← История

История · id 11156

حركة التجديد والإصلاح في نجد

عبد الله العجلان

Полный текст (244 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... حركة التجديد والإصلاح في نجد في العصر الحديث تأليف:الدكتور عبد الله بن محمد العجلان وكيل الرئيس العام لتعليم البنات للتعليم العالي الرياض ١٤٠٩هـ /١٩٨٩م

стр. 2

مقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه ٠٠ وبعد٠٠ فإني كنت عضو اللجنة التحضيرية في مكتب التربية العربي لدول الخليج لندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر التي عقدت في دولة البحرين في الفترة من ٣-٦/٦/١٤٠٥هـ، والتي دعي لها عدد من رجال الفكر الإسلامي على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم, ولما كانت حركة الإصلاح والتجديد في العصر الحديث على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ واحدة من الحركات المهمة التي تحقق لها قدر كبير من النجاح فقد ظل لها حضور مستمر في الأوساط العلمية وقد استكتبت اللجنة بعضا من الشخصيات المهتمة بهذه الحركة والواعية لمبادئها وأفكارها ومنهجها الإصلاحي وكنت واحدا منهم فلبيت الدعوة حينما طلبت مني اللجنة التحضيرية أن ألتزم بالكتابة عن هذا الموضوع فكتبت بحثا لهذه الندوة عن هذه الحركة في حدود خمسين صفحة. ولما طبعت وقائع هذه الندوة وبحوثها واطلع عليها بعض معارفي أثنوا على البحث وطلبوا مني توسيعه وإخراجه في كتاب مستقل, وألحوا في ذلك, فاستخرت الله ثم قبلت الفكرة فرجعت للبحث وعدلت بعض موضوعاته وأعدت تنظيمه وزدت على بعض فصوله وحذفت من بعض مباحثه ما كان من باب الاستطراد أو الخلفيات العامة وأعدت كتابة بعض فصوله حتى جعلته في الصورة التي ظهر بها. ولم أجعل مهمتي هي التأريخ لهذه الحركة الإصلاحية الأصلية وضبط وقائعها وتسجيل حوادثها بقدر ما ركزت اهتمامي على الفكرة ذاتها والمبادئ التي قامت عليها

стр. 3

ومنهاجها التربوي لإعداد الفرد الصالح والمجتمع النظيف والقيادة السياسية الرشيدة وما ذكرته في السياق التاريخي كان الهدف منه توضيح الظروف والأحوال التي مهدت لهذه الحركة وتصوير الحياة العامة في بيئة الدعوة للتعرف على الأرضية التي نبتت فيها. وقد خرج البحث في صورته النهائية في مقدمة وستة فصول تحدثت في المقدمة عن أوضاع المسلمين عامة في القرن الثاني عشر الهجري من النواحي السياسية والدينية وخصصت الفصل الأول عن أوضاع نجد قبيل الدعوة الإصلاحية في الجوانب السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية وما كان فيها من فرقة واختلاف وتفكك وضيق وتخلف وانحراف عن مبادئ الإسلام السمحة. وجعلت الفصل الثاني عن حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب نسبه وولادته ونشأته ورحلاته العلمية وروافد فكره وبيان أسلوبه في الدعوة. أما الفصل الثالث وهو أهم فصول الرسالة فقد خصصته لبيان حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأنها عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم بإحسان في القرون المفضلة وما تلاها وأنه لم يشذ عنهم في أي أصل من أصولها أو جزئية من جزئياتها. كما تحدثت في هذا الفصل عن دعوة الشيخ الإصلاحية في أسسها ومنطلقاتها وفلسفتها والغاية منها وطريقته في معالجة الأمور وفقهه فيها، واعتمدت في هذا كله على كتابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه كما استعنت عند الحاجة بكتابات تلامذة هذه المدرسة الإصلاحية. كما تناولت في هذا الفصل قضايا ذات صلة وثيقة بالعقيدة والدعوة ومنشأ الخلاف تتمثل في تجلية بعض المفاهيم والمعاني الشرعية لكثير من مبادئ الدين الحنيف، كما أوضحت في هذا الفصل كذلك مذهبه في الفقه وموقفه من الأئمة الأربعة في العالم الإسلامي.

стр. 4

أما الفصل الرابع فقد تناولت فيه المنهاج التربوي لهذه الحركة وهو بحث لم أطلع على أن أحدا قد تناوله ممن كتبوا عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مع أنه معلم بارز في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهو يمثل فصلا مهما في هذا البحث المتواضع تحدثت فيه عن الهدف من الدعوة ووسائل تحقيق هذه الأهداف وعن منهاجه التربوي في خطواته المحددة، كما ذكرت خصائص التربية في منهاجه وعن أثر المنهاج التربوي في تنشيط هذه الحركة. أما الفصل الخامس فقد تناولت فيه موقف المعارضة في الداخل والخارج والجهود التي بذلت في مقاومة حركة الإصلاح والشبهات التي أثيرت حول الدعوة ومناقشة هذه الشبهات من كتابات الشيخ محمد – ﵀ – وغيره وتبين أن معظم هذه الشبهات ليس لها أصل البتة ومنها ما له أصل صحيح وزاد عليه الخصوم فدافع الشيخ عنها وأبان وجه الحق فيها وأقام الدليل عليها. أما الفصل السادس فقد تناولت فيه نتائج حركة التجديد السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية وآثارها على العالم الإسلامي باعتبارها حركة الإصلاح الرائدة والفاتحة لكل حركات الإصلاح في العصر الحديث. وقد بذلت في جمع مادة هذا البحث ما استطعت واعتمدت على كتابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه، وركزت على رسائله الشخصية ومؤلفاته في العقيدة، كما استعنت بالمصادر التاريخية لهذه الفترة. وإذا كان كثير من الكتابات التي تناولت هذه الحركة ركز على النواحي التاريخية والسياسية فإن هذا البحث قد ركز على جوانب العقيدة والدعوة ومنشأ الخلاف مع المعارضة لها في نجد وعلى المنهاج التربوي لهذه الحركة وأسلوب الدعوة وعلى مناقشة الشبهات التي أثيرت ضدها. ومع كل ما بذل في هذا البحث من جهد ووقت فإنني أعتقد أنه محاولة يعتريها النقص والقصور كأي عمل بشري آخر، ولكنها تمثل خطوة في طريق مهم وصعب

стр. 5

في شرح حقيقة هذه الحركة الإصلاحية الأصيلة وفقه الدعوة فيها والوقوف على معالم منهاجها التربوي المعطاء أملا في الاستفادة من هذه التجربة الناجحة في مستقبل هذه الأمة المسلمة التي هي في حاجة دائمة إلى الإصلاح والتجديد كلما اندرست المعالم أو انحرفت المجتمعات البشرية المسلمة عن جادة الحق أو ضلت السبل مع إضافة ما تحتاج إليه الحياة المعاصرة من أساليب وطرق تقتضيها مستجدات الحياة ووسائل العصر وأنماط الممارسات. ورجائي في الله كبير بأن أكون قد وفقت فيما أقدمه اليوم للمكتبة الإسلامية وأملي في إخواني القراء أن يغفروا الزلات وأن يعينوني بملاحظاتهم وتوجيهاتهم في كل ما كتبت لملاحظة ذلك في الطبعة القادمة أملا في الوصول إلى الأفضل والأكمل راجيا من الله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم وأن ينفع به المهتمين بالإصلاح. والله هوالموفق والهادي إلى سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل. المؤلف دكتور عبد الله بن محمد العجلان الرياض شهر جمادى الثانية ١٤٠٩هـ الموافق شهر يناير ١٩٨٩م

стр. 6

تمهيد ... نبذة تاريخية بعد انبلاج فجر الإسلام وبزوغ شمسه وظهوره على الدين كله وإتمام الرسالة الخاتمة وإقامة مجتمع إسلامي فريد في التاريخ يمثل القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في أكمل صورة في جوانب الحياة كلها وانطلاق الأمة المسلمة بهذا الدين الخالد والرسالة الخاتمة، داعية له ومبشرة به ومجاهدة في سبيل نشره وإعلاء كلمة الله في الأرض ومعطية من نفسها القدوة الحسنة والمثال الكريم يتقدمها نبي الهدي ﵊، ولم ينتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى حتى تركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، حمل الأمانة من بعده أفضل هذه الأمة بعد نبيها وهم صحابته الكرام عليهم من الله الرحمة والرضوان لهم جميعا منا الحبة والولاء والاحترام والدعوات المخلصة بأن يجزيهم الله عن هذه الأمة ونبيها ودينها خير الجزاء. فقام بالأمر والإمامة في هذه الأمة بعد نبيها عليه أفضل الصلاة والسلام خلفاؤه الراشدون ﵃ وأرضاهم فقادوا الأمة إلى الخير وأقاموا فيها العدل وقاموا بواجب الدعوة ونشر الإسلام وحراسة الدين ورفع لواء الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله وسارت الجيوش الإسلامية في البلاد مشرقة ومغربة لنشر الهدي ورفع الظلم وتحقيق العدل ورد الناس إلى الله، ثم جاءت بعد الخلافة الراشدة الدولة الإسلامية المجاهدة "الدولة الأموية" التي نذرت نفسها في سبيل الله ورفعت راية الإسلام عالية خفاقة حتى أخذت راية التوحيد أبعد مدى لها في الأرض واحتلت ثلاثة أرباع المعمورة المعروفة حينذاك ثم قامت على أنقاضها الدولة العباسية وفي صدر هذه الدولة الإسلامية العظيمة وطدت أركان الخلافة الإسلامية ومصرت الأمصار وتكونت حواضر العالم الإسلامي، وإذا كانت الفتوحات الإسلامية قد توقفت في هذه الفترة التاريخية عن طريق الجهاد المعلن والجيوش الفاتحة، فإنه لم

стр. 7

يتوقف فيها نشر الدعوة الإسلامية عن طريق الصلات العلمية وبالقدوة الحسنة التي يتحلى بها المسلم في هذه الخلافة الإسلامية وما سبقها من تاريخ الأمة المسلمة من صفات عظيمة وأسوة حسنة وتعامل نظيف وأمانة في القول والعمل ومثالية في الأخذ والعطاءة وعالمية النظرة وإنسانية حضارية في كل نشاطات الحياة. وفي صدر هذه الخلافة الإسلامية ازدهرت حواضر العالم الإسلامي بالعلوم والمعارف واستثمرت الجهود التي بذلت ووضعت بذورها الجيدة في عهد النبوة وما تلاها من عهدي الخلفاء الراشدين والدولة الأموية، فدونت العلوم وقامت المدارس الإسلامية وأصلت المذاهب الفقهية وترجمت كثير من العلوم عن الفرس والروم والهنود وأقيمت المكتبات العامة ووضعت لها المخصصات المالية الكفيلة بنموها وازدهارها واستمر الأمر على ذلك ما شاء الله في أزمان متطاولة. ولما تطاول الزمن وبعد الناس عن عهد النبوة والخلافة الراشدة ودول الفتوحات الإسلامية وكثرت النعم وتيسرت أسباب العيش الناعم وتحقق من الأمن والسلام ما لم تشهد البشرية له مثيلا في ظل أي نظام قبل الإسلام ونشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، ودخل الترف إلى دور الخلافة وانشغل بعض قادة المسلمين وذوي الرأي والسلطان فيهم بالمتع الزائلة وشهوات النفس ووكلت بعض الأمور المهمة في الخلافة الإسلامية إلى غير الأكفاء أو إلى الكفاءات المترفة المشغولة بملذاتها، وتسربت بعض العناصر الشعوبية المعادية للإسلام وقيادته العربية المسلمة إلى بعض المراكز القيادية المهمة التي مكنتها من إفساح المجال للأفكار التي لا تتفق مع الإسلام ومبادئه العامة وأصوله الثابتة وظل التحول في الحياة السياسية والاجتماعية والدينية في تدهور مستمر تدريجيا حتى وصل الأمر بها في عهودها المتأخرة إلى أن صار للخليفة العباسي الاسم فقط والقيادة العملية في يد غير هـ ممن ليس لهم اهتمام كبير بالدين في تصرفاتهم ولا في حياتهم الدينية، مما جعل الخلافة الإسلامية في المشرق تفقد قوتها ويقل احترامها في صفوف المسلمين مما سهل الخروج عليها وقيام الثورات الداخلية ضدها، حتى تعددت الدول وتكاثرت الممالك وظلت الأمة المسلمة تبتعد شيئا فشيئا عن دينها في المجال السياسي والاجتماعي وظلت تفقد من قوتها واحترامها

стр. 8

بقدر ما تفرط فيه من أمر دينها حتى وصلت إلى حالة من الضعف الذي أطمع فيها الأعداء. فقد بدأت الدولة الإسلامية الأموية في الأندلس التي عاصرت الدولة العباسية في المشرق بدولة إسلامية خالصة موحدة ومضت في هذا الاتجاه فترة طويلة حتى دب إليها داء الأمم قبلها ووصلت إلى ما يعرف بدويلات ملوك الطوائف ثم انتهت بغروب شمس الإسلام في الأندلس. وظلت الشعوب الإسلامية في المشرق الإسلامي معتزة بدينها ومحافظة على تراثها عاملة قدر مستطاعها على الأخذ بمبادئ الإسلام في مختلف شئون حياتها، إلا أنها ظلت تفتقر إلى القيادة السياسية الموحدة التي تجمع كلمتها وتوحد صفوفها وترص بناءها وتعمل على نشر دينها ودحر أعدائها والوقوف القوي في وجه أطماع الغرب المسيحي والشرق المغولي بعده، ووجد أعداء هذا الدين الفرصة سانحة للانقضاض على هذه الأمة بضعف عقيدتها في النفوس واحتلال مقدساتها، ولهذا فقد تعرضت هذه الأمة لموجتين متتاليتين من الغزو هما: ١- الغزو الصليبي من الغرب الأوروبي. ٢- الغزو المغولي من الشرق الآسيوي. وإذا كانت الحملة الصليبية الأولى التي قامت بها الدول الأوروبية المسيحية لم تنجح في تحقيق أهدافها العدوانية على العالم الإسلامي وردت على أعقابها خاسرة، فإنها لم تيأس من تحقيق النصر لا سيما مع ما ظهر من ترد في أحوال المسلمين عاما بعد عام، مما جعلها تعد العدة وتستنفر الناس كافة للجهاد المقدس لاسترداد بيت المقدس وقد تحقق لها بعض مرادها في احتلال القدس والبقاء في فلسطين ما يقارب مائة عام، مع ما ترك هذا الغزو الصليبي المسلح في نفس كل مسلم من ألم وحرقة على ضياع إحدى مقدساته ومسرى رسوله واحتلال جزء من أرضه. وكان لهذه الحملات الصليبية آثارها المتبادلة بين عالمين هما العالم الإسلامي والعالم المسيحي الأوروبي، وكانت الرابحة في هذا التبادل هي الدول الغربية التي

стр. 9

كانت تعيش في جهل وظلام وكان العالم الإسلامي مع ما وصل إليه من ضعف سياسي واجتماعي على أثارة من علم لا عهد لأوروبا به، فأخذت هذه العلوم وطوعتها لصالحها ونمتها وفتحت بها لنفسها آفاقا جديدة أعطت ثمارها فيما بعد مما نشاهده في الحضارة الغربية اليوم، ولكنه كان أخذا غير رشيد إذ أخذت الجانب المادي التجريبي وأهملت الجانب الروحي والأخلاقي السلوكي مما جعلها حضارة عرجاء مع ما لديها من إنجاز ضخم. أما العالم الإسلامي فكان نصيبه من هذا الاحتكاك أخذ بعض المظاهر الحياتية والعادات السيئة والأفكار المنحرفة من الحملات الصليبية وإذا كانت الأمة المسلمة قد استعادت بيت المقدس بعد مضي ما يقارب ثلاثة أجيال من احتلاله من الصليبين فإنها لم تستطع أن تستعيد سيرتها الأولى في ظل الحياة الإسلامية الكاملة، بل تعرف فيها وتنكر إذ تتنازعها الأهواء وتتقاسمها المطامع ويمزقها الاختلاف حتى صارت أحزابا وشيعا من داخلها. ثم جاءت موجة المغول من الشرق بكل ما تحمله من حقد وهمجية وشراسة ووحشية وفتك بالعالم الإسلامي لكل المظاهر الحضارية القائمة فيه فهبوا هبوب الريح على العالم الإسلامي قتلا وفتكا وتدميرا حتى سقطت عاصمة الخلافة الإسلامية في بغداد على يد هولاكو التتري عام ٦٥٦هـ ودمر مركز الحضارة الإسلامية شر تدمير إذ كان القتل والفتك يفوق كل تصور، بل إنهم أحرقوا الكتب ورموا بالمخطوطات والمؤلفات في مختلف العلوم والمعارف في نهر دجلة حتى غير مداد الكتب والمخطوطات ماء النهر على سعته وكثرة مياهه. والمصادر التاريخية تتحدث عن هذه الهمجية الشرسة والموجة المغولية المدمرة فتقول: "وكان الشرق الإسلامي مازال يشقى وتتوالى عليه فجائع المغول وأهوالهم وأمامنا الآن آخر داهية من دواهيهم وهي زحف تيمورلنك في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي. ففي هذا العهد كان المغول الأول الغربيون قد صاروا مسلمين غير أن الإسلام لم يذهب بالكثير من وحشيتهم وبربريتهم واقتفي تيمورلنك آثار جنكيز

стр. 10

العالم الإسلامي يعاني من سوء الأحوال ويتلمس الخلاص من نظام الخلافة التركية في عهودها المتأخرة. وفي القرن الثاني عشر الهجري كان العالم الإسلامي وقعا تحت نفوذ ثلاث دول إسلامية هي: ١- الخلافة العثمانية السنية: في آسيا الصغرى وأجزاء مهمة من أوروبا ودول البلقان وشمال أفريقيا وكل البلاد العربية حتى بلاد فارس، وقد بلغت هذه الخلافة ذروة مجدها في القرن العاشر الهجري ثم أدركها الهرم ودب فيها الضعف ولم يأت القرن الثاني عشر الهجري حتى وصلت هذه الخلافة إلى مستوى متدن في القيادة السياسة والإدارة والأحوال الدينية والاجتماعية وظهر الظلم من الولاة للرعية والإهمال لأمور الدين والدنيا معا، وظهر الاستبداد في الحكم والتعسف في الأحكام، والضعف في الموارد المالية والعجز عن الإنفاق في مرافق الدولة المهمة وتأخر رواتب الجند وترك إدارة الأقاليم الإسلامية لولاتها حتى صارت الولايات مغانم تفرض بواسطتها الأتاوات والضرائب الجائزة وصارت الحياة فيها تسير بصورة غير مقبولة وغير صالحة للاستمرار بل ممهدة لحركات انفصالية بالأقاليم الإسلامية. ٢- الدولة الصفوية: في بلاد فارس حتى حدود الهند شرقا وإلى بحر قزوين شمالا وهي دولة شيعية ذات عداء متأصل مع الخلافة العثمانية التي تعتبر نفسها حاملة لواء المذهب السني وظلت على تلك الأراضي الشاسعة من العالم الإسلامي أكثر من مائة عام ثم انتهت على يد أمراء الأفغان الذين في أيديهم ما يزيد على خمسين عاما حتى قامت على أنقاضها الدولة الفاجارية سنة ١٢٠٣هـ، وقد مرت بفترات قوة عظيمة مكنتها من الصمود أمام الخلافة العثمانية في غرب العالم الإسلامي والدولة المغولية في الشرق ثم دب إليها الضعف كغيرها. ٣- الدولة المغولية: في شبه القارة الهندية بداء من عام ٩٠٩هـ وتعاقب عليها ملوك عظام أصحاب قوة عسكرية ضاربة ونفوذ سياسي بالغ الأهمية ومرت بفترة الفتوة

стр. 11

والشباب والكهولة وفي القرن الثاني عشر الهجري أدركها الشيخوخة والهرم فاضطربت الأحوال فيها وقامت فيها الفتن والثورات وتعددت فيها الدول والإمارات حتى مهدت هذه الحالة الطريق أمام الطامعين من الهندوس والمستعمرين الإنجليز للإجهاز عليها وإزالة دولتها. ومن هذا العرض السريع للحالة السياسية في العالم الإسلامي على امتداد تاريخه الطويل وللخلافة العثمانية على وجه الخصوص تتضح حالة العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري في ظل الخلافة العثمانية وهو العصر الذي مهدت أحداثه لقيام الحركة الإصلاحية التجديدية في نجد على يد الإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود رحمهما الله.

стр. 12

موجز الحالة السياسية في اليمامة "منذ فجر الإسلام حتى القرن الثاني عشر الهجري " عند طلوع شمس الإسلام كانت زعامة اليمامة وما حولها في يد هوذة بن على الحنفي وثمامة بن أثال الحنفي أيضا٠ وحين بعث رسول الله ﷺ مبعوثيه إلى الملوك يدعونهم إلى الإسلام كان مبعوثه ﷺ سليط بن عمرو أحد بني عامر١ إلى ثمامة بن أثال وهوذة بن علي وكانا من أشد الملوك معارضة للإسلام في أول الأمر وتوفى هوذة على الكفر أما ثمامة بن أثال ﵁ فقد أسلم وحسن إسلامه ٠ وفي عام الوفود قدم وفد بني حنيفة وأسلموا وأعلنوا الطاعة لله والمتابعة لرسوله صلى الله وسلم وحملوا الإسلام إلى قومهم فكانوا بذلك قوة للإسلام وأهله بالرجال والمال وكانت اليمامة وحاضرتها مشهورة بإنتاج الحبوب التي يمون الفائض عن حاجة أهلها أهل الحجاز. غير أن مسيلمة الكذاب بما يحمله من طموحات في السيادة والملك وبما تمثله هذه المنطقة من قوة القبائل ومنعتها ووفرة المال والزاد أراد أن يستقل بها عن غيره فارتد عن الإسلام وادعي النبوة لنفسه وقاد فتنة عظيمة فجهز له الخليفة الأول أبو بكر ﵁ الجيوش وعقد الألوية لقتال المرتدين في مختلف أنحاء جزيرة العرب. وكانت نهاية هذا المرتد وأنصاره على يد جيش بقيادة خالد بن الوليد، في معركة فاصلة استحر فيها القتل بقراء الصحابة ﵃ وقتل فيها خلق كثير من أتباعه حتى عرفت حديقة مسيلمة بحديقة الموت لكثرة من قتل فيها. وبالقضاء على هذه الفتنة بسطت الخلافة الإسلامية يدها الرحيمة على قلب جزيرة العرب وعنيت عناية خاصة بنشر الإسلام وتعليم الناس مبادئه وإقامة معالمه

стр. 13

وصهر الناس في بوتقة حتى سلم قيادتهم عن اقتناع بهذا الدين وإيمان صادق به واستمرت التغذية التامة والرعاية الدائمة لهذا الأمر في عهد الخلفاء الراشدين وفترة الخلافة الأموية وصدر الخلافة العباسية. وقد أسهمت هذه المنطقة مع غيرها من أقاليم العالم الإسلامي في نشر الدين والدعوة إليه والذود عنه والجهاد في سبيله وتوسيع مده في مختلف أرجاء الأرض وفي تعلمه وتعليمه. ولما بدأ الضعف في الخلافة الإسلامية في آخر العهد العباسي وفقدت سيطرتها الكاملة على الجزيرة العربية وبعض الأقاليم الأخرى وقامت الثورات والحركات المحلية الانفصالية عن دولة الخلافة الأم التي أدركها الهرم وانشب الموت فيها أنيابه استقل باليمامة محمد بن يوسف بن إبراهيم واستمرت إمارتها في ذريته ما يقارب سبعين عاما حتى قامت فتنة القرامطة في القرن الرابع الهجري وقضى على هذه الإمارة وكان ذلك على يد دولة القرامطة وعلى وجه التحديد في عام ٣١٧هـ ضمن حملة هائلة قاموا بها انطلاقا من قرداحة في الشام ومرورا بالعراق والبحرين ونجد والحجاز وجاسوا فيها خلال الديار وقتل على أيديهم خلق كثير في مختلف الأقاليم الإسلامية حتى سالت الدماء الغزيرة في الحرم المكي وساحة المطاف ونزعوا الحجر الأسود عنوة جهارا. ولم تقم بعد هذه الحملة إمارة موحدة في قلب جزيرة العرب غير الدولة الاخيضرية التي استمرت حتى منتصف القرن الخامس الهجري ثم سقطت ولم تبق سوى إمارات صغيرة فاستقل كل أمير ببلدة وكل زعيم عشيرة بقومه حتى صار في الوادي الواحد عدة إمارات مثل إمارة العيينة لآل معمر وإمارة الدرعية لآل سعود وإمارة الرياض لآل دواس وبذلك تقطعت أوصال الأمة المسلمة في هذا الجزء العزيز من العالم الإسلامي وقامت الخلافات والثارات وتأججت نار الفتن بين كل أهل بلد ومن جاورهم وبين القبائل العربية بل امتدت الأحقاد والمنافسات في داخل البلد

стр. 14

الواحد والقبيلة الواحدة حتى عمت البلاد وفقدت القيادة السياسة الراشدة والرأي الموحد والهدف المشترك. أما الدولة العثمانية فقد اكتفت ببسط نفوذها على الحرمين الشريفين والاحساء وأطراف الجزيرة العربية ولم تكن لهم حاجات في نجد بل ترك أمرها لأهلها مما ساعد على الفوضى السياسة في منطقة نجد.

стр. 15

الفصل الأول:أوضاع العالم الإسلام في القرن الثاني عشر الهجري في ظل الخلافة العثمانية ١- الأوضاع السياسية: يمثل القرن الثاني عشر الهجري في عمر الخلافة العثمانية مرحلة الشيخوخة والهرم وظهور عوامل الضعف والتدهور في مختلف مجالات الحياة العامة , ففي مجال القيادة السياسية ظهر ضعف السلاطين العثمانيين وتسلط وزراء الدولة وقادة الجيش الانكشاري عليهم والاستبداد بأمور الدولة والتصرف في الشئون العامة وكانوا لا يملكون الخبرة الكافية ولا ينطلقون من رعاية المصلحة العامة، وظهر الترف والسعي وراء شهوات النفس وحظوظها في دور الخلافة وسلاطين آل عثمان ولم يعد لديهم وقت يستطيعون فيه رعاية شئون الخلافة وحماية مصالح الدولة وتنمية الحياة في مختلف جوانبها في مركز الخلافة وأقاليمها المتعددة ,مما أتاح للولاة في الأقاليم التصرف المطلق في إدارة جميع الأمور في أقاليمهم , فساءت الإدارة وتفشى الظلم وضاقت موارد الرزق وأهمل التعليم وتفشى الجهل وصار أكبر هم الولاة جمع الأموال وأخذ الأتاوات واحتكار الأقوات وعدم تطوير وسائل الإنتاج وترك الأمن وتدهورت القوة العسكرية وانكمشت الزراعة والتجارة واندثرت كثير من الصناعات والحرف وساءت الأحوال وتفشى السلب والنهب وقطع الطريق وتوافرت أسباب الخروج على الخلافة العثمانية. وفي هذه المرحلة من عمر الخلافة العثمانية التي تراجعت فيها في مختلف جوانب الحياة بدأت في أوروبا المسيحية بوادر النهضة الحديثة وتطورت وسائلها الحربية

стр. 16

ومواردها المالية وأساليبها في الإدارة والإنتاج وتطلعت إلى الإجهاز على هذه الخلافة التي وصلت إلى حالة من السوء والتدهور ما يكفي لإعطاء الفرصة لأعدائها للنيل منها وتقطيع أوصالها، وبدأت الدول الغربية المسيحية في الدخول مع الخلافة العثمانية في حروب متعددة مما زاد حالتها سوء ولأقاليمها المختلفة إهمالا لانشغالها بالحروب في أوروبا التي أظهرت من خلالها عجزا في قدرتها وتخلفا في معداتها الحربية وانهزاما في بعض المواقف العسكرية مع أوروبا. وقد نقل صورة الخلافة العثمانية في هذه المرحلة من عمرها المؤرخ الأمريكي لوثروب ستودارد في كتابه حاضر العالم الإسلامي جـ٢ ص٢٥٩ فقال: " في القرن الثامن عشر كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ ومن التدني والانحطاط أعظم دركة فاربد جوه وطبقت الظلمة كل صقع من أصقاعه ورجا من أرجائه وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب وتلاشى ما كان باقيا من آثار التهذيب العربي واستغرقت الأمم الإسلامية في اتباع الأهواء والشهوات وماتت الفضيلة في الناس وساد الجهل وانطفأت قبسات العلم الضئيلة وانقلب الحكومات الإسلامية إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال , فكثر السلب والنهب وفقد الأمن وصارت السماء تمطر ظلما وجورا" إلى أن قال: "وبارت التجارة بوارا شديدا أهملت الزراعة أيما إهمال. وهذه الأحوال كلها جعلت أقاليم الخلافة العثمانية في حالة من السوء والتدهور السياسي الذي ينذر بانفجار شديد وظهور حركات استقلال عن الخلافة العثمانية التي أدركها الهرم. ولما كانت نجد وهي قلب شبه جزيرة العرب أقل أقاليم الخلافة العثمانية رعاية إذ أن العثمانيين لم يعيروا هذه المنطقة أي اهتمام ولم تحظ منهم بأي رعاية بل اكتفوا ببسط نفوذهم على الحرمين الشريفين والساحل الغربي من شبه الجزيرة العربية وساحل الخليج العربي وتركوا وسط شبه الجزيرة العربية فلم يكن لهم فيه وجود مما جعله في عزلة شديدة عن العالم الإسلامي. لما كانت نجد كذلك اضطرب فيها حبل

стр. 17

الأمن وقطعت فيها السبل وسادت فيها الفوضى والسلب والنهب والأخذ بالثأر وماجت فيها الفتن وعم الجهل ودرست معالم الحضارة الإسلامية في مختلف جوانب الحياة. لذلك كانت أول قبسة من نور انطلقت من هذه المنطقة- في ذلك الظلام الحالك- هي الحركة الإصلاحية في نجد على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود وهي الحركة التي طالبت بالعودة إلى الإسلام في منابعه الصافية والنصوص الشرعية الثابتة وشقت بذلك الطريق للشعوب الإسلامية الأخرى في المطالبة بالعودة إلى الإسلام والعيش في ظلاله الوارفة وأمنه السابغ فظهرت حركات الإصلاح الإسلامي بعد ذلك تباعا في آسيا وشبه القارة الهندية وفي أفريقيا وسيأتي الحديث عن هذه الحركات الإصلاحية في موقعه من هذا البحث إن شاء الله.

стр. 18

٢- الأوضاع الدينية في العالم الإسلامي: بدا الانحراف في المسار العام للأمة المسلمة في أصل عقيدة التوحيد مع قيام الدولة العباسية بعمليات النقل عن الأمم السابقة في العلوم والآداب مثل الفرس والروم والهنود وترجمة بعض المعارف العامة التي كتبت في ظل مفاهيم غير إسلامية واصطبغت بها حتى صار من الصعب تجريدها من الفلسفات التي قامت عليها بإفساح المجال لأهل الكلام في التحدث عن التوحيد والألوهية وفق مصطلحات تقوم على علوم المنطق اليوناني والفلسفة الاغريقية وإقامة المناظرات في المساجد والمنتديات في البصرة والكوفة وبغداد وغيرها من حواضر العالم الإسلامي وتقسيم المدارس الإسلامية إلى مدارس عقلية وأخرى نقلية وثالثة تجمع بينهما وتقوم كل مدرسة بالانتصار لمذهبها لا في فروع الدين وفق الشريعة بل في أصول إسلامية وعلم التوحيد ومسائل العقيدة، ومن ثم ظهور الكذب في الحديث النبوي الشريف ووجود الوضاعين لأسباب متعددة منها نصرة المذهب والقبيل والإقليم ثم دخول الإسرائيليات في علم التفسير والحديث وأخبار الأمم وتاريخ الإسلام والمسلمين

стр. 19

ووجود القصاصين الذين عرفوا بالكذب ومحاولة جذب العامة بالقصص والحكايات التي يأتون فيها بالغرائب والأخبار المتقدمة وغيرها مما جعل شوائب الانحراف تدخل في تاريخ ومصادر العلوم الإسلامية. وعلى الرغم من الجهود العظيمة التي بذلت من جم غفير من العلماء في حفظ الكتاب والسنة وتوثيق الأخبار ونقد الأسانيد في الحديث والأخبار التاريخية وأحكام علم الجرح والتعديل وكتب الأطراف وتمييز الأحاديث الصحيحة من غيرها والأخبار الثابتة من المختلقة فإن تلك الجهود المضاد لصفاء عقيدة التوحيد قد تركت آثارا ضارة عانت منها الأمة الإسلامية في عصورها التالية. ولقد زاد من معاناة الأمة الإسلامية بعد ذلك فيما يتصل بصفاء عقيدة التوحيد العناصر الأعجمية التي دخلت في الإسلام مع ما كان عندها من لوثة في العقيدة وما لديها من جهل بحقيقة هذا الدين وعقيدته الصافية وما تعانيه من صعوبة في فهم الإسلام لا سيما بعد أن انحسر ظل اللسان العربي على كثير من أقاليم العالم الإسلامي. وتمثل الحملتان الصليبيتان الغربيتان الأولى والثانية لونا من ألوان التأثير الطارئ على حياة المسلمين في بعض التصورات والعادات والأخلاق والرياح الشديدة العاتية التي حملتها الموجة المغولية التترية على العالم الإسلامي بما تحمله من عقائد وثنية وما بقي لدى من أسلم منها من لوثة في أصل التوحيد وفهم الإسلام مع تبوئهم المراكز المهمة في البلاد الإسلامية ذات التأثير البالغ على الحياة العامة في فترة خفت فيها صوت الحق الناصع والتوحيد الخالص. كان لهذا كله أثره البالغ في الحياة في العالم الإسلامي والانحدار بها إلى مستوى متدن في الفهم والممارسة ومظاهر الحياة. وإذا كان الأتراك في دولة الخلافة العثمانية قد حاولوا العودة بالأمة الإسلامية إلى الدين الخالص والعقيدة الصافية، إلا أنهم لم يلبثوا أن أسرع إليهم الهرم وساءت في دولتهم الحالة الدينية والاجتماعية، فأسيء فهم الدين وظهرت البدع والخرافات والمذاهب المنحرفة وتعظيم الأموات وأقيمت البنايات والقباب فوق قبور الأولياء

стр. 20

والصالحين وقصدها الناس لطلب النفع ودفع الضر وقضاء الحاجات، فظهر الشرك يعلن عن نفسه بين أظهر المسلمين في كثير من ديارهم وشب على ذلك الصغير وهرم عليه الكبير. وقامت بدعة الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف وما يكون فيها من اختلاط الرجال بالنساء وممارسة بعض الأعمال البدعية مثل الغناء وضرب الدفوف والحركات الصوفية. وتبوأ أصحاب الطرق الصوفية مكانة كبيرة في نفوس العامة حتى صار لهم من التأثير على الناس ما ليس لغيرهم، كل ذلك كان على حساب مذهب السلف الذي كانت عليه هذه الأمة من عهد النبوة حتى عصور الجمود المتأخرة في النصف الثاني من عهد الخلافة العثمانية والتي بلغت من السوء غايته في القرن الثاني عشر الهجري , وما تلاه من عهود حتى سقوط الدولة العثمانية بل استمرت آثارها ماثلة إلى يومنا هذا في كثير من ديار المسلمين. وظهور الشرك والبدع والخرافات والجمود في الفقه وسوء حالة الخلافة الإسلامية العثمانية بعد هرمها كان أهم حافز لقيام الدعوة الإصلاحية التجديدية في نجد على يد المصلح محمد ين عبد الوهاب – ﵀ – لرد الناس إلى الله وتحقيق توحيده وإقامة دينه واستعادة عز المسلمين. وعن هذه الفترة قال صاحب كتاب حاضر العالم الإسلامي: ج ١ص ٢٥٩: "وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجفا من الخرافات وقشور الصوفية وخلت المساجد من أرباب الصلوات وكثر عدد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات ويوهمون الناس بالباطل والشبهات ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء". ومن هذا العرض السريع يتضح أن الحالة الدينية في العالم الإسلامي قد بلعت غاية التدني في القرن الثاني عشر الهجري على يد الأعاجم من الخلفاء والسلاطين والوزراء والكتاب وقواد الجيوش الإسلامية عن علم في بعض الأحيان

стр. 21

وعن جهل في الأعم الأغلب ولكن نتيجة الجهل باللغة العربية وصعوبة فهم النص الشرعي وارتباط هؤلاء الأعاجم بتاريخ وموروثات وممارسات ولوثات في الدين واستمرار القيادة فيهم من العهد العباسي إلى نهاية العهد العثماني مرورا بالدول الشيعية التي قامت في شمال أفريقيا كالدولة الفاطمية وفي بلاد فارس والدولة الصفوية ودولة المغول في الهند وكلها بقيادات أعجمية اختلط فيها التوحيد عند كثير من الناس بلوثات الوثنية والبدع المحدثة في الدين بلا علم وألف ذلك حتى صار أخذ ذلك كله من الدين، ومنكره خارج على الدين، يناصب العداء وتصدر ضده الفتاوى الشرعية. وقد زادت العزلة التي فرضتها الخلافة العثمانية على قلب شبه جزيرة العرب من سوء الحالة الدينية وبسبب الجهل المطبق والتخلف السياسي الاجتماعي وانقطاع السبل وانعدام التغذية العلمية والدينية عن هذه المنطقة وفصلها عن حواضر العالم الإسلامي ظهر فيها من التخلف الديني ما لم يظهر مثله في غيرها من أقاليم العالم الإسلامي مثل: ١- تقلص مراكز التعليم الديني وانحصاره في بعض حلقات الدروس على بعض الشيوخ في بعض المساجد وعدم الإقبال عليها وعدم الاستمرار من طلاب العلم على قلتهم في طلب العلم حتى بلوغ الغاية المطلوبة وعدم وجود فرص ميسرة للعلم والتعليم وتوظيف هذا العلم في خدمة الحياة والأحياء وعدم وجود ناصر للعلم وطلابه وللحق وأهله. ٢- ظهور البدع المحدثة في الدين مثل بدعة حفلات المولد النبوي الشريف وما تكون فيه من ممارسة المنكرات من الاختلاط وضرب الدفوف وبعض المظاهر الصوفية التي لم تعرف في الدين إلا في العصور المتأخرة وعلى يد الأعاجم. ٣- بروز مظاهر الشرك المتمثل في زيارة قبور الأولياء والصالحين والطواف عليها والعكوف عندها وقصدها في طلب النفع ودفع الضر وتجاوز ذلك إلى التبرك ببعض الأشجار والأحجار والاعتقاد بأنها تنفع وتضر وطلب الحاجات عندها

стр. 22

وغيرها من مظاهر الشرك التي ظهرت في حياة المسلمين على يد الروافض في الدولة الفاطمية وغيرها. ٤- تعطيل بعض الشعائر الإسلامية وفرائض الدين مثل الصلاة والصوم والزكاة ومستلزمات هذه الفرائص. ٥- إنكار بعض الناس للبعث والحساب وغير ذلك من أركان الإيمان. ٦- التحاكم إلى غير شرع الله فيما يكون بين الناس من خلافات في الحقوق والأموال والدماء ونصب حكماء وعرافين يتولون ذلك دون علم أو بينة. ٧- استحلال بعض المحرمات كالسلب والنهب وقطع الطريق وإخافة الناس وفي مسائل النكاح والطلاق والميراث وغيرها. حصل ذلك وغيره في غياب العلم ونشوء الجهل وإهمال الناس لأمور الدين وعدم وجود سلطة سياسية أو دينية تقوم على ذلك حتى عاد الناس إلى ما يشبه حياة الجاهلية الأولى. فإن التركيبة السكانية في العالم الإسلامي عامة وفي شبه جزيرة العرب خاصة تتكون من حاضرة هم سكان المدن والقرى وغالبا مما يكون لديهم تعليم ديني على يد طلاب العلم الشرعي وأئمة المساجد، ويحافظون على الصلوات في الجماعة ويعرفون الحلال والحرام ولديهم مخالفات في أصل العقيدة ومظاهر السلوك وغيرها. أما البادية فهم القبائل العربية التي ليس لها مستقر دائم ولكنهم يتجولون في الصحراء طلبا للماء والكلأ لمواشيهم والتعليم لديهم يكاد يكون معدوما والجهل فيهم أظهر، ويوجد فيهم من ينكر البعث بعد الموت والمحاسبة على الأعمال ويظهر في بعضهم ترك فرائض الإسلام كالصلاة والزكاة والصوم والتحاكم إلى الأعراف والحكماء والمعالجة بالحرام والوقوع في المخالفات في مسائل النكاح والطلاق والميراث وغيرها.

стр. 23

هناك مظاهر دينية يشترك في ارتكاب المخالفات فيها الحاضرة والبادية على السواء مثل تعظيم القبور وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله والتبرك بالأشجار والأحجار وغيرها. يقول الشيخ عثمان بن بشر- ﵀ – في وصف حالة نجد قبل دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب: "وكان الشرك إذ ذاك قد فشا في نجد وغيرها وكثر الاعتقاد في الأشجار والأحجار والقبور والبناء عليها والتبرك بها والنذر لها والاستعاذة بالجن والذبح لهم ووضع الطعام وجعله لهم في زوايا البيوت لشفاء مرضاهم ونفعهم والحلف بغير الله وغير ذلك من الشرك الأكبر والأصغر " ١ وقال في وصف حالة نجد عند وصول الإمام محمد بن عبد الوهاب إلى الدرعية "ولما استوطن الشيخ الدرعية كانوا في غاية الجهالة وما وقعوا فيه من الشرك الأكبر والأصغر والتهاون بالصلاة والزكاة ورفض شعائر الإسلام"٢ فهذا وصف مجمل للحالة الدينية في القرن الثاني عشر الهجري، وسيأتي تفصيل لهذا المجمل في الصفحات التالية إن شاء الله.

стр. 24

٣- الأوضاع الاجتماعية: لقد كانت بصمات سوء الأوضاع السياسية والثقافية واضحة على الحياة الاجتماعية في نجد، قد كانت في عهد الخلفاء الراشدين والدولة الأموية وصدر الخلافة العباسية حياة اجتماعية كريمة تتمثل فيها روابط الإسلام السمح تفيض بالبر والعطاء والخير والهناء والسعادة في كل الميادين في الروابط الأسرية الرحيمة وفي العلاقات الاجتماعية العامة وفي شبكة الاتصالات القائمة في المجتمع فكانت الحياة

стр. 25

تفيض بالأخوة الإسلامية الرحيمة والتعاون على البر والتقوى والسعي الحثيث لخير الأمة والجماعة والأفراد في آن واحد وكانت مبادئ الإسلام تمارس في محيط الأسرة وفي العلاقات الزوجية في مختلف أوجه التعامل وفي تبادل المنافع على كل الأصعدة وكان الولاء فيها والنصح لله ولرسوله لأئمة السلمين وعامتهم والنصيحة قائمة بين المسلمين والتعاون شعار الجميع والروابط في كل المجالات تمثل التلاحم الشديد والتماسك القوى وفق ما أراده الله من عباده وما شرعه لخلقه. ثم لما ضعف الوازع الديني وتقلص النفوذ السياسي وانحسر المد الثقافي عن هذا الإقليم من أقاليم العالم الإسلامي أصاب الحياة الاجتماعية من الضعف والفتور بقد ما فقدت من سلطان الدين على النفوس وأثر السلطة السياسية على الأفراد، وحظها من الثقافة الواعية والعلم النافع وحلت محلها أوضاع مغايرة تختلف قربا وبعدا عن الدين، فضلت الأسرة على ترابطها والقبيلة على تماسكها وتراحمها وقامت مفاهيم جديدة ومواضعات محدثة خرجت فيها الأمة عن مسارها القديم وأصالتها الإسلامية الخالصة. فظهر في الناس التعصب للبلد والقبيلة وحلت الفردية محل الجماعية والفرقة بدلا من الاتحاد وظهر الجهل وعم سلطانه وقل العلم ورواده ووهنت عرى الدين في النفوس وعظمت المادة في أنظارهم وجعلوها مصدر التفاضل وحلت العداوة والبغضاء محل التعاون والإخاء وفقدت الغاية الواحدة والهدف المشترك. وبذلك كثرت الفتن وتأججت نار الحمية للبلد والعشيرة وانتشرت المنكرات وقل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقدت حراسة الدين وضعفت الأمة وقطعت أواصر المودة والتراحم وانتشر الضلال والباطل وأعجب كل فرد برأيه وقومه فصارت الحياة الاجتماعية في قلب جزيرة العرب جحيما لا يطاق قلت فيها موارد الرزق وفقد في ظلها الأمن وجفت فيها منابع البر والإحسان والتراحم أو كادت.

стр. 26

الخلاصة إن الفترة الواقعة من القرن العاشر إلى منتصف القرن الثاني عشر الهجري من الفترات الحالكة في تاريخ الأمة الإسلامية عامة وفي منطقة نجد وقلب جزيرة العرب خاصة وذلك لعدة أسباب منها: ١- التمزق السياسي الذي حاق بالأمة الإسلامية وذهب بريحها. ٢- الركود الفكري والثقافي إذ توقف مد الثقافة الإسلامية وأقفرت مرابعها. ٣- جمود الفقه الإسلامي وعدم قدرة علمائه على مواجهة المشكلات بحلول إسلامية. ٤- ضعف الصلات السياسية والعلمية والثقافية بين حواضر العالم الإسلامي. ٥- ضياع الأهداف العليا للأمة الإسلامية وعدم وضوحها في أذهان قادة الأمة وأفرادها. ٦- كثرة الاختلافات السياسية والفكرية المذهبية وقيام التعصب الأعمى للمذهب والقبيلة والبلد. ٧- تعدد القيادات السياسية وقيام المشاحنات بينها وكثرة الفتن. ٨- تركيز الخلافة العثمانية في عهدها الأخير على جمع الجبايات وتجميع المغانم من الأقاليم الإسلامية وإهمال الجوانب الإصلاحية في أمور الدين والدنيا معا. ٩- قلة العلم وانتشار الجهل وانحصار الفقه في مختصرات قليلة غير كافية. ١٠- اعتبار المناصب الدينية والرئاسية مغانم والسعي إلى كسب الوجاهات. ١١- ظهور الابتداع في الدين والانحراف في العقيدة والخروج عن جادة الحق في كثير من مظاهر الحياة. وإذا كانت هذه الأسباب وغيرها قد أحاطت بالمسلمين في معظم ديارهم قد ظهرت بصورة أوضح في نجد وقلب جزيرة العرب لعدة اعتبارات خاصة بالمنطقة إلى جانب الأسباب المشتركة الأخرى. فقد كانت بلاد نجد في هذه القرون من أضيق المناطق والأقاليم في موارد الرزق وأصعبها وطرقا وهي بلاد اضطرب فيها

стр. 27

حبل الأمن وانتشرت فيها الفوضى وكثر قطاع الطرق بل صار قطع الطريق والغارات من أهم موارد رزق المقيمين فيها لا سيما من البوادي والأعراب. كل ذلك زاد من عزلتها وغربة الإسلام فيها وندرة العلم والعلماء ببن سكانها حتى كثر فيها الجهل وقل العلم وانتشرت البدعة والخرافة وقلت السنة وضاعت الحقيقة واندثرت معالم الدين فصار في بلاد نجد مثل ما في البلاد الإسلامية الأخرى من التخلف والانحراف وزيادة. والمتتبع لتاريخ نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب – ﵀ – لمعرفة حقيقة ما كانت عليه الحالة الدينية والاعتقادية في نجد قبيل الدعوة الإصلاحية فيها يجد أن المصادر التاريخية على قلتها تختلف في نقل الصورة القائمة فيها. فمن جهة نجد المصادر التي كتبت بأقلام أئمة الدعوة الإصلاحية وتلامذتهم تصور الحياة في نجد بأنها حياة غير إسلامية وأن الناس كانوا على جهل تام وضلال كامل وانحراف واضح في أصل العقيدة وقواعد الإيمان وفي العبادات والأخلاق والسلوك والعادات، وأن الشرك قد طبق البلاد طولا وعرضا وأن الحياة عادت جاهلية صرفة. يقول ابن بشر – ﵀ – "وكان الشرك إذ ذاك – عند بدء الدعوة الإصلاحية في نجد قد فشا في نجد وغيرها وكثر الاعتقاد في الأشجار والأحجار والقبور والبناء عليها والتبرك بها والنذر والاستعاذة بالجن والذبح لهم ووضع الطعام لهم وجعله في زوايا البيوت لشفاء مرضاهم ونفعهم وضرهم والحلف بغير الله وغير ذلك من الشرك الأكبر والأصغر"١ ويصف الشيخ سليمان بن سحمان – ﵀ – حالة أهل نجد في هذه الفترة فيقول: قد خلع الناس ربقة التوحيد والدين وجدوا واجتهدوا في الاستعانة والتعلق بغير الله تعالى من الأولياء والصالحين والأصنام والأوثان والشياطين وكثير منهم يعتقد النفع في الأحجار والجمادات ويتبركون بالآثار ويرجون منها القبول في جميع الأوقات " ٢

стр. 28

ويقول ابن غنام – ﵀ – "وكان عندهم رجل من الأولياء اسمه "تاج" سلكوا فيه سبيل الطواغيت فصرفوا إليه النذور وتوجهوا إليه بالدعاء واعتقدوا فيه النفع والضر وكانوا يأتونه أفواجا لقضاء شئونهم وكان هو يأتي إليهم من بلدة الخرج إلى الدرعية لتحصيل ما تجمع من النذور والخراج وكان أهل البلاد المجاورة جميعهم يعتقدون فيه اعتقادا عظيما فخافه الحكام وهاب الناس أعوانه وحاشيته فلا يتعرضون لهم بما يكرهون ويدعون فيهم دعاوى فبعضهم ينسبون إليهم حكايات قبيحة وكانوا لكثرة ما تناقلوها وأذاعوها يصدقون ما فيها من مين وزور فزعموا أنه أعمى وأنه يأتي من بلدة الخرج من غير قائد يقوده وغير ذلك من الحكايات والاعتقادات التي ضلوا بسببها عن الصراط المستقيم "١ ويقول الشيخ عبد اللطيف في كتاب "منهاج التأسيس" عن تلك الفترة الزمنية: "وعبدت الكواكب والنجوم وصنف في ذلك مثل أبي معشر وصاحب السر المكتوم وعظمت القبور وبنيت عليها المساجد وعبدت تلك الضرائح والمشاهد وجعلت لها الأعياد الزمانية والمكانية وصرفت لها العبادات المالية والبدنية ونحرت لها النحائر والقرابين وطاف بها الفوج بعد الفوج من الزائرين والسائلين وحلقت لأربابها رؤوس الوافدين واستبيح فيها ما اتفقت على تحريمه جميع الشرائع والنبوات وكثر المكاء والتصدية بتلك الفجاج والعرصات وبارزوا بتلك القبائح العظام رب الأرض والسموات وصنف في استحبابه بعض شيوخهم كابن المفيد وظنه الأكثر من دين الإسلام والتوحيد "٢ كما أن المصادر التاريخية لهذه الفترة الزمنية عن هذه المنطقة تدل على وجود علماء فضلاء على عقيدة السلف الصالح ينكرون هذه البدع والخرافات ويبينون للناس ما

стр. 29

يجب اعتقاده وهؤلاء لن تكون دعوتهم بلا صدى ولا أتباع ولن يكون الناس كلهم في منطقة نجد على ما سبق وصفه ولكن هذه الأمور كانت موجودة وكان إلى جانبها حق قائم وإن كان الشر في عامة أظهر. فإن كان أئمة الدعوة الإصلاحية ي نجد وتلامذتهم حين يتحدثون عن شيوخ الإمام محمد بن عبد الوهاب – ﵀ – يذكرون عددا من العلماء الفضلاء في نجد وأطراف الجزيرة العربية. ومعلوم أن في علماء نجد عددا غير قليل من هذه العينة التي ظلت محافظة على عقيدة السلف ولها مريدون ومحبوبون بين عامة الناس. فالمؤرخ ابن بشر – ﵀ – ذكر في تاريخه أنه لما جهر الشيخ محمد ين عبد الوهاب بدعوته الإصلاحية في نجد استحسنها الناس فقال: "فلما تحقق الشيخ معرفة التوحيد ومعرفة نواقضه وما كان وقع فيه كثير من الناس من هذه البدع المضلة صار ينكر هذه الأشياء واستحسن الناس ما يقول لكن لم ينهوا عما فعل الجاهلون ولم يزيلوا ما أحدث المبتدعون"١ ولما زار الإمام محمد بن عبد الوهاب المدينة المنورة في رحلة إليها بعد الحج وجد فيها أحد علماء نجد الأفاضل المؤمنون بعقيدة السلف الصالح المدافعين عنها فأخذ عنه تعاليم التوحيد ٢ يقول المؤرخ ابن بشر نقلا عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب – ﵀ – قال: "كنت عنده يوما فقال لي: تريد أن أريك سلاحا أعددته للمجمعة، قلت نعم، فأدخلني منزلا عنده فيه كتب كثيرة، وقال: هذا الذي أعددنا لها ثم أنه مضى به إلى الشيخ العلامة محمد حياة السندي المدني فأخبره الشيخ محمد وعرفه به

стр. 30

وبأهله فأقام عنده الشيخ وأخذ عنه"١ ولما رحل إمام الدعوة – ﵀ – في طلب العلم إلى البصرة اجتمع بالشيخ محمد المجموعي وهو عالم جليل الموحد معروف قال ابن بشر – ﵀ – "فلما وصلها – أي البصرة – جلس يقرأ عند عالم جليل من أهل المجموعة – قرية من قرى البصرة – في مدرسة فيها ذكر لي أن اسمه – محمد المجموعي، فأقام مدة يقرأ فيها وينكر أشياء من الشركيات والبدع وأعلن بالإنكار واستحسن شيخه قوله وقرر له التوحيد وانتفع به" ٢ ولما عاد ﵀ من البصرة إلى الاحساء نزل على الشيخ العالم الجليل عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي الاحسائي وهو ممن يرى رأيه فيها وقع فيه كثير من الناس في أمور العقيدة. فهؤلاء العلماء وغيرهم من علماء النجد مثل والد الإمام وجده وكثير من معاصريهم كانوا على جانب كبير من الفضل والصلاح والعلم بالحق والدعوة إليه. وليس من المعقول أن يكون هؤلاء الذين ذكرهم المؤرخون هم كل أهل العلم، والفضل الذين ضلوا على الحق علما وعملا وتعليما في النجد وأطراف الجزيرة، وليس من المسلم بأن هؤلاء وأمثالهم لم يكن لهم أثر في إيضاح الحق ومعرفته وتزامنه في كثير من جوانب الحياة ولم يكن لهم تلامذة وأتباع حتى يصح أن تنعت هذه الفترة في النجد بالكفر والخروج عن الذين وإطلاق الكلام الذي يصح على البعض ولا يشمل الكل. وليست الحالة التي وصفها المؤرخون في نجد وأئمة الدعوة الإصلاحية فيه وما كان عليه جمهرة من الناس بحالة خاصة بنجد بل هو وضع يشبه إلى حد كبير ما عليه حالة المسلمين في مختلف ديارهم وأمصارهم في ذلك العهد. ومن تتبع تاريخ العالم الإسلامي في تلك الفترة علم أنها حالة متشابهة إلى حد كبير وإنما أراد الله لهذه البقعة المباركة من البلاد الإسلامية أن تصفو عقيدة أهلها وأن يختار الله لها مجددا عظيما، وعالما عاملا مخلصا شخََّص داءها وعالج أدواءها حتى رد ضال أهلها إلى جادت الحق والصواب وكانت حركته الإصلاحية هي أولى ومضات الإصلاح الديني الاجتماعي

стр. 31

في العالم الإسلامي في العصر الحديث ثم تتابعت بعدها حركات الإصلاح في فترات مختلفة قربا وبعدا. ومما يدل على أن حالة العالم الإسلامي في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين متشابهة ما ذكره الدكتور عبد الرحمن عميرة في البحث الذي قدمه لأسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي أقامته جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية عام ١٤٠٣هـ، بعد أن ذكر كلام الشيخ سليمان بن سحمان عن حالة نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قال: "وهذه الصورة التي قدمها لنا الشيخ سليمان بن سحمان لم تكن قاصرة على مصر دون مصر أو على سهل دون نجد وكلها تكاد تكون شاملة عامة في كثير من بلاد المسلمين إلا من عصم ربي"١ ثم ذكر صورا كثيرة كانت موجودة في مصر والعراق وغيرهما مشابهة لما كان موجودا في نجد ونقل عن المصادر التي التاريخية ما يؤكد ذلك ثم إن واقع العالم الإسلامي لا يزال به شبه مما كان عليه أهل نجد فيها يتصل بالقبور والطواف حولها ودعوة أصحابها مما يعد شركا في العبادة من الخوف والرجاء وغيرها. والذي يظهر لي في هذا أن منطقة نجد وما حولها فشا فيها الجهل أكثر من غيرها لبعدها عن مراكز العلم ووعورة مسالكها واضطراب حبل الأمن فيها، وأن تركيبة السكان فيها تكونت من بادية رحل وحاضرة مقيمين في القرى والمدن، وأن حالة البادية دخل عليها تغيير كبير في أمور الدين، وأن فرائض الإسلام قد حصل فيها تفريط وخلل كاد أن يعمهم وأن ما لدى البادية من عادات ومعتقدات باطلة بدأت تتسرب إلى الحاضرة بدرجات متفاوتة من بلد لآخر. وأن حاضرة كانوا مقيمين لفرائض الدين محافظين على أصوله وفروعه في غالب أمور حياتهم وأن ما دخل عليهم

стр. 32

من خلل في أمور الدين كان عن طريق البادية أثناء إقامتهم على موارد المياه في أيام الصيف وأن بعض الناس في نجد ظلوا على الحق منكرين لمظاهر الشرك، منهم العلماء ممن ذكرنا ومن لم نذكر. وأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إنما نشأ في بيئة علم وهو نبتة من غراسها وما كان لها أن تثمر هذا المصلح لو كان الظلام فيها حالكا والجهل فيها عاما والانحراف شاملا ولكن الواقع أن الحق والخير موجودان وأن الشر منتشر وأن الصراع بينهما قائم في المنطقة وأن الشركان أظهر. ومما يدل على التفريق بين ما عليه بادية نجد وحاضرتها قول المؤرخ ابن بشر رحمه الله تعالى بعد أن ذكر وقوع الشرك الأكبر والأصغر "والسبب الذي أحدث ذلك في نجد – والله أعلم – أن الأعراب إذا نزلوا في البلدان وقت الثمار صار معهم رجال ونساء يتطببون ويداوون فإذا كان في أحد من أهل البلد مرض أو في بعض أعضائه أوتي أهله إلى متطببه ذلك القطين من البادية فيسألونهم عن دواء علته فيقول لهم اذبحوا له في الموضع الفلاني كذا وكذا، إما خروفا بهيما أسود وإما تيسا أصمع وذلك ليحققوا معرفتهم عند هؤلاء الجهلة ثم يقولون لا تسموا الله على ذبحه وأعطوا المريض منه كذا وكذا وكلوا منه كذا وكذا واتركوا كذا وكذا، فربما يشفي الله مريضهم فتنة لهم واستدراجا وربما يوفق وقت الشفاء حتى كثر ذلك في الناس طال عليهم الأمد فوقعوا بهذا السبب في عظائم وليس للناس من ينهاهم عن ذلك"٠١ كما أن كلام عالم نجد الفاضل الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف الشمري من أهل المجمعة وإمام الدعوة الإصلاحية في نجد حينما أقام عنده الشيخ في المدينة وأخذ عنه فقال: "تريد أن نريك سلاحا أعددته للمجمعة قلت نعم فأدخلني منزلا عنده فيه كتب كثيرة وقال هدا الذي أعددنا لها"٢، فهذا النص يدل على أن هذا العالم على علم بما يجري في المجمعة قاعدة إقليم سدير من نجد وأنه سبق أن حصل له مع المنحرفين فيها مناوشات وأخذ وعطاء في مسائل العقيدة وأنه إنما جاء للمدينة

стр. 33

المنورة للتزود بالعلم النافع والكتب الموثوقة وأنه عازم على العودة إليهم لإقامة الحجة عليهم وبيان الحق لهم وهو في الوقت نفسه يدل على أن في بلاد نجد من كانوا على الحق عن علم وبصيرة وأنهم يقومون بواجب الدعوة إلى الله وتصحيح العقيدة وأنه كان يوجد بها من يدعي العلم ويؤيد ما عليه الناس من بعض الانحرافات. وعندما تحدث ابن بشر- ﵀ عن الدعوة الإصلاحية في تجدفي بدء أمرها لما قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالدعوة إلى الله وإنكار ما وقع فيه كثير من الناس من هذه البدع قال:"واستحسن الناس ما يقول لكن لم ينهوا عما فعل الجاهلون ولم يزيلوا ما أحدث المبتدعون"١. وهذا النص التاريخي يدل على أن ما قام به إمام الدعوة الإصلاحية في نجد كان معروفا معتقدا صحته ومؤيدا من الناس في نجد. أما لماذا لم ينهوا عما فعل الجاهلون ولم يزيلوا ما أحدث المبتدعون فإن هذه مرحلة أخرى تحتاج إلى قوة وعزيمة وتضحية وهي محفوفة بكثير من المخاطر لاسيما أن هذه المنكرات قد تكون مصدر رزق لبعض الرؤساء والوجهاء والأعيان ومشغلة للدهماء عن أمور السياسة والزعامات والسوء الأحوال التي يعيشها الناس في حياتهم في مختلف وجوهها ومناشطها مع أن هؤلاء الزعماء والرؤساء أهل ظلم وجور. اسمع كلام المؤرخ ابن بشر في وصف حالهم إذ يقول: "رؤساء البلدان وظلمتهم لا يعرفون إلا ظلم الرعايا والجور والقتال لبعضهم بعضا" ٢، ثم إن أي حركة إصلاحية عملية لابد أن يسبقها ويواكبها حركة إصلاحية فكرية نظرية اجتهادية تمهد الطريق إلى الحركة العملية وتنميها وتهيئ لها أرضية النجاح وتعطيها البعد الفكري النظري.

стр. 34

الفصل الثاني:الشيخ محمد بن عبد الوهاب نسبه: اختار الله لمهمة الإصلاح والتجديد في نجد وقلب جزيرة العرب رجلا من أبنائها جمع الله له بين أصالة النسب وكرم المحتد وبيت الفضل. ووهبه من علوم الهمة وثبات العقيدة وقوة العزيمة وإخلاص العمل ما جعله مؤهلا ومقبولا للقيام بهذه المهمة العظيمة والتجديد في الدين بعد اندرست معالمه وطويت أعلام الجهاد في سبيله. والمعروف عن نسبه ﵀ أنه عربي وهيبي تميمي عدناني وقد ذكر ابن بشر ﵀ نسبه على وجه التحديد والتسلسل فقال: هو " الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي ين حمد بن أحمد ين راشد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب"١.

стр. 35

ولادته ونشأته: أصح ما ذكره المؤرخون عن تاريخ ولادة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه ولد عام ١١١٥هجرية في بلدة العيينة من وادي حنيفة وعاش في كنف والده الشيخ عبد الوهاب بن مفتي الديار النجدية سليمان بن علي وقد تنقل في شبابه مع والده

стр. 36

الذي كان قاضيا في سدير ثم في العيينة ثم في حريملاء وكان والده وجده وأعمامه أهل علم وفضل ومكانة مرموقة في نجد، إذ كان والده عبد الوهاب عالما بالحديث والفقه والعربية مرجعا لأهل بلده في الدين والقضاء والفتوى وكان جده سليمان بن علي عالم نجد في زمانه. قال ابن بشر ﵀: " له اليد الطولى في العلم وانتهت إليه الرئاسة في نجد وضربت إليه آباط الإبل صنف ودرس وأفتى ".١ وهكذا أعمام الشيخ وبنوا أعمامه أهل علم ودين وفضل تقلبوا في مناسب التدريس والقضاء والإفتاء وكانت لهم مكانة علمية واجتماعية ودينية. فنشأ الإمام المصلح ﵀ في بيت علم ودين حفظ القرآن وأخذ مبادئ العلوم الإسلامية والعربية على والده ﵀ وقد عرف بين أقرانه بقوة الحفظ وسرعة الكتابة ودقة الملاحظة وشدة الفهم مما جعله محط أنظار شيوخه وأقرانه ظهرت عليه علامات النجابة والشغف بالعلم ونزعة الاستقلال في تناول المسائل وأخذ العلوم.

стр. 37

رحلاته: بعد أن حفظ كتاب الله وتفقهه في الدين في مذهب الإمام أحمد بن حنبل على والده عبد الوهاب وشيوخ بلده وأخذ حظا من العلم في الفقه والتوحيد وعلوم العربية والحديث تطلع إلى السفر والترحال في طلب العلم والالتقاء بالعلماء في مختلف حواضر العالم الإسلامي للإفادة من علومهم وتزود بما قد ينقصه من العلم ويطلع على حال العالم الإسلام بما فيها من استقامة وعوج ومناقشة هذه الموضوعات على ضوء الكتاب وسنة وبيان وجه الحق فيها فبدأ بحج بيت الله الحرام والالتقاء بعلماء مكة المكرمة ثم رحل إلى المدينة وأخذ عن علمائها ومنهم الشيخان عبد الله بن سيف ومحمد حياة السندي وغيرهما. ثم رحل إلى البصرة والعراق ثم إلى الاحساء ثم عاد إلى مقر إقامة والده في حريملاء , وعاد يتعلم ويعلم ويعلن دعوته بين الناس

стр. 38

فاستحسنوها ولكن بعض الموالي في حريملاء ولا سيما آل حميان منهم نقموا عليه وأذوه وكادوا يقتلونه فرأى نقل دعوته من حريملاء إلى العيينة وهي اكبر بلدا وأكثر سكانا وإمارتها أعظم نفوذا فتلقاه أميرها بالبشر والترحاب وأتاح له فرصة إظهار دعوته والجلوس لطلاب العلم وإنكار المنكر والأمر بالمعروف وإقامة بعض الحدود وهدم قبة قبر زيد بن الخطاب في الجبيلة. ثم إن أمير العيينة آنذاك - عثمان بن حمد بن معمر- تلقى تهديدا من أمير الاحساء المدعو/ سليمان بن محمد بن غرير الحميدي قائد الاحساء والقطيف وما حولها بقطع خراج ابن معمر الذي له في الاحساء وقدره ألف ومائتا أحمر وما يتبعها من طعام وكسوة وأمر أمير الاحساء ابن معمر بقتل الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ولما ورد إلى ابن معمر كتاب قائد الاحساء ما وسعه مخالفته وأخبر الشيخ بما ورده فأراد الشيخ إقناعه وطمأنته بأن الله سينصره ويمكن له في الأرض إذا استمر في نصرة الدعوة وتأييدها فأخرج الشيخ ووكل إلى فارس له يدعى الفريد مع خيالة منهم طواله الحمراني قتله وهو في طريقه إلى الدرعية إذا وصل إلى قبر أخيه يعقوب وكان يعقوب رجلا صالحا قتل ظلما بين الدرعية والعيينة. ثم إن الشيخ ﵀ أن جاه الله من كيد أمير العيينة ووصل إلى الدرعية وقصد بيت محمد بن سويلم العريني، فلما وصل إليه ضاقت عليه داره وخاف على نفسه من محمد بن سعود فوعظه الشيخ وسكن جأشه وقال سيجعل الله لنا ولك فرجا ومخرجا قال ابن بشر ﵀ "لما وصل إلى الدرعية فعلم به خصائصه من أهل الدرعية فزاروه خفية، فقرر لهم التوحيد واستقر في قلوبهم فأرادوا أن يخبروا محمد بن سعود ويشيروا عليه بنصرته فهابوه فأتوا إلى زوجته موضى وكانت ذات عقل ومعرفة فأخبروها بمكان الشيخ وصفة ما يأمره به وينهي عنه فوقر في قلبها معرفة التوحيد وقذف الله في قلبها محبة الشيخ فلما دخل عليها زوجها محمد أخبرته بمكانه وقالت إن هذا الرجل أتى إليك وهو غنيمة ساقها الله لك فأكرمه وعظمه واغتنم نصرته. فقبل قولها وألقى الله سبحانه في قلبه للشيخ المحبة فأراد أن يرسل إليه فقالوا سر إليه برجلك في مكانه وأظهر تعظيمه والاحتفال به لعل الناس أن يكرموه ويعظموه فسار إليه محمد فدخل

стр. 39

عليه في بيت ابن سويلم ورحب به وقال أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعز والمنعة, فقال الشيخ وأنا أبشرك بالعز والتمكن وهذه الكلمة "لا إله إلا الله" من تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد وهي كلمة التوحيد وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم" ١ وبهذا بدأت الدعوة تدخل في طور عملي جديد توافرت له مقومات النجاح لوجود قيادة دينية راشدة وقيادة سياسية مؤمنة وتلاحم إيماني عميق ظهرت آثاره فيما بعد ذلك واستمرت هذبه المدرسة في عطائها عبر الأجيال في هذه المنطقة.

стр. 40

روافد فكره والعوامل التي أثرت في نزعته الإصلاحية: إن الحالة الاجتماعية والدينية التي كان عليها سكان نجد وقلب جزيرة العرب خاصة وحالة العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر بما فيها من تفكك وانقسام واضطراب وفقد الأمن وغياب الوحدة العقيدية والفكرية والثقافية، والضبابية التي اتسمت بها كثير من المفاهيم الإسلامية في نفوس كثير من الناس، وسوء الأحوال الدينية والاجتماعية بوجه عام، وقيام معالم الشرك بين أظهر المسلمين في مختلف ديارهم، قد حفز كثيرا من علماء المسلمين في نجد وفي غيرها إلى التسلح بالعلم الصحيح النافع لمحاربة البدع والخرافات والمنكرات في مختلف صورها وأشكالها مما سبقت الإشارة إليه وقامت صيحات تنادي بالإصلاح هنا وهناك إلا أنه لم يكتب لها من النجاح ما كتب لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀. ومع هذا فإن سوء الأحوال وظهور المنكرات والبدع ومظاهر الشرك في نجد وإنكار ذلك من بعض العلماء السلفيين قد فتح الطريق أمام هذا المصلح العظيم لدخول تاريخ الإسلامي التجديدي من أوسع أبوابه. وكان لاتصاله بالأئمة الفضلاء والأعلام مثل عبد الله بن إبراهيم بن سيف
следующие страницы →