبو أمه) وفصل بين (حى) وهو موصوف ب (يقاربه) (بأبوه) وهو أجنبى، وقدم المستثنى على المستثنى منه فلذلك كان ضعيفا ذا تعقيد، فالخالى من التعقيد ما لا يكون فيه ما يخالف الأصل من تقديم أو تأخير أو إضمار أو غير ذلك، إلا بقرينة ظاهرة لفظا أو معنى مع نكتة. وهذا البيت أنشده سيبويه فى الكتاب، ونسبه إلى الفرزدق. قال الصغانى: ولم أره فى شعره، وأنا أيضا نظرت كثيرا من شعره فلم أجده، واعترض الخطيبى بأن التعقيد كما فى (ضرب غلامه زيدا) لأنه يوهم عوده على غير زيد، وقد لا يؤدى لذلك، والتعقيد قد يكون لا عن ضعف تأليف فبينهما عموم وخصوص من وجه، وفى البيت أعاريب منها: أن مملكا بدل من حى قدم فانتصب، وقيل: مثله اسم ما، ولا يصح؛ لأنه يلزم نصب الخبر ثم الفرزدق تميمى لا يعمل ما ولو أعملها هنا لأعمل مع انتقاض النفى، إلا أن يكون تبع لغة غيره كما أعملها فى قوله:
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريش، وإذ ما مثلهم بشر (١)
وأحسن من ذلك كله، أن يجعل (مثله فى الناس) مبتدأ وخبرا، وإلا مملكا فى موضعه، وحى خبر ثان، وهذا البيت فيه اعتراض؛ لأن المماثلة والمقاربة لا يجتمعان، ولا يعترض على ذلك بأنك إذا قلت: (زيد مثل عمرو) فالمشبه دون المشبه به فقد اجتمعت المماثلة والمقاربة لما سيأتى؛ ولأن المقاربة حينئذ أمر اقتضاه التشبيه ليس مقصودا للمتكلم، أما قصد الإخبار بالمثلية وبالمقاربة فلا يجتمعان، والمعنى على أن (حى) مبتدأ، و (مثله) هو الخبر، ويسهل ذلك وصف حى وعدم تمحض إضافة مثله، وأعرب المغربى (يقاربه) صفة ثانية لمملكا فسلم من الفصل بين الصفة والموصوف، إلا أن يقال: إن (حى) لما فصل بين أجزاء الصفة الاسمية فقد فصل بين الصفة والموصوف،
стр. 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفيه نقض معنوى لتصريحه بمقاربة هشام بن عبد الملك له المقتضى لعدم المماثلة، وذلك ذم لهشام وهو غير مقصوده، وهذا السؤال وإن تقدم إيراده على كل تقدير فهو هنا أصرح وأقوى، وأنشد ابن الطراوة أبياتا فى التعقيد فى باب ما يحتمل الشعر من الكلام على أبيات سيبويه منها قوله:
لها مقلتا عيناء كلّ خميلة ... من الوحش ما تنفكّ ترعى عرارها (١)
أى لها مقلتا عيناء من الوحش ما تنفك ترعى خميلة طل عرارها، ومثله قول القلاخ:
فما من فتى كنّا من النّاس واحدا ... نبتغى منهم عديلا نبادله
وقوله الآخر:
وما كنت أخشى الدّهر إحلاس مسلم ... من النّاس ذنبا جاءه وهو مسلما (٢)
أى: ما كنت أخشى الدهر إحلاس مسلم مسلما من الناس ذنبا جاءه وهو أى جاءاه معا، وأنشد السكاكى لأبى تمام:
كاثنين فى كبد السّماء ولم يكن ... كاثنين ثان، إذ هما فى الغار (٣)
قال ابن النفيس فى كتاب الطريق إلى الفصاحة: ومنه قول الفرزدق:
إلى ملك ما أمّه من محارب ... أبوه، ولا كانت كليب تصاهره (٤)
معناه: إلى ملك أبوه ما أمه من محارب، أى ما أمه منهم.
стр. 81
٢ - وإمّا فى الانتقال (١): كقول الآخر (٢) [من الطويل]:
سأطلب بعد الدّار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناى الدّموع لتجمدا
فإن الانتقال (٣) من جمود العين إلى بخلها بالدموع، لا إلى ما قصده من السرور ...
ــ
(قوله: وإما فى الانتقال) يعنى أن يكون التعقيد راجعا إلى خلل معنوى، وهو أن لا يكون انتقال الذهن من المعنى الذى هو ظاهر إلى المراد ظاهرا. فإن قلت: هذا والذى قبله، يرجعان إلى المعنى فلم جعل الأول لفظيا والثانى
معنويا؟ قلت: لأن الأول أوقع فى الجهل البسيط وهو عدم الفهم، والثانى أوقع فى الجهل المركب، وهو فهم الشئ على غير ما هو عليه، ومثله بقول العباس بن الأحنف:
سأطلب بعد الدّار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناى الدّموع لتجمدا (٤)
المعنى: أن من عادة الدهر معاكسة المقاصد. قال فى الإيضاح: كنى بسكب الدموع عما يوجبه الفراق من الحزن، وأصاب؛ لأن البكاء يكنى به، كقول الحماسى:
أبكانى الدّهر، ويا ربّما ... أضحكنى الدّهر بما يرضى (٥)
قلت: لا حاجة إلى الكناية بالبكاء، وجاز أن يكون أراد حقيقته، والمراد أنه انتقل عن المعنى الظاهر وهو جمود العين إلى السرور بالاجتماع. قال: وأراد أن يكنى عما يوجبه التلاقى من السرور بجمود العين لظنه أن الجمود خلو العين من البكاء مطلقا من غير اعتبار شئ آخر وأخطأ؛ إذ الجمود خلو العين من البكاء حال إرادة البكاء منها،
стр. 82
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلا يكون كناية عن المسرة، بل كناية عن البخل، كقول الشاعر - وهو أبو عطاء - يرثى ابن هبيرة:
ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجارى جمعها لجمود (١)
ويمتنع أن يراد بالجمود هنا عدم البكاء مع عظم الحزن؛ لأنه يتحد معناه مع قوله:
(لم تجد) فكأنه قال: إن عينا لم تجد لم تجد، وأيضا المعنى على أنه يريد أن كل أحد حزين وبعض العيون بخلت، فهو أمدح من قوله: إن من الناس من لم يحزن، ولو كان الجمود عدم البكاء مطلقا لجاز أن يدعى به، فيقال: لا زالت عينك جامدة، كما يقال:
لا أبكى الله عينك، وهو باطل.
قلت: وفيه لطيفة؛ لأن الجمود بالحقيقة إنما يكون للمائع، ووصف العين بالجمود، إما على إرادة دمعها، أو إرادتها على سبيل الاستعارة عن الدمع، فلا بد أن يتخيل أن الدمع موجود فى العين، ولكن حصل له جمود منعه من الانسكاب، وذلك لا يتأتى فى حال السرور؛ لأن المعدوم لا يوصف بالجمود.
واعلم أن هذا الاعتراض فيه نظر؛ لأن استعمال الجمود فى هذا البخل إن لم يكن جائزا فليس هذا كلاما غير فصيح، بل هو غير عربى، وإن كان يستعمل فمن أين جاء التعقيد؟ ثم عليه من الاعتراض من كون الإخلال بالفصاحة هنا ليس فى الكلام ما سبق.
واعلم أن المبرد فى الكامل فسر هذا البيت بغير هذا، فقال: هذا رجل فقير يبعد عن أهله ويسافر؛ ليحصل ما يوجب لهم القرب، وتسكب عيناه الدموع فى بعده عنهم لتجمد عند وصوله لهم، وأنشد:
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أنّى للمقام أطوّف (٢)
(تنبيه): يجوز فى قوله: (وتسكب) النصب عطفا على بعد من باب:
стр. 83
قيل (١): ومن كثرة التّكرار، وتتابع الإضافات؛ كقوله [من الطويل]:
سبوح لها منها عليها شواهد (٢)
ــ
للبس عباءة وتقرّ عينى أحبّ (٣)
ويؤيده أمور:
أحدها: تصريح جماعة كالخطيبى فى مغنى اللبيب، بأنه أراد طلب سكب الدموع.
الثانى: أنه المطابق للنصف الأول.
الثالث: أنه لا يحسن أن يقول ستسكب عيناى الدموع، والفرض أنها ساكبة كما أن الدار بعيدة، وإنما تجدد طلبه لهما. بقى هنا فائدة: وهو أن هذا البيت على كثرة المستحسنين له، قد يقال: فاسد المعنى؛ لأنه إذا كان الدهر يناكده فكيف يخلص من ذلك بأن يطلب بعد الدار ليقرب، والطلب هنا هو النفسى. فإن كان مستمرا على طلب القرب لم يقرب أبدا، ولا يمكن حينئذ جعل طلب البعد وسيلة له؟
وجوابه: أنه الآن يقول: سأطلبها؛ لتقربوا، وهو حال طلب البعد لا يطلبه للقرب، فقوله: لتقربوا علة لقوله: سأطلب لا لأطلب، أو يجعل متعلقا ببعد، والمعنى ما سبق، ثم نقول: من أين لنا أنه لم يرد حقيقة الجمود؟
شروط فصاحة الكلام:
ص: (قيل: ومن كثرة التكرار وتتابع الإضافات).
(ش): أى من الناس من شرط فى فصاحة الكلام أن يكون خاليا من كثرة التكرار، وتتابع الإضافات، وأنشد على الأول قول أبى الطيب:
وتسعدنى فى غمرة بعد غمرة ... (سبوح لها منها عليها شواهد) (٤)
стр. 84
وقوله [من الطويل]:
حمامة جرعا حومة الجندل
وفيه نظر!
ــ
وفى التمثيل بهذا البيت نظر سيأتى، وعلى الثانى قول ابن بابك:
حمامة جرعا حومة الجندل اسجعى ... فأنت بمرأى من سعاد ومسمع (١)
قال فى الإيضاح: (وفيه نظر)؛ لأن ذلك إن أفضى باللفظ إلى الثقل فى اللسان، فقد حصل الاحتراز عنه، وإلا فلا يخل بالفصاحة. وقال عبد القاهر: لا شك فى ثقل ذلك فى الأكثر، إنما هو قد يحسن إذا سلم من الاستكراه. قال: ومما حسن فيه قول ابن المعتز:
فظلّت تدير الرّاح أيدى جآذر ... عتاق دنانير الوجوه ملاح (٢)
قلت: وأين الإضافات هنا فضلا عن تتابعها، وإنما هنا إضافتان.
وقد اعترض على المصنف فى قوله: (إن أدى إلى الثقل على اللسان) فقد احترز عنه بأنه إنما تقدم ما يحترز به عن تنافر الكلمات، وهذا ليس كذلك. قلت: والحق التفصيل، فالتنافر الحاصل من التكرار تقدم الاحتراز عنه؛ لأن الكلمات المتماثلة متنافرة. ألا ترى أن التنافر فى وقبر حرب البيت إنما هو تكرار المتماثلات، والتنافر الحاصل من الإضافات لم يتقدم ما يحترز به عنه، وادعى بعضهم التعقيد فى تكرار هذه الضمائر، وفيه نظر؛ لأن رجوعها إلى شئ واحد واضح. فإن فرض ذلك حيث تختلف الضمائر اختلافا لا يظهر معه المعنى، كان عدم الفصاحة للتعقيد، لا للتكرار، ثم قال فى الإيضاح: وقد قال النبى ﷺ :" الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" (٣). وهذا الحديث رواه ابن حبان فى صحيحه فى النوع
стр. 85
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرابع من القسم الثالث، وليس كما ذكره المصنف؛ بل فيه ذكر الكريم أربع مرات، ونصه" الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" قلت: هذا لا تعلق له بالإضافات، فإن قصد أن يستشهد به لعدم كراهية التكرار، ففيه نظر؛ لأن كل اسم لمعنى غير الآخر، بخلاف الضمائر فى بيت المتنبى، فإنها ترجع لشئ واحد. ثم نقل عن الصاحب بن عباد، أنه كره الإضافات المتداخلة، وأنها لا تستعمل إلا فى الهجاء، كقوله:
يا علىّ بن حمزة بن عماره ... أنت والله ثلجة فى خياره (١)
قلت: وقد جعل المصنف نحو هذا البيت من أنواع البديع كما ستراه، وسماه بالاطراد. ولعل الجمع بين كلاميه أنه نوعان، ثم نقل المصنف، أن عبد القاهر قال: لا شك فى ثقله فى الأكثر إلا إذا لطف. قلت: فيما قالوه نظر. وأين تتابع الإضافات هنا؟
وأحسن ما يستدل به على فصاحة تتابع الإضافات قوله تعالى: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) وقد ينازع فيه فيقال: إن الإضافات هاهنا ترجع إلى إضافتين، أو إضافة فإن ذكر الرحمة رحمة، ورحمة الله صفته، ويؤيد ذلك قول النحاة: إنه يراد الحال من المضاف له، إذا كان المضاف جزأه، أو كجزئه؛ لأنه يصير وجود الإضافة كعدمها، ثم المضاف إليه ضمير. ومثله أيضا فى تتابع الإضافات قوله تعالى: فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً (٣) وقوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي (٤) وقوله تعالى: أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ (٥) وقوله تعالى: مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ (٦) وقوله تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ (٧) إن جعلنا الكاف اسما، وقوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٨) والحديث:
" قاب قوس أحدكم وموضع سوط أحدكم فى الجنة خير من الدنيا وما
стр. 86
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيها" (١) وإذا اعتبرنا الإضافة المعنوية، كان فى (يوم يأتى) خمس إضافات؛ لأن تقديره: يوم إتيان بعض آيات ربك، وقوله ﷺ فيما يحكى عن ربه:" أنا عند ظن عبدى بى" (٢) وقد يستشهد لتتابع التكرار بقوله تعالى: رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا (٣) وقوله تعالى: وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا (٤) ويمكن الجواب بأن ذلك فى جملة، والآيتان فى جمل. لكن يرد حينئذ نحو قوله تعالى: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها (٥) وقوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ (٦) الآية، وقوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ (٧) إلى آخره.
(تنبيه): قوله: (تتابع الإضافات) لم يتبين مقصوده فيه، وذكره لبيت ابن المعتز، دليل أنه يكتفى فى ذلك بإضافتين وفيه نظر، لأن فى القرآن والسنة ما لا يكاد يحصى من ذلك. وإذا أردت تحرير العبارة، قلت: قد يكره تتابع الإضافات بشروط: أن تكون ثلاثا فأكثر، وأن لا يكون واحد منها جزءا أو كالجزء، وأن لا يكون المضاف إليه الأخير ضميرا، وأن لا يكون فيها إضافة فى علم، كقول أبى سفيان:" لقد أمر أمر ابن أبى كبشة" (٨) فليس فى مثل ذلك استكراه، وإذا اعتبرت هذه الشروط حصل الجواب عن الآيات السابقة.
(تنبيه): إذا تأملت ما ذكره المصنف، علمت أن كل هذه الأمور غير مخلة بالفصاحة فى الكلام بل فى الكلمات المتعددة التى لا إسناد بينها وبه تبين أن مراده بالكلام ما زاد عن الكلمة.
(تنبيه): ذكر غير المصنف أمورا تعتبر فى فصاحة الكلام منها:
عدم تتابع الأفعال، وليس من ذلك قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
стр. 87
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ (١) لتوسط الواو وتعلق كل بمفعول مع زيادات فى الابتداء والانتهاء.
ومنها: تتابع الصفات المترادفة.
ومنها: كثرة الألفاظ المصغرة، وكثرة التجنيس، أو الطباق، كما ذكره الخفاجى والتنوخى، وإن كان القليل من كل هذه الأمور حسنا.
بقى على المصنف أسئلة:
الأول: أن قوله: (الخلوص من كثرة التكرار وتتابع الإضافات) موضوعه الخلوص منهما معا، ومقصوده من كل منهما كما سبق.
الثانى: أن التكرار أقل ما يصدق عليه الاسم منه ذكر الشئ مرتين، فكثرة التكرار لا تصدق بذكره ثالثا فلا كثرة تكرار فى نحو: لها منها عليها، وقد يمنع ذلك، فإن الزائد عن الأقل وهو ثلاثة يصدق عليه اسم الكثرة.
الثالث: أن المصنف ذكر فى باب القصر أن التكرار من عيوب الكلام، وكلام السكاكى أيضا يشعر به، وذكر المصنف فى الإيضاح هنا أنه ليس بعيب، وكذلك فى باب الإطناب؛ بل جعله حسنا فإنه أحد أنواع الإطناب، وجعله فى باب الإيجاز عيبا، والجمع بين الجميع أن منه الحسن، ومنه القبيح. ونقل حازم عن جماعة، أن التكرار يحسن فى مواضع الشوق والمدح والهجاء. ويرد بأن هذه المواضع وغيرها سواء فى اختلاف ذلك باختلاف المقام والحال، وذكر من قول أبى تمام:
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معى وإذا ما لمته لمته وحدى
قال: فإنه لا سبيل إلى التعبير عن هذا المعنى إلا بالتكرار. وقال: وكذلك كل ما لا يمكن التعبير عنه إلا بالتكرار فهو حسن. قال: فهذا بيت تكررت فيه حروف الحلق، وتكررت فيه ألفاظ، وهو يحسن. قلت: ومنه يعلم أن ما لعله يتخيل فيه من الثقل، إنما هو للتكرار، لا لاجتماع الحاء والهاء كما سبق، ألا ترى إلى قوله: (تكررت فيه حروف الحلق) ولم يقل: تعددت. قال: ومما لا يمكن التعبير عنه إلا بالتكرار فحسن، وإن خالف فيه بعضهم قول المتنبى:
стр. 88
وفى المتكلّم (١) ملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود، بلفظ فصيح ...
ــ
وحمدان حمدون وحمدون حارث ... وحارث لقمان، ولقمان راشد (٢)
فلعل ممدوحه كان له قصد فى ذكره الأسماء على هذا الترتيب. اه. وقال الخفاجى أيضا فى سر الصناعة: إنه حسن؛ لأنه لا يتم ذكر أجداد الممدوح إلا به.
وبالغ ابن رشيق فى ذمه، وقد وقع فى هذا البيت فائدة سأذكرها فى باب الاطراد من البديع، وشرط الخفاجى أيضا فى قبح التكرار عدم فصل كلمة بينهما، كقولك: (له به عناية) فلو قلت: له عناية به، لم يقبح. ونقل عن قدامة أنه أنكر قبح تكرار الرباطات - يعنى الضمائر - مثل:
سبوح لها منها عليها شواهد (٣)
الفصاحة فى المتكلم:
ص: (وفى المتكلم).
(ش): أى الفصاحة فى المتكلم (ملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح) وإنما قال: ملكة ليشير إلى أنها صفة راسخة فيه فلهذا لم يقل: صفة، فإن الملكة كيفية نفسانية راسخة، وقال: (يقتدر بها) ولم يقل: يعبر؛ لأنه لا يشترط النطق بالفعل، وقوله (بلفظ فصيح) يشمل المفرد والمركب، وقد اعترض على المصنف، بأنه يلزم أن لا يكون المتكلم هو الفصيح، وبأنه يلزم أن لا يسمى فصيحا حقيقة لا حال النطق!! وجوابهما أن الملكة من فعل المتكلم، وهو كالفاعل لها، نطق أم سكت، فإن قلت: يلزم عدم إطلاق الفصيح على من تكلم بكلام فصيح، ولا ملكة عنده، قلت: والأمر كذلك، فإن قلت: كل محل قام به معنى وجب أن يشتق له منه اسم، قلت: المعنى هو الملكة ولم يقم، واعترض بأن ذكر فصاحتى الكلام والكلمة يغنى عن ذكر فصاحة المتكلم إغناء حد العلم عن حد العالم وليس كذلك، فإنا لم نجد الفصيح، بل حددنا فصاحته، وفصاحته غير فصاحة كلامه وكلمته. نعم قد يورد على المصنف أمور:
стр. 89
و البلاغة فى الكلام: مطابقته لمقتضى الحال، مع فصاحته.
وهو (١) مختلف؛ فإنّ مقامات الكلام متفاوتة:
فمقام كل من التنكير، والإطلاق، والتقديم والذكر: يباين مقام خلافه.
ومقام الفصل: يباين مقام الوصل.
ومقام الإيجاز: يباين مقام خلافه.
وكذا: خطاب الذكى مع خطاب الغبىّ، ولكلّ كلمة مع صاحبتها مقام.
ــ
أحدها: أنه ذكر لفظ الفصيح فى حد فصاحة المتكلم، والحد لا يذكر فيه شئ مشتق من المحدود، ولعل جوابه: أن فصيحا المذكور فى حد فصاحة المتكلم، مشتق من فصاحة الكلام التى عرفت، لا من فصاحة المتكلم التى هو
يحدها.
والثانى: أنه يحد فصاحة المتكلم، والملكة لا تتوقف على التكلم بل هو يقصد حدها، سواء أنطق أم لا كما سبق.
والثالث: أنه يلزم أن من له ملكة على التكلم بالكلمة المفردة الفصيحة - ولا ملكة له على الكلام الفصيح - لا يسمى فصيحا، وهذا إن فرض وجوده قد يلتزمه. فإن قلت: التعبير عن المقصود لا يكون إلا بالمركب لفظا، أو تقديرا، فلا يمكن بكلمة، قلت: بل يمكن إذا كان المقصود التصور، كقولك فى حد الإنسان: ناطق.
(تنبيه): اعلم أن أكثر الناس ذكر الفصاحة حيث كانت حدا واحدا، وذكروا حدودا كثيرة ترجع إلى ما ذكره المصنف فى فصاحة المتكلم لم أر التطويل بذكرها.
البلاغة فى الكلام:
ص: (والبلاغة فى الكلام، مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته ... إلخ).
(ش): هو غنى عن الشرح، وللمتقدمين فى البلاغة رسوم واهية، قيل: لمحة دالة، وقيل: معرفة الوصل من الفصل. نقلوه عن ابن جنى، ونقله فى موارد البيان عن الفارسى، وقيل: الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطل، وقيل: اختيار الكلام، وتصحيح الأقسام. وقيل: قليل يفهم، وكثير لا يسأم. وقيل: الإشارة إلى المعنى بلمحة تدل عليه. وقيل: الإيجاز مع الإفهام والتصرف من غير إضجار. وقيل:
стр. 90
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إدراك الطالب، وإقناع السامع (١) وقيل: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام. وقيل: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة، نقل أكثر ذلك فى موارد البيان. وقال محمد ابن الحنفية: قول تضطر العقول إلى فهمه بأيسر العبارة، وقال بعض أهل الهند: هى النظر بالحجة، والمعرفة بمواقع الفرصة، وقيل: إجاعة اللفظ بإشباع المعنى، وقيل:
معان كثيرة فى ألفاظ قليلة، وهى: إصابة المعنى وحسن الإيجاز، وقال الخليل: كلمة تكشف عن البغية، وقيل: إبلاغ المتكلم حاجته بحسن إفهام السامع، وقيل: أن تفهم المخاطب بقدر فهمه من غير تعب عليك، وقيل: حسن العبارة مع صحة الدلالة، وقيل: دلالة أول الكلام على آخره، وارتباط آخره بأوله، وقيل: القوة على البيان مع حسن النظام. وعن الخليل أيضا: البلاغة ما قرب طرفاه وبعد منتهاه، وقال أرسطاليس: البلاغة حسن الاستعارة،
وقال خالد بن صفوان: البلاغة إصابة المعنى، وقصد الحجة، وقال إبراهيم الإمام: هى الجزالة والإطالة. وقيل: تقصير الطويل، وتطويل القصير. وقال ابن المعتز: هى بلوغ المعنى، ولما يطل سفر الكلام. وقال ابن الأعرابى: التقرب من البغية، ودلالة قليل على كثير. وقيل: إهداء المعنى إلى القلب فى أحسن صورة من اللفظ، وقيل: ما صعب على التعاطى، وسهل على الفطنة، وقيل: سد الكلام ومعانيه، وإن قصر، وحسن التأليف، وإن طال. والظاهر أن أكثر هذه العبارات إنما قصدوا بها ذكر أوصاف للبلاغة، ولم يقصدوا حقيقة الحد ولا الرسم؛ وإنما أفرد قوله ومقام وما بعده لزيادة الاعتناء بذكر ذلك، لكونه أهم من غيره، والكلام فيه أكثر، ومثال مقام التنكير والتعريف قوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ (٢) ومثال مقامى الإطلاق، والتقييد: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ (٣) لعموم الدعوة وخصوص الهداية على بحث فيه يذكر فى غير هذا الموضع، والتقديم: لا فِيها غَوْلٌ (٤).
стр. 91
وارتفاع شأن الكلام فى الحسن والقبول بمطابقته للاعتبار المناسب (١)، وانحطاطه بعدمها، فمقتضى الحال: هو الاعتبار المناسب.
فالبلاغة؛ راجعة إلى اللفظ باعتبار إفادته المعنى بالتركيب، وكثيرا ما يسمّى ذلك فصاحة - أيضا -
ــ
(قوله: وارتفاع شأن الكلام فى الحسن والقبول بمطابقته للاعتبار المناسب).
يعنى:
كما إذا كان المقام يستدعى تأكيدا أو تأكيدين أو أكثر ومعلوم أنه إنما يرتفع بالبلاغة التى هى عبارة عن مطابقة الكلام الفصيح لمقتضى الحال فقد علم أن المراد بالاعتبار المناسب، ومقتضى الحال واحد، وإلا لما صدق أنه لا يرتفع إلا بالمطابقة للاعتبار المناسب، ولا يرتفع إلا بالمطابقة لمقتضى الحال فليتأمل.
رجوع البلاغة إلى اللفظ:
ص: (فالبلاغة راجعة إلى اللفظ باعتبار إفادته المعنى بالتركيب).
(ش): قد اختلف الناس فى البلاغة والفصاحة من صفات اللفظ أو المعنى، وهل هما مترادفان أو لا على ما سبق؟ قال حازم نقلا عن أفلاطون: الفصاحة لا تكون إلا لموجود، والبلاغة تكون لموجود ومفرد. ونقل فى الإيضاح عن عبد القاهر، كلاما فى ذلك مختلف الظاهر وأن حاصل مجموع كلامه: أن الفصاحة ليست من صفات المفردات من غير اعتبار التركيب. ومال الإمام فخر الدين إلى أن الفصاحة راجعة إلى الألفاظ والمعانى، واستدل عليه بما يطول ذكره. قال الشيخ تقى الدين القشيرى: إن خصت الفصاحة بالألفاظ وردت أسئلة الإمام فخر الدين أو لألزم تسمية المعنى فصيحا، وهو غير مألوف، والذى أراه أن الفصيح: لفظ حسن مألوف له معنى حسن صحيح، وبهذا القيد تندفع أسئلة الإمام، وللناس فى ذلك كلام يطول ذكره.
(قلت): وأنت إذا تأملت عبارة المصنف فى حدود الفصاحة، علمت أن فصاحة المفرد كلها لفظية لا تعلق لها بالمعنى البتة، والغرابة لفظية فإنها تتعلق بسماع اللفظ، وفصاحة الكلام تنقسم إلى: معنوى، وهو الخلوص من التعقيد والضعف، ولفظى: وهو الخلوص من التنافر والتعقيد اللفظى. وفصاحة المتكلم معنوية، وما أحسن عبارة
стр. 92
ولها (١) طرفان:
أعلى: وهو حدّ الإعجاز وما يقرب منه.
وأسفل: وهو ما إذا غيّر الكلام عنه إلى ما دونه، التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات.
وبينهما مراتب كثيرة، وتتبعها وجوه أخر تورث الكلام حسنا.
وفى المتكلم: ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ.
ــ
عبد اللطيف البغدادى، حيث قال فى قوانين البلاغة: البلاغة شئ يبتدئ من المعنى، وينتهى إلى اللفظ، والفصاحة شئ يبتدئ من اللفظ، وينتهى إلى المعنى؛ فإن فيها جمعا بين ما افترق من كلام الناس، وهى الحق إن شاء الله تعالى. فإن قلت: إذا كانت الفصاحة أو البلاغة راجعة إلى اللفظ، فكلام الله تعالى ليس بلفظ، وهو محتو على أعظمها. قلت: المراد اللفظ الدال على ذلك الكلام القديم النفسانى.
طرفا بلاغة الكلام:
ص: (ولها طرفان: أعلى وهو حد الإعجاز، وما يقرب منه).
(ش): ظاهره أن حد الإعجاز لا يتفاوت، وليس كذلك، بل هو لا نهاية له. وما وقع فى كلام بعض شراح المفتاح مما يوهم خلاف ذلك، لا عبرة به، ثم يرد عليه أن ما يقرب من حد الإعجاز ليس أعلى؛ لنقصانه عن حد الإعجاز.
قوله: (وأسفل وهو ما لو غير عنه إلى ما دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات) يعنى البهائم.
قوله: (وتتبعها وجوه أخر تورث الكلام حسنا) قد يقال على أحد القولين السابقين: أن هذه الوجوه من البلاغة، فلا حاجة لذكرها. فإن قلت: هذا يقتضى أن كل كلام بليغ؛ لأنه ليس شئ من الكلام ملتحقا بأصوات البهائم. قلت: إنما يريدها ما لو غير لما دونه التحق بأصوات البهائم مع كونه كلاما، والتحاقه بها ليس فى كونه غير مفيد، بل فى عرائه عن الحسن.
ملكة المتكلم:
ص: (وفى المتكلم ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ).
ش): عليه من الإيراد ما على حد فصاحة المتكلم.
стр. 93
فعلم: أنّ كلّ بليغ فصيح، ولا عكس.
وأنّ البلاغة مرجعها:
١ - إلى الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد.
٢ - وإلى تمييز الفصيح من غيره:
والثانى (١): منه ما يبيّن فى علم متن اللغة، أو التصريف، أو النحو،
ــ
قوله: (فعلم أن كل بليغ فصيح ولا عكس) يعنى سواء كان كلاما أم متكلما؛ لأن البلاغة لا بد فيها من فصاحة الكلام والكلمات، قال الخطيبى: معناه أن البلاغة أخص من الفصاحة؛ لأن الفصاحة مأخوذة فى حد البلاغة كالفصل، فكانت كالحيوان للإنسان. قلت: إذا تأملت ما سبق علمت أن ليس بينهما عموم وخصوص، وليست كالفصل، بل البلاغة كل ذو أجزاء مترتبة، والفصاحة جزء.
قوله: (وأن البلاغة مرجعها إلى الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد) هو واضح مما سبق؛ لأنه إذا كانت البلاغة المطابقة فالذى يحترز عنه الخطأ.
وقوله: (فى تأدية المعنى المراد) جوز فيه أن يكون المعنى الخطأ الواقع فى تأدية المعنى، وأن يكون حالا عنه - أى عن الخطأ حال وقوعه فى تأدية المعنى. قلت: لا يصحان؛ لأن الخطأ الآن ليس فى تأدية المعنى، بل فى عدمها،
والذى يظهر أنه متعلق بالاحتراز.
ص: (وإلى تمييز الفصيح من غيره ... إلخ).
(ش): هو واضح لا يقال: ينبغى أن يقول: وإلى الاحتراز عن غير الفصيح؛ لأن السامع ليس عنده غير التمييز، والمتكلم لا يسعه ترك (٢) غير الفصيح فهو يفعل ما يقتضيه المقام والحال.
قوله: (والثانى منه ما يبين فى علم متن اللغة أو التصريف أو النحو) الثانى مبتدأ ومنه ما يبين جملة خبرية، ويجوز أن يكون (منه) خبرا عن الثانى، وما يبين فاعله، كقوله سبحانه: أولئك لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا (٣) وقوله: متن اللغة أى العلم الذى يعلم به معانى المفردات يحترز بقوله (متن) عن النحو والتصريف، فإنهما من اللغة، وليس موضعهما متنها، والمراد (بالثانى) هو تمييز الفصيح من غيره.
стр. 94
أو يدرك بالحسّ، وهو ما عدا التعقيد المعنوىّ.
وما يحترز به عن الأوّل (١): علم المعانى.
وما يحترز به عن التعقيد المعنوىّ: علم البيان.
وما يعرف به وجوه التحسين: علم البديع.
وكثير (٢) يسمّى الجميع: علم البيان.
وبعضهم يسمّى الأول: علم المعانى، والأخيرين: علم البيان، والثلاثة: علم البديع.
ــ
قوله: (أو يدرك بالحس، وهو ما عدا التعقيد المعنوى) أى من تنافر الحروف والتئامها (٣) وضعف التأليف وقوته لا يقال: ضعف التأليف إنما يعلم من النحو؛ لأنا نقول: المعنى يتعقد بعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، إلا أنه يرد عليه حينئذ أن ذلك من النحو، وأنه ليس بحسى لفظى؛ لأن المدعى أن ضرب غلامه زيدا تعقيد لفظى؛ لا معنوى ففيه نظر.
وقوله: (وما يحترز به عن الأول) أى عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد علم المعانى، (وما يحترز به عن التعقيد المعنوى علم البيان، وما يعرف به وجوه التحسين علم البديع) مناسبة هذه الاصطلاحات واضحة إلا أن فى إطلاق
لفظ البديع على غير الله تعالى نظرا؛ لأن الراغب قال فى كتاب الذريعة إلى محاسن الشريعة: إن لفظ الإبداع لا يستعمل لغير الله تعالى لا حقيقة ولا مجازا، وقد يخدش فيه قوله تعالى: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها (٤) (ومنهم من يسمى الجميع: علم البيان) لما فى كل من معناه اللغوى، وهو الظهور، (ومنهم من يسمى الأخيرين علم البيان) وهذا يقع كثيرا فى كلام الزمخشرى فى الكشاف. (والثلاثة علم البديع) وعلى ذلك قول الزمخشرى عند قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى (٥) أنه من الصنعة البديعية.
стр. 95
الفنّ الأوّل علم المعانى وهو علم يعرف به أحوال اللفظ العربى التى بها يطابق مقتضى الحال.
ــ
الفن الأول: علم المعانى
ص: (الفن الأول علم المعانى وهو علم يعرف به أحوال اللفظ العربى التى بها يطابق مقتضى الحال).
(ش): إنما قدم هذا على علم البيان والبديع؛ لأنه منهما كالأصل للفرع. قال الخطيبى: علم المعانى يبحث عما يعرف منه كيفية تأدية المعنى باللفظ، وعلم البيان يبحث عما يعلم منه كيفية إيراد ذلك المعنى فى أفضل الطرق دلالة عقلية. فنسبة علم المعانى إلى علم البيان نسبة المفرد إلى المركب، ولذلك قدم عليه. قلت: فيه نظر لجواز أن يكون العلم اسما لذلك الجزء وتطبيق الكلام شرط له، وسيأتى تحقيق هذا الموضع، وما عليه أول علم البيان. وقوله: (علم) جنس وليس المراد منه هنا الصفة الموجبة لتمييز لا يحتمل النقيض؛ بل المراد منه أمور اصطلاحية وأوضاع يتوصل بها إلى معرفة غيرها، ويشهد له قوله فيما بعده: وينحصر فى ثمانية أبواب فإن المنحصر المعلوم لا العلم.
وقوله: (يعرف به أحوال اللفظ) أى: كلها، وإنما قال: يعرف، ولم يقل: يعلم؛ لأن الأحوال التى ينسب العرفان هنا إليها جزئية، والعرفان تختص به الجزئيات؛ لكونها تشبه البسيط، والعلم يشمل الكليات لشبهها بالمركبات،
والعلم يتعلق بالنسب، والمعرفة تتعلق بالذوات، وقد وافق المصنف ابن سينا فى حده للطب: بأنه علم يعرف به إلخ.
واشتهر أن المعرفة تستدعى تقدم جهل فلا يوصف بها البارئ ، بخلاف العلم. وصرح القاضى أبو بكر فى التقريب والإرشاد، بأن المعرفة تستدعى تقدم جهل، وقيل: المعرفة تستدعى تدقيقا وتأملا دون العلم. فيقال: عرف فلان الله، ولا يقال:
علمه، ويقال: علم الله، ولا يقال: عرف نقله الرافعى فى التذنيب، وذكر الآمدى فى أبكار الأفكار نحوه، وقال الراغب أيضا: فالمعرفة تتعلق بالبسيط، والعلم بالمركب؛ ولذلك يقال: عرفت الله لا علمته اه.
وهذه العبارة توهم إطلاق اسم البسيط عليه وليس كذلك، فكان من حقه أن يقول: العلم يتعلق بالمركب والمعرفة بغيره، بسيطا كان أم غيره، وقوله:
стр. 96
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يعرف به أحوال اللفظ أخرج به ما يعرف به أحوال غير اللفظ من أحوال المعنى فقط وغيره، واللفظ نفسه لا يقال: علم المعانى يعرف به أيضا أحوال المعنى كالإسناد فإنه معنى؛ لأن المرجع فى ذلك إنما هو إلى اللفظ. وقوله: (العربى)؛ ليخرج غيره فإنه إنما يتكلم فى قواعد اللغة العربية، وإن كانت هذه المعانى يمكن تنزيلها فى كل لغة على قواعد تلك اللغة، ولم يذكر هذا القيد فى علم البيان، وفى كتاب أقصى القرب للقاضى التنوخى ما يقتضى أن الفصاحة لا تكون إلا فى كلام العرب، والبلاغة تكون فى جميع اللغات، كما سبق. وفيه نظر؛ لأن كل لغة فيها تنافر الحروف والغرابة ومخالفة قياسها، فإذا أخلصت الكلمة الأعجمية من ذلك، صدق عليها حد فصاحة الكلمة.
وقوله: (التى بها يطابق مقتضى الحال) قال الخطيبى: يخرج علم البيان، والبديع قال: وفيه نظر؛ لأن المصنف فسر مقتضى الحال بالاعتبار المناسب، ولا شك أن العلوم الثلاثة داخلة فى ذلك.
(قلت) يخرجهما قوله: (يطابق) فإنه قدم المعمول، فأفاده الاختصاص، والأحوال التى لا يطابق مقتضى الحال إلا بها هى التى فى علم المعانى، وما فى العلمين بعده يحصل المطابقة به، وبدونه. ثم أقول: يحترز بقوله: التى بها يطابق عن علم التصريف والنحو غيرهما، وقيل: إن المنطق خرج بقوله: اللفظ؛ لأن المنطق وإن بحث فيه عن اللفظ، لكن معظم النظر فيه فى المعنى، وقيل: إنه لا يخرج، وإليه يشير كلام الشيرازى فى شرح المفتاح.
واعلم أن المصنف عدل عن حد المفتاح، وهو قوله: تتبع خواص تراكيب الكلام فى الإفادة، وما يتصل بها من الاستحسان وغيره؛ ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ فى تطبيق الكلام على ما يقتضى الحال ذكره، وأورد عليه أن التتبع ليس بعلم، وأنه قال:
أعنى بالتراكيب تراكيب البلغاء، ومعرفة البليغ متوقفة على معرفة البلاغة، وقد حدها بقوله: هى بلوغ المتكلم فى
تأدية المعنى حدا له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها، فإن أراد بالتراكيب فى هذا لحدّ تراكيب البلغاء، فقد جاء الدور، فإنا لا نعرف حد المعانى حتى نعرف تراكيب البلغاء ولا نعرف تراكيب البلغاء حتى نعرف البلاغة، وإذا علمنا البلاغة فقد وصلنا إلى حد تعرف به توفية خواص التراكيب حقها، وإن لم يكن أرادها فالحد غير مفيد قلت: أما قوله: التتبع ليس بعلم فصحيح.
стр. 97
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن العلم من مقولة الانفعال؛ لأنه انفعال النفس والتتبع من مقولة الفعل فهما متغايران ضرورة. إنما التتبع من غير واضع العلم ثمرة العلم. وأجيب عنه: بأنه أراد بالتتبع العلم. فإطلاقه عليه من إطلاق المسبب على السبب، ويشهد له قول السكاكى فى آخر علم البيان: وإذ قد تحققت أن المعانى والبيان معرفة خواص تراكيب الكلام؛ لكن ليس هذا جيدا؛ لأنه استعمال مجاز فى الحد لم تقم عليه قرينة واضحة، ولذلك أخذ ابن مالك فى روض الأذهان هذا الحد، وأبدل لفظ المعرفة بالتتبع. قال بعضهم: المراد بالتتبع انتقال الذهن فيكون حدا للعلم، وفيه نظر؛ فإن الانتقال أيضا ليس علما، وسؤال الدور لا يرد فلو ورد لورد مثله على المصنف فى حد الفصاحة والبلاغة؛ بل الجواب عن هذا الحد هو الجواب عن المصنف كما سبق، وهو أن بلاغة الكلام، غير بلاغة المتكلم.
فلا يتوقف العلم بالبليغ المتكلم، على العلم ببلاغة الكلام، والتحديد إنما هو واقع فى بلاغة الكلام فلا يمتنع أخذ البليغ فى الحد. ثم هذا السؤال إنما يرد على هذا الحد، وإن كان حد الفصاحة لا البلاغة؛ لأن الفصاحة جزء من البلاغة فلا يذكر فى حدها كلمة مشتقة من البلاغة التى هى مركبة من الفصاحة وغيرها، وإنما يجئ الإيراد على السكاكى والمصنف من جهة اشتمال الحد على لفظ مشترك، أو مجاز، وذلك نقص فى الحدود كما تقرر فى علم المنطق إلا أن يجاب عن هذا الحد وعن الذى قبله: أن هذا ليس بحد حقيقى، أو يقال: يجوز استعمال المشترك والمجاز فى الحد، إذا دل على معناهما دليل كما ذكره الغزالى فى المستصفى، وغيره، وأورد عليه أيضا: أن قوله وغيره مبهم فلا يجوز استعماله فى الحد، وجوابه: أن مبهم اللفظ علم بقرينة ذكر الاستحسان أن المراد الاستهجان، ثم عليه أن غيره محمول على الخواص المستهجنة، وهى لا تلحق بتراكيب البلغاء والحد دال على أنها تلحقها، وأجيب عنه بأن الاستهجان قد يلحق تراكيب البلغاء، وأنه أمر نفسى فقد يكون التركيب (١) مستحسنا مستهجنا باعتبارين، وبأن الاستهجان، وإن لم يلحق البليغ فبواسطة الاستحسان يعرف مقابله، وهو الاستهجان. لا يقال: إن لفظ البلغاء لم يصرح به فلا دور؛ لأنه مطوى كالمنطوق به. وقوله: (يطابق) يصح أن يقرأ بكسر الباء والضمير
стр. 98
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للفظ، وفى بها للأحوال، ويجوز أن يقرأ الباء بالفتح. أى يطابق بها. بقى على المصنف سؤال، رأيته بخط الوالد، وهو أن التعريف: إما بذكر جنس المعرف وفصله، أو بذكر فصله، أو بخاصته مع الجنس، أو دونه، أو بشرح اسمه، ويقصد بشرح الاسم معرفة المذكور، وبغيره تصور الحقيقة. والتعريف الذى ذكره ليس فيه تعريف الحقيقة، ولا مدلول الاسم لكن ما ينشأ عن تلك الحقيقة مع بقاء الحقيقة على جهالتها، فالعلم فى كلامه مجهول، ولو كان المعرفة به معلوما. فإن ذلك لا ينفى جهالته فإن أراد أن العلم:
المعرفة، كان خلاف مذهب القوم. وإن أراد أنه علم بمعلوم يحصل به المعرفة، لم يحصل تعريف ذلك المعلوم الكلى. ومثل هذا السؤال وارد على ابن الحاجب فى حده التصريف بقوله: (علم بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلم) وقول ابن سينا قبله:
(الطب علم يعرف به أحوال بدن الإنسان) وكذلك قول ابن عصفور: (النحو علم مستخرج) فإنه لم يعرف العلم المستخرج، بل ذكر ما هو مستخرج منه وما هو مستخرج، وإذا أردنا تصحيح كلامهم لم نجعل ذلك تعريفا، بل إخبارا بما يحصل بهذا العلم من النفع من معرفة تلك الأشياء.
(تنبيه): قال بعضهم: قد يعرف الشئ بإحدى العلل الأربع: إما بالعلة المادية، كما يقال: الكوز إناء خزفى. أو الصورية: كقولنا: الكوز إناء شكله كذا أو الفاعلية، كقولنا: إناء يصنعه الخزاف، أو الغائية كقولنا: إناء يشرب فيه الماء، والأحسن فى ذلك ما أشير فيها إلى علله الأربع، وحد السكاكى للمعانى مشتمل على الأربع؛ لأن التتبع وهو المعرفة إشارة إلى الفاعلية أعنى العارف. وخواص تراكيب الكلام إشارة إلى المادية. وفى الإفادة إشارة إلى الصورية، وليحترز إشارة إلى الغائية. ونظيره تعريف علم البيان بأنه: معرفة إيراد المعنى الواحد فى طرق مختلفة ونظيره حد النظر بأنه تركيب أمور حاصلة فى الذهن يتوصل إلى تحصيل ما ليس حاصلا، فأشير بالأمور للعلة المادية، وبالترتيب إلى الصورية، وبالمرتب المدلول عليه بلفظ الترتيب إلى الفاعلية، وبالتوصل إلى الغائية، ونظيره تعريف الطب: بأنه علم يعرف به أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصح، ويزول عنها؛ لتحفظ الصحة، ويسترد زائله، فيعرف إشارة إلى الفاعلية وهى العارف، وأحوال إشارة إلى المادية، ومن جهة هى الصورية، ولتحفظ هذه الغائية. (قلت) ولا شك أن التعريف بالعلة المادية واضح؛ لأنه تعريف بالذاتيات
стр. 99
وينحصر فى ثمانية أبواب:
١ - أحوال الإسناد الخبرىّ. ٢ - أحوال المسند إليه.
٣ - أحوال المسند. ٤ - أحوال متعلّقات الفعل.
٥ - القصر. ٦ - الإنشاء.
٧ - الفصل والوصل. ٨ - الإيجاز والإطناب والمساواة.
لأنّ الكلام إمّا خبر، وإما إنشاء، لأنه:
إن كان لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه: فخبر، وإلا: فإنشاء.
والخبر: لا بدّ له من مسند إليه، ومسند، وإسناد.
ــ
وأما بالعلة الغائية والفاعلية والصورية فكيف يمكن؟ إلا إذا فرض أن ذلك الفاعل وتلك الغاية وتلك الصورة خاصة، لازمة، غير موجودة بغير المحدود؛ فيكون ذلك تعريفا رسميا واعلم أن الترمذى قال: إن علم العرب إنما خرج بقوله: (ليحترز بها ... إلخ)، لأن علمهم بطبعهم، وكل ما يكون كذلك لا يكون لغرض؛ لأن الأغراض إنما تكون فى الأفعال الاختيارية؛ لا فى الأفعال التى بسبب الطبيعة. وفيه نظر؛ لأن الأفعال التى لا لغرض هى أفعال الطبيعة المذكورة فى علم الحكمة، وهى مبدأ الأفعال الذاتية للأجساد، من غير شعور؛ كالقوة للحجر. والمراد بالطبيعة هنا: هى الفطرة التى جبلت العرب عليها؛ من التمكن من الكلام، من غير احتياج إلى تفكر وتدقيق نظر وتعلم.
أبواب علم المعانى:
ص: (وينحصر ... إلخ).
(ش): عبارة الإيضاح (وينحصر المقصود منه) وهما متقاربتان فى المعنى، وهذا العلم ينحصر فى ثمانية أبواب. قالوا: ودليل الحصر أن الكلام إما خبر أو إنشاء، لما سيأتى، والخبر لا بد له من إسناد، ومسند، ومسند إليه؛ فهذه ثلاثة أبواب. والمسند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلا مثل: (ضرب)، أو ما فى معناه؛ كاسم الفاعل، كقولك:
(أضارب زيد) وهذا الباب الرابع.
ثم كل من التعلق والإسناد إما بقصر أو بغير قصر؛ وهذا الخامس. والإنشاء هو الباب السادس. ثم الجملة إذا قرنت بأخرى فالثانية إما معطوفة على الأولى، أو غير معطوفة، وهما الفصل والوصل فهذا الباب السابع. ثم لفظ الكلام البليغ إما زائد على
стр. 100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أصل المراد لفائدة أو لا ويدخل قوله (أو لا) قسمان: الناقص والمساوى، وهذا الثامن.
فانحصر فى ثمانية أبواب على ما سبق، وقوله (ينحصر) عائد إلى العلم، وانحصاره فى ذلك لا يصح الاستدلال
عليه بغير الاستقراء، وإنما ذكرت التقسيم السابق جريا على عادتهم، ثم يحتمل أن يكون من حصر الكل فى أجزائه بأن يكون علم (١) البيان عبارة عن مجموع هذه الأبواب، واحتمل أن يكون من حصر الكلى فى جزئياته بأن يكون من علم بابا منها صدق عليه أنه علم المعانى؛ والظاهر الأول. بقى هناك إشكال؛ وهو أن حصر الكل فى أجزائه لا يمكن؛ لأن الحصر جعل الشئ فى محل محيط به؛ فالمحيط حاصر، والمحاط محصور مظروف، وشأن الكل مع أجزائه على العكس؛ لأن الكل محيط بالأجزاء من حيث المعنى، فالأجزاء منحصرة فى الكل، فكيف يجعل الكل محصورا فيها؟ وهذا بخلاف التقسيم؛ فإن الكل يقسم إلى أجزائه كما يقسم الكلى إلى جزئياته، وقد قررنا هذا البحث فى أول شرح المختصر. وقد أورد على الحصر أنه يخرج عنه الاعتبارات الراجعة إلى الخبر نفسه، من حيث هو هو؛ فإن المجموع المركب مغاير لكل من الإسناد والمسند والمسند إليه، وأجيب بأن الاعتبارات الراجعة إليه هى الراجعة إلى الإسناد؛ لأنه جزء خبر يستدعى جميع الأجزاء، وفيه نظر؛ لجواز أن يختص المجموع بحال لا تكون لشئ من أجزائه. ثم لو اعتبرنا ذلك لكان ذكر أحوال الإسناد مغنيا عن ذكر أحوال طرفيه، ثم من أحوال الخبر استعماله بمعنى الإنشاء، وليس ذلك شيئا من الأبواب الثلاثة وقوله: (أحوال الإسناد ... إلخ) لا يصح أن يقرأ بالجر بدلا مما قبله، ولا بالرفع على القطع بتقدير هى؛ لأن هذه المذكورات ليست الأبواب؛ لأن أحوال الإسناد - مثلا - ليست بابا كما أن قولنا: الطهارة والصلاة والزكاة معان فى أنفسها، ليست باب الطهارة والصلاة والزكاة، فلا يصح أن يقال: الباب أحوال الإسناد، فتعين حينئذ أن يقال: أن يقدر مضاف محذوف، أو يقدر له ما يناسبه، والأحسن أن يقدر: تراجمها، إلا أن يقال: إن أبواب العلم قطع متفرقة منه، فيكون أحوال الإسناد مثلا بابا. وقدم المسند إليه على المسند تقديما للموضوع على المحمول.
وقوله: (والإسناد الخبرى) يحترز عن الإنشائى، فإنه مذكور فى باب الإنشاء؛ لأنه إنما
стр. 101
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تكلم هاهنا فى الإسناد الدائر بين المبتدأ والخبر، مثل (أنت طالق). (قلت) هما نسبتان فليتأمل، إحداهما دائرة بين المبتدأ والخبر، والأخرى نسبة معنوية مدلول عليها بقوله - مثلا -: (طالق)، وحمل طالق على أنت غير مدلول طالق؛ فإن قلت: فقد ذكر فى أحوال الإسناد الخبرى الإنشاء؛ كقوله تعالى حكاية عن فرعون يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً (١) وكذلك السكاكى، قلت: على سبيل الاستطراد وليس مقصودا له.
قوله: (وأحوال المسند إليه) إنما لم يقيد المسند إليه، ولا المسند بكونه خبريا؛ لأن أحوال كل منهما فى الإنشاء
كأحوالهما فى الخبر غالبا، بخلاف الإسناد نفسه، فإن أحواله إذا كان خبريا تغلب فيها المخالفة لأحواله إذا كان إنشائيا.
ثم ليعلم أن المراد بأحوال المسند إليه وأحوال المسند أحوالهما من حيث كونهما مسندا إليه ومسندا وإلا فكل ما سيأتى من علم البيان - من استعارة وكناية وغيرهما - من أحوال المسند إليه والمسند ولكنها ليست من أحواله، من حيث كونهما كذلك، وإنما كرر لفظ الأحوال فى الثلاثة؛ لأنه لو قال: والمسند إليه فإما أن يكون من غير تقدير (أحوال) مضافة محذوفة، أو لا؛ فإن كان من غير تقديرها لزم أن يكون الباب فى نفس المسند إليه لا فى أحواله، وذلك وظيفة النحوى، ثم لو أراد ذلك لقال الإسناد ولم يقل أحوال الإسناد، وإن كان مع تقدير المضاف المحذوف أوهم العطف على الإسناد، ولا يصح؛ لأنه يلزم أن تكون أحوال الإسناد والمسند إليه واحدة.
وقوله: القصر هو وما بعده معطوف على أحوال فى رفعه أو جره ولا يصح عطفه بالجر على إسناد، ولا على متعلقات، ولا على الفعل؛ لأن المصنف عند ذكره يقول:
القصر ويقول: الإنشاء ولا يقول: أحوال القصر، كما سيفعل فى أحوال الإسناد. ويدل عليه أيضا ذكره الأحوال فى الثلاثة دون ما بعدها، ولو أراد هذا لكررها فى الجميع، أو تركها فى غير الأول، وأيضا القصر نفسه حال من أحوال اللفظ، فلم يحتج أن يقول حال القصر وكذلك ما بعده.
وقوله: (وأحوال متعلقات الفعل) هى بكسر اللام؛ لأن المفعول متعلق بالفعل لا متعلقه، وهذا من جهة اللفظ والتركيب، أما من جهة التعلق فالفعل متعلق بمفعوله،
стр. 102
والمسند: قد يكون له متعلّقات إذا كان فعلا أو فى معناه.
وكلّ من الإسناد والتعلّق: إما بقصر أو بغير قصر.
وكلّ جملة قرنت بأخرى: إمّا معطوفة عليها أو غير معطوفة.
والكلام البليغ: إمّا زائد على أصل المراد لفائدة أو غير زائد ...
ــ
والمفعول متعلقه، لا أعنى من حيث المعلولية؛ بل من حيث الذات، فمن هذه الحيثية يصح أن يقرأ (متعلقات) بالفتح، ويعنى الفعل وما فى معناه، كما ذكره بعد، وفى الإيضاح إذا كان فعلا أو متصلا به أو ما فى معناه فقوله: (أو ما فى معناه) يريد كاسم الفاعل، كما سبق، وقوله: (أو متصلا بالفعل) لا أدرى ما يريد به؛ إلا أن يريد عمل المصدر،
وسماه متصلا بالفعل؛ لأنه أشد تعلقا به؛ لأنه جزؤه، فلينظر، إلا أن الزمخشرى فى المفصل سمى اسم الفاعل مثلا بالفعل، فعلى هذا يحتمل أن يراد بما هو فى معنى الفعل المصدر العامل لمشاركة الفعل له فى معناه، الذى هو الحدث، ويكون اسم الفاعل متصلا لكونه فرع الفعل، بخلاف المصدر، فإنه أصله. لكن الصحيح أن كلا من الفعل واسم الفاعل مشتق من المصدر.
قوله: (والمسند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلا أو فى معناه) ظاهره أن الفعل لا يلزم أن يكون له متعلقات، وليس كذلك؛ فإن لكل فعل وما أشبهه متعلقات من المفعول به إن كان متعديا، ومن مفعوله المطلق وظرفه؛ إلا أنها تارة تذكر، وتارة تحذف، كما ينبئ عنه قوله فى الكلام على متعلقات الفعل، أما حذف المفعول به، وأما ذكره فالفعل المتعدى له مفعول به يتعلق به حذف أم ذكر، وكل فعل فله مصدر، وظرف زمان، ومكان، يذكر تارة، ويترك أخرى، وإن كنا نسمى ترك المفعول به حذفا، ولا نسمى ترك المصدر والظرف - مثلا - حذفا، على بحث سنذكره فى باب الإيجاز - إن شاء الله تعالى - ثم قول المصنف (أحوال متعلقات الفعل) يقتضى أن لكل فعل متعلقات؛ فإن قلت: إنما دل كلامه على أن المسند قد يكون له متعلقات، وقد لا يكون، فالحالة التى يكون له فيها متعلقات هى إذا كان فعلا، أو فى معناه، والحالة التى لا يكون له فيها متعلقات إذا كان اسما نحو: (زيد أخوك)! قلت: لا يصح ذلك؛ لأنك إن جعلت (إذا) شرطية فتقديره: إذا كان فعلا فقد يكون له متعلقات؛ لأن الجواب طبق مفسره السابق، ولا يصح أن يراد المتعلقات المذكورة، وقد لا يكون للفعل متعلقات مذكورة؛ لأنه إنما يتكلم على المتعلقات مطلقا؛ لأنه
стр. 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سيقول: أما حذفه وأما ذكره، وإن جعلتها ظرفية ولفظ يكون عاملا فيها - فمعناه قد يكون له فى هذا الوقت متعلقات، وقد لا يكون، فصار كقولك (قد يقدم زيد غدا) فلا يصح ذلك إلا بتقدير عامل فى (إذا) التقدير ذلك إذا كان فعلا، أو فى معناه. وقوله:
(والكلام البليغ إما زائد على أصل المراد لفائدة أو غير زائد) دخل فى غير الزائد الناقص والمساوى، والمراد: أو غير زائد لفائدة؛ وإنما قدم الخبر لأنه أكثر بحثا؛ ولأن كثيرا من الإنشاء فرع عن الخبر، كالجملة التى يدخل عليها ليت، ولعل، والاستفهام، فذكر المصنف الإسناد والمسند إليه والمسند ثم المتعلقات ثم القصر الذى يعم الإسناد والتعلق ثم ذكر الإنشاء وكان ينبغى تأخير القصر عنه؛ لأن القصر يدخل فى الإنشاء كما يدخل فى الخبر.
ثم ذكر الفصل والوصل؛ لأن اعتبار العطف بعد تكميل أجزاء الجملة، ثم ذكر الإيجاز، والإطناب، والمساواة؛ لأنها تشمل جميع ما سبق، وذكر المصنف حصر الكلام فى الخبر والإنشاء، وهو كذلك؛ إلا أن منهم من يخص الإنشاء
بما لا طلب فيه، ويقسمه إلى: خبر، وطلب، وإنشاء، ومنهم من يجعله ثلاثة أقسام: (خبر) و (إنشاء) وهو ما دل على الطلب دلالة أولية، (وتنبيه)، ويدخل فيه الاستفهام، والتمنى، والترجى، والقسم، والنداء، وهو اصطلاح الإمام فخر الدين.
(قلت): ومنهم من يجعل الكلام خبرا وطلبا، وهو ابن مالك فى الكافية، ومنهم من يربع الأقسام فيقول: خبر واستخبار وطلب وإنشاء. واستدل المصنف على الحصر بأن الكلام إما يكون لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه أو لا يكون له خارج، فالأول والثانى: الخبر، والثالث: الإنشاء وقد يقال: يرد على ظاهر عبارتهم الإخبار عن المستقبلات نحو (سيقوم زيد)؛ فإنه عند النطق به ليس له خارج يطابقه، أو لا يطابقه، فلا يمكن وصفه بذلك، ولا بصدق، ولا بكذب، وعند وجود المخبر به ليس الخبر موجودا حتى نصفه بصدق، ولا شك أن الإخبار عن المستقبلات يوصف بالصدق والكذب، قال تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١) فلهذا ينبغى أن يقال: إن كان محكوما فيه بنسبة خارجية فهو الخبر، كما فعل ابن الحاجب،
стр. 104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا فرق فى ورود ذلك عليهم، بين أن يكون المخبر به محقق الوقوع، مثل (ستطلع الشمس غدا)، أو لا، فليؤول كلامهم على أن مورد التقسيم ما له خارج بالقوة، أو الفعل، وقيل: الكلام لا يخلو: إما أن يمكن أن يحصل للمخاطب من غير أن يستفاد من المتكلم، مثل (زيد منطلق)؛ فإنه يمكن علمه بالمشاهدة، أو لا يمكن أن يحصل إلا بالاستفادة من المتكلم نحو (اضرب أو لا تضرب فالأول الخبر، والثانى الإنشاء، وهو فاسد؛ لأن الكلام ليس هو الذى يقال فيه: يمكن حصوله، أو لا؛ بل النسبة التى تضمنها الكلام هى المنقسمة لذلك. وأيضا يرد عليه نحو (أردت القيام) فإنها لا تعلم إلا من المتكلم فإن قلت يرد على عبارة المصنف أيضا؛ فإنه ليس له خارج، قلت: المعنى بالخارج ما كان خارجا عن كلام النفس، كما ذكره ابن الحاجب وغيره، ويمكن الجواب بأن المراد الإمكان العقلى، ونحو أردت القيام يمكن عقلا أن يطلع عليه من غير استفادته من المتكلم، ويمكن عادة بالقرائن، وخلق العلم الضرورى، وغير ذلك؛ بخلاف (اضرب زيدا). والظاهر أن مرادهم إما أن يحصل فى الوجود بالكلام، أو بغيره، فالأول الإنشاء، والثانى الخبر، وقد خرج من تقسيم المصنف حد الإنشاء، والخبر على رأيه فالإنشاء ما لم يكن لنسبته خارج تطابقه، والخبر ما لنسبته خارج تطابقه، أو لا تطابقه. وقد اختلف الناس فى حد الخبر؛ فقيل: لا يحد لعسره، وقيل: لأنه ضرورى؛ لأن قولنا: (زيد موجود) - مثلا - ضرورى؛ وإذا كان الأخص ضروريا فالأعم كذلك؛ لأن
الإنسان يفرق بين الإنشاء والخبر ضرورة، وأجيب بأن الحصول غير التصور، ولنا فى هذين الوجهين مباحث ذكرناها فى شرح المختصر، وذهب الأكثرون إلى أنه يحد؛ فقال القاضى أبو بكر، والمعتزلة: الخبر الكلام الذى يدخله الصدق والكذب، فأورد عليه أن يستلزم اجتماعهما فى كل خبر، وخبر الله تعالى لا يكون إلا صادقا، وأن كل خبر لا يجتمع عليه الصدق والكذب، وأجاب عنه القاضى بأنه صح دخوله لغة، وأورد عليه أنه دور؛ لأن الصدق هو الموافق للخبر، والكذب نقيضه، فتعريفه به دور، وقيل:
الذى يدخله التصديق أو التكذيب، فورد عليه سؤال الدور، واستعمال أو فى الحدود.
وجواب الثانى أن الترديد فى أقسام الحدود لا فى الحد، وقال السكاكى: إن صاحب هذا الحد ما زاد على أن وسع الدائرة، قلت: بل زاد، لأنه سلم عن السؤال الأول، وقال أبو الحسين البصرى: كلام يفيد بنفسه نسبة،
стр. 105
تنبيه صدق الخبر: مطابقته للواقع، وكذبه: عدمها.
وقيل: مطابقته لاعتقاد المخبر ولو خطأ، وعدمها (١)؛ بدليل قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (٢): ...
ــ
وقال: بنفسه ليخرج نحو قائم؛ فإن الكلمة عنده كلام، وهى تفيد نسبة مع الموضوع، وأورد عليه نحو قم فإنه يدخل فى الحد؛ لأن القيام منسوب؛ والطلب منسوب، وقيل: الكلام المفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور إلى أمر من الأمور، نفيا أو إثباتا، بعد أن قال هذا القائل: إن الكلام المنتظم من الحروف المسموعة المتميزة، فورد عليه نحو قولنا (غلام زيد) فإنه كلام عنده، وهو يقتضى إضافة أمر إلى أمر، وهذا القريب من حد أبى الحسين. وقيل: القول المقتضى بصريحه نسبة معلوم إلى معلوم بالنفى أو الإثبات، وأورد عليه السكاكى نحو قولنا ما لا يعلم بوجه من الوجوه لا يثبت، ولا ينفى، فإنه يلزم أن لا يكون خبرا، قلت: وجوابه أن غير المعلوم بوجه من الوجوه معلوم ببعض الوجوه، وهو ما وقع به جعله محكوما عليه فى هذه القضية، وأورد عليه أيضا ما ورد على الأول، فيلزم أن يكون خبرا وليس كذلك.
ص: (تنبيه صدق الخبر إلى آخره).
(ش): اعترض الخطيبى عليه بأن التنبيه فى الاصطلاح: ما اشتمل على حكم يكفى فى إثباته تجريد المسند والمسند إليه من اللواحق، أو النظر فيما سبقه من الكلام، وهنا لم يسبقه شئ يكون النظر فيه كافيا فى إثبات الأحكام التى ذكرها، وليس جميع ما ذكر يكفى فى إثباته تجريد المسندين فيحتمل أن يشير بالتنبيه إلى معناه اللغوى (قلت) وقوله: إن التنبيه فى الاصطلاح ذلك إن أراد به اصطلاح أهل المعانى فممنوع، وإن أراد غيرهم فلا علينا إذا لم نسلكه، ثم الذى اصطلح على ذلك - كما قال الإمام فخر الدين - هو ابن سينا فى الإشارات، ولعل الخطيبى إنما أخذ
هذا من كلامه.
وقوله: صدق الخبر مطابقته للواقع؛ أى فى الخارج، وكذبه عدمها؛ أى عدم مطابقته للواقع فى الخارج، فعلم بذلك أن الخبر ينحصر فى الصادق والكاذب، ولا واسطة بينهما، وهذا مذهب الجمهور، وفى المسألة أقوال:
стр. 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحدها: أنه لا واسطة بينهما أيضا، ولكن صدق الخبر مطابقته للخارج، مع اعتقاد المخبر ذلك، فإن لم تكن فكاذب، فدخل فى الكذب ما كان غير مطابق، والمتكلم يعتقد عدم المطابقة، أو غير مطابق، وهو يعتقد المطابقة أو غير مطابق وهو لا يعتقد شيئا، أو مطابقا وهو يعتقد عدم المطابقة، أو مطابقا وهو لا يعتقد لشك، أو غيره، وهذا القول هو الذى أراد ابن الحاجب بقوله. وقيل: إن كان معتقدا فصدق، وإلا فكذب، على ما فهم الشراح كلهم، وإن كان ظاهر عبارته فيه لا يقتضى اشتراط المطابقة.
الثانى: أن الصدق مطابقة الخبر لاعتقاد المخبر، ولو كان خطأ، أى ولو كان غير مطابق لما فى الخارج، وكذبه عدمها ولو صوابا، وهذه العبارة ظاهرة فى أنه لا واسطة بينهما أيضا؛ لأنه يدخل فى قوله: عدمها الخبر الذى لا اعتقاد معه، أو معه اعتقاد العدم. وكلام المصنف فى الإيضاح أظهر فى عدم الواسطة على هذا القول، وعلى هذا الخبر الشاك كذب، ولم أر من صرح بهذا القول غير المصنف، وهو ظاهر عبارة ابن الحاجب؛ غير أن الشراح حملوه على غيرها كما سبق.
الثالث: - وهو الذى نسبه المصنف للجاحظ - وقوله: الجاحظ أى قال الجاحظ: إن صدق الخبر مطابقته؛ أى للخارج، مع اعتقاد مطابقته وعدمها، أى: وكذبه عدم مطابقته، مع اعتقاد المخبر عدم مطابقته، وعبارة المصنف لا تعطى ذلك، بل تخالفه؛ لأنه قال: وعدمها معه، وظاهره أنه عدم المطابقة مع اعتقاد المطابقة، وليس هذا المراد؛ بل المراد مع اعتقاد ذلك، وهو عدم المطابقة.
قال: وغيرهما ليس صدقا ولا كذبا، فدخل فيه ما إذا كان مطابقا وهو غير معتقد لشئ أو مطابقا وهو يعتقد عدم المطابقة، أو غير مطابق وهو يعتقد المطابقة، أو غير مطابق ولا يعتقد شيئا، فالأربعة لا صدق ولا كذب.
الرابع: أن الصدق المطابقة للخارج والاعتقاد معا، فإن فقدا لم يكن صدقا فقط؛ بل قد لا يكون صدقا، وقد يوصف بالصدق والكذب بنظرين مختلفين، إذا كان مطابقا للخارج غير مطابق للاعتقاد، مثل قول الكفار: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (١) قاله الراغب.
стр. 107
وردّ: بأن المعنى: لكاذبون فى الشهادة، أو فى تسميتها، أو فى المشهود به فى زعمهم.
ــ
الخامس: وهو الذى قدمه المصنف - وهو الصحيح وعليه الجمهور - أن الصدق المطابقة للخارج، سواء كان معتقدا أم لا، والكذب عدمها، وقد علم من هذه الأقوال أن قولنا: الخبر إما صدق أو كذب منفصلة حقيقة على قول، ومانعة الخلو فقط على قول، ومانعة الجمع فقط على قول، وقد أهمل المصنف دليل المختار لكثرة أدلته؛ فمنها الإجماع على أن من قال: محمد ليس بنبى كاذب، ومن قال: الإسلام حق صادق، وبقول النبى لأبى سفيان:" كذب سعد" (١) حين قال سعد لأبى سفيان:
اليوم تستحل الكعبة، وقول ابن عباس:" كذب نوف" (٢) حين قال نوف البكالى:
ليس صاحب الخضر موسى بنى إسرائيل.
(قلت): وفيه رد على من جعل الصدق تابعا للاعتقاد فقط أولهما، وبقول بينهما واسطة، ولا رد فيه على من جعله تابعا لهما معا، ويدل له أيضا قوله ﷺ :" من كذب علىّ متعمدا" (٣) لدلالته على انقسام الكذب إلى متعمد وغيره، وقد استنبطت من القرآن الكريم دليلا أصرح من الجميع، وهو قوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٤) وقد ذكر المصنف شبهة القائل بأن العبرة بالاعتقاد فقط، ولا نظر إلى المطابقة الخارجية، وهو قوله تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (٥) فلو كانت العبرة بالمطابقة لكانوا صادقين؛ لأنهم يشهدون أنه رسول الله.
قال: ورد بثلاثة أمور:
أحدها: أن المعنى: لكاذبون فى الشهادة؛ لأنها تتضمن التصديق بالقلب، فهى إخبار عن اعتقادهم، وهو غير موجود، فهو تكذيب لقولهم: إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (٦) بالنسبة إلى ما تضمنه الاعتقاد القلبى، وعلم من تصديرهم بالجملة الاسمية، ومن تصديرها بلفظ الشهادة، ومن التأكيد بإن واللام.
стр. 108
الجاحظ (١) مطابقته مع الاعتقاد، وعدمها معه (٢)، وغيرهما (٣) ليس بصدق ولا كذب؛ بدليل: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ (٤)؛ لأن المراد بالثانى غير الكذب؛ لأنه قسيمه، وغير الصدق؛ لأنهم لم يعتقدوه خ خ:
وردّ: بأنّ المعنى: أم لم يفتر؟! خ خ؛ فعبّر عنه ب الجنّة خ خ؛ لأنّ المجنون لا افتراء له.
ــ
الثانى: أنه عائد إلى تسمية ذلك شهادة؛ لأن الإخبار إذا خلا عن المواطأة لم يكن ذلك حقيقة، وهذا الجواب مخالف للأول فى الصورة لا فى المعنى؛ لأنه يرجع إلى التكذيب فى ادعاء مواطأة القلب اللسان المدلول عليها بنشهد، والأول يرجع إلى مواطأة القلب اللسان المدلول عليها بالجملة الاسمية وإن واللام. فإن قلت: إذا كان ذلك بالنسبة إلى التسمية فقد تجوزوا بقولهم نشهد، والمجاز ليس بكذب! قلت:
إنما يكون مجازا حيث قصد إطلاق الشهادة على القول، وهم لم يطلقوا ذلك؛ إنما أرادوا حقيقة الشهادة على سبيل الكذب.
الثالث: أن الكذب بالنسبة إلى زعمهم - أى هذا الخبر - وإن كان صادقا لكنه عندهم كاذب، ويخدش فى هذا أمران: أحدهما: أن فيه تجوزا لا يخفى. والثانى: أن المنافقين كانوا يعلمون نبوة النبى إنما ينكرونها بألسنتهم، وهذا وارد على الأوجه الثلاثة.
وإذا علم أن هذه الشبهة تصلح أن تكون من هذا القول، كما فعل المصنف، وأن تكون من القائل أن الصدق راجع إلى الاعتقاد والمطابقة معا، ولا واسطة بينهما، كما فعل ابن الحاجب، على ما نسبه إليه الشراح؛ وإن كان ظاهر عبارته وعبارة المصنف واحدا، ولا أدرى من أين للشارحين حمله على ما حملوه عليه.
وقوله: (فى زعمهم) أى اعتقادهم الفاسد، والزعم فى الغالب قول قام الدليل على بطلانه، أو لم يقم الدليل عليه، وسيأتى تحقيق معناه فى باب الفصل والوصل.
وذكر المصنف شبهة الجاحظ وهى قوله تعالى: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ فإنهم حصروا دعوى النبى الرسالة فى الافتراء والإخبار حال الجنون، بمعنى
стр. 109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنه لا يخلو الحال عن أحدهما، وليس الإخبار حال الجنون كذبا؛ لأنه جعل قسيمه، ولا صدقا؛ لأنهم لا يعتقدونه، فثبت الواسطة، قلت: وهذا لا يدل لهذا القول فقط، بل يدل لأن المطابقة ليست هى معيار الصدق، ووراء هذا أمران: إما اشتراط الأمرين وثبوت الواسطة كما ذكر، أو اشتراط الاعتقاد فقط فى كل من الطرفين، ليكون خبر غير المعتقد واسطة؛ لكن هذا القول لم يثبت عن أحد؛ إنما هو احتمال ذكره الخطيبى فى كلام المصنف.
وأجاب المصنف بأن المعنى: أفترى أم لم يفتر، وعبر عن الثانى بالجنة؛ لأن المجنون لا افتراء له، وحاصله أن الافتراء ليس مطلق الكذب؛ بل الكذب عن عمد، ويكون خبر المجنون كذبا لا عمد فيه، أو لا يكون صدقا ولا كذبا، لا باعتبار أن ثم واسطة، بل باعتبار أن ما ينطق به ليس مقصودا، فليس بكلام. وهذان جوابان ذكرهما ابن الحاجب فى المختصر، ولك فيهما طريقان: أحدهما: أن يكون الجنون أريد به لازمه مجازا، والثانى: أن يكون أريد معناه كناية، فهذه أربعة أجوبة. واستدل للجاحظ أيضا بقول عائشة - رضى الله عنها -:" ما كذب ولكنه وهم" (١) وأجاب بتأويل ما كذب عمدا، وهو مجاز تخصيص.
واعلم أن قوله تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (٢) قد يرد على الجاحظ؛ فإنه تعالى سمى قولهم كذبا، مع أنه لم تحصل عدم المطابقة، بل عدم الاعتقاد؛ لكن لا يرد عليه على الجواب السابق؛ لأنهم أخبروا أنهم معتقدون لذلك، وإخبارهم غير مطابق، ولا هم معتقدون.
(تنبيه) قد يطلق الكذب على عدم المطابقة والصدق فى المطابقة فى غير الخبر، كقوله ﷺ :" وكذب بطن أخيك" (٣)، وقول الأنصار:" إما لصدق عند اللقاء"، وقوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ (٤)، وقال تعالى: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ (٥)،
стр. 110
أحوال الإسناد الخبرىّ
ــ
وقال تعالى: أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ (١)، قال الراغب: يعبر عن كل فعل فاضل ظاهرا كان أم باطنا بالصدق اه. ومنه صدق الظن، وربما وقع الكذب فى عدم المطابقة فى الإنشاء، وذلك فى قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ إلى قوله: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢) أى فى قولهم: وَلا نُكَذِّبَ، وذلك يجوز أن يكون إنشاء؛ لأنه يجوز أن يكون معطوفا على خبر (ليت) كما قاله الزمخشرى، وأجاب عن دخول الكذب فى التمنى: بأنه تضمن معنى العدة، وظاهر عبارته أنه مع ذلك باق على الإنشاء، وسنذكر ذلك فى باب التمنى - إن شاء الله - وقد قيل فى الآية غير ذلك، مما يطول ذكره، وأنشد فى دخول التكذيب فى التمنى:
وقد كذبتك نفسك فاكذبنها ... لما منّتك تغريرا قطام
ومن وقوع التكذيب فى الإنشاء لفظا لكنه خبر فى المعنى قوله تعالى: وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ إلى وإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٣).
ص:
(أحوال الإسناد الخبرى)
(ش): استغنى بقوله فيما سبق أنها ثمانية أبواب عن أن يسمى هذا بابا، وإنما ذكرنا فى هذا الباب ما هو إسناد إنشائى، وهو قوله تعالى: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً (٤)؛ لأنه قد نبه على أن ذلك إنشاء، وذكره على سبيل الاستطراد والإلحاق. فإن قيل: ما باله ذكر الإسناد الخبرى وما يتعلق بالمسند والمسند إليه؛ ولم يذكر الإسناد الإنشائى؛ بل اقتصر على قوله فى آخر باب الإنشاء أن الإنشاء كالخبر فى كثير مما فى الأبواب الخمسة؟
قلت: قد ذكر الخطيبى ما لا طائل تحته، والذى عندى فى ذلك أن حقيقة الإسناد فى الإنشاء كالفرع للإسناد فى الخبر؛ بل الإسناد فى الإنشاء لا يتحقق إلا بتوسع، وذلك لأن الإسناد نسبة دائرة بين المنتسبين، وهى تنقسم إلى طلب وغيره، فالطلب مثل: اضرب، المسند فيه هو الضرب، والمسند إليه المخاطب، والمتحقق الآن