حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام
تأليف الدكتور: محمد جميل مبارك
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن بيان هذه القضية يجيب عن أسئلة ذات بال منها:
ما مدى حجية السنة النبوية؟ وما مدى حجية خبر الآحاد؟ وهو سؤال أخص من سابقه، لكن العلاقة بينهما آتية من أن معظم السنة أخبار آحاد، فإذا كان الاحتجاج بخبر الآحاد من حيث هو محل شك، فالاحتجاج بمعظم السنة يكون محل شك!!
غير أن من الذين يجادلون في حجية خبر الآحاد من يؤمنون بالسنة، النبوية، ويعتقدون حجيتها، ولكنهم يحصرون حجية خبر الآحاد منها في إطار محدود، فلابد إذاً من التفرقة بين السؤالين.
وأما الطوائف المنكرة لحجية خبر الآحاد فكلما كاد الزمان يطويهم عاودت نابتتهم إثارة الجدل في هذه الحجية، واجدين البيئة المناسبة في التراكمات الفكرية التي تتفاعل في واقع المسلمين.
وهذا ما يفرض العمل من أجل تحصين الأجيال من التأثر بأفكار هذه الطوائف عن طريق البحث العلمي، الذي تتحمل أعباء القيام به الطائفة المتفقهة في الدين.
والجدل في حجية خبر الآحاد موغل في القدم، ويكفي دليلاً على ذلك أن الإمام الشافعي ﵀ (ت: ٢٠٤هـ) قد تصدى لهؤلاء الذين يثيرون هذا الجدل يقيناً منه أن التساهل مع هؤلاء يؤدي إلى التنكر للسنة
стр. 2
برمتها، والتنكر للسنة تنكُّرٌ للإسلام جملة من حيث إن السنة بيان للقرآن، ولا فهم للقرآن بلا بيان من السنة، ولا عمل بالقرآن بلا فهم ولا بيان.
وقد تصدى العلماء لِشُبَه المجادلين في حجية خبر الآحاد في ثلاثة علوم بارزة هي: علم الحديث، وعلم العقائد، وعلم أصول الفقه، والعلماء في هذه الفنون الثلاثة يجمعهم همٌّ واحد في هذا التصدي هو همُّ إثبات حجية خبر الآحاد في مجال الاعتقاد وفي مجال الأحكام العملية.
فعلماء الحديث انطلقوا في مقاومتهم لهذا التيار من أن التشكيك في خبر الآحاد يعود بالإبطال على تلك الجهود الجبارة التي قام بها علماء الحديث في مجال خدمة السنة جمعا وتمحيصا ومنهجا من خلال "مصطلح الحديث" وعلم الرجال، وهما مجالان من إبداع العلماء المسلمين، ولذلك كان من منهج علماء الحديث أن يثيروا هذه القضية في علوم الحديث.
وعلماء الأصول انطلقوا من أن استنباط الأحكام عبر القواعد الأصولية يكون من مصدرين هما القرآن الكريم والسنة النبوية، فإذا وقع التشكيك في خبر الآحاد انهدم الأصل الثاني من أصول الاستنباط، فكان من منهج الأصوليين أن يتناولوا هذه القضية من خلال بحثهم في الأدلة، ولذلك طولوا أنفاسهم في طرق الرد على المنكرين كما قام الإمام الجويني (١) .
стр. 3
وعلماء التوحيد يقلقهم أن استبعاد خبر الآحاد من مجال العقائد يؤدي إلى إنكار كثير من قضايا العقيدة التي لم تثبت إلا بأخبار الآحاد، كما يؤدي إلى تعطيل الصفات وإبطالها.
وقد ترشح هذا البحث لدحض الشبهات التي تعلق بها منكرو حجية خبر الآحاد، حتى يعود الحق في هذه القضية الشائكة إلى نصابه.
وسيتناول البحث –إن شاء الله - المباحث الآتية:
المبحث الأول: خبر الآحاد: التعاريف والنشأة.
المبحث الثاني: جهود العلماء في الدفاع عن حجية خبر الآحاد.
المبحث الثالث: أدلة وجوب العمل بخبر الآحاد من الكتاب والسنة والإجماع.
المبحث الرابع: إفادة خبر الآحاد للعلم أو الظن.
المبحث الخامس: نشأة التفرقة بين العقائد والأحكام في الاحتجاج بخبر الآحاد.
المبحث السادس: ظاهرة التشكيك في حجية خبر الآحاد ودوافعه.
وهي مباحث أرى أنها كفيلة بإضاءة أهم الجوانب الغامضة في موضوع خبر الآحاد.
ولم يتجه الاهتمام إلى بحث كل القضايا التي لها صلة ما بحجية خبر الآحاد، كقضية الاحتجاج بخبر الآحاد إذا ما تعارض مع ما هو أقوى منه، كما نجد عند بعض الفقهاء؛ لأن الخلاف نشأ بين المثبتين لحجية خبر الآحاد، والنقاش إنما ينصب على مبدأ الحجية نفسها.
стр. 4
على أن في البحث إشارة إلى ما يشبه الخيط الرابط بين موقف من ينكرون حجية خبر الآحاد، وموقف من ينفون عنه الحجية إذا تعارض مع ما هو أقوى منه.
كما لم يتجه الاهتمام إلى استعراض الشروط الواجب توافرها في خبر الآحاد ليكون حجة؛ لأن ذلك يفرض إطالة ذيول البحث ويتحول به من بحث في الحجية إلى بحث في شروط الحجية، والبحث في الشروط لا يتم إلا بتسليم المشروط، والبحث إنما هو فيه.
وأعترف – بعد كل هذا – أن البحث في الحجية يحتاج إلى مزيد من المكابدة في مسألة الرد على الشبه، وفي مسالة التعارض بين الأخبار، والشروط المنهجية لهذه الندوة، ومحدودية مدة الإنجاز من موانع الاسترسال في هذه المكابدة، والعزم معقود على استكمال القضايا الجزئية المكملة لهذه القضية الكلية: قضية حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام.
стр. 5
المبحث الأول: خبر الآحاد: التعاريف والنشأة
الخبر في اللغة هو النبأ، ويقصد به ما يخبر به أو يرويه شخص واحد (١) ويجمع على أخبار، والآحاد جمع أحد، وأصله وحد، وهو هنا بمعنى واحد، ولذلك يقال: خبر الواحد، وخبر الآحاد، وأخبار الآحاد.
أما خبر الآحاد اصطلاحاً فقد عرف بأنه: "ما كان من الأخبار غير مُنْتَهٍ إلى حد التواتر" (٢) ، وعرف أيضاً بأنه: "ما لم يجمع شروط التواتر" (٣) .
ومؤدى التعريفين أن خبر الآحاد لا ينحصر في الخبر الذي ينقله الواحد كما قد تفيده عبارة "خبر الواحد" بل يشمل الذي ينقله اثنان أو أكثر ما لم ينته إلى حد التواتر كما تفيده عبارة "خبر الآحاد". قال الزركشي: "وليس المراد ما يرويه الواحد فقط، وإن كان موضوع خبر الواحد في اللغة يقتضي وحدة المخبر الذي ينافيه التثنية والجمع، لكن وقع الاصطلاح به على كل ما لا يفيد القطع، وإن كان المخبر به جمعاً إذا نقصوا عن حد التواتر" (٤) .
أما نشأة المصطلح فلم أهتد بعدُ إلى نصوص تبين أول من أطلقه،
стр. 6
لكن ما أستطيع أن أجزم به أن المصطلح قديم، وأقل ما يمكن قوله: إنه استعمل في أوائل المائة الثانية، فقد استعمله الإمام الشافعي ﵀ (ت: ٢٠٤هـ) في ((الرسالة)) تسع عشرة مرة بعبارة "خبر الواحد" (١) واستعمله مرات في كتابه "اختلاف الحديث" (٢) وفي كتابه "جماع العلم" (٣) .
كما استعمله الإمام البخاري (ت: ٢٥٦هـ) في ((صحيحه)) وقد ترجم لأحد أبواب "كتاب الأحكام" (٤) بعنوان: ((باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام)) .
وهذا يدل على أن تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد، أو إلى متواتر ومشهور وآحاد، لم يعده العلماء المتقدمون -فيما اطلعت عليه- بدعة، وإن أوهمت عبارة بعض الباحثين المعاصرين أن هذا التقسيم بدعة؛ فقد كرر الأستاذ القاضي برهون ((أن تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد من ابتداع الجهمية والمعتزلة والرافضة)) (٥) ، "فخالفوا بهذا التقسيم إجماع
стр. 7
الصحابة والتابعين" (١) . فهو إذاً " قول محدث من غير أهل الحديث" (٢) لكنه لم يلبث أن استدرك قائلا: "وهذا لا يعني أن ما رواه العدد الكثير الذي اصطلح عليه بالمتواتر غير موجود فهو واقع فعلاً، وموجود بكثرة، وإنما نعني ما أدى إليه التقسيم من آثار على ما روي آحادا وهو أكثر" (٣) .
فالمستنكر ليس تقسيم الأخبار في حد ذاته؛ إذ لا ينتج عنه ما يخدش حجية السنة، وإنما المستنكر ما بناه بعض الناس على التقسيم، فكان لازماً بيان أن المبتدع ليس أصل التقسيم، وإنما المبتدع ما فرعوه على التقسيم من القبول أو الرد، وإلا فكثير من المصطلحات الحديثية غير معروفة في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، فهل يقال: إن تلك المصطلحات بدع غير محمودة؟!
ألا ترى أن ابن القيم ﵀ لم ينتقد تقسيم الأخبار نفسه، وإنما انتقد تقسيم الدين إلى ما يثبت بخبر الواحد وما لا يثبت، فقال: "تقسيم الدين إلى ما يثبت بخبر الواحد وما لا يثبت به تقسيم غير مطرد، ولا منعكس، ولا عليه دليل صحيح" (٤) .
فها أنت ترى ابن القيم لم ينكر تقسيم السنة إلى متواتر وآحاد، وإنما
стр. 8
أنكر تقسيم الدين إلى ما يثبت بخبر الواحد كالأحكام، وإلى ما لا يثبت به وهو العقائد، ولعل هذا ما حاول الأستاذ القاضي برهون التعبير عنه بقوله: "ومن نظر فيما ذكرنا علم أن تقسيم الدين إلى متواتر وآحاد، وعقائد وفروع باطل" (١) لكن ما عبر عنه غير ما عبر عنه ابن القيم، والباطل الذي حكم به يحتاج إلى دليل، وإلا فما الذي دفع أميرُ المؤمنين في الحديث الإمامُ البخاريُّ إلى عقد باب بعنوان: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد.. في صحيحه؟ فهل الدافع هو رده التفرقة بين المجالين كما يتضح من الأحاديث التي ساقها؟ وهل ذلك إقرار منه بصحة التقسيم وبِرَدِّ التفرقة بين العقائد والأحكام، كما صنع الإمام الشافعي في الرسالة؟
وادَّعى الأستاذ بعد ذلك أن تقسيم الأصوليين للحديث إلى متواتر وآحاد كان نتيجة تأثرهم بمنهج المعتزلة (٢) .
لكن كلام الشافعي – وهو رأس الأصوليين، ومن أعلام المحدِّثين – يفيد أن هذا التقسيم معروف في عهده، بدليل تكراره لمصطلح "خبر الواحد" كما سبق، وبدليل قوله: "لأن الأخبار كلما تواترت وتظاهرت كان أثبت للحجة وأطيب لنفس السامع" (٣) .
فقوله: "لأن الأخبار كلما تواترت" إقرار منه بوجود أحاديث متواترة، وإن أمكن ادعاء أن التواتر في كلامه يحتمل المعنى اللغوي بدليل
стр. 9
عطف التظاهر عليه.
ومن ثم فلا نُسَلِّم قول من قال: "لم يذكر التواتر باسمه الخاص إلا الحاكم النيسابوري (ت: ٤٠٥هـ) وابن حزم (ت: ٤٥٦هـ) والخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣هـ) وابن عبد البر (ت: ٤٦٣هـ) وابن الصلاح (ت: ٦٤٣هـ) ، وقد تبعوا فيه أهل الأصول (١) "، لوجود إشارات قوية للمتواتر في كلام الإمام الشافعي في النص السابق، وقد وافق مناظره على إطلاق التواتر في قوله: "فما الوجه الثاني؟ قال: تواتر الأخبار، فقلت له حدد لي تواتر الأخبار بأقل ما يثبت الخبر ... ؟ " (٢) فهو لم ينكر تقسيم مناظره الأخبار، وإلا لقال له: لقد جئت شيئاً نكراً بابتداعك تواتر الأخبار.
بل إن ابن القيم نفسه قسم الأخبار المقبولة في باب الأمور الخبرية العلمية أربعة أقسام: متواترة لفظاً ومعنى، ومتواترة معنى لا لفظاً، ومستفيضة متلقاة بالقبول بين الأمة، وأخبار آحاد عدول (٣) ، فكيف ينكر التقسيم، ثم يقره؟
ونقل عن شيخه ابن تيمية ﵀ أنه قسم الأخبار إلى متواتر وآحاد (٤) .
стр. 10
المبحث الثاني: جهود العلماء في التأليف والدفاع عن حجية خبر الآحاد
يتسم أسلوب العلماء في دفاعهم عن حجية خبر الآحاد بالإسهاب والإيعاب والقوة، مما ينبئ عن كثرة الدوافع التي دفعتهم للإفاضة في الاستدلال، وأهم هذه الدوافع ثلاثة.
الأول: قوة الخلاف وكثرة التشغيب اللذان يوردهما المخالفون.
الثاني: رغبة هؤلاء العلماء في استئصال تشغيب المخالفين المنكرين لحجية خبر الواحد مطلقاً، أو لحجيته في العقائد.
الثالث: خطورة الأثر الذي يخلفه القول بعدم حجية خبر الواحد من حيث إفضاؤه إلى إنكار معظم السنة، فإذا ترك هذا القول دون تفنيد فربما يغتر به الكثيرون في رد السنن.
ويتعين استحضار هذه الدوافع أثناء تتبع استدلالات العلماء، حتى إذا نبتت نابتة جديدة تدعو إلى رفض خبر الواحد جملة أو إلى رفضه في العقائد ووجهت بهذه الأدلة الموعبة، وأضيفت إليها أدلة أخرى قد تستنبط بالنظر في نصوص أخرى في الشرع.
وأكثر من أفاضوا في الاستدلال لحجية خبر الواحد من السلف: الإمام الشافعي ﵀، ثم الإمام البخاري، وسار كثير من العلماء على منوالهما كالإمام ابن حزم في ((الإحكام)) ، وكالحافظ ابن عبد البر في كتابه: "جامع بيان العلم وفضله.." وفي مناسبات في كتاب "التمهيد"
стр. 11
وفي كتابه الذي ألفه في الموضوع بعنوان: "الشواهد في إثبات خبر الواحد" الذي قال عنه في مقدمة كتابه "التمهيد": "وقد أفردت لذلك كتاباً موعباً كافياً، والحمد لله" (١) .
وكالخطيب البغدادي في كتابه: "الدلائل والشواهد على صحة العمل بخبر الواحد" (٢) وفي كتابه: "الكفاية في علم الرواية" الذي عقد فيه باباً لصحة العمل بخبر الواحد.
وألف الإمام السيوطي (ت: ٩١١هـ) كتابا في الاحتجاج بالسنة سمَّاه: "مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة".
أما الإمام الشافعي فقد أطال في الاحتجاج لخبر الواحد في ثلاثة من كتبه هي:
- ((كتاب الرسالة))
- ((كتاب اختلاف الحديث))
- ((كتاب جماع العلم))
وذكر الزركشي أن الشافعي صنف كتاباً في إثبات العمل بخبر الواحد أورد فيه نحواً من ثلاثمائة حديث، وذكر وجوه الاستدلال فيها (٣) .
стр. 12
وقد ساق في هذه الكتب عشرات الأدلة في حجية خبر الواحد، معظمها من السنة، وبعضها من القرآن الكريم دون استقصاء للأدلة كما يفهم من قوله: "وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث يكفي بعض هذا منها" (١) .
أما الإمام البخاري فقد ساق في صحيحه اثنين وعشرين حديثا لإثبات حجية خبر الواحد، واحد وعشرون حديثا مسندا، وواحد معلق عن ابن عباس، وهي موزعة على ستة أبواب، وكل باب مترجم بما يفيد وجوب العمل بخبر الواحد وهي:
١ – باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق...
٢ – باب بعث النبي ﷺ الزبير طليعة وحده.
٣ – باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] فإن أذن واحد جاز.
٤ – باب ما كان يبعث النبي ﷺ من الأمراء والرسل واحداً بعد واحد.
٥ – باب وصاة النبي ﷺ ود العرب أن يبلغوا مَنْ وراءهم.
стр. 13
٦ – باب خبر المرأة الواحدة.
وتعدد هذه الأبواب قد يؤيد ما في نسخة الصغاني من ترجمته كتاب أخبار الآحاد، وتخصيص كتاب لأخبار الآحاد دليل على شدة اهتمام البخاري بإقامة البراهين على حجية خبر الواحد، وعلى القول بأنها أبواب ضمن كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة"، فإنَّ ذِكْرَه لهذه الأبواب تحت هذا الكتاب إشارة إلى أن من وسائل الاعتصام بالكتاب والسنة تثبيت حجية خبر الواحد.
وأضاف ابن حزم ﵀ أدلة أخرى بطريقته الحجاجية القوية من مثل قوله: "من نشأ في قرية أو مدينة ليس بها إلا مقرئ واحد أو محدث واحد أو مفت واحد فنقول لمن خالفنا: ماذا تقولون: أيلزمه إذا قرأ القرآن على ذلك المقرئ أن يؤمن بما أقرأه، وأن يصدق بأنه كلام الله...؟ " (١) .
وتتابع العلماء بعدهم في إثبات حجية خبر الواحد بتضمين كتبهم أدلة حجية خبر الواحد، كما نجد عند ابن القيم في كتابه: "الصواعق المرسلة" فقد ضمنه مباحث في الاحتجاج بالسنة عامة، وفي الاحتجاج بخبر الواحد خاصة في مجال إثبات العقائد.
وللإمام أبي الحسن الأشعري (ت: ٣٢٤هـ) إشارات إلى القضية في كتابه "الإبانة" ونجد عند معظم شراح كتب الحديث وقفات ينبهون فيها
стр. 14
على حجية خبر الواحد، كما نجد عند ابن عبد البر في التمهيد، وعند النووي في "شرح مسلم"، وعند الحافظ ابن حجر في "فتح الباري".
فلا يتركون فرصة لإثبات حجية خبر الواحد من خلال شرح الأحاديث إلا انتهزوها، فابن عبد البر مثلا يجعل من فقه حديث أم سلمة (١) : "إيجاب العمل بخبر الواحد الثقة ذكراً كان أو أنثى، وعلى ذلك جماعة أهل الفقه والحديث وأهل السنة، ومن خالف ذلك فهو عند الجميع مبتدع ... " (٢) .
والنووي وابن حجر جعلا مِنْ فقه حديث معاذ بن جبل ﵁ لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن قبول خبر الواحد والعمل به.
أما الأصوليون فقد أبلَوا البلاء الحسن في الدفاع عن السنة، وعن خبر الآحاد خاصة، وقد عبر إمام الحرمين عن حسن بلائهم بقوله: "وقد أكثر الأصوليون، وطوَّلوا أنفاسهم في طرق الرد على المنكرين" (٣) .
ولم يغفل المفسرون استثمار بعض الآيات لتثبيت حجية خبر الواحد، كالآيات التي استدل بها جمهور العلماء على حجية خبر الواحد (٤) ، والتي سيأتي بعضها في المبحث الثالث.
стр. 15
وللعلماء والباحثين المعاصرين جهود طيبة في الدفاع عن حجية خبر الآحاد، كما أن الجدل قد أثير حوله في هذا العصر. ومن أبرز الأمثلة لهذه الجهود:
١ – وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
٢ – فتح الغني الماجد ببيان حجية خبر الواحد للشيخ عبد الله بن الصديق الغماري.
٣ – خبر الواحد في السنة أثره في الفقه الإسلامي، للدكتورة سهير رشاد مهنا.
٤ – خبر الواحد في التشريع الإسلامي وحجيته للقاضي برهون.
٥ – الأدلة والشواهد على وجوب الأخذ بخبر الواحد لسليم الهلالي.
٦ – رد شبهات الإلحاد عن أحاديث الآحاد لعبد العزيز بن راشد.
٧ – حديث الآحاد لخليل إبراهيم ملا خاطر.
٨ – دراسة في خبر الآحاد لمحمد مبارك السيد.
стр. 16
المبحث الثالث: أدلة وجوب العمل بخبر الواحد والرد على شبه منكريه
الأدلة من الكتاب:
١ – قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] .
فقد استدل به ابن عباس ﵄ على طاوس لما سأله عن الركعتين بعد العصر، فنهاه عنهما فقال له طاوس: ما أدعهما، فتلا عليه ابن عباس الآية.
قال الشافعي: "فرأى ابن عباس الحجة قائمة على طاوس بخبره عن النبي، ودلَّه بتلاوة كتاب الله على أن فرضاً عليه أن لا تكون له الخيرة إذا قضى الله ورسوله أمرا، وطاوس حينئذ إنما يعلم قضاء رسول الله بخبر ابن عباس وحده، ولم يدفعه طاوس بأن يقول: "هذا خبرك وحدك فلا أثبته عن النبي، لأنه يمكن أن تنسى" (١) .
٢ – قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] .
ووجه الاستدلال بالآية: أن الله تعالى أوجب على كل فرقة قبول نذارة من نفر منها للتفقه في الدين، وأوجب على النافر التفقه والإنذار،
стр. 17
وإنذار النافر إخبار، والناذر طائفة، والطائفة تطلق في اللغة على الواحد فصاعداً، فدلَّت الآية على وجوب قبول خبر الواحد (١) .
وقد استدل بها الإمام البخاري في صحيحه إذ ضمنها ترجمة أول باب من أبواب أخبار الآحاد حين قال: "ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] فلو اقتتل رجلان دخلا في معنى الآية.
٣ – قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] .
والاستدلال بالآية على قبول خبر الواحد من وجهين:
أحدهما: أنه لو لم يقبل خبره لما علل عدم قبوله بالفسق.
وثانيهما: مفهوم الشرط وهو حجة، ومفهومه وجوب العمل بخبر الواحد إن لم يكن فاسقا (٢) .
وقد ركب ابن حزم الدليل من هذه الآية والتي قبلها فجعلهما "مقدمتين أنتجتا قبول خبر الواحد العدل دون الفاسق بضرورة البرهان" (٣) .
واستدل البخاري بها وبالتي قبلها في صحيحه، وهذه الآيات لا يخلو الاستدلال بأي منها من اعتراضات أوردها المستدلون بها أنفسهم
стр. 18
كالرازي والآمدي والكلوذاني، وحاولوا أن يجيبوا عنها (١) ، ولذلك قال الحافظ ابن حجر تعليقاً على استدلال البخاري بقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] "وهذا الدليل يورَد للتَقوِّي لا للاستقلال؛ لأن المخالف قد لا يقول بالمفاهيم" (٢) .
وهذا ما دفع آخرين إلى الإحجام عن الاستدلال بها كالجويني والغزالي.
الأدلة من السنة:
أدلة تثبيت حجية خبر الآحاد كثيرة في السنة النبوية، واستقصاؤها غير لازم هنا منهجياً، وسأورد منها ما لعله يفي بالغرض.
الدليل الأول: حديث ابن عمر ﵁ قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة" (٣) .
وقد استدل بالحديث على حجية خبر الواحد الإمامان الشافعي والبخاري، وأفاض الشافعي في بيان وجه الاستدلال بالحديث على المطلوب، وخلاصته: أن أهل قباء أهل سابقة في الإسلام، وأهل فقه، ولم
стр. 19
يكن لهم أن يتحولوا عن القبلة التي كانوا عليها بخبر واحد إلا وهم على علم بأن الحجة ثابتة بخبره مع كونه من أهل الصدق، فلما تحولوا من فرض إلى فرض بخبر واحد دلَّ على أن العمل بخبره فرض، وإلا لأنكر عليهم رسول الله ﷺ بعد علمه بتحولهم عن قبلتهم التي كانوا عليها (١) .
ففي الحديث حجة قوية على وجوب العمل بخبر الواحد، ويكفيه قوة أن اتفق على الاستدلال به هذان الإمامان.
الدليل الثاني: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: ((كنت أسقي أبا طلحة الأنصاري وأبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب شراباً من فضيخ (٢) وهو تمر، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم إلى هذه الجرار فاكسرها، قال أنس: فقمت إلى مهراس (٣) لنا فضربتها بأسفله حتى انكسرت (٤) .
ووجه الاستدلال بالحديث واضح من حيث إنهم –وهم أهل مكانة في العلم والنصيحة- اعتمدوا على خبر واحد في تحريم ما كان حلالا لهم، وفي كسر الجرار إهراق ما فيها، ولم يعترض أحد منهم على خبر الواحد بالبقاء على حِلِّية الخمر حتى يشافههم رسول الله ﷺ بذلك، وهم قريبون منه، كما لم ينههم رسول الله ﷺ عن قبول خبر الواحد (٥) ،
стр. 20
وأثبت هؤلاء ما كان مباحاً بخبر الواحد (١) .
وقد اتفق الإمامان الشافعي والبخاري على الاستدلال بالحديث على حجية خبر الواحد، ومما يزيد هذه الحجية قوة ما ورد في بعض طرقه: "فوالله ما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل (٢) ".
الدليل الثالث: جملة من الأحاديث التي فيها بعث النبي ﷺ آحادا من الصحابة دعاة وولاة وقضاة وأمراء ورسلا؛ فبعث أبا بكر والياً على الحج ليقيم للناس مناسكهم "وأخبرهم عن رسول الله ﷺ بما لهم وما عليهم" (٣) ، وخبره خبر واحد، وبعث علي بن أبي طالب لينبذ إلى قوم عهدهم، ولولم تكن الحجة قائمة بخبر كل واحد منهما لما بعثه النبي ﷺ .
وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن، وولى زيد بن حارثة بعث مؤتة، وبعث ابن أنيس سرية وحده، وبعث اثني عشر رسولا إلى اثني عشر ملكا يدعو كل واحد منهم من بعث إليه إلى الإسلام (٤) .
وقد ضمن الإمام البخاري هذا المعنى بابين: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد... وكيف بعث النبي ﷺ أمراءه واحداً بعد واحد، فإن سها أحد منهم رد إلى السنة، وباب ما كان يبعث النبي ﷺ من الأمراء والرسل واحداً بعد واحد.
стр. 21
دليل الإجماع:
إجماع الصحابة من أقوى الأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد، إذ لم يكن يثبت عن أحد منهم أنه رفض قبول خبر الواحد من حيث هو كذلك، حتى إن الأصوليين أكدوا أن "إجماعهم على العمل بخبر الواحد منقول تواتراً" (١) والتواتر دليل قطعي لا يتطرق إليه شك، وقد رويت وقائع كثيرة جداً تدل على أنهم جميعاً يقبلون خبر الواحد ويعملون به.
ومن هذه الوقائع الكثيرة: اعتماد أبي بكر الصديق ﵁ على خبر الواحد في توريث الجدة السدس (٢) .
ومنها: ما صح عن سعيد بن المسيب "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله ﷺ كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته، فرجع إليه عمر" (٣) .
ومثله: ما روى طاوس أن عمر قال: "أذكر الله امرأ سمع من النبي ﷺ في الجنين شيئاً؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين جارتين لي –يعني ضرتين- فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنيناً ميتاً، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرة فقال عمر: لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره" (٤) .
стр. 22
قال الشافعي: "فقد رجع عمر عما كان يقضي به لحديث الضحاك إلى أن خالف حكم نفسه" (١) .
ففي هاتين الواقعتين دليل واضح على قبول خبر الواحد العدل مع كون عمر أعلم ممن أخبره، وأكثر صحبة، ولم يقل للضحاك: "أنت رجل من أهل نجد، ولحمل بن مالك: أنت رجل من أهل تهامةلم تريا رسول الله، ولم تصحباه إلا قليلاً، ولم أزل معه ومن معي من المهاجرين والأنصار، فكيف عزب هذا عن جماعتنا وعلمته أنت، وأنت واحد، يمكن فيك أن تغلط وتنسى؟ " (٢) .
ومنها: اعتماد عثمان بن عفان ﵁ على خبر الفريعة بنت مالك في كون المتوفى عنها زوجها تعتد في بيت الزوجية (٣) .
قال الشافعي: "وعثمان في إمامته وعلمه يقضي بخبر امرأة بين المهاجرين والأنصار" (٤) .
وقد صرَّح كثير من علماء الحديث وعلماء الأصول بحصول إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد، واستمر ذلك الإجماع إلى أن حدثت مذاهب تشكك في خبر الواحد.
ولم يمنع الشافعي من التصريح بالإجماع إلا تحفظه المعروف في
стр. 23
الموضوع، ولكن كلامه غير بعيد عن التصريح بالإجماع، وذلك أنه لمَّا ذكر كثيراً من أعلام الصحابة والتابعين ومن بعدهم قال: "كلهم يحفظ عنه تثبيت خبر الواحد عن رسول الله ﷺ والانتهاء إليه، والإفتاء به، ويقبله كل واحد عن مَن فوقه ويقبله عن مَن تحته".
ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديما وحديثا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته – جاز لي- ولكن أقول: "لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد" (١) .
وصرَّح ابن عبد البر بإجماع أهل العلم في جميع الأمصار على قبول خبر الواحد وإيجاب العمل به (٢) .
وهكذا "شاع فاشياً عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد من غير نكير، فاقتضى الاتفاق منهم على القبول" (٣) .
ومثل المحدِّثين علماء الأصول، فقد قال الآمدي بعد أن ساق أدلة من القرآن الكريم على حجية خبر الواحد، وأورد اعتراضات عليها: "والأقرب في هذه المسألة إنما هو التمسك بإجماع الصحابة" (٤) .
стр. 24
وقبله الإمام الجويني الذي اختار في الاستدلال على وجوب العمل بخبر الواحد مسلكين:
أحدهما: يستند إلى أمر متواتر لا يتمارى فيه إلا جاحد، ولا يدرؤه إلا معاند.
"والمسلك الثاني مستند إلى إجماع الصحابة " (١) .
والجويني يلخص بهذا موقف الأصوليين، ويوحد بينهم وبين المحدثين في وجوب العمل بخبر الواحد، رغم المناقشات المستفيضة التي أثارها الأصوليون حول إفادة خبر الواحد العلم أو الظن كما سيأتي، لكن العبرة بهذه النتيجة التي جمع فيها الجويني حجتين يقينيتين قاطعتين هما: التواتر والإجماع، أي التواتر في نقل الروايات التي توجب العمل بخبر الواحد، وإجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد، وهذا الإجماع منقول نقلاً متواتراً مفيداً للقطع واليقين.
فلم يُبْقِ الأصوليون بعد هذه الحجج عذراً لأحد في مخالفة خبر الواحد.
ولم يكتف العلماء بإقامة هذه الحجج على وجوب العمل بخبر الواحد حتى دحضوا كل الشبه، وفندوا كل الحجج التي تعلق بها منكرو حجية خبر الآحاد، سواء منهم أولئك الذين ردُّوه جملة، وأولئك الذين ردوه إذا كان في موضوع العقائد.
ومن تلك الشبه: ما تعلقوا به من قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ
стр. 25
بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] فقد فهموا أن النهي يتناول الأخذ بخبر الواحد من حيث إن الأخذ به اتباع ما ليس للآخذ به علم، وقد عَدَّ ابن حزم تعلقهم بهذه الآية أقوى ما شغبوا به، ورد عليهم بقوله: "وهذه الآية حجة لنا عليهم في هذه المسألة؛ لأنا لم نَقْفُ ما ليس لنا به علم، بل قد صَحَّ لنا به العلم، وقام البرهان على قبوله، وصح العلم بلزوم اتباعه والعمل به، فسقط اعتراضهم بهذه الآية ... " (١) .
ورد عليهم إمام الحرمين تمسكهم بظاهر هذه الآية بأن "مضمون الآية: النهي عن اقتناء الظنون من غير ضبط متأيد بمراسم الشرع، وليس الغرض الإضراب عن كل ما ليس معلوما" (٢) .
وقد عاكسهم ابن القيم في الاحتجاج بالآية على عكس ما احتجوا بها عليه، وهو وجوب العمل بخبر الواحد، وإفادته للعلم من حيث إن المسلمين لم يزالوا منذ عهد الصحابة يتبعون أخبار الآحاد ويعملون بمقتضاها، ويثبتون بها صفات الله تعالى "فلو كانت لا تفيد علما لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قَفَوْا ما ليس لهم به علم" (٣) .
ومن تلك الشبه: أنهم رأوا وقائع في عهد الصحابة فهموا منها أنهم يرفضون الاحتجاج بخبر الواحد، كرد أبي بكر لخبر المغيرة بن شعبة في
стр. 26
ميراث الجدة حتى استظهر بمحمد بن مسلمة (١) ، وكرد عمر لخبر أبي موسى في الاستئذان حتى ظاهَرَهُ أبو سعيد الخدري (٢) ، وكرده لخبر فاطمة بنت قيس في السكنى (٣) ، وكرد علي لخبر أبي سنان الأشجعي في قصة بَرْوَع بنت واشق أن النبي ﷺ قضى لها بعد أن توفي زوجها - ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها- أن لها مثل صداق نسائها، ولها الميراث وعليها العدة (٤) .
وقد رد العلماء تمسكهم بهذه الشبهة بأن هناك فرقا بين التثبت والاستظهار، وبين رفض الاحتجاج، فهؤلاء الصحابة إنما أرادوا بفعلهم التثبت في قبول خبر الواحد في تلك الوقائع لأسباب اقتضت ذلك، بدليل أنهم في وقائع أخرى اعتمدوا على خبر الواحد (٥) .
ولا عيب في الاستظهار على الخبر بخبر ثان وثالث ورابع وخامس وسادس "لأن الأخبار كلما تواترت وتظاهرت كان أثبت للحجة وأطيب لنفس السامع" (٦) .
стр. 27
وما فعله بعض الصحابة من تحليف الراوي الواحد أو اشتراط شهادة آخرين على قبول خبر الواحد محمول على التثبت والاستظهار (١) .
والحاصل أن تَرْكَ الاحتجاج ببعض أخبار الآحاد في فروع فقهية لا يستلزم عدم الاحتجاج بها من حيث الأصل؛ إذ قد يكون ترك الاحتجاج بتلك الأخبار آتياً من أسباب أخرى كالاحتياط والتثبت في الرواية.
ومن تلك الشبه: أنهم رأوا اختلاف الأئمة في العمل بالخبر الواحد في فروع فقهية، فظنوا أن ذلك بسبب رد خبر الواحد، وقد ألمح الشافعي إلى هذه الشبهة بقوله: "فإن شبه على رجل بأن يقول: قد روي عن النبي ﷺ حديث كذا، وحديث كذا، وكان فلان يقول قولاً يخالف ذلك الحديث" (٢) ثم أجاب عنها بأن ذلك ليس بسبب رد الخبر، بل إما أن يكون عنده خبر آخر يخالفه، أو يكون سمع خبراً ممن هو أوثق عنده من الذي سمع منه الخبر الذي رده، أو يكون سمعه من غير حافظ أو من متهم، أو يكون الحديث محتملا عنده معنيين فيذهب إلى أحدهما دون الآخر (٣) .
ومن تلك الشبه: أن خبر الواحد يمكن فيه الغلط، وإمكان الغلط فيه دفعهم إلى رده بناء على مبدأ انطلقوا منه وهو أن الحجة لا تقوم "بأمر يمكن فيه الغلط" (٤) .
стр. 28
وقد رُدَّتْ عليهم هذه الشبهة بأن إمكان الغلط لا يستلزم وجوده وعدم اطلاع أهل العلم عليه؛ لأن ذلك يتنافى مع وعد الله بحفظ دينه (١) ، ويستلزم إضلال العباد "فإن ما يجب قبوله شرعاً من الأخبار لا يكون باطلا في نفس الأمر" (٢) .
стр. 29
المبحث الرابع: نشأة ظاهرة التشكيك في حجية خبر الآحاد وأسبابها
هذه القضية من أهم القضايا المرتبطة بخبر الواحد من حيث نشأة النابتة التي ابتدعت رفض قبول خبر الواحد جملة، وهذه النابتة قد بذرت بذرتها منذ عقد الأربعين الذي ينظر إليه على أنه الحد الفاصل بين صفاء السنة والتزيد فيها (١) .
بل إن تيار الاقتصار على ما في القرآن قد ظهر مبكراً منذ عهد الصحابة كما يظهر من موقف الرجل (الخارجي) الذي جاء إلى عمران ابن حصين وهو يحدِّث الناس عن السنة فقال: يا أبا نجيد: حدثنا بالقرآن، فقال له عمران: أنت وأصحابك تقرؤون القرآن؟ أكنت تحدثني عن الصلاة وما فيها وحدودها؟ أكنت تحدثني عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال؟ لكن قد شهدت وغبت أنت، ثم قال: فرض رسول ﷺ في الزكاة كذا وكذا، فقال الرجل: أحييتني، أحياك الله.
قال الحسن: "فما مات ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين" (٢) .
وقد نفهم من هذه الواقعة إشارات:
стр. 30
الأولى: أن الدوافع التي دفعت هذا الرجل وأمثاله ليقول لهذا الصحابي: حدثنا بالقرآن دوافع غامضة، فهل هو دافع الرغبة في تحصيل قدر أكبر من أسرار القرآن؟ أو هو دافع الاقتصار على ما في القرآن واستبعاد ما في السنة؟ أو هو دافع الجهل بموقع السنة من هذا الدين؟ أو هو دافع الارتياب والشك في ثبوت السنة؟ أو هي هذه الدوافع كلها؟!
الثانية: أن هذا الرجل ليس وحده الذي يقول هذا، بل من ورائه آخرون يرون الرأي نفسه، بدليل قول عمران له: "أنت وأصحابك" لكن يبدو أن لا تأثير لهم في ذلك العهد لأنهم مازالوا في طور النشأة.
الثالثة: أن هذا الرجل ليس ذا طوية خبيثة، ولو كان كذلك لما تراجع عن فكرته بعد محاورة عمران له، ولما قال له ممتنَّاً: "أحييتني أحياك الله" وإنما وقع فريسة الجهل بمكانة السنة النبوية وبأثرها المحمود في تسديد مسار المسلم في الحياة.
ومن أعلام النبوة: ما أشار إليه الرسول ﷺ من وجود ظاهرة التشكيك في سنته؛ فقد روى أبو داود وغيره عن المقدام بن معد يكرب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه"، الحديث ... (١) .
واستمرت الظاهرة في تصاعد مع مرور الزمن حتى جعلتها طوائف
стр. 31
من سمات منهجها في التعامل مع السنة كطوائف المعتزلة والخوارج والروافض.
وقد حاول ابن حزم تحديد زمن نشأة هذه الظاهرة بقوله: "فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ ، تجري على ذلك كل فرقة في علمها كأهل السنة والخوارج والشيعة والقدرية حتى حدَّث متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ، فخالفوا الإجماع في ذلك" (١) .
فابن حزم في هذا النص ينسب إلى متكلمي المعتزلة في القرن الثاني بدعة رفض قبول خبر الواحد بعد أن كان حجة عند جميع الفرق.
ويبدو أن هذه الظاهرة قد تنامت خلال القرن الثاني وما بعده وتفرعت إلى أكثر من فرع، وقد حمل لواء هذه الظاهرة أهل الكلام الذين ليس لهم موقف واحد في المسألة كما نفهم من قول الإمام الشافعي ﵀: "ثم تفرق أهل الكلام في تثبيت الخبر عن رسول الله ﷺ تفرقاً متبايناً، وتفرق غيرهم ممن نسبته العامة إلى الفقه فيه تفرقاً" (٢) .
فلبدعة نشأة الكلام والاشتغال به أثر واضح في نشأة ظاهرة التشكيك في خبر الواحد، ولا شك أن سيل البدعة إذا كان جارفاً سيتحطم على حصون السنة.
стр. 32
وقد كان لأهل الكلام وجود بارز في عصر الإمام الشافعي في كثير من البلاد، ونال خبر الواحد نصيباً من معارضتهم الجدلية كما يفهم من قول الإمام الشافعي: "فقد وجدت أهل الكلام منتشرين في أكثر البلدان، فوجدت كل فرقة منهم تنصب منها ما تنتهي إلى قوله، وتضعه الموضع الذي وصفت" (١) .
ويعد الإمام الشافعي ﵀ أبرز العلماء الذين تعدُّ كتاباتهم تاريخًا أمينًا لهذه الظاهرة، كما يعد أبرزهم في التصدي لها.
وقد صرَّح أكثر من مرة في كتبه أن جميع العلماء منذ عهد الصحابة والتابعين كانوا يثبتون حجية خبر الواحد إلا فرقة يبدو أنها تفرعت إلى فرقتين (٢) في عهده:
فرقة رفضت الاحتجاج بالسنة كلها
وفرقة رفضت الاحتجاج بأخبار الآحاد
وقد خصص للرد على الفرقتين بابين:
أحدهما: باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها (٣) !!
وثانيهما: باب حكاية قول مَنْ ردَّ خبر الخاصة (٤) .
ويبدو من نتيجة حوار الإمام الشافعي مع الطائفة الأولى التي ردت
стр. 33
الأخبار كلها أن مناظره منها قد رجع إلى جادة الصواب وأقر بحجية السنة كما يفهم من قوله للإمام: "والحجة لك ثابتة بأن علينا قبول الخبر عن رسول الله ﷺ ، وقد صرت إلى أن قبول الخبر لازم للمسلمين لما ذكرت وما في مثل معانيه من كتاب الله، وليست تدخلني أنفة من إظهار الانتقال عما كنت أرى إلى غيره إذا بانت الحجة فيه، بل أتدين بأن علي الرجوع عما كنت أرى إلى ما رأيته الحق" (١) .
وإذا كان هذا المجادل المنصف الباحث عن الحق قد رجع إليه بتجلية الشافعي إياه له، فإن كثيرين من ذوي الأغراض السيئة قد لا يقنعهم هذا الحق الأبلج.
أما حواره مع الطائفة الثانية فيبدو منه أنهم كثيرون، كما يفهم من بعض عبارات الشافعي كقوله: "ثم كلَّمني جماعة منهم مجتمعين ومتفرقين بما لا أحفظ أن أحكي كلام المتفرد عنهم منهم وكلام الجماعة، ولا ما أخبر به كُلاًّ" (٢) .
وكقوله: "قال هو وبعض من حضر معه" (٣) وكقوله: "وقلت له أو لبعض من حضر معه (٤) " وكقوله: "فقال جماعة ممن حضر منهم" (٥) .
стр. 34
وتصور هذه العبارات ضراوة المعارك التي خاضها الإمام الشافعي مع هؤلاء وبسالته في مصاولتهم انتصاراً لسنة رسول الله ﷺ .
ومن المؤكد أن الإمام الشافعي أراد بهذا الحجاج العلمي أن يثبت أموراً:
الأول: أن السلف - مجمعون صحابةً وتابعيهم- على تثبيت حجية خبر الواحد ووجوب العمل به بشروطه.
وقد نال هذا الأمر قسطاً كبيراً من اهتمام الشافعي ﵀ وإن تحاشى التصريح بالإجماع كما سبق وعدل عنه إلى قوله: "ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تثبيت خبر الواحد... جاز لي، ولكن أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد ... " (١) .
وقصده من تثبيت هذا الإجماع بيان أن ما ذهبت إليه الطوائف التي يرد عليها خرق لهذا الإجماع، فيلزم التصدي لهذا الخرق، والشبه التي يثيرها هؤلاء.
وقد صرح كثير من الأصوليين والمحدثين فيما بعد بحصول الإجماع على هذا، بل صرح ابن القيم بأن إجماع الصحابة على ذلك معلوم بالضرورة (٢) .
стр. 35
وصرح إمام الحرمين أن إجماع الصحابة على حجية خبر الواحد منقول تواترا (١) .
عدَّ ابن عبد البر الخارقين لهذا الإجماع من الخوارج وطوائف من أهل البدع" شرذمة لا تعد خلافاً" (٢) .
الثاني: أن مبدأ تثبيت حجية خبر الواحد لا يجوز التساهل فيه مع تلك الطوائف كيلا يغتر بهم الأغرار من المسلمين، وهذا ما يفسر تلك الإطالة الملحوظة عند الشافعي في تثبيت حجية خبر الواحد رغم تصريحه بأنه لم يحفظ فيه خلافاً عن أحد من فقهاء المسلمين.
وتنفيراً للمسلمين من الاغترار بهؤلاء، وصفهم الشافعي بقوله: "فمن فارق هذا المذهب كان عندنا مفارق سبيل أصحاب رسول الله وأهل العلم بعدهم إلى اليوم، وكان من أهل الجهالة! " (٣) .
الثالث: أن دحض كل الشبه وكل الأدلة التي تستمسك بها الطوائف التي ترفض الاحتجاج بخبر الواحد من مهمات العلماء، وإذا لم تدحض تلك الشبه فإنها تتغلغل شيئا فشيئا حتى تصبح في صورة أدلة.
الرابع: أن التيار الخارق للإجماع في حجية خبر الواحد يبدو أنه قوي كما يفهم من بعض عبارات الشافعي كقوله: "قلت له: أنت تسأل عن الحجة في ردِّ المرسل وترده، ثم تجاوز فترد المسند الذي يلزمك عندنا الأخذ به" (٤) ، وقوة هذا التيار يجب أن تقابلها قوة الرد.
стр. 36
أسباب نشأة ظاهرة التشكيك في خبر الآحاد
من أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور التشكيك في خبر الآحاد خاصة وفي السنة عامة:
١ – ظهور قرن الفتنة التي عصفت بالأمة منذ مقتل عثمان ﵁، فالخوارج أدت بهم قضية "التحكيم" إلى تجريح الصحابة، لأنهم رضوا بالتحكيم، والروافض جرحوا كثيراً من الصحابة إلا علياً وأبناءه وشيعته، وكان من منهجهم ألا يقبلوا من الأحاديث إلا ما جاء عن طريق آل البيت (١) .
٢ – طغيان المنهج العقلي في التعامل مع السنة، ولا سيما عند المعتزلة الذين جعلوا دلالة العقل أولى الدلالات، فالأدلة عندهم على الترتيب هي: "حجة العقل والكتاب والسنة والإجماع" (٢) .
وقد رأى القاضي عبد الجبار-وهو أحد أقطابهم- أن خبر الآحاد لا يعلم كونه صدقاً ولا كذباً فيلجأ فيه إلى الحجة العقلية التي هي الدليل الأول "فإن لم يكن موافقاً لها كان الواجب أن يرد! وأن يحكم أن النبي لم يقله، وإن قاله فإنما قاله حكاية عن غيره!! " (٣) .
ومن نتائج طغيان هذا المنهج أن خبر الواحد يمكن أن يكون في نفس
стр. 37
الأمر كذباً أو خطأ، وقد جعلت "المعتزلة والخوارج هذا حجة لهم في ترك العمل به، وقالوا: ما جاز أن يكون كذباً أو خطأ فلا يحل الحكم به في دين الله ، ولا أن يضاف إلى الله تعالى، ولا إلى الرسول ﷺ ولا يسع أحداً أن يدين به" (١) .
٣ – قضية الصفات وما أثير حولها من تعطيل وتجسيم وتأويل، فنفاة الصفات ومعطلوها قالوا: "لا يحتج بكلام رسول الله ﷺ على شيء من صفات ذي الجلال والإكرام" (٢) .
وقد انطلقوا في التعطيل من زعم تنزيه الله عن صفات البشر: إذ "لو كان الله عالماً بعلم لكان يجب في علمه أن يكون مثلاً لعلمنا" كما قال القاضي عبد الجبار (٣) ، والصفات الواردة في القرآن الكريم لابد أن تؤول بما يتفق مع هذا المنطلق (٤) ، وهو منطلق تنزيه الله ، والخوف من تشبيهه بمخلوقاته، إذ جعلوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] مستنداً لهم في رد الأحاديث الصحيحة" (٥) .
وقضية الصفات دفعت الكثيرين إلى التوقف في آيات الصفات من القرآن الكريم نفسه؛ لأن الصفات لابد فيها من القطع، والآيات القرآنية
стр. 38
وإن كانت لها صفة القطع من جهة الثبوت لا تفيد القطع من جهة الدلالة، وأخبار الآحاد فقدت القطع من الجهتين معاً، "وبهذا قدحوا في دلالة أحاديث الآحاد؛ لأنها لا تفيد العلم، فسدُّوا على القلوب معرفة الرب تعالى، وأسمائه وصفاته من جهة الرسول ﷺ " (١) .
٤ – انتشار الوضع في الحديث، وقد شككت هذه الظاهرة كثيراً من الفرق في حجية السنة جملةً، رغم الجهود المضنية التي بذلها علماء الحديث لتمييز الحديث الصحيح عن غيره، ولتحذير الأمة من الأحاديث الموضوعة، لكن أهل الأهواء وفاقدي العلم بالحديث وجدوا في هذه الظاهرة مستنداً لهم لرد أخبار الآحاد.
بل إن بعض المعاصرين تَعدَّوْا التشكيك في أخبار الآحاد إلى التشكيك في الأحاديث المتواترة، وتساءل بعضهم: "هل كل ما تواتر عن النبي ﷺ أنه فعله وأمر به يكون واجبا على الأمة الإسلامية في جميع الأزمنة والأمكنة وإن لم يرد له ذكر في القرآن؟ " (٢) ثم أجاب عن السؤال بقوله: "إنه لا يجب!! " (٣) .
٥ – دعوى معارضة القرآن الكريم أو السنة المتواترة أو الأصول.
لكن يجب بصدد الحديث عن هذا السبب أن نفرق بين مذهب مَنْ
стр. 39
يرفض العمل بخبر الواحد أصلاً، ومذهب مَنْ يرفضه إذا عارضه ما هو أقوى منه، كما هو مذهب أبي حنيفة مثلاً، وكما نسب إلى الإمام مالك في تقديم ظاهر القرآن الكريم على خبر الواحد.
وتجب ملاحظة هذه التفرقة حتى لا يظن بمثل أبي حنيفة أنه من الرافضين لحجية خبر الواحد، فهو ﵀ إمام أهل الرأي، ويحتل القياس عنده مكانة بارزة في الاستدلال، ومع ذلك يقدم خبر الواحد على القياس، ومعه في هذا التقديم الإمامان محمد وأبو يوسف، وهذا من أقوى البراهين على حجية خبر الآحاد عندهم.
غير أن المشكل – منهجياً - أن هناك ما يشبه خيطاً رابطاً بين اتجاه من يرفض حجية خبر الواحد جملة، واتجاه من يرفض حجيته إذا عارضه ما هو أقوى منه، من الكتاب أو السنة المتواترة أو المشهورة، وهو ما يدخل في ما يطلق عليه "تعارض الأخبار" وقد ميَّز الإمام الشافعي بين الاتجاهين لما قال لمناظره: "قد أجد الناس مختلفين فيها (أي السنة) منهم من يقول بها، ومنهم من يقول بخلافها، فأما سنة يكونون مجتمعين على القول بخلافها فلم أجدها قط" (١) .
ويتمثل هذا الخيط الرابط بين الاتجاهين في مبدأ رد خبر الواحد، وفي مبدأ اتساع رقعة هذا الرد، وفي أدلة الرد، وأظهر هذه الأدلة ما استشهد به أصوليو المذهب الحنفي لردِّ خبر الواحد إذا تعارض مع الكتاب والسنة
стр. 40
المتواترة أو المشهورة من حديث منسوب إلى النبي ﷺ ونصه: "تكثر الأحاديث لكم بعدي، فإذا روي لكم عن حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافقه فاقبلوه، واعلموا أنه مني، وما خالفه فردوه، واعلموا أني منه بريء" (١) .
لكن هذا الحديث غير صحيح، فقد قال عنه يحيى بن معين: إنه موضوع وضعته الزنادقة، وقال عنه الشافعي: ما رواه أحد عمن يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير، ونقل الحافظ ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عن عبد الرحمن بن مهدي قوله: "الزنادقة والخوارج وضعوا حديث: ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فأنا لم أقله" (٢) .
على أن أسلوب هذا الحديث يوحي بالاختلاق والوضع!
وقد توسع الحنفية في ردِّ بعض أخبار الآحاد، لا لأن منهجهم هو ردُّ أخبار الآحاد، كما هو منهج المبتدعة، لكن لاعتبارات علمية ومنهجية لم يسلمها لهم غيرهم، فمتأخرو الحنفية ردوا خبر الواحد إذا كان في ما تعم به البلوى" (٣) .