← История

История · id 11156

حركة التجديد والإصلاح في نجد

عبد الله العجلان

Полный текст (244 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ورتب على هذا الأصل أحكاما يكفر من عرف هذا الحكم بدليله وقامت الحجة عليه بالبيان والدعوة ثم أصر على التحاكم إلى غير ما أنزل الله وفضل حكم البشر على حكم خالقهم واعتدى على الألوهية في أخص خصائصها وجعل له إلها في الحكم غير الله وحكم على من أنكر هذا الأصل أو دافع عن مرتكبيه بالباطل أو شايعهم وظاهرهم على المسلمين أنه كافر. ٦- وجوب الكفر بالطاغوت: ومن أصل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجوب الإيمان بالله والكفر بالطاغوت وعرف الطاغوت بأنه ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع وقال إن مصدر الضلالات التي وقعت في زمانه وتقع في الأزمنة المختلفة إنما ترجع إلى الطواغيت وذكر أن الطواغيت كثيرة ولكن رؤوسهم خمسة هم: ١- إبليس لعنه الله ٢- من عبد وهو راض. ٣- من دعا الناس إلى عبادة نفسه. ٤- من ادعى شيئا من علم الغيب. ٥- من حكم بغير ما أنزل الله. وقد سمى هؤلاء الخمسة بالطواغيت لتجاوزهم حدودهم كمخلوقين إلى السطو على خاصية من خصائص الألوهية أو أكثر وتجاوزهم مقام المخلوق إلى مقام الخالق سبحانه. وقبول الناس في أي عصر لهذا التجاوزات من المخلوقين يعد انحرافا منهم عن الحق وإيغالا في الضلال وسببا من أسباب الهلاك والخضوع لأهواء البشر ونزوات الإنسان وهو انتكاس في الفطرة وعدول عن الحق إلى الباطل. والإسلام إنما جاء لتحرير الإنسان من رق أخيه الإنسان له وتسلطه عليه. ولا تستقيم الحياة على الجادة إلا بالإيمان بالله وحده والكفر بكل الطواغيت مصادر الضلال والانحراف. والشيخ

стр. 72

رحمه الله تعالى لم يكن بهذا يضع فروضا الأمور لم تقع ولكنه يعالج انحرافات كانت قائمة في وقت دعوته ويرى أن هذه الطواغيت هي السبب في انحراف الناس في عهده. ولهذا أكد على وجوب الكفر بالطاغوت‘ووصف مصادر الانحراف بهذا الوصف الشنيع لتنفير الناس منها وتأمل مواقفها. وعلى هذا الأصل من أصول الدعوة فرع الشيخ فروعا وأصدر فتاوى بحق بعض معاصريه ممن ينصبون أنفسهم طواغيت في أي نوع من أنواع العبادة أو الاتباع في الباطل أو الطاعة في المعاصي ولهذا قال ﵀: "ومسألة سادسه: وهي: افتائي بكفر شمسان وأولاده ومن شابههم وسميتهم طواغيت وذلك أنهم يدعون الناس إلى عبادتهم من دون الله عبادة أعظم من عبادة اللات والعزى بأضعاف وليس في كلامي مجازفة بل هو الحق"١. ٧- الدعوة إلى تعظيم الكتاب والسنة: ومن أصول هذه الحركة الدعوة إلى أخذ الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية كتابا وسنة, وتقديمهما على أقوال الرجال وأن يرد الحكم إليهما عند التنازع‘ ذلك أن هذه الدعوة المباركة قامت في فترة زمنية فشا فيها الجهل بالنصوص الشرعية وجمد فيها الفقهاء على مختصرات في الفقه خالية في الغالب من الدليل أو التعليل وبالغ الناس في تعظيم هذه المختصرات وتقليد مؤلفيها من المتأخرين في كل مذهب حتى صار لا يؤخذ الحكم الشرعي إلا منها، ولا يقبل إلا ما وافقها. وماعداه فيرفض ويرد على صاحبه. ويقول علماء عصره إننا غير مؤهلين للأخذ المباشر للأحكام الشرعية من الكتاب والسنة, وأئمتنا أعلم منا بذلك, وقد اختاروا لنا هذه الكتب المؤلفة في المذهب فلا نتعداها إلى غيرها ولو كان الدليل الشرعي

стр. 73

فكان من أصول هذه الدعوة الإصلاحية تعظيم الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة, ورفع مقامهما في نفوس الناس, وجعل الرد إليهما عند التنازع أمر مقررا, مع الاحتفاظ بمقام فقهاء الإسلام في كل مذهب وتقدير جهودهم واحترام أعمالهم إلا أنهم بشر يصيبون ويخطئون ولكل واحد منهم أعذاره الكثيرة في القول أحيانا على خلاف مقتضي الدليل, وهم مأجورون على اجتهادهم في حالة خطئهم أجرا واحدا, وأجرين إذا وافقوا الحق وأخذوا بالدليل. ومع أن الشيخ محمد بن العبد الوهاب لا يدعي الاجتهاد ويقرر في كثير من رسائله بأنه في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حبل ﵀ إلا أنه يؤكد أنه مع الدليل الشرعي إذا ظهر له ولو خالف المذهب, وأنه يدعو الناس إلى الاجتهاد في الفقه واستكمال أدواته, وأنه يرى أن الزمان لا يخلو من مجتهد قائم لله بحجته على الخلق كما هو معروف عند الحنابلة ﵀, ويرى أن على طالب العلم أن يطلع على كلام العلماء وأدلة كل فيما ذهب إليه وأن يحتاط لنفسه, ولا يعدل عن الدليل الشرعي لأي مذهب, ويأخذ بالمذهب متى كان الدليل معه أولم يظهر مخالفته للدليل. ولهذا فإن هذه الدعوة قد أعادت للنصوص في نفوس أتباعها مكانتها واحترامها وتقديمها وجعلها الحاكمة على كل الأقوال المعصومة وحدها من الخطأ وأن الناس مهما علت منازلهم فإنهم بشر عرضة للخطأ والجهل والزلل. ٨- إقامة دولة إسلامية: ومن أصول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إيجاد دولة إسلامية, تقوم بوظيفتها في الحياة في نشر العلوم الشرعية وإعداد الدعاة والقضاة وإقامة الحدود وحراسة الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورفع راية الجهاد في سبيل الله وتحقيق الأمن وإقامة العدل وتأمين السبيل وإلزام الناس بالحق في أمور الذين والدنيا ورعاية, مصالح الأمة, والمحافظة على الضروريات الخمس التي عرف من الشرع

стр. 74

القصد إليها وهي حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ المال وحفظ العقل والعرض. ولهذا فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب منذ فجر قيام دعوته كان يعرض نفسه على الأمراء في نجد, ويبشر من يقوم بهذا الواجب الديني بالعز والتمكين والنصر على الأعداء متى أخذها بصبر واحتساب وعمل وجاهد وانطلق في دعوته من سلطة سياسية تحمي بيضة الدعوة وتجمع أنصارها وتدافع عدوها. ولما فشل ﵀ مع أمير العيينة عثمان بن معمر كرر المحاولة مع غيره من أمراء عصره. فساق الله الخير إلى الأمير محمد بن سعود أمير الدرعية بمقدم الشيخ محمد إليه ونزوله عنده وقبوله دعوته والاتفاق معا على القيام بهذا الواجب طاعة لله ونصرة لدينه. فكان هذا التوجيه الصحيح من إمام هذه الدعوة ثمرة فقه في الدعوة وتوفيق في الإصلاح أعز الله به هذه الدعوة ورفع به شأن إمارة الدرعية، ودخلت به الأسرة السعودية وجودها الحضاري من أوسع أبوابه، وحقق الله للمخلصين من أبنائها العز والتمكين في الدنيا والأجر العظيم والمثوبة الحسنة إن شاء الله في الآخرة. وتحقق لحركة الإصلاح بهذه الدولة المسلمة كثير مما تهدف إليه وقامت بوظائفها خير قيام، وحقق الله بها في هذه المنطقة أفضل الثمار وتفيأ الناس في ظلها الأمن والسلام والرخاء ورفعت فيها راية الجهاد في سبيل الله وتحقق فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتأمين الخائف وأمن السبيل وتحقيق العدل وإظهار سلطان الدين في كل جانب من جوانب الحياة، وحصنوا هذه المنطقة من النفوذ الاستعماري وظل أهلها سادة الموقف في بلادهم. هذه هي الأصول العامة للدعوة أو المجالات التي قامت الدعوة الإصلاحية في نجد لتحقيقها ورد الناس فيها إلى جادة الحق ومنهج الصواب طاعة لله وابتغاء لمرضاته وهداية للناس إلى صراط الله المستقيم.

стр. 75

ولا يمكن أن تتم في الحياة بمجرد الأماني أو بلا جهد بشري ونزول لميدان العمل والجهاد المتواصل. بل أن تحقيق ذلك يتطلب تحديد الغاية واتخاذ الوسائل وإعداد العدة لمواجهة كل موقف من الموقف بما يناسبه من العدة وفهم طبيعة الدعوة ووظيفة الداعية وحدود مسئوليته وشروط الدعوة الناجحة وصفات من يتصدى لهذه المهمة الخطيرة، وكلها أمور مهمة. والشيخ محمد بن عبد الوهاب بما وهبه الله من صفات شخصية وبما أعطاه الله من فقه في الدعوة وعلم بالشريعة وخبرة في الحياة، وبما وفقه الله إليه من منهج سديد في الإصلاح مهتديا فيه بالنصوص الشريعة الغراء والسيرة النبوية الشريفة، وضع إطارا عاما ونظرة شاملة لهذه المهمة الإصلاحية يمكن بواسطتها نقل الحياة العامة مما انحدرت فيه من انحراف في المجالات وغيرها. ويمكن إجمال هذه الأسس العامة والإطار النظري الشامل في النقاط التالية: ١-إن االدعوة إلى الله ينبغي أن تكون على بصيرة , والبصيرة هي العلم الشرعي المبني على الدليل الثابت والفهم الصحيح لمراد الله في نصوص شرعه. وأعلى درجات الفهم لهذه النصوص ومقاصد الشريعة هو فهم الصحابة ﵃ وأرضهم ثم التابعين لهم بإحسان من التابعين وأتباعهم في القرون المفضلة وأئمة الهدى من بعدهم المشهود لهم بالعلم والفضل والاستقامة. ومن أجل التطبيق هذا المبتدأ الأول طلب العلم على شيوخه وقام برحلات متعددة للأخذ من كل علم على شيوخه الموثوقين في نجد والحرمين الشريفين والعراق والأحساء وغيرهما. وحين بدأ دعوته ألف في موضوع دعوته كراسا صغيرا في موضوع هذه الدعوة وأصولها للعامة مما لا يسع الناس جهله وهو المعروف" بثلاثة الأصول"و" القواعد الأربعة"وكتب كتابا تخصيصا أيضا في صميم الدعوة

стр. 76

للخاصة من طلاب العلم في مدرسته هو كتاب التو حيد الذي هو "حق الله على العبد. ٢-أن الداعية لا بدأن يعمل بعلمه ويمثل دعوته في سيرته وحياته مم رسالته, فلا يأتي من الأعمال أو التصرفات الظاهرة أو الباطنة ما يخالف ما علمه واستيقن صوابه. وترى هذه المدرسة الإصلاحية أن العمل هو الثمرة الصحيحة للعلم، وأن العلم الذي لا يقود إلى العمل ولا يوظف في الحياة هو علم غير نافع، وفي صاحبه شبه من إبليس لعنه الله، وفيه شبه أيضا من اليهود الذي سماهم الله بالمغضوب عليهم لأن لديهم علما ولم يعملوا به ووصفهم الله في حملهم للعلم وعدم الانتفاع به كمثل الحمار يحمل أسفارا ثم قال سبحانه ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ . من أجل تحقيق مبدأ البصيرة في الدعوة الممثلة في العلم والعمل بدأ الشيخ محمد ﵀ كتابه الأساسي الذي خصصه لبيان تحقيق التوحيد وتخليصه من شوائب الشرك والبدع والمعاصي بدأ هذا الكتاب بأبواب "التوحيد" وبيان فضله وبيان تكفيره لذنوب , وأن تحقيق التوحيد من أسباب دخول الجنة بغير حساب وبيان الخوف من الشرك بأنواعه وعظيم خطره وإحباطه للعمل ودقة بعض أنواعه وخطره وخفاء كثير من صوره وأنها أخفى من دبيب النملة السوداء على صخرة الصماء في ليلة الظلماء ومقصوده ﵀ تعليم تفاصيل هذا النوع من التوحيد وما يضاده وهو ما كان يقصده في رسائله وكتاباته بالنفي والإثبات في معنى لا إله إلا الله حتى يكون الإنسان على بصيرة في علمه وأن يكون عمله تطبيقا وواقعا لعمله ثم أردف ذلك بالحديث عن الدعوة إلى الله في باب أسماه باب "الدعاء إلى الشهادة أن لا إله إلا الله". قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀: "نبه بهذه الترجمة على أن لا ينبغي لمن عرف ذلك أن يقتصر على نفسه فإ الرجل إذا علم وجب عليه العمل فإذا علم وعمل وجبت عليه الدعوة إلى الله حتى يكون من ورثة الأنبياء وعلى

стр. 77

طريقهم وطريق أتباعهم١. ٣-أن الدعوة هي وظيفة من أهم وظائف الإنسان في الحياة وهي وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم من المصلحين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ٣الآية. وإن من لوازمها العلم والعمل بمقتضاه وإعطاء القدوة الحسنة والسيرة الحميدة وأخذ الناس بالرفق واللين وقد ذكر الشيخ ﵀ في مجال الحث على الدعوة إلى الله وبيان فضلها إلى جانب الآيات الدالة على أنها منهاج الرسل ووظيفة الأخيار في كل أمة بل كل جيل حديث رسول الله ﷺ في فتح خيبر وقوله ﷺ لعلي بن أبن طالب "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " وذلك للترغيب في القيام بواجب الدعوة وبيان فضلها عند الله وعظيم أجرها فإذا كانت هداية رجل واحد هذا فضلها فكيف بمن يهدي الله على يده الخلق الكثير كما حصل على أيدي المصلحين في مختلف العصور والباب مفتوح للدعاة إلى الله في كل عصر وجيل ما دام إبليس وجنده لا يفترون في إغواء الناس وصدهم عن سبيل الله ويجلبون عليهم بخيلهم ورجلهم. ٤- التدرج في الدعوة إلى الله من الأهم إلى المهم وأصول الذين أهم من فرعرعه والفروع بعضها أهم من بعض, وما تعم به البلوى أهم مما يندر وقوعه الظاهر أهم من الخفي. واستدل الشيخ ﵀ على هذا المبدأ بحديث ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وفي رواية إلى أن يوحدوا الله, فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة, فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن

стр. 78

الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنياهم فترد على فقرائهم فإن أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب. فاستدل بهذا الحديث الشريف على التدرج في الدعوة والبدء بالأهم ثم المهم فإن رسول الله ﷺ أمر معاذا أن يبدأ بالدعوة إلى توحيد العبادة الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، ومستلزم لأنواع التوحيد الأخرى، وبعد قبول التوحيد والدخول به في الإسلام يدعوا إلى الشرائع الإسلام ويبدأ هذه الشرائع بأهمها وهي الصلاة وهكذا. ٥- إن الدعوة على ثلاثة مراتب حسب حال المدعوين فإن المدعو إما أن يكون طالبا للحق محبا له مؤثرا له على غيره إذا عرفه فهذا تستعمل معه الدعوة بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظة ولا إلى الجدال. وإما أن يكون: مشتغلا بضد الحق ولكن لو عرفه آثره واتبعه فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب. وإما أن يكون: معاندا معارضا فيجادل بالتي هي أحسن فإن رجع وإلا انتقل معه إلى المواجهة. ١- شروط الدعوة: ترى مدرسة الإصلاح والتجديد عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن للدعوة شروطا ينبغي أن تتوافر في الداعي إلى الله وهي: أ- أن تكون الدعوة خالصة لوجه الله مبتغي بها مرضاته وحده دون أي غرض آخر. فإذا لم تكن خالصة لوجه الله كان صاحبها مشتركا به في الدعوة. ولهذا قال الشيخ ﵀: إن كثيرا من الناس لو دعي إلى الله فهو يدعو إلى نفسه لبيان خطر فقد عنصر الإخلاص في الدعوة ووجوب الحذر من ذلك حتى لا يحبط العمل بمثل الدعوة لطلب الوجاهة أو ليقال عالم أو لطلب رئاسة أو غيرها. ب- أن تتحقق في الدعوة المتابعة الصادقة لرسول الله ﷺ فيما جاء به وما ثبت عنه

стр. 79

من أقواله وأفعاله وإقراره وأن الأعمال الظاهرة توزن بميزان الشرع وتحقيق المتابعة لرسول الله صلى عليه وسلم وإلا كان العمل باطلا ويعد صاحبه من أهل الابتداع في الدين وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ولقوله ﷺ "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" أي مردود على صاحبه. ج- أن يكون الداعي إلى الله عالما بما يدعو إليه عارفا بما ينهي عنه مدركا لنتائج عمله متوخيا لمقاصد الشرع في أمره ونهيه ودعوته لقوله تعالى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فإن لم يكن عالما بما يدعو إليه عد جاهلا والبصيرة في الدين من فرائض الإسلام ومن أخص الصفات المطلوبة في الداعي إلى الله. ٧- وظيفة الداعي إلى الله وحدود مهمته: ويرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ومدرسته الإصلاحية أن وظيفة الداعي إلى الله هي البلاغ وإقامة الحج ونشر الدعوة بالقول والفعل والعمل بصدق وإخلاص وإزالة العوائق عن طريق الدعوة حتى تبلغ العامة والكافة وتأمين الدعاة إلى الله وأما قبول الدعوة أو رفضها فهو أمر ليس إليه بل هو من خصائص الألوهية. ويقسمون الهداية إلى قسمين: ١-هداية إرشاد ودلالة وبيان وهي مهمة الداعي إلي الله والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى لنبيه ﷺ ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ وتتمثل في عرض الحق بدليله ودعوة الناس إليه وإقامة الحجة والبرهان على صدقه ووجوب الأخذ به وبيان مغبة رفضه في الدنيا والآخرة. ومن قصر في القيام بهذا الواجب تعرض لعقاب الله ومقته. ٢- هداية توفيق وإلهام وقبول: وهذه لا يملك الداعي إلى الله من أمرها شيئا ولا يضره من لم يوافق عليها من المدعوين لأن هذا من خصائص الألوهية التي لا يملكها إلى الله وحده، فهو الذي يهدي من يشاء بحكمته ويضل من يشاء بعدله، والدليل على هذا النوع من أنواع الهداية وأنها خاصة بالله وحده قوله

стр. 80

تعالى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ . وقد عقد الشيخ محمد في كتابه الموسوم: بكتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد بابا خاصا بهذين القسمين لبيان الفرق بين الهدايتين أسماه: باب قول الله تعالى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وسبب نز ول هذه الآية الكريمة أنه ﷺ حينما حاول مع عمه أبي طالب عند موته أن يقول لا إله إلا الله فقال ﷺ يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله وكان عنده عبد الله بن أمية وأبو جهل فقالا له أترغب عن ملة عبد المطلب فأعاد ﷺ قوله لعمه فأعادا حتى قال أبو طالب هو على ملة عبد المطلب. فشق ذلك على النبي ﷺ لقربه منه ودفاعه عنه وعن دعوته وهو على دين قومه فأنزل الله هذه الآية الكريمة التي بين الله فيها لنبيه ﷺ أن هداية التوفيق إلى الإسلام والإيمان ليست من وظيفته، وأن وظيفته تنحصر في هداية الإرشاد والبلاغ والدلالة فقط. ٨- الأصل في الحكم على الناس: والدعوة الإصلاحية في نجد ترى أن الحكم على الناس بالكفر أو الإسلام وبالفسوق والعدالة أو غيرها إنما يكون على الظاهر من أعمالهم أما سرائر الناس وضمائرهم فإنها موكولة إلى الله وحده لا يعرفها سواه وأن الأحكام لا تطلق إلا بعد الدعوة والبلاغ والبيان ومعرفة الحكم الشرعي في كل عمل من الأعمال التي يحكم عليها. ٩- المخاطب بالدعوة: اهتمت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب منذ فجر تاريخها بمخاطبة علماء عصره الأدنى فالأدنى كما اهتمت بمخاطبة الأفراد ووجهاء الناس وقياداتهم ولم تهمل العامة. ولهذا فإن الرسائل التي كتبها الشيخ محمد بن عبد الوهاب خاطب بها العلماء والمطاوعة بشكل رئيسي كما خاطب بها الأمراء والعامة بشكل أقل.

стр. 81

وهو يرى أن فئتين من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس هما العلماء، والأمراء ولهذا ركز عليهم في توجيه الخطاب والرسائل والبعوث. ١٠- غاية الدعوة: غاية هذه الحركة الإصلاحية في العصر الحديث نشر العلم ومحاربة الجهل، وتصحيح العقيدة وإحياء الشرعة، وتحقيق المتابعة لرسول الله ﷺ ، ومحاربة الشرك والابتداع في الدين، وإقامة دولة إسلامية عادلة تقوم بوظيفتها في الحياة في نشر الأمن وإقامة العدل وحفظ الضروريات الخمس التي عرف من الشرع القصد إليها، ورفع راية الجهاد في سبيل الله وأحياء مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحراسة الدين والحكم بما أنزل الله، والنهوض بهذه الأمة من كبوتها والعودة بها إلى ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه في مجتمع المدينة في مختلف جوانب الحياة على هدى من كتاب الله وسنة رسوله الكريم ﷺ وسيرة السلف الصالح رضى الله عنهم أجمعين.

стр. 82

ثالثا: أسلوبه في الدعوة: إن شخصا مثل الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ على سعة علمه وكثرة إطلاعه وأخذه العلم على شيوخ كبار وترحاله بين مراكز العلم في الحرمين الشريفين والعراق والاحساء ونجد وغيرها وإعداد نفسه لأمر عظيم مع شدة المعارضين له من العامة والعلماء والقادة محتاج أن يكون على مستوى رفيع في الكتابة وحسن الصياغة وفي اللين واللطافة ومراعاة مقتضى الحال وتوخي نجاح الدعوة في كتابته أسلوبا ولفظا ومعنى. وقد كان له من حصافة رأيه وبعد نظره معين على معرفة الوسط العلمي القائم في نجد إبان قيام الدعوة وهو وسط تغلبت عليه البساطة والقرب إلى الفطرة وكثرة الجهل وقلة العلم وانخفاض المستوى العلمي بوجه عام وإن كان الجميع يعظمون الدليل من الكتاب والسنة وأقوال السلف ﵏، ولهذا كله فإن كتابة الشيخ ﵀ المتمثلة في كتبه ورسائله ومؤلفاته تمتاز بما يلي: ١- من حيث الصياغة واللفظ والمحتوى بسيطة في كثير منها، معتمدة على

стр. 83

الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وأقوال السلف مع تعليقات لطيفة واستنباطات دقيقة تحقق الغرض الذي ألفت من أجله، ويشترك في فهمها الخاصة والعامة على السواء وهي في جملتها تتناول شرح العقيدة السلفية وتبسيطها للناس وإقامة الدليل على كل مسألة من مسائلها وبيان الشرك وعظيم خطره وإحباطه للأعمال. كما تناول بيان فرائض الإسلام وشرائع الدين بالتعريف وتحديد الأركان والواجبات والشروط والسنن وغيرها على وجه تفصيلي ومختصر مع ذكر الدليل أو التعليل من الكتاب أو السنة وأقوال السلف وإيضاح ما ينبغي للمسلم أن يعلمه ويقوله أو ما يكف عنه ولا يفعله. وهو حين يكتب لعلماء نجد وأمرائهم ومطاوعتهم يكتب بلغة بسيطة وربما استعمل الألفاظ الدارجة والعبارات العامية المؤثرة التي يشترك في فهمها العامة والعلماء على السواء. أما حين يكتب إلى علماء الحرمين الشريفين أو علماء العراق والشام واليمن فإنه يكتب بمستوى رفيع وعبارات جزلة وألفاظ عربية وأسلوب مؤثر، يدل على قدرته الفائقة في الكتابة وتمكنه من اللغة العربية وأنه يراعي في كتاباته في الداخل والخارج مقتضى الحال. ورسالته إلى السويدي في العراق والعديلي في اليمن أمثلة قائمة على ذلك. ٢- أما من حيث الشدة واللين فإن المتتبع لرسائل الإمام الشخصية يدرك بجلاء أن الأمام في أول دعوته ولمن يظن به الخير أو يضمر له المحبة أو يطمع في قبوله لدعوته يكتب له بأسلوب رقيق وعبارات لينة، وبموضوعية فيما يعرضه من حق وما يطلب منه قبوله وعمله ورسالته إلى مطوع أهل رغبة أحمد بن أحمد تكشف عن التبسط في الكتابة واستعمال العامية واللين في القول والموضوعية في العرض كما يتضح ذلك من نصها التالي:

стр. 84

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب إلى أحمد بن يحيى سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ما ذكرت من طرف مراسلة سليمان فلا ينبغي أنها تزعلك: الأولى: أنه لو خالف فمثلك يحلم ولا يأتي بغايته هذا ولا أكثر منه ٠٠٠ ثانيا: أنك إذا عرفت أن كلامه ما له فيه قصد إلا الجهدة في الدين ولو صار مخطئا فالأعمال بالنيات والذي هذا مقصده يغتفر له ولو جهل عليك، ونحن ملزمون عليك لزمة جيدة، وربك ونبيك ودينك لزمتهم لزمة تتلاشى فيها كل لزمة هذه الفتنة الواقعة ليست في مسائل الفروع التي ما زال أهل العلم يختلفون فيها من غير نكير، ولكن هذه في شهادة أن لا إله إلا الله والكفر بالطاغوت، ولا يخفاك أن الذي عادانا في هذا الأمر هم الخاصة الذين ليسوا بالعامة، هذا ابن إسماعيل والموايس وابن عبيد جاءتنا خطوطهم في إنكار دين الإسلام الذي حكى في "الإقناع" في باب حكم المرتد لإجماع من كل المذاهب أن من لم يدن به فهو كافر. وكاتبناهم ونقلنا لهم العبارات وخاطبناهم بالتي هي أحسن ما زادهم ذلك إلا نفورا , وزعموا أن أهل العارض ارتدوا لما عرفوا شيئا من التوحيد وأنت تفهم أن هذا لا يسعك التكفي عنه فالواجب عليك نصر أخيك ظالما ومظلوما، وأن تفضل الله عليك بفهم ومعرفة فلا تعذر لا عند الله ولا خلقه من الدخول في هذا الأمر، فإن كان الصواب معنا فالواجب عليك الدعوة إلى الله وعداوة من صرح بسب دين الله ورسوله، وإن كان الصواب معهم أو معنا شيء من الحق وشيء من الباطل أو معنا غلو في بعض الأمور فالواجب منك مذاكرتنا ونصيحتنا وتورينا عبارات أهل العلم لعل الله أن يردنا بك إلى الحق، وإن كان إذا حررت المسألة إذ أنها من مسائل الاختلاف, وإن فيها خلافا عند الحنفية أو الشافعية أو المالكية فتلك مسألة أخرى. وبالجملة فالأمر عظيم ولا نعذرك من تأمل كلامنا وكلام ثم تعرضه على كلام أهل العلم ثم تبين في الدعوة إلى الحق وعداوة من حاد الله ورسوله منا أو من

стр. 85

غيرنا والسلام.١ أما حين يكتب لمن سبق أن شرح له دعوته وعرفه بالحق ثم رفضه وعاند بعد معرفة الحقيقة ويأسه من هدايته فإن رسائله تأتي غاضبة شديدة اللهجة غليظة العبارة يرميه فيها بما يعتقده فيه دينا ويجعله عبرة لغيره وينفر الناس عنه، وهذا اللون يتمثل في رسالته التي أرسلها إلي سليمان بن سحيم مطوع أهل الرياض وهي طويلة نجتزئ منها بمقدمتها إذ هي كافية في بيان المطلوب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الذي يعلم به سليمان بن سحيم أنك زعجت قرطاسة فيها عجائب، فإن كان قدر فهمك فهذا من أفسد الافهام، وأن كنت تلبس به على الجهال فما أنت برابح وقبل الجواب نذكر لك أنك أنت وأباك مصرحون بالكفر والشرك والنفاق، ولكن صائر لكم عند جماعة في معكال قصاصيب٢ وأشباههم يعتقدون أنكم علماء، ونداريكم ودنا أن الله يهديكم ويهديهم وأنت إلى الآن أنت وأبوك لا تفهمون شهادة أن لا إله إلا الله أنا أشهد بهذا شهادة يسألني الله عنها يوم القيامة أنك لا تعرفها إلى الآن ولا أبوك ونكشف لك هذا كشفا بينا لعلك تتوب إلى الله وتد خل في دين الإسلام إن هداك الله، وإلا تبين لكل من يؤمن بالله واليوم الآجر حالكما، والصلاة وراءكما وقبول شهادتكما وخطكما ووجوب عداوتكما كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٣

стр. 86

٣- أما عن فهم الدعوة وأسلوب عرضها وفقه دقائقها فإن الرسالة الشخصية التي بعث بها الإمام إلى إخوانه في سدير على أثر ما جرى بين أهل حوطة سدير تمثل نموذجا صالحا للتدليل على فقه الرجل وحكمته واختياره لكل مرحلة من مراحل العمل وكل موقف من المواقف ما يناسبه ولذا نورد نصها فيما يلي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه هذا الكتاب من الإخوان. سلام عليكم وحمة الله وبركاته. وبعد فيجري عندكم أمور تجري عندنا من سابق وننصح إخواننا إذا جرى منها شيء حتى فهموها , وسببها أن تعض أهل الدين ينكر منكرا وهو مصيب لكن يخطئ في تغليظ الأمر إلى شيء يوجب الفرقة بين الأخوان، وقد قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ وقال ﷺ :"إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم" وأهل العلم يقولون الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاث أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه ويكون رفيقا فيما يأمر به وينهى عنه صابرا على ما جاء من الأذى وأنتم محتاجون للحرص على فهم هذا والعمل به فإن الخلل إنما يدخل على صاحب الدين من قلة العمل بهذا أو قلة فهمه، وأيضا يذكر العلماء أن إنكار المنكر إذا صار يحصل بسببه افتراق لم يجز إنكاره فالله الله في العمل بما ذكرت لكم والتفقه فيه فإنكم إن لم تفعلوا صار إنكاركم مضرة على الدين، والمسلم ما يسعى إلا في صلاح دينه ودنياه، وسبب هذه المقالة التي وقعت بين أهل الحوطة لو صار أهل الدين واجبا عليهم إنكار المنكر فلما غلطوا الكلام صار فيه اختلاف بين أهل الدين فصار فيه مضرة على الدين والدنيا، وهذا الكلام وإن كان قصيرا فمعناه طويل فلازم تأملوه وتفقهوا فيه واعملوا به فإن عملتم به صار نصرا للدين واستقام الأمر إن شاء الله والجامع لهذا كله أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره أن ينصح برفق ما يشترف أحد فإن وافق وإلا استلحق عليه رجلا يقبل منه بخفية، فإن لم يفعل فيمكن الإنكار ظاهرا إلا إن كان على أمير ونصحه ولا وافق

стр. 87

واستلحق عليه ولا وافق فيرفع الأمر يمنا خفية، وهذا الكتاب كل أهل البلد ينسخون منه نسخة ويجعلونها عندهم ثم يرسلونه لحرمة والمجمعة ثم للغاط والزلفى والله أعلم١. ١- أما من حيث الأطول والقصر في الرسائل فإن الشيخ محمد ﵀ يراعي في ذلك حال المخاطب وموضوع الرسالة فإذا كانت حالة المخاطب تستدعي الشرح والاقناع وإقامة الدليل وبيان التعليل وكان الموضوع في صميم الدعوة ومجالاتها الأساسية فإن يطيل في رسالته وذلك مثل رسالته التي بعث بها إلى شيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف وكان من المترددين في قبول الدعوة وهو من أجل علماء عصره وكسبه في وصف الدعوة أمر مهم للشيخ وهو يحاول إقناعه بكل وسيلة ممكنة وتثبيته على الحق لا سيما بعد أن وصل إلى شيخ منه مكاتبات ينكر فيها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويغلظ فيها عليه وكان له معه قبل ذلك مناقشات أظهر فيها الشيخ ابن عبد اللطيف موافقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فيها وتأييده لدعوته. فهذا الموقف المتردد من عالم كبير له وزنه في الأوساط العلمية في المنطقة استدعى من الشيخ الاطالة في رسالته إليه حتى بلغ عدد صفحات الرسالة ١٨صفحة وذلك في الرسالة رقم ٣٧ من ص ٢٥٠- ٢٦٧. أما حين يكتب لأنصاره ومحبيه أو في أمور ليست من أساسيات الدعوة أو لمن لا يحتاج الإطالة فإنه كان يكتب بكل إيجاز. ورسالته رقم ١٠ص ٦٠ الموجهة إلى محبه الشيخ أحمد التويجري جوابا على رسالة بعث بها أحمد التويجري إلى الشيخ ومعها رسالة من رجل ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد وفيها ذم للشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته واتهامات له فندها الشيخ بكل إيجاز وكتبها في نصف صفحة فقط.

стр. 88

وهذا يدل على أن الشيخ رحمه الله تعالى يرعى في طول الرسائل وقصرها حال المخاطب وموضوع الرسالة والوفاء بالغرض المطلوب ولهذا جاءت رسائله ﵀ متفاوتة في الطول والقصر في الإيجاز والإطالة محققة لغرض المطلوب. وهو في رسائله وفي كتاباته أعطى كل مقام ما يناسبه وما يكون انتهاجه أنجح للدعوة وأبلغ في البيان وهو بذلك أشبه بالطبيب الماهر الذي يجعل لكل داء دواء يناسبه ويستجيب له محققا بذلك نجاحا عظيما في بيان الحق ودحض الباطل وإقامة الحجة على المعارضين ﵀ رحمة واسعة. هذه البنود التي ذكرتها في حقيقة عقيدة محمد بن عبد الوهاب التي لخصتها من رسائله الشخصية ومن كتاباته في التوحيد مثل ثلاثة الأصول وكتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد والقواعد الأربعة وغيرها من كتابات الشيخ ﵀ في عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أئمة المذاهب الأربعة المتبوعة اليوم وأئمة المذاهب الإسلامية التي لم يعد لها أتباع وإنما حفظت كتب التفسير وشروح الأحاديث النبوية وكتب الخلاف آرائهم والذين جاءوا من بعدهم من أئمة الهدى مثل ابن تيمية وابن قيم وابن رجب والطحاوي وابن قدامة وغيرهم وهي تشبه ما كتبه من قبله شيخ الإسلام أبو محمد موفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي: لمعة الاعتقاد ومتن الطحاوية وملخص شديد التلخيص لمؤلفات ابن تيمية في العقيدة مثل الحموية والتدمرية وكتاب الإيمان وغيرها. والحق أنه لا يطلب من مصلح أتى أو يأتي إلى يوم القيامة أن يأتي بجديد في هذه الأصول إنما الجديد هو أخذ هذه الأصول استنادا إلى أدلتها الشرعية عن فهم دقيق لأدلتها ووعي كامل بمنهج السلف الصالح فيها وإقتناع تام وقدرة على التفريع عليها والتمييز الكامل بين منهج السلف في ذلك كله وبين مناهج الخلف من أهل الكلام الذين ضلوا في هذه المسائل بين الإفراط والتفريط والتقصير والغلو. ومن تتبع كتب الشيخ محمد ﵀ ورسائله وكتابات تلاميذه عرف أن هذه المدرسة كانت على جانب كبير من الفهم الدقيق لحقيقة هذه العقيدة، ومعرفة ما

стр. 89

يناقضها أو يناقض كمالها، وقدرتهم الفائقة على تقدير كل أصل والتفريع على كل مسألة، وأنهم قد ساهموا بجهد كبير في المحافظة على عقيدة السلف الصالح لهذه الأمة والذب عنها بما ترجوا أن يكون في ميزان حسناتهم حتى جاز أن يقال إنها مدرسة تحقيق وتنقية في مسائل أصول الدين كما يسمى أمثالهم في مسائل الفروع مجتهدين. وهذه الأصول التي ذكرناها آنفا يحتاج شرحها وتفصيلها وبيان اختلاف الناس حولها وضلال الفرق فيها ودليل كل فيما ذهب إليه مناقشة ذلك وإيضاح مذهب السلف بدليله وتعليله إلى مجلدات تغني بها كتب العقائد والتوحيد. وهو ليس من مهمتنا في هذا البحث إذ مهمتنا هنا بيان حقيقة عقيدته كما حددها هو في كتاباته وبقلمه بنفسه. ورسالته ﵀ لأهالي القصيم في بيان حقيقة عقيدته ملحق أساسي لهذه الدراسة ليطلع القارئ على نص الشيخ في ذلك.

стр. 90

الفصل الرابع:منهاجه التربوي في دعوته أولا- الهدف: تهدف دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب إلى محاربة الشرك في مختلف صوره ومظاهره الظاهرة منه والخفية وتحقيق التوحيد وبيان فضله ودعوة الناس إلى محاربة البدع والخرافات وتنفير الناس منها وتطهير الاعتقاد وما شابه من أوضاع الجاهلية وتجلية المفاهيم الإسلامية مما أحاط بها من غموض أو نقص أو ميل أو تحريف وإقامة فرائض الإسلام وشرائع الدين والاحتكام إليها في مختلف شئون الحياة وبيان الجائز والممنوع في العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والدماء وبيان الحلال والحرام وإقامة الناس على جادة الحق ومنهج الصواب في مختلف مناحي الاجتماع وشئون الحياة ورفع راية الجهاد في سبيل الله لتأمين الدعوة والدفاع عن النفس وقمع المعارضين وتعظيم الكتاب والسنة والرجوع بالمجتمع في نجد إلى الحياة الإسلامية في العقيدة والعبادة والمعاملات والسياسة ونظام الحكم والقضاء والإفتاء وغيرها وإلى ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه في مجتمع المدينة المنورة وإقامة مجتمع مسلم تحت قيادة واحدة تسعى لهدف واحد وفق خطة موحدة وفكر منتظم يحقق التلاحم بين أفراد المجتمع في القاعدة والقمة على السواء والأخذ بكل الوسائل الممكنة لتحقيق ذلك في واقع الحياة. ولهذا فإن هدف التربية في منهج هذه الدعوة الإصلاحية يمكن تحديده في العناصر التالية:

стр. 91

١- بناء القرد المسلم في مختلف جوانب شخصيته. ٢- تكوين المجتمع المسلم. ٣- إحياء روح الجهاد في سبيل الله. ٤- إقامة قيادة سياسية موحدة تؤمن بالإصلاح وتعمل على تحقيقه والحكم بما أنزل الله. ١- العناية بتأكيد الرابطة بين شئون الدين وأمور الدنيا معا. ٢- تنمية مبدأ الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين. ٣- إحياء مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٤- العمل على تحقيق التوحيد وبيان فضله ودعوة الناس إلى تطهير الاعتقاد. ٥- محاربة البدع والانحرافات في الدين. ٦- تجلية المفاهيم الإسلامية مما أحاط بها من غموض أو نقص أو تحريف. ٧- التأكيد على المحافظة على فرائض الدين وتعلم المسلم مالا تتم هذه الفرائض إلا به. ٨- تعظيم الكتاب العزيز والسنة النبوية الشريفة والاعتماد عليها في أخذ الأحكام الشرعية. ٩- نشر العلوم الإسلامية والعربية وتوسيع آثارها في الحياة. ١٠- نشر الدعوة للإسلام في صورته النقية البسيطة.

стр. 92

المبدأ الأول- العلم: وقد حدد المراد بالعلم في ثلاثة مجالات للخروج من عموم العلم وهي: ١- معرفة الله تعالى. ٢- معرفة نبيه ﷺ . ٣- معرفة دين الإسلام بالأدلة الشرعية. وقد استدل على صحة هذا المنهج وصواب الخطة بسورة من كتاب الله وهي سورة العصر قال الله تعال: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . ثم إنه بهذا المنهج التربوي النظري العملي التطبيقي المتساند قد حدد طريقة البدء فيه وهو أن يكون العلم النظري سابقا للعمل التطبيقي ليكون العلم هاديا إلى حسن العمل ومسددا للخطى في طريقه ولهذا نقل ﵀ عنوان باب عند الإمام البخاري في صحيحه مؤيدا له ومختارا له في طريقة العمل والبدء بالعلم قبل القول والعمل فقال ﵀:"قال البخاري ﵀ باب العلم فبل القول والعمل واستدل على هذا الترتيب بقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ قال ﵀ فبدأ بالعلم قبل القول والعمل وبهذا حدد منهجه بالبدء بالعلم والتزود به في مجالاته الثلاثة الآنفة الذكر. وبعد أن قرر البدء بالعلم قبل أي قول أو عمل حدد مجالات هذا العلم في ثلاث مسائل وثلاثة أصول هي: ١- المسائل الثلاث الواجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها هي: أ - أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملا بل أرسل إلينا رسولا من أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار. ب - أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته لا ملك مقرب ولا نبي مرسل.

стр. 93

ج- أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب. واستدل على صحة كل مسألة بآية من القرآن الكريم. أما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها فهي: الأصل الأول – معرفة العبد ربه. الأصل الثاني – معرفة العبد دين الإسلام. الأصل الثالث- معرفة العبد نبيه محمد ﷺ . ثم عرف الأصل الأول وهو معرفة العبد ربه بقوله فإذا قيل لك من ربك فقل ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه وهو معبودي ليس لي معبود سواه. وقال إن كل من سوى الله عالم. ولفت الأنظار إلى ما يعرف به الرب وأنه يعرف بآياته ومخلوقاته فقال ﵀ فإذا قيل لك بم عرفت ربك فقل بآياته ومخلوقاته، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهما. ثم ذكر الأدلة على كل هذه الآيات والمخلوقات من الكتاب العزيز. ثم عرف العبادة وبين المستحق لها وأنواعها، وأنها تشمل الإسلام والإيمان والإحسان جميعا , وأن منها الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعادة والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادات التي أمر الله بها , وأنها كلها يجب أن تكون لله وحده دون سواه وذكر الدليل من النصوص الشرعية على نوع منها. كما شرح " الأصل الثاني وهو معرفة دين الإسلام – فعرف الإسلام بأنه الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله.

стр. 94

ثم ذكر مراتب الدين وهي: ١- الإسلام بأركانه الخمسة. ٢- الإيمان بأركانه الستة. ٣- الإحسان وأن له ركنا واحدا فقط. وعرف كلا منها. واستدل على كل ركن من هذه الأركان في مراتب الدين بأدلة من نصوص الشرع. أما "الأصل الثالث" وهو معرفة نبينا محمد ﷺ فقد ذكر نسبه الشريف وسنوات عمره وما كان منها قبل النبوة أو بعد الرسالة وبيان قصة نزول الوحي إليه وفرض الصلاة ثم هجرته. وعرف الهجرة بأنها الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام وأنها فريضة على هذه الأمة باقية إلى قيام الساعة، واستدل على ذلك كله من الكتاب والسنة، وأنه لما استقر في المدينة أمره الله ببقية شرائع الإسلام مثل الزكاة والصوم والحج والجهاد والآذان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من شرائع الإسلام , وأن الله أرسله إلى الناس كافة وجميع الثقلين الجن والإنس , وأن الله أكمل به الدين وأتم به النعمة، ثم ذكر التحاقه بالرفيع الأعلى وموته والدليل على ذلك كله، وأكد أن من العلم الواجب أن الناس سيبعثون ويحاسبون ويجزون على أعمالهم، وأقام الدليل على ذلك من القرآن الكريم. ومما افترضه الله على العبادة كافة الإيمان بالله وكفر بالطاغوت ثم عرف الطاغوت وبين رؤوس الطواغيت دون محاولة عدهم وحصرهم. هذا هو المبدأ الأول الذي حدده ﵀ في منهج دعوته الإصلاحية النظرية، وتتفرع عنه كل المعارف المتعلقة بالله وبدين الإسلام ونبيه وتصوير البينة، وهذا يشمل علم الشريعة كلها أصولا وفروعا قدر المستطاع. وقد أخذ ﵀ نفسه بهذا المبدأ فطلب العلم على والده وشيوخ بلده ثم

стр. 95

رحل في طلب العلم على علماء المسلمين في الحرمين الشريفين وفي العراق والاحساء وغيرها من بلاد الله. فأخذ وناقش وعرف أحوال المسلمين في مختلف ديارهم ثم عاد حاملا من زاد العلم ما كان له أثر في فهم ما يدعوا إليه ورد ما يثار حولها من أباطيل وشبه. المبدأ الثاني – العمل: أما تطبيقه للمبتدأ الثاني في منهج دعوته وهو العمل بما علم فقد كان ﵀ اتقى الناس في حياته وأكثرهم إيمانا بربه وأخلصهم لدينهم وأحبهم لنبيه محمد ﷺ . يقول ابن بشر ﵀: "كان الشيخ – يعني محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى – كثير الذكر لله قل ما يفتر لسانه من قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وكان إذا جلس الناس ينتظرونه يعلمون إقباله إليهم قبل أن يروه من كثرة لهجته بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير. وكان عطاؤه عطاء من وثق بالله لا يخشى الفقر بحيث إنه يهب الزكاة والغنيمة في موضع واحد لا يقوم ومعه منها شيء ويتحمل الدين الكثير لأضيافه وسائر الوافدين إليه وعليه الهيبة والعظمة التي ما سمعنا بها اتفقت لغيره من العلماء والرؤساء وغيرهم وهذا شيء وضعه الله في القلوب وإلا فما علمنا أحدا ألين ولا أخفض جنابا منه لطالب علم أو سائل أو ذي حاجة أو مقتبس فائدة، وكان له مجالس عديدة في التدريس كل يوم وكل وقت في التوحيد والتفسير والفقه وغيرها " ١ ثم قال: "وبالجملة فمحاسنه وفضائله أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر ولو بسط القول فيها لا تسع الأسفار ولكن هذه قطرة من بحر فضائله على وجه الاختصار وكفى بفضله شرفا ما حصل بسببه من إزالة البدع واجتماع المسلمين وتقويم الجماعات والجمع وتجديد الدين بعد دروسه وقطع أصول الشرك بعد غروسه"٢

стр. 96

وبهذا وغيره من الأعمال الجليلة وظف الإمام محمد بن عبد الوهاب علمه في خدمة دعوته وإصلاح مجتمعه وحول العلم النظري إلى سلوك عملي واقعي يأخذ به ويعطي ويتناول ويدع وفق ما تقتضيه حقيقة هذا العلم فكان عاملا به في خاصة نفسه، وفي تربية أهل بيته وأولاده وفي مجتمعه الذي يعيش فيه حتى أعطى من نفسه قدوة صالحة ومثالا حسنا في صفاء العقيدة ومظهر السلوك وممارسة اليومية وعلاقاته بالأفراد والجماعات بالأمراء والعلماء والعامة على السواء فأدى فرائض الدين وعمل بما جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في أصول العقيدة وأداء الفرائض وإقامة شرائع الإسلام ومحاربة البدع وتعليم الناس الخير وبادر بإنكار المنكر بيده فهدم قبة زيد بن الخطاب في الجبيلة ورمى من اعترفت بالزنى في العيينة وإقامته لحد من حدود الله وصبر على ما أصابه في هذا السبيل من المحنة والأذى حتى أظهره الله دينه وأعز جنده وخذل أعدائه ﵀ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته. المبدأ الثالث – الدعوة إليه: أما المبدأ الثالث من مبادئ منهج دعوته الإصلاحية في نجد وهو الدعوة إلى الله بالعلم الذي حدد مجالاته في معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة فقد طبق هذا المبدأ تطبيقا جيدا في محيط مجتمعه بوجوه تربوية متعددة منها: ١- التربية بالقدوة الطيبة. ١- التربية بالموعظة الحسنة. ٢- التربية بالتاريخ والأخبار والعبر. ٣- التربية بالقصة. ٤- التربية بتكوين العادة الخيرية. ٥- التربية بالدليل العقلي. ٦- التربية بالتدرج في التعليم.

стр. 97

* أما التربية بالقدوة الطيبة: فإنه واضح جلي في تعريف الناس بشخصية الرسول ﷺ ومعرفة تاريخه وأخباره وما حصل له من قومه من أذى وإعراض وما كان منه من صمود وإصرار على الحق. وما ضربه للناس من مثال حي في الإيمان بربه والصدق في إيمانه والطاعة لربه وإقامته لشرائع الدين وحراسة الشراع ورفع راية الجهاد وتعليم الناس الخير وصبره على ما أصابه في سبيل دعوته إلى الله. وجعل هذه الشخصية العظيمة هي القدوة الحسنة والمثال الشاخص لمن أتى أو يأتي من المسلمين إلى يوم القيامة ثم الاقتداء بالخلفاء الراشدين والأئمة المهديين في العصور المفضلة وما تلاها في كل العصور الإسلامية، وجعل الإمام محمد بن عبد الوهاب من شخصيته وتصرفاته وممارساته أقرب ما تكون إلى ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه في العقيدة والعبادة والشريعة والتصرفات عامة في الصدق والأمانة والوفاء بالعهد وملازمته المساجد ومحبه الخير لأولياء الله ومعاداته لأعدائه وبذل ما يستطيع لتوظيف عمله في خدمة مجتمعه وإعطاء المثل الأعلى لمعاصريه. فكان بهذه القدوة الحسنة والسيرة الحميدة من أكبر المربين في القرن الثاني عشر الهجري اقتداء بقوله تعالى عن شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . فكان لهذا النوع من التربوية أثره في حياة طلابه وتلاميذه وأهل بلده ومحبيه بل في المنطقة كلها. فما عرف عنه إلا الصدق والإخلاص والمداومة على الطاعة وإرادة الخير للناس ودعوتهم إلى الحق قولا وعملا واعتقادا وجهادا فنجح بهذه الوسيلة نجاحا عظيما تمثل في تبني طلابه وتلاميذه ومحبيه لهذا السلوك العلمي الواقعي في حياتهم أينما كانوا وحيثما حلوا. فكان من أبرز صفاتهم الالتزام السلوكي بما يدعون إليه ويؤمنون به حتى صارت مدرسة متميزة عن غيرها بهذه الخاصية المؤثرة وظلت سمة بارزة في رواد مدرسته في حياته وبعد موته. وكانت دعوتهم الإصلاحية هي شغلهم الشاغل وهمهم الدائم حتى أظهرها الله وأعلى قدرها وخذل أعدائها ﵏ رحمة واسعة. * أما تربيته ﵀ بالموعظة الحسنة: فإن النفوس في حاجة إلى الموعظة الحسنة بين وقت وآخر كحاجة الأرض

стр. 98

المجدبة إلى ماء المزن. وإذا كان تأثير الموعظة مؤقتا فإنها أيضا من أسرع المداخل إلى النفس البشرية. والتأثير المؤقت يعالج بالتكرار والإعادة في الأوقات المناسبة وبالقدر المناسب وفي الموضوعات الملحة القائمة. وكان الإمام ﵀ يعظ الناس ويذكرهم بالله ويبين لهم الفرق بين مراد الله من خلقه في كتابه العزيز وبين ما عليه الناس من حق وباطل. وكان بين الحين والآخر يذكر الناس بالله وأيامه ويبين لهم موجبات رضوانه ومغفرته وأسباب غضبه وسخطه ويحثهم على توحيد الله وطاعته ويبين فضل ذلك وجزاءه عند الله ويحذرهم من الشرك والمعاصي والبدع وسوء عاقبة أهلها ويذكرهم بالجنة وما أعد الله لأهلها من النعيم المقيم ويخوفهم من النار وما أعد الله لأهلها من العذاب الدائم الذي لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون. ويقرر هذه المعا ني وغيرها بوسائل مختلفة غاية في البراعة والنفوذ إلى القلوب وقد أعطاه الله من القدرة والبيان والتأثير بمواعظه وأحاديثه ما تشهد له به آثاره الباقية في خطبه المنبرية ورسائله الشخصية ومؤلفاته الوعظية، وهو بذلك يقتفي أثر القدوة الحسنة في شخصية الرسول ﷺ إذ كان يتخول أصحابه بالموعظة وكما قال العرباض بن سارية وعظنا رسول الله صلى عليه وسلم موعظة وجلت لها القلوب وذرفت منها الدموع. ومواعظ الإمام محمد بن عبد الوهاب تفيض بالإخلاص ومحض النصيحة وتلمس أدواء المجتمع النجدي ومعالجة مشكلاته، وتأثيره في الناس بها تأثير عظيم حتى وصف من بعض خصومه بأنه ساحر لشدة تأثيره على السامعين له. وقد منحه الله صدقا في الدعوة وبلاغة في البيان وبعد نظر في التناول وحسن تقديره للأمور واختيار الموضوعات، وقد حقق بهذه الوسيلة التربوية نجاحا عظيما في المجتمع النجدي ﵀ رحمة واسعة. * التربية بالأخبار والعبر التاريخية: ومن الوجوه التربوية في دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية في نجد نقل الأخبار التاريخية الصحيحة المثبتة في الكتاب العزيز والسنة النبوية الشريفة وتاريخ السيرة النبوية المطهرة وسير الأنبياء والمصلحين والأئمة المهديين وما فيها من

стр. 99

العظات والعبر والنهايات السارة للمتقين والعاقبة السيئة للمكذبين والضالين وجعل الأمثل شاخصة في ذلك كله أمام السامعين ليختاروا لأنفسهم وضع أنفسهم مع هذا الفريق أو ذاك. ولذلك فقد أورد ﵀ في صدر كتابه"ثلاثة الأصول" قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ والمخاطب بهذه الآية أهل مكة والرسول الأول هو نبينا محمد ﷺ . والرسول الثاني هو موسى ﵇ أرسل إلى فرعون فكذبه فكانت النتيجة بعد صراع مرير أن أخذه الله أخذا وبيلا. وهذا فيه إشعار لكفار قريش بأنهم إن فعلوا مع نبيهم محمد ﷺ ما فعل فرعون مع موسى أخذهم الله كما أخذ فرعون وكانت نهايتهم نهاية مؤلمة، وعليهم أن يختاروا لأنفسهم، وهكذا صار ﵀ عليه يورد في دروسه ومواعظه ومؤلفاته قصص الأنبياء مع أممهم من آمن منهم أو كذب ونهاية كل من آمن أو كفر لما فيها من العبر والعظات للسامع وإدخال العبر من أو سع أبوابها. ثم إنه ﵀ كتب مؤلفا قيما في السيرة النبوية يعد من أنفس الكتب في بابه ضمنه من اللفتات والعظات والعبر ما ينسجم مع دعوته الإصلاحية ويحقق تربية إسلامية رفيعة لطلابه وقراء كتبه إلى جانب نقله لسير الأئمة الأعلام في التاريخ الإسلامي والمحن التي تعرضوا لها والنهايات السعيدة التي انتهوا إليها مثل محنة الإمام أحمد بن حنبل والإمام ابن تيمية وغيرهم من أعلام الإسلام فحقق بهذه الطريقة قدرا كبيرا من النجاح لدعوته الإصلاحية في نجد. * التربية بالقصة: ومن أنماط التربية في المنهج التربوي في دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب الإسلامية في نجد التربية بذكر القصص في القرآن والسنة وأخذ العبرة النافعة لدعوته والتأثير بها على الناس في اختيار طريق الحق الذي سلكه للإصلاح ومن قرأ كتب ومؤلفات الإمام يعرف اهتمامه بإيراد القصة الحقيقية الثابتة في القرآن والسنة النبوية. من ذلك قصة نوح مع قومه وقصة إبراهيم مع قومه وقصة موسى وغيرهم من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. وأورد قصصا ثابتة في السنة النبوية المطهرة مثل قصة الثلاثة من بني إسرائيل الأبرص والأقرع والأعمى، وهي قصة طويلة ثابتة في

стр. 100

الصحيحين، أردها بكاملها في الباب الثامن والأربعين من كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، ثم ذكر المسائل المتعلقة بهذا الباب فقال المسألة الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة١ وفي الباب التاسع من كتاب التوحيد والذي عقده عما جاء في الذبح لغير الله أورد قصة الرجلين اللذين دخل أحدهما الجنة في ذباب ودخل الآخر النار في ذباب.٢ وفي الباب ٣٨ للكتاب نفسه ذكر قصة عمر رضى الله عنه مع المنافق في التحاكم٣. وهو بإيراد القصص الثابتة في نصوص الشرع يأخذ بوسيلة ناجحة في شرح مراده ولفت أنظار السامعين والقارئين إلى ما تضمنه من العبر والعظات وهي وسيلة ناجحة للتأثير والتأثر ولها عائد كبير في نفوس الناس وعليها تتم تربية الرواد في مدرسة الإصلاح في نجد ﵏. * التربية بتكوين العادة الحسنة: من العادات ما يكون حسنا ومنها ما هو سيئ. فالكذب وإخلاف الوعد والغدر والخيانة ومظاهر البدع والخرافات والاستماع إلى لهو الحديث والاجتماع بالدجالين والسحرة وحضور الاجتماعات التي تظهر فيها المنكرات مع أنها مخالفة لهدي الرسول ﷺ ، تمثل عادات سيئة وأفعالا جاهلية. وتكوين العادة الحسنه من مهامها الأساسية محاولة إزالة هذه العادات السيئة ثم إحلال عادات حسنة محلها يتمثل فيها أدب الإسلام وأخلاقه وحسن الأدب في المعاملة. وتكوين العادة الحسنة هو مجال عملي تطبيقي يؤخذ بالممارسة والتدرج والالتزام

стр. 101

المستمر حتى يصير مع مرور الزمن سهلا ميسورا أداؤه على الأفراد دون كلفة أو مشقة. فيكون فيه إتباع السنة وترك البدعة وسهولة الأداء والطواعية. وقد عمل إمام الدعوة ﵀ على تشخيص أمراض مجتمعه في نجد وأخذ بكل الوسائل الممكنة لرفض كل عادة ضارة وإحلال محلها عادة حسنة وسلوكا إسلاميا صرفا. فأبطل مظاهر الشرك وأحل محلها التوحيد الخالص. وحارب البدع وأقام مقامها السنن. وحث الناس على التزام فرائض الدين وأدائها كما أراد الله من خلقه والاستمرار في ذلك حتى خرج بهم في ذلك من كلفه الواجب والشعور بالمعاناة في أدائها إلى الاعتياد الطواعي الكامل الذي يتلاشى فيه الشعور بالمشقة والحرج والمعاناة. وبهذه الوسيلة التربوية سهل على الأفراد والجماعات في نجد أداء الواجبات وترك المحرمات، وأصبح الناس يؤدون هذه الطاعات في يسر وسهولة صارت مع التكرار ألفا وعادة لا مشقة فيها ولا عنت، وبذلك طبع هذا المجتمع بالطابع الإسلامي الطواعي الكريم. * التربية بتحرير العقل واستثماره: قامت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في نجد وأهلها على حالة من الجهل وجمود الفكر واستحكام التقليد وإلف ما كان الناس عليه بغض النظر عن صحته أو فساده وموافقته للشرع أو مخالفته وتعظيم الموروثات. فكانت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ثورة فكرية واجتماعية ودينية حررت العقل من أسر التقليد وغل العادات وعملت على إطلاق العقل وتنشيط الفكر وتحرير الإنسان من العبودية لغير الله . وعملت على غرس روح تعظيم النصوص الشرعية من الكتاب والسنة في النفوس الناس وجعل ما تضمنته هو الحاكم على تصرفات الناس وأعمالهم وأن يزن الناس الأعمال والأقوال بميزانها، ورفعت من قدر العقل الذي هو مناط التكليف وإليه يتجه دليل السمع.

стр. 102

وقد ركز الإمام في دعوته على استثمار العقل في معرفة النصوص الشرعية ودلالاتها ومراد الله منها في خلقه بوسائل مختلفة في المشافهة والتدريس وفي الدروس والمواعظ وفي مقابلته للوفود فأحدث حركة فكرية عظيمة في نجد ذات أصول شرعية ثابتة. فأثمرت هذه الوسيلة التربوية في إعداد جيل من الدعاة والعلماء والوعاظ فنهجوا منهجه واقتفوا أثره فكان لهم أثرهم البالغ في استكمال مقومات الثورة الفكرية الدينية الأصيلة في نجد شملت الخاصة والعامة وأثمرت في التمكين للشرع والتحرير للعقل والتوحيد للفكر فأتت أكلها طيبا بأذن ربها. * التربية بتجلية بعض المفاهيم الإسلامية: بمرور الزمن والبعد عن عهد النبوية ومضي القرون المفضلة وفشو الجهل في الناس وجمود الفقهاء والعلماء وانحسار كثير من مد الإسلام، أخذت بعض المفاهيم الإسلامية على غير وجهها أو على نقص كبير من دلالتها. ولهذا فإن مفهوم الناس لمعنى الإسلام أنه من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولو لم يعمل بمقتضاهما كان مسلما وأن الإحسان هو المواساة وحسن الأدب وغير ذلك كثير. ولهذا فإن من الأوجه التربوية التي اتخذها الإمام في تربية أتباعه تجلية هذه المفاهيم وبيان دلالتها وما تضمنته على وجه التحديد وما يناقضها. فعرف الإسلام بأنه الاستسلام لله بالطاعة والخلوص من الشرك وأهله وأن المسلم لا يكون مسلما إلا إذا كانت نفسه منقادة لله ظاهرا وباطنا في عقيدته وعبادته وشريعته وآداب تعامله وفي مختلف شئون حياته. وأن الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك وهذا نوع من الصفاء والخصوصية والشفافية التي لا تأتي إلا بعد ارتفاع المسلم بنفسه عن كثير من أوضار المادة وجواذب الأرض وصغائر الذنوب. ولهذا عني ﵀ بتجلية معان كثيرة من المفاهيم الإسلامية الأساسية مثل:

стр. 103

معني العبادة وأنواعها وحكم صرف أي شيء منها لغير الله وأقسام الشفاعة ولمن تكون ومعني التوحيد وأنواعه ومعني الشرك وأقسامه وكيف تكون محبة الصالحين ومعني الولاء والبراء، كما عنى بإيضاح أقسام وأنواع هذه المفاهيم وما يدخل فيها وما يخرج عنها وما يناقضها أو يناقض كمالها وبيان أحكامها وأحكام ما كان له ظهور وشيوع في منطقة نجد مثل: ١- الغلو في الصالحين. ٢- التبرك بالشجر والحجر ونحوه. ٣- الذبح لغير الله. ٤- تعليق التمائم. ٥- لبس الحلقة لرفع البلاء أو دفعه. ٦- الرقي والتمائم ٧- البناء على القبور. ٨- السحر. ٩- النشرة. ١٠-التطير. ١١-التنجيم. ١- إرادة الإنسان بعمله الدنيا. وغيرها مما كان له وجود في منطقة نجد أو في العالم الإسلامي. وذلك بقصد تعريف الناس بخطرها وتنفيرهم منها وبيان ضررها تمهيدا لا حلال عقيدة التوحيد الخالصة محلها وقد نجح بهذه الوسيلة في قلع بذور الشر من مجتمعه وإشاعة الخير بواسطة هذه التربية الفردية والجماعية لأتباعه ﵏. المبدأ الرابع- الإخلاص للدعوة والصبر على الأذى: تعرضت الدعوة الإصلاحية في نجد لما تتعرض له كل دعوة إصلاحية قامت أو تقوم على وجه الأرض حتى دعوات الرسل ولكن الله يجعل العاقبة في هذا الصراع

стр. 104

للمتقين والخزي والعار للمعارضين. تعرض الإمام محمد بن عبد الوهاب للسب والشتم والأذى في ترحاله في طلب العلم في الحرمين الشريفين وفي البصرة والاحساء، وتعرض لما هو شد منه لما جهر بدعوته في حريملاء بل تجاوز الأمر ذلك إلي محاولة اغتياله من أوباش الناس ومواليهم في حريملاء، تسلقوا عليه بيته ليقتلوه صبرا، وتعرض للطرد والقتل من أمير العيينة عثمان بن معمر بعد أن تلقى تهديدا من قائد الاحساء بشأنه ودخل الدرعية خائفا على نفسه مجازفا بحياته ثم إنه تعرض لهجمة شرسة من علماء الرياض وبعض مدن وقرى نجد ورمي بعظائم الأمور. وقيل إنه مارق من الدين وخارج عن الجماعة ومفرق للأمة ومكفر لأهل الإسلام ومعاد للأولياء الصالحين ولا يجب النبي ﷺ وغير ذلك من الاتهامات الباطلة، وقد أصابت أهل الدرعية عند مجيئه شدة في العيش وضيق في الرزق فصبروا على ذلك ومضوا في دعوته. ثم إنه تألب عليهم أهل نجد فغزوهم وحاربوهم بالسلاح، فصبروا على ذلك وقاموا برد العدوان وقدموا خيرة رجال الدرعية من آل سعود وآل الشيخ وبقية أسر الدرعية وغيرهم من أهل التو حيد. ولم يثن ذلك لهم عزما حتى أظهر الله دينه في نجد وكبح جماح أعدائه. ثم كان في حملة الأتراك بقيادة إبراهيم باشا من البلاء والاختبار لهذه الدعوة ما لا مزيد عليه، فصبروا وصابروا وقدموا في ذلك أثمن ما يملكون نفوسهم وأموالهم وبلادهم ولم يترددوا في شيء من ذلك مع ما كان في هذه الحملة من بطش ونكاية وظلم وغدر يعجز القلم عن وصفه. وهذا الابتلاء والامتحان لم يكن أمرا غير متوقع بل إن برنامج الإمام التربوي يقضي بالاستعداد لمواجهة الأذى وتوطين النفس على الصبر عليه ومواجهة الأذى بالشجاعة والصبر والاحتساب. وفي كتاب الإمام إلى أحد علماء المدينة المنورة قال ﵀:"فإن سألت عن سبب الاختلاف الذي هو بيننا وبين الناس فما اختلفنا في شيء من شرائع الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج وغير ذلك ولا في شيء من المحرمات"..إلى أن قال

стр. 105

رحمه الله " والذي قلب الناس علينا الذي قلبهم على سيد ولد آدم ﷺ وقلبهم على الرسل من قبله كلما جاء أمة رسولها كذبوه ومثل ما قال ورقة للنبي ﷺ والله ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي فرأس الأمر عندنا وأساسه إخلاص الدين لله."١ وعن القائد السياسي للدعوة الإمام محمد بن سعود يقول المؤرخ ابن بشر ﵀: "فأواه-أي الشيخ- من جعل عز الإسلام على يديه وجاد بنفسه وما لديه ولم يخش لوم اللائمين ولا كيد الأعداء المحاربين "محمد بن سعود" وبنوه ومن ساعدهم على ذلك وذووه خلد الله ملكهم مدي الزمان وأبقاه في صالح عقبهم ما بقي الثقلان فشمر في نصرة الإسلام بالجهاد وبذل الجد والاجتهاد فقام في عداوته الأصاغر والأكابر وجروا عليه المدافع والقنابر فلم يثن عزمه ما فعل المبطلون وجاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ٢ ويقول المؤرخ ابن بشر عن حال الدرعية في أول أمر الدعوة وحال من هاجر إليها من المسلمين:"ولما هاجر من هاجر إلى الدرعية واستوطنوها كانوا في أضيق عيش وأشد حاجة وابتلوا ابتلاء شديدا فكانوا في الليل يأخذون الأجرة ويحترفون في النهار ويجلسون عند الشيخ في درس الحديث والمذاكرة وأهل الدرعية يومئذ في غاية الضعف وضيق المؤنة ولكن كما قال ﷺ لعبد الله بن عباس" واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ٣ وعن ردود الفعل لدى المدعوين في نجد قال ابن بشر ﵀: "ثم إن الشيخ كاتب أهلا البلدان بذلك ورؤساءهم وقضاتهم ومدعي العلم منهم من قبل واتبع الحق ومنهم من اتخذه سخريا واستهزأوا به ونسبوه إلى الجهل وعدم المعرفة ومنهم من نسبه إلى السحر ومنهم من رماه بأشياء وهو بريء منها حاشاه عما يقوله الكاذبون.٤

стр. 106

وقد تولى الإمام محمد بن عبد الوهاب بنفسه إيضاح مبررات قتالهم لأعدائهم في الرسالة القيمة التي بعث بها ﵀ إلى عالم العراق عبد الرحمن بن عبد الله السويدي الذي كان قد سأله عما يقول الناس فيه فكان في آخر جوابه حيثيات قتال أهل الدرعية لخصومهم فقال: "وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرفه والسلام١ ويوضح مدى صبر الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه على الأذى الذي أصابهم في سبيل الدعوة الإصلاحية في نجد ما سجله المؤرخون عن المعارك التي قامت بين أنصار الدعوة وخصومها وما قدم فيها من التضحية بخيرة الرجال ونفائس الأموال دون أن يثني ذلك من عزيمتهم أو يفت في سواعدهم بل ظلوا على ذلك صامدين حتى أظهرهم الله على خصومهم وأعز الله بهم الدين. ومع أن الحملة المدمرة التي قادها إبراهيم باشا القائد التركي والجيوش الهائلة التي جرها على هذه المنطقة وسكانها مع ما حملته معها من وسائل الدمار والغدر والظلم والقسوة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلا قد حققت نصرا سياسيا على هذه الدولة ما لبثت الدعوة الإصلاحية في نجد بعد عودة الجيوش العثمانية أن استعادت مكانتها وقامت بما أوجب الله عليها وأعادت لنفسها قوتها السياسية والروحية والجهادية، وظل أثر الخير في منطقة نجد باقيا إلى يومنا هذا والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

стр. 107

ثانيا- المنهج: أما المنهج الذي اتخذه لتحقيق هدفه فهو المنهج التربوي النظري والعملي والتطبيقي المتساند الذي حدده برنامجا لدعوته الإصلاحية في نجد والتزم به في مراحل عمله واستقامت عليه مدرسته من بعده والذي يتضمن أربعة مبادئ: ١- العلم. ٢- والعمل به. ٣- والدعوة إليه. ٤- الصبر على الأذى فيه.

стр. 108

ثالثا: الوسائل ... ثالثا- وسائل التربية في هذا المنهج: يتطلب تحقيق أهداف المناهج التربوي لهذه الحركة الإصلاحية الأخذ بالوسائل التي تمكن من تحقيق هذه الأهداف بصور جيدة في حياة الناس ونقل حالهم مما هم

стр. 109

فيه إلى الوضع المطلوب. وبتتبع تاريخ هذه الحركة في مراحل نموها في المصادر التاريخية يتضح للباحث أن أهم الوسائل التربوية التي استخدمتها لبلوغ غايتها تتلخص فيما يلي: ١- المشافهة والخطاب المباشر في صور مختلفة ومواقف متعددة مع العلماء والأمراء والمطاوعة وعامة الناس فهو يعرض دعوته في صورة بيان الحق وإنكار المنكر تارة كما حصل منه لما رأى ما يفعله عوام الناس عند قبر النبي ﷺ إذ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب لشيخه الشيخ محمد حياة السندي المدني عندما سأله: ما تقول في هؤلاء قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١ ولما انتقل من المدينة إلى البصرة في طلب العلم وأقام في جهة البصرة عند الشيخ محمد المجموعي بدأ أيضا ينكر على الناس ما يفعلونه من الشركيات والبدع. ولما عاد من رحلته العلمية إلى بلده حريملاء"أخذ يتعلم على والده وينكر ما يفعله الجهال من البدع والشرك في الأقوال والأفعال وكثر منه الإنكار لذلك ولجميع المحظورات حتى وقع بينه وبين أبيه كلام وكذلك وقع بينه وبين الناس في البلد"٢ ثم أعلن دعوته بين الناس ابتداء من عام ١١٥٣هـ وكانت وسيلته الأولى المشافهة والخطاب المباشر إذ هي الوسيلة الأولى التي يملكها كل داعية للإصلاح في كل عصر. وتأتي المشافهة تارة في صورة عرض الدعوة وأهدافها وبيان الحاجة إليها والغاية من ورائها وطلب مؤازرتها من الأمراء وهذا ما حصل من الشيخ محمد بن عبد الوهاب مع أمير العيينة عثمان بن معمر ومن بعده مع الأمير محمد بن سعود في الدرعية وقد ذكرت هذه المواقف في كل المصادر التاريخية لهذه الدعوة ونقلت بعد نصوصها في

стр. 110

أكثر من موضوع من هذه الدارسة تأتي أيضا في صورة الدعوة إلى الله وطلب التأييد من العلماء في المنطقة إذ هم يمثلون الريادة العلمية والفكرية في المجتمع وكسبهم في صف الدعوة أمر له أهميته ولا يكون إلا بعرض من صاحب الدعوة. وتأتي المشافهة كذلك في صورة تعليم ومدارسة مع طلاب العلم الذين وفدوا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب لتلقي العلم عليه مباشرة والأخذ عنه شفاها. وقد قرر عليهم أصول الدين وبين لهم معنى التوحيد ومقتضى لا إله إلا الله وحذرهم من الشرك وبين لهم صورة. وأقام الدليل الشرعي على كل مسألة من المسائل التي قررها في مبادئ دعوته وبين لهم ما أراده الله من خلقه وما يجري في حياة الناس من مخالفات وما حدث في حياة المسلمين من انحراف عما كان عليه السلف الصالح وما قام عليه الدليل الشرعي مع بيان خطأ من يخالف في الرأي في هذه المسائل من علماء عصره كما استعمل هذه الوسيلة في شرح عقيدته أهداف دعوته وحقيقة ما يدعو إليه لمن يفد إليه من البعوث وعلماء وعامة وأمراء وغيرهم. فكانت هذه الوسيلة من أهم وسائل تحقيق أهداف منهاج هذه الدعوة الإصلاحية وأولها استخداما وأبعدها أثرا. واستمر في استثمارها طيلة حياته ﵀ حتى التحق بالرفيق الأعلى ثم استعملها شيوخ مدرسة وأنصار دعوته من بعد. وبقيت وسيلة مستخدمة في خدمة هذه الحركة الإصلاحية عبر تاريخها الممتد. ٢- الرسائل الشخصية والعامة: إلى جانب الوسيلة الأولى المتمثلة في المشافهة والخطاب المباشر استخدم الأمام محمد بن عبد الوهاب في دعوته الإصلاحية وسيلة ثانية هي المكاتبات التي كتبها إلى العلماء والأمراء والمطاوعة في داخل جزيرة العرب وارجها في شكل رسائل خاصة أو عامة لشرح حقيقة عقيدته وما يدعو الناس إليه وما يختلف مع معاصريه فيه سواء كانوا من العلماء أو الأمراء أو العامة في الداخل أو الخارج على السواء. وبعض هذه السائل كتبها مبادرة منه للدعوة وطلب التأييد والنصرة ممن لم تبلغهم دعوته أو بلغته ولم يتحدد موقفه منها أو لمؤيديه خارج مقر إقامته ممن لا يتيسر له مقابلتهم من أنصاره
следующие страницы →