مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ .
أما بعد: فإن رسالة "ثلاثة الأصول وأدلتها"١ للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ رسالة موجزة جامعة في موضوع توحيد الربوبية والألوهية والولاء والبراء وغير ذلك من المسائل المتعلقة بعلم التوحيد، الذي هو من أشرف العلوم وأجلها قدراً، كتبها الشيخ ﵀ مقرونة بالدليل بأسلوب سهل ميسر لكل قارئ؛ فأقبل الناس عليها حفظاً وتدريساً؛ لأنها كتبت بقلم عالم جليل من علماء الإسلام نهج منهج السلف الصالح داعياً إلى التوحيد ونبذ البدع والخرافات وتنقية الإسلام مما علق به من أوهام. ويظهر ذلك جلياً في معظم مؤلفات الشيخ ورسائله، فجاءت هذه الرسالة خلاصة وافية لمباحث مهمة لا يستغني عنها المسلم ليبني دينه على أسس سليمة وقواعد صحيحة؛ ليجني ثمرات ذلك سعادة في الدنيا وفلاحاً في الدار الآخرة.
стр. 2
لذا رأيت أن أكتب عليها شرحاً متوسطاً في تفسير آياتها وشرح أحاديثها وتوضيح مسائلها إسهاماً في تسهيل الاستفادة منها، والتشجيع على حفظها وفهمها بعد أن قمت بشرحها للطلبة في المسجد بحمد لله تعالى، وسميته: "حصول المأمول بشرح ثلاثة الأصول".
وقد اعتمدت على نسخة الأصول التي عليها حاشية الشيخ عبد الرحمن قاسم ﵀؛ لأنها مطابقة لما في مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي قوبلت على عدة نسخ أهمها مخطوطة المكتبة السعودية بالرياض كما قال مصححوها، وهي في قسم العقيدة والآداب الإسلامية ص١٨٣ من مؤلفات الشيخ ﵀.
وختاماً أسأل الله تعالى أن يجزل الأجر والثواب لمؤلفها وكل من ساهم بتوضيح العقيدة وبيان البدع والتحذير منها، كما أسأله وهو أكرم مسئول أن يجعل عملي صالحاً ولوجهه خالصاً ولعباده نافعاً. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه
عبد الله بن صالح الفوزان
مساء الجمعة ١٩/١٢/١٤١٧هـ في بريدة
стр. 3
ترجمة موجزة لمؤلف الرسالة١
هو الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي "من المشارفة أحد فروع الوهبة" من قبيلة تميم.
ولد الشيخ -عليه رحمة الله- عام ١١١٥هـ في بلدة العيينة، وتلقى فيها علومه الأولية. فتعلم القرآن وحفظه على ظهر قلب قبل بلوغه عشر سنين، وكان حاد الفهم وقاد الذهن ذكي القلب سريع الحفظ، واجتمع له مع هذه الملكات وراثة علمية ووسط ديني صالح تربى فيه، فجده كان عالماً جليلاً، ووالده قاضي المدينة؛ فأخذ عن مشايخ بلده ثم رحل في طلب العلم إلى الحجاز واليمن والبصرة، فحاز علوماً وحفظ متوناً، قرأ كثيراً من كتب الحديث والتفسير والأصول، وعني عناية خاصة بمؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم، وتأثر بأفكارهما واستنار بآرائهما مما كان له أثر واضح على دعوة الشيخ ومنهجه.
عاد الشيخ من هذه الرحلات العلمية المباركة إلى حريملاء حيث كان والده قد انتقل إليها من العيينة لخلاف بينه وبين أميرها، فدرس على والده في حريملاء ودعا إلى توحيد الله تعالى وبين بطلان ما عليه عباد القبور.
ولما توفي والده عام ١١٥٣هـ أعلن دعوته إلا أنه ما لبث أن قرر أن "حريملاء" لا تصلح أن تكون منطلقاً للدعوة فانتقل منها فيما يقارب عام ١١٥٥هـ إلى "العيينة" فناصره أميرها عثمان بن معمر أول الأمر ثم خذله؛
стр. 4
فانتقل الشيخ إلى "الدرعية" وهيأ الله له الأمير محمد بن سعود فقويت وانتشرت دعوته فأخذ ينشر التوحيد ويجاهد في إحياء السنة وإماتة البدعة، ويدرس العلوم النافعة ويؤلف الكتب على طريقة السلف الصالح وأخذ عنه كثيرون وخلف من التلاميذ الكبار من نفع الله بهم الإسلام وأهله كما نفع به.
وقد مد الله تعالى في عمر الشيخ فعاش في "الدرعية" بعد انتقاله إليها قرابة خمسين عاماً قضاها في الدعوة إلى الله وتطبيق مبادئها بهدم القباب المقامة على القبور وقطع الأشجار التي يتبرك بها الناس وإقامة الحدود والجهاد والعمل على نشر الدعوة فقرت عينه بانتصار كلمة الحق وشمولها أجزاء الجزيرة، وقد وافته المنية يوم الاثنين آخر شهر شوال سنة ١٢٠٦هـ كان عمره نحو اثنين وتسعين سنة، ومات ولم يخلف ديناراً ولا درهماً، فلم يوزع بين ورثته مال ولم يقسم.
رحم الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين الجزاء الأوفى.
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ــ
بدأ المصنف هذه الرسالة بالبسملة اقتداء بكتاب الله تعالى، وتأسياً بالنبي ﷺ ، فإنه كان يبدأ كتبه بالبسملة. فقد ورد في "صحيح البخاري" في كتاب بدء الوحي: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ... "١
أما الأحاديث القولية في مسألة البسملة، كحديث: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر" فهي أحاديث ضعفها العلماء٢.
والبدء بالبسملة يدل عليه أمران:
الأول: كتاب الله تعالى حيث بدئ بالبسملة.
والثاني: ما كان يصنعه النبي ﷺ في كتاباته إلى الملوك.
وقوله: "بسم الله"، هذا جار ومجرور متعلق بمحذوف يقدر متأخراً، والقاعدة في متعلق الجار والمجرور أنه يقدر متقدماً، وهذا هو الأصل لكن في البسملة يقدر متأخراً؛ ليحصل التبرك بالبدء بالبسملة، وأما نوعية المقدر
стр. 6
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإنه يقدر بما يناسب المقام، فالذي يقرأ يكون التقدير: "بسم الله أقرأ"، والذي يكتب إذا قال: "بسم الله الرحمن الرحيم"، يعني: بسم الله أكتب، وعلى هذا يقاس باقي الأفعال، فإذا قال: "بسم الله أكتب"؛ حصلت البداءة ببسم الله، ولكن لو قال: "أكتب بسم الله"؛ لصارت البداءة بغير البسملة لهذا يقدر المتعلق متأخراً. والمراد باسم الله هنا: كل اسم من أسماء الله تعالى، ولفظ الجلالة "الله" اسم من أسماء الله تعالى الخاصة به ومعناه: المألوه حبّاً وتعظيماً.
وقوله: "الرحمن" هذا اسم من أسماء الله الخاصة به، ومعناه ذو الرحمة الواسعة.
وقوله: "الرحيم" هذا اسم من أسماء الله ومعناه موصل رحمته إلى من يشاء من عباده.
قال ابن القيم ﵀: "الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم , فكان الأول للوصف , والثاني للفعل , فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ ١، ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ ولم يجئ قط: رحمن ربهم. فعلم أن رحمن هو الموصوف بالرحمة، ورحيم هو الراحم برحمته"٣.
стр. 7
اعلم رحمك الله
ــ
قوله: "اعلم رحمك الله"، هذا دعاء من المصنف ﵀ لك أيها القارئ يدل على محبته لك وشفقته عليك وأنه راغب في حصول الخير لك، والشيخ ﵀ يستعمل مثل هذه العبارة كثيراً، يقول: "اعلم رحمك الله"، "اعلم أرشدك الله لطاعته"، "أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة".
وكلمة "اعلم" يؤتى بها من باب التنبيه وحث السامع على أن يصغي لما سيقال، فهي أمر بتحصيل العلم والتهيؤ لما سيلقى إليك من العلوم.
ولهذا ينبغي للمتكلم إذا تحدث أمام الناس أن يستعمل معهم بين حين وآخر العبارات التي تشد أذهانهم معه؛ لأن السامع بطبيعته يحتاج إلى ما يحرك ذهنه ويثير انتباهه، ولذا كان رسول الله ﷺ يطرح السؤال بين حين وآخر على الصحابة: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ "، "أتدرون ماذا قال ربكم؟ "، "أتدرون ما الغيبة؟ "، والقصد من هذا أن السامعين يستعدون لسماع ما سيقال لهم، وهذا يعتبر من باب اختيار المقدمات المناسبة للكلام.
وقوله: "رحمك الله" جملة خبرية لفظاً، إنشائية معنى؛ لأن المراد بها الدعاء للمتعلم بالرحمة، أي: غفر الله لك ما مضى من ذنوبك ووفقك وعصمك فيما يستقبل، هذا إذا أفردت الرحمة، وإذا قرنت بالمغفرة: فالمغفرة لما مضى، والرحمة لما يستقبل بالتوفيق للخير والسلامة من الذنوب.
стр. 8
المسائل الاربع
العلم
...
أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل: "الأولى" العلم،
ــ
قوله: "يجب علينا تعلم أربع مسائل: ألأولى: "العلم"، المراد هنا: الوجوب العيني، وهو ما يجب أداؤه على كل مكلف بعينه.
والتعلم: تحصيل العلم، والعلم: معرفة الهدى بدليله.
والمراد بالعلم هنا: العلم الشرعي، والمقصود به ما كان تعلمه فرض عين، وهو كل علم يحتاج إليه المكلف في أمر دينه، كأصول الإيمان وشرائع الإسلام، وما يجب اجتنابه من المحرمات، وما يحتاج إليه في المعاملات، ونحو ذلك مما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب عليه العلم به. ١
قال الإمام أحمد ﵀: يجب أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه، قيل له: مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله: صلاته وصيامه، ونحو ذلك٢
فالواجب على المسلم أن يتعلم ما يجب عليه من أمر دينه مما يتعلق بعقيدته وعبادته ومعاملته، وعليه أن يسأل أهل العلم، ويحذر من الإعراض عما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ ، وعليه أن يقبل النصح والتوجيه، وينقاد للحق. فهذه صفة المؤمن الحق.
أما العلم الذي تعلمه فرض كفاية كتفاريع المسائل الفقهية والاطلاع على أقوال العلماء ومعرفة الخلاف ومناقشة الأدلة فهذا ليس بواجب على كل مسلم، فإذا وجد من يقوم به من أهل العلم صار في حق الباقين سنة.
стр. 9
وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
ــ
ومما يدل على أن العلم واجب حديث أنس أن النبي ﷺ قال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" ١
وقد فسر الشيخ ﵀ العلم الذي لابد من تعلمه بأنه يتناول ثلاثة أمور، فقال: "وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة".
стр. 10
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وخص الشيخ ﵀ هذه الأمور؛ لأنها هي أصول الإسلام التي لا يقوم إلا عليها، وهي التي يسأل عنها العبد في قبره. فالإنسان إذا عرف ربه وعرف نبيه وعرف دين الإسلام بالأدلة كمل له دينه، فهذا هو العلم الشرعي الذي لابد منه.
وقوله: "معرفة الله"، أي: أن معرفة الله تعالى هي أساس الدين، ولا يكون الإنسان على حقيقة من دينه إلا بعد العلم بالله تعالى، وذلك بالنظر في الآيات الشرعية من الكتاب والسنة، والنظر في الآيات الكونية التي هي المخلوقات، وهذه المعرفة تستلزم قبول ما شرعه الله تعالى والانقياد له.
وقول: "ومعرفة نبيه"، أي: أن معرفة النبي ﷺ فرض على كل مكلف، وأحد مهمات الدين؛ لأنه ﷺ هو المبلغ عن الله تعالى. وهذه المعرفة تستلزم قبول ما جاء به من عند الله تعالى من الهدى ودين الحق١. سيأتي -إن شاء الله تعالى- تفصيل ذلك في محله.
وقوله: "ومعرفة الإسلام بالأدلة"، الإسلام له معنيان: معنى عام ومعنى خاص؛ لأنه قد وردت أدلة تدل على أن الإسلام خاص بهذه الأمة ووردت أدلة على أن الإسلام في الشرائع السابقة، فتحريراً للمسألة نذكر كلام شيخ الإسلام ﵀ في هذا الموضوع٢، وهو أن
стр. 11
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإسلام بالمعنى العام يراد به: عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا دين الأنبياء عموماً، قال الله عن التوراة وأنبياء بني إسرائيل: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ ١، فوصف الله أنبياء بني إسرائيل بالإسلام مما يدل على أن الإسلام ليس خاصاً بهذه الأمة بل هو عام، وذكر الله تعالى عن موسى ﵇ أنه قال لقومه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ٢، وعن أبناء يعقوب ﵇: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٣، فهذا هو الإسلام بالمعنى العام.
أما الإسلام بالمعنى الخاص فيراد به: الدين الذي بعث الله نبيه محمداً به وجعله خاتمة الأديان لا يقبل من أحد دين سواه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤، وقال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ ٥، فهذه الآية تفيد أن الله تعالى ارتضى لهذه الأمة الإسلام ديناً، فيفسر بالمعنى الخاص.
وقوله: "بالأدلة" جمع دليل. والدليل فعيل بمعنى: فاعل. من
стр. 12
العمل بالعلم، دليله
...
الثانية العمل به.
ــ
الدلالة، وهي الإرشاد. فالدليل هو المرشد إلى المطلوب. وهو إما سمعي: وهو ما ثبت بالوحي من كتاب أو سنة. وإما عقلي: وهو ما ثبت بالنظر والتأمل. وسيأتي شيء من ذلك في أثناء الرسالة.
وفي كلام الشيخ ﵀ إشارة إلى أن التقليد لا ينفع في باب العقائد، وأنه لابد من معرفة دين الإسلام بالأدلة من كتاب أو سنة أو إجماع.
قوله المصنف ﵀: "الثانية: العمل به"، أي: العمل بالعلم؛ لأن العلم لا يطلب إلا للعمل، وذلك بأن يتحول العلم إلى سلوك واقعي يظهر على فكر الإنسان وتصرفه، وقد وردت النصوص الشرعية في وجوب إتباع العلم بالعمل. وظهور آثار العلم على طالبه. وورد الوعيد الشديد لمن لا يعمل بعلمه. ولم يبدأ بإصلاح نفسه قبل إصلاح غيره، وهي أدلة معروفة معلومة١.
وما أحسن قول الفضيل بن عياض ﵀: "لا يزال العلم جاهلاً حتى يعمل بعلمه فإذا عمل به صار عالماً". وهذا كلام دقيق؛ لأنه إذا كان عنده علم ولكنه لا يعمل بهذا العلم فهو جاهل؛ لأنه ليس بينه وبين الجاهل فرق إذا كان عنده علم ولكنه لا يعمل به، فلا يكون العالم عالماً حقاً إلا إذا عمل بما علم، ثم إن العمل إضافة إلى أنه حجة للإنسان فهو أيضاً من أسباب ثبات العلم وبقائه، ولهذا تجد الذي يعمل بعلمه يستحضر علمه، أما الذي لا يعمل بعلمه، فسرعان ما يضيع علمه، قال بعض السلف: "كنا
стр. 13
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نستعين على حفظ الحديث بالعمل به"١. أضف إلى هذا ما قاله بعض أهل العلم: "من عمل بما علم أورثه الله علم مالم يعلم، ومن لم يعمل بما علم أوشك الله أن يسلبه ما علم"، وهذا يذكره بعضهم على أنه حديث٢، وهذا ليس بصحيح٣، إنما هي عبارة مأثورة ذكرها شيخ الإسلام ﵀، ومعنى أورثه الله علم ما لم يعلم، أي: زاده إيماناً ونور بصيرته وفتح عليه من العلوم أنواعاً وفروعاً؛ ولهذا تجد العالم العامل بازدياد، ويبارك الله في وقته وعلمه، ودليل هذا في كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ٤، قال الشوكاني: "زادهم إيماناً وعلماً وبصيرة في الدين، أي: والذي اهتدوا إلى طريق الخير فآمنوا بالله وعملوا بما أمرهم به زادهم إيماناً وعلماً وبصيرة في الدين"٥.
فعلى المسلم أن يدرك أهمية العمل بالعلم، وأن الإنسان الذي لا يعمل بعلمه سيكون علمه حجة عليه. كما ورد في حديث أبي برزة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، ومنها: وعن علمه ماذا عمل فيه" ٦، وهذا لا يخص العلماء كما قد
стр. 14
"الثالثة" الدعوة إليه.
ــ
يفهم بعض الناس بل كل من علم مسألة من المسائل قامت عليه الحجة فيها، فإذا سمع إنسان فائدة في محاضرة أو خطبة جمعة تضمنت تحذيراً من معصية هو واقع فيها، فعلم أن هذه المعصية التي وقع فيها أنها أمر محرم، فهذا علم. فتقوم عليه الحجة بما سمع. وقد ثبت في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أنه ﷺ قال: "والقرآن حجة لك أو عليك" ١.
قول المصنف ﵀: "الثالثة: الدعوة إليه"، أي: الدعوة إلى توحيد الله وطاعته ، وهذه وظيفة الرسل وأتباعهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ٢؛ لأن الإنسان إذا كملت قوته العلمية بالعلم وقوته العملية بالعمل؛ فإن عليه أن يسعى إلى بذل الخير للآخرين تأسياً برسل الله تعالى عليهم الصلاة والسلام.
والدعوة إلى الله تعالى أمرها عظيم، وثوابها جزيل، كما قال النبي ﷺ : "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" ٣.
والدعوة لا تؤتى ثمارها وتكون وسيلة إصلاح وبناء، إلا إذا كان الداعي متصفاً بما يكون سبباً لقبول دعوته وظهور أثرها. ومن ذلك:
стр. 15
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١- التقوى: ويقصد بها كل معانيها من امتثال المأمور واجتناب المحظور، والتحلي بصفات أهل الإيمان.
٢- الإخلاص: بأن يقصد بدعوته وجه الله تعالى ورضاه، والإحسان إلى خلقه ويحذر من أن يقصد إظهار التميز على غيره. وإذلال المدعو بإشعاره بالجهل والتقصير.
٣- العلم: فلا بد أن يكون الداعي عالماً بما يدعو به، ذا فهم لما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وسير السلف الصالح.
٤- الحلم وضبط النفس عن الغضب؛ لأن ميدان الداعية صدور الرجال ونفوس البشر، وهي متباينة ومختلفة كاختلاف صورهم وأشكالهم.
٥- أن يبدأ بالأهم فالأهم على حسب بيئة التي يدعو فيها. فمسائل العقيدة وأصول الدين تأتي في المقام الأول. وقد دل على ذلك قول النبي ﷺ لمعاذ ﵁: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ محمداً رسول الله ... الحديث" ١.
٦- أن يسلك في دعوته المنهج الذي نص الله عليه في كتابه الكريم، يقول سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٢، والحكمة معرفة الحق والعمل به والإصابة في القول والعمل، وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن، والفقه في شرائع
стр. 16
"الرابعة" الصبر على الأذى فيه.
ــ
الإسلام وحقائق الإيمان ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، وإلانة القول وتنشيط الموعوظ.
﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فيسلك كل طريق يكون أدعى للاستجابة: من الالتزام بالموضوع والبعد عن الانفعال والترفع عن المسائل الصغيرة في مقابل القضايا الكبرى حفظاً للوقت وعزة للنفس وكمالاً للمروءة١.
قوله: "الرابعة: الصبر على الأذى فيه"، أي: الرابعة من المسائل الأربع: الصبر على الأذى في الدعوة إلى الله تعالى، بأن يكون الداعية صابراً على ما يناله من أذية الناس؛ لأن الدعاة من طبيعة البشر إلا من هدى الله كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ ٢.
فيجب على الداعية أن يكون صابراً على دعوته مستمراً فيها، صابراً على ما يعترض دعوته أو ما يعترضه هو من الأذى؛ لأن الداعية يطلب من الناس أن يتحرروا من شهواتهم ورغباتهم، وعادات أقوامهم، ويقفوا عند حدود الله تعالى في أوامره ونواهيه وأكثر الناس لا يؤمن بهذا المنهج.
فلهذا يقاومون الدعوة بكل قوة، ويحاربون دعاتها بكل سلاح، قال
стр. 17
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
ــ
تعالى عن لقمان الحكيم في وصيته لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ١.
وعلى الداعية أن يتأسى بالرسل الكرام الذين قص الله علينا أخبارهم، وما حصل لهم من مشاق الدعوة ومتاعبها من إعراض الناس عن دعوتهم وأذيتهم بالقول والفعل مع طول الطريق واستبطاء النصر، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٢، وقد جعل الله تعالى العاقبة للمتقين، وكتب النصر لدعاة الحق، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ٣.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ٤"
استدل المصنف ﵀ على هذه المسائل الأربع بسورة عظيمة لا تزيد على ثلاث آيات وهي سورة العصر, فالمسألة الأولى والثانية في قوله سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ، فإن الإيمان لا يكون صحيحاً، والعمل لا يكون صالحاً إلا بعلم بأن يعبد الله
стр. 18
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على بصيرة. والمسألة الثالثة في قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ . والرابعة في قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ هذا قسم، والعصر المراد به: الزمن الذي تقع فيه الأحداث من خير أو شر. أقسم الله به؛ لأن أفعال الناس وتصرفاتهم كلها تقع في هذا الزمن فهو ظرف يودعه العباد أعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر فهو جدير أن يقسم به. وقيل: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ما بعد العشي وهو آخر النهار، ومنه صلاة العصر، والأول هو الأظهر في معنى الآية، والله أعلم١.
وجواب القسم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ، فالله تعالى يقسم بالعصر على أن الإنسان في خسر. والألف واللام للاستغراق والشمول بدليل الاستثناء بعده، أي: كل إنسان في خسر، كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ ٢.
والخسر: هو النقصان والهلكة؛ لأن حياة الإنسان هي رأس ماله، فإذا مات ولم يؤمن ولم يعمل صالحاً خسر كل الخسران.
ولم يبين هنا نوع الخسران في أي شيء بل أطلق ليعم، فقد يكون مطلقاً كحال من خسر الدنيا والآخرة وفاته النعيم، واستحق الجحيم وقد يكون خاسراً من بعض الوجوه دون بعض.
стр. 19
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والذي يستفاد من مفهوم الآية أن الخسران قد يكون بالكفر- والعياذ بالله- قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ ٢، وقد يكون بترك العمل قال تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً٤﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٥، وقد يكون الخسران بترك التواصي بالحق كلية أو التواصي بالباطل. وليس بعد الحق إلا الضلال. وقد يكون بترك الصبر كلية أو بالوقوع في الهلع والجزع، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ ٦.
والمقصود أن الإنسان في خسر مهما كثر ماله وولده، وعظم قدره وشرفه إلا من اتصف بالصفات الأربع. فعلى الإنسان أن يتأمل حاله ويعلم يقيناً أنه لا نجاة للعبد من الخسران إلا بهذا الطريق الذي رسمه الله تعالى.
стр. 20
قال الشافعي ﵀: لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلا هذه السورة لكفتهم.
ــ
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا هو الوصف الأول لمن يسلم من الخسار وهو وصف الإيمان، والمعنى: إلا الذين آمنوا بما أمر الله تعالى من الإيمان به، وهو الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين، وكل ما يقرب إلى الله تعالى من اعتقاد صحيح وعلم نافع.
وقوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ المراد بالعمل الصالح: أفعال الخير كلها سواء كانت ظاهرة أو باطنة، وسواء كانت متعلقة بحقوق الله تعالى، أو متعلقة بحقوق العباد، وسواء كانت من قبيل الواجب أو كانت من قبيل المستحب إذا خالصة صواباً.
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ المراد بالحق في هذه الآية –والله أعلم- هو ما تقدم من الإيمان بالله والعمل الصالح ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ جميع أنواع الصبر، الصبر على طاعة الله وأداء فرائضه والقيام بحقوقه وحقوق عباده فهذا يحتاج إلى صبر، والصبر عن معصية الله؛ لأن النفس أمارة بالسوء فلابد للإنسان أن يصبر لئلا يقع في المعصية.
ومن الصبر أيضاً: الصبر عن البطر عند كثرة النعم، فيصبر الإنسان عن البطر والإسراف والتبذير عند وجود النعم أو كثرتها، ومن الصبر أيضاً: الصبر على المصائب وهي ما يصيب الإنسان في هذه الدنيا من مصائب وحوادث فإنه عرضة لذلك.
قوله: "قال الشافعي ﵀: "لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلا هذه السورة لكفتهم" معنى قول الشافعي: لو أن الله جل وعلا ما أنزل
стр. 21
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للبشرية منهاجاً، ولا جهل لها طريقاً إلا هذه السورة القصيرة ذات الثلاث الآيات لكانت كافية؛ لأن هذه السورة رسمت المنهج الذي شرعه الله تعالى طريقاً للنجاة وهو الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فهذه الأمور الأربعة هي التي تحصل بها النجاة، فلو أن الله تعالى ما أنزل إلا هذه السورة لكان من أراد الله هدايته يعرف أنه لا نجاة له إلا بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر وهذا من الإعجاز الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى، آية واحدة تبين وظيفة الأمة الإسلامية ووظيفة كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية وهي التواصي بالحق والتواصي بالصبر. بعد الإيمان والعمل الصالح فما أعظمها من سورة ولهذا فإن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما نقل كلام الشافعي قال: "هو كما قال -يعني: ما قال الإمام الشافعي هو في محله- فإن الله جل وعلا أخبر أن جميع الناس خاسرون إلا من كان في نفسه مؤمناً صالحاً ومع غيره موصياً بالحق وموصياً بالصبر" انتهى كلامه١.
وقد جاء في تفسير ابن كثير ما يختلف عن العبارة التي ذكرها المصنف فقد جاء فيه قال الشافعي ﵀: "لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم"، والمعنى واحد، والله أعلم.
стр. 22
وَقَالَ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
"بَابُ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فبدأ بالعلم قبل القول والعمل".
ــ
قوله: "وقال البخاري رحمه الله تعالى"، يعني: في كتاب العلم من "صحيحه": "باب: العلم قبل القول والعمل".
وقوله: "باب" يقرأ بالتنوين؛ لأنه مقطوع عن الإضافة، والعلم: مبتدأ، قبل القول: خبر المبتدأ، أفادت هذه الترجمة أن قول الإنسان وعمله لا اعتبار له في ميزان الشرع إلا إذا كان قائماً على العلم، فالعلم شرط لصحة القول والعمل.
وقوله: "والدليل" هذا من كلام البخاري، والذي في "الصحيح" أن البخاري قال: "باب: العلم قبل القول والعمل لقول الله تعالى"١، ولكن الشيخ ﵀ عبر بقوله "والدليل" ليكون أوضح. "قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ٢ فبدأ بالعلم قبل القول والعمل"، وهذا من كلام البخاري أيضاً، لكن ليس في "صحيحه" كلمة "قبل القول والعمل" إنما الذي فيه "فبدأ بالعلم"، فإما أن يكون قوله: "قبل القول والعمل" من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ للتوضيح، أو أنه في نسخة أخرى، وقوله تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الخطاب للرسول ﷺ ، وهو يشمل الأمة، وهذا هو العلم.
стр. 23
المسائل الثالث
*
...
اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّه يَجِبُ عَلَى كُلِّ مسلم ومسلمة تعلم هذه المسائل الثلاث والعمل بهن:
ــ
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ هذا هو العمل، وقد استدل بعض السلف بهذه الآية على فضل العلم، فقد ذكر أبو نعيم ﵀ في "الحلية" عن سفيان بن عيينة ﵀ أنه سئل عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله تعالى حين بدأ به فقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ، ثم أمره بالعمل بعد ذلك فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ١.
ووجه الاستدلال على فضل العلم أن الله تعالى بدأ به فأمر نبيه ﷺ بالعلم قبل أن يأمره بالعمل، وهذا يدلنا على أمرين:
أولاً: على فضل العلم.
ثانياً: على أن العلم مقدم على العمل.
ثم ذكر المصنف مسائل أخرى مفرعة على ما تقدم فقال: "اعلم رحمك الله"، وهذا دعاء من المصنف ﵀ يدل على حرصه ونفعه لأخيه المسلم كما تقدم.
قوله: "أَنَّه يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ تَعَلُّمُ هذه المسائل الثلاث٢ والعمل بهن"، هذه المسائل الثلاث مجملها: الأولى في توحيد الربوبية، والثانية في توحيد الألوهية، والثالثة في الولاء والبراء.
стр. 24
توحيد الربوبية وأدلتة
...
الأُولَى: أَنَّ اللهَ خَلَقَنَا وَرَزَقَنَا وَلَمْ يَتْرُكْنَا هملاً،
ــ
وهذه المسائل الثلاث مسائل عظيمة لابد من تعلمها والعمل بها؛ لأنها قاعدة الدين وأساس العقيدة، فـ "الأولى" التي هي توحيد الربوبية "أن الله خلقنا وورزقنا ولم يتركنا هملاً"، هذه ثلاثة أمور:
الأولى: أن الله تعالى خلقنا، والدليل على أن الله خلقنا هو السمع والعقل، أما السمع فآياته كثيرة كقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢، أما العقل فقد دل عليه قول الله تعالى في سورة الطور: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ٣، ففي هذه الآية دليل عقلي على أنه لابد من خالق، وأنه لم يوجد هذا الكون صدفة؛ لأن القسمة العقلية تقتضي ثلاثة أمور لا رابع لها: إما أننا خلقنا بدون خالق، وهذا لا يمكن؛ لأن الخلق لابد أن يتعلق بخالق كالتحريك يتعلق بمحرك، فلا يمكن للشيء أن يتحرك من مكانه إلا بوجود محرك له، وهذا أمر ضروري يعرفه العقلاء، فكوننا خلقنا بدون خالق هذا لا يمكن، والناس بمقتضى عقولهم –حتى المعاندون منهم- يعرفون هذا، فلو قيل لشخص: إن هناك قصراً من القصور الذي جهز بكل ما تشتهيه الأنفس وتتمناه، ولكن هذا القصر وجد صدفة بدون بناء ولا إعداد لبادر الناس إلى التكذيب، وقالوا: هذا لا يمكن؛ لأن القصر يحتاج إلى بناء، وما فيه يحتاج إلى إعداد، فلابد من عمال وصُناع.
стр. 25
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأمر الثاني: أننا خلقنا أنفسنا، وهذا أشد فساداً مما قبله؛ لأننا معدومون، والمعدوم لا يمكن أن يكون قادراً على إيجاد نفسه؛ لأن العدم نقص، والخلق كمال، فكيف يكون الناقص كاملاً، هذا لا يمكن، فيتعين الأمر الثالث وهو أنه لابد لنا من خالق وهو رب القادر، ولهذا قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ يعني: هل هم خلقوا هكذا دون خالق؟ هذا الأمر الأول، أم هم الخالقون؟ يعني لأنفسهم هذا الأمر الثاني، والأمر الثالث لم تذكره الآية؛ لأنه إذا امتنع الأمر الأول والثاني يتعين الأمر الثالث.
وقد ورد في الحديث أن رجلاً مشركاً سمع هذا الآية فدخل الإيمان في قلبه وهو جبير بن مطعم ﵁ كما في "صحيح البخاري"١ أنه جاء في موضوع أسارى بدر والنبي ﷺ يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور فمرت الآية وجبير يسمع فيقول معبراً عن نفسه: "كاد قلبي أن يطير، ومنذ ذلك الوقت وقر الإيمان في قلبي"؛ لأنه من أهل اللسن والفصاحة والبلاغة، فعرف الآية ومعناها وما تدل عليه فوقر الإيمان في قلبه٢.
قوله: "ورزقنا"، هذا الأمر الثاني مما يتعلق بتوحيد الربوبية، والدليل على أن الله تعالى رزقنا آيات كثيرة من القرآن الكريم، كقول الله تعالى:
стр. 26
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٣ إلى غير ذلك من الآيات.
والرزق: اسم لما يسوقه الله إلى الحيوان فيأكله. قال في "القاموس": الرزق –بالكسر-: ما ينتفع به كل مرتزق. والرزق نوعان:
١- خاص: وهو الرزق الحلال للمؤمنين. وهذا هو الرزق النافع الذي لا تبعة فيه إذا كان عوناً على طاعة الله تعالى، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٤.
٢- عام: وهو ما به قوام سواء كان حلالاً أو حراماً، وسواء كان المرزوق مسلماً أو كافراً، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ٥.
وقوله: "ولم يتركنا هملاً" هذا الأمر الثالث، والهمل بالتحريك: هو السدى المتروك ليلاً ونهاراً، ولم يرد اللفظ هذا في القرآن الكريم، إنما الذي ورد في القرآن الكريم: ﴿أَيَحْسَبُ الْإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ ٦ وورد في
стр. 27
بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولاً، فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الجنة، ومن عصاه دخل النار.
ــ
القرآن الكريم: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ١، فالهمل والسدى والعبث بمعنى واحد، وهو المتروك الذي لا يؤمر ولا ينهى، والدليل من السمع على أن الله تعالى لم يتركنا سدى هو ما تقدم.
أما الدليل من العقل فإن الله جل وعلا حكيم، فقد خلقنا ورزقنا، وأرسل إلينا الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وأوجب علينا طاعتهم، وأمرنا بقتال المعاندين، فلو لم يكن هناك حساب ولا عقاب ولا ثواب ولا جزاء؛ لكان هذا من العبث الذي ينزه الله تعالى عنه. فالله تعالى شرع هذه الأمور لمعاد يحاسب عليه الإنسان المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، فهذا الدليل العقلي يدل على أن الله تعالى لم يتركنا هملاً، وأن الجزاء الأخروي تعقبه الحياة الأبدية، وهي الحياة الحقيقية كما في قوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ ٢ سماها حياة مع أن الدنيا حياة لكنها حياة إلى زوال وانقضاء، وأما حياة البقاء والخلود فهي الحياة في الدار الآخرة، إما في عذاب سرمدي، وإما في نعيم دائم، -نسأل الله الكريم من فضله-.
قوله: "بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولاً، فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الجنة، ومن عصاه دخل النار". هذا دليل على أن الله تعالى لم يتركنا هملاً، والمراد بالرسول هو محمد ﷺ ، والمراد بقول المصنف "أرسل إلينا"، أي: معشر الأمة، وقد جاء في القرآن الكريم آية عظيمة تبين الغاية من بعثة الرسول ﷺ ، قال
стр. 28
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١ فالغاية من إرسال الرسل: طاعتهم واتباعهم فيما جاءوا به عن الله تعالى، وأما الحكمة من إرسال الرسل فهي هداية البشرية إلى الصراط المستقيم، وبيان عبادة الله تعالى على الوجه المرضي؛ لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك. والتلقي لا يمكن عن الله تعالى إلا بواسطة الرسل، فالرسل واسطة بين الله تعالى وبين الخلق، والرسول ﷺ هو الذي يشرع للأمة بعد تشريع الله تعالى ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ٢.
ثم بين المصنف ﵀ مآل الطائعين والعصاة بقوله: "فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النار"، وهذا دل عليه القرآن الكريم في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٣، وفي الجانب الآخر: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا﴾ ٤.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" ٥.
стр. 29
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ .
ــ
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ ١". هذا دليل على المسألة الأخيرة وهي قوله: "بل أرسل إلينا رسولا"، والخطاب في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ ، يعني: شاهداً على أعمالكم كما في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ ، هو موسى ﵊ وعدم تعيينه؛ لعدم دخوله في التشبيه أو لأنه معلوم غني عن البيان٢.
والمقصود من هذه الآية –والله أعليم- تذكير هذه الأمة بهذه النعمة العظيمة، وهي إرسال هذا النبي الكريم وتحذيرها أن تفعل مثل ما فعل قوم فرعون فيصيبهم ما أصابهم. والمعنى: أن الله جل وعلا أرسل إليكم رسولاً كما أرسل إلى فرعون رسولاً فانظروا ماذا كان موفق فرعون وقومه من الرسول؛ لأن سنة الله واحدة لا تتغير ولا تتبدل قال تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ ، وأصل الوبيل في اللغة بمعنى: الثقيل الشديد، كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما٣ "تقول
стр. 30
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الله لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدُ فِي عِبَادَتِهِ لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نبي مرسل
ــ
العرب: كلأ وبيل وطعام وبيل، أي: ثقيل رديء العقبى، والطعام الذي يستمرأ تهضمه المعدة براحة وفي وقت قصير، أما إذا كان الطعام لا يستمرأ فإن المعدة لا تهضمه بسهولة وتحتاج إلى وقت أطول، وقد يكون له عواقب وخيمة، وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: "الحق ثقيل مري والباطل خفيف وبي"١، يعني: عاقبته وخيمة أما الحق فإنه وإن كان الإنسان يحسب أنه ثقيل عليه فهو مري خفيف، عاقبته حميدة، فالله تعالى أخذ فرعون أخذا شديداً مهلكاً؛ وذلك بإغراقه وجنوده في البحر فلم يفلت منهم أحد، ثم بعد ذلك في عذاب البرزخ إلى يوم القيامة ثم عذاب النار، قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٢.
قوله المصنف ﵀: "الثَّانِيَةُ: أَنَّ الله لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدُ فِي عِبَادَتِهِ لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نبي مرسل" هذه المسألة الثانية هو في توحيد الألوهية ، والمعنى: أن الله جل وعلا يوجب على المكلفين إفراده بالعبادة؛ لأنه هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ لأنه هو الخالق الرازق له الملك والأمر، فلا يرضى أن يشرك معه أحد مهما بلغ هذا الشخص من الطهارة والعلو والرفعة، لا ملك مقرب
стр. 31
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ .
ــ
ولا نبي مرسل، وإذا كان الله تعالى لا يرضى أن يشرك معه لا ملك مقرب وهو المقربون إلى الله تعالى ولا نبي مرسل وقد اصطفاهم الله فإن غيرهم من الخليقة من باب أولى؛ لأن العبادة لا تصلح إلا لله تعالى، وصرفها لغير الله ظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١، والله جل وعلا لا يرضى لعباده الكفر، وإنما يرضى لهم الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ﴾ ٣.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٤" المساجد جمع مسجد، وهو كل موضع بني للصلاة والعبادة وذكر الله تعالى، والدليل على هذا المعنى قول النبي ﷺ في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد: "إن هذا المسجد لا يصلح لشيء من ذلك إنما بني لذكر الله تعالى وللصلاة"٥، وهذه وظيفة المساجد، وهذه الإضافة في الآية إضافة تشريف وتخصيص، ويكون المعنى على التخصيص: أنكم إذا دخلتم المساجد للعبادة فلا تدعوا فيها مع الله أحداً لأنها بيوت الله فكيف تدخل بيته وتدعو معه غيره؟ وقوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ، ﴿أَحَداً﴾ نكرة، والنكرة في سياق النهي تفيد العموم، أي: فلا تدعوا مع الله أحداً كائناً من كان، لا ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، وما دون ذلك من باب أولى كما تقدم.
стр. 32
الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ وَوَحَّدَ اللهَ لا يَجُوزُ لَهُ مُوَالاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ ورسوله.
ــ
قول المصنف ﵀: "الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ وَوَحَّدَ اللهَ لا يَجُوزُ لَهُ مُوَالاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ ورسوله".
هذه المسألة الثالثة وموضوعها الولاء والبراء ، والمعنى: أن من أطاع الرسول فيما أمر، واجتنب ما عنه نهى وزجر، ووحد الله سبحانه، فهذه هي العقيدة الإسلامية، ومن أصول هذه العقيدة: أن يوالي أهلها، ويبغض أهل الشرك ويعاديهم، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ١، وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أوثق على الإيمان: الحب في الله والبغض في الله" ٢.
فالحب في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله: من مقتضيات ملة إبراهيم ﵊، ومن لوازم دين محمد ﷺ ، والدليل على هذا –أي: على الثاني- قول الله تعالى كما ذكر المصنف ﵀: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ﴾ ٣ الآية.
стр. 33
وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ قَرِيبٍ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً
ــ
ومعنى قول المؤلف ﵀: "ولا يَجُوزُ لَهُ مُوَالاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ" أي: عادى الله ورسوله هذا معنى المحادة. وأصل المحادة في اللغة: أن تكون في جانب، والشخص الذي تعاديه في جانب آخر، ولا ريب أن من لم يطع الله ورسوله فإنه يصدق عليه أنه محاد لله ورسوله، كأنه بتصرفه هذا في جانب، والله –سبحانه- ورسوله ﷺ في جانب آخر.
والموالاة معناها: المصادقة والموادة والمحبة، وهي تشعر بالقرب والدنو من الشيء.
وقوله: "ولو كان أقرب قريب"، أي: الولد والوالد؛ لأنهما أقرب قريب للإنسان، إما الأصل وإما الفرع، ثم يأتي بعد هذا الإخوان-وهم الأعوان- ثم بعد هذا تأتي بقية القرابة. لكن في باب الموالاة، وفي باب المعاداة لا قيمة للنسب، فأخوك في العقيدة هو أخوك الحقيقي، وعدوك الحقيقي هو عدوك في العقيدة، فأخوك الحق هو أخوك في العقيدة ولو كان في أقصى الدنيا، وعدوك الحق هو عدوك في العقيدة ولو كان أقرب قريب؛ إذ ليس هناك اعتبار للأنساب في ميزان الإسلام إنما الاعتبار بهذه العقيدة ولهذا أكد الله تعالى هذا المعنى وضرب الأمثلة ببعض القرابة.
فقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً﴾ ، والفعل "لا تجد" بضم الدال، وإذا كانت مضمومة فهذا نفي، ويقول علماء البلاغة: إن النفي أبلغ من النهي؛ لأن النهي متعلق بالمستقبل، والنفي متعلق بالماضي والمستقبل، فيكون المعنى: لا تجد في أي وقت من الأوقات قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حاد الله ورسوله.
стр. 34
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ
ــ
ومعنى ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ، أي: يؤمنون الإيمان الصحيح الذي يتوافق فيه الظاهر مع الباطن، وهذا يفيد أن المعيار الصحيح لمعاداة الكفار هو الإيمان بالله واليوم الآخر، وهذا يوجب على الإنسان أن يتفقد إيمانه، فإن حصل عنده ميل أو ركن لمن يحاد الله ورسوله؛ فعليه أن يراجع نفسه ويتأمل في إيمانه؛ لأن موالاتهم قد تكون دليلاً عل فقد الإيمان بالكلية أو على ضعفه على حسب ما يقوم بالقلب، وعلى أي حال فموالاتهم أمرها حطير؛ لأن الله جل وعلا نفى اجتماع الإيمان مع موادتهم فقال سبحانه ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأخبر أنك لا تجد مؤمناً يواد المحادين لله ورسوله، فإن نفس الإيمان ينافي موادته، كما ينفي أحد الضدين الآخر، فإذا وجد الإيمان انتفى ضده وهو موالاة أعداء الله، فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه كان ذلك دليلاً على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب"١.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ أي: لا يوادون من حاد الله ولو كانوا الأقربين، وقوله: ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ، قال الراغب: "العشيرة: اسم لكل جماعة من
стр. 35
أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
ــ
أقارب الرجل الذين يتكثر بهم"١ا. هـ. وقال الألوسي: "وليس المراد بمن ذكر خصوصهم، وإنما المراد الأقارب مطلقاً، وقدم الآباء لأنه يجب على أبناء طاعتهم ومصاحبتهم في الدنيا بالمعروف، وثنى بالأبناء؛ لأنهم أعلق بهم لكونهم أكبادهم، وثلث بالإخوان؛ لأنهم الناصرون لهم.. وختم بالعشيرة؛ لأن الاعتماد عليهم والتناصر بهم بعد الإخوان غالباً"٢.
ثم ذكر سبحانه أنه جازاهم بخمسة أشياء، وبدأ تعالى بألطافه الدنيوية فقال جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ﴾ ، أي: جمعه في قلوبهم وثبته وأرساه، فهي قلوب مؤمنة مخلصة لا تؤثر فيها الشبه ولا الشكوك ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ ، أي: قواهم ﴿بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ ، أي بنور وهدى ومدد إلهي، وإحسان رباني، وسماه الله روحاً؛ لأنه للحياة الطيبة. ثم ذكر آثار رحمته الأخروية فقال سبحانه: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ وهي دار كرامته فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴿﵃﴾ هذا استئناف جرى مجرى التعليل، والمعنى: أن الله يحل عليهم رضوانه بطاعتهم إياه في الدنيا ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ في الآخرة
стр. 36
أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
ــ
بإدخالهم الجنة وما فيها من الكرامات، وهذا أعلى مراتب النعيم. قال ابن كثير ﵀: "وفيه سر بديع وهو أنهم لما أسخطوا الأقارب والعشائر في الله عوضهم الله بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز والفضل العميم"١.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ إضافة تشريف ببيان اختصاصهم به تعالى ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفلاح هو الفوز والظفر بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة. وذكرت كلمة ﴿حِزْبَ اللَّهِ﴾ في الأول لبيان اختصاصهم به تعالى كما مر، والثانية لبيان اختصاصهم بسعادة الدارين.
وموالاة الكفار لها مظاهر متعددة يكثر ظهورها من زمن إلى زمن آخر ولنذكر أهم هذه المظاهر فمتى تلبس بها أو بشيء منها إنسان مسلم فعليه أن يعلم أنه قدر والاهم بقدر ما قام به من هذه المظاهر.
فال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٢، فمن هذه المظاهر:
أولاً: الرضا بكفر الكافرين وعدم تكفيرهم، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الكافرة.
ثانياً: التشبه بعاداتهم وأخلاقهم وتقاليدهم؛ لأنه ما تشبه بهم إلا لأنه معجب والنبي ﷺ يقول: "من تشبه بقوم فهو منهم" ٣.
стр. 37
اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدين.
ــ
ثالثاً: الاستعانة بهم، والثقة بهم، واتخاذهم أعواناً وأنصاراً.
رابعاً: معاونتهم ومناصرتهم.
خامساً: مشاركتهم في أعيادهم بإعانتهم إما بالحضور أو بالتهنئة.
سادساً: التسمي بأسمائهم.
سابعاً: السفر إلى بلادهم لغير ضرورة بل للنزهة ومتعة النفس.
ثامناً: الاستغفار لهم والترحم عليهم إذا مات منهم ميت.
تاسعاً: مجاملتهم ومداهنتهم في الدين.
عاشراً: استعارة قوانينهم ومناهجهم في حكم الأمة وتربية أبنائها.
فهذه بعض مظاهر موالاة الكفار، والمسألة تحتاج إلى بيان أكثر وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله١.
قول المصنف ﵀: "اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدين" هذا الكلام من المؤلف ﵀ في موضوع تقرير توحيد الألوهية، وقد بدأ هذا التقرير بالدعاء لك أيها القارئ أو السامع، فقال: "اعلم أرشدك الله لطاعته"، ومعنى أرشدك، أي: دلك وهداك إلى الرشد، والرشد: هو الاستقامة على طريق الحق وهو ضد الغي؛ لأن الغي هو الضلال الذي يفضي بصاحبه –والعياذ بالله- إلى الخسران.
والطاعة: هي موافقة أمر الشرع بفعل المأمور واجتناب المحظور.
стр. 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والحنيفية: هي ملة إبراهيم، وملة إبراهيم هي الحنيفية، ولهذا جمع المصنف ﵀ بينهما وأصل الحنيفية مأخوذ من الحنف، والحنف معناه: الميل، فالحنيف: هو المائل عن الشرك قصداً وإخلاصاً إلى التوحيد، والحنيف هو المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً﴾ ١، والقانت: هو الخاشع المطيع٢.
أما الملة: فهي بمعنى الدين، وهي اسم لكل ما شرعه الله لعباده على ألسنة أنبيائه.
قوله: "أن تعبد الله مخلصاً له الدين" هذا بيان لحقيقة ملة إبراهيم فهو خبر "أن" في قوله: "أن الحنفية ملة إبراهيم"، فـ"أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر "أن"، والتقدير: اعلم أن الحنيفية ملة إبراهيم عبادة الله تعالى وحده بإخلاص.
وأصل العبادة: التذلل والخضوع، تقول العرب: طريق معبد، أي: مذلل، مهيأ لسلوك الناس. قال العلماء: وسميت الوظائف التي طلبها الله تعالى من المكلفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها ويفعلونها متذللين خاضعين لله .
وأما معناها الذي يبين متعلقاتها، فهو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﵀ في كتابه القيم "العبودية": "العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة"١ من الصلاة والزكاة والصيام والحج والمحبة والخوف والرجاء والتوكل والاستعانة والاستغاثة ونحو ذلك مما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
وقوله: "أن تعبد الله مخلصاً له الدين". الإخلاص: هو أن يقصد العبد بعمله رضا ربه وثوابه، لا غرضاً آخر من رئاسة أو جاه أو شيء من حطام الدنيا. فإذا قام العبد بالعبادة مريداً ببذلك: رضا الله ، الذي هو المستحق للعبادة، وقصد بذلك الحصول على الثواب تحقق الإخلاص، وقصد ثواب الله تعالى ونيل رضوانه وجنته لا يخل بالإخلاص، بل يذم من يعبد الله تعالى وهو لا يريد الثواب، وهي طريقة من طرق الصوفية، وهي مخالفة لما دلت عليه النصوص الشرعية من أن الإنسان يقصد بعبادته وجه الله تعالى والوصول إلى رضوانه وطلب ثوابه وجنته.
وللإخلاص ثمرات عظيمة:
١- أنه بتحقيق الإنسان لتوحيد ربه وإخلاصه العبودية له تكمل له الطاعة ويخرج من قلبه تأله ما يهواه.
٢- من أخلص في عبادة ربه صرفت عنه المعاصي والذنوب كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ٢،
стр. 40
وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ وَخَلَقَهُمْ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
ــ
فعلل صرف السوء والفحشاء عنه بأنه من عبادة المخلصين له في عبادتهم، الذين أخلصهم الله، واختارهم، واختصهم لنفسه.
١- من أخلص في عبادة ربه في حرز من الشيطان. قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ١، وقال الشيطان: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ٢.
٢- ثبت في حديث عتبان أنه قال: "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"٣.
قوله: "بذلك" اسم إشارة يعود إلى العبادة الخالصة، أي: بإخلاص العبادة "أمر الله جميع الناس" بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٤.
قوله: "وَخَلَقَهُمْ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥"، أي: خلقهم لعبادته، وهذه الآية العظيمة بينت الحكمة من خلق الجن والإنس، وهي العبادة، فإن الله جل وعلا ما خلق إلا