← Акыда

Акыда · id 11158

حصول المأمول بشرح ثلاثة الأصول

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (204 стр.). Показаны 176–204 · переход к 181.

стр. 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال ابن كثير ﵀ في تفسير آية سورة "المؤمنون" وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ : "الأكثرون على أن المراد بالزكاة هنا زكاة الأموال"١ا. هـ. وقال بعض أهل العلم: إن الزكاة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ المراد بها: تزكية النفوس وتطهيرها من الرذائل وعلى رأسها الشرك. ولا منافاة بين الآيات المكية والمدنية في موضوع الزكاة، فإنها فرضت في مكة وبينت أنصبتها في المدينة. فالزكاة التي كانت في مكة لم تكن مقدرة بأنصبة معينة إنما كان مرجعها إلى ذاتية الشخص. فقد يجود بالكثير وقد يجود بالقليل، وهذا –والله أعلم؛ لأن الإسلام لم يقم له في مكة دولة، فلم يكن هناك معنى لأن تفرض مقادير معينة للزكاة لكن في الرسول ﷺ . ولهذا فالرسول ﷺ وهو في مكة لم يتحدث عن أنصبة الزكاة ولا بين مقاديرها. وعلى هذا فكلام المصنف ﷺ هنا في قوله: "الزكاة" "يريد" ذات الأنصبة والمقادير. والله أعلم. قوله: "والصوم، والحج" فرض الصوم في السنة الثانية من الهجرة. ٢ والحج فرض على أرجح الأقوال في السنة التاسعة من الهجرة٣.

стр. 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قوله: "والجهاد" هو مصدر جاهد يجاهد جهاداً؛ إذا بالغ في قتل العدو وغيره. ومادة "جهد" حيث وجدت فيها معنى المبالغة. قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ١، والمراد هنا: قتال الكفار خاصة. والجهاد فرض بعد الهجرة كما ذكر المصنف. وقبلها لم يأذن الله للمسلمين بالجهاد في مكة ولا فرضه عليهم؛ لأنهم عاجزون ضعفاء ليس لهم شوكة يتمكنون بها من القتال. فلما هاجروا إلى المدينة وقامت الدولة الإسلامية أمروا بالجهاد قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ ٢. قوله: "والأذان" أي: أن الأذان شرع في المدينة في السنة الأولى من الهجرة على القول الراجح، وقد وردت أدلة تدل على أن الآذان شرع في مكة قبل الهجرة. لكنها أحاديث معلولة كما قال الحافظ ابن حجر ﵀. وقد جزم ابن المنذر ﵀ بأنه ﷺ كان يصلي في مكة بغير أذان منذ فرضت الصلاة إلى أن هاجر إلى المدينة٣. قوله: "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، المعروف: اسم جامع لكل ما عرف أنه من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه. والمنكر: ضد ذلك. قال الراغب: "المعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع

стр. 178

وفاته ﷺ ... أخذ على هذا عشر سنين. وتوفي، صلاة اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ، وَدِينُهُ باقٍ، وَهَذَا دِينُهُ: لا خَيْرَ إِلا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ، وَلا شَرَّ إِلا حَذَّرَهَا مِنْهُ. وَالْخَيْرُ الَّذِي دَلَّهَا عَلَيْهِ التَّوْحِيدُ وَجَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، والشر الذي حذرها عنه الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه. ــ حسنه، والمنكر ما ينكر بهما"١. قال الشوكاني: "والدليل على كون ذلك الشيء معروفاً أو منكراً هو الكتاب والسنة"٢. وإنما خصه الشيخ –والله أعلم- دون غيره من بقية الشرائع؛ لأنه باب عظيم به قوام الأمر وملاكه، وهو وظيفة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. وسمة من سمات الإيمان. وحق من حقوق المسلم على أخيه والأدلة على ذلك معلومة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . قوله: "أخذ على هذا عشر سنين"، يعني: أخذا على تبليغ الشريعة وبيانها في المدينة وغيرها عشر سنين. قوله: "وبعدها توفي صلوات الله وسلامه عليه" قال ابن كثير ﵀: "لا خلاف أنه ﷺ توفي يوم الاثنين، والمشهور أنه الثاني عشر من ربيع الأول"٣ا. هـ. قوله: "ودينه باق"، أي: لأنه دين عام إلى يوم القيامة للبشرية كلها. بينما الأديان السابقة كانت مؤقتة بأوقات معينة انتهت بنهايتها. ولما كان

стр. 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإسلام ديناً عاماً لجميع البشرية وجب الإيمان بالرسول ﷺ على جميع الثقلين الجن والإنس من اليهود والنصارى وغيرهم –كما سيأتي-؛ ولهذا تكفل الله بحفظه وحفظ القرآن الكريم، وقد دخل التحريف التوراة والإنجيل، والكتب الأخرى لا وجود لها. أما القرآن فإنه منذ أنزل إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة وهو باق لن تمتد إليه يد بتحريف ولا عبث؛ لأن الله تعالى تكفل بحفظه. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١. قوله ﵀: "وَهَذَا دِينُهُ لا خَيْرَ إِلا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ، وَلا شَرَّ إِلا حَذَّرَهَا مِنْهُ وَالْخَيْرُ الذي دلهما عَلَيْهِ "التَّوْحِيدُ" وَجَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، والشر الذي حذر منه "الشرك" وجميع ما يكرهه الله ويأباه" هذا كلام رصين ودقيق قل أن تجده في مكان آخر. وقد ورد على أبي ذر ﵁ قال: تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علماً. قال: فقال رسول الله ﷺ : "ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم" ٢. وعن المطلب بن حنطب أن النبي ﷺ قال: "ما تركت شيئاً مما أمركم

стр. 180

بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض عَلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ، الْجِنِّ وَالإِنْسِ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ . وَكَمَّلَ اللهُ بِهِ الدِّينَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ . ــ الله به وقد أمرتكم به، ولا تركت مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه ... " ١. قوله: "بعثه الله إلى الناس كافة وافترض الله طَاعَتَهُ عَلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ٢". هذه الآية دليل على عموم رسالة النبي ﷺ ؛ لأن الخطاب فيها للناس وهو لفظ شامل للعرب والعجم، وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" ٣. فهذا دليل –أيضاً- على عموم رسالته ﷺ وعلى وجوب الإيمان به. قوله: "وأكمل اللهُ بِهِ الدِّينَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ

стр. 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ ١" إكمال الدين حصل بتمام النصر وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة العلمية والعملية. فليس في هذا الدين –ولله الحمد- زيادة لمستزيد، فلا نقص يستدعي الإكمال ولا قصور يستدعي الإضافة. وقد ورد عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ أن رجلاً من اليهود قال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يوم الجمعة٢. وهذا الرجل الذي سأل عمر ﵁ هو كعب الأحبار كما جاء في رواية الطبراني، وفيها أيضاً: "نزلت في يوم الجمعة ويوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد"٣. وقوله تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ ، أي: بهذا الدين. وبهذا المنهج الشامل الكامل تمت نعمة الله على هذه الأمة: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ هذا حث من الله لهذه الأمة لتدرك قيمة هذا الدين ثم تحرص على الاستقامة عليه، فمن

стр. 182

وَالدَّلِيلُ عَلَى مَوْتِهِ ﷺ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ . ــ لا يرتضي هذا الدين منهجاً لحياته يسير عليه في كل صغيرة وكبيرة، فإنه يرفض ما اختاره الله تعالى وكفى بهذا قبحاً وشناعة أن يرفض هذا العبد الضعيف ما اختاره الله تعالى ورضيه. وهذه الآية دليل واضح على رعاية الله وعنايته بهذه الأمة حيث اختار لها ديناً وارتضاه وأحبه . ومن الأدلة على إكمال الدين حديث العرباض بن سارية أن النبي ﷺ قال: "لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك" ١. قوله: "وَالدَّلِيلُ عَلَى مَوْتِهِ ﷺ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ ٢". أي: والدليل من النقل المطابق للحس عَلَى مَوْتِهِ ﷺ قَوْلُهُ تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ ، أي: إنك يا محمد ستموت وتنقل من هذه الدار لا محالة قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ٣،

стр. 183

وَالنَّاسُ إِذَا مَاتُواْ يُبْعَثُونَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ . وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ . ــ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ ، أي: سيموتون. وينقلون من هذه الدار لا محالة كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ ، أي: يوم القيامة في ساحة فصل القضاء تختصمون إلى الله تعالى، وتحتكمون إليه فيما تنازعتم فيه؛ فيفصل بينكم بحكمه العادل. والآية شاملة لكل متنازعين في الدنيا من المؤمنين والكافرين فإنها تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة. دل على ذلك حديث الزبير ﵁ قال: لما نزلت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قال الزبير: يا رسول الله، أتكرر علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا؟ قال نعم، فقال: إن الأمر إذاً لشديد٢. وهذه الآية التي ساقها الشيخ ﵀ هي أحدى الآيات التي استشهد بها الصديق ﵁ عند موت النبي ﷺ ، حتى تحقق الناس موته مع قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ٣. قوله: "والناس إذا ماتوا يبعثون" قصد بهذا ﵀ بيان وجوب

стр. 184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإيمان بالبعث، وأن الإيمان به من جملة الإيمان باليوم الآخر وما فيه، والبعث معناه: إحياء الموتى حين ينفخ في الصورة النفخة الثانية. فيقوم الناس لرب العالمين لا نعال عليهم. عراة لا كسوة عليهم، غرلاً لا ختان فيهم؛ لقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ ١. والبعث حق ثابت دل عليه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وهو مقتضى الحكمة، حيث تقتضي أن يجعل الله تعالى لهذه الخليقة ميعاداً يجازيهم فيه على ما شرعه لهم، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ٢. قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ٣" هذه الآية دليل على أن الله يخرج الموتى من هذه الأرض، وذلك في قوله: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ . ومن الأدلة أيضاً قوله ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً" ٤. والحشر معناه: الجمع، يعني: جمع الخلائق يوم القيامة لحسابهم والقضاء بينهم. قوله: "وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً﴾ ٥"، أي: مبدأ

стр. 185

وَبَعْدَ الْبَعْثِ مُحَاسَبُونَ وَمَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ . ــ الخلق خلق آدم ﵊ من الأرض والناس ولد لآدم. وقوله: ﴿نَبَاتاً﴾ اسم مصدر نائب مناب المصدر، أي: إنباتاً. ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾ ، يعني: يعيدكم في الأرض إذا متم ودفنتم بها ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ للحساب والجزاء. قوله: "وبعد البعث محاسبون" ذكر المصنف أمراً آخر يجب الإيمان به يتعلق باليوم الآخر وهو الإيمان بالحساب والجزاء. والمراد بالحساب: إيقاف الله تعالى العباد على أعمالهم التي عملوها وما كانوا عليه في الدنيا. ومشهد الحساب مشهد عظيم ينبغي لكل مسلم أن يستحضره، قال تعالى عنه: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ١، وحسبنا أن نعلم أن القاضي والمحاسب في هذا اليوم العظيم هو الحكم العدل قيوم السموات والأرضين. وهل الحساب عام للمؤمن والكافر أو أنه خاص بالمؤمن. والكافر لا فائدة من محاسبته؟ أرجح الأقوال في هذه المسألة أن الحساب عام للمسلم والكافر، وفائدة الحساب للكافر مع أن مآله إلى النار ولا حسنات تنفعه في مقابل

стр. 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما له من السيئات التي أعظمها سيئة الكفر. أقول: محاسبة الكافر وراءها حكم عظيمة، منها: أولاً: إقامة الحجة على الكفار وإظهار عدل الله فيهم. ثانياً: محاسبة الكفار فيها توبيخ وتقريع لهم. ثالثاً: لأن الكفار على أرجح الأقوال مخاطبون بالأوامر والنواهي كما دلت على ذلك النصوص الشرعية. رابعاً: لأن الكفار يتفاوتون في الكفر، والنار دركات. ومما يدل على أن الكفار محاسبون قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ١، فهذا يدل على أنهم محاسبون ومسئولون، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ٢، فقوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ دليل على أن الكفار يحاسبون٣. وقوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ٤"، أي: أن الله تعالى لا يظلم أحداً فيجزي الذين

стр. 187

وَمَنْ كَذَّبَ بِالْبَعْثِ كَفَرَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ . ــ أساءوا بإساءتهم، وأما عملوا الحسنى فهؤلاء جزاؤهم الحسنى، فلما أحسنوا العمل أحسن الله مثوبتهم وجزاءهم. فهذه الآية من الآيات الدالة على ثبوت الحساب، والآيات التي بمعناها كثيرة كقوله تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ ١. ومن النصوص أيضاً ما ورد عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقول في بعض صلاته: "اللهم حاسبني حساباً يسيراً" فقالت عائشة ﵂: وما الحساب اليسير؟ قال: "أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه" ٢. قوله: "ومن كذب بالبعث كفر"، أي: لأنه مكذب لله ورسوله حيث إن القرآن دل في آيات كثيرة على ثبوت البعث، فالذي يكذب بالبعث مكذب للقرآن، من كذب القرآن فهو مكذب لله تعالى؛ فيحكم بكفره، ومكذب أيضاً للنبي ﷺ ؛ لأن النصوص ثبتت عن الرسول ﷺ بوقوع البعث وهو مخالف لإجماع المسلمين. قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ ٣" أي: الدليل على أن التكذيب بالبعث كفر قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... ﴾ ووجه الدلالة أن الله تعالى كفرهم بإنكارهم البعث وسمى مقالتهم زعماً؛

стр. 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فدل ذلك على من أنكره فهو كافر، وإنما زعموا أنهم لن يبعثوا؛ لأنهم قالوا: إن البعث غير ممكن كما قال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ١، ومعنى: ﴿ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ ، أي: ضاعت أجسامنا وعظامنا واختلطت بالأرض وصارت رفاتاً. وهم يزعمون أن الله تعالى لا يقدر على بعثهم بعد هذا كما قال تعالى عن بعض كفار قريش: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ٢، وقد جاء إلى النبي ﷺ بعظم وفته في وجهه ونفخه. وقال: أتزعم يا محمد أن الله يحي هذا بعد ما أرم –يعني: بعدما فني فصار تراباً- قال: "نعم ويدخلك النار" ٣ فهذه هي شبهة الكفار، فإنهم يقولون: إن الله تعالى غير قادر على أن يحييها ويعيدها مرة أخرى وهي على هذه الحال. وقد أكثر القرآن الكريم من ذكر البعث في آيات كثيرة وتنوعت الأساليب في القرآن في موضوع الإقناع بالبعث. وقد جاء في القرآن براهين عقلية تدل على وقوع البعث وخلاصة الأدلة على وقوع البعث كما يلي: الدليل الأول: إخبار العليم الخبير بوقوع يوم القيامة، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وجاء هذا الإخبار في القرآن الكريم بأساليب متنوعة ليكون أوقع في النفوس وأقرب إلى القبول. الدليل الثاني: أن القادر على الخلق الأول قادر على الخلق الثاني كما

стр. 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ ١، وقد استقر في أفهام الناس وتصورهم أن الإعادة أهون من البدء فإذا كنتم تعترفون أن الله قد خلقكم ابتداء فلماذا تنكرون الإعادة مع أن الإعادة في نظركم أهون، والبدء والإعادة عند الله تعالى سواء وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢، يعني: أهون عليه في نظركم فلماذا تنكرونه؟ والحاصل أن القادر على الخلق الأول قادر على الخلق الثاني. الدليل الثالث: أن القادر على خلق الأعظم قادر على خلق ما دونه قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ ٣. الدليل الرابع: قدرة الله جل وعلا على تحويل الخلق من حال إلى حال فهو يميت ويحي ويخلق ويفني وهذه الأرض تكون هامدة لا نبات فيها فينزل الله المطر هي خضراء تهتز قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤، ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ

стр. 190

وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين. ــ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ ١ فتجد أن القرآن يشير إلى هذا المعنى في كثير من الآيات وهو القادر على تحويل الشيء من حال إلى حال قادر على بعث الناس. وفي الآية التي ذكر المصنف ﵀ وهي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ دليل على وقوع البعث كما تقد. ودليل على الحساب في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ، والمعنى: أن بعث الخليقة من قبورهم ومحاسبتهم سهل هين عليه . وهذه الآية هي إحدى الآيات الثلاث في القرآن التي أمر الله فيه نبيه ﷺ أن يقسم للمشركين بربه جل وعلا على وقوع البعث، وليس بعد قسم النبي ﷺ بربه توكيد، والآية الثانية في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ ٢، والآية الثالثة في سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ٣. قوله: "وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين" هذه حكمة من الحكم العظيمة لإرسال الرسل إلى البشر "مبشرين ومنذرين" والتبشير معناه: ذكر الجزاء والثواب لمن أطاع. والإنذار: تخويف العاصي والكافر من سخط الله تعالى وعقابه، وقد يأتي التبشير أحياناً في العذاب

стр. 191

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ . َوَأَّولُهُمْ نُوحٌ ﵇، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ . ــ كما في قول الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ١ والأصل أنه يطلق على ما فيه من خير والإنذار على ما فيه من شر. قوله ﵀: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٢ هذه الآية دليل على وظيفة من وظائف الرسل وهي: أنهم يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب. وفيها دليل على أنه لم يبق للخلق على الله حجة بعد الرسل؛ لأنهم بينوا للناس أمر دينهم، ومراضي ربهم ومساخطه، وطرق الجنة وطرق النار، فلم يبق لمعتذر عذر، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ ٣. قوله: "َوَأَّولُهُمْ نُوحٌ ﵇، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ٤" استدل العلماء بهذه الآية على أن أول الرسل نوح

стр. 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﵊ ووجه الاستدلال من البعدية في قوله تعالى: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ، ولو كان هناك رسول قبل نوح لذكر. أما في السنة فهو ما ورد في الحديث الصحيح في حديث الشفاعة أن الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة؛ فيقول لهم: "ائتوا نوحاً فإنه أول رسول إلى الأرض فيأتون نوحاً فيقولون له: أنت أول رسول أرسلك الله إلى أهل الأرض"١. وهذا من أقوى الأدلة على أ، نوحاً ﵊ أول الرسل. فإن آدم ﵊ وصفه بأنه أول رسول إلى الأرض. وأما آدم ﵊ فقد جرى الخلاف في رسالته، هل هو رسول أو ليس برسول. ومن قال إنه رسول يقول: لا منافاة بين رسالته ورسالة نوح؛ لأن رسالة آدم كانت إلى زوجته وبنيه فقط، فهي لأناس محصورين ولم يكن في الأرض آنذاك أهل غيرهم. وأما نوح ﵊ فإن رسالته كانت إلى أهل الأرض. أو إن رسالة آدم كانت إلى بنيه وهم موحدون ليعلمهم شريعته، ونوح كانت رسالته إلى قوم كفار يدعوهم إلى التوحيد ... والله أعلم٢. وقد ذكر بعض المؤرخين أن إدريس ﵇ جد نوح ﵇، وإذا كان جداً لنوح فتكون رسالته متقدمة. وقال آخرون: إنه ليس جداً لنوح

стр. 193

وكل أمة بعث الله إليهم رسولاً من نوح إلى محمد يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطاغوت. ــ وإنما هو من أنبياء بني إسرائيل. وفي حديث المعراج ما يدل على أن إدريس من أنبياء بني إسرائيل وأن رسالته متأخرة. وذلك أن الرسول ﷺ لما مر على إدريس ﵇ في السماء الرابعة وسلم عليه قال له: أهلاً بالأخ الصالح والنبي الصالح. قالوا: ولو كان جداً لنوح لقال للنبي ﷺ : الابن الصالح. وإن كان الحافظ ابن حجر قال: إن هذا لا يلزم؛ لأنه قد يكون قاله من باب التواضع١ لكن على أي حال يصلح أن يتمسك به. وخلاصة المسألة أنه لم تثبت الأولية بأدلة قوية إلا لنوح ﵊، والله أعلم. والمصنف ساق الدليل على أولية نوح ﷺ وترك الدليل على أن محمداً آخرهم لوضوحه وهو قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٢. قوله: "وكل أمة بعث الله إليهم رسولاً من نوح إلى محمد يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطاغوت"، يعني: يأمرهم بالتوحيد؛ لأن التوحيد يجمع أمرين: الأول: عبادة الله وحده. الثاني: النهي عن عبادة الطاغوت. فكل أمة من الأمم السابقة بعث الله إليها رسولاً يدعوهم إلى توحيد الله تعالى وترك عبادة ما سواه فمن كفر

стр. 194

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ . وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: مَعْنَى الطَّاغُوتِ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ. ــ بالطاغوت وآمن بالله تعالى فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا، ولا يصح من الإنسان عمل إلا بالبراءة من عبادة كل ما يعبد من دون الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١. قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢" معنى ﴿بَعَثْنَا﴾ ، أي: أرسلنا. ومعنى ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ ، أي: في كل طائفة وقرن وجيل من الناس. وهذه الآية دليل واضح على أن الرسالة عمت كل أمة وأن دين الأنبياء واحد، كما أن الآية دليل على عظم شأن التوحيد وأنه واجب على جميع الأمم. وقد افترض اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بالله؛ لأن توحيد العبد لا يتم إلا بذلك. قوله: "قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: مَعْنَى الطَّاغُوتِ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ معبود أو متبوع أو مطاع" هذا تعريف الطاغوت. وهذا الكلام ذكره ابن القيم ﵀ في "إعلام الموقعين"٣. وقد عرف ابن القيم

стр. 195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الطاغوت أحسن تعريف. والطاغوت في الأصل مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، فكل من يتجاوز الحد الذي يحد له يعتبر في اللغة طاغوتاً، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ١. وكلمة طاغوت من أبنية المبالغة مثل الجبروت والملكوت. أما تعريفه المقصود فكما قال ابن القيم ﵀: "كل ما تجاوز به العبد حده"، ومعنى كل ما تجاوز به حده، أي: تعدى به العبد قدره الذي ينبغي له في الشرع فهو طاغوت، "من معبود" يعني: سواء كان هذا التعدي بكون هذا الإنسان عبد من دون الله فصار معبوداً فمن صرف له شيء من أنواع العبادة وهو مقر بذلك وراض به فإنه طاغوت؛ لأنه تجاوز حده وقدره في الشرع؛ لأن حده في الشرع أن يكون عابداً لله تعالى لا أن يكون معبوداً فإذا رضي أن يكون معبوداً فقد تجاوز حده، "أو متبوع" هذا يدخل فيه الكهان والسحرة الذين يتبعون فيما يقولون. كما يدخل في هذا علماء السوء الذين يدعون إلى الكفر أو الضلال أو إلى البدع أو يزينون للحكام الخروج عن شريعة الإسلام والاستعاضة عنها بالقوانين الوضعية فهؤلاء كل واحد منهم يصدق عليه أنه طاغوت؛ لأنه تجاوز حده، وهذا التجاوز في كونه متبوعاً يشرع، "أو مطاع" هذا يدخل فيه الحكام والأمراء الخارجون عن طاعة الله تعالى، الذين يحرمون ما أحل الله، أو يحلون ما حرم الله، فهم بهذا المعنى طواغيت؛ لأنهم تجاوزوا حدهم بكونهم هيأوا أنفسهم لأن يطاعوا في غير طاعة الله تعالى. هذا معنى التعريف الذي ذكره ابن القيم.

стр. 196

رؤوس الطواغيت ... وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُونَ، وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ، وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ راضٍ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ الله. ــ قول المصنف: "والطواغيت كثيرون" يعنى: باعتبار التعريف الذي ذكره ابن القيم فإنه يتبين منه أن الطواغيت كثيرة؛ لأن كل من عبد أو اتبع أو أطيع فيصدق عليه طاغوت، وهؤلاء كثيرون، ولكن رؤوسهم بالتتبع والاستقراء خمسة وما عدا هذه الخمسة فهو متفرع عنها. قوله: "ورؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله"؛ لأنه الداعي إلى عبادة غير الله تعالى فهو أول الطواغيت. قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ١، والمراد بعبادة الشيطان: طاعته؛ فيدخل في ذلك جميع أنواع الكفر والمعاصي؛ لأنها كلها طاعة للشيطان وعبادة له. قوله: "ومن عبد وهو راضٍ" هذا الثاني، والمعنى: من علم أن الناس يعبدونه ويتوسلون به ويصرفون له شيئاً من أنواع العبادة فرضي بهذه العبادة فهو طاغوت كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ٢. قوله: "ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه" هذا الثالث. وهو الذي يدعو الناس إلى عبادته وتعظيمه، وهذا ينطبق على بعض مشايخ الضلال من

стр. 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصوفية وغيرهم الذين يقرون بالغلو ويفرحون بتعظيم الناس لهم. قوله: "ومن ادعى شيئاً من علم الغيب" هذا الرابع. وذلك كالمنجمين والعرافين والرمالين الذين يدعون شيئاً من علم الغيب والله جل وعلا يقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ ٢ فعلم الغيب لا يكون إلا لله تعالى إلا من شاء الله تعالى من أنبيائه ورسله أن يطلعه على شيء من علم الغيب. وقوله: "ومن حكم بغير ما أنزل الله" هذا الخامس؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٣، وفي الآية الأخرى: ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٤، وفي الآية الثالثة: ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٥، وهل هذه أوصاف متعددة لموصوف واحد؟ أو أنها لموصوفين مختلفين؟ من أهل العلم من قال: إنها أوصاف لموصوف واحد، يعني: أن الحاكم بغير ما أنزل الله باعتبار أنه جحود للشريعة يكون كفراً، وباعتبار أنه مجاوزة لحق الإنسان واعتداء على حق الله تعالى في التشريع يكون

стр. 198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ظلماً؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه. ومن حيث إنه خروج عن شرع الله تعالى يكون فسقاً؛ لأن الفسق معناه: الخروج. ولا مانع أن الأوصاف هذه تنطبق على ذات واحدة؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١ يعني: الكافر يوصف بأنه ظالم. وقال تعالى: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٢ فوصفوا مع الكفر بالفسق. فقد يكون الشخص كافراً ظالماً فاسقاً؛ لأن الله تعالى وصف الكافرين بالظلم ووصفهم بالفسق. ومن العلماء من قال: إن هذه الأوصاف تتنزل على موصوفين بحسب الحامل على الحكم بغير ما أنزل الله، فإذا حكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن حكمه أصلح أو أنه مثل حكم الله تعالى فهذا كافر كفراً يخرج من الملة. أما إذا لم يحكم بما أنزل الله ولم يستخف به ولم يعتقد أن غير حكم الله أحسن فهذا يكون ظالماً. أما إذا حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن حكم الله أنفع وأصلح وأن غيره لا خير في ولكنه حكم من أجل مجاراة للمحكوم له من أجل رشوة أو نحو ذلك فهذا يكون فاسقاً. فعلى هذا القول تنزل الأوصاف على حسب الحامل لهذا الحاكم٣.

стр. 199

والدليل قوله تعال: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . ــ قوله: "والدليل قوله تعال: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ١" ساق المصنف ﵀ الدليل على أن الله تعالى افترض على العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. أما تعريف الطاغوت وذكر الطواغيت فإن المصنف لم يستدل عليه هنا وقد استدل عليه في رسائل أخرى٢. ومعنى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ، أي: لظهور أدلة الدين وبراهينه فلا يكره إنسان على أن يعتنق الإسلام وإنما يعتنقه الإنسان بإرادته واختياره ولا منافاة بين هذه الآية والآيات الدالة على وجوب القتال والجهاد؛ لأن هذه الأدلة مراد بها إزالة العوائق في وجه الإسلام فإذا وقف أناس في وجه الإسلام أو قوة وقفت في وجه الإسلام فإنه يشرع القتال ويجب في هذه الحالة لإزالة هذه العوائق لكن لا يُلزم الإنسان بأن يعتنق الإسلام. وهذه الآية فيها خلاف بين المفسرين، فمنهم من ذهب إلى أنها منسوخة بآيات القتال. وضعف هذا المحققون كابن جرير وابن العربي والشوكاني وغيرهم٣. ومنهم من قال: إن هذه الآية محكمة وأنها خاصة باليهود والنصارى والمجوس. أما

стр. 200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوثنيون فإنهم يكرهون على الإسلام ويلزمون بالدخول فيه. وهو اختيار ابن جرير وجمع من المحققين. وعلى أي حال فالإنسان يعتنق الإسلام بإرادته واختياره وظهور تعاليمه وأدلته وبراهينه. وأما ما جاء في آيات القتال والجهاد فهذا لا ينافي الآية بل كل من وقف في وجه الإسلام من شخص أو من قوة فإنه يقاتل. أما أنه يلزم ويكره على اعتناق الإسلام فقد يعتنقه في الظاهر ولا يعتنقه في الباطن فيكون منافقاً. وقوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ الرشد: هو الهدى الموصل إلى سعادة الدارين. والغي معناه: الضلال المفضي بالعبد إلى الشقاء والخسران. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ هذا هو معنى التوحيد؛ لأن التوحيد –كما ذكر الشيخ قبل قليل- لابد من الكفر بالطاغوت والإيمان بالله وهذا أول ما فرض على ابن آدم. وصفة الكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها، وتبغضها وتكفر أهلها وتعاديهم. ومعنى الإيمان بالله: أن تعتقد أن الله هو الإله المعبود وحده دون من سواه وتخلص له جميع أنواع العبادة وتنفيها عن كل معبود سواه وتحب أهل الإخلاص وتواليهم وتبغض أهل الشرك وتعاديهم. ١ ولهذا قال

стр. 201

وهذا مَعْنَى لا اله إِلا اللهُ. وَفِي الْحَدِيثِ: "رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجهاد في سبيل الله". ــ ﵀: "وهذا معنى لا إله إلا الله"، أي: أن هذه الآية متضمنة للنفي والإثبات فتثبت جميع أنواع العبادة لله وحده لا شريك له، وتنفي جميع أنواع العبادة عن غير الله تعالى، وقد تقدم بيان ذلك. وقوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ ، أي: تمسك، واستمسك أبلغ من تمسك. قال الراغب: استمسكت بالشيء: إذا تحريت الإمساك١. وقوله: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ العروة في الأصل: موضع شد اليد. والوثقى: تأنيث الأوثق. يقال: رجل أوثق وامرأة وثقى. والوثقى، أي: القوية التي لا تنفك. والمعنى –والله أعلم- فقد استمسك بالعقد المحكم الذي لا ينفك ولا ينفصم، وفيه بيان أن الذي يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله أنه قد أخذ بالطريق إلى الجنة؛ لأنه استمسك بالعروة الوثقى. قوله: "وَفِي الْحَدِيثِ: "رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ" أراد المصنف ﵀ بهذا الحديث الاستدلال على أن لكل شيء رأساً وأن رأس الأمر الذي جاء به محمد ﷺ هو الإسلام. وقد جاء تفسيره في رواية أخرى بالشهادتين فمن لم يقر بهما باطناً وظاهراً فليس من الإسلام في شيء٢. وقوله: "وعموده الصلاة"، أي: قوام الدين الذي لا يقوم الدين إلا به

стр. 202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كما يقوم الفسطاط على عموده هو الصلاة. وهذا دليل على عظم شأن الصلاة وأنها من الدين بهذا المكان العظيم. وأن مكانذها من الدين مكان العمود من الفُسطاط –وهو بيت من شعر- فهو قائم ما وجد العمود، ولو سحب العمود منه ما نفعت الأطناب وسقط البيت على الأرض. وفي هذا دليل على أن الذي يترك الصلاة لم يبق له دين ولذلك استدل الإمام أحمد ﵀ وغيره من أهل العلم الذين يقولون بأن تارك الصلاة كسلاً كافر استدلوا بهذا الحديث. ووجه الاستدلال أنه أخبر أن الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه الخيمة. فكما تسقط الخيمة بسقوط عمودها فكذا يذهب الإسلام بذهاب الصلاة١. وليس في الحديث تعرض لكونه معترفاً بها أو جاهداً لوجوبها. بل هو ظاهر في الترك مطلقاً. والله أعلم. قوله: "وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله"، الذروة: بكسر الذال وضمها وفتحها. وذروة الشيء أعلاه. وذروة البعير سنامه وهو أعلى شيء فيه. وهذا الحديث يدل على أن الجهاد هو أعلى شيء في الدين؛ لأن الجهاد فيه بذل للنفس التي هي أغلى وأثمن شيء عند الإنسان. وما ذكر المصنف ﵀ هو جزء من حديث معاذ بن جبل ﵁، وهو حديث طويل أوله: "قلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. قال: لقد سألت عن عظيم.. الحديث" ٢.

стр. 203

والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. ــ قوله: "والله أعلم" ختم الشيخ رحمه لله هذه الرسالة المفيدة كغيره برد العلم إلى الله تعالى المحيط بكل شيء علماً. قوله: "وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم" جملة "صلى": خبرية لفظاً، إنشائية معنى؛ لأن الشيخ لا يريد مجرد الإخبار بأن الله صلى على محمد وإنما يريد الدعاء فالمعنى: اللهم صلّ ... والصلاة من الله تعالى على نبيه ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، أي: عند الملائكة المقربين. كما قال ذلك أبو العالية. ورواه البخاري في "صحيحه"١. وهذا أحسن ما قيل في معنى ذلك؟ وقوله: "وآله" فيهم خلاف. والأظهر أن الآل إذا ذكروا وحدهم، فالمراد: جميع أتباعه على دينه كما هنا. أما إذا قرنت بالأتباع فقيل: آله وأتباعه، فالآل: هم المؤمنون من آل بيته ﷺ . وقوله: "وصحبه" اسم جمع صاحب، ويجمع على أصحاب، والمراد: أصحابه، وهم كل من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً به، ومات على ذلك، وعطفه من باب الخاص على العام. قوله: "وسلم" معطوف على قوله "وصلى الله". وهي خبرية لفظاً إنشائية معنى، أي: اللهم سلمه، أي: من النقائص والرذائل والآفات،

стр. 204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي الجمع بينهما سر بديع، ففي الصلاة حصول المطلوب وهو الثناء عليه، وفي السلام زوال المرهوب١. وإلى هنا انتهى ما أردنا كتابته على هذه النبذة المفيدة نسأل الله تعالى أن يكتب الأجر لمؤلفها ومن شرحها وقرأها عاملاً بما فيها من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.