الذي كان قاضيا في سدير ثم في العيينة ثم في حريملاء وكان والده وجده وأعمامه أهل علم وفضل ومكانة مرموقة في نجد، إذ كان والده عبد الوهاب عالما بالحديث والفقه والعربية مرجعا لأهل بلده في الدين والقضاء والفتوى وكان جده سليمان بن علي عالم نجد في زمانه. قال ابن بشر ﵀: " له اليد الطولى في العلم وانتهت إليه الرئاسة في نجد وضربت إليه آباط الإبل صنف ودرس وأفتى ".١
وهكذا أعمام الشيخ وبنوا أعمامه أهل علم ودين وفضل تقلبوا في مناسب التدريس والقضاء والإفتاء وكانت لهم مكانة علمية واجتماعية ودينية.
فنشأ الإمام المصلح ﵀ في بيت علم ودين حفظ القرآن وأخذ مبادئ العلوم الإسلامية والعربية على والده ﵀ وقد عرف بين أقرانه بقوة الحفظ وسرعة الكتابة ودقة الملاحظة وشدة الفهم مما جعله محط أنظار شيوخه وأقرانه ظهرت عليه علامات النجابة والشغف بالعلم ونزعة الاستقلال في تناول المسائل وأخذ العلوم.
стр. 37
رحلاته:
بعد أن حفظ كتاب الله وتفقهه في الدين في مذهب الإمام أحمد بن حنبل على والده عبد الوهاب وشيوخ بلده وأخذ حظا من العلم في الفقه والتوحيد وعلوم العربية والحديث تطلع إلى السفر والترحال في طلب العلم والالتقاء بالعلماء في مختلف حواضر العالم الإسلامي للإفادة من علومهم وتزود بما قد ينقصه من العلم ويطلع على حال العالم الإسلام بما فيها من استقامة وعوج ومناقشة هذه الموضوعات على ضوء الكتاب وسنة وبيان وجه الحق فيها فبدأ بحج بيت الله الحرام والالتقاء بعلماء مكة المكرمة ثم رحل إلى المدينة وأخذ عن علمائها ومنهم الشيخان عبد الله بن سيف ومحمد حياة السندي وغيرهما. ثم رحل إلى البصرة والعراق ثم إلى الاحساء ثم عاد إلى مقر إقامة والده في حريملاء , وعاد يتعلم ويعلم ويعلن دعوته بين الناس
стр. 38
فاستحسنوها ولكن بعض الموالي في حريملاء ولا سيما آل حميان منهم نقموا عليه وأذوه وكادوا يقتلونه فرأى نقل دعوته من حريملاء إلى العيينة وهي اكبر بلدا وأكثر سكانا وإمارتها أعظم نفوذا فتلقاه أميرها بالبشر والترحاب وأتاح له فرصة إظهار دعوته والجلوس لطلاب العلم وإنكار المنكر والأمر بالمعروف وإقامة بعض الحدود وهدم قبة قبر زيد بن الخطاب في الجبيلة.
ثم إن أمير العيينة آنذاك - عثمان بن حمد بن معمر- تلقى تهديدا من أمير الاحساء المدعو/ سليمان بن محمد بن غرير الحميدي قائد الاحساء والقطيف وما حولها بقطع خراج ابن معمر الذي له في الاحساء وقدره ألف ومائتا أحمر وما يتبعها من طعام وكسوة وأمر أمير الاحساء ابن معمر بقتل الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ولما ورد إلى ابن معمر كتاب قائد الاحساء ما وسعه مخالفته وأخبر الشيخ بما ورده فأراد الشيخ إقناعه وطمأنته بأن الله سينصره ويمكن له في الأرض إذا استمر في نصرة الدعوة وتأييدها فأخرج الشيخ ووكل إلى فارس له يدعى الفريد مع خيالة منهم طواله الحمراني قتله وهو في طريقه إلى الدرعية إذا وصل إلى قبر أخيه يعقوب وكان يعقوب رجلا صالحا قتل ظلما بين الدرعية والعيينة.
ثم إن الشيخ ﵀ أن جاه الله من كيد أمير العيينة ووصل إلى الدرعية وقصد بيت محمد بن سويلم العريني، فلما وصل إليه ضاقت عليه داره وخاف على نفسه من محمد بن سعود فوعظه الشيخ وسكن جأشه وقال سيجعل الله لنا ولك فرجا ومخرجا قال ابن بشر ﵀ "لما وصل إلى الدرعية فعلم به خصائصه من أهل الدرعية فزاروه خفية، فقرر لهم التوحيد واستقر في قلوبهم فأرادوا أن يخبروا محمد بن سعود ويشيروا عليه بنصرته فهابوه فأتوا إلى زوجته موضى وكانت ذات عقل ومعرفة فأخبروها بمكان الشيخ وصفة ما يأمره به وينهي عنه فوقر في قلبها معرفة التوحيد وقذف الله في قلبها محبة الشيخ فلما دخل عليها زوجها محمد أخبرته بمكانه وقالت إن هذا الرجل أتى إليك وهو غنيمة ساقها الله لك فأكرمه وعظمه واغتنم نصرته. فقبل قولها وألقى الله سبحانه في قلبه للشيخ المحبة فأراد أن يرسل إليه فقالوا سر إليه برجلك في مكانه وأظهر تعظيمه والاحتفال به لعل الناس أن يكرموه ويعظموه فسار إليه محمد فدخل
стр. 39
عليه في بيت ابن سويلم ورحب به وقال أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعز والمنعة, فقال الشيخ وأنا أبشرك بالعز والتمكن وهذه الكلمة "لا إله إلا الله" من تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد وهي كلمة التوحيد وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم" ١
وبهذا بدأت الدعوة تدخل في طور عملي جديد توافرت له مقومات النجاح لوجود قيادة دينية راشدة وقيادة سياسية مؤمنة وتلاحم إيماني عميق ظهرت آثاره فيما بعد ذلك واستمرت هذبه المدرسة في عطائها عبر الأجيال في هذه المنطقة.
стр. 40
روافد فكره والعوامل التي أثرت في نزعته الإصلاحية:
إن الحالة الاجتماعية والدينية التي كان عليها سكان نجد وقلب جزيرة العرب خاصة وحالة العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر بما فيها من تفكك وانقسام واضطراب وفقد الأمن وغياب الوحدة العقيدية والفكرية والثقافية، والضبابية التي اتسمت بها كثير من المفاهيم الإسلامية في نفوس كثير من الناس، وسوء الأحوال الدينية والاجتماعية بوجه عام، وقيام معالم الشرك بين أظهر المسلمين في مختلف ديارهم، قد حفز كثيرا من علماء المسلمين في نجد وفي غيرها إلى التسلح بالعلم الصحيح النافع لمحاربة البدع والخرافات والمنكرات في مختلف صورها وأشكالها مما سبقت الإشارة إليه وقامت صيحات تنادي بالإصلاح هنا وهناك إلا أنه لم يكتب لها من النجاح ما كتب لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀.
ومع هذا فإن سوء الأحوال وظهور المنكرات والبدع ومظاهر الشرك في نجد وإنكار ذلك من بعض العلماء السلفيين قد فتح الطريق أمام هذا المصلح العظيم لدخول تاريخ الإسلامي التجديدي من أوسع أبوابه.
وكان لاتصاله بالأئمة الفضلاء والأعلام مثل عبد الله بن إبراهيم بن سيف
стр. 41
النجدي في المدينة المنورة وبالإمام محمد حياة السندي وبعض علماء السنة في الحرمين الشريفين واتصاله بالشيخ محمد المجموعي في البصرة وغيرهم من علماء السلف في الاحساء ونجد، وغيرهم ومعاصرته لهؤلاء العلماء الأجلاء الذين كان لهم باع في نشر العلم الصحيح وإنكار البدع والخرافات ومظاهر الشرك في البلاد الإسلامية ومعرفة ما يتم بينهم وبين خصومهم من منازعات واختلافات الأثر الذي حفز التلميذ النجيب على القيام بدور قيادي في هذه الميدان بين أهله وذويه وفي مسقط رأسه ومرابع صباه.
وكان لكثرة مطالعته لكتب التفسير وسيرة السلف الصالح وتاريخ المصلحين ومعرفة الحق بدليله على أيدي شيوخ فضلاء أثر في جعل رؤيته للحق واضحة ونزعته إلى الإصلاح على أصول ثابتة مقررة في الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح وكان لقوته في التمسك بالحق وصلابته في الدعوة وصموده في أيام الشدة وتحديده للسلطة السياسية في عصره لما حدث عن الحق في بعض أمور العقيدة وما ناله منها من الأذى والمحنة ما ثبته على قول الحق صابرا محتسبا مهما كلفه ذلك من أذى وعنت ومشقة حتى كتب الله النصر المؤزر على خصومه الأقوياء في نهاية الأمر، وبقي للناس مثلا حيا في الثبات على الحق والصبر على الأذى فيه فكان مثالا شاخصا حيا لكل مصلح وقائم لله بالحجة على الخلق.
ثم إن نشأته في مدرسة آبائه وأجداده من الحنابلة قد أتاحت له فرصة الاطلاع على سيرة الدعاة والعلماء من الحنابلة وقوتهم في الحق وقيامهم بواجبهم في بغداد ودمشق وفلسطين وغيرهما وصراحتهم في إنكار المنكر والدعوة إلى الله. كما أتاحت له مدرسة فقه الحنابلة الاطلاع على كتابات إمامين عظيمين من أئمة الحنابلة هما شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله بما يمثلانه من تيار الإسلامي دافق ونزعة إصلاحية.
فهذه الروافد السالفة الذكر من أهم العوامل التي أثرت في فكر الإمام محمد بن عبد الوهاب والتي حددت له معالم طريق الإصلاح الديني والاجتماعي
стр. 42
والسياسي في نجد وهي واضحة الأثر في فقهه ومنحاه في الاجتهاد وطريقه في الإصلاح ومأخذه من الأدلة وكلها تدل على أن هذه المؤثرات كلها قد أسهمت بمقادير مختلفة في تكوين فكره وشخصيته وعمله وقد أثمرت هذه كلها نتائج مهمة متمثلة في:
١- اقتناعه التام بوجوب العمل على إنكار المنكر ومحاربة البدع القائمة في نجد وغيرها بكل الوسائل الممكنة ومواجهة كل الظروف المحتملة لهذه المواقف بكل عزم وإصرار وتحد بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البيان والدليل بالقول والعمل والاعتقاد على السواء
٢- محاربة التقليد والتعصب الأعمى للبلد والقبيل والمذهب والشيخ والطائفة ووزن الناس بميزان الكتاب والسنة ودعوته إلى الاجتهاد لمن توافرت له أسبابه وقامت به أوصافه.
٣- جعل المقام الأول للكتاب العزيز والسنة المطهرة وجعل الحاكم لهما على كل شخص أو رأي أو مذهب أو شيخ ومحاولة ربط الحياة بهما في مختلف جوانبها قدر المستطاع.
٤- الاقتناع التام ممن قام على تحقيق كلمة لا إله إلا الله في واقع حياة وفي حياة من يقوم على أمرهم بأن العاقبة له وأنه سيمكن له في الأرض وينصره الله على أعدائه ويظهره على من عاداه كما قالها صريحة لأمير العيينة حينما هدده قائد الاحساء بقطع خراجه.
٥- مواجهة الخصوم بالشجاعة الكاملة والمواقف المعلنة والبدء بالبيان والحجة والدليل والبرهان والقدوة الحسنة والسيرة العلمية الموافقة للحق ثم بالقوة المادية متى دعت إليها الضرورة أو قامت إليها حاجة.
التركيز على تصحيح العقيدة وإخلاص العمل لله، والبراءة من الشرك وأهله وبيان ما يناقض العقيدة الصحيحة، وتحذير الناس منه وتحقيق معنى قول "لا
стр. 43
١- إله إلا الله" قولا واعتقادا وعملا وبيان ما يناقضها من الأقوال والأقوال والاعتقادات، ورد الناس ٍإلى ما كان عليه السلف الصالح في ذلك كله بفهم ووعي وممارسة مدللا على ذلك بالأدلة الواضحة من الكتاب والسنة وأقوال وسيرة السلف الصالح من هذه الأمة.
٢- بيان معنى التوحيد بأقسامه الثلاثة وإيضاح الشرك ظاهره وخفيه وبيان فضل التوحيد وتكفيره للذنوب والتنبه على أن أعظم ذنب يعصى الله به هو الشرك، وأن الشرك محبط للعمل وموجب دخول النار.
٣- تحديده لمعنى العبادة وأنها لا تكون إلا لله وحده وأن من صرف شيئا منها لغير الله فإنه يكفر بذلك.
٤- تشديده في النكير على بعض ما يفعله العوام في نجد والعالم الإسلامي مما يتنافى مع مقتضى عقيدة التوحيد أو ينقص من كماله.
٥- اهتمامه بفرائض الإسلام وتعليمها للناس وإلزام الناس بالقيام بها قدر المستطاع وبيان فضلها ومكانتها من الدين وبيان حكم من ترك شيئا منها وجعل علم الضروري منها علما مشاعا في الناس لا يعذر أحد بالجهل به حتى صار تدريسه واجبا يوميا يؤدى في المساجد العامة بين أفراد وعوام المسلمين في نجد.
٦- تحقيق معنى الإسلام وبيان أركانه وذكر كل حكم بدليله من الكتاب أو السنة أوبهما معا مع إيضاح نواقض الإسلام وكبائر الذنوب.
٧- احترام لأئمة الأربعة المتبوعة مذاهبهم حتى اليوم وبقية أئمة الإسلام من غير تفريق بين إمام وغيره وبين مذهب وآخر، وجعل الدليل من الكتاب والسنة هما الحاكم على المذاهب وأقوال الرجال في كل العصور لمن قدر على الوصول إلى الحكم بدليله وتوفرت له آلة الاجتهاد المطلق أو المقيد في الحكم على المسائل. ولهذا فإنه يقرر أنه في الفقه على مذهب الإمام أحمد ومتى ظهر له الدليل مع
стр. 44
غيره في مسألة أخذ بما يؤيده الدليل وترك المذهب وأما العوام فمذهبهم مذهب من يفتيهم من أهل العلم والدين.
١- إنفاق وقته وجهده وماله ونفسه في سبيل الدعوة إلى الله وتصحيح العقيدة وإقامة شرائع الدين وحراسة الشر ع بواسطة قوة سياسية مؤمنة بهذا الدين. وإحياء الشعور الإسلامي الواحد والأمة المحمدية الواحدة والهدف الواحد والغاية المشتركة وتجلية بعض المفاهيم الإسلامية التي انحرف بها الناس عن حقيقتها.
٢- العمل على إقامة قوة السياسية قادرة على نشرة الدعوة الإصلاحية وحراسة الدين والدفع عنه إلى جانب الأخذ بأسباب نجاح الدعوة بواسطة الدعة والوعظ والإرشاد والتعليم وبعث البعوث والرسائل وإقامة الحدود وترسيخ المفاهيم الصحيحة في نفوس الناس بكل وسائل الممكنة.
٣- رفع راية الجهاد الإسلامي لنصرة دين الله ودحر أعدائه وتأمين دعاته ملتزما في ذلك قواعد الجهاد الإسلامي ومتطلباته وآدابه.
٤- التمييز بين حزب الله وأوليائه وبين حزب الشيطان وأتباعه وغرس روح الولاء لله ولرسوله وللمسلمين ومعاداة أعداء الله ووجوب جهادهم بكل وسيلة حتى يعودوا للحق.
٥- بيان الحق في الولايات والشفاعات وما دخل بسببها على المسلمين في عقائدهم من انحراف وفساد وما يجب في ذلك كله مع بيان الدليل عليه من الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح.
٦- رد الناس إلى الله في أمور العقيدة ومسائل العبادات ومظاهر السلوك في الحكم والقضاء والإفتاء في التعليم والعمل والاعتقاد وتعظيم نصوص الشرع في نفوس الناس وجعل الحكم لهما في كل الأمور وإقامة القوة سياسية حارسة للدين حامية للشرع مقيمة للعدل.
стр. 45
١- إقامة الحياة إسلامية نظيفة متمثلة في مجتمع إسلامي قائم على حراسة الدين وحماية جناب التوحيد ساد لأبواب الشرك ومداخله قد تحقق فيه وضوح الهدف والغاية وتجلت له المفاهيم الإسلامية كما أرادها الله منه صافي العقيدة مقيم لفرائض الدين عارف بالحلال والحرام والجائز والممنوع في المطاعم والمشارب والملابس وغيرها موحد الفكر محدد الهدف مرصوص الصفوف متماسك البناء يأخذ بوعي ويترك بفهم ويقاتل لهدف ويتعامل بأدب الإسلام في مختلف علاقاته العامة والخاصة.
موافقاته للرسول ﷺ في دعوته:
الشيخ محمد بن عبد الوهاب عالم مجدد وداعية إلى الله مصلح يترسم في دعوته الإصلاحية أعمال وخطوات رسول الله ﷺ في دعوته، فإن كتاب الله العزيز محفوظ والسنة النبوية المطهرة والسيرة العطرة لرسول الله ﷺ مدونة وموثقة، ومن وفقه الله للفقه في الدين والوعي لهذه النصوص من السيرة النبوية الكريمة استطاع أن يعرف فقه الرسالة المحمدية وأعمال وتصرفات رسول الله ﷺ في دعوته.
ومن تتبع خطوات دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقارن كثيرا من أعماله وتصرفاته بما قام به رسول الله ﷺ وجد له موافقات كثيرة لأعمال وتصرفات نبي الرحمة وذلك بتوفيق من الله ثم بالمحاولة الصادقة من إمام الدعوة ﵀ في تحقيقه المتابعة لرسول الله ﷺ والاقتداء به في أعماله وتصرفاته وأقواله وكانت هذه موافقات من أسباب نجاح هذه الدعوة والحمد لله.
وموافقات هذه الدعوة الإصلاحية وتصرفات رسول الله ﷺ في دعوته كثيرة وليس من مقصودنا في هذه المقام إجراء تتبع واستقراء تام لموافقات دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب للرسول ﷺ في دعوته، ولكن غايتنا الإشارة الموجزة لبعض هذه الموافقات التي تمت في هذه الحركة الإصلاحية التجديدية لبيان صدق الانتماء وقصد المتابعة وترسمها لسيرة النبي العظيم عليه الصلاة والسلام
стр. 46
* فإذا كان رسول الله ﷺ قد بدأ دعوته بالدعوة إلى التوحيد والإخلاص لله وأول ما أنزل عليه ﷺ في الرسالة قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ .. الآيات. فإن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدأت بهذا الأصل العظيم دعت إلى تحقيق التوحيد وتخليصه من شوائب الشرك والبدع والانحرافات وكانت الخصومة بينه وبين قومه في هذا الأصل لاسيما توحيد الألوهية كما كانت خصومة النبي ﷺ مع كفار قريش في مكة حول هذا الأصل كما قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ .
* وإذا كانت دعوة الرسول ﷺ قامت في أول أمرها في مسقط رأسه وبين أهله وأقربائه وسكان بلده وأنه وجد منهم في بدء الرسالة الإعراض والأذى ومحاولة قتله حتى اضطر إلى الهجرة إلى المدينة. فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد جهر بدعوته في بلده حريملاء ووجد من أقرب الناس إليه صدودا وإعراضا وأذى حتى اضطر إلى ترك بلده حريملاء والانتقال منها إلى العيينة ثم إلى الدرعية مطرودا خائفا.
* وإذا كان رسول ﷺ عرض نفسه على القبائل العربية في مواسم الحج يطلب النصرة والتأييد لرسالته ويعد بالنصر والتأييد من الله لمن أيده حتى وجد من يقبل دعوته ويعقد معه البيعة وكان هذا الشرف العظيم لأهل المدينة المنورة من الأوس والخزرج وتم ذلك في بيعتي العقبة الأولى والثانية ثم تلتها الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة في كنف الأنصار ﵃، فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب اقتدى بنبي الهدى ﵊ في ذلك فكان يعرض نفسه ودعوته على أمراء بلدان نجد ويعد من يقبلها ويؤازرها بالنصر والتأييد فعرض نفسه ودعوته على أمير العيينة فقبلها في أول الأمر ثم أدرك ضخامة تبعاتها وأحسن من نفسه العجز عن القيام بواجبها وتحمل مسئولياتها ثم أخرج إمامها وحاول قتله فأنجاه الله ثم عرض نفسه على أمير الدرعية الإمام محمد بن سعود فقبلها. وتمت بينهما بيعة شبيهة ببيعة العقبة انتقلت بها الدعوة من طور إلى طور من دعوة فردية إلى مجتمع مسلم بقمته وقاعدته.
* بدأت أعمال رسول الله ﷺ في المدينة المنورة بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
стр. 47
والترحيب بالمهاجرين وإيوائهم وتعليمهم وتوحيد غاية المسلمين وصفوفهم واعتماد الجهاد طريقا للدفاع عن المجتمع المسلم الوليد.
وكذلك حركة الإصلاح والتجديد آخت بين أتباعها واستقبلت أنصارها وأتباعها الوافدون إليها، ويسرت لهم سبل العلم الشرعي وأعانتهم على تكاليف الحياة. ودمجت الوافدون إلى الدرعية مع أهلها الأصليين ووحدت بينهم عقيدة التوحيد ونصرة الدعوة، ورفعت راية الجهاد في سبيل الله لحماية الدعوة وتأمين دعاتها والانتصاف من خصومها.
* بعد قيام دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة على يد الرسول الكريم ﵊ بدأ رسول الله ﷺ في تربية المجتمع المسلم في المدينة على أحكام الدين وآداب الإسلام وتطبيق أحكام الشريعة في كل شئون الحياة كما أراد الله.
وكذلك دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد أن توافر لها المجتمع المسلم المؤمن بها في الدرعية بدأت تطبيق أحكام الإسلام على الناس , وبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود وتحكيم الشريعة في شئون الحياة المختلفة.
* كان انتماء العرب في جاهليتهم للقبيلة والأقربين في النسب وللبلد والعشيرة والمناصرة على أسس جاهلية , فلما جاءت الرسالة الخاتمة أبدل الله بهذه الروابط الجاهلية رابطة الدين وأخوة الإسلام وجعل الإيمان بهذه الرسالة أساس الانتماء، وعليه تقوم المودة والإخاء والعداوة والبغضاء حتى انقسم البيت الواحد على نفسه لا سيما في مجتمع مكة قبل وبعد الهجرة , وصار الأخ في النسب يعادي أخاه في النسب على الدين , ويناصر عليه من لا تربطه رابطة النسب بل رابطة الدين فقط. بل وقف الأخ في وجه أخيه بالسلاح , وقتل الابن أباه في بدر وأحد وغيرهما من معارك الإسلام الفاصلة.
وكذلك دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي أقامت روابطها على الدين وحده واختلف فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب مع أخيه سليمان، وانقسم مجتمع كل
стр. 48
من حريملاء والعيينة بين مؤيد له ومعارض لدعوته. وقامت الرابطة في الدرعية على الأخوة في الدين والنصرة على تحقيق التوحيد، وأكدت هذه الحركة على مبدأ عظيم هو مبدأ الولاء والبراء, الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراء من خصوم الدعوة والمعارضين لها من القبوريين وعلماء السوء والأمراء الظلمة. وعلى هذا الأساس قامت الروابط وتحددت الموفق وصهرت عصبيات الجاهلية التي كانت مستحكمة في مجتمع نجد الذي ولدت فيه هذه الدعوة.
* بدأت الرسالة المحمدية بنواة المجتمع المسلم في المدينة المنورة ثم ظلت في صراع مع خصوم هذه الرسالة من قريش وقبائل العرب وغيرهم واستمر هذا المجتمع في جهاده يتوسع ويكسب المواقع لنشر هذا الدين واحدا بعد الآخر حتى جاء نصر الله والفتح. وخضعت قبائل العرب لهذا الدين ودخلوا في دين الله أفواجا، وتمكنت هذه الرسالة من تحقيق مراد الله في خلقه، وإبلاغ دعوته إلى الناس كافة، وظلت في توسيع مستمر حتى اختلت أكثر من نصف الكرة الأرضية.
ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدأت بمجتمع محدود في عزلة شديدة عن العالم، تكالبت عليه المعارضة وتلاقت على حربه من كل حدب وصوب وظل يصارع هذه المعارضة سنين طويلة حتى أظهره الله عليه، وتحقق لأئمة هذه الدعوة من القوة والسلطان والنفوذ مالم يتوقعه حتى دخل معظم أقاليم الجزيرة تحت نفوذ هذه الدعوة واستطاعت أن تعلن عن نفسها ومبادئ دعوتها في مواسم الحج ومجامع الناس.
وهكذا نجد كثيرا من أعمال إمام هذه الدعوة قد تحققت فيه الموافقة والمتابعة لرسول الله ﷺ في كثير من أعماله وتصرفاته.
وقد أشار فضيلة أستاذنا الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي في كتابته عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى كثير من هذه الموافقات مما لم يسبق لي أن رأيت أحدا أشار إليه.
ومع الأسف أنني وأنا أخط هذه الأحرف لم يكن ذلك المؤلف الممتاز
стр. 49
لاقتبس من كلامه وانقل من صور الموافقات. ولكن ما أشرت إليه هنا يعطى مفتاحا لهذا الموفقات والله هو الموفق.
مقام الشيخ ﵀ في الدرعية:
لم يكن مقام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في الدرعية مقام المسلم الواعظ فحسب ولكنه كان معلما وواعظا وقدوة حسنة في حياة وسيرته الذاتية، وكان مع ذلك كله في دفة القيادة جنبا إلى جنب مع الإمام محمد بن سعود في رسم السياسة، وإيواء الوافدين إلى الدرعية من الأنصار والمؤيدين ومواساتهم، ورفع كثير من المعاناة التي عانوها في بداية حياتهم فيها.
وهو مع هذا يجهز الجيوش ويقود الحملات ويتولى جباية الأموال وتقسيم الغنائم ومكاتبة البلدان وأمرائها وعلمائها ويقابل الوفود ويتولى بيت المال فلا يصرف شيء من المال إلا بتدبيره وإشارته وتوجيهه. وكان تفاهمه مع الإمام محمد بن سعود تاما على كل هذه القضايا بلا أي حساسيات. وهو لم يكن طامعا في حكم ولا راغبا في إمارة ولا ساعيا وراء شهرة أو مجد شخصي، ولكنه رجل دعوة وقائد حركة إصلاح وحامل عقيدة ومؤدي وظيفة في المجتمع. وكل همه نشر عقيدة التوحيد ولم شعث هذه الأمة وإعادة الحياة الإسلامية في مختلف جوانب الحياة إلى الأمة التي ولد فيها وتربى في أحضانها وملأ حبها كل جوانحه وملك عليه كل مشاعره ليخرجها بهذا الدين من ظلمات الجهل إلى نور العلم والإيمان.
يقول المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر في وصف سخائه على ضيوفه الوافدين إليه وخفض جناحه لطلاب العلم "وكان عطاؤه عطاء من وثق بالله لا يخشى الفقر بحيث إنه يهب الزكاة والغنيمة في موضع واحد لا يقوم ومعه منها شيء، ويتحمل الدين الكثير لأضافه وسائر الوافدين إليه، وعليه الهيبة العظيمة التي ما سمعنا بها اتفقت لغيره من العلماء والرؤساء وغيرهم. وهذا شيء وضعه الله في القلوب، وإلا فما علمنا أحدا ألين ولا أخفض جنابا منه لطالب علم أو سائل أو ذي حاجة أو مقتبس
стр. 50
فائدة"١ وأما عن إسهامه في بناء الدولة السعودية في الدرعية فقد قال الشيخ عثمان بن بشر في تاريخه: "وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – هو الذي يجهز الجيوش ويبعث السرايا ويكاتب أهل البلدان ويكاتبونه والوفود إليه والضيوف عنده والداخل والخارج من عنده. فلم يزل مجاهدا حتى أذعن أهل نجد وتابعوا وعمل فيها بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبايعوا, فعمرت نجد بعد خرابها وصلحت بعد فسادها ونال الفخر والملك من آواه وصروا ملوكا بعد الذل والتفرق والقتال , وهكذا كل من نصر الشريعة من قديم الزمان وحديثه فالله يظهر على أعدائه ويجعله مالكا لمن عاداه"٢
وفي وصف أثر الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحركته الإصلاحية يقول ابن بشر ﵀: "وكفى بفضله شرفا ما حصل بسببه من إزالة البدع واجتماع المسلمين وتقويم الجماعات والجمع وتجديد الدين بعد دروسه وقطع أصول الشرك بعد غروسه"٣
ولهذا فإن مقام الشيخ من الدعوة ودولتها في الدرعية مقام الرائد الأمين والسياسي المجرب والمصلح الذي يحمل هم أمته وإصلاح مجتمعه والقائد العسكري الشجاع إلى جانب قيادته الفكرية والعملية الإصلاحية التي قامت على التعليم والعمل والحركة والنشاط والممارسة ﵀ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
стр. 51
الفصل الثالث: الاعتقاد والدعوة ومنشأ الاختلاف
أولا – حقيقة اعتقاده:
مع تتبعي لكتابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورسائله الشخصية على كثرتها لم أجد سؤالا وجه إليه من علماء " العارض " الذين نشأت الدعوة بينهم وقامت الخصومات الشديدة بينهم وبينه في دعوته يسألونه عن حقيقة عقيدته لأنه معروف الأصل والنسب والشيوخ وبيت العلم الذي نشأ فيه وتربى في أحضانه وإنما وجهت له الأسئلة من أهل المناطق النائية التي لم يكن معروفا فيها قبل دعوته، فلما قامت الخصومات ودار الجدل حول دعوته الإصلاحية وأثيرت في وجهها الشبهات احتاج علماء المسلمين في أنحاء الجزيرة العربية إلى معرفة حقيقة اعتقاده في أصول الدين وأصل خلافه مع علماء أهل العارض.
وممن سأله عن حقيقة عقيدته أهالي القصيم والشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السويدي من علماء العراق، والشيخ أحمد بن محمد العديلي البكلي من علماء اليمن والشيخ عبد الله بن عبد الله الصنعاني عالم اليمن وإمامها في العلم والدين كما شرح حقيقة اعتقاده في الرسالة العامة التي بعث بها إلى عامة المسلمين ولم يذكر في هذه الرسائل الجليلة تاريخ كتابة أي منها وكلها تشرح وتؤكد حقيقة اعتقاده والأصول التي تستند إليها دعوته وهي تختلف في طولها وقصرها من رسالة إلى أخرى مراعيا فيها حال المخاطب وما يحتاج إلى إيضاحه له من حقيقة هذه العقيدة وسبب اختلافه مع علماء العارض وغيرهم. وهذه الرسائل المحددة في شرح عقيدته تدل على محدودية الخلاف معه في أصل العقيدة التي تركزت حول توحيد الأسماء والصفات وبعض القضايا
стр. 52
الجزئية إذا ما قورنت بالخلاف معه في دعوته التي تمركزت حول توحيد الألوهية وتحقيق معنى لا إله إلا الله في صورتها الكاملة كما أرادها الله وكما فهمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من نصوص الكتاب والسنة ومنهاج السلف الصالح وفقهاء المسلمين المحققين في مختلف المذاهب ويمكن تلخيص حقيقة اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب من خلال رسائله التي سلف ذكرها في النقاط التالية:
١- في مجال الإيمان – قال ﵀:
أ - أشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية: أهل السنة والجماعة من: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره ١
ب - وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ٢قال تعالى ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ ٣ وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق٤.
ج - الإيمان بأسماء الله وصفاته: وهو الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل، بل الاعتقاد بأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
قال الشيخ: فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه ولا ألحد في أسمائه وآياته ولا أكيف ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه لأنه تعالى لا سمي له ولا كفؤ له ولا ند له ولا يقاس بخلقه فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره
стр. 53
وأصدق قيلا وأسن حديثا فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل ١ فقال الله تعالى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢
١- في باب أفعال الله سبحانه ووعده ووعيده وفي الإيمان والدين:
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب إنه يعتقد ما تعتقده الفرقة الناجية ٣ في ذلك كله وهو أنهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية ٤ والجبرية ٥ وهم في باب وعيد الله بين المرجئة ٦ والوعيدية ٧ وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية ٨ والمعتزلة ٩ وبين المرجئة والجهمية ١٠ "الرسالة رقم ١-٨".
стр. 54
وأن الله فعال لما يريد ولا يكون شيء إلا بإرادته ولا يخرج شيء عن مشيئته وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره ولا محيد عن القدر المحدد ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور. " الرسالة نفسها ص٩".
١- عقيدته في القرآن:
يقول الشيخ محمد ﵀ اعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود وأنه تكلم به حقيقة وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا حمد ﷺ .
٢- الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت: مثل
أ - الإيمان بفتنة القبر ونعيمه وعذابه.
ب - إعادة الأرواح إلى الأجساد فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا.
ج - دنو الشمس من الناس في الموقف يوم الحساب.
د - نصب الموازين لتوزن بها أعمال العباد ﴿مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾
هـ- نشر الدواوين فآخذ كتابه بشماله وآخذه بيمينه.
٣- اعتقاده في الجنة والنار:
أ - الإيمان بأن الجنة والنار مخلوقتان.
ب - الإيمان بأنهما اليوم موجودتان.
ج - الإيمان بأنهما لا يفنيان.
د- الإيمان بالصراط وأنه منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم.
стр. 55
١- اعتقاده في رؤية المؤمنين لله يوم القيامة:
ويؤمن بأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته.
٢- اعتقاده في رسولنا محمد ﷺ :
وعقيدة الشيخ في هذا المقام تتلخص فيما يلي:
أ - إيمانه بأن نبينا محمدا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين ١
ب - أنه لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته ٢
ج - الإيمان بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة وأن ماءه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وآنيته عدد نجوم السماء وأن من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا٣
د- الإيمان شفاعة النبي ﷺ وأنه أول شافع وأول مشفع وأنه لا ينكر شفاعة ﷺ إلا أهل البدع والضلال ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضا٤ كما قال تعالى ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٥ وقال تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٦ وقال تعالى ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٧ وهو لا يرضى إلا التوحيد ولا يأذن إلا لأهله وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب كما قال تعالى ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٨
стр. 56
هـ- وجوب المتابعة لرسول الله ﷺ في الاعتقادات والأقوال والأفعال كما قال تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ٠٠الآية﴾ ١. وأن الأقوال والأفعال توزن بأقواله وأفعاله فما وقفها قبل وما خالفها رد على فاعله كائنا من كان إذ أن شهادة أن محمدا رسول الله تتضمن تصديقه كما أخبر به وطاعته ومتابعته في كل ما أمر به ٢
١- اعتقاده في الصحابة ﵃:
أ - أن صحابة رسول الله ﷺ أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﵊ عملا بقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣ وأن أفضل الصحابة ﵃ أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر ثم أهل الشجر أهل البيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة ﵃ أجمعين.
ب - الإيمان بوجوب تولي أصحاب رسول الله ﷺ وذكر محاسنهم والترضى عنهم والاستغفار لهم.
ج- الكف عن مساوئهم والسكوت عما شجر بينهم.
стр. 57
١- اعتقاده في الأولياء:
الشيخ محمد بن عبد الوهاب يقر بكرامات الأولياء ومالهم من المكاشفات وهو يعتقد أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئا ولا يجوز أن يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله.
٢- عقيدته في أهل الإسلام: وتتلخص في الآتي:
أ - أنه لا يشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد رسول الله ﷺ ولكنه يرجو للمحسن ويخاف على المسيء.
ب - أنه لا يكفر أحدا من المسلمين بذنب ولا يخرجه من الإسلام.
ج - يرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا ويحكم عليهم بالظاهر من أعمالهم ويكل سرائرهم إلى الله.
د - أن كل محدثة في الدين بدعة.
٣- اعتقاده في الإمامة والجهاد:
ويرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله وأن من ولى الخلافة أو اجتمع عليه الناس ورضوا به أو غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وجبت طاعته وحرم الخروج عليه ويرى أن الجهاد ماض مع كل إمام برا كان أو فاجرا وصلاة الجماعة خلفهم جائزة وأن الجهاد ماض منذ بعث الله محمدا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل.
٤- اعتقاده في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والولاء والبراء في الدين:
أ - يرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة.
ب - يرى أن الموالاة في الله والمعاداة فيه والحب لأوليائه والبغض لأعدائه واجب من
стр. 58
واجبات الدين لا يصير للرجل دين إلا بها لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ١ وقوله تعالى ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ٠٠إلى قوله تعالى ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ٢ الآية وقال إنه يجب على الرجل أن يعلم أولاده وأهل بيته ذلك وأن ذلك أعظم من وجوب تعليم الوضوء والصلاة.
стр. 59
ثانيا- "أصول دعوته ":
تعتمد حركة الإصلاح والتجديد في نجد على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في دعوتها وأصولها وأحكامها على الأدلة الشرعية الثابتة والمفيدة عند الأصوليين في مختلف المذاهب الإسلامية, وهي:
١- الكتاب العزيز.
٢- السنة النبوية.
٣- الإجماع.
٤- الاجتهاد والقياس.
وما تفرع عن هذه الأصول الأربعة من أصول فرعية معتبرة عند جمهور الأصوليين كما تنطلق من أرضية الواقع الذي ولدت فيه وشاهد إمامها أحداثها وعايش أحوال الناس فيها وهو المجتمع القائم وقت قيام هذه الدعوة في نجد وبقية أجزاء شبه جزيرة العرب وكثير من أقطار العالم الإسلامي وما طرأ على هذه المجتمعات من تخلف وانحراف في العصور المتأخرة من حياة المسلمين في مجالات مختلفة بسبب قلة العلماء وفقد المجتهدين اجتهادا مطلقا ومقيدا وفشوا الجهل وانتشار التقليد والتعصب وفقد القيادة الراشدة والإمامة العادلة التي تقوم على الحق وتحرس
стр. 60
الدين وتأخذ بالناس إلى الهدي والرشد. بل حصلت بفقدها الفوضى والاضطراب واختلاف حبل الأمن وقطع الطريق وإخافة السالكين وظهر بسبب ذلك كله الانحراف في العقيدة والشريعة والسلوك والخروج على بعض مبادئ الإسلام وإهمال بعضها الآخر إلى غير ذلك مما سبق ذكره في العرض التاريخي للحياة الدينية والسياسية في صدر هذا البحث قبل هذه الدعوة المباركة. ولما قامت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في منتصف القرن الثاني عشر الهجري في نجد كان مولدها في هذه البيئة التي وصفناها. وعايش إمامها واقعها المؤسف وشاهد أحداثها المؤلمة وكانت نشأته في بيت علم مكنه من دراسة الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة والاطلاع على فقه الأئمة الأربعة وسير الصالحين وكتابات الإمامين الجليلين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وراعه الفارق الكبير القائم بين مقتضى الأدلة الشرعية في مصادر التشريع الإسلامي التي أسلفنا ذكرها وبين الواقع المعاش في نجد وأجزاء كثيرة من شبه جزيرة العرب وكثير من بلاد الإسلامي في ظل الخلافة العثمانية في عهودها المتأخرة.
وقد وفقه الله لإدراك مراد الله في نصوص شرعه ومعرفة الواقع المعاش في حياة الناس في وقته وإجراء الموازنة الصحيحة بين ما أراده الله من عبادة وما يقوم الناس به من أعمال وممارسات مخالفة لمراد الله في نصوص شرعه في بعض جوانب الحياة.
كما وفقه للقيام بواجب الإصلاح والتجديد والاضطلاع بهذه المهمة العظيمة والخطيرة في الوقت نفسه. فأخذ يعد نفسه بسلاح العلم والبصيرة في الدين على شيوخ بلاده وغيرهم ممن رحل إليهم في طلب العلم والاستزادة منه , فلما أحسن من نفسه القدوة على مباشرة الدعوة وتحمل مسئوليتها باشر الدعوة بتعليم الناس الخير وتنبيههم إلى مخاطر الانحراف في المجتمع وحدد مظاهره ومن ثم بدأ في الإصلاح والدعوة بالأهم فالمهم في خطوات متتابعة ومستمرة أملا في هداية الناس وقياما بواجب العلم وطلبا للثواب من الله، وقد تركزت هذه الدعوة وتمحورت حول أصول أساسية في الدين طرأ الانحراف عليها في حياة المسلمين فجاءت هذه الدعوة
стр. 61
الإصلاحية لتصحيح مسار الناس فيها ورد الخلق إلى الحق وتحقيق مراد الله في نصوص شرعه ومقاصد دينه وأعمال عباده وكان أهم هذه الأصول ما يلي:
١- تحقيق التوحيد: التوحيد هو إفراد الله بالعبادة وتوحيده في المعرفة والإثبات وتوحيده في الطلب والقصد وتحقيقه هو تنقيته من شوائب الشرك والبدع والإلحاد, وينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام هي:
١ - توحيد الربوبية: وهو توحيد الله بأفعاله واعتقاد أن الله سبحانه هو المتفرد بالخلق والرزق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم وأن هذا حق لابد منه لكن ذلك لا يدخل الإنسان في الإسلام وأن أكثر الناس مقرون به١ قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٢ وأكثر الكفار يؤمنون بهذا النوع من التوحيد ولم يدخلهم في الإسلام.
٢- توحيد الألوهية: وهو توحيد الله بأفعال العباد فلا يجوز أن يسجد إلا لله ولا يركع إلا له ولا يدعى في الرخاء والشدة إلا هو ولا يذبح إلا له ولا يعبد بأي نوع من العبادات إلا هو وحده لا شريك له وأن من صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله من الأنبياء أو الأولياء أو الصالحين أو غيرهم من الأحياء والأموات فقد أشرك. وتعريفه لهذا النوع من التوحيد يخالف تعريف المتكلمة والصوفية وغيرهم من أن المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية وأنهم إذا أثبتوا ذلك فقد غاية التوحيد وأن من أقر لله بما يستحقه من الصفات
стр. 62
ونزهه عن كل ما تنزه عنه وأقر أنه سبحانه خالق كل شيء فهو الموحد.
ج- توحيد الأسماء والصفات: وهو الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل واعتقاده أنه سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وقد سبق بيان ذلك في عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب , وقد تمحورت وتمركزت بشكل رئيسي في توحيد الألوهية والعبادة كما تناولت بالتحقيق والإيضاح عقيدة السلف الصالح توحيد الأسماء والصفات والأول على جانب علمي عملي عبادي والثاني إيماني معرفي ولهذا فإننا نجد الشيخ ﵀ نكرر في رسائله وكتبه بأنه إنما يدعوا إلى تحقيق معنى لا إله إلا الله وما تضمنته من نفي وإثبات وقال:"إن التوحيد الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم إفراد الله بالعبادة كلها ليس فيها حق لملك مقرب ولا نبي مرسل فضلا عن غيرهم فلا يدعى إلا إياه" كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١
فمن عبد الله ليلا ونهارا ثم دعا نبيا عند قبره فقد اتخذ إلهين اثنين ولم يشهد أن لا إله إلا الله لأن الإله هو المدعو كما يفعل المشركون اليوم عند قبر الزبير أو عبد القادر أو غيرهما وكما يفعل هذا عند قبر زيد وغيره ومن ذبح لله ألف ضحية ثم ذبح لنبي أو غيره فقد جعل إلهين اثنين٢
بل أكد في أكثر من موضع في كتبه ورسائله بأن هذا النوع من أنواع التوحيد هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الرسل وأممهم وأن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ إنما قاتلهم على توحيد الألوهية. فإن كفار قريش كانوا يعرفون الله ويعظمونه ويحجون ويعتمرون ويزعمون أنهم على دين إبراهيم الخليل وأنهم يشهدون أن الله
стр. 63
هو الخالق الرازق المدبر للأمور وحده ولكنهم يدعون مع الله غيره ويقولون هؤلاء شفعاءنا عيد الله ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ١
١- حقيقة التوحيد:
وتوحيد الألوهية هو ما عبر عنه بمعرفة معنى لا إله إلا الله ويرى أن لكلمة لا إله إلا الله ركنين هما:
١- نفي الألوهية عما سوى الله.
٢- إثبات الألوهية لله وحده لا شريك له وإخلاص العبادة له وحده.
ويرى أن أكثر من يقولها في زمنه لا يعرف معناها ولا يعرف الإخلاص ولا اليقين أو يقولها تقليدا أو عادة ويستدل على ذلك بأن الشيخ عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن وهو من أجل علماء أهل نجد قال في رسالته العامة التي وجهها إلى عامة المسلمين يحثهم فيها على التوحيد ومعرفة شهادة ألا إله إلا الله وقد جاء فيها "فالله الله عباد الله لا تغتروا بمن لا يعرف شهادة أن لا إله إلا الله وتلطخ بالشرك وهو لا يشعر فقد مضى أكثر حياتي ولم أعرف من أنواعه ما أعرفه اليوم فلله الحمد على ما علمنا من دينه"٢
وقال الشيخ محمد ﵀ في الرسالة التي بعث بها إلى أهل الرياض ومنفوحة "فمن زعم من علماء العارض أنه عرف معنى لا إله إلا الله أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت أو زعم عن مشايخه أن أحدا عرف ذلك فقد كذب وافترى ولبس على الناس ومدح نفسه بما ليس فيه وشاهد هذا أن عبد الله بن عيسى ما نعرف في علماء نجد ولا علماء العارض ولا غيره أجل منه وهذا كلامه واصل إليكم "٣
ويرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن لكلمة لا إله الله سبعة شروط لا
стр. 64
تنفع قائلها إلا باجتماعها:
الأول: العلم المنافي للجهل.
الثاني: اليقين المنافي للشك.
الثالث: القبول المنافي للرد.
الرابع: الانقياد المنافي للترك.
الخامس: الإخلاص المنافي للشرك.
السادس: الصدق المنافي للكذب.
السابع: المحبة المنافية لضدها.
ويرى الشيخ محمد ﵀ أن الإسلام له نواقض عشرة ذكرها بقوله: اعلم أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة:
الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١ ومنه الذبح لغير الله كمن ذبح للجن أو القباب.
الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة كفر إجماعا.
الثالث: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر إجماعا.
الربع: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه كالذين يفضلون حكم الطاغوت على حكمه فهو كافر.
الخامس: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به كفر إجماعا والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ٢
السادس: من استهزأ بشيء من دين الله أو ثوابه أو عقابه كفر والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٣
стр. 65
السابع: السحر – ومنه الصرف والعطف فمن فعله أو رضى به كفر والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ١
الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢
التاسع: من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباعه ﷺ وأنه يسعه الخروج من شريعته كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى ﵉ فهو كافر.
العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ٣
ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره وكلها من أعظم ما يكون خطرا ومن أكثر ما يكون وقوعا فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه وصلى الله على محمد ٤
وهذا هو الفهم الدقيق والواسع لمعنى لا إله إلا الله بأركانها وشروطها ومقتضياتها ونواقضها ومحاولة تحقيق التوحيد وتنقيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي وشرح هذه الأمور للعامة والخاصة ودعوة الناس إلى الالتزام الكامل بها ومطالبة معاصريه بترك بعض المظاهر السائدة في المنطقة التي يمارسها العامة دون نكير من أحد مما يدخل في باب الشرك بالله شركا أكبر أو أصغر أو خفيا كدعوة الناس للأحياء أو الأموات والبناء على القبور والطواف حولها وطلب النفع والضر من أربابها أو الذبح لها أو العكوف عليها وطلب المدد والعون من أصحابها أو اتخاذ وسائط بين الله وبين عباده الاعتماد أو التوكل على غير الله أو الحلف بغيره سبحانه أو طلب
стр. 66
الرياء والسمعة بأعمال الخير وفعل الطاعات وكذلك التبرك بالأشجار والأحجار والجمادات وغيرها أو لبس الحلقة والخيط ونحوها لرفع البلاء أو دفعه بل وعدم مشابهة المشركين في أي فعل من أفعالهم وسد الذرائع الموصلة إليه مثل الذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله أو عبادة الله عند قبر رجل صالح إلى غير ذلك من الشرك وذرائعه التي كانت موجودة في عصره أو ما يدخل في باب البدع والخروج على صدق المتابعة لرسول الله صلى الله فيما جاء به من الدين مثل بدعة الاحتفالات بمولد النبي ﷺ والذكر في ليلة الجمعة والطرق الصوفية وغيرها من البدع التي كانت موجودة في عهده وما يدخل في باب المعاصي كقطع الطريق والسرقة وشرب الخمر والزنى والغيبة والنميمة وظلم الناس والاعتداء عليهم في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم أو ما يدخل في باب ترك الواجبات مثل ترك الصلاة أو عدم أداء الزكاة أو عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو إنكار معلوم من الدين بالضرورة أو ما يدخل في باب نواقض الإسلام العشرة التي مر ذكرها آنفا.
١- التحذير من الشرك: وسد الذرائع الموصلة إليه:
الشرك هو دعوة الله ودعوة غيره أو هو إشراك المخلوق مع الخالق فيما هو من خصائص الألوهية أو جاءت النصوص الشرعية بتسميته بالشرك ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر وهو أعظم ذنب عصي الله على وجه الأرض وهو من الذنوب التي لا يغفرها الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وهو من محبطات العمل كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ فلا ينفع مع الشرك صلاة ولا صوم ولا حج ولا عبادة ولا التقرب بأي نوع من أنواع القربات.
والشيخ محمد بن عبد الوهاب يقسم الشرك إلى ثلاثة أقسام هي:
١_ الشرك الأكبر: وهو إشراك المخلوق مع الخالق في أي نوع من أنواع العبادة أو جعل أحد من الخلق ندا لله أو شريكا له يتوجه إليه بالقصد والطلب فيما لا يجوز إلا لله. وهو شرك يخرج عن الملة لا يصح معه طاعة.
стр. 67
٢- شرك أصغر وهو كل فعل أو عمل وصفته النصوص الشرعية بالشرك وقد قال النبي ﷺ فيه "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال: الرياء يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء, وهذا النوع من أنواع الشرك لا يغفر الله لصاحبه إلا بالتوبة لعموم الأدلة الشرعية وأنه يحبط العمل الذي قارنه ولا يوجب التخليد في النار ولا ينقل من الملة.
٣- الشرك الخفي: وهو حالة تقوم بالنفس أو عثرة باللسان وغيرها ويسمى بشرك السرائر وهو كيسير الرياء والتصنع للخلق والحلف بغير الله ومثل قول ما شاء الله وشئت أو مالي إلا الله وأنت وأمثالها مما يدل على المشاركة من الألفاظ أو النوايا المضمرة. فعن أبي سعيد رضى الله عنه مرفوعا: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال قالوا بلى يا رسول الله قال الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل". رواه احمد.
ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قائمة على تحقيق التوحيد والبراءة من الشرك بجميع أقسامه وصوره وحالاته بل وتسعى إلى سد كل الذرائع الموصلة إلى الشرك.
وهي دعوة تعطي الوسائل حكم الغايات فكل وسيلة تفضي إلى محرم أو محذور فإن الوسيلة تعطي حكم الغاية, ولهذا فإن الشيخ ﵀ ذكر في كتابه التوحيد الذي هو حق الله على العبيد أبوابا في وجوب سد الذرائع الموصلة إلى الشرك مثل قوله"باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله "١ وقوله "باب ما جاء في أن سبب كفر بنى آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين "٢ وقوله "باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده "٣ ومثل قوله " باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك"٤وهذا باب
стр. 68
عظيم واسع وقد رتب الشيخ محمد ﵀ كثيرا من الأحكام والتطبيقات في واقع الحياة مما جعله يختلف في بعضه مع علماء عصره كذلك.
١- وجوب المتابعة لرسول الله ﷺ فيما جاء به:
ومن أصول دعوة الشيخ محمد بن عبد الله الوهاب ﵀ دعوة الناس إلى الناس وجوب المتابعة لرسول الله ﷺ فيما أمر به ونهى عنه وفيما جاء به من فرائض الدين وعدم إهمال شيء منها أو إنكارها أو جحدها أو التهاون فيها ووجوب الوقوف عند ما جاء به من غير زيادة عليه ولا نقص منه والابتداع في الدين بما لم يأذن به الله سبحانه وأن الأصل في العبادات التوقف والاتباع ولا يجوز لأحد أن يستحسن ويفعل شيئا لم يرد بها الشرع وفي تقرير هذا الأصل يقول الشيخ ﵀ في الرسالة التي بعث بها إلى أهل الرياض ومنفوحة مستنكرا عليهم الاختلاف في وجوب المتابعة فيقول: "وأنتم الآن إذا جاءكم من يخبركم بأمر الرسول ﷺ إذا أنكم فريقان تختصمون أفلا تخافون أن يصيبكم من العذاب ما أصابهم"١
وفي الرسالة التي بعث بها إلى عبد الله الصنعاني في اليمن جوابا على خطاب وصل منه يسأله عما هو عليه , قال فيه ﵀: "وأما متابعة الرسول ﷺ فواجب على أمته متابعته في الاعتقادات والأقوال والأفعال قال الله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ٠٠٠الآية﴾ ٢ وقال ﷺ "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " فتوزن الأقوال والأفعال بأقواله وأفعاله فما وافق منها قبل وما خالف رد على فاعله كائنا من كان فإن شهادة أن محمدا رسول الله تتضمن تصديقه فيما اخبر به وطاعته ومتابعته في كل ما أمر به ٣ وقد شرح هذا الأصل وأبدأ فيه وأعاد في مؤلفاته ودلل على صحته وبنى عليه أحكاما على المبتدعين مثل أهل المولد الذين يقيمون احتفالات سنوية بمولد
стр. 69
النبي ﷺ ويكون فيها بعض المنكرات فإن هذه الاحتفالات لم تكن موجودة في عهد النبي ﷺ ولا في عهد خلفائه من بعده ولا في القرون المفضلة وإنما هي من البدع التي أحدثت في الدين على يد الأعاجم ظنا منهم أنها بدعة حسنة وقد قام الشيخ محمد ﵀ بحملة شديدة على أهلها وشدد النكير فيها في الرسالة التي بعث بها إلى سليمان بن سحيم في الرياض قال قيها: "انك تقول إني أعرف التوحيد وتقر أن من جعل الصالحين وسائط فهو كافر والناس يشهدون عليك أنك تروح للمولد وتقرؤه لهم وتحضرهم وهم ينخون ويندبون مشايخهم ويطلبون منهم الغوث والمدد وتأكل اللقم من الطعام المعد لذلك فإذا كنت تعرف أن هذا كفر فكيف تروح لهم وتعاونهم عليه وتحضر كفرهم" ١ ويقول الشيخ عبد الله بن عيسى وهو من أجل علماء العارض وهو من أتباع الشيخ ﵀: "وأما الاتحادي بن عربي صاحب الفصوص المخالف للنصوص وابن الفارض الذي لدين الله محارب وبالباطل للحق معارض فمن تمذهب بمذهبهما فقد اتخذ مع غير الرسول سبيلا وانتحل طريق المغضوب عليهم والضالين المخالفين لشريعة سيد المرسلين فإن ابن عربي وابن الفارض ينتحلان نحلا تكفرهما قد كفرهم كثير من العلماء العاملين فهؤلاء يقولون كلاما أخشى المقت من الله في ذكره فضلا عمن انتحله فإن لم يتب إلى الله من انتحل مذهبهما وجب هجره وعزله عن الولاية إذا كان ذا ولاية من إمامة أو غيرها فإن صلاته غير صحيحة لا لنفسه ولا لغيره "٢
وقد كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب مؤيدا للشيخ عبد الله بن عيسى "وكذلك أيضا من أعظم الناس ضلالا متصوفة في معكال وغيره مثل ولد موسى بن جوعان وسلامة بن مانع وغيرهما يتبعون مذهب ابن عربي وابن فارض وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية وهم أغلظ كفرا من اليهود والنصارى فكل من لم يدخل في دين محمد ﷺ ويتبرأ من دين الاتحادية فهو كافر بريء منه الإسلام ولا تصح الصلاة خلفه ولا تقبل شهادته"٣
стр. 70
ويدخل في باب الخروج على المتابعة للرسول صلى الله عليه سلم إقامة الأذكار في ليلة الجمعة خاصة من كل أسبوع على هيئة مخصوصة وذكر مخصوص وفي وقت مخصوص والتقرب إلى الله بذلك مع أن ذلك لم يعرف في عهد النبي ﷺ ولا عهد خلفائه الراشدين ولا في الدولتين الأموية والعباسية ولا في القرون المفضلة وإنما هي بدعة جدت على حياة المسلمين في عصور الانحطاط والتخلف في ظل حكم الأعاجم.
وفي رد هذه البدعة يقول الشيخ محمد ﵀:"وأما مسألة التذكير فكلامك فيها من أعجب العجائب أنت تقول بدعة حسنة والنبي ﷺ يقول:"كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ولم يستثن شيئاً تشير علينا به فنصدقك أنت وأبوك لأنكما علماء ونكذب رسول الله" ونقل عن السيوطي في كتاب "الأوائل" أن أول ما حدث التذكير يوم الجمعة لتهيؤ الناس لصلاتها بعد سبعمائة في زمن الناصر بن قلاوون ثم قال "فأرنا كلام واحد من العلماء رخص فيه وجعله بدعة حسنة فليس عندك إلا الجهل المركب والبهتان والكذب ".
٥- وجوب الحكم بما أنز الله والرضاء به:
يعتبر الشيخ محمد ﵀ أن الحكم من أخص خصائص الألوهية وأنه لا يجوز العدول عن حكم الله ورسوله ﷺ إلى حكم الطواغيت وأعراف الجاهلية ولهذا فقد أكد على وجوب التحاكم إلى الله ورسوله ﷺ ورد الحكم إليهما عند التنازع وشدد النكير على من خرج عن ذلك إلى حكم الطواغيت المعاصرين له وأعراف الجاهلية ومواضعات البشر التي كان معمولا بها عند قيام دعوته وفي ذلك يقول الشيخ ﵀: "من أنكر البعث أو شك فيه أو سب الشرع أو سب الأذان إذا سمعه أو فضل فراضة الطاغوت على حكم الله" حتى قال: "إنه كافر مرتد"١ واعتبر أن من حكم بغير ما أنزل الله فإنه واحد من رؤوس الشياطين الخمسة.
стр. 71
ورتب على هذا الأصل أحكاما يكفر من عرف هذا الحكم بدليله وقامت الحجة عليه بالبيان والدعوة ثم أصر على التحاكم إلى غير ما أنزل الله وفضل حكم البشر على حكم خالقهم واعتدى على الألوهية في أخص خصائصها وجعل له إلها في الحكم غير الله وحكم على من أنكر هذا الأصل أو دافع عن مرتكبيه بالباطل أو شايعهم وظاهرهم على المسلمين أنه كافر.
٦- وجوب الكفر بالطاغوت:
ومن أصل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجوب الإيمان بالله والكفر بالطاغوت وعرف الطاغوت بأنه ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع وقال إن مصدر الضلالات التي وقعت في زمانه وتقع في الأزمنة المختلفة إنما ترجع إلى الطواغيت وذكر أن الطواغيت كثيرة ولكن رؤوسهم خمسة هم:
١- إبليس لعنه الله
٢- من عبد وهو راض.
٣- من دعا الناس إلى عبادة نفسه.
٤- من ادعى شيئا من علم الغيب.
٥- من حكم بغير ما أنزل الله.
وقد سمى هؤلاء الخمسة بالطواغيت لتجاوزهم حدودهم كمخلوقين إلى السطو على خاصية من خصائص الألوهية أو أكثر وتجاوزهم مقام المخلوق إلى مقام الخالق سبحانه.
وقبول الناس في أي عصر لهذا التجاوزات من المخلوقين يعد انحرافا منهم عن الحق وإيغالا في الضلال وسببا من أسباب الهلاك والخضوع لأهواء البشر ونزوات الإنسان وهو انتكاس في الفطرة وعدول عن الحق إلى الباطل. والإسلام إنما جاء لتحرير الإنسان من رق أخيه الإنسان له وتسلطه عليه. ولا تستقيم الحياة على الجادة إلا بالإيمان بالله وحده والكفر بكل الطواغيت مصادر الضلال والانحراف. والشيخ
стр. 72
رحمه الله تعالى لم يكن بهذا يضع فروضا الأمور لم تقع ولكنه يعالج انحرافات كانت قائمة في وقت دعوته ويرى أن هذه الطواغيت هي السبب في انحراف الناس في عهده. ولهذا أكد على وجوب الكفر بالطاغوت‘ووصف مصادر الانحراف بهذا الوصف الشنيع لتنفير الناس منها وتأمل مواقفها.
وعلى هذا الأصل من أصول الدعوة فرع الشيخ فروعا وأصدر فتاوى بحق بعض معاصريه ممن ينصبون أنفسهم طواغيت في أي نوع من أنواع العبادة أو الاتباع في الباطل أو الطاعة في المعاصي ولهذا قال ﵀: "ومسألة سادسه: وهي: افتائي بكفر شمسان وأولاده ومن شابههم وسميتهم طواغيت وذلك أنهم يدعون الناس إلى عبادتهم من دون الله عبادة أعظم من عبادة اللات والعزى بأضعاف وليس في كلامي مجازفة بل هو الحق"١.
٧- الدعوة إلى تعظيم الكتاب والسنة:
ومن أصول هذه الحركة الدعوة إلى أخذ الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية كتابا وسنة, وتقديمهما على أقوال الرجال وأن يرد الحكم إليهما عند التنازع‘ ذلك أن هذه الدعوة المباركة قامت في فترة زمنية فشا فيها الجهل بالنصوص الشرعية وجمد فيها الفقهاء على مختصرات في الفقه خالية في الغالب من الدليل أو التعليل وبالغ الناس في تعظيم هذه المختصرات وتقليد مؤلفيها من المتأخرين في كل مذهب حتى صار لا يؤخذ الحكم الشرعي إلا منها، ولا يقبل إلا ما وافقها. وماعداه فيرفض ويرد على صاحبه. ويقول علماء عصره إننا غير مؤهلين للأخذ المباشر للأحكام الشرعية من الكتاب والسنة, وأئمتنا أعلم منا بذلك, وقد اختاروا لنا هذه الكتب المؤلفة في المذهب فلا نتعداها إلى غيرها ولو كان الدليل الشرعي
стр. 73
فكان من أصول هذه الدعوة الإصلاحية تعظيم الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة, ورفع مقامهما في نفوس الناس, وجعل الرد إليهما عند التنازع أمر مقررا, مع الاحتفاظ بمقام فقهاء الإسلام في كل مذهب وتقدير جهودهم واحترام أعمالهم إلا أنهم بشر يصيبون ويخطئون ولكل واحد منهم أعذاره الكثيرة في القول أحيانا على خلاف مقتضي الدليل, وهم مأجورون على اجتهادهم في حالة خطئهم أجرا واحدا, وأجرين إذا وافقوا الحق وأخذوا بالدليل.
ومع أن الشيخ محمد بن العبد الوهاب لا يدعي الاجتهاد ويقرر في كثير من رسائله بأنه في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حبل ﵀ إلا أنه يؤكد أنه مع الدليل الشرعي إذا ظهر له ولو خالف المذهب, وأنه يدعو الناس إلى الاجتهاد في الفقه واستكمال أدواته, وأنه يرى أن الزمان لا يخلو من مجتهد قائم لله بحجته على الخلق كما هو معروف عند الحنابلة ﵀, ويرى أن على طالب العلم أن يطلع على كلام العلماء وأدلة كل فيما ذهب إليه وأن يحتاط لنفسه, ولا يعدل عن الدليل الشرعي لأي مذهب, ويأخذ بالمذهب متى كان الدليل معه أولم يظهر مخالفته للدليل.
ولهذا فإن هذه الدعوة قد أعادت للنصوص في نفوس أتباعها مكانتها واحترامها وتقديمها وجعلها الحاكمة على كل الأقوال المعصومة وحدها من الخطأ وأن الناس مهما علت منازلهم فإنهم بشر عرضة للخطأ والجهل والزلل.
٨- إقامة دولة إسلامية:
ومن أصول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إيجاد دولة إسلامية, تقوم بوظيفتها في الحياة في نشر العلوم الشرعية وإعداد الدعاة والقضاة وإقامة الحدود وحراسة الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورفع راية الجهاد في سبيل الله وتحقيق الأمن وإقامة العدل وتأمين السبيل وإلزام الناس بالحق في أمور الذين والدنيا ورعاية, مصالح الأمة, والمحافظة على الضروريات الخمس التي عرف من الشرع
стр. 74
القصد إليها وهي حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ المال وحفظ العقل والعرض.
ولهذا فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب منذ فجر قيام دعوته كان يعرض نفسه على الأمراء في نجد, ويبشر من يقوم بهذا الواجب الديني بالعز والتمكين والنصر على الأعداء متى أخذها بصبر واحتساب وعمل وجاهد وانطلق في دعوته من سلطة سياسية تحمي بيضة الدعوة وتجمع أنصارها وتدافع عدوها.
ولما فشل ﵀ مع أمير العيينة عثمان بن معمر كرر المحاولة مع غيره من أمراء عصره. فساق الله الخير إلى الأمير محمد بن سعود أمير الدرعية بمقدم الشيخ محمد إليه ونزوله عنده وقبوله دعوته والاتفاق معا على القيام بهذا الواجب طاعة لله ونصرة لدينه.
فكان هذا التوجيه الصحيح من إمام هذه الدعوة ثمرة فقه في الدعوة وتوفيق في الإصلاح أعز الله به هذه الدعوة ورفع به شأن إمارة الدرعية، ودخلت به الأسرة السعودية وجودها الحضاري من أوسع أبوابه، وحقق الله للمخلصين من أبنائها العز والتمكين في الدنيا والأجر العظيم والمثوبة الحسنة إن شاء الله في الآخرة.
وتحقق لحركة الإصلاح بهذه الدولة المسلمة كثير مما تهدف إليه وقامت بوظائفها خير قيام، وحقق الله بها في هذه المنطقة أفضل الثمار وتفيأ الناس في ظلها الأمن والسلام والرخاء ورفعت فيها راية الجهاد في سبيل الله وتحقق فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتأمين الخائف وأمن السبيل وتحقيق العدل وإظهار سلطان الدين في كل جانب من جوانب الحياة، وحصنوا هذه المنطقة من النفوذ الاستعماري وظل أهلها سادة الموقف في بلادهم.
هذه هي الأصول العامة للدعوة أو المجالات التي قامت الدعوة الإصلاحية في نجد لتحقيقها ورد الناس فيها إلى جادة الحق ومنهج الصواب طاعة لله وابتغاء لمرضاته وهداية للناس إلى صراط الله المستقيم.
стр. 75
ولا يمكن أن تتم في الحياة بمجرد الأماني أو بلا جهد بشري ونزول لميدان العمل والجهاد المتواصل.
بل أن تحقيق ذلك يتطلب تحديد الغاية واتخاذ الوسائل وإعداد العدة لمواجهة كل موقف من الموقف بما يناسبه من العدة وفهم طبيعة الدعوة ووظيفة الداعية وحدود مسئوليته وشروط الدعوة الناجحة وصفات من يتصدى لهذه المهمة الخطيرة، وكلها أمور مهمة.
والشيخ محمد بن عبد الوهاب بما وهبه الله من صفات شخصية وبما أعطاه الله من فقه في الدعوة وعلم بالشريعة وخبرة في الحياة، وبما وفقه الله إليه من منهج سديد في الإصلاح مهتديا فيه بالنصوص الشريعة الغراء والسيرة النبوية الشريفة، وضع إطارا عاما ونظرة شاملة لهذه المهمة الإصلاحية يمكن بواسطتها نقل الحياة العامة مما انحدرت فيه من انحراف في المجالات وغيرها.
ويمكن إجمال هذه الأسس العامة والإطار النظري الشامل في النقاط التالية:
١-إن االدعوة إلى الله ينبغي أن تكون على بصيرة , والبصيرة هي العلم الشرعي المبني على الدليل الثابت والفهم الصحيح لمراد الله في نصوص شرعه. وأعلى درجات الفهم لهذه النصوص ومقاصد الشريعة هو فهم الصحابة ﵃ وأرضهم ثم التابعين لهم بإحسان من التابعين وأتباعهم في القرون المفضلة وأئمة الهدى من بعدهم المشهود لهم بالعلم والفضل والاستقامة.
ومن أجل التطبيق هذا المبتدأ الأول طلب العلم على شيوخه وقام برحلات متعددة للأخذ من كل علم على شيوخه الموثوقين في نجد والحرمين الشريفين والعراق والأحساء وغيرهما. وحين بدأ دعوته ألف في موضوع دعوته كراسا صغيرا في موضوع هذه الدعوة وأصولها للعامة مما لا يسع الناس جهله وهو المعروف" بثلاثة الأصول"و" القواعد الأربعة"وكتب كتابا تخصيصا أيضا في صميم الدعوة