← Акыда

Акыда · id 11158

حصول المأمول بشرح ثلاثة الأصول

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (204 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . ــ بإدخالهم الجنة وما فيها من الكرامات، وهذا أعلى مراتب النعيم. قال ابن كثير ﵀: "وفيه سر بديع وهو أنهم لما أسخطوا الأقارب والعشائر في الله عوضهم الله بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز والفضل العميم"١. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ إضافة تشريف ببيان اختصاصهم به تعالى ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفلاح هو الفوز والظفر بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة. وذكرت كلمة ﴿حِزْبَ اللَّهِ﴾ في الأول لبيان اختصاصهم به تعالى كما مر، والثانية لبيان اختصاصهم بسعادة الدارين. وموالاة الكفار لها مظاهر متعددة يكثر ظهورها من زمن إلى زمن آخر ولنذكر أهم هذه المظاهر فمتى تلبس بها أو بشيء منها إنسان مسلم فعليه أن يعلم أنه قدر والاهم بقدر ما قام به من هذه المظاهر. فال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٢، فمن هذه المظاهر: أولاً: الرضا بكفر الكافرين وعدم تكفيرهم، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الكافرة. ثانياً: التشبه بعاداتهم وأخلاقهم وتقاليدهم؛ لأنه ما تشبه بهم إلا لأنه معجب والنبي ﷺ يقول: "من تشبه بقوم فهو منهم" ٣.

стр. 37

اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدين. ــ ثالثاً: الاستعانة بهم، والثقة بهم، واتخاذهم أعواناً وأنصاراً. رابعاً: معاونتهم ومناصرتهم. خامساً: مشاركتهم في أعيادهم بإعانتهم إما بالحضور أو بالتهنئة. سادساً: التسمي بأسمائهم. سابعاً: السفر إلى بلادهم لغير ضرورة بل للنزهة ومتعة النفس. ثامناً: الاستغفار لهم والترحم عليهم إذا مات منهم ميت. تاسعاً: مجاملتهم ومداهنتهم في الدين. عاشراً: استعارة قوانينهم ومناهجهم في حكم الأمة وتربية أبنائها. فهذه بعض مظاهر موالاة الكفار، والمسألة تحتاج إلى بيان أكثر وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله١. قول المصنف ﵀: "اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدين" هذا الكلام من المؤلف ﵀ في موضوع تقرير توحيد الألوهية، وقد بدأ هذا التقرير بالدعاء لك أيها القارئ أو السامع، فقال: "اعلم أرشدك الله لطاعته"، ومعنى أرشدك، أي: دلك وهداك إلى الرشد، والرشد: هو الاستقامة على طريق الحق وهو ضد الغي؛ لأن الغي هو الضلال الذي يفضي بصاحبه –والعياذ بالله- إلى الخسران. والطاعة: هي موافقة أمر الشرع بفعل المأمور واجتناب المحظور.

стр. 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والحنيفية: هي ملة إبراهيم، وملة إبراهيم هي الحنيفية، ولهذا جمع المصنف ﵀ بينهما وأصل الحنيفية مأخوذ من الحنف، والحنف معناه: الميل، فالحنيف: هو المائل عن الشرك قصداً وإخلاصاً إلى التوحيد، والحنيف هو المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً﴾ ١، والقانت: هو الخاشع المطيع٢. أما الملة: فهي بمعنى الدين، وهي اسم لكل ما شرعه الله لعباده على ألسنة أنبيائه. قوله: "أن تعبد الله مخلصاً له الدين" هذا بيان لحقيقة ملة إبراهيم فهو خبر "أن" في قوله: "أن الحنفية ملة إبراهيم"، فـ"أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر "أن"، والتقدير: اعلم أن الحنيفية ملة إبراهيم عبادة الله تعالى وحده بإخلاص. وأصل العبادة: التذلل والخضوع، تقول العرب: طريق معبد، أي: مذلل، مهيأ لسلوك الناس. قال العلماء: وسميت الوظائف التي طلبها الله تعالى من المكلفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها ويفعلونها متذللين خاضعين لله . وأما معناها الذي يبين متعلقاتها، فهو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﵀ في كتابه القيم "العبودية": "العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة"١ من الصلاة والزكاة والصيام والحج والمحبة والخوف والرجاء والتوكل والاستعانة والاستغاثة ونحو ذلك مما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. وقوله: "أن تعبد الله مخلصاً له الدين". الإخلاص: هو أن يقصد العبد بعمله رضا ربه وثوابه، لا غرضاً آخر من رئاسة أو جاه أو شيء من حطام الدنيا. فإذا قام العبد بالعبادة مريداً ببذلك: رضا الله ، الذي هو المستحق للعبادة، وقصد بذلك الحصول على الثواب تحقق الإخلاص، وقصد ثواب الله تعالى ونيل رضوانه وجنته لا يخل بالإخلاص، بل يذم من يعبد الله تعالى وهو لا يريد الثواب، وهي طريقة من طرق الصوفية، وهي مخالفة لما دلت عليه النصوص الشرعية من أن الإنسان يقصد بعبادته وجه الله تعالى والوصول إلى رضوانه وطلب ثوابه وجنته. وللإخلاص ثمرات عظيمة: ١- أنه بتحقيق الإنسان لتوحيد ربه وإخلاصه العبودية له تكمل له الطاعة ويخرج من قلبه تأله ما يهواه. ٢- من أخلص في عبادة ربه صرفت عنه المعاصي والذنوب كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ٢،

стр. 40

وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ وَخَلَقَهُمْ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ــ فعلل صرف السوء والفحشاء عنه بأنه من عبادة المخلصين له في عبادتهم، الذين أخلصهم الله، واختارهم، واختصهم لنفسه. ١- من أخلص في عبادة ربه في حرز من الشيطان. قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ١، وقال الشيطان: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ٢. ٢- ثبت في حديث عتبان أنه قال: "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"٣. قوله: "بذلك" اسم إشارة يعود إلى العبادة الخالصة، أي: بإخلاص العبادة "أمر الله جميع الناس" بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٤. قوله: "وَخَلَقَهُمْ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥"، أي: خلقهم لعبادته، وهذه الآية العظيمة بينت الحكمة من خلق الجن والإنس، وهي العبادة، فإن الله جل وعلا ما خلق إلا

стр. 41

ومعنى يعبدون يوحدوني. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأجل أن يأمرهم بالعبادة، فمنهم من أطاع وأذعن فعبد الله، ومنهم من عصى وعاند فأشرك مع الله غيره. والجن: عالم غيبي قائم بذاته، يختلف عن الإنس؛ لأنه مخلوق من نار والإنس مخلوق من طين، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ ١ سموا جناً لاجتنانهم، أي: استتارهم عن العيون، واجتماع الجيم مع حرف النون في لغة العرب يدل على الستر، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ ٢. والإنس: البشر، الواحد "إنسي" سموا بذلك لأن بعضهم يأنس ببعض، والإنس الطمأنينة٣. قوله: "ومعنى يعبدون يوحدوني" هذا تفسير لمعنى العبادة في الآية الكريمة، فمعنى "يعبدون، أي: يفردونني بالعبادة، والإفراد بالعبادة معناه: التوحيد. وقد ورد في الحديث القدسي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قال الله : يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك" ٤، فهذا حديث يدل على أن الوظيفة التي أنيطت بهذا المكلف:

стр. 42

وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التَّوْحيِدُ، وَهُوَ إفراد الله بالعبادة. ــ هي عبادة الله والتفرغ لما خلق لأجله. قوله: "وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التَّوْحيِدُ، وَهُوَ إفراد الله بالعبادة" التوحيد معناه في اللغة: من وحد يوحد توحيداً، أي: جعله واحداً لا ثاني له، والمصنف ﵀ عرف التوحيد بأنه: إفراد الله بالعبادة، وهو يريد بهذا التوحيد الذي بعثت الرسل لتحقيقه وإلا فهو بالمعنى العام: إفراد الله بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وهذه أقسام التوحيد الثلاثة، فيكون تعريف المصنف هنا للتوحيد بأنه إفراد الله بالعبادة إنما هو لبيان التوحيد الذي حصل به النزاع والجدال، والذي بعثت لأجله الرسل وأنزلت له الكتب وشرع من اجله الجهاد، وهو توحيد الألوهية. ومعنى "إفراد الله بالعبادة"، أي: قولاً وقصداً وفعلاً، فيفرد الله بالأقوال والأفعال والمقاصد، والمراد بالعبادة هنا في كلام المصنف: العبادة الشرعية، وهي الخضوع لأمر الله الشرعي، وأمر الله الشرعي هو القيام بالتكاليف. أما العبادة الكونية فهي الخضوع لأمر الكوني، والعبادة الكونية عامة لكل مخلوق فالذي ينقاد لأقدار الله تعالى داخل في المعنى الثاني للعبادة، وهي العبادة الكونية. والفرق بين أمر الله الكوني وأمر الله الشرعي، أن أمر الله الشرعي: ما شرعه الله لعباده من التكاليف. وأمر الله الكوني: ما يقضيه الله ويقدره على عباده مؤمنهم

стр. 43

وأعظم ما نهى عنه الشرك، ــ وكافرهم، برهم وفاجرهم، من مرض أو فقر أو فقد محبوب ونحو ذلك، والدليل على أن العبادة تكون كونية قول الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ ١، فهذه هي العبودية المقصودة في هذا الباب -التي هي معنى التوحيد-: هي العبادة الشرعية التي لا ينقاد لها إلا المؤمن البر. قوله: "وأعظم ما نهى عنه الشرك" الشرك في الأصل بمعنى: النصيب، فإذا أشرك مع الله غيره، أي: جعل لغيره نصيباً. وإنما كان الشرك أعظم ما نهى الله عنه؛ لأن أعظم الحقوق حق الله تعالى، وحق الله تعالى إفراده بالعبادة، فإذا أشرك مع الله غيره ضيع أعظم الحقوق. وقد ورد عن ابن مسعود ﵁ قال: "سألت –أو سئل- رسول الله ﷺ أي الذنب عند الله أعظم؟ -وفي لفظ: أكبر- قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك ... " ٢. وقال النبي ﷺ لمعاذ ﵁: "أتدري ما حق الله على عباده؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ : "حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ... " ٣، فدل هذا على أن الله له حق العباد، فمن ضيع هذا الحق فقد وقع في تضييع أظم الحقوق.

стр. 44

وهو دعوة غيره معه. ــ وقوله: "وهو دعوة غيره معه" هذا تعريف الشرك، وهو أن يجعل مع الله إلها آخر ملكاً أو رسولاً أو ولياً أو حجراً أو بشراً يعبده كما يعبد الله، وذلك بدعائه والاستعانة به والذبح له والنذر له وغير ذلك من أنواع العبادة. وهذا هو الشرك الأكبر. وهو أربعة أنواع: ١- شرك الدعاء: وهو أن يضرع إلى غير الله تعالى من نبي أو ملك أو ولي بقربة من القرب –صلاة أو استغاثة أو استعانة- أو يدعو ميتاً أو غائباً أو نحو ذلك مما هو من اختصاص الله تعالى. والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ١. ٢- شرك النية والإرادة والقصد: بأن يأتي بأصل العبادة رياء أو لأجل الدنيا وتحصيل أغراضها. والدليل قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ٢. قال ابن القيم ﵀: "أما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقل من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله، ونوى شيئاً غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته ... "٣.

стр. 45

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واعتبار شرك النية والقصد من الشرك الأكبر محمول على ما ذكرنا، وهو أن يأتي بأصل العمل رياء أو لأجل الدنيا، ولم يكن مريداً وجه الله تعالى والدار والآخرة. وهذا العمل على هذا الوصف لا يصدر من مؤمن. فإن المؤمن وإن كان ضعيف الإيمان لابد أن يريد الله والدار والآخرة. لكن إن تساوى القصدان أو تقاربا فهذا نقص في الإيمان والتوحيد. وعمله ناقص لفقده كمال الإخلاص. وإن عمل لله وحده وأخلص في عمله إخلاصاً تاماً وأخذ عليه جعلاً معلوماً يستعين به على العمل والدين فهذا لا يضر؛ لأن الله تعالى جعل في الأموال الشرعية كالزكوات وأموال الفيء وغيرها جزءاً كبيراً يصرف في مصالح المسلمين١. ٣- شرك الطاعة: وهو أن يتخذ له مشرعاً سوى الله تعالى، أو يتخذ شريكاً لله تعالى في التشريع، فيرضى بحكمه، ويدين به في التحليل والتحريم عبادة وتقرباً وقضاءً وفصلاً في الخصومات. والدليل قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢، ولما سمع عدي بن حاتم ﵁ النبي ﷺ يقرأ هذه الآية قال: "إنا لسنا

стр. 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نعبدهم، قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: بلى: فتلك عبادتهم"١. ٤- شرك المحبة: وهو اتخاذ الأنداد من الخلق يحبهم كحب الله تعالى؛ فيقدم طاعتهم على طاعته ويلهج بذكرهم ودعائهم. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ٢. قال ابن قيم ﵀: "وهاهنا أربعة أنواع من المحبة يجب التفريق بينها، وإنما ضل من ضل بعدم التمييز بينها: أحدها: محبة الله. ولا تكفي وحدها في النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه، فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله. الثاني: محبة ما يحبه الله. وهذه هي التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر, وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم فيها. الثالث: الحب لله وفيه, وهي من لوازم محبة ما يحبه الله. ولا يستقيم محبة ما يحبه الله إلا بالحب فيه وله.

стр. 47

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ . ــ الرابع: المحبة مع الله. وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئاً مع الله، لا لله ولا من أجله، ولا فيه، فقد اتخذه نداً من دون الله، وهذه محبة المشركين"١. وأما محبة الشرك الأصغر فهو كل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه، وجاء في النصوص تسميته شركاً: كالحلف بغير الله تعالى والرياء اليسير في أفعال العبادات وأقوالها وبعض العبارات مثل: "ما شاء الله وشئت"، ونحوها مما فيه تشريك بين الله وخلقه مثل: "لولا الله وفلان"، و"ما لي إلا الله وأنت"، "وأنا متوكل على الله وعليك"، "ولولاك أنت لم يكن كذا".. وقد يكون شركاً أكبر بحسب قائله ومقصده. قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ٢" هذه الآية جمعت بين أمرين: الأمر بالعبادة والنهي عن الشرك، مما يدل على أن العبادة لا تتم إلا باجتناب الشرك قليله وكثيره؛ لأن "شيئاً" نكرة في سياق النهي فتفيد العموم، أي، لا شركاً أصغر ولا أكبر لا ملكاً ولا نبياً ولا ولياً ولا غيرهم من المخلوقين. كما أنه تعالى لم يخص نوعاً من أنواع العبادة لا دعاء ولا صلاة ولا توكلاً ولا غيرها ليعم جميع أنواع العبادة.

стр. 48

فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثَّلاثَةُ التِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟ فَقُلْ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ وَدِينَهُ وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ . ــ وأما حكم الشرك الأكبر مخرج من الملة. وقد حرم الله الجنة على صاحبه؛ إذ ليس معه شيء من التوحيد، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١. وأما الأصغر فلا يخرج من الملة، لكنه وسيلة إلى الأكبر، وصاحبه على خطر عظيم، فعلى العبد أن يحذر الشرك مطلقاً، فإن بعض العلماء يرى أن الآية المذكورة عامة في الشرك الأصغر والأكبر وأن قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ، أي: ما هو أقل من الشرك، والله أعلم٢. ثم انتقل المصنف ﵀ إلى تفصيل ما أجمل من الأصول الثلاثة، وهي: معرفة العبد ربه ودينه ونبيه ﷺ ، وأما ما تقدم من الكلام فهو من باب التوطئة والتمهيد لما سيأتي أو يكون –كما قال بعض الشراح- مما ألحقه بعض تلاميذ الشيخ بهذه الأصول مستفاداً من كلامه في موضع آخر، وعلى أي حال فإن ما تقدم يعتبر من الأسس الطيبة النافعة التي يستفاد منها في تقرير الأصول الثلاثة. يقول الشيخ ﵀: "فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثَّلاثَةُ التِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟ فَقُلْ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ وَدِينَهُ وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ " طريقة

стр. 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السؤال والجواب طريقة سلكها الشيخ ﵀ في كثير من رسائله وهي نافعة في تقرير المعلومات وسرعة فهمها، والطالب يدرك المعاني ويفهمها إذا ألقيت عليه بطريقة السؤال والجواب؛ لأن المخاطب إذا طرح عليه السؤال استعد وتهيأ لفهم الجواب وهذه تسمى عند علماء التربية وطرق التدريس بالطريقة الحوارية، وهم ينسبونها إلى من ألف في ذلك من الغربيين وغيرهم، ونسوا أن الطريقة الحوارية كان يسلكها النبي ﷺ أحياناً مع أصحابه فكان يطرح عليهم السؤال لأجل أن تتهيأ أذهانهم للجواب كما تقدم ولهذا نقول: إن وسائل الإيضاح التي تستعمل في طرق التدريس وإن جاءت عن طريق الغربيين لكنها بضاعتنا ردت إلينا. وهي طريقة نافعة في التعليم لاسيما في المراحل الأول من التعليم ليستفيد الطلاب وتتهيأ أذهانهم؛ لأن المدرس إذا ألقى عليهم السؤال استعدوا لتلقي الجواب فتمكن من الأذهان، وحتى في الدروس العامة والمحاضرات ينبغي أن تسلك هذه الطريقة؛ لأن الإلقاء المستمر قد يكون مملاً لاسيما إذا طال الوقت. فالشيخ ﵀ ذكر هذه المسألة بصيغة السؤال والجواب لأجل أن ينتبه لها الإنسان لأنها مسألة عظيمة فإن هذه الأصول الثلاثة هي التي يسأل عنها العبد في قبره، وهذا يدلك على أهميتها وقيمتها وأن الإنسان يعرف معناها أولاً ويعمل بمقتضاها ثانياً، لعل الله تعالى أن يوفقه للجواب الصحيح في القبر إذا ما قال له الملكان من ربك؟ فيقول: ربي الله،

стр. 50

الأصل الأول: معرفة العبد ربه * ... فإن قِيلَ لَكَ مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ: رَبِّيَ اللهُ الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمته, ــ ما دينك؟ ديني الإسلام، ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ هو محمد عبد الله ورسوله ... إلخ. فمن عرف هذه الأصول الثلاثة وعمل بمقتضاها فهو أهل لأن يوفقه الله تعالى في جوابه كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ١، وقد ذكر الأصول الثلاثة ثم بدأ في تفصيلها وهذه أيضاً من الطرق العلمية الجيدة؛ لأن النفوس إذا عرفت الشيء إجمالاً تطلعت إلى معرفة تفصيلاً، والتفصيل بعد الإجمال من مقاصد البلغاء كما في علم المعاني ... قوله: "فإن قيل لك من ربك؟ " هذا هو الأصل الأول. والجواب "فقل: ربي الله الذي رباني" وأصل الرب في اللغة بمعنى: المربي، ومن هذه الكلمة تشعبت معان أخرى لكلمة الرب من المالك والمدبر والمتصرف والمتعهد. والمصنف يريد المعنى الأول؛ لأنه قال: "الذي رباني"، فانتقل إلى المعنى الأساسي للكلمة الذي هو التربية، ومعنى رباني، أي: خلقني وأوجدني ثم رباني بنعمه الظاهرة والباطنة. وقوله: "وربى جميع العالمين" هذا تعميم، أي: رباني أنا وربى جميع العالمين، وقوله: "بنعمته"، أي: ابتداء من الغذاء الذي يصل إلي

стр. 51

وهو معبودي، ليس لي معبود سواه. ــ وأنا في بطن أمي إلى أن يجري علي الأرزاق بعد خروجي منه. كما ورد في الحديث الصحيح في الملك الذي يؤمر بأربع بالنسبة للجنين ومنها "بكتب رزقه"١ فالله جل وعلا ينعم على العبد منذ أن يخلقه الإنعام الذي يصل إليه في بطن أمه بدون حول منه ولا قوة، والإنعام الذي يحصل له بعد خروجه إلى الدنيا عندما يكبر ويكدح ويعيش فيجري الله له من الأرزاق بالأسباب ما قضاه وقدره له. وقوله: "وهو معبودي، ليس لي معبود سواه" هذا مرتب على الكلام السابق، يعني: إذا كان هو الذي رباني لا غيره وربى جميع العالمين لا غيره فيترتب على هذا أن يكون هو المستحق للعبادة ولهذا قال: "وهو معبودي، ليس لي معبود سواه"؛ لأن الذي يستحق أن يكون معبوداً هو القادر على الخلق، ومن لا يقدر على الخلق لا يستحق أن يكون معبوداً، ولهذا ذكر الله تعالى أوصاف الآلهة التي لا تصلح للعبادة في سورة الفرقان في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ ٢، فذكر الله سبحانه سبعة أوصاف كلها نقص تدل على أن هذه الأوصاف التي وجدت في الآلهة لا تصلح أن تكون الآلهة معها معبودة؛ لأن المعبود هو الذي يخلق ويرزق ويحيي ويميت، ولهذا قال تعالى:

стр. 52

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وكل ما سِوَى اللهِ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ العالم. ــ ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ١. قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢" هذا الدليل على أن الله تعالى هو المستحق للعبادة لكونه مربياً لجميع العالمين، والحمد: هو الاعتراف للمحمود بصفات الكمال مع محبته وتعظيمه، وهذا قيد أساسي، فلو اعترف بالمحامد والأوصاف وذكرها، ولكن بدون محبة ولا تعظيم فإنه لا يسمى حامداً، وقوله: "الله" اللام هذه تسمى لام الاستحقاق، وقوله: "رب العالمين" مر أن المعنى: خالقهم ومدبر شؤونهم المتصرف بأحوالهم وأرزاقهم، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ٣، وقوله: "وكل ما سوى الله عالم" فيقال: عالم الإنسان وعالم الحيوان وعالم النبات، وسمي العالم عالماً؛ لأنه علامة على خالقه وموجده ومالكه.. "وأنا واحد من ذلك العالم"، أي: أنا أيها الإنسان المتكلم بهذا الكلام الذي أقول: "ربي الله الذي رباني" "واحد من ذلك العالم" فأنا مربوب لله تعالى؛ لأن الله تعالى هو ربي، ومعنى "مربوب"، أي: مخلوق لله تعالى، وهو الذي رباني .

стр. 53

فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ فَقُلْ: بآياته ومخلوقاته، ــ قوله: "فإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟ " هذا السؤال الثاني بعد السؤال الأول: من ربك؟ أي: بم استدللت على معرفتك ربك؟ "فقل: بآياته ومخلوقاته" فهذا هو الدليل على أنه هو الذي خلقني وهو الذي رزقني وهو معبودي ليس لي معبود سواه. والآية في اللغة لها معان كثيرة، منها: البرهان والدليل. و آيات الله نوعان: ١- آيات شرعية، ويراد بها: الوحي الذي جاءت به الرسل فهو آية من آيات الله، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ١، فإن قيل: كيف كان الوحي دليلاً وبرهاناً على الله تعالى؟ فالجواب: أولاً: أن هذا الوحي الذي جاءت به الرسل جاء وحياً متكاملاً منتظماً لا تناقض فيه ولا اضطراب، قال تعالى عن القرآن: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ ٢، فالقرآن الكريم دليل على وجود الرب العظيم، وهو دليل من الآيات الشرعية. ثانياً: أن هذه الآيات الشرعية قامت بمصالح العباد، وهي كفيلة بسعادتهم في دينهم ودنياهم. وأوضح مثال شريعة محمد ﷺ ، فإن الله جل وعلا قد شرع لنا في هذا القرآن الكريم وعلى لسان رسوله ﷺ ما هو كفيل بمصالحنا. وما من مشكلة أو معضلة إلا في الشريعة حل لها سواء كان عن طريق الكليات أو عن طريق الجنايات.

стр. 54

وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمِنْ مخلوقاته السموات السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُمَا. ــ ١- آيات كونية: والآيات الكونية هي المخلوقات، مثل: السماوات والأرض والإنسان والحيوان والنبات وغير ذلك. والمصنف ﵀ يقول: "فقل: بآياته ومخلوقاته" فإذا فسرنا الآيات: بالآيات الشرعية والكونية؛ فإنه يدخل قوله "ومخلوقاته" تحت قوله "بآياته"؛ لأن المخلوقات هي الآيات الكونية، فيكون كلام المصنف ﵀ من باب عطف الخاص على العام على سبيل الاهتمام بالخاص، فإنه أفرد المخلوقات مع أنها داخلة في الآيات للاهتمام بها؛ لأنها مرئية يدركها العالم وغير العالم. أما إذا فسرنا الآيات بالآيات الشرعية فقط فإننا نفسر المخلوقات بالآيات الكونية ويصير من باب عطف المغاير. وظاهر كلام الشيخ ﵀ يدل على أنه ما قصد الآيات الشرعية بل أراد بالآيات والمخلوقات: الكونية منها بدليل أنه قال: "وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمِنْ مخلوقاته السموات السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُمَا" ويكون خص الآيات الكونية بالذكر؛ لأن دلالتها يشترك فيها العالم والجاهل كما تقدم. قوله: "ومن آياته الليل والنهار"، أي: ومن الأدلة والبراهين على وجود الباري تعالى وتفرده بالربوبية والإلهية وجود الليل والنهار. وذلك من وجوه: أولاً: تعاقبهما، فهذا يذهب، وهذا يأتي بعده بانتظام كامل وتنساق بديع.

стр. 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثانياً: اختلافهما بالطول والقصر، فإن هذا من آيات الله. ولو فرض أن الليل ما يزيد أبداً والنهار ما يزيد أبداً من آيات الله أيضاً، ولكن كون الليل يزيد في الشتاء ويقصر النهار، والنهار يزيد في الصيف ويقصر الليل، هذا أيضاًَ من آيات . والليل والنهار من نعم الباري على عباده، فلو كان الليل سرمداً لتعطلت مصالح العباد ولو كان في أنوار؛ لأن جهد الإنسان يصل إلى درجة قليلة في الليل، فلا تتحقق مصالح العباد ولا تقوم إلا بالنهار، ولو لم يوجد ليل لمات كثير ممن انهمكوا في الدنيا؛ لأنه لا يوجد ليل يطرحهم فينامون. لكن هذا الليل نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على العباد؛ لأن الناس يأوون إلى منازلهم وينامون ويستريحون فإذا قاموا من الغد قاموا إلى نهار جديد وبجهد جديد. والحاصل أن هذه آيات عظيمة من آيات الله تعالى، ولكن الإنسان غافل عن تدبرها، ولهذا فإن الله قدر كرر هذه الآيات في سور من القرآن الكريم يذكر الليل والنهار والشمس والقمر وخلق السموات والأرض؛ لأجل أن الإنسان يصطحب الذكر فلا يغفل ولا ينسى والله المستعان. قوله: "والشمس والقمر"، أي: ومن آيات الله الدالة على وجوده سبحانه تفرده بالربوبية والإلهية: الشمس والقمر، وذلك من وجوه: أولاً: جريانهما باستمرار منذ أن خلق تعالى الشمس والقمر إلى أن يأذن الله تعالى بخراب هذا الكون، والشمس والقمر يجريان باستمرار كما

стр. 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ ١، وفي قراءة ﴿لا مستقر لها﴾ ٢، أي: أن الشمس ليس لها مستقر إنما هي دائماً تسير إلى أن يأذن الله تعالى بخراب الدنيا ولهذا إذا غربت على أناس طلعت على آخرين، وهذا لا ينافي ما ورد في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: " إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقر تحت العرش فتخر ساجدة ... الحديث" ٣؛ لأنه يمكن أنها إذا غربت عن أناس تسجد تحت العرش بالنسبة لغروبها عنهم وهي مستمرة في جريانها٤. ثانياً: الانتظام البديع، فالشمس تسير في فلكها في مدة سنة، وهي في كل يوم تطلع وتغرب بسير سخرها له خالقها لا تتعداه ولا تقصر عنه. والقمر يبديه الله كالخيط ثم يتزايد نوره ويتكامل حتى ينتهي إلى إبداره، وكماله ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى، قال تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٥، أي: لا يمكن أن توجد الشمس في الليل فتدرك القمر،

стр. 57

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا الليل سابق النهار فيدخل عليه قبل انقضاء سلطانه، ﴿وَكُلٌّ﴾ من الشمس والقمر والنجوم ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ، أي: يترددون على الدوام فهذا دليل على عظمة الخالق وقدرته وحكمته. ثالثاً: ما فيهما من المنافع العظيمة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ ١، وفي الشمس منافع عظيمة للعلويات: فإن القمر يستمد نوره من الشمس، وللسفليات: من الإنسان والحيوان والنبات والبحار وغير ذلك، ولولا طلوع الشمس وغروبها لما عرف الليل والنهار ولأطبق الظلام على العالم أو الضياء. وفي سير القمر تظهر مواقيت العباد في معاشهم وعبادتهم ومناسكهم. فتميزت به الأشهر والسنون وقام حساب العالم مع ما في ذلك من الحكم والآيات التي لا يحصيها إلا الله تعالى٢. قوله: "ومن مخلوقاته السموات السبع"، أي: ومن أعظم مخلوقات الله تعالى الدالة على عظمته ووحدانيته: السموات السبع، وعلوها وسعتها واستدارتها، وعظم حلقها وبناؤها. قوله: "والأرضون"، أي: ومن مخلوقاته العظيمة الأرضون السبع. فإن الله تعالى جعل الأرض فراشاً ومهاداً وذللها لعباده، وجعل فيها سبلاً، وجعل فيها أرزاقهم ومعايشهم. وقد أكثر الله تعالى من ذكر

стр. 58

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ . ــ السموات والأرض في كتابه الكريم، ودعا عباده إلى النظر إليهما والتفكر في خلقها. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢. قوله: "وما فيهن"، أي: من المخلوقات العظيمة التي لا يعلمها إلا الله خالقها "وما بينهما" أيضاً من المخلوقات العظيمة. قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٣"، يعني: وإن كان الشمس والقمر من المخلوقات العظيمة فإن هذا لا يقتضي أن يسجد لهما؛ لأنهما مخلوقان مدبران مسخران ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ ، أي: اعبدوه وحده؛ لأنه الخالق العظيم. ودعوة عبادة ما سواه من المخلوقات وإن كبر جرمها وكثرت مصالحها، فإن ذلك ليس منها وإنما هو من خالقها ﵎: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فخصوه بالعبادة وإخلاص الدين له٤.

стр. 59

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ــ قوله: "وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ١" هذا فيه إخبار من الله تعالى بأنه خلق هذا العالم سماواته وأرضه وما بين ذلك في ستة أيام. أولها: الأحد، وآخرها الجمعة٢. منها أربعة أيام للأرض ويومان للسماء، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ ثُمَّ

стр. 60

ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ــ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ١ ويكون معنى قوله سبحانه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ ، أي في تتمة أربعة أيام لا أنها أربعة أيام مستقلة عن اليومين الأولين وإلا لكانت الأيام ثمانية٢. والظاهر أن هذه الأيام التي نعرف؛ لأن الله تعالى ذكرها منكرة. فتحمل على ما كان معروفاً. ولو شاء تعالى لخلقها في لحظة، ولكنه ربط المسببات بأسبابها كما تقتضيه حكمته سبحانه وتعالى٣. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، أي: علا وارتفع. والعرش هو ذلك السقف المحيط بالمخلوقات. وفي الآية إثبات استواء الله على عرشه على ما يليق بجلاله وعظمته. وأدلة علو الله على خلقه واستوائه على عرشه أكثر من أن تحصر. وأجمع المسلمون على ذلك. وقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ ، أي: يغطي كل واحد منهما الآخر فيذهب ظلام هذا بضياء هذا، وضياء هذا بظلام هذا وكل منهما يطلب الآخر طلباً ﴿حَثِيثاً﴾ ، أي: سريعاً لا يتأخر عنه بل إذا ذهب جاء هذا. وإذا جاء هذا ذهب هذا.

стр. 61

وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ . وَالرَّبُ هُوَ الْمَعْبُودُ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ــ وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ ١ هذا معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ ، يعني: خلق السموات والأرض وخلق الشمس والقمر حالة كونها مسخرات، ومعنى ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ ، أي: مذلالات جارية في مجاريها بتسخير الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ، يعني: أن الله جل وعلا متفرد بالخلق ومتفرد بالأمر، فله الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات، وله الأمر، المتضمن للشرائع والنبوات، فالخلق يتضمن أحكامه الكونية القدرية، والأمر يتضمن أحكامه الدينية الشرعية ثم أحكام الجزاء في الدار الآخرة، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ، أي: عظم وتعالى. وكثر خيره وإحسانه، فتبارك في نفسه لعظمة أوصافه وكمالها وبارك في غيره بإحلال الخير الجزيل والبر الكثير فكل بركة في الكون فمن آثار رحمته . قوله: "وَالرَّبُ هُوَ الْمَعْبُودُ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢" معنى

стр. 62

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء ــ "المعبود"، أي: المستحق لأن يعبد دون سواه، وليس المراد أن من معاني الرب: المعبود وإلا لزم منه أن كل ما عبد من دون الله فهو رب وهذا ليس بصحيح. والمصنف ﵀ لم يقصد أن من معاني "الرب": المعبود، وإنما قصد أن الرب هو المستحق لأن يعبد؛ لأنه بعد أن ساق الآية من سورة البقرة ذكر كلاماً لابن كثير ﵀ وهو قوله: "الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة". والدليل على أن الرب هو المستحق للعبادة قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ ، فـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذا خطاب لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم. وقوله: ﴿اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ ، أي: أطيعوا ربكم بالإيمان والامتثال للأوامر والنواهي مع المحبة والتعظيم. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ، أي: أوجدكم من العدم بتقدير عظيم وصنع بديع، ورباكم بأصناف النعم وخلق الذين من قبلكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، أي: من أجل أن تحصلوا على التقوى، والتقوى: اتخاذ وقاية تحفظكم من عذاب الله باتباع الأوامر واجتناب النواهي. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً﴾ ، أي: بساطاً مهيئاً تستقرون عليها وتنتفعون بالأبنية والزراعة والسلوك من مكان إلى مكان وغير ذلك من وجوه الانتفاع. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء بِنَاء﴾ ، أي: وجعل السماء بناءً لمسكنكم وأودع فيها من المنافع ما هو من ضروراتكم وحاجاتكم كالشمس والقمر والنجوم.

стр. 63

وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . ــ وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ المراد بالسماء: السحاب كما ذكره المفسرون وأطلق عليه سماه لأنه فوق, وكل ما علا وارتفع فهو سماء. والماء: هو المطر النازل من السماء هو مادة الحياة للأحياء في الأرض جميعاً، سواء أنبت الزرع مباشرة أو كون الأنهار والبحيرات العذبة، أو انساخ في طبقات الأرض فتتألف منه المياه الجوفية، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ﴾ جمع ثمرة, والثمرة هو ما تخرجه الأرض من حبوب وخضار، وما تخرجه الأشجار من فواكه ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً﴾ ، أي: أشباهاً ونظراء تصرفون لهم العبادة أو شيئاً منها ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، أي: تعلمون أن هذه الأنداد ليست مماثلة لله تعالى، وتعلمون أيضاً أن الله هو المستحق للعبادة. فجمعت هذه الآية بين الأمر بعبادة الله وحده والنهي عن عبادة ما سواه. وقد ورد عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً﴾ قال: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة

стр. 64

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سوداء في ظلمة الليل, وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلانة، وحياتي. ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلان فإن هذا كله به شرك١. فدل تفسير ابن عباس ﵄ على وجوب تجنب الألفاظ الشركية ولو لم يقصد الإنسان. وأن الشرك الأصغر خفي جداً، وفل من يتنبه له. ولما قال الصحابة ﵃ للنبي ﷺ كيف نتقيه؟ قال: قولوا: "اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه" ٢. وقوله: "وهذا كله شرك"، أي: أصفر أو أكبر حسب ما يكون في قلب المتكلم بمثل هذه الألفاظ٣.

стр. 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذه الآية هي أحد البراهين العقلية التي أبطل الله بها اتخاذ المشركين للآلهة، فإن القرآن الكريم ذكر برهانين عقليين على إبطال الشرك والتنديد بالمشركين الذين عبدوا مع الله غيره. البرهان الأول: إذا كنتم تقرون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لهذا الكون فيلزمكم أن تعترفوا بوحدانيته. فإن من كانت هذه صفته فهو الإله المستحق للعبادة وما عداه هو مربوب مألوه لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١، وهذا من التناقض الذي وقع فيه المشركون إذ كانوا يعترفون بأن هذه الأمور من خصائص الله تعالى، وهذا يعني أن يقروا بالعبادة؛ لأن غيره مما عبد معه ليست لهم هذه الخصائص. البرهان الثاني: أن هذه الآلهة المعبودة من دون الله تعالى ليس لها ما يخولها لأن تعبد فإنها كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ ٢، وقد تقدم شيء من ذلك.

стр. 66

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: الخَالِقُ لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة. ــ قوله: "قال ابن كثير رحمه الله تعالى" ابن كثير هو العلامة الحافظ المحدث المفسر المؤرخ إسماعيل بن عمر بن كثير، أبو الفداء، ولد سنة ٧٠٠هـ أو بعدها بيسير في دمشق ونشأ يتيماً، ورزق حافظة نادرة، فاشتغل بالحديث ودرس الفقه، وألف فيه، وأخذ عن شيخ الإسلام ابن تيمية وأحبه وأثنى عليه١. له كتاب التفسير المشهور و"البداية والنهاية" في التاريخ، و"جامع المسانيد والسنن"، و"إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه"، وكلها مطبوعة. مات ﵀ سنة ٧٧٤هـ٢. قوله: "الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة"، أي: قال ابن كثير ﵀ هذه العبارة عند تفسير الآية السابقة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، ولفظ ابن كثير في "تفسيره" مغاير لما ذكره الشيخ ﵀ والمعنى واحد. وهو أن الآيات المذكورة دلت على أن الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره؛ لأن كل من سواه تعالى وتقدس مخلوق، مربوب، متصرف فيه.

стр. 67

وَ أَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا ، مِثْلُ الإِسْلامِ وَالإِيمَانِ وَالإِحْسَانِ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْخَشْيَةُ، وَالإِنَابَةُ، وَالاسْتِعَانَةُ، وَالاسْتِعَاذَةُ، وَالاسْتِغَاثَةُ، وَالذَّبْحُ، وَالنَّذْرُ، وَغَيْرُ ذَلَكَ مِنْ العبادة التي أمر الله بها، ــ لما بين المؤلف ﵀ وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة. وذكر الأدلة على ذلك شرع في بيان أنواع العبادة التي شرع الله لعباده القيام بها. وسياق الأدلة عليها وقد تقدم معنى العبادة. قوله: "وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا، مِثْلُ الإسلام والإيمان والإحسان" هذه الأنواع هي أعظم مراتب الدين وأعظم أنواع العبادة كما ورد في حديث عمر ﵁ الآتي إن شاء الله. وقد ذكرها المصنف إجمالاً ولما بدأ بالتفصيل لم يشر إليها؛ لأنه سيذكرها فيما بعد. قوله: "وَمِنْهُ الدُّعَاءُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْخَشْيَةُ، وَالإِنَابَةُ، وَالاسْتِعَانَةُ، وَالاسْتِعَاذَةُ، وَالاسْتِغَاثَةُ، وَالذَّبْحُ، والنذر، وغير ذلك من العبادة التي أمر الله بها"، أي: ومما أمر الله به الدعاء والخوف ... إلخ. وقوله: "وغير ذلك من أنواع العبادة" إشارة إلى أن أنواع العبادة غير محصورة بهذه الأنواع بل هي كثيرة جداً؛ لأن كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فهو عبادة. فالعبادة تشمل الدين كله. والحياة كلها بهذا المعنى.

стр. 68

كلها لله، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ، فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللهِ فَهُوَ مشرك كافر. ــ وقوله: "كلها لله، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١"، أي: كل أنواع العبادة مما ذكر وغيره لله وحده لا شريك له. ثم ذكر الدليل، وقد ذكرنا فيما مضى تفسير هذه الآية، وقلنا: إن المراد بالمساجد أماكن الطاعة والعبادة، أي: المساجد المعروفة، وروي عن بعض السلف أنها أعضاء السجود التي خلقها الله تعالى ليسجد عليها العبد، وعلى أي حال فالآية دليل على وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة لقوله سبحانه: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ . قوله: "فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللهِ فَهُوَ مشرك كافر"، أي: فمن صرف شيئاً من أنواع العبادة التي ذكر المصنف ﵀ مثل أن دعاء غير الله تعالى من الأموات والغائبين أو رجاهم أو خافهم أو سألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات أو غير ذلك فهو مشرك الشرك الأكبر؛ لأنه أشرك مع الله غيره. وكافر؛ لأنه جحد حقاً لله تعالى فصرفه لغيره. فالشرك والكفر قد يجتمعان فيمن لا إيمان له، فيقال: إنه مشرك كافر. وقد ينفرد الشرك بقصد الأوثان من قبور وغيرها. وإن كان يعترف بالله تعالى فلا يطلق عليه كافراً؛ لأن الكفر معناه الجحد والإنكار، لكنه مشرك كافر إذا صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله منكراً أن الله مستحق لهذه الأنواع ولهذا قال الشيخ ﵀ "فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللهِ فَهُوَ مشرك كافر".

стр. 69

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ . ــ قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ١"، أي: والدليل على أن من دعا مع الله غيره فهو مشرك كافر هذه الآية فإن الله تعالى سماهم كافرين لدعائهم مع الله غيره. والبرهان هو الدليل الذي لا يترك في الحق لبساً وهو أقوى الأدلة؛ لأنه لا يترك التباساً عند السامع، ولهذا يطلق عليه برهان، فهو أقوى من الحجة وأقوى من الدليل؛ لأن الدليل قد يكون ظنياً لا قطعياً، أما البرهان فهو أمر قطعي. فقوله سبحانه: ﴿لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ ، يعني: ليس له دليل ولا حجة على هذا. ولا يمكن لأحد أن يدعو مع الله غيره ويكون له برهان بحيث يكون الذم متوجهاً إلى من دعا مع الله غيره وليس معه برهان؛ لأنه يستحيل وجود برهان على عبادة إله آخر مع الله تعالى. فهذا الوصف ﴿لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ جاء –والله أعلم- لموافقة الواقع، لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق بحيث يقال: من عبد مع الله غيره وله برهان فلا مانع، ومعنى "موافقة الواقع" أنه وصف مطابق للواقع لأنهم يدعون مع الله غيره بلا برهان. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ، يعني: حساب هذا الذي دعا مع الله غيره عند ربه. وهو حساب لا فلاح معه لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ، ونفي الفلاح يدل على هلاكه وأنه من أهل النار.

стр. 70

في الحديث: "الدعاء مخ العبادة". ــ والشاهد من الآية هو أن الله جل وعلا سمى من دعا معه غيره كافراً وهذا لا منازعة فيه مهما كان هذا المدعو سواء كان ملكاً أو نبياً أو من هو دون ذلك. قوله: "في الحديث: "الدعاء مخ العبادة" بدأ المصنف ﵀ بالاستدلال على كل نوع من أنواع العبادة التي ذكرها. والمصنف ﵀ سرد أنواع العبادة كما تقدم. وسنتكلم إن شاء الله على كل نوع منها بما بيسر من تعريف أو تقسيم أو سياق لبعض الأدلة زيادة على ما ذكر الشيخ ﵀ من الأدلة. فبدأ بالنوع الأول وهو الدعاء؛ لأنه أهم أنواع العبادة لما ورد في حديث النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة" ١، فدل على أن الدعاء أهم أنواع العبادات من وجهين: الأول: أن النبي ﷺ أتى بضمير الفصل "هو" وضمير الفصل يفيد التوكيد. الثاني: أنه أتى باللام في قوله "العبادة" فكأنه قال: "الدعاء هو العبادة لا غيرها". والدعاء في القرآن الكريم يتناول معنيين: الأول: دعاء العبادة هو دعاء الله امتثالاً لأمره فإنه سبحانه أمر عباده بالدعاء. فمتى دعوت الله ممتثلاً أمره فإن دعاءك عبادة قال

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ١ فإذا دعوته امتثلت أمره وإذا امتثلت أمره تكون عبدته. الثاني: دعاء المسألة وهو دعاؤه بجلب المنفعة ودفع المضرة, فكلا النوعين عبادة لله فمن دعا الله طالباً جلب النفع ودفع الضر وهو في حال دعائه ممتثلاً أمره فإنه يكون قد اجتمع في حقه دعاء العبادة ودعاء المسألة. أما الحديث الذي ذكره المصنف ﵀ "الدعاء مخ العبادة" فمخ الشيء لبه وخلاصته وما يقوم به ومعناه: أن العبادة لا تقوم إلا بالدعاء كما أن الإنسان لا يقوم إلا بالمخ؛ لدلاته على الإقبال على الله تعالى والإعراض عما سواه. وهذا الحديث يدل على منزلة الدعاء من بين أنواع العبادة وهو حديث ضعيف٢ لكن معناه صحيح. ويشهد له الحديث الذي ذكرته آنفاً وهو حديث النعمان بن بشير ﵁.

стр. 72

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ . وَدَلِيلُ الْخَوْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . ــ قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ " وجه الدلالة من الآية أن الله جل وعلا سمى الدعاء عبادة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ، أي: حقيرين ذليلين صاغرين جزاء لهم على استكبارهم. فهذه الآية فيها أن الله تعالى أمر بالدعاء ووعد بالإجابة فدل على أن الدعاء عبادة بل هو من أجل العبادات. قوله: "وَدَلِيلُ الْخَوْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١ الخوف هو انفعال يحصل بتوقع ما فيه ضرر أو هلاك، والخوف أنواع: الأول: الخوف الطبيعي، كالخوف من عدو أو سبع أو حية فهذا ليس بعبادة، ولا ينافي الإيمان؛ لأنه قد يوجد في المؤمن كما قال تعالى عن موسى ﵇ ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ ٢ هذا الخوف لا يلام عليه الإنسان إذا انعقدت أسبابه أما إذا كان وهمياً أوله سبب ضعيف فهو مذموم لأن صاحبه جبان. النوع الثاني: خوف "السر"، وهو أن يخاف من غير الله من وثن أو

стр. 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولي من الأولياء بعيداً عنه أن يصيب بمكروه وهذا الخوف هو الواقع بين عباد القبور والمتعلقين بالأولياء، قال تعالى عن قوم هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ فهم يتصورون أن الآلهة يخاف منها لأنها قد تعتري الإنسان بسوء، ومعنى هذا في نظرهم أنها إذا كانت تنفع فإنه يتصور أنها تضر فهذا يطلق عليه خوف السر. النوع الثالث: أن يترك الإنسان ما يجب خوفاً من الناس كأن يترك الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر خوفاً من الناس فهذا خوف محرم ومذموم. النوع الرابع: خوف تعبد وتعلق هو أن يخاف أحداً يتعبد بالخوف له فيدعوه الخوف لطاعته، وهذا النوع هو خوف التعبد والتأله الذي يحمل على الطاعة والبعد عن المعصية وهذا خاص بالله تعالى. وتعلقه به من أعظم واجبات الدين ومقتضيات الإيمان، وتعلقه بغير الله تعالى من الشرك الأكبر؛ لأن الخوف من أعظم واجبات القلب١. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الإنسان إذا لم يخف من الله اتبع هواه ولاسيما إذا كان طالباً ما لم يحصل له، فإن نفسه تبقى طالبة لما تستريح به، وتدفع به الغم والحزن عنها، وليس عندها من ذكر الله وعبادته ما تستريح إليه وبه، فيستريح إلى المحرمات من فعل الفواحش وشرب المحرمات وقول الزور ... "٢.

стр. 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والآية التي ساقها المؤلف دليل على أن الخوف عبادة لله تعالى بدليل أن الله جعل الخوف شرطاً لصحة الإيمان فقال تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، وهذه الآية أولها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ ، ومعنى "يخوف أولياءه"، أي: يخوفكم أولياءه ويعظمهم في صدوركم؛ لأجل أن تموت معنوياتكم فتخافوهم فتحصل الهزيمة. قال الأنباري: "والذي نختاره في الآية: يخوفكم أولياءه. تقول العرب: أعطيت الأموال، أي: أعطيت القوم الأموال. فيحذفون المفعول الأول"١. وقوله تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ﴾ فيه بيان أنه لا يجوز للمؤمن أن يخاف أولياء الشيطان، ولا يخاف الناس كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ ٢، فخوف الله أمر به. وخوف أولياء الشيطان نهى عنه٣. والشاهد في الآية أن الإنسان إذا خاف غير الله سبحانه خوف تعبد وتأله مستقر بالقلب يحمل على الطاعة والبعد عن المعصية فإن هذا الخوف من أنواع الشرك؛ لأن الله جل وعلا جعله من مقتضيات الإيمان، فمن صرف هذا لغير الله تعالى فليس بمؤمن. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معنى بديعاً من معاني الخوف كما نقله عنه ابن القيم ﵀ في "مدارج السالكين"٤. يقول شيخ الإسلام: "الخوف

стр. 75

ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ . ــ المحمود ما حجزك عن محارم الله". وقال بعض السلف: "لا يعد خائفاً من لم يكن للذنوب تاركاً"١. والخشية بمعنى الخوف، لكن الخشية أخص من الخوف؛ لأن الخشية مقرونة بمعرفة الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٢، فالخشية خوف مقرون بمعرفة الله، ولهذا قال النبي ﷺ : "أما والله، إني لأخشاكم لله وأتقاكم له" ٣. قوله: "ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٤" أصل الرجاء هو الطمع أو انتظار الشيء المحبوب، والرجاء يتضمن التذلل والخضوع، فلا يكون إلا لله ، وتعليق الرجاء بغير الله شرك، وإن كان الله تعالى قد جعل لها أسباباً، فالسبب لا يستقل بنفسه بل لابد له من معاون، ولابد من انتفاء الموانع، وهو لا يحصل ولا يبقى إلا بمشيئة الله تعالى٥.
следующие страницы →