← История

История · id 11156

حركة التجديد والإصلاح في نجد

عبد الله العجلان

Полный текст (244 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

١-الإيمان بعلم الله القديم. ب-الإيمان بأن الله كتب ما علم أنه كائن من العباد. ج- الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله. د- أن الله تعالى أوجد جميع الخلق وما في الكون بتقديره وإيجاده. ٤- الاختلاف في معنى لا إله إلا الله: فإن معاصري الشيخ يقولون أن الإله هو الخالق الرازق المدبر فهم يقرون أن ذلك لله وحده لا شريك له وأن من قال لا إله إلا الله فإنه موحد ولا يجوز أن يوصف بالشرك، ويقولون إن رسول الله ﷺ دعا الناس إلى قول لا إله إلا الله ولم يطالبهم بمعناها. وكذلك أصحاب رسول الله ﷺ فتحوا بلاد الأعاجم وقنعوا منهم باللفظ، وأن النبي ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، فمن قالها بصدق وإيمان فهو مسلم موحد لا يجوز أن يوصف بالشرك أو الكفر وهو معصوم الدم والمال "ولو هدم أركان الإسلام الخمس وكفر بأصول الإيمان الستة"١كما ذكر ذلك الشيخ عنهم فقالوا إن عامة المسلين هم السواد الأعظم ولا يجوز تكفيرهم أو نسبة الشرك إليهم لأن فعلهم صار كالإجماع والأمة لا تجمع على الضلالة ... الخ. أما الشيخ ﵀ فإنه يرى كما أسلفنا أن معظم الناس المعاصرين له لا يعرفون معنى لا إله إلا الله وأن لها ركنين النفي والإثبات نفي الألوهية الحقة عن غيره سبحانه وإثباتها لله وحده لا شريك له في الألوهية والربوبية والعبادة وأن من أشرك به في ربوبيته أو ألوهيته أو صرف شيئا من أنواع العبادة لغيره فهو مشرك كافر، وأن المقصود بالإله عنده هو الذي تؤلهه القلوب محبة وتعظيما تقصده بالمحبة والطاعة والتقرب إليه بأنواع العبادة، وأن كلمة لا إله إلا الله لها شروط سبعة سبق ذكرها فلا تنفع صاحبها إلا باجتماعها انتفاء الموانع، ولابد في قولها من الإخلاص واليقين

стр. 142

والفهم، ويرى أن تفسير معاصريه لكلمة "لا إله إلا الله" أن الله سبحانه هو الخالق الرازق المدبر، وأن مجرد التلفظ بها يدخل المرء في الإسلام ويجعله معصوم الدم والمال غلط وجهل عظيم بمعنى "لا إله إلا الله" وأن التلفظ بها لا يدخل في الإسلام لأن الكفار من أولهم إلى آخرهم يقرون بتوحيد الربوبية ولم يدخلهم ذلك في الإسلام وأن الخصومة التي قامت بين الرسل وأممهم إنما كانت في توحيد الألوهية والعبادة. يقول الشيخ ﵀ "والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجردة لفظها والكفار والجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله بالتعلق، والكفر بما يعبد من دونه والبراء منه فإنه لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله قالوا أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب. فإذا عرفت أن الجهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعى الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار بل يظن أن التلفظ بحروقها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر إلا الله"١ ويرى أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يقرون بتوحيد الربوبية ويتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرا ولكنهم لم يحققوا توحيد الألوهية بل جحدوا توحيد العبادة فقط، ودعاهم الرسول ﷺ إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له فلما أصروا على جعل وسائط بينهم وبين الله ليقربوهم إلى الله زلفى قاتلهم ﷺ ليكون الدين كله لله، وإفراد العبادة لله وحده عن فهم ويقين وإخلاص، وأن هذا التوحيد هو معنى قول لا إله إلا الله. ويرى الشيخ ﵀ أن أنواع التوحيد الثلاثة متلازمة لا ينفك أحدها عن الآخر، ومن لم تتحقق فيه أنواع التوحيد الثلاثة فإنه لم يحقق التوحيد الكامل في حياته. وأن الأحاديث التي وردت في فضل لا إله إلا الله وتحريم قائلها على النار وأنه

стр. 143

معصوم الدم والمال ... الخ. أنها حق، وأن معظمها جاء مقيدا بالإخلاص ونفي الشرك وأمر بأداء حقها وأن ما جاء منها مطلقا وجب فيه حمل المطلق على المقيد بالقيود الواضحة الثقيلة. ١- الاختلاف قي إطلاق الشرك على ما يفعل عند قبور الأنبياء والأولياء والصالحين: لما أطلق الشيخ محمد الوهاب ﵀ كلمة الشرك على ما يفعله الناس عند قبور الأولياء والصالحين التي كانت موجودة في نجد وفى مصر والشام والعراق وغيرها من بعض البلاد الإسلامية الأخرى، أنكر معاصروه هذا الوصف منه، وقالوا إن زوار القبور هم أهل الإسلام وتوحيد يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويصلون ويصومون ويزكون ويحجون ويذكرون الله كثيرا، ويعتقدون أن الله هو النافع والضار وحده، وهم في زيادتهم لقبور الصالحين إنما يقصدون العظة والاعتبار وتذكر سيرة صاحب القبر وصلاحه والاعتراف بمقامة الرفيع عند الله وما يفعله بعض العامة من الذبح لهم أو النذر أو الدعاء أو طلب النفع أو الضرر هو نتيجة جهل منهم مع أنه وردت أخبار في جواز الاستسقاء بالصلحاء كما فعل عمر ﵁ مع العباس ﵁ كما كانوا يطلبون ذلك من النبي ﷺ في حياته. كما ورد جواز التوسل بالأعمال الصالحة. ومع هذا وذاك فإنه لا يجوز أن يطلق الكفر والشرك على ما يفعله العامة عند قبور الصالحين مع أن سلامهم متيقن بإعلان كلمة التوحيد وإقامة فرائض الإسلام وصدق الإيمان بالله والمحبة لرسوله ﷺ وأن قصدهم الشرك مظنون من ظاهر تصرفاتهم الخاطئة التي وردت أخبار تدل جوازهم وهم لا يطلبون بها أكثر من جاههم عند الله وشفاعتهم عنده ١

стр. 144

ولا يجوز أن يرفع اليقين بالظن كما أنه يلزم أن تحكم على أن كل الأمة على ضلالة لأنهم ما بين فاعل لذلك وما بين مقر به. ويلزم منه كذلك تكفير المسلمين كلهم منذ ستمائة سنة وهذا أمر عظيم لا يجوز للمسلم أن يقوله على نفسه ولا على غيره مع أن النهي الوارد في القرآن الكريم عن الشرك إنما جاء في عبادة الأصنام واتخاذها معبودات من دون الله وليس المقصود بها ما عليه الناس اليوم. والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يرى أن ما يفعله العامة في نجد وما يفعله أمثالهم عند قبور الأولياء الصالحين في العالم الإسلامي من أنواع الشرك الأكثر لما فيه من الشرك بالله في الدعوة والعبادة وأن صرف أي نوع من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله وحده شرك فلا يجوز صرفها إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل وذكر في أكثر من موضع من رسائله وكتبه أن النطق بكلمة لا إله إلا الله لا تنفع صاحبها إلا إذا عرف معناها وعمل بمقتضاها وحقق ما تضمنته من نفي وإثبات وعمل بشروطها، وأن الاعتقاد بأن الله هو النافع الضار الخالق الرازق المدبر وهو يعرف بتوحيد الربوبية لا يكفي للدخول في الإسلام إذ أن الكفار والذين بعثت إليهم الرسل في مختلف العصور كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ولا ينكرون منها شيئا ولكنهم إنما اختصموا مع رسلهم في توحيد العبادة والقصد وهو توحيد الله بأفعال العباد وتوجههم. ومن لم يحقق توحيد الألوهية الذي بعثت به الرسل لم يدخل في الإسلام. والذين قاتلهم رسول الله ﷺ من كفار قريش وغيرهم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ولا ينكرون وكذلك المرتدون الذين قاتلهم أبو بكر مثل مسيلمة الكذاب والأسود وغيرهم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية وإنما أنكروا بعض فرائض الإسلام والمعلومة من الدين بالضرورة فقاتلهم خليفة رسول الله ﷺ وخليله على ذلك. وأما قصد القبور وزيارتها للعظة والاعتبار فليس ما يفعله العامة عند قبر زيد بن الخطاب في نجد ولا عند قبر عبد القادر الجيلاني في العراق ولا عند قبر البدوي في مصر من أهل هذا القبيل بل إنها زيارة وطواف وعكوف عليها وقصد لطلب النفع والضر رفع للبلاء أو دفعه. وهم في زياراتهم ينخون ويندبون ويطلبون المدد والنصرة والعفو والمغفرة، ويسألون بجاههم ويكتبون مطالبهم التي لا يجوز طلبها إلا

стр. 145

من الله سبحانه لأنها لا يقدرون عليها إلا هو وهم مع هذا يصرحون لها أنواعا من العبادة كالذبح عندها والنذر وغير ذلك من الأعمال الشركية التي تشبه ما كان يفعله الناس في الجاهلية الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وأما أن ما يصدر من العامة عند الأضرحة والقبور من باب الخطأ والجهل ولا يجوز أن يكفروا ويحكم عليهم بالكفر والشرك مع جهلهم فإن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر في عدة رسائل أنه لا يكفر إلا بعد التعريف بدين الله وبيان الحكم الشرعي بالدليل من الكتاب والسنة فإذا عرف المدعو الحق بدليله ثم أصر على عمله المخالف أطلق عليه الوصف الذي تقتضيه النصوص الشرعية، يكفر من عرف توحيد الألوهية ومعنى لا إله إلا الله ثم أصر على دعوة الأحياء أو الأموات من دون الله أو جعلهم وسائط بينه وبين الله فقد ذكر في الرسالة التي أجاب فيها على رسالة الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السويدي من علماء العراق ما نصه: "وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك "١ وأما طلب الدعوة من الأحياء الصلحاء بأن يشركوا المرء في دعائهم لربهم أو يدعوا لهم أو فعل عمر مع عم النبي ﷺ فليس من قبيل ما يفعل عند قبور الأولياء والصالحين فإنك تطلب من الحي أن يدعو لك أو يشركك في دعائه بأن تطلب منه أن يدعو الله بأن يغيب عباده فأنت تدعو حيا قادرا على التوجه بدعائه إلى الله. وهذا جائز لدلالة النصوص الشرعية على جوازه وأنه ليس من باب الشرك ولا اتخاذ الوسائط بين الله وبين عباده. أما أصحاب القبور فهم لا يسمعون دعاء من يدعوهم ولا يستطيعون إجابتهم، وهو عمل مشابه لأعمال المشركين في الجاهلية التي وردت النصوص الشرعية بإبطالها وبتسميتها بالشرك. وأما التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة

стр. 146

كما فعل أصحاب الغار الثلاثة فهذا جائز، وليس فيه دليل على جواز ما يفعل عند الأضرحة من الشرك بالله في الدعاء والعبادة. وغاية ما فيه "أنه التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة من البر والتقوى والأمانة وصلة الأرحام والعفاف وهو أمر مشروع كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ والوسيلة: هي ما شرعه الله ورضيه من الأعمال والأقوال الصالحة، وأين في شرعه أن يسأل العبد ربه بعبد من عبيده مخلوق من خلقه"١ وحق السائلين وما جعله للماشي إلى الصلاة والسائلين من الإجابة والإنابة هو حق أوجبه الله على نفسه لعبده فضلا منه وإحسانا. فجاز التوسل به وليس في ذلك دليل على جواز التوسل بذوات المخلوقين. والشيخ محمد بن عبد الوهاب يرى أن ما يفعله عند الأضرحة من دعوة أربابها وقصدهم لرفع البلاء ودفعه وندبهم وطلب المدد منهم هو الشرك، وأن الواجب أن يبين لهم الحكم الشرعي، ويطلب منهم تصحيح العقيدة والكف عن مظاهر الشرك. ومن أصر بعد العلم على الاستمرار في شركه حكم بكفره وأنه مشرك. ويرى أن الحكم لا يكون على العقيدة المضمرة أو النوايا الخفية وإنما تبنى الأحكام الشرعية على الأفعال الظاهرة. وهذه الأفعال التي تتم عند قبور الصالحين هي إعمال شركية ظاهرة. يعلن الشرك فيها عن نفسه على ألسنتهم وفي تصرفاتهم ولهذا فإنه لا يتردد في الحكم بالكفر على من هذا ظاهر أعماله بعد علمه بالحكم وبيان الواجب عليه. وفرائض الإسلام وأعمال البر والخير لا تكون صحيحة إلا إذا قامت على عقيدة التوحيد الخالص من شوائب الشرك الأكبر. والمشركون كانوا يقومون ببعض الأعمال الخيرة من بر وصلة وتعاون وعدل ولم يمنع ذلك كله من تكفيرهم وقتالهم. قال الله

стр. 147

سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ويقول سبحانه ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ يعني المشركين وأعمالهم الصالحة وأن الشرك يبطلها ويذهب الانتفاع بها. والطلب بجاه الأنبياء والصالحين والتوسل بهم إلى الله لمقامهم عنده سبحانه هو في عرف عباد القبور وأنصارهم فصد الصالحين ودعائهم وعبادتهم مع الله ولقد سماه الله ورسوله شركا في العبادة وعده الصحابة والتابعون لهم بإحسان من الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام. واختلاف الشيخ ﵀ مع معاصريه في مدى جواز إطلاق الشرك على ما يفعله المعاصرون له عند قبور الأولياء والصالحين أو عدم جوازه قضية أساسية في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب دار حولها نقاش طويل ولهذا فمن الصعب نقل ما ذكره الشيخ في هذا المجال لأنه لا تكاد رسالة من رسائله تخلو من تناول هذه القضية بإسهاب تارة وباختصار تارة أخرى، ويحسن بنا أن ننقل قطعة موجزة من نصه في هذه القضية، وعلى الباحث أن يرجع إلى رسائل الشيخ الشخصية وكتبه حول هذا الموضوع وما تفرع فإنها حوله تدندن يقول الشيخ ﵀ في الرسالة العامة التي بعث بها إلى عموم المسلمين عن خصومه مثل أولاد شمسان وأولاد مويس "فلما رأوني آمر الناس بما أمرهم به نبيهم ﷺ أن لا يعبدوا إلا الله وأن من دعا عبد القادر فهو كافر وعبد القادر منه بريء وكذلك من نخا الصالحين أو الأنبياء أو ندبهم أو سجد لهم أو نذر لهم أو قصدهم بشيء من أنواع العبادة التي هي حق الله على العبيد. وكل إنسان يعرف أمر الله ورسوله ولا ينكر هذا الأمر بل يقر به ويعرفه. وأما الذي ينكره فهو بين أمرين: إن قال إن دعوة الصالحين واستغاثتهم والنذر لهم وصيرورة الإنسان فقيرا إليهم أمر حسن ولو ذكر الله ورسوله أنه كفر فهو مصر بتكذيب الله ورسوله ولا خفاء في كفره فليس لنا معه كلام. وإنما كلامنا مع رجل يؤمن بالله واليوم الآخر ويحب ما أحب الله ورسوله ويبغض ما أبغض الله ورسوله ولكنه جاهل قد لبست عليه الشياطين دينه ويظن أن الاعتقاد في الصالحين حق ولو يدري أنه كفر يدخل صاحبه في النار ما فعله"

стр. 148

ونحن نبين لهذا ما يوضح الأمر فنقول: "الذي يجب على المسلم أن يتبع أمر الله ورسوله ويسأل عنه. والله سبحانه أنزل القرآن وذكر فيه ما يحبه ويبغضه وبين لنا فيه ديننا. وكذلك محمد صلي الله عليه وسلم أفضل الأنبياء. فليس على وجه الأرض أحد أحب إلى أصحابه منه وهم يحبونه على أنفسهم وأولادهم ويعرفون أيضا الشرك والأيمان. فإن كان أحد من المسلمين في زمن النبي ﷺ قد دعاه أو نذر له أو ندبه، أو أحد من أصحابه جاء عند قبره بعد موته يسأله أو يندبه أو يدخل عليه للالتجاء له عند القبر، فاعرف أن هذا الأمر صحيح حسن ولا تطعني ولا غيري وإن كان إذا سألت إذ أنه ﷺ تبرأ ممن اعتقد في الأنبياء والصالحين وقتلهم وسباهم وأولادهم وأخذ أموالهم وحكم بكفرهم فاعرف أن النبي ﷺ لا يقول إلا الحق، والواجب على كل مؤمن اتباعه فيما جاء به". وبالجملة: فالذي أنكره الاعتقاد في غير الله مما لا يجوز لغيره. فإن كنت قلته من عندي فارم به، أومن كتاب لقيته ليس عليه عمل فارم به كذلك، أو نقلته عن أهل مذهبي فارم به، وإن كنت قلته عن أمر الله ورسوله وعما أجمع عليه العلماء في كل مذهب فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرض عنه لأجل أهل زمانه أو هل بلده، وإن أكثر الناس في زمانه أعرضوا عنه١ وقال في موضع آخر ردا على من زعم أن الذم الوارد في القرآن الكريم في اتخاذ الوسائط بين الله وبين خلقه، وأن الكفار الذين نزل فيهم القرآن كانوا يعتقدون في الأصنام، وهي غير ما عليه القبوريون، إذ هم يعظمون أنبياء وأولياء وصالحين لهم مقام عظيم عند الله، وفرق بين هؤلاء وبين أصنام الجاهلية، يقول ﵀: "فإذا تحققت أن العلي الأعلى ﵎ ذكر في كتابه أنهم يعتقدون في الصالحين، وأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة عند الله والتقرب إليه بالاعتقاد في الصالحين، وعرفت أن محمدا ﷺ لم يفرق بين من اعتقد في الأصنام وبين من اعتقد في الصالحين، بل

стр. 149

قاتلهم كلهم وحكم بكفرهم، تبين لك حقيقة دين الإسلام، وعرفت الأمر الثاني وهو توحيد الألوهية وهو أنه لا يسجد إلا الله، ولا يركع إلا له، ولا يدعى في الرخاء والشدائد إلا هو، ولا يذبح إلا له، ولا يعبد بجميع العبادات إلا الله وحده لا شريك له، وأن من فعل ذلك في نبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء فقد أشرك بالله وذلك النبي أو الرجل الصالح بريء ممن أشرك به كتبرء عيسى من النصارى وموسى من اليهود وعلي من الرافضة وعبد القادر من الفقراء"١ وهذه القضية دار حولها جدال طويل وعليها وعلى ما يتفرع منها أو يشاكلها دارت خصومات ومناوشات ركز عليها الشيخ ﵀ في كتبه ورسائله وعلى الرغم من أن أكثر معاصريه كانوا لا يرون رأيه إ لا أن الدليل الشرعي والسير العملية في القرون الثلاثة المفضلة كانت معه على خصومه. والحق لا يقاس بكثرة الناس معه أو ضده وإنما يقاس بأدلة الشرع وسيرة السلف وفهم الصحابة وأتباعهم بإحسان، وإلا فإن أكثر الناس على الباطل كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ٦- اختلاف معاصري الشيخ معه في تكفير بعض البوادي في نجد والحجاز وبعض أهل القرى: فإنه قامت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية كان عامة الناس في بعض البوادي وبعض القرى على جهل كبير بالدين حتى وصل بهم الأمر إلى إنكار بعض أصول الإيمان وبعض ما علم من الدين بالضرورة كالصلاة والصوم والزكاة وغيرها. واحترفوا السلب والنهب وقطع الطريق وإخفاقه السالكين واستحلوا بعض المحرمات وعضلوا النساء ومنع بعضهم النساء من الميراث وتحاكموا إلى غير ما أنزل الله ممن يدعى الحكمة وأعراف القبائل وغيرها.

стр. 150

فبدأ الشيخ ﵀ بدعوة هؤلاء العامة من البوادي وأهل القرى فمنهم من أجاب وصلحت حاله، ومنهم من لم يرفع بهذه الدعوة رأسا ولم يعرها اهتماما، وظل يمارس ما كان عليه من أعمال مخالفة للتوحيد والإسلام. فلما أبان لهم الشيخ طريق الحق وأصروا على رفض الهدى وصف أعمالهم بالكفر، ووصف المعاندين والرافضين منهم بعد دعوته وإقامة الحجة عليهم بأنهم كفار. وأذن في قتالهم حتى يفيئوا إلى الدين ويلتزموا بمبادئه. وقد وجدوا خصومه المعاصرين له في هذه الفتاوى فرصة للتأديب عليه ودعوة العامة ضده لأنه كفرهم واستحل قتالهم. وقالوا إنه لا يجوز تكفير المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويؤدي بعض فرائض الإسلام، ويحب الله ورسوله، ولكنه يجهل بعض الأحكام، وهو في حاجة إلى تعليم وتبصير.وتكفير من هذه حالهم وهم السواد الأعظم من المسلمين هو تكفير لعموم المسلمين وبدعة في الدين أحدثها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليس معه عليها دليل ولم يقل بها أحد قبله , ولكن الشيخ ﵀ أكد في هذا الموضع وفي مواضع أخرى أنه لا يكفر من كان جاهلا بالحكم ولا من تبلغه الدعوة ولم يعرف الإسلام ومستلزماته بل إن تكفير لا يكون إلا بعد التعليم والدعوة وإقامة الحجة فإذا أصر المدعو على أعمال كفرية جاز وصفه بما وصفته به الأدلة الشرعية حتى يعرف مقامه ويرتدع عن غيه وقال إن بعض البوادي وبعض أهل القرى وإن كانوا يؤمنون بالله ويشهدون أن لا إله إلا الله ويؤدون بعض شعائر الإسلام إلا أن لديهم أكثر من ناقض من نواقض الإسلام فجاز تكفيرهم وقتالهم يقول الشيخ ﵀: "وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنقير الناس عن دين الله ورسوله" ويقول ﵀: من المعلوم عند الخاص والعام ما عليه البوادي أو أكثرهم فإن كابر معاند لم يقدر على أن يقول إن يقول إن عنزه وآل الظفير وأمثالهم كلهم مشاهيرهم والاتباع أنهم مقرون بالبعث ولا يشكون فيه ولا يقدر أن يقول إنهم يقولون إن كتاب الله عند الحضر وإنهم عايفينه متبعون ما أحدث آباءهم مما يسمونه الحق ويفضلونه على شريعة الله، فإن كان للوضوء ثمانية نواقض

стр. 151

ففيهم من نواقض الإسلام من المائة ناقض. فلما بينت ما صرحت به آيات التنزيل، وعلمه الرسول ﷺ أمته، وأجمع عليه العلماء من أن أنكر البعث أو شك فيه أو سب الشرع أو سب الأذان إذا سمعه أو فضل فراضة الطاغوت على حكم الله أو سب من زعم أن المرأة ترث أو أن الإنسان لا يؤخذ في القتل بجريرة أبيه وابنه إنه كافر مرتد قال علمائكم معلوم أن هذا حال البوادي لا ننكره ولكن يقولون لا إله إلا الله وهي تحميهم من الكفر ولو فعلوا كل ذلك. ومعلوم أن هؤلاء أولى وأظهر من يدخل في تقريركم فلما أظهرت تصديق الرسول فيما جاء به سبوني غاية المسبة وزعموا أني أكفر أهل الإسلام واستحل أموالهم. وصرحوا أنه لا يوجد في جزيرتنا رجل واحد كافر"١ ولم تكن هذه الفتاوى مجرد كلمات تلقى في الهواء ولكنها كانت كلمات توضع موضع التنفيذ في صورة تجمع وجهاد بالقلم واللسان والسنان حتى خضع الجميع لسلطان الدعوة وعمم التعليم وقام مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحكيم الكتاب والسنة في شئون الحياة كلها. وكان الشيخ ﵀ في كتبه ومؤلفاته متفوقا على خصومه فيما يثار ضده وضد دعوته وتتسم مواقفه بوضوح الرؤية والاستعداد العلمي والفهم الدقيق لما يدعو إليه وكان أكبر عون له عليهم أنه على الحق والأدلة الشرعية معه وإن كان واقع الناس ومألوفهم ضده مما جعل خصومه المحليين يطلبون من العلماء في الحرمين الشريفين والعراق والاحساء والشام وغيرهم مساعدتهم عليه والكتابة لهم ضده ولكن كفة الشيخ في هذه المعركة كانت راجحة فهو يخاطبهم بالدليل من الكتاب والسنة فلا يقبلون منه ويقولون لا يجوز لنا العمل بكلام الله ولا رسوله ولا بكلام المتقدمين من أهل المذاهب ولا نطيع إلا كتب المتأخرين من أصحاب المذاهب. فيخاطبهم ﵀ بأن هذا الأمر مما تتفق عليه الأدلة الشرعية وكلام أهل العلم المتقدمين منهم والمتأخرين وأنا أحاج أصحاب المذاهب الإسلامية بكلام المتأخرين من أصحابهم. اسمعه رحمه الله تعالى يقول بعد أن ذكر لهم الأدلة الشرعية على صحة دعوته "قالوا

стр. 152

القرآن لا يجوز العمل به لنا ولأمثالنا ولا بكلام الرسول ﷺ ولا بكلام المتقدمين ولا نطيع إلا ما ذكره المتأخرون، قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرون من الحنفية والمالكي والشافعي والحنبلي كل أخاصمه بكتب المتأخرون من علماءهم الذين يعتمدون عليه. فلما أبوا ذلك نقلت لهم كلام العلماء من كل مذهب وذكرت ما قالوا بعد ما حدثت الدعوة عند القبور والنذر لها فعرفوا ذلك وتحققوه ولم يزدهم إلا نفورا"١ وتكرر هذا الكلام في أكثر من رسالة من رسائل الشيخ بل قال رحمه الله تعالى "وتأملوا ما جرى بيننا وبين أعداء الله نطلبهم دائما الرجوع إلى كتبهم التي بأيديهم في مسألة التكفير والقتال فلا يجيبوننا إلا بالشكوى عند الشيوخ وأمثالهم."٢ بعد هذه الخصومات العلمية والجدال الذي دار بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب وخصومه على بعض المظاهر القائمة في نجد وإنكار علماء عصره عليه وإصرارهم على التزيين للعامة ما هم عليه كبرا وعنادا، وصف المعاندين منهم بالكفر وبأعداء الدين وأهدر دماءهم، فزادهم دلك غضبا عليه وعنادا لدعوته وتأليبا للعامة على الشيخ ودعوته. يقول الشيخ في حق هؤلاء: "وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ﷺ ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره " ثم قال عن القتال:"ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرفه"٣ وهو يقصد المعارضة وفي مقدمتها العلماء المعاصرين له المعارضين لدعوته والمزينين للعامة ما هم عليه هذا من جهة الشيخ ومن جهة المعارضة قالوا هم أيضا بكفر الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما كفر شيخه في التوحيد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ٤ ورسائل الشيخ ﵀ تصير كل هذه الموافق وأن كلا منهم صار يكفر الآخر ويبدعه،

стр. 153

وعلى أثر ذلك قمت المواجهات المسلحة بين الطرفين في حروب أهلية دامية بين أهل الدرعية وأهل الرياض ومنفوحة وبين أهل حريملاء فيها وبينهم وبين أنصار الدعوة فيها وبين خصومهم من بني عمهم وكذا الحال في ضرماء وصارت الحرب سجالا عدة سنين حتى أظهرا لله الدعوة الإصلاحية على خصومها وخضع الناس لإمامها. ٧- لما قامت الدعوة الصلاحية وانحاز أتباعها إليها وتألب خصومها ضدها بقيت فئات في المجتمع على الحياد إما لأنه لا يوجد فيها من مظاهر الشرك الممثلة في السادات والقبور والأشجار والأحجار والتبرك بها مثل منطقة القصيم أو لأنهم ليس لههم من الأمر شيء فهم لا يمارسون زيارة القبور ودعوة أصحابها. ولم ينكروا عليهم لعدم القدرة أو لعدم القناعة بأنها مظاهر شرك أو لأي سبب آخر. صاروا في الحياد أو لم يظهروا التأييد للدعوة بصورة عملية. وهنا بدأ الشيخ يقرر مبدأ مهما في الدين هو مبدأ: الولاء والبراء. فأبان بالأدلة الشرعية بأن هناك حزب الله تمثله حركة الإصلاح والتجديد وأنصارها، وهناك حزب الشيطان وهم جبهة المعارضة المتمثلة في خصومها من العلماء والأمراء والعامة الساعين لوأد الدعوة والقضاء على أهلها، وأن المسلم لا يتم إسلامه حتى يعلن موقفه من هذا الصراع فيعلن ولاؤه للدعوة الإصلاحية قبولا ومحبه ونصرة وتأييدا سرا وعلنا، ويعلن البراءة من الشرك وأهله. وساق الأدلة الشرعية في هذا الموضوع لرص الصفوف المؤمنة في وجه الخصوم وإحياء مبدأ شرعي ثابت. والرسالة التي بعث بها إلى الشيخ عبد بن علي ومحمد بن جماز في القصيم يحثهما فيها على تحقيق هذا المبدأ قال فيها: "وأهل القصيم غارهم أن ما عندهم قبب ولا سادات ولكن أخبرهم أن الحب والبغض والموالاة والمعاداة لا يصير للرجل دين إلا بها ما داموا لا يبغضون أهل فزلفى وأمثالهم فلا ينفعهم ترك الشرك ولا ينفعهم قول "لا إله إلا الله"١وذكر مثل ذلك في الرسالة التي بعث بها الشيخ إلى أهل الرياض ومنفوحة حينما كان في العيينة ٢. ولم يسلم له هذا الأمر من جهة

стр. 154

علمية من علماء عصره بل دار حوله نقاش وحصل فيه اختلاف مما اضطر الشيخ إلى أن يبدي فيه ويعيد في رسائله الشخصية وفي ثلاثة الأصول وغيرها. ٨- واختلف مع بعض معاصريه في حقيقة المتابعة لرسو ل الله ﷺ لا سيما أهل التذكير في ليلة الجمعة ومتصوفة معكال في الرياض في احتفالات المولد النبوي وعقيدتهم التي كانت امتدادا لابن عربي وابن الفارض وقولهم بالاتحاد والحلول الذين كفرهم المسلمون قديما وحديثا. فقرر الشيخ ﵀ أن المتابعة الحقة لرسول الله ﷺ طاعته في ما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر "وأنه بها يخلع جميع البدع إلا بدعة لها أصل في الشرع كجمع المصحف في كتاب واحد وجمع عمر ﵁ الصحابة على التراويح جماعة وجمع ابن مسعود أصحابه على القصص كل خميس ونحو ذلك فهذا حسن"١ ولا يخرج الأخذ بها عن الاتباع وقال خصومه من المتصوفة إن احتفالات المولد والاجتماع للأذكار لا تخرج عن الاتباع فهي وإن كانت بدعة لم تكن موجودة في وقت النبي ﷺ ولا في عهد أصحابه فإنها بدعة حسنة لأنها تربط المسلم بنبيه وتذكره بسيرته العطرة وشمائله الجمة وتثير فيه نوازع المحبة وتدعوه إلى الاقتداء به والاستقامة على منهجه فهي ليست ضد الدين بل هي في خدمته وتتيح بها مواسم للخير وهي تفعل منذ مئات السنين في مختلف الأمصار الإسلامية ولم ينكرها أحد من علماء الإسلام إلا نفر قليل إذا قيس بالجم الغفير من أعلام الإسلام. وقد شدد الشيح النكير على المتصوفة لاسيما من أصحاب طريقة ابن عربي القائل بالاتحاد والحلول وكفرهم في إصرارهم على هذه الطريقة بعد أن وضح لهم الحق بدليله ونقل من الإقناع في باب حكم المرتد قوله: "ومن اعتقد أن لأحد طريقا إلى الله غير متابعة محمد ﷺ أو لا يجب عليه اتباعه أو أن لغيره خروجا عن اتباعه أو قال أنا محتاج إليه في علم الظاهر دون علم الباطن أو في علم الشريعة دون علم

стр. 155

الحقيقة أو قال من العلماء من يسعه الخروج عن شريعته كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى كفر في هذا كله١ وهذه المقولات التي نقلها الشيخ من كتاب الإقناع في باب حكم المرتد مؤيدا لها في موقفه من الابتداع هي رد على مقولات مقررة في كتب غالبية المتصوفة مثل اتباع ابن عربي ولهذا فإن الشيخ كفرهم بعد أن دعاهم فأصروا على طريقتهم. ويقول إن الخير كل الخير في الاتباع وترك الابتداع وإن الحسن هو ما عرف من الشرع حسنه وقصد الشارع إليه وعمل به السلف الصالح الذين عرفوا بالاتباع وترك الابتداع والنبي ﷺ قال "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" والمبتدعة يخالفون الرسول ﷺ فيقول كل بدعة حسنة فمن أين عرفوا حسنها وهي تعارض قوله ﷺ كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" فمن أين لهم أمر رسول الله عليها حتى تقبل ولا ترد. قال الشيخ في الرسالة التي بعث بها إلى علماء الإسلام: "الثانية وجوب اتباع سنة رسول الله ﷺ وترك البدعة وإن اشتهرت بين أكثر العوام"٢ ويظهر أن متصوفة معكال كانوا على صلة بمتصوفة الشام على طريقة ابن عربي إذ يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ولا يخفاك أني عثرت على أوراق عند ابن عزاز فيها إجازات له من عند مشائخه وشيخ مشائخه رجل يقال له عبد الغني ويثنون عليه في أوراقهم ويسمونه العارف بالله وهذا اشتهر عنه أنه على دين ابن عربي الذي ذكر العلماء أنه أكفر من فرعون حتى قال ابن المقري الشافعي: من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر، فإذا كان إمام دين ابن عربي والداعي إليه هو شيخهم ويثنون عليه بأنه العارف بالله فكيف يكون الأمر"٣

стр. 156

وقال: "ومن أعظم الناس ضلالا متصوفة معكال وغيره مثل ولد موسى بن جدعان وسلامة بن مانع وغيرها. يتبعون مذهب ابن عربي وابن الفارض وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب االاتحادية وهم أغلظ كفرا من اليهود والنصارى فكل من لم يدخل في دين محمد ﷺ ويتبرأ من دين الاتحادية فهو كافر بريء من الإسلام ولا تصح الصلاة خلفه ولا تقبل شهادته"١ كما اختلف ﵀ مع بعض علماء عصره في بدعة أخرى هي التذكير ليلة الجمعة للتهيء لصلاة الجمعة فقال الشيخ سليما بن سحيم من علماء الرياض إنه لا ينبغي الأمر بترك التذكير في ليلة الجمعة ورد عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقوله: "أما مسألة التذكير فكلامك فيها من أعجب العجاب أنت تقول بدعة حسنه والنبي صلى اله عليه وسلم يقول كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ولم يستثن شيئا تشير علينا به. ٢ وهكذا دار النقاش بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومعاصرين من العلماء المناوئين لدعوته في البدعة والسنة وتراشقوا بالتهم حتى ظهرت الدعوة على خصومها. ٩- الاختلاف في طلب الشفاعة من النبي ﷺ : فقد أنكر الشيخ ﵀ على معاصريه دعاء غير الله أو اتخاذ وسائط بين الله وبين عباده فيمالا يقدر عليه إلا الله. وبين عدم جواز صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله لا لملك مقرب ولا إلى نبي مرسل. وقد رد عليه معاصروه بأنه ثبت في القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة أن رسول الله ﷺ هو الشافع المشفع. فقد قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وقال ابن عباس:"هو الشفاعة لأمته"، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ،وفي حديث الفصل

стр. 157

بين الخلائق في المحشر يقول سبحانه:"يا محمد ارفع رأسك واسأل تعط وأشفع تشفع" وقالوا إن الله أعطى الرسول ﷺ حق الشفاعة لأمته ونحن نطلب منه مما أعطاه الله،" والنبي ﷺ يعلم حال أمته فردا فردا مطيعها وعاصيها مؤمنها وكافرها، وأنه أعطي الشفاعة كما يعطى أحد الناس ما يملكه ويتصرف فيه بمشيئته وإرادته، والنبي الله عليه وسلم يدعى لذلك، ويسأل كما يسأل سائر الملاك وأنه إذا لم يسال فلا كرامة له ولا شفاعة ولا فضل ولا تفضل"١ وقد رد عليهم الشيخ ﵀ بعد أن ذكر الآيات الدالة على إبطال عمل من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة عنده وأن من فعل ذلك فقد عبدهم من دون الله وأشرك. وذلك أن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ وأنه لا يشفع عنده سبحانه إلا بإذنه كمال قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وساق أدلة الكتاب في ذلك ثم قال ﵀: فالشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى كما قال تعالى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ . ثم قال"فإذا كان الرسول ﷺ وهو سيد الشفعاء وصاحب المقام المحمود وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله لا يشفع ابتداء بل يأتي فيخر ساجدا فيحمده بمحامد يعلمه إياها ثم يقال ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع ثم يحد له حدا فيدخلهم الجنة فكيف بغيره من الأنبياء أو الأولياء". إلى أن قال:"وأما ما صدر من سؤال الأنبياء أو الأولياء الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها وإيقاد السرج عليها والصلاة عندها واتخاذها أعيادا وجعل السدنة والنذور لها فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها ﷺ ".٢

стр. 158

وحقيقة الشفاعة هي طلب التجاوز عن الخطايا والسيئات والمعاصي والذنوب وقد عقد الشيخ محمد ﵀ لها بابا في كتابه "كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العباد"١ سماه "باب الشفاعة"وقد قصد المؤلف من عقد هذا الباب بيان ما أثبته القرآن منها وما نفاها وأن الشرك يدخل على الناس من باب تعلقهم بأذيال الشفاعة مع إقامة الدليل على أن طلب الشفاعة من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله هو عين الشرك. وأن الشفاعة التي يظنها من دعا غير الله أنه يشفع كما يشفع الوزير عند الملك منتفية دنيا وأخرى ٢ وقد ذكر الشيخ ﵀ أن الشفاعة نوعان هما: *شفاعة منتفية وهي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله قال ﵀: "فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده ولا يبدأ بالشفاعة أولا ثم يقال له ارفع رأسك ٠٠٠الحديث "٣ *وشفاعة مثبتة وهي التي تطلب من الله ولا تكون إلا لأهل التوحيد، ومقيدة بأمرين هما: إذن الله للشافع أن يشفع. ورضاه عن المشفوع له. وذكر الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في حاشية كتاب التوحيد أن الناس في الشفاعة ثلاث طوائف طرفان ووسط. فطائفة أنكروها كاليهود والنصارى والخوارج المكفرين بالذنوب، وطائفة أثبتوها وغلوا في إثباتها حتى جوزوا طلبها من الأولياء والصالحين، وأهل السنة والجماعة أثبتوا الشفاعة الشرعية كما ذكر الله في كتابه ولا تطلب إلا من الله كأن تسأل الله تعالى أن يشفع فيك محمدا ﷺ فإن الشفاعة محض فضل وإحسان ٤

стр. 159

وقد حاول معاصرو الشيخ ﵀ إجازة ما يفعله العامة من دعاء النبي ﷺ في قبره لرفع البلاء أو دفعه ومغفرة الذنوب وتكفير السيئات اعتمادا على الأدلة التي وردت في إثبات الشفاعة لرسول الله ﷺ بإذن ربه في الموحدين وفي الفصل في أهل الموقف. إلا أن الشيخ ﵀ بما أعطاه الله من فقه في النصوص الشرعية قد أثبت للرسول ﷺ ما أثبت الله له من الشفاعة بالشروط التي حددتها النصوص الشرعية , وبقي الشفاعة التي تعتبر من خصائص الألوهية للتفريق بين الخالق والمخلوق، ولرد النصوص بعضها إلى بعض في بيان الحق في هذه المسألة. ونفى الشفاعة الشركية التي يتعلق بها مجيرو دعاء النبي ﷺ في قبره وقصد ضريحه فيما لا يقدر عليه إلا الله، ليس فيه تنقيص لرسول الله ﷺ ولا نفي لكرامته وفضله ومقامه الرفيع عند الله بل الفضل والتكريم والاحترام في عدم الإشراك بالله وتحقيق التوحيد وإخلاص العبودية لله وحده ووصف الرسول ﷺ بالعبودية الخاصة في القرآن الكريم وهو تكريم ورفعة لا وصف ذم وملامة. وفي شرح هذه القضية جردت أقلام وقامت خصومات بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومعاصريه تدل عليها المؤلفات العديدة التي تناولت هذا الموضوع في مواقف متعددة حتى وضح الأمر وانجلت الشبهة وطهر الحق والحمد لله. ١١- التقليد والاجتهاد: لما قامت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بما قامت به ودعا الناس إلى تحقيق التوحيد ونبذ الشرك وسمى بعض الأفعال والتصرفات بأسمائها الشرعية وعارضه بعض علماء عصره احتاج كل إلى إقامة الدليل على صحة ما ذهب إليه فيما يقول، وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب يطالب من الكتاب والسنة وأقوال العلماء من كل مذهب. وكان جواب معاصريه في كثير من المواقف رفض الأخذ من الأدلة الشرعية مباشرة لما يشعرون به من قصورهم عن أخذ الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلة

стр. 160

لأنهم لم يكونوا من أهل الاجتهاد، ولا تتوافر فيهم شروطه المعتبرة وكانوا يعترفون بأنهم مقلدون لعلمائهم في كل مذهب، وأن أخذهم للأحكام ينبغي أن يكون من كتب مذاهبهم بل من المتأخرين منهم لأن ذلك أحوط في الدين وأليق بحالهم، لا سيما أنهم في فترة جمود من الفقهاء وتخلف في الفقه. ولهذا عظم عليهم أن يطالبهم الشيخ بأخذ الأحكام من النصوص الشرعية من أدلتها التفصيلية. واعتبروا أن الشيخ محمد يدعي الاجتهاد المطلق وقالوا إن دعوته مذهب خامس لأنه يستقل في أخذ الأحكام ولهذا شنعوا به عند علماء الأمصار بأنه يدعي الاجتهاد ويرفض التقليد مع اعتقادهم بأن باب الاجتهاد في الفقه قد سد منذ القرن الرابع الهجري، وأن فتح باب الاجتهاد في غياب المجتهدين يعد مخاطرة في الدين وباب من أبواب الزندقة والمروق من الدين. ولهذا وردت إلى الشيخ رسائل شخصية من علماء العراق واليمن والحرمين الشريفين يسألونه فيها عما نسب إليه في هذه القضية من دعواه الاجتهاد ورفضه للمذاهب الأربعة والأئمة المتبوعين في الفقه. وكانت إجابات الشيخ ﵀ واضحة صريحة بأنه متبع غير مبتدع وأنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وأنه لا ينكر على أهل المذاهب الأربعة إذا لم يخالف المذهب نصا ثابتا من الكتاب أو السنة أو إجماع الأمة أو قول جمهور العلماء١ وبين احترامه لأئمة المذاهب الأربعة وغيرهم من علماء المسلمين. وهو فيما يدعوا إليه من توحيد الله ونبذ الشرك يقول لمعاصريه الذين قالوا له لا يجوز لنا العمل بكلام الله ولا رسوله ولا بكلام المتقدمين من أهل المذاهب ولا نستطيع إلا الأخذ من المتأخرين في كل مذهب، كان جوابه ﵀ في كل مرة من باب التنزل "وأنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية والمالكي والشافعي والحنبلي كل أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم فلما أبوا

стр. 161

ذلك نقلت لهم كلام العلماء من كل مذهب وذكرت ما قالوا بعد ما حدثت الدعوة عند القبور والنذر لها فعرفوا ذلك وحققه ولم يزدهم إلا نفورا"١ والشيخ محمد بن عبد الوهاب مع أنه مقلد في الفقه لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ إلا أنه مع ذلك يدعوا إلى اجتهاد بقدر استطاعته، مع الأخذ في الاعتبار برأي من سبقه من علماء المسلمين. فما أجمعوا عليه فلا يجوز له الخروج عليه، وما اختلفوا فيه نظر إلى الدليل الشرعي فما وافق الدليل أخذ به وهو يعلن أنه يخرج على مذهب الحنابلة إذا رأي الدليل في المسألة مع غيره فيأخذ بالدليل متى وجده ولا يعدل عنه إلى قول أحد. فإذا لم يعرف الدليل أولم يظهر له وجه الحق أخذ برأي الحنابلة الذين هم أئمته في الفقه وشيوخه في المذهب. ولم يكن اختلاف معاصري الشيخ معه منحصرا فيما ذكرنا من المواد السابقة بل اختلفوا معه في مسائل أخرى كثيرة مثل اختلافهم في مدح أو ذم علم الكلام، وفي وسائل أخرى من الشرك، وفيما يكفر به الإنسان إذا أصر عليه بعد علمه بالحكم الشرعي، وفي الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة وفي تكفير بعض الطوائف الإسلامية مثل القدرية وفي الشرك الذي ينقل من الملة وفي أنواع من العبادة وفي العدل في الميراث وغير ذلك من الذرائع الموصلة إلى الشرك التي ذكرت في مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتعالج أمورا كثيرة مخالفة للتوحيد أو ذريعة إلى الشرك أو البدع والمعاصي مما كان سائدا في الوسط الاجتماعي الذي عاشه ﵀.

стр. 162

ثالثا- الممارسات التي لم يوافقه بعض معاصريه عليها: وهي أفعال وممارسات وأعمال تعد من لوازم الدعوة ومقتضياتها في تصحيح الحياة العامة وتقويم الناس وإلزامهم بالحق وترجمة مبادئ الدعوة في صورة عملية مشاهدة تقوم المعوج وتصحيح الخطأ وتثبيت الحق وتزيل المنكر في البيت والطريق ومحل

стр. 163

العبادة وفي الحياة الاجتماعية في كل صورها ومظاهرها العامة والخاصة وهي ممارسات كثيرة تذكر منها على المثال لا الحصر: ١- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وممارسة هذا المبدأ يعتبر ترجمة حسنة لمبادئ الدعوة في صورة عملية. وهذا المبدأ يهدف إلى تصحيح الممارسات الخاطئة في الحياة ودعم الخير والتقليل من الشر وإعلام للجاهل وتنبيه للغافل وقمع للمعاند وهو عام في أصول الدين وفروعه وما علم من الدين بالضرورة في العبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك والنظام وفي مختلف مظاهر الحياة. وقد أنكر عليه معاصروه ممارسة هذا المبدأ لأنه يتعارض مع عادات نشأوا عليها ومواضعات ألفوها ودعوة إلى مبادئ الدعوة التي لم يوافقوا عليها وإلزام بأمور لا يرون أنها لازمة لهم وإظهار لأمر هذه الدعوة على خصومها وفرض لسلطانها على المعارضين. ويرون أن المعروف ما كان حياتهم قائمة عليه، والمنكر ما جاءت به هذه الدعوة من تضليل الأمة ونسبتهم إلى الشرك والبدع وعبادة الصالحين مع أن الأمر في نظرهم ليس كذلك. وممارسة هذا المبدأ منذ فجر الدعوة الإصلاحية سبب لتعميق الخلاف مع المعارضة للدعوة في منطقة العارض وغيرها وقد ذكر الشيخ أن هذا هو سبب رئيسي من أسباب الخلاف مع الناس. اسمعه يقول في رسالته لأحد علماء المدينة المنورة "وإن سألت عن سبب الاختلاف الذي هو بيننا وبين الناس فما اختلفنا في شيء من شرائع الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج وغير ذلك ولا في شيء من المحرمات، الشيء الذي عندنا زين هو عند الناس زين، والذي عندهم شين هو عندنا شين إلا أنا نعمل بالزين ونغضب الذي يدنا عليه وننهى عن الشين ونؤدب الناس عليه

стр. 164

والذي قلب الناس علينا الذي قلبهم على سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم١ وذكر مثل ذلك في الرسالة التي بعث بها إلى أهل المغرب ٢ وذكر مثل ذلك في جوابه على رسالة الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السويدي من علماء العراق. وزاد عليه سببا آخر أن دعوته خالفت عادة نشأوا عليها ثم قال: "فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد وأنهي عنه من الشرك ولبسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس وكبرت الفتنة جدا"٣ وفي الرسالة العامة التي بعث بها إلى عامة المسلمين ذكر فيها الأسباب نفسها وزاد عليها شيئا آخر هو قوله "وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله"٤ وهذه النصوص من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب تدل على أن ممارسة الدعوة لهذا المبدأ الشرعي كانت سببا من أسباب الاختلاف مع المعارضة سببا من أسباب الاجلاب عليها بالخيل والرجل وإظهار العداء لها ولأتباعها. ١- هدم البناء على القبور: ومن الممارسات العملية التي اختلفت المعارضة فيها مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته هو أنها اتبعت الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك وإنكار ما يفعله العامة عند القبور من دعوة أصحابها وصرف شيء من أنواع العبادة عندها لغير الله، والبناء على القبور وإيقاد السرج عندها، وإغراء العامة بزيارتها لهذه المظاهر التي فيها تزيين الباطل وتوفير الذرائع الموصلة إليه اتبعت هذه الدعوة بإزالة البناء على القبور كما فعلت بقبة زيد بن الخطاب في الجبيلة، ومنع إيقاد السرج عندها أو تجصيصها أو رفعها عما حده رسول الله ﷺ لها، فقامت عليهم قيامه الناس زاعمين أن هدم القباب على القبور خروج على ما عليه العمل في مختلف الحواضر الإسلامية في مصر والشام والعراق والحرمين الشريفين وغيرها من غير نكير. ولأن في هذا العمل إهانة للأولياء والصالحين وتقليلا من شأنهم وامتهانا لحرمتهم، وإزالة لمعالم الآثار الكريمة

стр. 165

ووسيلة لضياعها وعدم الاهتداء إليها في المستقبل مع أنه ليس من لوازم وجودها دعوة أصحابها من دون الله، بل أنه يمكن تحقيق التوحيد مع قيام تلك الآثار يهتدي بها الزائر لها زيارة شرعية، ومن أجل هذه الاعتبارات وغيرها اعترض الناس على الدعوة الإصلاحية في هدمها القباب على القبور ومنعها رفع ترابها أو تجصيصها وحاولوا منع الشيخ وأتباعه من هذا العمل كما ذكر ذلك مؤرخو نجد مثل ابن غنام وابن بشر عند إزالة قبة قبر زيد بن الخطاب في الجبيلة وغيرها وكان ذلك سببا قويا من أسباب اشتداد المعارضة في وجه الدعوة وأشاعوا عنها قالة السوء. يقول الشيخ ﵀ في الرسالة التي بعث بها إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام:"جرى علينا من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم وسببه هدم بنيان في أرضنا في قبور الصالحين فلما كبر هذا على العامة لظنهم أنه تنقيص للصالحين ومع هذا نهيناهم عن دعواهم وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله فلما أظهرنا هذه المسألة مع ما ذكرنا من هدم البنيان على القبور كبر على العامة. وعاضدهم بعض من مدعى العلم لأسباب أخر التي لا تخفى على مثلكم أعظمها اتباع هوى العوام مع أسباب أخر فأشاعوا عنا أنا نسب الصالحين وأنا على غير جادة العلماء ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها١ وذكر في الرسالة التي بعث بها إلى المسلمين ردا على رسالة من سأله عما ينسب إليه قال ﵀:"فما ذكر عني أني أنهى عن الصلاة على النبي ﷺ أو أتي أقول لو أن لي أمرا هدمت قبة النبي ﷺ أو أنني أتكلم في الصالحين أو أنهى عن محبتهم فكل هذا كذب وبهتان"٢ وفي الرسالة التي بعث بها الشيخ إلى أهل المغرب قال ﵀:"وهو ﷺ حمى جناب التوحيد اعظم حماية، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، فنهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر، وثبت فيه أيضا أنه بعث علي بن أبي طالب رضى الله عنه وأمره ألا يدع قبرا مشرفا إلا سواه ولا تمثالا إلا طمسه. ولهذا قال غير واحد من العلماء يجب هدم القبب المبنية على القبور لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ .

стр. 166

فهذا هو الذي أو جب الاختلاف بيننا وبين الناس حتى آل بهم الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم ١ ١- إقامة الحدود: ومعروف تاريخيا بأن الشيخ بدأ تطبيق الحدود الشرعية في العيينة في فجر الدعوة فرجم الزانية بها كما ذكر ذلك مؤرخو نجد مثل ابن غنام وابن بشر وغيرهم أنه جاء امرأة تطلب منه إقامة الحد عليها وأرب عنده بالزنا أربع مرات في أربعة أيام ولما تأكد الشيخ من توفر شروط إقامة الحد عليها وانتفاء الموانع أمر بها فرجمت حتى ماتت. وهذا يدل على مدى صدق التدين لديها والإقبال على الله، وعلى أثر الدعوة في الناس التي جعلتهم يقبلون بالحق والتطهير ولو كان في ذلك الموت الزؤام. كما أن إقامة هذا الحد في هذه المنطقة لأول مرة في تاريخ هذه الدعوة الإصلاحية أحدثت هزة عنيفة في صفوف المعارضة بلغت آثارها آفاق الأرض حتى جاءت التهديدات الشديدة من حاكم الاحساء لأمير العيينة ما لم يقتل هذا المطوع أو يخرجه من بلاده على الفور مما جعل الأمير عثمان بن معمر يحجم عن تحمل تبعات هذه الدعوة إذ رأى أن المعارضة بما لها من قوة كبيرة فوق قدرته وطاقته، وأنه إذا استمر في إيواء الشيخ يعرض نفسه وإمارته لأشد الأخطار. وعلى الرغم من أن الشيخ ﵀ حاول ثنيه وتهدئة روعه ووعده مع الثبات بالنصر المؤزر على خصومه، وأن الدعوة ستتقدم وتصل إلى عقر دار المتكبرين في الأرض بغير الحق فإن عثمان بن معمر كان غير واثق من هذا النصر ولا آمن على نفسه وإمارته ففضل السلامة وأخرج الشيخ وهم بقتله والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ٢- قطع الأشجار التي يتبرك بها الناس: وكان من المعروف في تاريخ نجد عند قيام دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن هناك أشجارا في نجد يقصدها الناس للتبرك بها مثل "شجرة الذئب" في العيينة

стр. 167

وشجرة "قريوه" في الدرعية ومثل "شجرة الفحال" في عرقة وشجرة الطرفية وغار بيت الأمير وغيرها، والتبرك هو طلب البركة منها ورجاؤها فيما يؤمل واعتقاد النفع فيها والضر وحصول البركة، وهو بهذا المعنى من الشرك الأكبر. وقد عقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بابا في كتابه المعروف بكتاب "التوحيد" باب من تبرك بالشجر أو حجر أو نحوهما: وساق تحته أدلة تحريم هذا العمل وأنه من الشرك الذي حكم الله بكفر أصحابه فذكر قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ الآيات فهذه الأوثان الثلاثة من أعظم الأوثان الجاهلية في الحجاز، ولهذا نص الله عليها بأعيانها. واللات صخرة أو قبر، وأما العزى فهي شجرة سمر عليها بناء وأستار بين مكة والطائف، وأما مناة فهو وثن بين مكة والمدينة لأهل المدينة أو غطفان. فلما اعتقد فيها المشركون أنها تنفع وتضر من دون الله وتعلقت بها قلوبهم، صارت أوثانا تعبد من دون الله. فالتبرك بالأشجار والأحجار في عهد الدعوة شبيه بالتبرك باللات والعزى ومناة. ولما كان رسول الله ﷺ بعد فتح مكة قد بعث خالدا لقطع الشجرة وهدم الصنم والوثن تحقيقا للتوحيد وحماية لجنابه، وكان ما يفعل في العارض شبيها بما كان يفعل في الجاهلية، فقد قام الشيخ ﵀ بقطع شجرة "الذئب" في العيينة بنفسه وأمر بقطع "شجرة قريوه" في الدرعية. وهذا العمل من الشيخ في قطع الأشجار، وإزالة معالم كانت محل تعظيم العامة تقصدها في قضاء الحاجات ولها قداسة في نفوس الناس، زاد هذا في الاختلاف بين الدعوة وخصومها لأنه خروج على مألوف الناس وعادتهم، ومخالف لما يجري في معظم الديار الإسلام. ومع هذا مضت الدعوة في طريقها لتحقيق أهدافها لاعتقاد قادتها أن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرا، وأن من قام لله حفظه الله ونصره، لاسيما مع اليقين الجازم بأن يقومون به هو مقتضى الشرع وفعل الرسول ﷺ ، وأصحابه وأن ما حصل كان سببه الجهل وغربة الإسلام.

стр. 168

١- إبطاله للوقف الذي يراد به تغيير أحكام الله: وجد في بعض الأوساط في نجد عند ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كان ينظر إلى المرأة نظرة دنيوية في الميراث وتفضيل بعض الورثة على بعض حسب الهوى والمحبة ولهذا يلجأون إلى التحايل على هذه الفئات ليقسموا كل أموالهم بين ورثتهم على هواهم فرارا مما فرضه الله لكل وارث من نصيب مقدر، فيوقفون أوقافا حيلة يتوسلون بها إلى هذه الغرض الخبيث الذي تغير به أحكام الميراث، ووجد في عصرهم من يرى أن هذه الأوقاف التي يتوسل بها إلى حرمان ذي حق من حقه، وإعطاء وارث آخر أكثر من نصيبه المقدر، أن هذه الحيلة صدقة بر تقرب إلى الله. وقد تضمنت الرسالة الثانية عشرة من الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ٧٨-٧٩ مناقشة هذه القضية مناقشة علمية مستفيضة وسمى هذه الحيلة بالبدعة الملعونة ثم قال:"من أعظم المنكرات وأكبر الكبائر تغيير شرع الله ودينه والتحيل على ذلك بالتقرب إلى الله وذلك مثل أوقافنا هذه إذا أراد أن يحرم من أعطاه الله من امرأة أو امرأة ابن أو نسل بناة أو غير ذلك أو يعطي من حرمه الله أو يزيد أحدا عما فرض الله أو ينقصه من ذلك ويريد التقرب إلى الله بذلك مع كونه مبعدا عن الله فالأدلة على بطلان هذا الوقف وعوده طائعا وقسمة على قسم الله ورسوله أكثر من أن تحصر". فإبطال الشيخ مثل هذه العقود الجائرة التي تحل حرام وتحرم حلالا، وتؤكد حق المرأة والقاصر من الأبناء والضعيف من الورثة، ولاسيما بين العامة والبوادي وأهل القرى الذين تغلب عليهم نزعة الجاهلية، جعلت الناس يشتدون في المعارضة ويختلفون مع قادتها ومبادئها التي صارت تغير بعض ما كان سائدا في حياتهم وتألفه نفوسهم، ولهذا أثره في إلهاب حماس العامة وإثارة نخوة الجاهلية ضد الشيخ ودعوته الإصلاحية. ومن أجل هذا وغيره بدأت المعارضة حملة إعلامية دعائية ضد هذه الدعوة وصاحبها وتشكيك الناس فيها وإعطاء صورة سيئة عن مبادئها وإثارة كثير من الشبهات حولها وحول إمامها نجمل أهمها في الفقرة التالية.

стр. 169

رابعا- الشبهات التي أثيرت حول الدعوة: من تتبعي للرسائل الشخصية التي كتبها إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب ﵀ وبعثها إلى علماء نجد وأئمة المساجد المعروفين بالمطاوعة، وللرسالة التي رد عليها الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ بكتابه المعروف بمصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام ولبحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي عقدته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ١٤٠٣هـ / ١٩٨٣م، لطلب معرفة الشبهات التي أثارتها المعارضة حول هذه الدعوة الإصلاحية التجديدية وما يأخذون عليها، وأسباب الخلافات الحادة التي بلغت حد النقد وكتابة الفتاوي ضدها وحمل السلاح على أتباعها، وجدت أن أهم الشبهات التي أثيرت حولها كما يلي: أولا- ما ذكره الإمام محمد بن عبد الوهاب في رسالته التي بعث بها إلى أهل القصيم لما سألوه عن عقيدته حيث قال ﵀:"ثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلم أن الرجل افترى علي أمورا لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي فمنها: *أني مبطل كتب المذاهب الأربعة. *وأني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء. *وأني خارج عن التقليد. *وأني أدعي الاجتهاد. *وأني أكفر من توسل بالصالحين. *وأني أقول إن اختلاف العلماء نقمة. *وأني أقول لو أقدر على هدم قبة الرسول ﷺ لهدمتها. *وأني أكفر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق. *وأني أقول لو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزابا من خشب. *وأني أحرم زيارة قبر النبي ﷺ .

стр. 170

*وأني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما. *وأني أكفر من حلف بغير الله. *وأني أكفر ابن الفارض وابن العربي. *وأني أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين أسميه روض الشياطين.١ ومثل هذه الرسالة ما جاء في الرسالة التي بعث بها ﵀ إلى عبد الله بن سحيم مطوع أهل المجمعة حين سأله عن الكتاب الذي أرسله سليمان بن محمد بن سحيم مطوع أهل الرياض، وكانت رسالة أرسلها إلى أهل البصرة والاحساء يشنع فيها على الشيخ ويستنصر بهم على إبطال ما أظهره الشيخ من بيان التوحيد. وقد ذكر الإمام في صدر هذه الرسالة أنها تضمنت ٢٤ مسألة بعضها حق وبعضها بهتان وكذب ثم ذكر في هذه الرسالة الشبهات التي ذكرها في الرسالة السابقة وزاد عليها شبهات أخرى هي قوله: "وأما المسائل الأخرى, وهي: *أني أقول لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله. *وأني أعرف من يأتيني بمعناها. * وأني أقول الإله هو الذي فيه السر. * وتكفير الناذر إذا أراد به التقرب لغير الله وأخذ النذر كذلك. * وأن الذبح للجن كفر والذبيحة حرام ولو سمى الله عليها إذا ذبحها للجن. فهذه خمس مسائل كلها حق وأنا قائلها" ٢ ثم ذكر في موضع آخر من هذه الرسالة مسألة سادسة هي إفتاؤه بكفر شمسان وأولاده ومن شابههم وتسميتهم طواغيت فقال ﵀: "وأضيف إليها مسألة سادسة وهي إفتائي بكفر شمسان وأولاده ومن شابههم وسميتهم طواغيت وذلك أنهم يدعون الناس إلى عيادتهم من

стр. 171

دون الله عبادة أعظم من عبادة اللات والعزى بأضعاف، وليس في كلامي مجازفة بل هو الحق"١ وأضاف مسألة سابعة وهي أنه يقول بالإله الذي فيه السر، قال ﵀: وما قولي إن الإله الذي فيه السر"٢ثم أجاب عنها. ولم أستطع أن أعثر على رسائل وكتابات خصوم الدعوة الإصلاحية في نجد لندرتها وضياع الكثير منها بالإهمال سوى ما تضمنته كتب ورسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأحفاده وتلامذة مدرسته، ومن هذه الرسائل الرسالة المسماة "جلاء الغمة عن تكفير هذه الأمة" وقد كتبها أحد معاصري الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ الذي رد عليها في كتابه الذي سماه "مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام" والذي صدره ﵀ بقوله: وقد رأيت لبعض المعاصرين كتابا يعارض به ما قرره شخنا من أصول الملة والدين إلى أن قال "وسمى كتابه جلاء الغمة عن تكفير هذه الأمة".٣ قال صاب الرسالة "قد أبتلى الله أهل نجد بل جزيرة العرب بمن خرج عليهم ولم يخرج على العلماء الأمناء كما صح عندنا وثبت عن مشايخنا الأمجاد العتاد وسعى بالتكفير للأمة خاصا وعامها وقاتلها على ذلك جملة إلا من وافقه على قوله لما وجد من يعنيه على ذلك بجهله".٤ وفي موضع آخر من هذه الرسالة قال صاحبها:" ولكن هذا الرجل جعل طاعته ركنا سادسا للأركان الخمسة كما قال ذلك أخوه لأمه وأبيه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب حين خطأه."٥

стр. 172

ومن ذلك رمى الشيخ محمد عبد الوهاب بإنكار شفاعة النبي ﷺ بالكلية كما جاء في نص الرسالة نفسها قوله:"وعند هذا الكلام محط الرجل فقائلته تنقيص سيد البشر ﷺ والحط من رتبته وغايته إبطال شفاعته بالكلية"١ وتهمة أخرى ذكرت في هذه الرسالة وهي قوله:"ومن أنكر عليهم من أهل نجد قتلوه ونهبوه والباقي أجلوه"٢ ومن التهم التي نسبوها لأئمة هذه الدعوة وجوب الهجرة على من لم يستطع إظهار دينه في موطنه إلى البلاد التي عمتها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية هذه التهمة في أكثر من موضع من الرسالة التي رد عليها الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ.٣ كما وردت في رسالة من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ٤موجهة إلى عموم المسلمين فقال ﵀:"وأذكر لكم عني أني أكفر بالعموم فهذا بهتان الأعداء وكذلك قولهم إني أقول من اتبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده انه ما يكفيه حتى يجيء عندي، فهذا أيضا البهتان "٥ ومنها شبة ادعاء النبوة. وقد نقل هذه الشبهة الدكتور عبد الرحمن عميرة في بحثه القيم الذي قدمه في أسبوع الشيخ محمد بن الوهاب الذي عقدته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ١٤٠٣هـ / ١٩٨٣ م، من الضياء الشارق للشيخ سليما بن سحيم بقوله: "يقول الزهادي العراقي: "وكان محمد هذا بادئ بدأته كما ذكره بعض المؤلفين مولعا بمطالعة أخبار من ادعى النبوة كاذبا كمسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسي وطليحة الأسدي وأضرابهم فكان يضمر في نفسه دعوى النبوية إلا أنه لم يتمكن من إظهارها"٦

стр. 173

ونقل هذا الاتهام نفسه الشيخ أحمد زيني دحلان فقال: "والظاهر من حال محمد بن عبد الوهاب أنه يدعى النبوة إلا أنه ما قدر على إظهارها والتصريح بذلك"١ ومما قيل عن الدعوة الإسلامية في نجد أن أهلها خوارج وأنهم المعنيون بقوله ﷺ "يخرج أناس من قبل المشرق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه سيماهم التحليق" ٢ ونسب قول ذلك إلى كل من الشيخ الزهاوي العراقي والشيخ أحمد زيني دحلان في الحجاز والشيخ عبد الرحمن الأهدل مفتي زبيد. ومنها دعوى أن هذه الدعوة الإصلاحية جاءت بمذهب خامس لمذاهب الأئمة الأربعة وقد أوردها الشيخ محمد في رسالته التي بعثها إلى سليمان بن سحيم ورد عليها٣ هذه أهم الشبهات التي أثيرت حول الدعوة الإصلاحية وأهلها في نجد. وقد تولى إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تحديد موقفه من هذه الادعاءات والتهم وإبانة وجه الحق فيما نسب إليه، وأوضح في مجمل إجاباته أن بعضها مجرد ادعاء وافتراء عليه وعلى دعوته، وبعضها حقيقة، ولكن الخصوم نقلوها على غير وجهها، وأوضح موقفه منها ودليله عليها، وبعضها الآخر حق وهو قائل به مقيم الدليل على صحته. وإليكم فيما يلي موجز إجابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب على هذه التهم

стр. 174

قال في الرسالة التي بعث بها إلى أهل القصيم عما بلغه من أن سليمان بن سحيم قد بعث لهم برسالة وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتهم:"والله يعلم أن الرجل افترى علي أمورا لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي" ثم عددها كما سبقت الإشارة إليها فأوصلها إلى أربعة عشر بندا ثم قال: "وجوابي على هذه المسائل أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم "١ وقل مثل ذلك في الرسالة التي بعثها إلى عبد الله بن سحيم مطوع المجمعة بعد أن ذكر التهم الموجهة إليه وعددها كما سبق ذكرها وقال:"فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم" ثم قال وأما المسائل الأخرى وهي: "أني أقول لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله ومنها أني أعرف من يأتيني بمعناها ومنها أني أقول الإله هو الذي فيه السر ومنه تكفير الناذر إذا أراد به التقرب لغير الله وأخذ النذر كذلك ومنها أن الذبح للجن كفر والذبيحة حرام ولو سمي الله عليها إذا ذبحها للجن فهذه خمس مسائل كلها حق وأنا قائلها "ثم أخذ في شرح أدلة ما يقول به٢ كما أجاب الإمام ﵀ قول بأنه يكفر الناس ويقاتلهم في عدة مواطن فقال الرسالة التي بعث بها إلى عبد الرحمن السويدي في العراق ما نصه:"وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ﷺ ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فذا هو الذي أكفره وأكثر الأمة والحمد لله ليسوا على ذلك. وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا. ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة "وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا" وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرفه" ٣

стр. 175

وعن دعوى تحريق رسالة "دلائل الخيرات" فقال الإمام ﵀ في ذلك:"وأما دلائل الخيرات، فله سبب ذلك أني أشرت على من قبل نصيحتي من إخواني أن لا يصير في قلبه أجل من كتاب الله، ويظن أن القراءة فيه أجل من قراءة القرآن وأما إحراقه والنهي عن الصلاة على النبي ﷺ بأي لفظ كان فهذا من البهتان"١ وفي رسالة أخرى للإمام محمد بن عبد الوهاب نفى ما نسب إليه من النهي عن الصلاة على النبي ﷺ ومن القول برغبته في هدم قبة النبي ﷺ أو أنه يبغض الصالحين أو يتكلم فيهم أو ينهى عن محبتهم، وقال "إن هذا كذب وبهتان عظيم"٢ ثم قال ﵀: "وبالجملة فالذي أنكره الاعتقاد في غير الله مما لا يجوز لغيره"٣ ثم شرح ذلك حتى قال في آخر هذه الرسالة:"وأنا أنصحكم لا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين مثل الزنا والسرقة بل هو عبادة الأصنام من فعله كفر وتبرأ منه رسول الله ﷺ "٤ وعن تهمة القول بوجوب الهجرة إلى مقر الدعوة الإصلاحية في نجد وأنه يكفر بالعموم قال الإمام رحمه الله تعالى في الرسالة العامة التي بعث بها إلى إخوانه المسلمين:"ما ذكر لكم عني أني أكفر بالعموم فهذا من بهتان الأعداء وكذلك قولهم إني أقول من اتبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده أنه ما يكفيه حتى يجيء عندي فهذا أيضا من البهتان إنما المراد اتباع دين الله ورسوله في أي أرض كانت. ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله ثم عاداه وصد الناس عنه، وكذلك من عبد الأوثان بعد ما عرف أنها دين للمشركين وزينه للناس فهذا الذي نكفره. وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء إلا رجلا معاندا وجاهلا "٥

стр. 176

وعما أثير من إنكار الدعوة الإصلاحية في نجد لشفاعة النبي ﷺ قال إمام الدعوة في الرسالة التي وجهها لأحد علماء المدينة المنورة:"ثم بعد هذا يذكر لنا أن عدوان الإسلام الذين ينفرون الناس عنه يزعمون أننا ننكر شفاعة الرسول ﷺ فنقول سبحانك هذا بهتان عظيم بل نشهد أن رسول الله ﷺ الشافع المشفع صاحب المقام المحمود، نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يشفعه فينا وأن يحشرنا تحت لوائه. هذا اعتقادنا وهو الذي مشى عليه السلف الصالح من المهاجرين والأنصار والتابعين وتابعي التابعين والأئمة الأربعة ﵃ وهم أحب الناس بنبيهم وأعظمهم في اتباعه وشرعه. فإن كانوا يأتون عند قبره يطلبون الشفاعة فإن اجتماعهم حجة والقائل إنه يطلب الشفاعة بعد موته يورد علينا الدليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله أو من إجماع الأمة والحق أحق أن يتبع"١ وأما ما أثير من أن الدعوة الإصلاحية في نجد وأئمتها يكفرون الناس بالعموم وأنهم يعدون من الخوارج الذين ورد في ذمهم الحديث النبوي الشريف فقد أجاب عنه الإمام محمد بن عبد الوهاب بنفسه فقال: "فإن قائلهم إنهم يكفرون بالعموم. فنقول سبحانك هذا بهتان عظيم الذي نكفر الذي يشهد أن التوحيد دين الله ودين الرسول وأن دعوة غير الله باطلة ثم بعد ذلك يكفر أهل التوحيد ويسميهم خوارج ويتبين مع أهل الغيب على أهل التوحيد"٢ وأما ما قيل من ادعاء الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ للنبوة فإن رسائله وكتبه لم تتعرض لهذه الشبهة مما يدل على أنها إطلاق متأخر بعد عهده ﵀. ثم كما اتضح من النصوص التي وردت عن الزهادي ودحلان وغيرهما تدل على أنه لم ينقل عنه لا سماعا ولا كتابة أنه قال ذلك أو ادعاه أو عرف عنه وإنما جاءت عبارتهم:"أنه كان يضمر في نفسه دعوى النبوة إلا أنه لم يتمكن من إظهارها" هذه عبارة

стр. 177

الزهادي أما عبارة دحلان:"والظاهر من حال محمد بن عبد الوهاب أنه يدعي النبوة إلا أنه ما قدر على إظهار التصريح بذلك "١ وهذه العبارات تدل على أنه لم يظهر من الإمام ما يدل على ذلك. أما الضمائر ومكنوناتها فليس كشفها ومعرفة ما فيها من وظيفة البشر ولا من ممكناتهم. والقول بهذا الإضمار إن هو إلا رجما بالغيب ودعوى بلا برهان بل البرهان قائم من كتابات ومواقف وتاريخ إمام الدعوة على عكس ذلك فهو يعلن في كل مناسبة اعتماده على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وأتباعهم بإحسان وأئمة الهدى في مختلف العصور الإسلامية وأنه يأخذ بالدليل الشرعي أنى وجده ولو خالف مذهبه. فهل يتفق هذا مع ما قيل من إضماره لدعوى النبوة ولكنه الهوى الذي يضل ويعمى ويسهل رمي المسلم بما ليس فيه ولا يليق به. وقد تعمدت أن آخذ الإجابة على كل التهم الموجهة لهذه الدعوة الإصلاحية من رسائل إمامها الشخصية التي بعث بها لمعاصريه وأجاب بها بنفسه صراحة كما قررها وأكدها في كتبه المطولة في علم التوحيد وتقرير مبادئ الدعوة وبيان حقيقتها وأسباب محاربة كثير من الناس لها حتى أظهرها الله لتتحقق بذلك الأمانة العلمية المطلوبة وتظهر الحقيقة حول هذه الدعوة وما جاءت به.

стр. 178

الفصل السادس: آثار حركة التجديد ونتائجها أثرها في شبه الجزيرة العربية ... الفصل السادس:آثار حركة التجديد ونتائجها من المناسب أن نذكر ثأثيرات هذه الدعوة وامتداداتها في العالم الإسلامي في كلمات موجزة للتدليل على هذه الحقيقة التاريخية في الفكر الإسلامي الحديث وأن لها السبق والريادة في الإصلاح داخل جزيرة العرب وخارجها، فنقول: تأثير هذه الدعوة في شبه جزيرة العرب: عند قيام حركة الإصلاح والتجديد في نجد على يد الإمامين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود رحب بها بعض الأئمة الأعلام في نجد وفي غيره من أقاليم الجزيرة العربة من باب الموافقة والتأييد لا من باب التأثير. وذلك مثل بعض علماء اليمن كالإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني شيخ صنعاء اليمن وزبيد وتلميذه الإمام الشوكاني رحمهما الله وبعض علماء المدينة مثل الشيخ محمد حياة السندي والشيخ إبراهيم بن سيف وفي البصرة الشيخ محمد المجموعي ومدرسته السلفية وفي الاحساء مثل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وتلاميذه وبعض معاصريه من علماء نجد الذين لم يستطيعوا أن يقوموا بما قام به. كما واقفه يعض علماء العراق، ووافقه في الشام عدد آخر منهم، ولكن الكل لم يستطيعوا أن يقوموا بواجب الدعوة إلى الحق والخروج على ما تواضع الناس عليه يوضح ذلك ما جاء في رسالة الإمام محمد بن عبد الوهاب التي بعث بها إلى فاضل آل مزيد رئس بادية الشام التي قال فيها ﵀، ما يلي:

стр. 179

"والأمر الثاني أن هذا الذي أنكروا علي وأبغضوني وعادوني من أجله إذا سألوا عنه كل عالم في الشام واليمن أو غيرهم يقول: هذا هو الحق وهو دين الله ورسوله ولكن ما أقدر أن أظهره في مكاني لأجل أن الدولة ما يرضون وابن عبد الوهاب أظهره لأن الحاكم في بلده ما أنكره بل لما عرف الحق اتبعه هذا كلام العلماء وأظن أنه وصلك كلامهم"١ ومن التأثيرات المباشرة لهذا الدعوة الإصلاحية في شبه جزيرة العرب ما أقامه من مدرسة علمية سلفية خالصة وضع نواتها في حريملاء وتعاهد غراسها بعد انتقاله إلى العيينة ووسع قاعدتها وعمق جذورها وتعاهد نموها في الدرعية حتى استطاع أن يبعث من المبرزين منها الدعاة والقضاة والموجهين إلى مختلف الأقاليم النجدية. وبتوسع نفوذ الدولة السعودية الأولى في أقطار الجزيرة العربية أتيحت فرص أوسع لنشر هذه الدعوة الإصلاحية في البلاد التي وصل إليها الحكم السعودي أو أقام معها علاقة طيبة وحسن جوار مثل قطر والبحرين والإمارات العربية في الشارقة ورأس الخيمة وبقية الإمارات العربية وأجزاء من عمان. كما أتاح فتح الدولة السعودية لمكة المكرمة والمدينة المنورة وقيادة الحجيج في مواسم الحج والالتقاء بعلماء مكة والمدينة والوافدين إليها في كل عام من علماء العالم الإسلامي عامة وفي جزيرة العرب خاصة فرصا جيدة لنشر هذه الدعوة الإصلاحية وشرح أهدافها وبيان حقيقتها مما جعل لها مكانة مرموقة في أوساط الناس والعلماء والعامة على السواء حتى لم يبق بلد من البلدان في شبه الجزيرة العربية إلا فيها أنصار وأتباع لهذه الدعوة.

стр. 180

تأثير هذه الدعوة في أفريقيا: لم يقف تأثير هذه الدعوة الإصلاحية على العالم الإسلامي في شبه جزيرة العرب بل تعداه إلى بقية العالم الإسلامي، ففي المغرب العربي الإسلامي ظهرت بوادر يقظة إسلامية في كل دولة تنادي بالإصلاح الديني والسياسي بما يتلاءم مع بيئتها المحلية، ففي مصر قامت حركت الإصلاح على يد الإمام محمد بن عبده وجمال الدين الأفغاني وقامت على أيديهم مدرسة إصلاحية تطالب بالعودة إلى الإسلام في نقائه وصفاء عقيدته ومحاربة البدع وإنكار زيارة القبور والإشراك بالله عندها، والدعوة إلى فتح باب الاجتهاد في الدين واحترام العقل والأخذ بأسباب التقدم في إطار الدين ومقتضياته. وكان من أبرز تلامذته الإمام محمد رشيد رضا ومحب الدين الخطيب وغيرهما. وجمعية أنصار السنة المحمدية في مصر هي امتداد لحركة الإصلاح والتجديد في نجد. وقد تأثرت دعوة الإخوان المسلمين في مصر بهذه الدعوة في نزعتها الإصلاحية ونسجها التربوي وتوجيهها العام للعودة بالأمة الإسلامية إلى الكتاب والسنة وما كان عليه السلف هذه الأمة ومحاربة الابتداع في الدين والتحرر من التبعية الذليلة للمستعمرين. وفي غرب السودان قامت دعوة الشيخ عثمان ١بن فودي "دان فوديو" في قبيلة الغلا الذي استطاع أن يجمع قبيلته على الإيمان بدعوته الإصلاحية السلفية في العودة بغرب السودان إلى التوحيد ومحاربة البدع وبقايا الوثنية في بعض قبائل السودان ورفع راية الجهاد في وجه المعارضين عام ١٨٠٢م من قبائل الحوصة حتى أقام دولة إسلامية تؤمن بهذه الدعوة في سكوتو. واستمرت هذه الدولة المسلمة ما يقارب مائة عام حتى سقطت على يد الاستعمار الغربي الأوروبي. وإذا كانت قد سقطت قيادتها السياسية
следующие страницы →