. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: "لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلا يَعْرِفُهُ منا أحد" هذا متضمن معنى التعجب، فهو غريب عليهم، لكن لا يرى عليه أثر السفر. وقد نفى عمر ﵁ أن يعرفه أحد الحاضرين، وهذا قد يشكل في ظاهره، لكن ورد رواية: "فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: ما نعرف هذا ... " فأفادت أن عمر حكم بذلك استناداً لما قاله الحاضرون.
قوله: "حتى جلس إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ ركبتيه إلى ركبتيه" الضمير المجرور في قوله: "فأسند ركبتيه" يعود إلى الرجل. والضمير في قوله: "إلى ركبتيه" يعود إلى الرسول ﷺ ، والمعنى: أنه جلس بين يدي النبي ﷺ كما يجلس الإنسان في الصلاة في التشهد أو في الجلوس بين السجدتين، فجلس قريباً من النبي ﷺ .
قوله: "ووضع كفيه على فخذيه" في قوله: "على فخذيه" احتمال. فإما أن المراد: فخذا نفسه، والمعنى: وضع كفيه على فخذي نفسه، وإما أن المراد: وضع كفيه على فخذي النبي ﷺ وكأنه أراد بهذا أن يكون منتبهاً ومصغياً إلى النبي ﷺ . وقال بعض العلماء: بل يحتمل أنه أراد زيادة التعمية في أمره، وأنه أعرابي وصل إلى هذا الحد من الجفاء فوضع يديه على ركبتي النبي ﷺ . وكثير من الشراح يرجحون أن الضمير يعود إلى النبي ﷺ لما ورد في بعض الروايات كما عند النسائي قال: "ثم وضع يده على ركبتي النبي ﷺ "١. وهذه تزيل الإشكال. ولو كانت هي الرواية
стр. 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوحيد لما صار هناك إشكال فلا مانع من أن يرد اللفظ المشكل إلى لفظ يزيل الإشكال هذا هو الظاهر إن شاء الله تعالى.
قوله: "وقال: يا محمد" ناداه باسمه مع أن نداءه ﷺ باسمه مخالف لقول الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ ١، أي: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضاً باسمه إنما قولوا له: يا رسول الله أو نبي الله. ولهذا كان الصحابة ﵃ يمتثلون هذا الأمر وهذا التعليم من الله فما كان الواحد منهم يقول: يا محمد إلا إن كان أعرابياً قدم من البادية، فلعله قال ذلك مبالغة في التعمية، أو أن الملائكة غير داخلين في هذا النهي كما قال ابن علان في "شرحه على رياض الصالحين"٢. وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: "يا رسول الله"٣.
ثم إن الرواية التي معنا لم يذكر فيها أنه سلم وقد ورد في بعض الروايات كما عند النسائي٤ "أنه سلم" فإما أن يكون بعض الرواة لم ينقله قال الحافظ: وهذا هو المعتمد أو أنه لم يسلم وقصد بذلك التعمية وصنع صنيع الأعراب لكن من ذكر السلام مقدم على من سكت عن ذكر السلام لأن هذه زيادة فتقبل.
стр. 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: "قال: أخبرني عن الإسلام" في لفظ الترمذي: "قال: أخبرني عن الإيمان"، وورد أيضاً في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة أنه بدأ بالإيمان، وفي بعض الروايات أنه سأل عن الإحسان بين الإسلام والإيمان مع أن الحديث الذي معنا وهو لفظ مسلم ورد فيه الإحسان آخر شيء وقد أجاب الحافظ ﵀ عن هذا فقال: "إن القصة واحدة والرواة اختلفوا في تأديتها فبعضهم يقدم وبعضهم يؤخر وليس في السياق ترتيب"١.
قوله: "وقال: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ، فَقَالَ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً" تقدم الكلام على هذه الأركان.
قوله: "فقال: صدقت فعجبنا له" معنى عجبنا له، أي: عجبنا منه أو لأجله.
قوله: "يسأله ويصدقه"، أي: تعجب الصحابة ﵃ من حاله؛ لأن السؤال يدل على عدم علم السائل، والتصديق يدل على علمه.
قوله: "قال: فأخبرني عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وشره. قال: صدقت" ولم يقل عمر ﵁: "فعجبنا له يسأله ويصدقه" اكتفاءً بما تقدم. وقد أجابه الرسول ﷺ عن الإيمان بأنه: "أن تؤمن بالله"، مع أنه ورد في "الصحيحين" من حديث ابن عباس في قصة وفد عبد القيس أن النبي ﷺ
стр. 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَإِقَامُ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس" ١.
ووجه الإشكال أنه في حديث جبريل فسر الإيمان بالاعتقادات الباطنة وفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفي هذا الحديث فسر الإيمان بما فسر به الإسلام. والجواب: أن نقول إن حديث عمر الذي معنا دليل واضح على التفريق بين الإسلام والإيمان، فالإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة من أقوال اللسان وأعمال الجوارح، وأما الإيمان فإنه يفسر بالأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب وأعمالها. قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٢. وفي قصة قوم لوط قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣، فإنه فرق بن المؤمنين والمسلمين؛ لأن البيت الذي كان هذه القرية بيت إسلامي في ظاهره؛ لأنه يشمل امرأة لوط التي خانته في دينها لأنها كافرة. والإخراج لم يكن لهذا البيت بأكمله وإنما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، أي: ما نجا من هذا البيت المسلم إلا أهل الإيمان، فهذا يدل على أن هناك فرقاً بين الإيمان وبين الإسلام، وإلا فإن البيت
стр. 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المتحدث عنه بيت واحد لكن وصف بأنه بيت إسلامي باعتبار، وبأنه بيت مؤمنين باعتبار آخر.
أما في حديث ابن عباس فإنه لم يذكر إلا قسماً واحداً وهو الإسلام ولا ريب أن الإسلام عند الإطلاق يشمل الدين كله. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ ١، فيدخل فيه الإيمان. وكذا إذا ذكر الإيمان مجرداً دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة كقوله في حديث "الشعب": "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قَوْلُ لا اله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأذى عن الطريق" ٢.
قوله: "قال: فأخبرني عن الساعة، قال: مالمسؤول عنها بأعلم من السائل" الساعة بمعنى الوقت أو الزمن الحاضر، والمراد بالساعة هنا: القيامة، والمعنى: فأخبرني عن زمن الساعة. فقال النبي ﷺ : "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، أي: ليس المسئول عن وقتها بأعلم من السائل، والمعنى: أنت لا تعلمها وأنا لا أعلمها، ويكون المراد بقوله: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" إثبات التساوي في نفي العلم بوقتها، أي: أن العلم بها منتفٍ عني وعنك على حد سواء، وليس المراد التساوي في العلم بوقتها. والباء في قوله: "بأعلم" زائدة لإفادة التوكيد؛ لأن علم الساعة من الخمس التي استأثر بعلمها كما في قوله
стр. 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١، وقد ورد عن النبي ﷺ كما في الحديث الصحيح أنه قال: "خمس لا يعلمهن إلا الله" فذكر منها قيام الساعة٢. وفي بعض الروايات أن الرسول ﷺ تلا هذه الآية في أثناء جوابه للسائل٣.
قوله: "قال: فأخبرني عن أماراتها" هذا تدرج في السؤال، يعني: إذا كنت لا تعلم متى وقت قيامها فأخبرني عن أماراتها. والأمارات جمع أمارة وهي العلامة. وقد ورد في بعض الروايات: "وسأخبرك عن أشراطها" فأماراتها وأشراطها بمعنى واحد، والمراد بالأمارات التي سيذكر له الأمارات التي تتقدم الساعة بأزمان متطاولة، وهي الأشراط الصغرى، وليس العلامات التي تظهر قرب الساعة وهي الأشراط الكبرى: كطلوع الشمس من مغربها، وظهور الدجال، ونزول عيسى ﵇، غير ذلك.
قوله: "أن تلد الأمة ربتها" هذه علامة من علامات الساعة. وقد ورد في بعض الروايات: "بعلها" ومعنى "ربتها أو بعلها": سيدها. وقد اختلف العلماء في تفسير هذه الجملة على أقوال منها أن هذا إخبار بأن السراري تكثر في آخر الزمان فيكون ولدها من سيدها بمنزلة سيدها لاسيما
стр. 147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا كثرة الأموال وبدأ الولد يتصرف في المال فيكون هو السيد المطاع، وتكون هذه الأمة قد ولدت سيدها. وقيل: إن الحديث دليل على أن الإماء يلدن الملوك في آخر الزمان فتكون أم الملك أمة، وإذا كانت أمه أمة وتولى الملك فإنه سيكون سيداً لأمه ولغير أمه من أفراد الرعية، والله أعلم.
وقوله: "وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يتطاولون في البنيان" هذه علامة أخرى من علامات. والحفاة: جمع حاف، وهو الذي لا نعال عليه. والعراة جمع عار، وهو الذي لا ثياب عليه. والعالة: جمع عائل، والعائل هو: الفقير، كما في قول الشاعر:
وما يدري الفقير متى غناه
وما يدري الغني متى يعيل
أي: يفتقر. وقوله: "رعاء الشاء" بكسر الراء جمع راعٍ، ويجمع أيضاً على رعاة بضمها. والشاء جمع شاة وهو من الجموع التي يفرق بينها وبين واحدها بالهاء كشجر وشجرة.
وخصهم بالذكر لأنهم أضعف الرعاء، لكن قد ورد في حديث أبي هريرة في "الصحيحين": "رعاة الإبل"، والمراد: أن أصحاب هذه الأوصاف الأربعة: الحفاة والعراة والعالة ورعاة الشاء "يتطاولون في البنيان"، والتطاول في البنيان معناه: تكثير طبقات البنيان، ويصدق أيضاً على توسيع المنازل، وتكثير مجالسها ومرافقها، وهذه ذكرها الرسول ﷺ لمن كانت حالهم أنهم حفاة وعراة.. إلخ. والمعنى: أن هؤلاء في آخر الزمان يقوى أمرهم وتكون الأموال بأيديهم، وبدل أنهم حفاة عراة لا يملكون غير الشاة يصلون إلى حال التطاول والتفاخر في البنيان، فكل
стр. 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من بنى منهم بناء بدأ يتفاخر على من بنى قبله؛ لأنه أطول منه بناء أو أكبر أو أوسع فهذا يعتبر من أشراط الساعة، والله المستعان.
وقد ورد في حديث أبي هريرة في "الصحيحين" قال: "وإذا رأيت الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك من أشراطها" ١.
ومعنى رؤوس الناس: ملوك الناس. وفي رواية لمسلم: "وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها".
قال النووي: "المراد بهم السفلة الرعاء كما قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ ٢، أي: لما لم ينتفعوا بجوارهم هذه فكأنهم عدموها. هذا هو الصحيح في معنى الحديث، والله أعلم"٣.
قوله: "قال: فمضى فلبثنا ملياً" بتشديد الياء التحتية، والملي: هو الزمان، وقد ورد عند الترمذي والنسائي وغيرهما: "فلبثت ثلاثاً"٤.
قوله: "فقال: يا عمر، أتدري من السائل؟ " ظاهره أن الرسول ﷺ لم بخبر عمر إلا بعد مدة، لكن ورد في حديث أبي هريرة في "الصحيحين" قال: "ثم أدبر فقال: ردوه فلم يروا شيئاً. فقال: هذا جبريل أتى يعلم الناس دينهم" فهذه الرواية تدل على أن النبي ﷺ أخبرهم في
стр. 149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحال. والظاهر من الرواية التي معنا أن الإخبار خاص بعمر حيث قال: "فقال: يا عمر" والظاهر أن عمر ﵁ قام في الحال، أي: بعد أن أدبر الرجل، ولم يحضر كلام النبي ﷺ وإنما أخبره النبي ﷺ بعد مدة.
وهذا هو الجمع بين الرواية التي معنا وهي تدل على أن إخبارهم كان متراخياً ورواية "الصحيحين" من حديث أبي هريرة التي تدل على أن إخبارهم كان في الحال. قاله النووي، قال الحافظ: هو جمع حسن١.
قوله: "قلت: الله ورسوله أعلم"، أي: من غيرهما، ولم يقل: أعلما لأن أفعل التفضيل المجرد لا يثنى ولا يجمع بل يلزم الإفراد. وهذا فيه أدب من آداب العالم وهو أن من سئل عن شيء لا يعلمه أن يكل العلم إلى عالمه ولا يتكلف في الجواب بل يقول: الله أعلم. أما في حياته ﷺ فإن العلم يمكن أن يؤخذ منه فيقول المسؤول: الله ورسوله أعلم. لكن بعد وفاته يقول: الله أعلم.
قوله: "قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُم" هذا دليل على أن ما ذكر في هذا الحديث هو الدين؛ لأنه اشتمل على أصول الدين وعقائده من الإسلام والإسلام والإحسان. والله أعلم.
стр. 150
الأصل الثالث: معرفة نبينا محمد ﷺ
اسمه ونسبة
...
الأَصْلُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ
وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن عبد المطلب بن هاشم.
ــ
قوله: "الأَصْلُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ " هذا هو الأصل الثالث من الأصول الثلاثة التي يجب على العبد معرفتها. وهذا الأصل تأتي معرفته العبد ربه ومعرفة العبد دينه؛ لأنه ﷺ هو الواسطة بيننا وبين الله . فالله هو يشرع الشرائع ويحكم الأحكام، ولا يمكن تلقي أحكام الشرع إلا عن طريق هذا النبي ديننا إلا بواسطة النبي ﷺ ، بل ولا يمكن أن نقوم بعبادة الله تعالى على الوجه المطلوب إلا عن طريق النبي ﷺ . والعبادة لها ركنان: الإخلاص والمتابعة. ولا يمكن للإنسان أن يعبد الله تعالى على علم وبصيرة وتكون عبادة صحيحة مقبولة إلا عن طريق التلقي من النبي ﷺ .
ومعرفة النبي ﷺ تشتمل على أمور كثيرة:
الأمر الأول: معرفة نسبة. وهو قوله: "وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المطلب بن هاشم" وقد اقتصر المصنف على جدين من أجداد النبي ﷺ .
والنبي ﷺ له عدة أسماء. وقد ورد عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب،
стр. 151
وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِ وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
ــ
والعاقب: الذي ليس بعده نبي"١، وله أسماء أخرى، وأشهرها: "محمد"، وقد جاء ذكره في القرآن على وجه التنويه، ومعناه الذي يحمد أكثر مما يحمد غيره.
قوله: "وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام" قريش: هو النضر بن كنانة، لما ورد عن الأشعث بن قيس ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ في وفد لا يرون أني أفضلهم. فقلت: يا رسول الله، إننا نزعم أنا منكم، قال: "نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا ... " ٢. والمقصود بهذا: أن النبي ﷺ بعث في أكرم العرب نسباً.
وقد ورد عن وائلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، وأصطفاني من بني هاشم". ٣
стр. 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال أبو سفيان لهرقل-لما سأله: كيف نسبه فيكم؟ - قال: هو فينا ذو نسب، قال هرقل: فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها١، أي: في أكرمها نسباً وأشرفها قبيلة.
قوله: "وهاشم من قريش" هو هاشم بن عبد مناف. قال مؤرخوه: اسمه عمرو، وغلب عليه لقبه "هاشم"؛ لأنه أول من هشم الثريد مع اللحم لقومه في مكة في سني المحل، وهو أحد الأجواد الذين ضرب بهم المثل في الكرم، وأحد من انتهت إليه السيادة في الجاهلية٢.
قوله: "وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ"، المراد بالعرب –هنا-: العرب المستعربة. فإن العرب قسمان:
١- عرب عاربة: وهم أصل العرب الباقية جميعاً ويسمون "القحطانيين"، وينتسبون إلى سبأ بن يشجب بن يعرف بن قحطان، وقد سكنوا اليمن ثم تفرقوا في بقية الجزيرة.
٢- عرب مستعربة: ويسمون "العدنانيين"، وقد نشأوا في مكة ومنها تفرقوا في جهات كثيرة من الحجاز وتهامة، وينتهي نسبهم إلى إسماعيل ﵊ كما تقدم؛ لأنه لما أصهر إلى قبيلة "جرهم" كان من نسله "عدنان" الذي تنتسب إليه العرب المستعربة٣.
стр. 153
وله من العمر ثلاث وستون، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث عشرون نبياً رسولاً.
ــ
قوله: "والعرب من ذرية إسماعيل"، أي: فيكون النبي ﷺ من أولاد إسماعيل ﵇ وليس من أولاد "إسحاق"، وأنبياء بني إسرائيل كلهم من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. و"إسماعيل" ولد لإبراهيم ﵇ من أمته "هاجر" على كبر منه قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ ١، وهو الذي أمر إبراهيم ﵇ بذبحه كما ذكر الله تعالى في القرآن.
قوله: "وله من العمر ثلاث وستون سنة" هذا الأمر الثاني: وهو معرفة عمره ومكان ولادته. وقد ورد عن عائشة ﵂ قالت: "توفى النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين"٢. وأما مولده ﷺ ففي يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من عام الفيل٣.
قوله: "منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبياً مرسلاً" هذا ورد م حديث أنس ﵁ وفيه: "أنزل عليه وهو ابن أربعين"٤. وإذا كان الرسول ﷺ مات وعمره ثلاث وستون سنة، وثبت في حديث أنس أنه بعث على رأس الأربعين، فهذا يدل دلالة قاطعة على أن مدة النبوة والرسالة كانت ثلاثاً وعشرين سنة. وقد ورد في "صحيح
стр. 154
نبئ باقرأ. وأرسل بالمدثر.
ــ
البخاري" حديث أنس قال: "أنزل عليه القرآن هو ابن أربعين فلبث في مكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشر سنين"١. وظاهر هذا أن مدة النبوة والرسالة عشرون سنة، لكن الصحيح أنها ثلاث وعشرون؛ لأنه ورد عن عائشة أنه مات عن ثلاث وستين. وورد عن أنس نفسه في "الصحيحين" أن الرسول ﷺ مات وله ثلاث وستون. وقد يكون قوله: "وبالمدينة عشر سنين" من باب حذف الكسر لكن على أي حال ما اتفق عليه أولى مما اختلف فيه٢.
قوله: "وثلاث وعشرون نبياً رسولاً. نبئ باقرأ. وأرسل بالمدثر" هذا الأمر الثالث: وهو معرفة حياته النبوية. ومعنى "نبئ"، أي: خبر؛ لأن أصل النبوة مأخوذ من النبأ وهو الخبر. قوله: "وأرسل بالمدثر"، أي: بهث لأن الإرسال معناه البعث والتوجيه.
وقوله: "باقرأ"، يعني: قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ هذا نزل عليه يوم الاثنين في رمضان وهو في غار حراء٣.
قوله: "وأرسل"، أي: بصدر السورة. وقول المصنف: "نبئ باقرأ وأرسل بالمدثر" دليل على أن هناك فرقاً بين النبي والرسول وهذا هو الصحيح المعتمد أن النبي غير الرسول، والرسول غير النبي،
стр. 155
وبلده مكة.
ــ
وقد تقدم ذلك، ومن الأدلة على هذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ١، والعطف يقتضي المغايرة، وكذلك مجيء "لا" في قوله: "ولا نبي" فهذا يدل على أن النبي غير الرسول.
قوله: "وبلده مكة"، أي: ولد فيها، ونشأ بها إلا المدة التي أقامها عند مرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية في بادية بني سعد، ثم رجع إليها في حضانة جده عبد المطلب ثم عمه أبي طالب؛ لأن أمه آمنة بنت وهب ماتت وعمره ست سنين، وبقي في مكة ثلاث عشرة سنة بعد أن أوحى إليه.
قوله: "وهاجر إلى المدينة" الهجرة يأتي الكلام عليها إن شاء الله. والمدينة اسم غالب لمدينة الرسول ﷺ دون غيرها من المدن كالنجم للثريا. وابن عباس لعبد الله دون إخوته من أولاد العباس.
وقد روى أبو موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب" ٢!!!
وكانت هجرته ﷺ من مكة إلى المدينة –فيما يظهر- فراراً من أذى
стр. 156
بعثه الله بالنذارة عن الشرك ويدعو إِلَى التَّوْحِيدِ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ .
ــ
المشركين، وطلباً للنجاة بالدين، والتماساً لمكان تنمو فيه الدعوة، وتؤتي أكلها، حتى يقوي ساعدها ويشتد أزرها؛ وذلك بعد أن تابعته الأنصار على الإسلام وبايعوه على النصر والمؤازرة.
ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صار له شيعة وأصحاب من غيرهم في غير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، خافوا من انتشار دعوته، ومحاربته لهم فعزموا أصحابه من المهاجرين إليهم، خافوا ذلك، فخرج رسول الله ﷺ برعاية الله تعالى وحفظه، ومعه أبو بكر ﵁ وتغيباً في غار ثور –جبل بأسفل مكة- ثم سارا إلى المدينة فوصلاها وفرحت بذلك الأنصار فرحاً عظيماً، وكل ذلك مدون في السيرة.
قوله: "بعثه الله بالنذارة عن الشرك ويدعو إلى التوحيد" هذا الأمر الرابع مما يتعلق بمعرفة النبي ﷺ ، وهو معرفة ما بعث به، وهذا أعظمها وأعلاها.
فالنبي ﷺ بعثه الله تعالى ينذر عن الشرك، ويدعو إلى توحيد الله تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. والإنذار بمعنى: التحذير.
والمنذر: المحذر. وأصل الإنذار: الإبلاغ، ولا يكون إلا في التخويف.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ ١"، أي:
стр. 157
وَمَعْنَى ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ وَيَدْعُو إلى التوحيد، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ: الأَصْنَامُ، وَهَجْرُهَا تركها وأهلها والبراءة منها وأهلها. وأخذ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَبَعْدَ الْعَشْرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَفُرِضَتْ عليه الصلوات الخمس.
ــ
الدليل على أنه ﷺ بعث بالإنذار عن الشرك، والدعوة إلى توحيد الله . وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ هذه أو آية أرسل بها النبي ﷺ . وقد ثبت عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: "فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي، فقلت: زملوني زملوني؛ فزملوني فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى ﴿فَاهْجُرْ﴾ قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان: ثم حمى الوحي وتتابع١.
وهذه الآيات قد فسر الشيخ أكثرها. وسأذكر تفسيرها بعون الله تعالى.
فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، أي: الذي قد تدثر بثيابه، أي: تغشى بها من الرعب الذي حصل له من رؤية الملك كما تقدم. وأصله: المتدثر، فأدغمت التاء في الدال لتجانسها.
" ومعنى ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ "، أي انهض فخوف المشركين وحذرهم العذاب
стр. 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إن لم يؤمنوا. بها حصل الإرسال، كما حصل بقول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ﴾ النبوة.
وقول الشيخ ﵀: "ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد" هو معنى ما تقدم فإن أشرك مع الله غيره قد عرض نفسه فهو بحاجة إلى إنذار.
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، أي: عظمه بالتوحيد. وصفه بالكبرياء والعظمة وأنه أكبر من أن يكون له شريك كما يقول الكفار.
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ، أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ. وهذا أحد تفاسير الآية. اقتصر عليه الشيخ ﵀. والقول الثاني: أن المراد بها الثياب الملبوسة. أمره الله بتطهير ثيابه وحفظها عن النجاسات. وهذا من تمام التطهير للأعمال خصوصاً في الصلاة. واختار ذلك ابن جرير الطبري، والشوكاني؛ لأن ذلك هو المعنى اللغوي للكلمة. قال ابن كثير: "وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب فإن العرب تطلق الثياب عليه"١.
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قرأ حفص بضم الراء، بمعنى: الأصنام والأوثان. وهجرها: تركها والإعراض عنها والبراءة من أهلها كما قال تعالى عن الخليل ﵊: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٢.
ويحتمل أن المراد بالرجز أعمال الشر كلها؛ فيكون أمراً له بترك الذنوب صغارها وكبارها ظاهرها وباطنها فيدخل في هذا الشرك فما دونه.
وقرأ الباء بكسر الراء، بمعنى: العذاب٣. والقراءتان بمعنى
стр. 159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واحد؛ لأن عبادة الأوثان تؤدي إلى العذاب؛ فأمر أن يهجر ما يحل العذاب بسببه. والله أعلم.
﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ بضم الراء على أنه حال، أي: ولا تمنن حال كونك مستكثراً ما يتحمله بسبب الغير. قاله الحسن والربيع بن أنس واختاره ابن جرير. وقيل: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها. قاله ابن عباس وجماعة من السلف. واختاره ابن كثير١.
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ ، أي: لربك وحده دون سواه فاصبر على كل ما تلقاه في سبيل الدعوة وإبلاغ الرسالة.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "فامتثل رسول الله ﷺ لأمر ربه وبادر فيه، فأنذر الناس وأوضح لهم بالآيات البينات جميع مطالب الإلهية، وعظم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوء، وهجر كل ما يعبد من دون الله، وما يعبد معه من الأصنام وأهلها، والشر وأهله، وله المنة على الناس –بعد منة الله- من غير أن يطلب عليهم بذلك جزاء ولا شكوراً. وصبر لربه أكمل صبر: فصبر على طاعة الله وعن معاصيه، وصبر على أقداره المؤلمة، حتى فاق أولى من المرسلين، صلوات الله وسلامة عليه وعليهم أجمعين"٢.
стр. 160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: "أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التوحيد"، أي: أخذ رسول الله ﷺ عشر سنين يدعو إلى توحيد الله تعالى، ويبين الشرك ويحذر منه.
وذلك أن المقصود الأعظم من بعثة النبيين وإرسال المرسلين وإنزال الكتب هو الإنذار من الشرك والنهي عنه، والدعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة. وكان النداء الأول لكل رسول: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣.
فالتوحيد هو أساس الملة الذي تبنى عليه، وبدونه لا يقوم عمل من الأعمال؛ ولهذا لم تفرض الصلاة التي هي عماد الدين وبقية الشرائع إلا بعد إرساء دعائم التوحيد وبنيان العقيدة وهذا يدل على أن التوحيد من أوجب الواجبات، وأنه يبدأ به قبل غيره. وقد قال النبي ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله" ٤.
قوله: "وبعد العشر عرج به إلى السماء". اعلم أن الإسراء والمعراج من الأمور التي ثبتت بطريق الشرع وليس للعقل فيها مدخل، والجمهور
стр. 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من المحدثين والفقهاء أن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي ﷺ وروحه؛ لأن قريشاً أكبرته وأنكرته ولو كان مناماً لم تنكره؛ لأنه لا تنكر المنامات.
والإسراء لغة: السير بالشخص ليلاً. وشرعاً: سير جبريل بالنبي ﷺ من مكة إلى بيت المقدس؛ لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
والمعراج لغة: الآلة التي يعرج بها، وهي المصعد. وشرعاً: السلم الذي عرج به رسول الله ﷺ من الأرض إلى السماء. وقد ثبت المعراج بالقرآن في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ٢ إلى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٣.
وخلاصة ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة أن جبريل أمره الله أن يسري بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس على البراق٤، ثم يعرج به إلى السموات العلى سماء حتى بلغ مكاناً سمع فيه صرير الأقلام وفرض الله عليه الصلوات الخمس –كما سيأتي- واطلع على الجنة والنار، واتصل
стр. 162
وصلى في مكة ثلاث سنين،
ــ
بالأنبياء الكرام، وصلى بهم إماماً، ثم رجع إلى مكة فحدث الناس بما رأى فكذبه الكافرون وصدق به المؤمنون وتردد آخرون١.
قوله: "وفرضت عليه الصلوات الخمس"، أي: فرض الله تعالى على عبده محمد ﷺ وعلى أمته الصلوات الخمس ليلة المعراج خمسين صلاة في كل يوم وليلة، ثم لم يزل يختلف بين موسى وبين ربه حتى وضعها الرب ﷻ –وله الحمد والمنة- إلى خمس وقال: "هي خمس وهن خمسون".
قوله: "وصلى في مكة ثلاث سنين"، أي: فيكون الإسراع قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان يصلي الرباعية ركعتين حتى هاجر إلى المدينة، وقد دل على ذلك ما ورد عن عائشة –﵂ قالت: "فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر رسول الله ففرضت أربعاً، وتركت صلاة السفر على الأولى"٢.
ورواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه قالت: "فرضت صلاة السفر والحضر ركعتين، فلما أقام رسول الله ﷺ بالمدينة زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار"٣.
стр. 163
تعريف الهجرة
...
وَبَعْدَهَا أُمِرَ بالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَالْهِجْرَةُ: الانْتِقَالُ من بلد الشرك إلى بلد الإسلام،
ــ
قوله: "وبعدها"، أي: بعد ثلاث عشرة من بعثته ﷺ ؛ لأنه صلى بعد العشر ثلاث سنين بمكة.
قوله: "أمر بالهجرة إلى المدينة"، أي: بمفارقة المشركين وأوطانهم ليتمكن ﷺ من إظهاره دينه.
والدليل على أن الهجرة بعد ثلاث عشرة سنة من البعثة حديث ابن عباس ﵄ قال: "بعث رسول لأربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحي إليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين"١.
قوله: "وَالْهِجْرَةُ: الانْتِقَالُ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الإسلام" الهجرة في اللغة معناها: الترك والخروج من بلد أو أرض إلى أخرى. وشرعاً: كما عرفها المصنف ﵀ بأنها الانْتِقَالُ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الإِسْلامِ.
ومناسبة ذكر الهجرة مع الأصول الثلاثة لبيان أن الهجرة من أبرز تكاليف الولاء والبراء. وبلد الشرك: هو الذي تقام فيه شعائر الكفر، ولا تقام في شعائر الإسلام على وجه عام، وبلد الإسلام: هو البلد التي تظهر فيه شعائر الإسلام والأحكام على وجه عام. وأهم الشعائر: هي الصلاة، فإذا كانت الصلاة مظهراً من مظاهر البلد فهو بلد إسلامي. أما إذا كانت الصلاة يقيمها أفراد أو جماعات وهي ليست من مظاهر البلد فلا يحكم على البلد
стр. 164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بأنه بلد إسلامي، مثل البلاد التي فيها أقليات مسلمة يقيمون الصلاة ولكن على نطاق ضيق في حدود مجتمعهم الذي يعيشون فيه أو في حدود بيئتهم، ولكن البلد الذي يقيمون فيه أو هم من أهله لا تقام فيه الصلاة بوجه عام بحيث لا توجد عندهم المآذن ولا يسمع الأذان في جميع الأنحاء فمثل هذا لا يعتبر بلداً إسلامياً؛ لأنه لابد أن تكون الإقامة على وجه عام، فمثلاً: فرنسا فيها أقليات مسلمة وفيها إقامة للصلاة من قبل هؤلاء ولكن لا تعتبر مظهراً من مظاهر البلد بحيث تنتشر المآذن ويسمع الأذان هنا وهناك ويهرع الناس إلى المساجد فهذا هو معنى قولنا: إن بلد الإسلام هو الذي تنتشر فيه الشعائر والأحكام بوجه عام. أما لو كان عن طريق أفراد أو أناس قليلين فهذا لا يطلق عليه أنه بلد إسلامي بهذا الاعتبار١.
قوله: "وَالْهِجْرَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَلَدِ الشرك إلى بلد الإسلام" بين المصنف ﵀ بهذا الوجوب الهجرة وأنها فريضة وهذا دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة وأجمع المسلمون على ذلك؛ لما فيها من حفظ الدين ومفارقة المشركين، فإن المؤمن الذي يعبد ربه ويخلص في عبادته ويبغض الشرك وأهله ويعاديهم لن يتركه أهل الكفر على دينه مع القدرة عليه قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ ٢.
стр. 165
وهي باقية إلى أن تقوم الساعة.
ــ
قوله: "وهي باقية إلى أن تقوم الساعة"، أي: أن الهجرة وهي الانتقال من بلد الكفر والشرك إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة باتفاق أهل العلم، وقد ورد عن عائشة ﵂ قالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ مخافة أن يفتتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، واليوم يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية١.
قال الحافظ ابن حجر: أشارت عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة. والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق لم تجب عليه الهجرة منه وإلا وجبت٢.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أحوال البلاد كأحوال العباد، فيكون الرجل تارة مسلماً، وتارة كافراً، وتارة مؤمناً، وتارة منافقاً، وتارة براً تقياً، وتارة فاسقاً، وتارة فاجراً شقياً، وهكذا المساكن بحسب سكانها فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة كتوبته من الكفر والمعصية إلى الإيمان والطاعة. وهذا أمر باق إلى يوم القيامة"٣. وأما قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "لا هجرة بعد الفتح" ٤، فالمقصود به لا هجرة من مكة بعد فتحها؛ لأنها صارت دار إسلام. وكل بلد يفتح ويكون بلد إسلام فإن الهجرة لا تجب منه.
стр. 166
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ .
ــ
قوله: " وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ ١" هذه الآيات دليل على وجوب الهجرة. والمستفاد من كلام أهل العلم كابن قدامة ﵀ وغيره أن الهجرة من بلد الكفر ثلاثة أضرب والناس ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: تجب عليه الهجرة، وهو القادر عليها مع عدم إمكان إظهار دينه، وهذا يدل عليه قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً﴾ ووجه الدلالة أن الله جل وعلا وصفهم بأنهم ظالمون لأنفسهم. فمن بقي في بلد الشرك وهو قادر على الهجرة ولا يقدر على إظهار دينه فهو ظالم لنفسه، مرتكب حراماً بالإجماع.
стр. 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصنف الثاني: من لا هجرة عليه وهو العاجز عن الهجرة إما لمرض أو إكراه على الإقامة فلم يستطع الخروج أو ضعف من النساء والولدان وشبههم فهؤلاء لا هجرة عليهم؛ لأن جل وعلا قال: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ عليه أن يعتزل الكفار ما استطاع ويظهر دينه ويصبر على أذاهم.
الصنف الثالث: من تستحب له الهجرة ولا تجب عليه كما تجب على الصنف الأول، وهذا في حق من يقدر على الهجرة لكنه متمكن من إظهار دينه، فهذا تستحب له الهجرة لأجل أن يتمكن من جهاد الكفار وتكثير المسلمين والتخلص من الكفار ومخالطتهم فهذه ثلاثة أصناف هي أصناف الناس بالنسبة للهجرة١. أما الآية التي ساقها المصنف فمعناها بإيجاز ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ﴾ المراد بالملائكة إما ملك الموت وأعوانه، وإما ملك الموت وحده؛ لأن العرب تخاطب الواحد على بلفظ الجمع. وقوله تعالى: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ هذا دليل على وجوب الهجرة كما تقدم. والمعنى: أنهم ظالمون لأنفسهم بتركهم الهجرة. ﴿قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ﴾ هذا استفهام توبيخ وتقريع لهم، والمعنى: في أي فريق كنتم؟ ﴿قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ يعني: عاجزين لا نستطيع الخروج ﴿قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ يعني بإمكانكم أن تخرجوا إلى أرض الله الواسعة، والمراد بها في ذلك الزمن: المدينة ﴿فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ
стр. 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَصِيراً﴾ هذا وعيد يدل على أن القادر على الهجرة الذي لا يتمكن من إظهار دينه ولم يهاجر أنه قدر ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأنه لا يتوعد بمثل هذا الوعيد إلا على ترك أمر واجب وهو الهجرة، فتركها كبيرة من كبائر الذنوب، قال تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ﴾ هؤلاء هم الذين لا يستطيعون الخروج ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ يعني: لا يقدرون على حيلة، لا على خروج، ولا على نفقة، ولا على من يهيئ أمرهم ﴿وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ يعني: لا يعرفون الطريق، ولا يستطيعون أن يسيروا وحدهم، قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ ، أي: عسى الله أن يتجاوز عنهم وهم المعذورون بتركهم الهجرة. والآية دليل على وجوب الهجرة وعلى آكديتها. يقول ابن كثير ﵀ في تفسيره عند هذه الآية: "نزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكناً من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع وبنص هذه الآية ... "١.
فلا بد من شرطين: القدرة على الهجرة، وعدم التمكن من إظهار الدين. فمن لم يفعل فهو ظالم لنفسه. يقول الشوكاني ﵀: "استدل بهذه الآية على أن الهجرة واجبة على من كان بدار الشرك أو بدار يعمل فيها بمعاصي الله جهاراً ولم يكن من المستضعفين"٢ا. هـ.
стр. 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإذا كان الإنسان مأموراً بالهجرة من بلاد الكفر دل على أن الأصل تحريم السفر إلى بلاد الكفر استناداً إلى هذه النصوص لكن لو وجد حاجة تدعو إلى السفر إلى بلاد الكفر أو الإقامة فيها كطلب علم لا يوجد في بلده أو علاج أو للدعوة فإن هذا يجوز نظراً للمصلحة المترتبة على هذه الإقامة؛ لأن الأصل هو عدم السفر ويفهم من كلام العلماء أنه لا يجوز السفر لبلاد الكفر إلا بثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون عنده علم يمنعه مما يرد عليه من الشبهات التي قد تعرض له في تلك البلاد. فإن لم يكن عنده علم فهو على خطر عظيم، فقد ينحرف في عقيدته وينخدع بما هم عليه. فلابد أن يكون المسافر على علم يمنعه مما يرد عليه من الشبهات والإشكالات.
الشرط الثاني: أن يكون عنده دين يمنعه مما يرد عليه من الشهوات؛ لأن تلك البلاد بلاد مغرية، بلاد الشهوات واللذات التي تقف على قدم وساق دون تفريق بين ما أحل الله وما حرم الله. والذي لا دين عنده يمنعه من الوقوع في هذه المحرمات يكون عرضة للانحراف ومجاراة القوم فيما هم عليه من الذنوب والمعاصي غائباً عن باله عاقبة الأمر.
ومن وسائل السلامة –بإذن الله تعالى- أن يكون المسافر متزوجاً وأن تكون زوجته معه ليعف نفسه ويتحصن من الحرام، إذا كان يريد الإقامة للدعوة أو للدراسة مثلاً.
الشرط الثالث: أن يتمكن من إظهار دينه والقيام بعبادة ربه كما أمر الله
стр. 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جل وعلا ووعليه أن يحذر كل الحذر من موالاة المشركين؛ لأن موالاتهم –كما مر معنا- تنافي الإيمان١.
أما السفر لبلاد الكفر لمجرد السياحة فالقول بالمنع أظهر؛ لأن الله تعالى أوجب على الإنسان العمل بالتوحيد، وفرض عليه عداوة المشركين فما كان ذريعة وسبباً إلى إسقاط ذلك فإنه لا يجوز٢. وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: "أنا بريء ممن يقيم بين أظهر المشركين لا تراءى نارهما" ٣.
ومعنى: "لا تراءى نارهما"، أي: لا ترى نار المسلم نار المشرك، ولا نار المشرك نار المسلم، وهذا كناية عن القرب. والعرب تستعمل مثل هذا الأسلوب تقول: داري تنظر إلى داره، وداره تنظر إلى داري، إذا أرادوا شدة القرب.
فمن سافر لمجرد السياحة فهو على خطر عظيم، من وجوه:
أولاً: أنه خالف النصوص الدالة على وجوب الهجرة وتحريم
стр. 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السفر، ومنها حديث سمرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله" ١.
ثانياً: فقد الغيرة عنده –وهذا شيء ملاحظ- فإن الإنسان –وإن كان عنده غيرة- إذ أقام في بلد تكثر فيه المعاصي؛ فإن غيرته تضعف أو تموت بالكلية، ويصبح مجارياً لهم فيما هم عليه. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن مشاركة الكفار في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التمييز بين المهديين المرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين. هذا إذا لم يكن الهدي الظاهر إلا مباحاً محضاً لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم فإنه يكون شعبة من شعب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع ضلالهم ومعاصيهم فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له٢.
стр. 172
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ .
قال البغوي ﵀: "سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يُهَاجِرُوا، نَادَاهُمُ اللهُ بِاسْمِ الإِيمَانِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ : "لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مغربها".
ــ
ثالثاً: أن هذه الأسفار لا تسلم غالباً من الإسراف في النفقات المالية، وهذا فيه إنعاش لاقتصادهم وتقوية لهم.
رابعاً: شعور الإنسان الذي يقيم بأنه كفرد منهم له ما لهم وعليه ما عليهم. أضف إلى هذا أن أهله من النساء والأطفال –إن كانوا معه- يتأثرون بأخلاق أهل تلك البلاد؛ لأن المرأة والطفل والشاب أسرع تأثراً وأكثر إعجاباً بما عليه الآخرون.
قوله: "وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ١. قال البغوي ﵀: "سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا، ناداهم الله باسم الإيمان" هذا دليل على أن الذي يترك الهجرة ليس كافراً؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، ولو كانوا كفاراً ما ناداهم باسم الإيمان. وقد تقدم في كلام العلماء كابن كثير والشوكاني أن تارك الهجرة يعتبر عاصياً ظالماً لنفسه. وكلام البغوي هذا لخصه الشيخ ﵀ مما حكاه البغوي ﵀ عن جماعة من السلف٢.
стр. 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والبغوي: هو الإمام الحافظ الفقيه أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، قال ابن كثير: "برع في العلوم وكان علامة زمانه فيها وكان ديناً ورعاً زاهداً عابداً صالحاً" ا. هـ له مؤلفات منها تفسيره "معالم التنزيل"، و"شرح السنة"، وغيرهما، مات ﵀ سنة ٥١٦هـ١.
وقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، أي: بي وبرسولي ولقائي وأضافهم إليه خطابه لهم تشريفاً وتكريماً ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ فإن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان، فاخرجوا فإن أرضي واسعة ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ لا تعبدوا معي غيري كما يريد منكم المشركون.
ففي الآية أمر من الله لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه إلى إقامة الدين، وأنه لا عذر لأحد في ترك عبادة الله وتوحيده فيها؛ لأنه إن منع منها في بلد وجب عليه أن يهاجر إلى بلد آخر٢.
قوله: "وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ : "لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشمس من مغربها".
معنى انقطاع التوبة: عدم قبولها, وألا فقد توجد التوبة ولكنها لا تقبل إذا طلعت الشمس من مغربها؛ لأن هذا أوان قيام الساعة. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ ... ﴾ ٣
стр. 174
فرض بقية شرائع الإسلام
...
فلما استقر بالمدينة أمر ببقية شرائع الإسلام
ــ
والحديث الذي ذكره المصنف مروي عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه١.
وعن عبد الله بن السعدي أن النبي ﷺ قال: "لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل. فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص رض الله عنه: إن النبي ﷺ قال: "إن الهجرة خصلتان، إحداهما: أن تهجر السيئات، والأخرى: أن تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها أو من المغرب، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفى الناسَ العملُ" ٢.
قول المصنف ﵀: "فلما استقر بالمدينة أمر ببقية شرائع الإسلام" ذكر المصنف ﵀ ما تم من الشرائع بعد استقرار النبي ﷺ بالمدينة وقد ذكر فيما تقدم الهجرة إلى المدينة. وإنما بدأ بأحكام الهجرة وأدلتها؛ لأنها من أبرز تكاليف الولاء والبراء، والأمر بالشرائع جاء بعد بناء العقيدة؛ لأن التوحيد أساس الأعمال؛ ولهذا استمرت الدعوة في مكة في
стр. 175
مِثلِ الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالأَذَانِ، وَالْجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرِ ذلك من شرائع الإسلام.
ــ
موضوع بناء العقيدة، ولم تأت الشرائع والتكاليف إلا بعد الهجرة إلى المدينة إلا الصلاة فإنها لعظمها شرعت في مكة كما ذكر المصنف فصلى النبي ﷺ قبل أن يهاجر ثلاث سنين.
قوله: "أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الإِسْلامِ مِثلِ: الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، [وَالأَذَانِ] ١، وَالْجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام" ظاهر كلام المصنف ﵀ أن الزكاة لم تفرض إلا في المدينة؛ لأنه ذكر الزكاة مع الصوم والحج والجهاد والأذان، وهي لم تشرع إلا في المدينة.
وقد ورد آيات مكية ذكرت فيها الزكاة، وفي بعضها الأمر بالزكاة، كما في قوله تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٢، وفي سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ٣، وفي سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ ٤، فهذه الآيات وغيرها من الآيات المكية ورد فيها ذكر الزكاة ثم جاءت آيات مدنية ذكرت فيها الزكاة.
стр. 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال ابن كثير ﵀ في تفسير آية سورة "المؤمنون" وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ : "الأكثرون على أن المراد بالزكاة هنا زكاة الأموال"١ا. هـ. وقال بعض أهل العلم: إن الزكاة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ المراد بها: تزكية النفوس وتطهيرها من الرذائل وعلى رأسها الشرك.
ولا منافاة بين الآيات المكية والمدنية في موضوع الزكاة، فإنها فرضت في مكة وبينت أنصبتها في المدينة. فالزكاة التي كانت في مكة لم تكن مقدرة بأنصبة معينة إنما كان مرجعها إلى ذاتية الشخص. فقد يجود بالكثير وقد يجود بالقليل، وهذا –والله أعلم؛ لأن الإسلام لم يقم له في مكة دولة، فلم يكن هناك معنى لأن تفرض مقادير معينة للزكاة لكن في الرسول ﷺ . ولهذا فالرسول ﷺ وهو في مكة لم يتحدث عن أنصبة الزكاة ولا بين مقاديرها. وعلى هذا فكلام المصنف ﷺ هنا في قوله: "الزكاة" "يريد" ذات الأنصبة والمقادير. والله أعلم.
قوله: "والصوم، والحج" فرض الصوم في السنة الثانية من الهجرة. ٢
والحج فرض على أرجح الأقوال في السنة التاسعة من الهجرة٣.
стр. 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: "والجهاد" هو مصدر جاهد يجاهد جهاداً؛ إذا بالغ في قتل العدو وغيره. ومادة "جهد" حيث وجدت فيها معنى المبالغة. قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ١، والمراد هنا: قتال الكفار خاصة.
والجهاد فرض بعد الهجرة كما ذكر المصنف. وقبلها لم يأذن الله للمسلمين بالجهاد في مكة ولا فرضه عليهم؛ لأنهم عاجزون ضعفاء ليس لهم شوكة يتمكنون بها من القتال. فلما هاجروا إلى المدينة وقامت الدولة الإسلامية أمروا بالجهاد قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ ٢.
قوله: "والأذان" أي: أن الأذان شرع في المدينة في السنة الأولى من الهجرة على القول الراجح، وقد وردت أدلة تدل على أن الآذان شرع في مكة قبل الهجرة. لكنها أحاديث معلولة كما قال الحافظ ابن حجر ﵀.
وقد جزم ابن المنذر ﵀ بأنه ﷺ كان يصلي في مكة بغير أذان منذ فرضت الصلاة إلى أن هاجر إلى المدينة٣.
قوله: "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، المعروف: اسم جامع لكل ما عرف أنه من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه. والمنكر: ضد ذلك. قال الراغب: "المعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع
стр. 178
وفاته ﷺ
...
أخذ على هذا عشر سنين. وتوفي، صلاة اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ، وَدِينُهُ باقٍ، وَهَذَا دِينُهُ: لا خَيْرَ إِلا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ، وَلا شَرَّ إِلا حَذَّرَهَا مِنْهُ. وَالْخَيْرُ الَّذِي دَلَّهَا عَلَيْهِ التَّوْحِيدُ وَجَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، والشر الذي حذرها عنه الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه.
ــ
حسنه، والمنكر ما ينكر بهما"١. قال الشوكاني: "والدليل على كون ذلك الشيء معروفاً أو منكراً هو الكتاب والسنة"٢.
وإنما خصه الشيخ –والله أعلم- دون غيره من بقية الشرائع؛ لأنه باب عظيم به قوام الأمر وملاكه، وهو وظيفة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. وسمة من سمات الإيمان. وحق من حقوق المسلم على أخيه والأدلة على ذلك معلومة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ .
قوله: "أخذ على هذا عشر سنين"، يعني: أخذا على تبليغ الشريعة وبيانها في المدينة وغيرها عشر سنين.
قوله: "وبعدها توفي صلوات الله وسلامه عليه" قال ابن كثير ﵀: "لا خلاف أنه ﷺ توفي يوم الاثنين، والمشهور أنه الثاني عشر من ربيع الأول"٣ا. هـ.
قوله: "ودينه باق"، أي: لأنه دين عام إلى يوم القيامة للبشرية كلها. بينما الأديان السابقة كانت مؤقتة بأوقات معينة انتهت بنهايتها. ولما كان
стр. 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإسلام ديناً عاماً لجميع البشرية وجب الإيمان بالرسول ﷺ على جميع الثقلين الجن والإنس من اليهود والنصارى وغيرهم –كما سيأتي-؛ ولهذا تكفل الله بحفظه وحفظ القرآن الكريم، وقد دخل التحريف التوراة والإنجيل، والكتب الأخرى لا وجود لها. أما القرآن فإنه منذ أنزل إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة وهو باق لن تمتد إليه يد بتحريف ولا عبث؛ لأن الله تعالى تكفل بحفظه. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
قوله ﵀: "وَهَذَا دِينُهُ لا خَيْرَ إِلا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ، وَلا شَرَّ إِلا حَذَّرَهَا مِنْهُ وَالْخَيْرُ الذي دلهما عَلَيْهِ "التَّوْحِيدُ" وَجَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، والشر الذي حذر منه "الشرك" وجميع ما يكرهه الله ويأباه" هذا كلام رصين ودقيق قل أن تجده في مكان آخر.
وقد ورد على أبي ذر ﵁ قال: تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علماً. قال: فقال رسول الله ﷺ : "ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم" ٢.
وعن المطلب بن حنطب أن النبي ﷺ قال: "ما تركت شيئاً مما أمركم
стр. 180
بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض عَلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ، الْجِنِّ وَالإِنْسِ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ . وَكَمَّلَ اللهُ بِهِ الدِّينَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ .
ــ
الله به وقد أمرتكم به، ولا تركت مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه ... " ١.
قوله: "بعثه الله إلى الناس كافة وافترض الله طَاعَتَهُ عَلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ٢".
هذه الآية دليل على عموم رسالة النبي ﷺ ؛ لأن الخطاب فيها للناس وهو لفظ شامل للعرب والعجم، وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" ٣. فهذا دليل –أيضاً- على عموم رسالته ﷺ وعلى وجوب الإيمان به.
قوله: "وأكمل اللهُ بِهِ الدِّينَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ