← История

История · id 11156

حركة التجديد والإصلاح في نجد

عبد الله العجلان

Полный текст (244 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وعما أثير من إنكار الدعوة الإصلاحية في نجد لشفاعة النبي ﷺ قال إمام الدعوة في الرسالة التي وجهها لأحد علماء المدينة المنورة:"ثم بعد هذا يذكر لنا أن عدوان الإسلام الذين ينفرون الناس عنه يزعمون أننا ننكر شفاعة الرسول ﷺ فنقول سبحانك هذا بهتان عظيم بل نشهد أن رسول الله ﷺ الشافع المشفع صاحب المقام المحمود، نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يشفعه فينا وأن يحشرنا تحت لوائه. هذا اعتقادنا وهو الذي مشى عليه السلف الصالح من المهاجرين والأنصار والتابعين وتابعي التابعين والأئمة الأربعة ﵃ وهم أحب الناس بنبيهم وأعظمهم في اتباعه وشرعه. فإن كانوا يأتون عند قبره يطلبون الشفاعة فإن اجتماعهم حجة والقائل إنه يطلب الشفاعة بعد موته يورد علينا الدليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله أو من إجماع الأمة والحق أحق أن يتبع"١ وأما ما أثير من أن الدعوة الإصلاحية في نجد وأئمتها يكفرون الناس بالعموم وأنهم يعدون من الخوارج الذين ورد في ذمهم الحديث النبوي الشريف فقد أجاب عنه الإمام محمد بن عبد الوهاب بنفسه فقال: "فإن قائلهم إنهم يكفرون بالعموم. فنقول سبحانك هذا بهتان عظيم الذي نكفر الذي يشهد أن التوحيد دين الله ودين الرسول وأن دعوة غير الله باطلة ثم بعد ذلك يكفر أهل التوحيد ويسميهم خوارج ويتبين مع أهل الغيب على أهل التوحيد"٢ وأما ما قيل من ادعاء الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ للنبوة فإن رسائله وكتبه لم تتعرض لهذه الشبهة مما يدل على أنها إطلاق متأخر بعد عهده ﵀. ثم كما اتضح من النصوص التي وردت عن الزهادي ودحلان وغيرهما تدل على أنه لم ينقل عنه لا سماعا ولا كتابة أنه قال ذلك أو ادعاه أو عرف عنه وإنما جاءت عبارتهم:"أنه كان يضمر في نفسه دعوى النبوة إلا أنه لم يتمكن من إظهارها" هذه عبارة

стр. 177

الزهادي أما عبارة دحلان:"والظاهر من حال محمد بن عبد الوهاب أنه يدعي النبوة إلا أنه ما قدر على إظهار التصريح بذلك "١ وهذه العبارات تدل على أنه لم يظهر من الإمام ما يدل على ذلك. أما الضمائر ومكنوناتها فليس كشفها ومعرفة ما فيها من وظيفة البشر ولا من ممكناتهم. والقول بهذا الإضمار إن هو إلا رجما بالغيب ودعوى بلا برهان بل البرهان قائم من كتابات ومواقف وتاريخ إمام الدعوة على عكس ذلك فهو يعلن في كل مناسبة اعتماده على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وأتباعهم بإحسان وأئمة الهدى في مختلف العصور الإسلامية وأنه يأخذ بالدليل الشرعي أنى وجده ولو خالف مذهبه. فهل يتفق هذا مع ما قيل من إضماره لدعوى النبوة ولكنه الهوى الذي يضل ويعمى ويسهل رمي المسلم بما ليس فيه ولا يليق به. وقد تعمدت أن آخذ الإجابة على كل التهم الموجهة لهذه الدعوة الإصلاحية من رسائل إمامها الشخصية التي بعث بها لمعاصريه وأجاب بها بنفسه صراحة كما قررها وأكدها في كتبه المطولة في علم التوحيد وتقرير مبادئ الدعوة وبيان حقيقتها وأسباب محاربة كثير من الناس لها حتى أظهرها الله لتتحقق بذلك الأمانة العلمية المطلوبة وتظهر الحقيقة حول هذه الدعوة وما جاءت به.

стр. 178

الفصل السادس: آثار حركة التجديد ونتائجها أثرها في شبه الجزيرة العربية ... الفصل السادس:آثار حركة التجديد ونتائجها من المناسب أن نذكر ثأثيرات هذه الدعوة وامتداداتها في العالم الإسلامي في كلمات موجزة للتدليل على هذه الحقيقة التاريخية في الفكر الإسلامي الحديث وأن لها السبق والريادة في الإصلاح داخل جزيرة العرب وخارجها، فنقول: تأثير هذه الدعوة في شبه جزيرة العرب: عند قيام حركة الإصلاح والتجديد في نجد على يد الإمامين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود رحب بها بعض الأئمة الأعلام في نجد وفي غيره من أقاليم الجزيرة العربة من باب الموافقة والتأييد لا من باب التأثير. وذلك مثل بعض علماء اليمن كالإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني شيخ صنعاء اليمن وزبيد وتلميذه الإمام الشوكاني رحمهما الله وبعض علماء المدينة مثل الشيخ محمد حياة السندي والشيخ إبراهيم بن سيف وفي البصرة الشيخ محمد المجموعي ومدرسته السلفية وفي الاحساء مثل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وتلاميذه وبعض معاصريه من علماء نجد الذين لم يستطيعوا أن يقوموا بما قام به. كما واقفه يعض علماء العراق، ووافقه في الشام عدد آخر منهم، ولكن الكل لم يستطيعوا أن يقوموا بواجب الدعوة إلى الحق والخروج على ما تواضع الناس عليه يوضح ذلك ما جاء في رسالة الإمام محمد بن عبد الوهاب التي بعث بها إلى فاضل آل مزيد رئس بادية الشام التي قال فيها ﵀، ما يلي:

стр. 179

"والأمر الثاني أن هذا الذي أنكروا علي وأبغضوني وعادوني من أجله إذا سألوا عنه كل عالم في الشام واليمن أو غيرهم يقول: هذا هو الحق وهو دين الله ورسوله ولكن ما أقدر أن أظهره في مكاني لأجل أن الدولة ما يرضون وابن عبد الوهاب أظهره لأن الحاكم في بلده ما أنكره بل لما عرف الحق اتبعه هذا كلام العلماء وأظن أنه وصلك كلامهم"١ ومن التأثيرات المباشرة لهذا الدعوة الإصلاحية في شبه جزيرة العرب ما أقامه من مدرسة علمية سلفية خالصة وضع نواتها في حريملاء وتعاهد غراسها بعد انتقاله إلى العيينة ووسع قاعدتها وعمق جذورها وتعاهد نموها في الدرعية حتى استطاع أن يبعث من المبرزين منها الدعاة والقضاة والموجهين إلى مختلف الأقاليم النجدية. وبتوسع نفوذ الدولة السعودية الأولى في أقطار الجزيرة العربية أتيحت فرص أوسع لنشر هذه الدعوة الإصلاحية في البلاد التي وصل إليها الحكم السعودي أو أقام معها علاقة طيبة وحسن جوار مثل قطر والبحرين والإمارات العربية في الشارقة ورأس الخيمة وبقية الإمارات العربية وأجزاء من عمان. كما أتاح فتح الدولة السعودية لمكة المكرمة والمدينة المنورة وقيادة الحجيج في مواسم الحج والالتقاء بعلماء مكة والمدينة والوافدين إليها في كل عام من علماء العالم الإسلامي عامة وفي جزيرة العرب خاصة فرصا جيدة لنشر هذه الدعوة الإصلاحية وشرح أهدافها وبيان حقيقتها مما جعل لها مكانة مرموقة في أوساط الناس والعلماء والعامة على السواء حتى لم يبق بلد من البلدان في شبه الجزيرة العربية إلا فيها أنصار وأتباع لهذه الدعوة.

стр. 180

تأثير هذه الدعوة في أفريقيا: لم يقف تأثير هذه الدعوة الإصلاحية على العالم الإسلامي في شبه جزيرة العرب بل تعداه إلى بقية العالم الإسلامي، ففي المغرب العربي الإسلامي ظهرت بوادر يقظة إسلامية في كل دولة تنادي بالإصلاح الديني والسياسي بما يتلاءم مع بيئتها المحلية، ففي مصر قامت حركت الإصلاح على يد الإمام محمد بن عبده وجمال الدين الأفغاني وقامت على أيديهم مدرسة إصلاحية تطالب بالعودة إلى الإسلام في نقائه وصفاء عقيدته ومحاربة البدع وإنكار زيارة القبور والإشراك بالله عندها، والدعوة إلى فتح باب الاجتهاد في الدين واحترام العقل والأخذ بأسباب التقدم في إطار الدين ومقتضياته. وكان من أبرز تلامذته الإمام محمد رشيد رضا ومحب الدين الخطيب وغيرهما. وجمعية أنصار السنة المحمدية في مصر هي امتداد لحركة الإصلاح والتجديد في نجد. وقد تأثرت دعوة الإخوان المسلمين في مصر بهذه الدعوة في نزعتها الإصلاحية ونسجها التربوي وتوجيهها العام للعودة بالأمة الإسلامية إلى الكتاب والسنة وما كان عليه السلف هذه الأمة ومحاربة الابتداع في الدين والتحرر من التبعية الذليلة للمستعمرين. وفي غرب السودان قامت دعوة الشيخ عثمان ١بن فودي "دان فوديو" في قبيلة الغلا الذي استطاع أن يجمع قبيلته على الإيمان بدعوته الإصلاحية السلفية في العودة بغرب السودان إلى التوحيد ومحاربة البدع وبقايا الوثنية في بعض قبائل السودان ورفع راية الجهاد في وجه المعارضين عام ١٨٠٢م من قبائل الحوصة حتى أقام دولة إسلامية تؤمن بهذه الدعوة في سكوتو. واستمرت هذه الدولة المسلمة ما يقارب مائة عام حتى سقطت على يد الاستعمار الغربي الأوروبي. وإذا كانت قد سقطت قيادتها السياسية

стр. 181

فإن إيمانها بمبادئ الإسلام وأصول التوحيد لا يزال قائما في نفوس الناس الذين عاشوا في ظل تلك الدولة الإسلامية. وفي شمال السودان قامت دعوة إصلاحية أخرى هي الدعوة المهدية التي أسسها أحمد بن عبد الله الذي بدأ دعوته سرا في جزيرة أبا ثم جهر بدعوته وأعلن للناس مبادئ دعوته الإصلاحية ودعا علماء المسلمين على اختلاف مشاربهم إلى تأييدها ومناصرتها ومحاربة أعداء الدين تحت لوائها١ وقد نادت هذه الحركة الإصلاحية في شمال السودان بوحدة الأمة المسلمة السودان ونبذ الفرقة والاختلاف وأخذ الدين من أصول الشرعية الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح وحذرت من تعدد المذاهب والطرق الصوفية وأن ذلك كان سببا في اختلافها وذهاب ريحها والعمل على إقامة خلافة إسلامية مهتدية تقوم برفع مستوى الحياة المادية والاجتماعية والسياسية والدينية وتعمل على محاربة الاستعمار وإقامة مجتمع إسلامي نظيف. ورفعت هذه الدعوة لواء الجهاد في سبيل الله في وجه الاستعمار الغربي الإنجليزي. وحققت هذه الراية انتصارات عديدة سعيا وراء استقلال السودان في دولة إسلامية، إلا أنها لم تستطع أن تصل إلى غايتها المرسومة على الصورة المطلوبة. ولكنها ظلت دعوة عامرة في نفوس قطاع واسع في المجتمع السوداني المسلم تكون رابطة إسلامية قوية عرف أتباعها فيما بعد بالأنصار. وأخيرا أطلق على أتباع هذه الدعوة حزب الأمة. وفي ليبيا قامت الدعوة السنوية التي أسسها الإمام محمد بن علي السنوسي ٢وهو الذي عاصر دخول الدولة السعودية الأولى للحجاز واختلط بعلمائها وأخذ عنهم ثم عاد إلى ليبيا وقام بدعوته الإصلاحية التي اتخذت الإسلام طريقا لها في العمل

стр. 182

فدعت إلى العودة بالمجتمع المسلم الليبي إلى الإسلام واعتماده على الكتاب والسنة واجتهاد فقهاء المسلمين في ضوئهما ومحاربة الاختلاف والتفرق في الدين ومواجهة المبشرين بالنصرانية بسلاح الإيمان والعلم والعمل والاعتماد على ذاتية المجتمع المسلم ومحاربة الاستعمار الإيطالي المتسلط. وقد حققت قدرا كبيرا من النجاح في نشر الإسلام والتعريف بأصوله ومبادئه ومقتضياته وتحقيقه ومحاربة التبشير النصراني وإعادة الثقة في النفوس بصلاحية الإسلام وقدرته على الصمود في وجه المد الاستعماري الغربي المتمثل في الاستعمار الإيطالي في ليبيا، وتكوين دولة إسلامية عزيزة الجناب امتدت آثارها الدينية إلى أفريقيا الغربية. وأقامت مدرسة علمية إسلامية خرجت العلماء والقضاء والدعاة في تتابع مستمر امتدت آثاره إلى العالم الإسلامي والدول المجاورة لليبيا. وبقيت آثار هذه الدعوة بعد زوال سلطتها السياسية. وفي المغرب والجزائر قامت دعوات كل من الأمير عبد القادر الجزائري الذي ناهض الاستعمار الغربي سنوات طويلة تقارب عشرين عاما، وشاركه في جهاده الطويل كل من عبد الكريم الخطابي في مراكش ومحمد بن عبد الكريم الخطابي الذي شارك في الجهاد ومكافحة الاستعمار الغربي الفرنسي والأسباني في كل من المغرب والجزائر معا.١ ثم رفعت راية الجهاد الإسلامي في المغرب العربي بعدهم جمعية العلماء بالجزائر بقيادة الشيخ المصلح عبد الحميد بن باريس والشيخ محمد البشير الإبراهيمي اللذين كان لجهادهما الأثر البالغ في إيقاظ روح الجهاد الإسلامي في مغربنا العربي الإسلامي حتى حصلت الجزائر على استقلالها وطرد المستعمرين منها إلى غير رجعة إن شاء الله.

стр. 183

تأثير هذه الدعوة في شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا: ١ ولم تقم في شبه القارة الهندية دعوة إصلاحية واحدة فحسب ولكن قامت فيها عدة دعوات كتب لبعضها النجاح التام وبعضها الآخر تم له نجاح محدود كقوة سياسية ذات نفوذ مستقل. فمن الحركات التي كتب لها نجاح كبير حرك أهل الحديث في الهند وقائدها العظيم صديق حسن خان ملك بهوبال الذي قامت دولته على الدين الخالص وإحياء السنن وإماتة البدع وكان له عناية بعلوم الشريعة أصولا وفروعا فحقق وألف ونشر ودعا الناس إلى التوحيد. وأقام كيانا سياسيا في شبه القارة الهندية على التوحيد وظل ما شاء الله على ذلك. وإن كانت الدولة قد زالت فإن آثار هذه الدولة الفكرية والدينية لا تزال قائمة في نفوس أتباعها ممثلة في جمعية أهل الحديث. ومن أشهر قادة الإصلاح الديني والاجتماعي في الهند أحمد بن عرفان الذي كانت له جهود عظيمة في إيقاظ الروح الإسلامية في القارة الهندية. وكان له تأثير بالغ في صفوف المسلمين في نشر الدعوة السلفية ورعاية أتباعها والحركة الفرائضية التي أسسها عام ١٨٠٤ م الداعية الإسلامي الهندي شريعة الله وخلفه في تتميم دعوته ابنه البار المسمى "دوذ ميان" الذي أعطى لهذه الحركة بعدا جديدا وقوة ضاغطة ووقف في وجه الاستعمار الإنجليزي في الهند ينافح عن دعوته ويعمل على نشر مبادئها السلفية بكل قوة طيلة حياته. ومن أصحاب الحركات الإصلاحية في الهند كذلك الأمير السيد أحمد أحد أمراء الهند الذي أقام دعوته السلفية في إقليم البنجاب. وأخذت دعوته تتعاظم وتمتد. وأقام دولة إسلامية حملت راية الدعوة الإسلامية والجهاد في سبيل الله في وجه أعداء الإسلام من إنجليز وأعوانهم والعارضين من الهنود لدعوته حتى هدد نفوذه شمال الهند، وبقيت آثار هذه الحركة في نفوس أتباعها حتى اليوم في إقليمي البنجاب والبنغال.

стр. 184

ومن دعاة الإصلاحية في الهند كذلك: السيد أمري علي في كلكته الذي قام بواجب الدعوة الإصلاحية السلمية في الهند وعني بتوعية المسلمين ونشر المؤلفات الإسلامية التي من شأنها بث الروح الإسلامية في نفوس الناس ولفت أنظارهم إلى ما يجب عليهم تجاه ربهم ودينهم وبلادهم. ومن الجمعيات الإسلامية السلفية في شبه القارة الهندية التي أخذت على عاتقها واجب الدعوة إلى الله والعودة بالأمة الهندية المسلمة إلى ما كان عليه السلف الصالح ندوة العلماء في لكنو، والتي لا تزال تقوم بواجبها في توعية المسلمين في الهند وتبصرهم بواجبهم وتوثيق صلتهم بهذا الدين، عن طريق المحاضرات ونشر الكتب وبعث الدعاة وتبني قضايا المسلمين في الهند. ولهم مجلة سيارة توزع على نطاق واسع تحمل راية الدعوة الإسلامية السلفية هي مجلة البعث الإسلامي. وفي أندونيسيا قامت عدة حركات إسلامية إصلاحية تدعو إلى نشر الوعي الإسلامي والدعوة إلى التوحيد والعودة إلى ما كان السلف، ومحاربة البدع والخرافات والانحراف في الدين ومقاومة أعداء الإسلام من المستعمرين وأتباعهم من المواطنين الأندونيسيين. ومن هؤلاء المصلحين الحاج مسكين وأصحابه الذين عرفوا في التاريخ ب"الأسود الثمانية" في سومطرة عام ١٨٠٢ م والذين سماهم خصومهم بطائفة الرهبان، وهي دعوة سلفية تدعو إلى العودة إلى الدين الخالص ومحاربة الابتداع في الدين وتعمل على جمع كلمة السلمين على الحق ومحاربة أعداء الدين. وقامت بحركة جهادية ضد المستعمرين الهولنديين بذلت فيها كل ما لديها من قوة حتى تغلب عليها الاستعمار بالقوة والقهر فقضوا على نفوذها السياسي وحركتها الجهادية المسلمة. ولكنها ظلت دعوة قائمة في نفوس أتباعها تنتظر الفرصة المناسبة لعودتها. وقد استطاع أتباعها إحياء نشاطها فيها بعد، ثم عادت إلى مسرح الحياة على يد أبناء لها بررة من أمثال: الشيخ محمد عبد الله أحمد ١٨٣٣- ١٨٧٨م والشيخ الحاج عبد الكريم أمر الله ١٨٤٥- ١٨٧٩ م والدكتور الحاج عبد الملك كريم الله رئس الهيئة المركزية

стр. 185

لمجلس علماء أندونيسيا الحالي وغيرهم. كما قامت دعوة إصلاحية سلفية أخرى في جاوة عرفت بالجمعية "المحمدية" عام ١٩١٢م في مدينة جاكرتا. وجمعية الإصلاح والإرشاد عام ١٩١٤م في جاكرتا كذلك. وجمعية الوحدة الإسلامية عام ١٩٢٣م في باندنج قاعدة منطقة جاوة الغربية. أما تايلند فإن الحركة الإسلامية الإصلاحية فيها كانت أقل. ومع ذلك قامت فيها مدرسة أنصار السنة التي تأسست عام ١٩٢٣ م في دائرة "فاكفجون" في جنوب تايلاند وكانت مدرسة نظامية تدرس العلوم الإسلام لأبناء المسلمين ويقوم أعضاء هيئة التدريس فيها بواجب الدعوة في أنحاء تايلند وإنكار البدع ومظاهر الانحراف في العقيدة والعبادة عند المسلمين التايلنديين واستمرت هذه المدرسة تؤدي رسالتها ما يزيد على اثني عشر عاما، ثم اضطر القائمون عليها إلى إغلاقها لظروف مادية، ثم نقل مركز الدعوة الإسلامية إلى العاصمة بانكوك، كما غيرت أسلوب عملها من مدرسة تعليم منتظم إلى مركز دعوة وتوجيه عام عن طريق الإذاعة والنشرات الإخبارية والتوجيهية وإلقاء المحاضرات والدروس العامة في المساجد. كما أن هناك نشاطا آخر في عاصمة تايلاند بانكوك بدأ عام ١٣٣٩هـ على يد رجل أندونيسي هو الشيخ أحمد وهاب. وكانت إقامته فيها على صورة سائح ينتقل بين المساجد والجمعيات الإسلامية في بانكوك. ثم بدأ الدعوة بطريقة هادئة وأساليب مناسبة وأخذ يوجه الناس علماء وعامة إلى قراءة كتب السنة المفيدة. ثم أنشأ جمعية الإصلاح، وبدأت دعوته طورا جديدا إذ أنشأ مجلة إسلامية سماها "البداية"تدعو إلى التوحيد وتحارب الشرك والبدع والانحرافات في العقيدة والعبادات والسلوك بصراحة، فقام في وجه هذه الدعوة علماء السوء وأهل البدع والخرافات. وأخذت دعوة الشيخ أحمد وهاب تتعاظم ويرتفع صوتها بين الناس عدة سنوات، وبالتحاق الشيخ أحمد وهاب بالرفيق الأعلى وكبار تلامذته بدأت هذه الدعوة في الانكماش والتراجع،

стр. 186

والجمعية لا تزال قائمة وتمارس نشاطها ولكن بدرجة أقل من ذي قبل، فهي تصدر فقط كتابا وأحدا سنويا بعد أن كانت تصدر في كل عام عدة كتب. ومن هذه العرض السريع لأثر الدعوة الإصلاحية في نجد على الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي في مشرقه ومغربه على السواء فإن من الأمانة العلمية أن يقال بأن هذه الحركات كلها تالية لحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومتأخرة عنها تاريخيا. وليس بالضرورة أن كل هده الدعوات الإصلاحية التي مر ذكرها وغيرها قد تأثرت تأثرا مباشرا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأنها صورة عنها إذ أن في هذه الحركات الإصلاحية من تختلف في منهجها وأسلوبها وأنماط سلوك المنضمين تحت لوائها عن منهج حركة الإصلاح في نجد. فإذا كانت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب سلفية النزعة شديدة المفاصلة مع الخصوم على اختلاف مشاربهم من الصوفيين وأصحاب الطرق وسدنة القبور وغيرهم فإن في الدعوات التي مر ذكرها آنفا من يختلف في منهاجه وطريقة عمله مع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد. فالمهدية في السودان والسنوسية في ليبيا ٠٠وغيرها من حركات الإصلاح كان لها نزعة صوفية واضحة ولها تعاون وثيق مع أصحاب الطرق والزوايا والتكايا الصوفية. ولكن الجميع يتفقون مع دعوة الإصلاح في نجد في المعانات الشديدة من سوء الأحوال في مختلف البلاد الإسلامية بعد ضعف الخلافة الإسلامية في بداية العصر الحديث، ويتفقون في وجوب الإصلاح واتخاذ الإسلام طريقا في أن يكون الإصلاح دينيا وسياسيا معا. وليس بالضرورة أن هذه الحركات كلها امتداد لتلك الحركة ونقلا مباشرا عنها، وإن كان بعضها الآخر يظهر تأثرها المباشر بالحركة الإصلاحية في نجد واتفاقها معها في الطريقة والمنهج وخاصة ما يعرف بأنصار السنة المحمدية في مصر والسودان

стр. 187

وسوريا ولدى الإمام رشيد رضا وبعض الحركات في الهند وأندونيسيا وتايلند. ومن المؤسف جدا أن هذه الحركات الإصلاحية تعاني الكثير من المشكلات والمتاعب وتجدفي طريقها الكثير من الصعوبات والعقبات بتخطيط محكم من الدول الاستعمارية الغربية والدول العلمانية، المحلية، وفقدان هذه الحركات الإمكانات العلمية والمادية والقيادات الواعية القادرة على قيادتها إلى بر الأمان. ولكن الأمل في الله سبحانه ثم في بوادر النهضة الإسلامية الشعبية التي عمت البلاد الإسلامية وهي تمثل مبشرات جديدة باستئناف العالم الإسلامي حياة جديدة يدفعه إليها سوء أحواله وشدة وطأة الدول الاستعمارية عليه وتمزق الشعوب الإسلامية واستغلال خيراتها وإقامة الفتن الطاحنة بين أبنائها وتأمين مصالحه في أوطان المسلمين بإنهاك الأمة المسلمة في كل ديارها.

стр. 188

نتائج حركة التجديد أولا- النتائج السياسية: ١- الخروج بالمنطقة من محنتها: كان من أهداف هذه الحركة الإصلاحية القضاء على الفرقة والانقسام في منطقة نجد التي كانت سائدة قبل دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ فإن يطلع على كتابات المؤرخين الذين كتبوا عن تاريخ نجد قبل هذه الحركة الإصلاحية وفي بدء قيامها مثل ابن غنام وابن بشر الفاخري والمنقور وغيرهم يرى صورة قاتمة للحياة السياسية والاجتماعية في نجد إذ كان أهلها في غاية الفرقة والشتات والتطاحن وسفك الدماء. فالقبائل العربية التي تنتقل حيث الماء والكلأ والمرعى بغير بعضها على بعض في وضح النهار، ويعيشون على السلب والنهب بغزو بعضهم بعضا ويقتلون ويأسرون ويغنمون. والبادية يغزون الحاضرة المقيمين في المدن والقرى، وينهبون مواشيهم وثمار نخيلهم، ويقتلون من يمنعهم من ذلك أو يدافع عن ماله، وأهل القرى والمدن في خصومات مستمرة مع جيرانهم من المدن والقرى المجاورة. بل أن أهل البلد الواحد توجد فيما بينهم الخصومات والمنازعات التي تصل إلى حمل السلاح بعضهم على بعض، وسفك الدماء المحرمة بغير حق عند أمور بسيطة مثل الاختلاف على الماء أو مقاسم السيل والأرض بل الإمارة في البلد الواحد تقوم عليها المنازعات والقتال بين أهل البلد الواحد كل يطلبها، بل يتقاتل عليها القبيلة الواحدة كل يريدها لنفسه، بل يتقاتل عليها أقرباء الرجل وبنو عمه , ولا يمضى الغالب في الإمارة إلا شهورا أو أياما حتى ينقض عليه خصومه سرا أو جهارا فيقتلونه ويتولون الأمر من بعده. وهكذا حتى صارت الحياة مرة وجحيما لا

стр. 189

يطاق العيش في ظلها. والذين كتبوا عن هذه الفترة التاريخية نقلوا لنا صورة مروعة عن بحيرات الدم القاني المراق في ربوع نجد في باديتها وحاضرتها، في شمالها وجنوبها، في شرقها وغربها، بلا فرق. والكلمات التي عبروا بها تقطر دما وتفيض أسى وألما وحزنا على هذه الحالة السياسية السائدة في نجد، والتي تراق فيها دماء زكية في غير سبيلها، بل بما يغضب الله ويوجب مقته ويبعد عن رحمته ويؤجج نار الفتنة ويعمق الخلافات ويثير الأحقاد ويؤصل العداوة ويدعو إلى الأخذ بالثأر من كل طرف. والأمثلة على ذلك كثيرة جدا بحيث لا تحتاج إلى ذكر لظهور أمرها بين العام والخاص. وكتابات المؤرخين في هذه الفترة لهذه المنطقة فيها ما يشبه الإجماع على ما وصفنا. يقول المؤرخ المحقق الشيخ عثمان بن بشر ﵀: "ثم إن هذا الدين الذي من الله به آخر هذا الزمان على أهل نجد- يعني الدعوة الإصلاحية في نجد-بعدما كثر فيهم الجهل والضلال والظلم والجور والقتال، فجمعهم الله تعالى به بعد الفرقة أعزهم بعد الذلة وأغناهم به بعد العيلة وجعلهم إخوانا"١ وقال ﵀ في سوابقه عن القتال بين القبائل العربية في نجد: "وفيها وقعة السبلة" وهو موضع معروف بين بلد الزلفى والدهناء وهذه الوقعة على الظفير من بني خالد، وذلك أن بني خالد ساروا إليهم وقائدهم عبد الله بن تركي بن محمد بن حسين آل حميد فواقعوهم وصارت على الظفير هزيمة وأخذوا عليهم نعما كثير٢ وفي حوادث سنة ثلاثة وستين ومائة وألف قال ﵀: "وفيها قتل حمد بن سلطان ودباس رؤساء العودة المعروفة في ناحية سدير قتلهم ابن عمهم علي بن علي"٣

стр. 190

وفي سوابقه ﵀ الحوادث عام ١١٩٩هـ قال "سابقة"وفي سنة اثنين وتسعين وألف وقعة تسمى "دلقة" بين عنزة والظفير، قتل من عنزة مقتلة كثير منهم لاحم بن خشم النبهاني وحصن بن جمعان، وفيها مقتل عدوان بن تميم صاحب "الحصون" البلدة المعروفة في سدير وبنيت منزلته وقتل محمد بن بحر صاحب الداخلة في منزله١ وقد وصف الزعامات السياسية في هذه الفترة المؤرخ الأمريكي لوثروب في حديثه عن اليقظة الإسلامية في هذه الفترة التاريخية فقال: "أما البدو الرجل فالزعامة فيهم لشيوخهم الذين يتولون القيام على أحكامهم وتدبير شئونهم. وأما الحضر في الواحات فالزعامة فيهم على الغائب لشيوخهم الأسر العليا منزلة ومكانة بيد أن مبلغ ما في أيدي هؤلاء الشيوخ من السلطة المطاعة حق الطاعة إنما هي سلطة صورية واهنة لا تقوى على الدوام على الوقوف في وجه تيار العادات القومية والعرف" ٢ وكان هذا الانقسام والتفرق والتعدد في القيادات السياسية والإمارات الصغيرة ثمرة طبيعية لانعدام وجود دولة موحدة في نجد منذ النصف الثاني من القرن الخامس الهجري وبقاء هذه المنطقة الشاسعة من العالم الإسلامي بعيدة عن مركز الخلافة الإسلامية منعزلة عن الحياة العامة في العالم لصعوبة مسالكها وقلة مواردها وقيام التكتلات القبلية التي استطاعت أن تحل بالأمن وتقطع السبل وخيف السالك لدروبها من سكان المنطقة، فضلا عن الوافدين إليها، مما جعلها مرتعا للجهل وفريسة للعصبيات التي مزقت شملها وفرقت صفوف أهلها وضيقت موارد الرزق فيها. وإذا كانت الخلافة العثمانية قد بسطت نفوذها على العالم الإسلامي من حدود فارس شرقا إلى أقصى المغرب، ومن جنوب شبه الجزيرة العربية إلى أوروبا، فإن الخلافة العثمانية تهتم بهذه المنطقة بل اكتفت ببسط نفوذها على الحجاز والساحل الغربي وعلى سواحل الخليج العربي ومنطقة الاحساء فقط. أما نجد فلم يكن

стр. 191

نصيب من الرعاية ولم تتدخل الخلافة العثمانية في شأن من شئونها سوى الحملات العسكرية التدميرية التي قامت بها ضد هذه الحركة الإصلاحية بعد ظهور أمرها، فقد ذكر صاحب تاريخ حاضر العالم الإسلامي جهود الأتراك يقول: "وجل ما استطاع الأتراك إخضاعه من بلاد العرب هو أنهم بسطوا شيئا من سلطانهم على الأماكن المقدسة الحجازية وساحل البحر الأحمر أما نجد والبلاد الداخلية فقد ظلت حرة مستقلة ١" وفي ظل هذه الفوضى السياسية والغارات القبلية ساءت الأحوال الدينية والاجتماعية والاقتصادية في هذه المنطقة مما مهد لهذه الدعوة الإصلاحية السياسية والدينية التي بدأت في مرحلتها الأولى في حريملاء في مدينة محدودة السكان كثيرة الانقسام على الإمارة. ثم في مرحلتها الثانية التي تلتها في مقرها الثاني في العيينة في كنف إمارة آل معمر والتي أظهر فيها الشيخ دعوة وأعلن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأقام بعض الحدود وأزال بعض المنكرات وانتشر أمر الدعوة في أرجاء شبه الجزيرة العربية. وفي المرحلة الثالثة من مراحل الدعوة التي بدأت بانتقال الدعوة من العيينة إلى الدرعية وقيام ذلك الحلف الميمون بين إمام الدعوة الإصلاحية والإمام محمد بن سعود أمير الدرعية وقتها، دخلت الدعوة مرحلتها الجديدة، والتي من أهم مظاهرها استقبال المهاجرين وإعلان الجهاد لتحقيق أهداف هذه الدعوة الإصلاحية ورد العدوان عنها وتأمين دعاتها والقضاء على أسباب الفرقة والانقسام وتحقيق وحدة سياسية ودينية عامة تقوم على رعاية المصلحة العامة وحفظ الأمن وتأمين السبل وإقامة العدل وحراسة الدين وإقامة الحدود ونشر الدعوة الإسلامية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والضرب على يد العابثين والمفسدين. وقد بذلت هذه الدعوة في هذا السبيل كل غال ورخيص وقدمت خيرة رجالها

стр. 192

وصفوة شبابها في ساحات القتال لتحقيق هذه الغاية العظيمة عبر سنوات طويلة من الجهاد حتى أظهر الله أمرها ومكن لها في الأرض. فأقامت كيانا سياسيا عظيما يمتد من سواحل البحر الأحمر في الغرب إلى سواحل الخليج في الشرق، ترفرف عليه راية التوحيد، وتتمثل فيه الوحدة السياسية القائمة على الدين الخالص والفكر الموحد والمحبة الصادقة والتطلع إلى مستقبل أفضل في ظل وحدة شاملة للعالم الإسلامي في نهضة الحديثة. وقد تفيأ الناس في ظل هذه الوحدة السياسية وأمنها المستقر ورعايتها المستمرة حياة معاشة في دولة إسلامية منيعة الجانب عزيزة الجناب فكانت هذه الوحدة إحدى ثمار هذه الحركة الإصلاحية. ٢- إحياء روح الجهاد في سبيل الله: من يتتبع تاريخ الحركة في نجد يظهر له بجلاء أن هذه الحركة هي حركة دينية سياسية علمية جهادية وأنها لم تأخذ عملا بمبدأ الجهاد في سبيل الله إلا في المرحلة الثالثة من مراحل نموها والتي بدأت بانتقالها بالدعوة إلى الدرعية. ويؤيد ذلك شرح إمام الدعوة أهداف دعوته ووسائلها للإمام محمد بن سعود وقبوله بها، ومن ثم تم الاتفاق على البدء بالجهاد. وبنود الاتفاقية التي تمت بين الإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد ين سعود تدل على أن أول بند فيها الأخذ بمبدأ الجهاد في سبيل الله لإقرار التوحيد. وفي ذلك يقول أبن بشر ﵀ "فدخل عليه – على الإمام محمد بن عبد الوهاب – في بيت ابن سويلم ورحب به وقال: أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعز والنعمة فقال الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين" حتى قال: "ثم أخبره الشيخ بما كان عليه رسول الله ﷺ وما دعا إليه وما عليه أصحابه رضى الله عنهم من بعده وما أمروا به وما نهوا عنه وأن كل بدعة بعدهم ضلال، وما أعزهم الله به بالجهاد في سبيل الله وأغناهم به وجعلهم إخوانا، ثم أخبره بما عليه أهل نجد اليوم من مخالفتهم بالشرك بالله تعالى والبدع والاختلاف والجور والظلم ١ وبنود الاتفاقية التي تمت بين الإمام محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود جاء

стр. 193

في بندها الأول الاستجابة لدعوة الجهاد في سبيل الله. فقد اشترط الإمام محمد ين سعود على إمام الدعوة شرطين، يقول ابن بشر ﵀: "فلما تحقق – محمد بن سعود - معرفة التوحيد وعلم ما فيه من المصالح الدينية والدنيوية قال له يا شيخ إن هذا دين الله ورسوله الذي لاشك فيه وأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به من الجهاد لمن خالف التوحيد. ولكن أريد أن أشترط عليك اثنتين: نحن إذا قمنا في نصرتك والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان أخاف أن ترحل عنا وتستبدل بنا غيرنا. والثانية أن لي على الدرعية قانونا آخذه منهم في وقت الثمار وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئا. فقال الشيخ أما الأولى فأبسط يدك الدم بالدم والهدم بالهدم. وأما الثانية فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها"١ فهذه النصوص التاريخية تدل على أن هذه الدعوة الإسلامية الإصلاحية التجديدية قد اعتمدت مبدأ الجهاد في سبيل الله منذ فجر تاريخها وأنها تبدأ بالدعوة السلمية وتشرح للناس أهدافها ومبادئها وما تنكره من الأفعال الناس وتصرفاتهم مما يتصل بالشرك بالله والابتداع في الدين واستغلال الناس من قبل الأمراء وعلماء السوء وتقرير التوحيد. فمن أجابها ودخل في طاعتها وطاعة أميرها كف عنه ومن عارضها وحرض عليها أو دعا الناس لمحاربتها بعد تعريفه بحقيقتها أعلنت الجهاد عليه. ولم تكن إمارات نجد تعرف الجهاد بهذا المعنى ولا عهد لها به بل كل بلد في الأعم الأغلب تقصر نشاطها على رد العدوان عليها ومدافعة من يعتدي عليها في مالها أو أفرادها ومن هذه الإمارات إمارة الدرعية. كذلك فإنه لا عهد لهم بالمغازي والغارات قبل قيام هذه الدعوة وكانوا في حالة من الضعف وقلة الرجال والعتاد والخبرة القتالية شديدة، يقول ابن بشر في تاريخه: "ثم إن الشيخ كاتب أهل البلدان

стр. 194

بذلك ورؤساءهم وقضاتهم ومدعى العلم منهم، فمنهم من قبل واتبع الحق، ومنهم من اتخذه سخريا واستهزأوا به ونسبوه إلى الجهل وعدم المعرفة، ومنهم من نسبه إلى السحر، ومنهم من رماه بأشياء وهو بريء منها حاشاه عما يقوله الكاذبون. ولكن يريدون أن يصدوا بها الناس عنه وقد رمى المشركون سيد ولد آدم ﷺ بأعظم من ذلك. ثم أمر الشيخ بالجهاد وحضهم عليه فامتثلوا، فأول جيش غزا سبع ركائب فلما ركبوها وأعجلت بهم النجايب في سيرها سقطوا من أكوارها لأنهم لم يعتادوا ركوبها فأغاروا – أظنه على بعض الأعراب- فغنموا ورجعوا سالمين"١ فهذا النص التاريخي الذي ذكر فيه خبر أول غزوة في عهد هذه الدعوة الإصلاحية يدل على أن إمارة الدرعية وغيرها من إمارات نجد في قلة من العدد والعتاد والخبرة فذكره لعدد الركايب في هذه الغزوة وأنها سبع تدل على قلة الإمكانات وضعف الإمارة، وإخباره بسقوط ركابها إذا أسرعت في السير يدل على قلة الخبرة بركوب النجايب وأنهم لم يعتادوا الغزو والغارات التي صارت بعد من أبرز صفاتهم. وظلت هذه الحركة الإصلاحية تمارس هذه الفريضة الإسلامية – الجهاد – طيلة حياتها بادئة بالبوادي ومنتهية بالمعارضين الأذنين وصارت في حروب دائمة ومستمرة مع المعارضة داخل نجد وقدمت في هذا المجال الكثير من التضحيات وأظهرت ألوانا من البطولات الفدة ولم يفت في عضدها كثرة المعارضين في الداخل والخارج وقوة المساندة من الخارج للمعارضين في الداخل بل أصرت على المضي في طريقها لتحقيق النصر حتى النهاية. وظلت الحرب سجالا في كل الاتجاهات. وما توقع اتفاقية صلح مع جهة إلا ينتقض الأمر عليهم في جهة أخرى. واستمرت الحالة على ذلك في داخل نجد طيلة حياة الإمام محمد بن سعود ولما جاء عهد ابنه عبد العزيز ﵀ ظهرت فيها آثار جهود من سبقه في تأمين قاعدة الدعوة وخروجها من منطقة العارض إلى بقية أنحاء

стр. 195

أقاليم نجد، ثم أخذ يمتد نفوذها في كل الاتجاهات حتى بلغت في عهد الإمام سعود الكبير إلى الحرمين الشريفين والخليج العربي وعمان ورأس الخيمة. وبذلك تكونت في العصور الأخيرة أول دولة إسلامية قوية في قلب شبه الجزيرة العرب يحسب لها كل حساب أعز الله بها الدين ووحد بها الأمة وأمن بها الطريق وأقام بها العدل وحراسة الدين فكان ذلك ثمرة من ثمار الجهاد في سبيل الله. ١- توحيد نجد وبعض أجزاء شبه جزيرة العرب في دولة إسلامية مستقلة: بدأت الدعوة الإصلاحية في تطبيق مبدأ الجهاد في سبيل الله على قلة من العدة والعدد والخبرة كما أسلفنا في النص التاريخي السالف ولكن ظلت الدعوة الإصلاحية تستقطب الأنصار وتستقبل المهاجرين من طلاب العلم وأهل الدين وتقدم لهم كل عون ومساعدة حتى التف حولها الناس تباعا وقويت بها شوكة الجهاد وتأيد بها مقر الدعوة وقادها الجهاد من نصر إلى نصر أكبر منه حتى طويت صفحات الإمارات الصغيرة المستقلة المنتشرة في عرض البلاد وطولها في دولة إسلامية سلفية ذات دعوة إصلاحية نامية وجهاد في سبيل الله مستمر، فتوحدت تحت راية هذه الدعوة إمارات العارض ثم تبعها أقاليم نجد إقليم بعد آخر حتى امتد نظر الدعوة إلى الحرمين الشريفين وأطراف الجزيرة العربية وبادية الشام والعراق في تلاحم شديد بين السياسة والدين وبين أمور الدنيا والآخرة على السواء. وقد كان في أخلاق أصحاب هذه الدعوة وأتباعها وإخلاصهم وصدقهم في دعوتهم وإخوانهم في الدين وحرصهم على تحقيق العدل في ظل شريعة الإسلام ما جعل الناس تلتف حولهم وتفتح لهم صدورهم إلى جانب بلادهم وتشاركهم مهمة الإصلاح والجهاد في سبيل الله. يقول صاحب عنوان المجد في تاريخ نجد: "فلما استقر في الدرعية تسلل إليه شيعته الذين في العيينة ومن ينتسب إلى الدين ومعهم أناس من رؤساء المعامرة معاكسين لعثمان بن معمر وهجروا إلى الدرعية أو أناس ممن حولهم من البلدان لما

стр. 196

علموا أن الشيخ استقر ومنع ونصره"١وقال ﵀: "وأهل الدرعية يومئذ في غاية الضعف وضيق المؤنة"٢ وفي مجال رعاية إمام الدعوة للمهاجرين وتخفيف المعاناة عنهم ومحاولة توفير ما يحتاجونه وما يقدمه من جوائز للوفود كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. يقول ابن بشر ﵀: "وكان الشيخ ﵀ لما هاجر إليه المهاجرون يتحمل الدين الكثير في ذمته لمؤنتهم وما يحتاجون إليه وفي حوائج الناس وجوائز الوفود إليه من أهل البلدان والبوادي ذكر لي أنه حين فتح الرياض وفي ذمته أربعون ألف محمدية فقضاها من غنائمها. وكان لا يمسك على درهم ولا دينار، وما أتى إليه من الأخماس والزكاة يفرقه في أوانه. وكان يعطي العطاء الجزيل بحيث إنه يهب خمس الغنيمة العظيمة لاثنين أو ثلاثة"٣ وإذا كان الإمام محمد بن سعود قد توفي ﵀ عام ١١٧٩هـ ونجد لا تزال تغلي فيها حركة الجهاد مع المعارضة في أقاليم نجد، فقد أكمل البناء وأتمه ولي عهده وإمام المسلمين من بعده الإمام عبد العزيز بن محمد ﵀ بمؤازرة الإمام محمد بن عبد الوهاب وتوجيهه. يقول صاحب عنوان المجد: "وما يجيء إلى الدرعية من دقيق الأشياء. وجليلها تدفع إليه – أي إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب- بيده ويضعها حيث يشاء. ولا يأخذ عبد العزيز ولا غيره من ذلك شيئا إلا عن أمره. بيده الحل والعقد والآخذ والإعطاء والتقديم والتأخير ولا يركب جيش ولا يصدر رأي من محمد وابنه عبد العزيز إلا عن قوله ورأيه. فلما فتح الله الرياض واتسعت ناحية الإسلام وآمنت السبل وانقاد كل صعب من باد وحاضر، جعل الشيخ الأمر بيد عبد العزيز وفوض أمور المسلمين وبيت المال إليه. وانسلخ منها ولزم العبادة وتعليم العلم ولكن

стр. 197

ما يقطع عبد العزيز أمرا دونه ولا ينفذه إلا بإذنه"١ ولم ينته عهد الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود وابنه سعود وقد توطدت أركان الدولة الإسلامية التي مدت يدها الرحيمة وظلها الوارف على كل نجد والحجاز وبعض أجزاء شبه جزيرة العرب وأطراف الشام والعراق. وصارت الدرعية مرجع ولاتها وقضاتها وأمرائها وصاحبة الأمر المطاع فيها، يحكم فيها شرع الله وتنفذ أحكامه وتقام حدوده ويؤمر فيها بالمعروف وينهى فيها عن المنكر على بينة. ولمعرفة أجزاء هذه الدولة الإسلامية نسوق نصا تاريخيا عن أمراء الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود قبل استشهاده وهو ساجد أثناء صلاة العصر في العشر الأواخر من رمضان عام ١٢١٨هـ على يد رجل عراقي ادعى النسك. يقول ابن بشر ﵀: "وكان أميره على تهامة وما يليها من اليمن عبد الوهاب المعروف بكنية – أبو نقظة – وعلى الحجاز وما يليه من النواحي عثمان بن عبد الرحمن المضايفي، وعلى عمان صقر بن راشد رئيس رأس الخيمة، وعلى الاحساء ونواحيها سليمان بن محمد بن ماجد، وعلى القطيف ونواحيه أحمد بن غانم، وعلى الزبارة والبحرين سليمان ين خليفة، وعلى وادي الدواسر ربيع بن زيد الدوسري وعلى ناحية الخرج إبراهيم بن سليمان بن عفيصان، وعلى المحمل ساري بن يحيى بن سويلم، وعلى ناحية الوشم عبد الله ين حمد بن غيهب في بلد شقراء وعلى ناحية سدير عبد الله بن جلاجل وعلى ناحية القصيم حجيلان بن حمد في بريدة وعلى جبل شمر محمد بن عبد المحسن بن فايز بن علي في بلد حايل"٢ ويقول صاحب كتاب دليل الخليج عن تاريخ سنة ١٨١٠م ما نصه: "فقد كان الوهابيون يسيطرون – بلا منازع – لا على وسط جزيرة العرب فقط بل على أجزاء كثيرة من الحجاز أيضا بما فيها الأماكن المقدسة في مكة والمدينة وكذلك أقسام من اليمن على الأقل. وفي طريق الشام كانوا قد سيطروا – فيما يبدوا- على واحة الجوف

стр. 198

العامر. كما كانت جيوشهم تقوم من وقت لآخر بتهديد باشوية بغداد بل وبغداد نفسها في بعض الأحيان"ثم قال: "وكان الوهابيون قد عززوا مراكزهم في عمان بأن احتلت قواتهم – من قاعدتهم المتقدمة في البريمي – بعض القالع في إقليم الشمايلية"١وقال صاحب كتاب حاضر العالم الإسلامي عن هذه الدعوة في عام ١٨١٤م: "وبينما كان ابن السعود سنة ٨١٤م يعد العدة لفتح سوريه وهمته متينة كان يخيل إلى العالم منه أن الوهابيين متدفقون على الشرق تدفقا وصانعون ما شاءه الله من الإصلاح في الإسلام"٢ وقال أيضا في موضع آخر: "وخلال جيل تلا اتسعت الدعوة الوهابية بأفقها ومضطربها اتساعا كبيرا وتطورت تطورا عظيما حتى صالت تعرف باليقظة الإسلامية٣ ولما اكتمل بناء هذه الدولة الإسلامية وتوطدت أركانه صارت خير مثل لتطبيق ما نادت به من مبادئ وأهداف إسلامية واضحة المعالم، فأخذت تطبع الحياة في كل جوانبها بطابع الإسلام في حدود الإمكانات المتاحة. ١- ربط الحياة بالدين: أهداف الدعوة الإصلاحية في نجد كانت معلنة في بدء قيامها يوم أن كان إمامها يعرض نفسه ودعوته على الأمراء في نجد، وهي أهداف واضحة المعالم محددة الغاية إسلامية الهدف والوسيلة – فقد قال إمام الدعوة للأمير عثمان بن معمر أمير العيينة لما أمره قائد الاحساء سليمان بن محمد بن غرير الحميدي إخراج الشيخ من العيينة قال ﵀: "إن هذا الذي أنا قمت به ودعوت إليه كلمة لا إله إلا الله وأركان الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أنت تمسكت به ونصرته فإن

стр. 199

الله سبحانه يظهرك على أعدائك"١ كما أن بيعة الإمام محمد بن سعود للشيخ محمد بن عبد الوهاب قد تضمنت هذه الأهداف الواضحة الجلية. قال ابن بشر بعد حديثه عن عرض الدعوة على الإمام محمد بن سعود وتمام البيعة: "ثم إن محمدا بسط يده وبايع الشيخ على دين الله ورسوله والجهاد في سبيل الله وإقامة شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"٢ وهذه الأهداف تتضمن إقامة الدين كله في التعليم والعمل والسياسة والقضاء وجباية الزكاة وإقامة الحدود ونشر العدل بين الناس ورفع الظلم عنهم وتأمين السبل وتحقيق التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع في الأمور المادية والمعنوية على السواء وبناء قوة سياسية وحربية واجتماعية يحسب لها حساب في المنطقة. ولم يدخر قادة هذه الحركة الإصلاحية وسعا في تحقيق المبادئ التي نادوا بها قدر مستطاعهم. فساسوا سياسة راشدة وأقاموا العدل بين الناس بالتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ واجتهاد أئمة الهدى في مختلف العصور الإسلامية الزاهرة وفتحوا دور العلم الشرعي للناس وجبوا الزكاة المفروضة في الثمار وبهيمة الأنعام وغيرها بالعدل واجتهدوا في صرفها في مصارفها الشرعية كما أراد الله، بما حقق نوعا من التكافل الاجتماعي المادي إلى جانب إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يحقق تكافلا اجتماعيا أدبيا. وعملوا على إلزام الناس بالحق وحراسة الدين وشرح معنى لا إله إلا الله محمدا رسول الله والعمل بمقتضاها وأقاموا علم الجهاد في سبيل الله وجعلوا الشهادة في سبيل الله من أغلى الأماني لدى أفراد المسلمين. وساروا بالحياة في مختلف مناحيها في ضوء الكتاب والسنة بما يحقق السعادة للفرد والجماعة في الدنيا والآخرة. يقول المؤرخ الأمريكي: "فتكونت على التوالي وحدة دينية سياسية في جميع الصحراء العربية شبيهة بتلك الوحدة التي أنشأها صاحب الرسالة. وفي الواقع فإن

стр. 200

المنهج الذي نهجه ابن عبد الوهاب ليشبه شبها كبيرا ذلك الذي نهجه الخلفاء الراشدون كأبي بكر وعمر ١". ومن أجل هذا كله فإن هذه الدولة الإسلامية قامت في نفوس أتباعها قبل أن تقوم ككيان سياسي في واقع الحياة، ولأجل ذلك فإنها لما استؤصلت في الدور الأول على يد إبراهيم باشا ككيان سياسي سارع أتبعها إلى إعادة بنائها تحت قيادة الإمام تركي بن عبد الله. ثم لما انتهى عهدها الثاني أعيد مرة ثالثة على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل ﵀، إذ أن الأمة المسلمة في شبه الجزيرة العربية تحن إلى هذه الدعوة المخلصة حنين الأم إلى وليدها كلما فقدته لما تحقق فيها من التلاحم الشديد بين الدين والحياة الأخرى وأمور المعاش وتأمين المعاد. ١- تحقيق الأمن والرخاء: تعطى المصادر التاريخية عن فترة حكم الإمام عبد العزيز بن محمد والإمام سعود وعبد الله في هذا الدور الأول من الحكم السعودي صورة مضيئة عما تحقق في هذه الفترة لكل الأقاليم التي بسطت هذه الدولة نفوذها عليها وأن الناس عاشوا في ظلها حياة هانئة سعيدة ينعمون فيها بالأمن الوارف الظلال والرخاء والرغد في العيش والسعة في موارد الرزق، وأن الله قد أبدل حياة الناس في الدرعية التي كانت في بداية الدعوة في غاية من الضيق والشدة بالرفاه والسعة وكثرة الخيرات. فقد تحدث الشيخ عثمان بن بشر في تاريخه عن سيرة الإمام عبد العزيز بن محمد وما تحقق للناس في ظل حكمه فقال: "وكانت الأقطار والرعية في زمنه مطمئنة في عيشة هنيئة وهو حقيق بأن يلقب مهدي زمانه لأن الشخص الواحد يسافر بالأموال العظيمة أي وقت شاء شتاء أو صيفا، يمنا أو شاما، شرقا وغربا، في نجد والحجاز واليمن وتهامة وغير ذلك، لا يخشى أحدا إلا الله لا سارقا ولا مكابرا. وكانت جميع بلدان نجد من العارض والخرج والقصيم والوشم والجنوب وغير ذلك من النواحي في أيام الربيع

стр. 201

يسيبون جميع مواشيهم في البراري والمفالي من الإبل والخيل الجياد والبقر والأغنام وغير ذلك ليس لها راعي ولا مراعي بل إذا عطشت ودت على البلدان ثم تصدر إلى مفالها حتى ينقضى الربيع أو يحتاجون لها أهلها"١ وبعد أن ذكر المؤرخ ابن بشر بعض الأخبار التي تعطي صورة جيدة واضحة عن استتباب الأمن في هذه الدولة وتأمين السبل ورضى الناس بذلك قال رحمه الله تعالى:"ويخرج الراكب وحده من اليمن وتهامة والحجاز والبصرة والبحرين وعمان وأنقرة والشام لا يحمل سلاحا بل سلاحه عصاه لا يخشى كيد عدو ولا أحد يريده بسوء"٢ والرخاء وسعة الرزق ترتبطان عادة مع الأمن والعدل واستتبابهما في أي موطن. وقد تحقق لأهل هذه المنطقة في ظل الدولة السعودية الأولى من الرخاء بقدر ما وصفنا من الأمن. وقد سبق أن ذكرنا نصا تاريخيا عن هذه الدعوة المباركة أن أهل الدرعية عند بدء الدعوة الإصلاحية كانوا في أضيق عيش وأشد حاجة وابتلوا ابتلاء شديدا وقد وصف ابن بشر في تاريخه حال الدرعية بعد ذلك وما هي فيه من نعمة وما بها من خيرات تفوق الوصف فقال: "ولقد رأيت الدرعية بعد ذلك في زمن سعود رحمه الله تعالى وما فيه أهلها من الأموال وكثرة الرجال والسلاح المحلى بالذهب والفضة الذي لا يوجد مثله والخيل الجياد والنجايب العمانيات والملابس الفاخرة وغير ذلك من الرفاهيات ما يعجز عن عده اللسان ويكل عن حصره الجنان والبنان. ولقد نظرت إلى مواسمها يوما في مكان مرتفع وهو في الموضع المعروف بالباطن بين منازلها الغربية التي فيها آل سعود المعروفة بالطريف ومنازلها الشرقية المعروفة بالبحيري التي فيها أبناء الشيخ ورأيت موسم الرجال في جانب، وموسم النساء في جانب، وموسم اللحم في جانب وما بين ذلك من الذهب والفضة والسلاح والإبل والأغنام والبيع والشراء

стр. 202

والأخذ والعطاء وغير ذلك هو مد البصر، ولا تسمع فيه إلا كدوي النحل من النجناج وقول بعث وشريت والدكاكين على جانبيه الشرقي والغربي"١ ويقول المؤرخ الأمريكي في تاريخه المعروف بحاضر العالم الإسلامي في وصف الدولة السعودية الأولى: "وكانت حكومته على عنفها مكينة عادلة فانقطع التعدي وأمن الناس السرقات وانتشر الأمن وسادت الطمأنينة والراحة"٢ فهذه النقول التاريخية تدل بجلاء على ما وصلت إليه الدولة السعودية الأولى التي قامت على الإصلاح والتجديد الديني من مستوى في الأمن النفسي والاجتماعي وتامين السبل وتحقيق العدل وأفاء الله على أهلها من نعم كثيرة وخيرات وفيرة وسعادة للإنسان في ظلها الوارف وأمنها الممتد والله بالغ أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ١- القدوة الحسنة في القيادة: السير الذاتية لأئمة هذه الدعوة الإصلاحية التجديدية تعكس مدى إيمان قادة هذه الحركة بمبادئها الإسلامية وعملهم من أجلها وصبغ حياتهم بها وتحدد مقدار الربط بين المبادئ النظرية والتطبيق العملي، في واقع الحياة بدءا بالذات وانتهاء بالسير العامة في مختلف جوانب الحياة. وسير قادة هذه الحركة الإصلاحية هي الواقع لوحة مضيئة تنضح بالصدق والإخلاص والإيمان والعمل لمرضاته، وتجسد الحياة الإسلامية في صورة بهية تعطي من ذاتها القدوة الحسنة والسيرة الحميدة، وتقيم المثل الأعلى الشاخص الذي

стр. 203

يراه الناس في حياتهم قولا وواقعا متحركا يأخذ ويعطي ويترجم الأقوال إلى أفعال وأعمال محسوسة، فكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب مثالا في الزهد والتقى والورع والثقة بما عند الله قواما في الليل ومجاهدا في النهار صادعا بكلمة الحق ومستيقنا بالنصر باذلا للمال في وجهه بذل من لا يخشى الفقر قائما على مصالح الناس وسد حاجاتهم أمينا على ما تحت يده وقد مر النص التاريخي عن رعايته ﵀ لأتباعه المهاجرين إليه واعتبار طلاب العلم عنده بمنزلة أولاده فعلاقته بالله متصلة ونفعه للناس مستمر وتجرده من الأنانية وحب الذات وإخلاصه في دعوته أمر يفوق الوصف وأثره بحياته العملية وسيرته الذاتية انعكس على أتباعه وكبار شيوخ مدرسته من القادة السياسيين ومن العلماء والقضاة. والإمام محمد بن سعود ﵀ صورة أخرى عن الشخصيات القيادية الريادية الفذة في هذه المدرسة الإصلاحية بحياته الخاصة في صلته بربه وفي عدله في رعيته وفي إخلاصه في دعوته وصدقه في جهاده وبره برعيته وزهده بما في يده وعطفه على الناس ورعايته للفقراء والمساكين والمستضعفين وغيرته عند ما تنتهك حرمات الله وقوته في الحق. ففي وصف ابن بشر لحياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وسيرته الذاتية قال ﵀: "وكان الشيخ رحمه الله تعالى كثير الذكر لله قل ما يفتر لسانه من قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وكان إذا جلس الناس ينتظرونه يعلمون إقباله إليهم قبل أن يروه من كثرة لهجته بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وكان عطاؤه عطاء من وثق بالله لا يخشى الفقر بحيث إنه يهب الزكاة والغنيمة في موضع واحد لا يقوم ومعه منها شيء ويتحمل الدين الكثير لأضيافه وسائر الوافدين إليه وعليه الهيبة العظيمة التي ما سمعنا بها اتفقت لغيره من العلماء والرؤساء وغيرهم"١ والإمام محمد بن سعود ﵀ كانت حياته مثالا في التقوى والصلاح والصدق للدعوة والإيمان بالجهاد في سبيلها وكانت سيرته الذاتية ناصعة البياض، غير

стр. 204

أنه ﵀ كان عهده عهد حروب ومعارك جهاد ولم يتفرغ فيها للإصلاحات الداخلية ولم تتوافر له الوسائل التي توفرت لأبنائه عبد العزيز وسعود. وهو من أفضل القادة السياسيين في هذه الدعوة الإصلاحية وعن طريقه عبرت الفضائل العديدة والشمائل الكريمة لخلفائه في الأمر من بعده. أما الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود فهو الشخصية الثالثة في هذه السلسلة الوضيئة من قادة الإصلاح في نجد. وفي معرض الحديث عن سيرته الذاتية وأعماله قال المؤرخ عثمان بن بشر ﵀: "وكان لا يخرج من المسجد بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس ويصلي فيه صلاة الضحى. وكان كثير الرأفة والرحمة بالرعية وخصوصا أهل البلدان بإعطائهم الأموال وبث الصدقة لفقرائهم والدعاء لهم والتفحص عن أحوالهم"١ وفي مجال صدقه في دعوته وإخلاصه لأمته يقول ابن بشر ﵀: "وقد ذكر لي بعض من أثق به أنه يكثر الدعاء لهم في ورده قال: وسمعته يقول: اللهم ابق فيهم كلمة لا إله إلا الله حتى يستقيموا عليها ولا يحيدوا عنها"٢ وفي مجال العدل وتحقيقه في جباية الزكاة، يقول ابن بشر ﵀: وكان يوصي عماله بتقوى الله وأخذ الزكاة على الوجه المشروع وإعطاء الضعفاء والمساكين ويزجرهم على الظلم وأخذ كرائم الأموال"٣ وفي مجال الزهد في المال يقول ابن بشر ﵀: "وأتى إليه يوما خمس وعشرون حمل من الريالات فمر عليها وهي مطروحة فنخسها بسيفه وقال: "اللهم سلطني عليها ولا تسلطها علي ثم بدأ في تفريقها"٤ وفي موضع آخر قال عن أئمة هذه الدعوة في نهاية حديثه عن سيرة الإمام عبد العزيز بن محمد: "وبالجملة فمحاسنهم وفضائلهم أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر ولو بسطت القول في وقائعهم وغزواتهم وما مدحوا به من الأشعار وما قصد

стр. 205

بابهم من الرؤساء العظماء من أقاصي الأقطار وما حمل إليهم من الأموال والسلاح والخيل الجياد التي لا يدركها العد والتذكار لجمعت فيها عدة أسفار ولكنني قصدت الإيجاز بالاختصار"١ أما الشخصية الرابعة في القيادة السياسية الإصلاحية فهو الإمام سعود بن عبد العزيز وهو الذي بلغت الدعوة الإصلاحية في عهده أوجها وأعطت أكبر نتائجها. وهو من الشخصيات الفذة لا يقل عن سابقه في الورع والإخلاص لدينه وأمته والنظافة في تاريخه والعطف على رعيته وسيرته الذاتية صورة مشرقة تمثل حياة المسلم في أتم صورها. وصف ابن بشر وصاياه لرعيته فقال: "وكان أول ما يصدر النصيحة بالوصية بتقوى الله تعالى ومعرفة نعمة الإسلام ومعرفة التوحيد والاجتماع بعد الفرقة ثم الحض على الجهاد في سبيل الله ثم الزجر عن جميع المحظورات من الزنى والغيبة والنميمة وقول الزور والمعاملات الربوية وغير ذلك"٢ وختم وصف حياة الإمام سعود المؤرخ ابن بشر بقوله: "وبالجملة فمحاسن هؤلاء الأمجاد وفضائلهم ومحامدهم التي ملأت أقطار البلاد الذي أزال الله بأولهم الجهل عن الناس والمحن وبآخرهم الظلم والجور والبغي والفتن لو جمعت لبلغت أسفارا من الكتب ولرأيت العجاب والعجب وكفى بفضلهم ما تقدم قبل أولهم وآخرهم من المنكرات. فبدلوا جهودهم في زوالها حتى انطمست معالمها وعمل بالطاعات أعني بأولهم محمدا وابنه عبد العزيز وابنه سعود وبآخرهم تركي وابنه فيصل قاتل البغاة ونقاض العهود"٣ والإمام عبد الله بن سعود ﵀ كان من أفضل الناس سيرة وأربطهم جأشا وأشجع آل سعود. وهو لا يقل عن سابقيه في سيرته الذاتية وكفاءته وقدراته وإخلاصه لهذه الدعوة فسار بالناس سيرة حميدة حذا فيها حذو سابقيه واقتفى سننهم فكان كثير الطاعة عفيف اللسان نظيف اليد طاهر الجيب عطوفا على رعيته

стр. 206

آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر باذلا للمال في وجوه الخير. فمضى صدر من إمارته في عز ومنعة وقوة إلا أن الخلافة العثمانية وجدت أنه لا بد من المفاصلة مع هذه الحركة الإصلاحية التي تعدها مقدمة لحركات انفصالية في العالم الإسلامي. فأرادت أن تؤدبها وتؤدب بها كل من تسول له نفسه الخروج على الخلافة العثمانية فندبت لهذه المهمة الخطيرة محمد علي حاكم مصر من قبل الأتراك. فجمع لهذه الحملات التدميرية من الإمكانات المادية والبشرية ووفر لها من أسباب النجاح ما يضمن لها القضاء على هذه الدعوة الإصلاحية الأولى في العالم الإسلامي في العصر الحديث. ووكلت عملية التنفيذ إلى جبار من جبارة القادة العسكريين الأتراك هو إبراهيم باشا. وبدأت سلسلة من المعارك الطاحنة بين الدولة السعودية وبين الجيوش التركية عبر عدة سنوات انتهت بالقضاء التام على القادة السياسية لهذه الحركة الإصلاحية وهدم قاعدتها الدرعية وإجلاء كل سكانها والقضاء على رجالات المنطقة في حملة ظالمة شرسة لا تعرف الرحمة. وبذلك طويت صفحة من صفحات هذه الحركة الإصلاحية. تحدث ابن بشر ﵀ عن سيرة الإمام عبد الله بن سعود فقال: "وكان عبد الله ذا سيرة حسنة مقيما للشرائع آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر كثير الصمت حسن السمت باذل العطاء ولكن لم يساعده القدر وهذه سنة الله في عباده"١ وقال "وكان صالح التدبير في مغازيه ثبتا في مواطن اللقاء، وهو أثبت من أبيه في مصابرة الأعداء، وكانت سيرته في مغازيه وفي الدرعية في مجالس الدرس وفي قضاء حوائج الناس وغير ذلك على مسيرة أبيه سعود فأغنى عن إعادتها"٢ ووصف ابن بشر ﵀ نجدا بعد أسر الإمام عبد الله بن سعود وهدم الدرعية والقضاء على قادة ورجالات وعلماء الدعوة الإصلاحية في نجد وحالة الناس فيها فقال: "قلت فيها نظام الجماعة والسمع والطاعة وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لا يستطيع أحد أن ينهى عن منكر أو يأمر بطاعة وعمل

стр. 207

بالمحرمات والمكروهات جهرا "حتى قال وتعذرت الأسفار بين البلدان وتطاير شرر الفتن في الأوطان وظهرت دعوى الجاهلية بين العباد وتنادوا بها على رؤوس الأشهاد"١ هذا ولما كانت هذه الدعوة الإصلاحية قد حلت محلها العميق من النفوس واستقرت في مقرها من الوعي والشعور لدى الناس فإنه على الرغم من قضاء الأتراك على هذه الحركة كوجود سياسي قضاء مبرما حتى هدمت كل مباني الدرعية وقتلت خيرة الرجال لا في الدرعية فحسب بل وفي كل البلاد الواقعة تحت سلطان هده الدعوة وأوقع بهم من البلاء والمحنة وأعمل فيهم السيف بلا رحمة وبما يعجز القلم عن وصفه من تلك المجازر الجماعية التي لا يفرق فيها بين المقاتل والشيخ الكبير أو المرأة الضعيفة والطفل الصغير حتى بعد استلام الأتراك لمقاليد الأمور في نجد ما أن عادت الجيوش الغازية بما حققته من نصر كبير حتى عادت إلى استئناف حياة إسلامية جديدة على يد ابن بار من أبناء هذه الدعوة هو الإمام تركي بن عبد الله. وبذلك بدأ عهد جديد يعرف في التاريخ الحديث بالدور الثاني للدولة السعودية. وظلت هذه الدولة تتعرض للاندثار كلما قصرت في الالتزام بمبادئ هذه الدعوة الإصلاحية وتعود للظهور كلما صدق قادتها مع الله، والله بالغ أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وتاريخ الإمارة السعودية مع الدعوة عبر التاريخ أكبر شاهد على ظهور الأسرة السعودية على الناس كلما التزمت بواجبها في القيام بحق هذا الدين واستمسكت بحبله وأنها كلما قصرت في قيامها بهذا الواجب أو حصل فيها ميل عنه توقف مدها وسلط عليها أعداؤها حتى تفيء إلى أصول الدعوة التي قامت عليها. وهذا ما يفسر به كثير من مؤرخي المنطقة نهاية الدولة السعودية الأولى والثانية وعودتها إلى منصة القيادة بقيادة كل من الإمام محمد بن سعود في الدور الأولى، والإمام تركي بن عبد الله في الدور الثاني، والملك عبد العزيز في الدور الثالث، وهو أمر لم يفهمه كثير

стр. 208

ممن كتبوا عن تاريخ الأسرة السعودية عامة والملك عبد العزيز خاصة من خارج المملكة، ولم يعرفوا نفسية هذا الشعب المسلم، وتاريخ هذه الأسرة الكريه وضربها بسهم وافر في خدمة الإسلام وتحقيق العدل حتى جعل النفوس تحن إلى المصلحين من أبنائها كلما فسدت الأحوال أو حصل انحراف عن الدين. وفي مقابل ظهور إمارة الدرعية على غيرها منذ قيام دعوة الإصلاح ماذا يعرف المثقفون فضلا عن عامة الناس في نجد عن إمارة الرياض وأسرة دهام بن دواس وعن غيرها من الإمارات والبيوت التي ناوأت الدعوة وتزعمت المعارضة في الداخل أو الخارج. لقد كان حظهم الإهمال والنسيان والفناء المعنوي وموت الذكر. ولولا تاريخ حركة الإصلاح وذكرهم في أخبارها لما عرف من أخبارهم إلا القليل النادر. وكل هذه عظات وعبر لمن تدبر التاريخ واعتبر بأحداثه وحاول استكشاف كنوزه ووعى سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا. ولكن النعم ولين العيش وطول الأمد ينسي هذه الأمر. وأولى الناس بالتدبر والاعتبار من رفع الله ذكرهم بهذا الدين وأعزهم بهذه الدعوة المباركة وجعلهم بها أئمة وملوكا ليزيدهم ذلك فقها بأصول العز ومصدر التمكين في الأرض، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ . وهي سنة الله ماضية في الخلق ضاربة في التاريخ. ولعل في وعي هذه الأصول وفقه التاريخ ما يعصم من الزلل ويمنع من الانحراف ويسدد السالكين على جادة الحق ومنهج الصواب إذ ليس بين الله وبين خلقه حسب ولا نسب وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء بفضله ويصرفه عمن يشاء بحكمه. والناس عيال الله وأحب الخلق أنفعهم لعياله وأعظمهم النفع ما جمع الدنيا والآخرة ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى وعي هذه الحقائق في زمن تكالبت علينا فيه الأمم وراج فيه سوق الباطل وتعددت فيه السبل، والأمة الإسلامية في مسيرتها تقف على مفارق الطرق ولا نجاة لها إلا بهذا الدين، والله غالب على أمره ولكن الناس لا يعلمون.

стр. 209

ثانيا- النتائج الدينية: ١-قيام مدرسة علمية إصلاحية: كان إمام هذه المدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي أخذ العلم عن والده وعلماء بلده ثم رحل في طلب العلم والأخذ عن شيوخه في الحرمين الشريفين وفي البصرة والاحساء وغيرها. ولم يكن كما يقول خصوم الإمام محمد بن عبد الوهاب بأنه أخذ العلم من غير معلم، وأن معلمه كان كتابه فرحلاته العلمية معروفة وأخذه من شيوخه كان ظاهرا وآثاره وفقهه أكبر شاهد على ذلك. فلما أعد نفسه إعدادا راسخا في العلم وتمكن من فهم علوم الدين من تفسير وحديث وعلومهما وفقه وأصول وتوحيد وتاريخ وسيرة ولغة عربية وأدواتها وبرع في علم الفرائض وغيرها، وفهم واقع الناس في الحياة اليومية في مختلف مناحي الحياة في العقيدة والسلوك والآداب والأخلاق والمعاملات، وأدرك الفارق الكبير بين حقيقة التوحيد كما جاءت من عند الله في نصوص شرعه وما كان عليه الناس في زمانه وحدد المسافة بين ما أراده الله من خلقه وشرعه لعباده وما هم عليه وعقد العزم على القيام بحركته الإصلاحية التجديدية منطلقا بها من نجد بل من مقر إقامته وأسرته في بلده حريملاء، كان أول خطوة في حركة الإصلاح الجديدة التأسيس على أصول علمية تستند إلى نصوص الشريعة في الكتاب والسنة وسيرة الرسول ﷺ وسيرة السلف الصالح في عصور الإسلام الزاهرة والقرون المفضلة. فجلس لطلاب العلم في المسجد في حريملاء يدرسهم في مختلف علوم الشرعية ويتدرج بهم من البسيط إلى المركب، ومن الواضح إلى الخفي، ومن القليل إلى الكثير، ويبث في هذه المدرسة روح التحرر من قيود الواقع والمألوف إلى معرفة مراد الله في شرعه، والاستقلال في فهم دينه، وإجراء مقارنة لطلاب العلم بين ما أراد الله من خلقه وما يفعله الناس في زمانه وتحديد المسافة بين المطلوب والواقع. ونفث هذه الروح الإصلاحية العلمية المؤصلة في دروسه وبين طلابه وشوقهم إلى تخطي

стр. 210

الحاجز المر المستقبل المشرق لهذه الدين. فوجد نفوسا سوية وعقولا صافية صفاء المرآة فطبع عليها ما معه من حق ونفخ فيها من روحه حتى جاءت إليه طائعة مختارة قابلة للحق مقتنعة به مستعدة للبذل في سبيله. فكان بدء دعوته الزمني عام ١١٥٣هـ ومولدها الأول في مسجد حريملاء وأداتها في الإصلاح التعليم والتعلم ومستقرها في داخل النفوس، وغايتها رد الناس إلى الله في أصول العقيدة ومنهج الشريعة وأصول التعامل وقواعد الأخلاق والخروج من ضيق الدنيا إلى سعت الدنيا والآخرة. ثم تزايد عدد طلاب العلم لديه وتوسعت مجالسه، وتعددت العلوم التي يدرسها لطلابه في ساعات طويلة من النهار وأطراف من الليل حتى كثر أنصاره وطلابه ومريدوه. ولما انتقل إلى العيينة سار على الطريقة نفسها فأسس مدرسة علمية فيها وتوافد إليه طلاب العلم من داخل العيينة وخارجها وتبعه من كان معه من طلاب العلم في حريملاء. فتوسعت المدرسة وتعددت حلقاتها وصار كبار طلبته يعقدون حلقات العلم للطلاب المبتدئين. ثم ينتقل الطلاب بعد أخذ المبادئ العامة إلى حلقات الشيخ نفسه. وهكذا تتكرر خطوات التوسع حتى استطاع بهذه المدرسة العلمية والأنصار أن يتقدم بدعوته إلى مرحلة الأمر بالمعروف النهي عن المنكر وإقامة بعض الحدود في العيينة، وأن يتسامع الناس بهذه الدعوة في أرجاء الجزيرة العربية ويدرك الوجهاء في المنطقة خطرها عليهم وآثارها البعيدة في حياتهم مما حملهم على إظهار العداء لها. ولما انتقلت الدعوة إلى الدرعية استمرت في تدعيم وجودها من خلال العلم والتعلم في رحاب المساجد، وترسيخ الفهم الصحيح للإسلام، وتشخيص أدواء المجتمع الذي وجدت فيه هذه الحركة الإصلاحية، وتسليط الضوء عليها وفق رؤية علمية صحيحة تستند إلى النصوص الشرعية الثابتة والفهم العربي السليم حتى أتم الله لها ما أراد على يد هذه المدرسة العلمية وإمامها المجدد محمد بن عبد الوهاب. وقد ذكر المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر إقبال طلاب العلم على الشيخ ﵀ في الدرعية وصبرهم على طلب العلم وتحملهم في سبليه فقال:"ولما هاجر من هاجر إلى الدرعية واستوطنوها كانوا في أضيق عيش وأشد حاجه وابتلوا ابتلاء شديد فكانوا

стр. 211

في الليل يأخذون الأجرة ويحترفون، وفي النهار يجلسون عند الشيخ في درس الحديث والمذاكرة"١ وكان قيام هذه المدرسة العلمية الإصلاحية في نجد في فترة عصيبة قد عم فيها الجهل وفشا المنكر وكثر البلاء واختلط فيها الحق بالباطل واندرست فيه معالم الهدى. فكانت هذه الدعوة في ذلك الوسط العلمي المتخلف كالنور الكاشف في دياجير الظلام. يصف ذلك ابن بشر ﵀ بقوله: "ولما استوطن الشيخ الدرعية وكانوا في غاية الجهالة وما وقعوا فيه من الشرك الأكبر والأصغر والتهاون بالصلاة والزكاة ورفض شعائر الإسلام فتخولهم الشيخ بالأمر بالمعروف النهي عن المنكر ثم أمرهم بتعلم معني لا إله إلا الله وأنها نفي وإثبات" ومضى في تعديد ما جاء به الإمام ودعا إليه حتى قال: "ثم معرفة البحث وأن من أنكره أو شك فيه فهو كافر"٢ ولم تكتف هذه الدراسة العلمية بالتعليم في المسجد وجمع الأنصار حولها بهذه الوسيلة وحدها بل دخلت في الدرعية خاصة وسيلة أخرى وهي بعث الرسائل ودعوة الناس بواسطتها إلى الاستجابة لهذه الدعوة ودعوة طلاب العلم للوفود على الدرعية لمعرفة حقيقة ما تدعو إليه هذه المدرسة العلمية من فهم جديد لنصوص الشرع المطهر وبهذه الوسيلة الجديدة إلى جانب توسيع التعليم وتحقيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجتمع الدرعية وما يتبعها انتشر أمر هذه المدرسة وانقسم الناس حولها إلى مؤيدين ومعارضين. وفي هذه المدرسة العلمية الإصلاحية التي قامت بالتعليم في رحاب المساجد أو بالرسائل العلمية والمواعظ الدينية والمقابلات لطلاب العلم والمذاكرة معهم توسع أثر هذه المدرسة حتى خرجت القضاة والمفتين والوعاظ وأئمة المساجد وخطباء الجمع وسدت بهم حاجات الدعوة ولبت مطالب المجتمع، يقول الشيخ ابن بشر ﵀:

стр. 212

"وأخذ عنه – أي الإمام- بعد ذكر القضاة- ممن لم يل القضاء من الرؤساء والأعيان ومن دونهم الجم الغفير وكان له رحمه الله تعالى من الرأي والفراسة والتدبير ما ليس لغيره. وكان كثيرا ما يلهج بقوله تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ " ١ وظلت هذه المدرسة العلمية الدينية الإصلاحية تعطي ثمارها الطيبة في مجتمعها المسلم جيلا بعد جيل حتى يومنا الحاضر وتركت لنا من الآثار العلمية والسيرة العملية المتمثلة في سير الصالحين من أتباع هذه الدعوة الإصلاحية عبر تاريخها الطويل ما يعين على السير على الطريق الصحيح والنهج القويم، ﵏ جميعا رحمة واسعة وجزاءهم عن هذه الأمة خير ما يجزي به عباده الصالحين وجعل الله هذا الخير باقيا في عقبهم إلى يوم الدين. ١- تجلية بعض المفاهيم: وكان من نتائج حركة التجديد والإصلاح في العصر الحديث تجلية بعض المفاهيم الإسلامية ومحاربة الانحراف في الدين عما أراد الله به من إصلاح النفوس وتصحيح العقيدة وتقويم السلوك وتحقيق مقاصد الشريعة في الخلق. ولهذا فقد عنيت هذه المدرسة بأصول الدين وفروعه وإزالة ما أصاب هذه المفاهيم من انحراف في فهم المراد بها والعناية بتحديد معانيها وما يدخل فيها وما يخرج منها من انحراف وما يضادها أو ينتقص من كمالها. واستعمل في ذلك وسائل التعليم والتربية المختلفة في تقرير هذه المعاني بالتعليم والتوجيه والتأليف والرسائل وغيرها مما سبقت الإشارة إليه، فألف في أصول الدين الرسالة المعروفة بثلاثة الأصول وهي تدور حول تحقيق أصول الدين الثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية والولاء والبراء وتعريف

стр. 213

الإنسان بربه ونبيه ودين الإسلام بالأدلة الثابتة من الكتاب والسنة والإجماع وأقوال أئمة الهدى وتقرير التوحيد والدعوة إليه وإيضاح الشرك ووجوب البراءة منه وأهله، وتحديد واجب المسلم في الموالاة في الله والمعاداة فيه، وتحديد المراد بالحنفية ومعنى العبادة في الشرع وذكر أنواعها، وحكم من صرف شيئا منها لغير الله وتحديد معنى الربوبية ومن هو المستحق لها، وتعريف الإسلام وبيان أركانه ونواقضه وتعريف الإيمان وتحديد أركانه وأنه قول وعمل واعتقاد وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وتعريف الإحسان ومستلزماته إلى جانب شرح معنى لا إله إلا الله وما تتضمنه من النفي والإثبات، ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله وبيان مقتضاها، وشرح معنى الهجرة التي أمر الله بها في كتابه وحكم بقائها أو انقطاعها بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله، إلى جانب بيان عموم الرسالة إلى الجن والإنس كافة، ووجوب الإيمان بالبعث والمحاسبة وأن الدين قد تم وكمل في حياة النبي ﷺ وأنه خاتم الأنبياء لا نبي بعده. وبين معنى الطاغوت ووجوب الكفر به والإيمان بالله وأن الطواغيت كثيرون وأن رؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عبد وهو راض، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادعى شيئا من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله، وبين مكانة الصلاة من الدين وأهمية الجهاد في سبيل الله وأقام الدليل على كل مسألة من هذه المسائل من الكتاب والسنة وأقوال السلف ﵏ كما بين حكم كثير مما كان يفعل في زمانه من الأفعال والأعمال التي تناقض التوحيد أتنافي كماله. وقد كتب في ذلك أيضا كتابه القيم المعروف بكتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد وعرف فيه التوحيد وأنواعه وفضله وتكفيره للذنوب وبين فيه الشرك وأنواعه وإحباطه للأعمال الصالحة وبين فضل الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وتناول فيه كثيرا من الأعمال والأحوال التي يمارسها أهل زمانه مما ينافي الوحيد أو ينافي كماله مثل التمائم والتوله ولبس الحلقة والخيط والرقي وإرادة الإنسان بعمله الدنيا ومشابهة الكفار وغيرهما من المسائل الكثيرة المهمة التي لا يتسع المقام لذكرها وهي موجودة في هذا الكتاب القيم لمن أراد الوقوف عليها والتعرف على مستوى دقة فهم هذا الإمام وصدق اتباعه للأدلة الشرعية.

стр. 214

يقول المؤرخ ابن بشر ﵀: "وأمر جميع أهل البلدان من أهل النواحي يسألون الناس في المساجد كل يوم بعد صلاة الصبح وبين العشائين عن معرفة الأصول وهي معرفة الله ومعرفة دين الإسلام ومعرفة أركانه وما ورد عليها من أدلة من القرآن ومعرفة محمد ﷺ ونسبه ومبعثه وهجرته وأول ما دعا إليه وهي "لا إله إلا الله" ومعرفة معناها والبعث بعد الموت وشروط الصلاة وأركانها ووجباتها وفروض الوضوء ونواقضه وما يتبع ذلك من تحقيق التوحيد من أنواع العبادة التي لا تنبغي إلا لله كالدعاء والذبح والنذر والخوف والرجاء والخشية والرغبة والرهبة والتوكل والإنابة وغير ذلك ١. وبشرح هذه المفاهيم الشرعية وبيان المعاني المقصودة منها في الشرع وتعميم تعليمها للناس بصورة شبه إجبارية للعامة والأميين إلى جانب التعليم المتقدم الذي يعد به القضاة والمفتين والمدرسين وخطباء المساجد استقرت العقيدة السلفية الصافية في نفوس الناس. وبذلك تحرروا من ذل العبودية لغير الله وأحبوا السنة وكرهوا البدعة وحاربوا الخرافة. وتحول ذلك عندهم إلى حس عام تميز حتى عند العامة. والحمد لله الذي له الأمر من قبل ومن بعد. يقول صاحب كتاب حاضر العالم الإسلامي: "فالدعوة الوهابية إنما هي دعوة إصلاحية خالصة بحتة، غرضها إصلاح الخرق وفسخ الشبهات وإبطال الأوهام ونقض التفاسير المختلفة والتعاليق المتضاربة التي وضعها أربابها في عصور الإسلام الوسطى ودحض البدع وعبادة الأولياء وعلى الجملة هي الرجوع إلى الإسلام والأخذ به على أوله وأصله ولبابه وجوهره"٢ فهذا المؤرخ الأجنبي وصف هذه الدعوة وصفا دقيقا فيما جاءت به وما تهدف إليه مع إيجاز في القول وبلاغة في الوصف.

стр. 215

٣-إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتميز الدعوة الإصلاحية في العصر الحديث في نجد بأنها دعوة تجمع بين العلم الصحيح الهادي إلى العمل بما يرضى الله في أمور الدين والدنيا وبين العمل اليومي المعاش والعقيدة السليمة. ولهذا فإنها بدأت بالعلم وثنت بالعمل والتطبيق لمقتضى العلم والأخذ بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ممارسة علمية لتوظيف العلم في صالح الجماعة وتكوني رأي عام راشد يعرف المعروف ويؤيده ويعرف المنكر وينفر منه وإيجاد تكافل أدبي في الوسط الاجتماعي يعزز الفضيلة ويضيق على الرذيلة وتنمو في ظله الفضائل وتنكمش الرذائل. ومنذ فجر تاريخ هذه الدعوة الإصلاحية في حريملاء ثم في العيينة وأخبرا في الدرعية كانت الدعوة واضحة في نزوعها إلى هذه الغاية. فما أخرجه أشقياء حريملاء وأمراء العيينة إلا بسبب أخذه بهذه المبدأ وعجز الأولين عن تقبله، وضعف أمير العيينة عن تحمل تبعاته وما نجحت الدعوة في الدرعية إلا بتقبلها لهذا الأمر والقيام بواجبه وتحمل تبعاته مهما كلفها من ثمن. ولهذا فإن اتفاق الإمامين الجليلين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود كان من أهم بنوده إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن لمنكر. يقول المؤرخ ابن بشر ﵀ بعد ذكره لشروط الإمام محمد بن سعود على الإمام محمد بن عبد الوهاب وأن الإمام محمد بن سعود قال للإمام:"ثم إن محمدا بسط يده وبايع الشيخ على دين الله ورسوله والجهاد في سبيل الله وإقامة شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "١ والإمام محمد بن عبد الوهاب حينما عرض دعوته على ابن معمر ذكر من أصولها إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد معرفة المعروف وتحديد المنكر.٢
следующие страницы →