. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ١ فإذا دعوته امتثلت أمره وإذا امتثلت أمره تكون عبدته.
الثاني: دعاء المسألة وهو دعاؤه بجلب المنفعة ودفع المضرة, فكلا النوعين عبادة لله فمن دعا الله طالباً جلب النفع ودفع الضر وهو في حال دعائه ممتثلاً أمره فإنه يكون قد اجتمع في حقه دعاء العبادة ودعاء المسألة.
أما الحديث الذي ذكره المصنف ﵀ "الدعاء مخ العبادة" فمخ الشيء لبه وخلاصته وما يقوم به ومعناه: أن العبادة لا تقوم إلا بالدعاء كما أن الإنسان لا يقوم إلا بالمخ؛ لدلاته على الإقبال على الله تعالى والإعراض عما سواه. وهذا الحديث يدل على منزلة الدعاء من بين أنواع العبادة وهو حديث ضعيف٢ لكن معناه صحيح. ويشهد له الحديث الذي ذكرته آنفاً وهو حديث النعمان بن بشير ﵁.
стр. 72
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ .
وَدَلِيلُ الْخَوْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
ــ
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ " وجه الدلالة من الآية أن الله جل وعلا سمى الدعاء عبادة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ، أي: حقيرين ذليلين صاغرين جزاء لهم على استكبارهم. فهذه الآية فيها أن الله تعالى أمر بالدعاء ووعد بالإجابة فدل على أن الدعاء عبادة بل هو من أجل العبادات.
قوله: "وَدَلِيلُ الْخَوْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١ الخوف هو انفعال يحصل بتوقع ما فيه ضرر أو هلاك، والخوف أنواع:
الأول: الخوف الطبيعي، كالخوف من عدو أو سبع أو حية فهذا ليس بعبادة، ولا ينافي الإيمان؛ لأنه قد يوجد في المؤمن كما قال تعالى عن موسى ﵇ ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ ٢ هذا الخوف لا يلام عليه الإنسان إذا انعقدت أسبابه أما إذا كان وهمياً أوله سبب ضعيف فهو مذموم لأن صاحبه جبان.
النوع الثاني: خوف "السر"، وهو أن يخاف من غير الله من وثن أو
стр. 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولي من الأولياء بعيداً عنه أن يصيب بمكروه وهذا الخوف هو الواقع بين عباد القبور والمتعلقين بالأولياء، قال تعالى عن قوم هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ فهم يتصورون أن الآلهة يخاف منها لأنها قد تعتري الإنسان بسوء، ومعنى هذا في نظرهم أنها إذا كانت تنفع فإنه يتصور أنها تضر فهذا يطلق عليه خوف السر.
النوع الثالث: أن يترك الإنسان ما يجب خوفاً من الناس كأن يترك الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر خوفاً من الناس فهذا خوف محرم ومذموم.
النوع الرابع: خوف تعبد وتعلق هو أن يخاف أحداً يتعبد بالخوف له فيدعوه الخوف لطاعته، وهذا النوع هو خوف التعبد والتأله الذي يحمل على الطاعة والبعد عن المعصية وهذا خاص بالله تعالى. وتعلقه به من أعظم واجبات الدين ومقتضيات الإيمان، وتعلقه بغير الله تعالى من الشرك الأكبر؛ لأن الخوف من أعظم واجبات القلب١.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الإنسان إذا لم يخف من الله اتبع هواه ولاسيما إذا كان طالباً ما لم يحصل له، فإن نفسه تبقى طالبة لما تستريح به، وتدفع به الغم والحزن عنها، وليس عندها من ذكر الله وعبادته ما تستريح إليه وبه، فيستريح إلى المحرمات من فعل الفواحش وشرب المحرمات وقول الزور ... "٢.
стр. 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والآية التي ساقها المؤلف دليل على أن الخوف عبادة لله تعالى بدليل أن الله جعل الخوف شرطاً لصحة الإيمان فقال تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، وهذه الآية أولها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ ، ومعنى "يخوف أولياءه"، أي: يخوفكم أولياءه ويعظمهم في صدوركم؛ لأجل أن تموت معنوياتكم فتخافوهم فتحصل الهزيمة. قال الأنباري: "والذي نختاره في الآية: يخوفكم أولياءه. تقول العرب: أعطيت الأموال، أي: أعطيت القوم الأموال. فيحذفون المفعول الأول"١. وقوله تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ﴾ فيه بيان أنه لا يجوز للمؤمن أن يخاف أولياء الشيطان، ولا يخاف الناس كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ ٢، فخوف الله أمر به. وخوف أولياء الشيطان نهى عنه٣. والشاهد في الآية أن الإنسان إذا خاف غير الله سبحانه خوف تعبد وتأله مستقر بالقلب يحمل على الطاعة والبعد عن المعصية فإن هذا الخوف من أنواع الشرك؛ لأن الله جل وعلا جعله من مقتضيات الإيمان، فمن صرف هذا لغير الله تعالى فليس بمؤمن. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معنى بديعاً من معاني الخوف كما نقله عنه ابن القيم ﵀ في "مدارج السالكين"٤. يقول شيخ الإسلام: "الخوف
стр. 75
ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ .
ــ
المحمود ما حجزك عن محارم الله". وقال بعض السلف: "لا يعد خائفاً من لم يكن للذنوب تاركاً"١.
والخشية بمعنى الخوف، لكن الخشية أخص من الخوف؛ لأن الخشية مقرونة بمعرفة الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٢، فالخشية خوف مقرون بمعرفة الله، ولهذا قال النبي ﷺ : "أما والله، إني لأخشاكم لله وأتقاكم له" ٣.
قوله: "ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٤" أصل الرجاء هو الطمع أو انتظار الشيء المحبوب، والرجاء يتضمن التذلل والخضوع، فلا يكون إلا لله ، وتعليق الرجاء بغير الله شرك، وإن كان الله تعالى قد جعل لها أسباباً، فالسبب لا يستقل بنفسه بل لابد له من معاون، ولابد من انتفاء الموانع، وهو لا يحصل ولا يبقى إلا بمشيئة الله تعالى٥.
стр. 76
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والرجاء نوعان:
١- رجاء محمود: وهو رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فهو راج لثوابه، ورجل أذنب ذنوباً ثم تاب منها، فهو راج لمغفرة الله تعالى وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه.
٢- رجاء مذموم: وهو رجاء رجل متمادٍ في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب.
والفرق بين الرجاء والتمني: أن الرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل. والتمني يكون مع الكسل. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ وابتغاء الوسيلة إليه: طلب القرب بالمحبة والعبودية بالطاعة وأنواع القربات١.
ومعنى قول تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا﴾ ، أي: يعمل ويطلب وينتظر. وقوله ﴿لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ المراد باللقاء أو اللقى هنا المعاينة، والمراد بها الملاقاة الخاصة؛ لأن اللقاء يوم القيامة نوعان:
١- نوع خاص: وهذا للمؤمنين، وهو لقاء الرضا والنعيم من الله .
٢- لقاء عام: لجميع الناس، وقد دل على اللقاء العام قوله تعالى في سورة الانشقاق ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ
стр. 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَسْرُوراً وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً.. الآية﴾ ١، فدل قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ... ﴾ ، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ ... ﴾ على أن اللقاء في قوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ لقاء عام، أما في هذه الآية التي معنا فمعناها: فمن كان ينتظر ويطلب ويترقب لقاء الله الذي هو لقاء رضا ونعيم، فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بربه أحدا؛ لأن الذي يرجو ثواب الله ويخاف من عقابه يعمل عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً، والعمل الصالح كما فسره أهل هو الخالص من الياء الموافق لشرع الله من واجب أو مستحب. وقوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ، يعني: لا يشرك في العبادة مع الله غيره كائناً من كان، لا ملكاً مقرباً ولا نبياً ولا ولياً ولا أحداً من الصالحين. وفي قوله سبحانه: ﴿بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ إشارة إلى علة النهي عن الشرك، أي: فكما أنه ربك الذي خلقك ورباك ولم يشاركه أحد في خلقك فيجب أن تكون العبادة له وحده لا شريك له٢.
فالواجب على العبد أن يتحقق رجاءه فلا يعلقه إلا بالله تعالى، لا يعلقه بقوته ولا بعمله ولا يعلقه بمخلوق. ومن المأثور عن علي ﵁ أنه قال: "لا يرجو عبد إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه"٣.
عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في
стр. 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الموت فقال: "كيف تجدك؟ " قال: أرجو الله يا رسول الله، وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله ﷺ : "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف" ١.
وعلى الإنسان أنه كلما قوي رجاؤه، وطمعه في فضل الله تعالى ورحمته وتيسير أموره، ودفع ضرورته؛ قويت عبوديته لربه، وحريته مما سواه. وإن رجا مخلوقاً، أو تعلق به؛ انصرف قلبه عن العبودية لله تعالى، وصار عبداً لغيره بقدر ما قام في قلبه من التعلق والرجاء؛ فذل لغير الله وخضع٢.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام نفيس في هذا الموضوع أنقله ليستفيد منه القارئ، يقول ﵀: "اعلم أن محركات القلوب إلى الله ثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء. وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها؛ لأنها تراد في الدنيا والآخرة، بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة. قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٣، والخوف المقصود منه: الزجر والمنع من الخروج عن الطريق. فالمحبة تلقي العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب،
стр. 79
َودَلِيلُ التَّوَكُلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
ــ
والرجاء يقوده. فهذا أصل عظيم، يجب على كل عبد أن ينتبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبداً لله لا لغيره.
فإن قيل: فالعبد في بعض الأحيان قد لا يكون عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه. فأي شيء يحرك القلوب. قلنا: يحركها شيئان:
أحدهما: كثرة الذكر للمحبوب؛ لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به.
الثاني: مطالعة آلائه ونعمائه ... فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه من تسخير السماء والأرض وما فيها من الأشجار والحيوان وما أسبغ عليه من النعم الباطنة من الإيمان وغيره فلا بد أن يثير عنده باعثاً. وكذلك الخوف تحركه مطالعة آيات الوعيد والزجر والعرض والحساب ونحوه.
وكذلك الرجاء يحركه مطالعة الكرم والحلم والعفو"١.
قوله: "َودَلِيلُ التَّوَكُلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ " أصل التوكل: الاعتماد. تقول: توكلت على الله توكلاً، أي: اعتمدت عليه، هذا معنى التوكل. وحقيقة التوكل: أن يعتمد العبد على الله اعتماداً صادقاً في مصالح دينه ودنياه مع فعل الأسباب المأذون فيها. فالتوكل: اعتقاد، واعتماد، وعمل. أما الاعتقاد فهو: أن يعلم العبد أن الأمر كله لله، فإن ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن. والله جل وعلا هو: النافع، الضار، المعطي، المانع. ثم بعد هذا
стр. 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الاعتقاد يعتقد بقلبه على ربه سبحانه، ويثق به غاية الوثوق، ثم بعد هذا يأتي الأمر الثالث وهو: أن يفعل الأسباب المأذون فيها شرعاً.
والتوكل على الله تعالى نوعان:
أحدهما: توكل عليه في تحصيل حظ العبد من الرزق والعافية وغيرهما.
وثانيهما: توكل عليه في تحصيل مرضاته.
فأما النوع الأول فغايته المطلوبة وإن لم تكن عبادة؛ لأنها محض حظ العبد، فالتوكل على الله في حصوله عبادة، فهو منشأ لمصلحة دينه ودنياه.
وأما النوع الثاني: فغايته عبادة، وهو في نفسه عبادة، فلا علة فيه بوجه فإنه استعانة بالله على ما يرضيه. فصاحبه متحقق بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١.
وأما التوكل على غير الله تعالى فأنواع:
النوع الأول: التوكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من جلب المنافع ودفع المضار، وهذا شرك أكبر لأنه إذا كان التوكل على الله من تمام الإيمان، فالتوكل على غير الله فيما لا يقدر عليه غير الله من الشرك الأكبر، وهذا النوع هو المراد بقوله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٢، وقال تعالى:
стр. 81
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ١.
النوع الثاني: أن يتوكل على حي حاضر من ملك أو وزير أو مسؤول فيما أقدره الله عليه من زرق أو دفع أذى، وهذا شرك أصغر، بسبب قوة تعلق القلب بهذا الإنسان واعتماده عليه. أما إذا اعتقد أن هذا الإنسان سبب، وأن الله تعالى هو الذي أقدره على هذا الشيء وأجراه على يديه فهذا لا بأس به إذا كان لهذا الإنسان أثر صحيح في حصول المراد. لكن كثيراً من الناس قد لا يمر على باله هذا المعنى، ويكاد يعتمد على هذا الإنسان في حصول مراده.
النوع الثالث: الاعتماد على الغير في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه فهذا جائز دل عليه الكتاب والسنة والإجماع. لكن لا يعتمد عليه في حصول ما وكل فيه بل يتوكل على الله في تيسير أمره الذي يطلبه إما بنفسه أو بنائبه ولهذا لا تقول: توكلت على فلان إنما تقول: وكلت فلاناً،
وقد وكل النبي ﷺ علياً في ذبح بقية بدنه في حجة الوداع٢، ووكل أبا هريرة ﵁ على الصدقة٣، ووكل عروة بن الجعد أن
стр. 82
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ .
ــ
يشتري له أضحية١.
أما الآية وهي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، فقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ ، أي: لا على غيره، وهذا يفيد الحصر؛ لأن من طرق القصر عند البلاغيين تقدم ما حقه التأخير، والأصل: توكلوا على الله، وقوله: ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾ هذا أمر يدل على وجوب التوكل، أي: اعتمدوا على الله جل وعلا، وفوضوا أموركم إليه. فدلت الآية على وجوب التوكل، وأنه من العبادات. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، أي: إن كنتم مؤمنين بالله جل وعلا فعليه توكلوا. قال ابن القيم: "فجعل التوكل على الله شرطاً في الإيمان فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه فمن لا توكل له لا إيمان له"٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٣ ساق المؤلف آيتين في التوكل، والغالب أنه لا يسوق إلا دليلاً واحداً وكأنه أراد –والله أعلم- أن الدليل الأول فيه وجوب التوكل والأمر بالتوكل، والدليل الثاني فيه جزاء من توكل على الله، هذا الذي يظهر، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ، أي: كافيه. ومن كان الله جل وعلا كافيه تيسرت أموره، ولا مطمع لأحد فيه، وهو يدل على عظم شأن التوكل
стр. 83
ودليل الرغبة والرهبة والخشوع وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ .
ــ
وفضله، حتى إنه لم يأت في أي عبادة من العبادات أن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ إلا في مقام التوكل.
ومن فضيلة التوكل –أيضاً-: أن الله تعالى جعله سبباً لنيل محبته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ١. ومن فضيلة أنه دليل على صحة إسلام المتوكل، قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ٢.
قوله: "ودليل الرغبة والرهبة والخشوع وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٣"
هذه ثلاثة أنواع من العبادة دلت عليها آية واحدة.
الأول الرهبة. والرهبة بمعنى الخوف المثمر للهرب من المخوف. فهي خوف مقرون بعمل. قال الراغب: الرهبة والرهب: مخافة مع تحرز واضطراب٤.
والثاني: الرغبة. ومعناها السؤال والتضرع والابتهال مع محبة الوصول إلى الشيء المحبوب فإذا كان يدعو وعنده قوة لحصول مطلوبه فهذه رغبة.
стр. 84
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثالث: الخشوع وهو التذلل والتطامن، وهو بمعنى الخضوع إلا أن الخضوع يغلب أن يكون في البدن، والخشوع في القلب أو البصر أو الصوت. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ٤.
والدليل على أن هذه الثلاثة عبادات: أن الله جل وعلا أثنى على الأنبياء الذين تقدم ذكرهم في هذه السورة –سورة الأنبياء- أو على زكريا ﵊ وأهل بيته فقال عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ، يعني: يبادرون في الطاعات، ويسارعون في الخيرات، ويسابقون إلى نيل القربات، وهذا يدل على أن المسلم ينبغي له المبادرة بطاعة الله جل وعلا، كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ... ﴾ ٥.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ الرغب والرهب مصدران لرغب يرغب رغباً، ورغبة بمعنى: الضراعة والمسألة، ورهب يرهب رهباً، ورهبة، أي: خاف. والمعنى: يدعوننا رغباً في رحمتنا ورهباً من عقوبتنا ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ،
стр. 85
ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ الآية.
ــ
أي: خاضعين متذللين، فأثنى الله تعالى عليهم ومدحهم بهذه الصفات ولا يمدح إلا من كان عابداً لله تعالى.
وفي الآية دليل على أنه ينبغي للداعي أن يجمع بين الرغبة في رحمة الله تعالى والرهبة من عذابه. وعلى فضل الخشوع في العبادات لاسيما الصلاة والدعاء.
قوله: "ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ الآية١" تقدم أن الخشية بمعنى الخوف، ولكن الخشية أخص؛ لأنها مبنية على علم بعظمة من يخشاه. قال الراغب: "الخشية: خوف يشوبه تعظيم. وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه. ولذلك خص العلماء بها في قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٢.
ووجه الدلالة من الآية على أن الخشية من أجل العبادات أن الله تعالى نهي المسلمين عن خشية الكفار وأمر بخشية وحده لا شريك له. ومثلها قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ .
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "الخوف والخشية والخشوع والإخبات والوجل معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد عن محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أن الخوف مقرون بمعرفة الله. وأما الخشوع والإخبات والوجل فإنها تنشأ عن الخوف والخشية لله، فيخضع
стр. 86
وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ الآية.
ــ
العبد لله ويخبت إلى ربه منيباً إليه بقلبه ويحدث له له الوجل. وأما الخشوع فهو حضور القلب وقت تلبسه بطاعة الله وسكون ظاهرة وباطنة فهذا خشوع خاص. وأما الخشوع الدائم الذي هو وصف خواص المؤمنين فينشأ من كمال معرفة العبد بربه ومراقبته فيستولي ذلك على القلب كما تستولي المحبة"١.
قوله: "وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ ٢". الإنابة بمعنى التوبة، ولكن قال العلماء: إنها أعلى من التوبة؛ لأن التوبة إقلاع وندم وعزم على ألا يعود، أما الإنابة ففيها المعاني الثلاثة، وتزيد معنى آخر وهو الإقبال على الله تعالى بالعبادات، فإذا أقلع الإنسان من معصية، وعزم ألا يعود، وندم على ما مضى، واستمر على ما هو عليه من عباداته، يقال: هذا تائب، لكن من معصية، وعزم ألا يعود، وندم على ما مضى، واستمر على ما هو عليه من عباداته، يقال: هذا تائب، لكن إذا تجدد له الإقبال بعد موته فهذا منيب إلى الله تعالى، وقد ذكر ابن القيم ﵀ أن الإنابة إنابتان:
١- إنابة لربوبيته: وهي إنابة المخلوقات كلها يشترك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ ٣، فهذا عام في حق كل داع أصابه ضر كما هو الواقع. وهذه الإنابة لا تستلزم الإسلام بل تجامع الشرك والكفر، كما قال تعالى في
стр. 87
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حق هؤلاء: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ ١.
٢- إنابة لإلهيته: وهي إنابة أوليائه، إنابة عبودية ومحبة، وتتضمن أربعة أمور: محبته، والخضوع له، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه.
فالمنيب إلى الله: المسرع إلى مرضاته الراجع إليه كل وقت المتقدم إلى محابه؛ لأن لفظ "الإنابة" فيه معنى الإسراع والرجوع والتقدم٢.
وفي الآية الكريمة ما يدل على أن الإنابة من العبادات، وأن الله جل وعلا أمر بها. ولهذا لم يذكر المصنف التوبة من أنواع العبادة، إنما اقتصر على ذكر الإنابة؛ لأن صورة العبادة بالنسبة للإنابة أوضح من صورتها بالنسبة إلى التوبة بسبب زيادة الإقبال على العبادة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ ، أي: ارجعوا إليه بالطاعة، ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ ، المراد بالإسلام في الآية الكريمة هو الإسلام الشرعي، ومعناه: الاستسلام والانقياد لأحكام الشريعة، وهذا لا يكون إلا للطائعين، فالطائع مسلم إسلاماً شرعياً؛ لأنه انقاد لأحكام الشرع، أما بالنسبة إلى الإسلام الكوني، وهو المعنى الثاني، فهذا هو الاستسلام لحكم الله الكوني، وهذا ليس خاصاً بالطائعين بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ ٣، ففيه من يسلم طائعاً،
стр. 88
ودليل الاستعانة وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
ــ
وفيه من يسلم وهو كاره. ومعنى هذه الآية أن جميع من في السموات ومن في الأرض منقادون لحكم الله الكوني بمعنى أنهم منقادون لما يجريه الله تعالى ويقدره عليهم شاءوا أم أبوا فهذا إسلام كوني. أما الإسلام الشرعي الذي يمدح فاعله وهو من أنواع العبادة فهو المعنى الأول.
قوله: "ودليل الاستعانة وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ " الاستعانة طلب العون؛ لأن الألف والسين والتاء في اللغة للطلب، فإذا قيل: استعان فمعناه طلب الإعانة، وإذا قيل: استغاث، أي: طلب الغوث. وإذا قيل: استخبر، أي: طلب الخبر.
والاستعانة أنواع:
النوع الأول: الاستعانة بالله، وهي الاستعانة المتضمنة كمال الذل من العبد لربه مع الثقة به والاعتماد عليه، وهذه لا تكون إلا لله فهي تتضمن ثلاثة أشياء:
الأول: الخضوع والتذلل لله تعالى.
الثاني: الثقة بالله جل وعلا.
الثالث: الاعتماد على الله ، وهذه لا تكون إلا لله، فمن استعان بغير الله محققاً هذه المعاني الثلاثة فقد أشرك مع الله غيره١.
والعبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله . وهذا تحقيق معنى قول:
стр. 89
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"لا حول ولا قوة إلا بالله"، فإن المعنى: لا تحول للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله تعالى. وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور. وهذه في الدنيا. وكذا عند الموت وبعده من أحوال البرزخ ويوم القيامة ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله . فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه١.
النوع الثاني: الاستعانة بالمخلوق على أمر قادر عليه. ومعنى الاستعانة بالمخلوق: أن تطلب منه أن يعينك ويساعدك، وشرط ذلك أن يكون في أمر يقدر عليه، فهذه إن كانت على بر وخير فهي جائزة والمعين مثاب على لأنه إحسان، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ٢، وإن كانت على إثم فهي حرام، قال تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
النوع الثالث: الاستعانة بالأموات أو بالأحياء على أمر غائب لا يقدرون عليه فهذا شرك؛ لأنه إذا استعان بالميت أو بحي على أمر بعيد غائب عنه لا يقدر عليه؛ فهذا يدل على أنه يعتقد أن لهؤلاء تصرفاً في الكون وأن مع الله مدبراً.
النوع الرابع: الاستعانة بأعمال وأحوال محبوبة شرعاً، فهذا النوع مشروع بدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ
стр. 90
وفي الحديث: "إذا استعنت فاستعن بالله".
ــ
مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ١، فكونك تستعين بالصبر وتستعين بالصلاة على أمورك هذا أمر محبوب٢.
وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ في هذه الآية اجتمع أمران عظيمان عليهما مدار العبودية. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تبرؤ من الشرك. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تبرؤ من الحول والقوة، وتقديم المعمول هنا يفيد الحصر –كما مر-؛ لأن المعنى لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك.
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "وتقديم العبادة على الاستعانة بمن باب تقديم العام على الخاص. واهتماماً بقديم حقه الله تعالى على حق عبده ...
وذكر الاستعانة بعد العبادة مع دخولها فيها لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى. فإنه إن لم يعنه الله، لم يحصل له ما يريد من فعل الأوامر واجتناب النواهي"٣.
قوله: وفي الحديث: "إذا استعنت فاستعن بالله" هذا جزء من حديث ابن عباس، وهو حديث عظيم جليل القدر٤، أوله: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك"، أي: احفظ حدوده وأوامر يحفظك
стр. 91
وَدَلِيلُ الاسْتِعَاذَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ .
ــ
حيث توجهت، "وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". والمعنى: عليك أن تحصر استعانتك وطلبك العون في الله ، فمن استعان بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك.
قوله: "وَدَلِيلُ الاسْتِعَاذَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ١" و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ٢. الاستعاذة: هي الاعتصام والالتجاء إلى من تعتقد أنه يعيذك ويلجئك. والاستعاذة بالله تعالى هي التي تتضمن كمال الافتقار إليه سبحانه، والاعتصام به، واعتقاد كفايته وتمام حمايته من كل شر. ولا ريب أن هذه المعاني لا تكون إلا . ويدخل في الاستعاذة بالله جل وعلا: الاستعاذة بصفاته، والاستعاذة بكلماته وبعزته، ونحو هذا، كما في بعض الأوراد الصحيحة الثابتة: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" ٣، و"أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر"٤، فهذا استعاذة بالله .
أما الاستعاذة بالأموات أو بالأحياء غير الحاضرين القادرين فهذا شرك كما تقدم في الاستعانة. أما الاستعانة بمخلوق يمكن العوذ به لأنه قادر، فهذا يجوز كما لو هربت من سبع والتجأت إلى شخص آخر
стр. 92
وَدَلِيلُ الاسْتِغَاثَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية.
ــ
يحميك أو هربت من عدو والتجأت إلى شخص آخر يمنعك منه. وقد يكون الالتجاء إلى أمكنة، كأن شجرة أو يدخل في مكان، فمثل هذا لا بأس به.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ هذا أمر من الله للنبي ﷺ والأمة تبع له في هذا، ومعنى ﴿أَعُوذُ﴾ ، أي التجئ وأتحصن ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ، الفلق: هو الصبح والمعنى –والله أعلم-: أن القادر على إزالة هذه الظلمة من العالم قادر على أن يدفع عن هذا المستعيذ ما يخافه ويخشاه. وقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ، أي: خالقهم ومصلح أحوالهم.
وفي الآيتين دليل على وجوب الاستعاذة بالله تعالى من جميع شرور خلقه، وأنه القادر على إعاذة عبده ودفع الشرور عنه. وقد ورد عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط؟ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ١".
وقوله: "وَدَلِيلُ الاسْتِغَاثَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ٢" الاستغاثة أن تطلب الغوث ممن يستطيع أن ينقذك من ضيق أو شدة.
стр. 93
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والفرق بين الاستغاثة والاستعاذة تطلب منه أن يعصمك وأن يمنعك وأن يحصنك، والاستغاثة تطلب منه أن يزيل ما فيك من شدة، وهذا لا يكون إلا لله القادر على كل شيء. والاستغاثة كالاستعاذة تتضمن كمال الافتقار إلى الله واعتقاد كفايته. قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ، أي: تستجيرون ربكم وتطلبون منه الغوث فاستجاب لكم. وهذه الآية نزلت في عزوة بدر الكبرى. وكان المشركون أكثر من المسلمين ثلاث مرات، فالمسلمون بقيادة النبي ﷺ توجهوا إلى الله بأن يمدهم بالنصر وأن يخلصهم من هذا الموقف الذي هم فيه. وقد ورد عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر النبي ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاث مائة ونيف ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة –وفي روايات أخرى: أنهم بين الألف والتسعمائة- فاستقل النبي ﷺ القبلة وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: "اللهم أنجز لي ما عدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبداً، قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرده ثم التزامه من ورائه ثم قال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ١.
стр. 94
ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
ــ
قوله: "ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١" المراد بالذبح هنا: ذبح القربان والضحايا والهدايا والذبح يقع على وجوه:
النوع الأول: يقع عبادة لله يقصد بها الذابح تعظيم المذبوح له، والتقرب إليه، وهذا لا يكون إلا لله ، فلو تقرب بالذبح لشخص من سلطان أو غيره لوقع في المشرك. وعلامة ذلك أنه يذبح في وجهه، أي: يريق الدم ساعة حضوره. فهذا معناه التعظيم، ودليل على أنه قصد بهذا التقرب إليه. وكذا لو ذبح للأولياء أو للجن كما يفعله كثير من الجهلة في بعض الجهات فهذا من الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه من الملة والعياذة بالله٢.
النوع الثاني: وهو الذبح إكراماً للضيف أو لوليمة عرس، فهذا مأمور به في الشرع إما وجوباً أو استحساناً. وقد قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف ﵁: "أولم ولو بشاة"، وفي قصة الأنصاري الذي جاء إليه النبي ﷺ ومعه أبو بكر وعمر ﵄ فإنه لما ذهب يذبح لهم قال له النبي ﷺ : "إياك والحلوب" فذبح لهم.. فأقره النبي ﵊ على ذبحه لهم٣.
стр. 95
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النوع الثالث: أن يكون الذبح للتمتع بالأكل من المذبوح أو الاتجار به فهذا على الأصل في المنافع وهو الإباحة. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ ١فامتن الله علينا بالأكل من هذه الأنعام٢.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي﴾ ، أي: جميع صلواتي ﴿وَنُسُكِي﴾ ، أي: جميع أنساكي وهي العبادات أو الذبائح التي يتقرب بها إلى تعالى من الهدي والأضحية والعقيقة، وفي هذا إثبات توحيد العبادة. ﴿وَمَحْيَايَ﴾ ، أي: أمر حياتي وما أعمله فيها. ﴿وَمَمَاتِي﴾ ، أي: أمر موتي وما ألقاه بعد، وفي هذا إثبات لتوحيد الربوبية ﴿لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، أي: خالص ومختص بالله خالق ومالك ومدبر العالمين. وهم كل من سوى الله تعالى. ﴿لاَ شَرِيكَ لَهُ﴾ ، أي: لا مشارك له في العبادة كما أنه لا شريك له في الملك والتدبير. ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ ، أي: وبذلك الإخلاص والتوحيد أمرني الله تعالى أمراً حتماً لا أخرج من التبعة إلا بامتثاله. ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ، أي: أسبقهم انقياداً إلى الإسلام لكمال علمه بالله تعالى، إن كان المراد بالأولية أولية الانقياد أو أسبقهم زمناً ويكون المراد بـ:
стр. 96
وَمِنَ السُنَّةِ: "لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله".
ــ
﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ مسلمي أمته. وإن كان المراد أولية الزمن. والله أعلم بمراده في كتابه١.
قال في "قرة عيون الموحدين": "والمقصود أن هذه الآية دلت على أن أقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة لا يجوز أن يصرف منها شيئاً لغير الله كائناً من كان، فمن صرف شيئاً لغير الله؛ فقد وقع فيما نفاه تعالى من الشرك بقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ والقرآن كله في تقرير هذا التوحيد في عبادته وبيانه، ونفي الشرك والبراء منه"٢.
قوله: "وَمِنَ السُنَّةِ: "لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله" هذا الحديث جزء من حديث علي ﵁ قال: "حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً، لعن الله من غير منار الأرض" ٣. واللعن: هو الطرد والإبعاد من رحمة الله. وقوله: "لعن الله" هذا يحتمل أنه خبر، ويحتمل أنه إنشاء، فإن كان خبراً فمعناه: أن الرسول ﷺ يخبرنا أن الله جل وعلا لعن من ذبح لغير الله. وإن كان إنشا فمعناه: الدعاء، أي: الرسول ﷺ يدعو على من ذبح لغير الله أن يطرده من رحمته. والخبر أبلغ لأنه يفيد وقوع اللعن بخلاف الدعاء فقد يستجاب وقد لا يستجاب٤.
стр. 97
وَدَلِيلُ النَّذْرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ .
ــ
والذبح لغير الله عام سواء كان لملك أو لنبي أو لولي أو سلطان أو جني أو غير ذلك. وسواء كان المذبوح بعيراً أو بقرة أو شاة أو دجاجة أو غيرها.
والذبح لله من أجل الطاعات وأعظم القربات, وفي حديث ابن عمر ﵄ أقام النبي ﷺ بالمدينة عشر سنين يضحي١. وأهدى إلى البيت مائة بدنة في حجة الوداع٢.
قوله: "وَدَلِيلُ النَّذْرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ ٣" النذر: أن يلزم الإنسان نفسه شيئاً غير لازم بأصل بالشرع، فيلزم نفسه بصدقة أو صيام أو صلاة أو غير ذلك، إما بتعليقة على شيء نحو: إن شفى الله مريضي لأصومن ثلاثة أيام أو أتصدق بكذا، أو يكون ابتداء نحو: لله علي أن أتصدق بكذا. والجمهور على أنه مكروه. وقالت طائفة بتحريمة؛ لإن النبي ﷺ نهى عنه وقال:"إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل" ٤، ولكنه إذا وقع وجب الوفاء به في الجملة.
ووجه الدلالة من الآية على أن النذر عبادة: أن الله مدح الموفين بالنذر، وكل أمر مدحه الشارع، أو أثنى على من قام به فهو عبادة؛ ولهذا أمر الله تعالى بالوفاء به قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ٥، أي:
стр. 98
أعمال حجهم وسميت نذوراً؛ لأن من أحرم بالحج فقد ألزم نفسه إتمامه وقال النبي ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه" ١.
فالنذر عبادة لا يجوز للإنسان أن ينذر لغير الله تعالى. فمن نذر لصنم أو لنبي ونحوهما فهو نذر باطل يحرم الوفاء به الإجماع وعليه أن يستغفر الله من هذا العمل٢.
وقوله تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ ، أي: منتشراً عاماً بين الناس إلا من أدركه رحمة الله .
ــ
١ أخرجه البخاري: "رقم٦٦٩٦".
٢ انظر: "تيسير العزيز الحميد": "ص٢٠٤".
стр. 99
الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة
المرتبة الأولى: الإسلام
...
الأصل الثاني
معرفة دين الإسلام بالأدلة.
ــ
قوله: "الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة" لما فرغ المصنف ﵀ من الكلام على الأصل الأول وهو معرفة العبد ربه وحققه تحقيقاً بديعاً، وساق عليه الأدلة الكافية انتقل إلى الأصل الثاني: وهو معرفة دين الإسلام.
والدين في اللغة: يطلق على معان عدة منها:
١- الطاعة والانقياد. يقال: دان ديناً وديانة، أي: خضع، وذل وأطاع.
٢- ما يتدين به الإنسان، يقال: دان بكذا، أي: اتخذه ديناً وتعبد به.
والمعنى الثاني يدخل في مفهومه المعنى الأول؛ لأن من دان بدين خضع لتعاليمه وانقاد لها١.
والدين الإسلامي: هو الدين الذي بعث الله به محمداً ﷺ ، جعله خاتمة الأديان، وأكمله لعباده، وأتم به عليهم النعمة. وتقدم ذكر ذلك.
وقد أشار المصنف ﵀ بقوله: "معرفة دين الإسلام بالأدلة" إلى أن معرفة الدين لابد أن تكون مقرونة بالدليل، إما من كتاب وإما من سنة.
فيجب على الإنسان أن يكون عالماً بالدليل على ما يقوم به من عبادة الله تعالى، ليكون على بصيرة من أمر دينه؛ لأن ذلك من أسباب الثبات عند السؤال في القبر بتوفيق الله تعالى. وتقدم هذا في أول الرسالة.
стр. 100
وَهُوَ الاسْتِسْلامُ للهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، والخلوص من الشرك.
ــ
قوله: "وهو"، أي: دين الإسلام، الذي بعث الله به نبيه ﷺ يقوم على ثلاثة أسس:
الأساس الأول: الاستسلام لله بالتوحيد.
الأساس الثاني: الانقياد لله تعالى بالطاعة.
الأساس الثالث: البراءة من الشرك ومن أهل الشرك.
فهذه الأمور الثلاثة هي التي ينتظمها دين الإسلام. أما الأول فهو "الاستسلام لله" بمعنى: الخضوع والذل له سبحانه؛ لأن من معاني مادة "أسلم" في اللغة: الطاعة والإذعان. وقد ورد هذا في قول الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ ١، والمسلم سمي بذلك لخضوع جوارحه لطاعة بربه٢. وقوله: "بالتوحيد" هذا شامل لتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، والمعنى: أن يستسلم ويخضع لله وأن يفرد بربوبيته وألوهيته.
الثاني: "والانقياد له بالطاعة" الطاعة تشتمل المأمور والمحضور. الطاعة في المأمور بالفعل، والطاعة في المحضور بالترك. الثالث: "والخلوص من الشرك"، أي: البراءة من الشرك وأهله، فلا يتم دين الإنسان إلا إذا تبرأ من المشركين وتبرأ من الشرك فلا يشاركهم في اعتقاد، ولا يشاركهم في مسكن، ولا يتشبه بهم أو يأخذ شيئاً من عادتهم أو من تقاليدهم كما مر.
стр. 101
وهو ثلاث مراتب: "الإسلام" و"الإيمان" و"الإحسان". وكل مرتبة لها أركان. فأركان الإسلام: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام.
ــ
قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ١.
قوله: "وهو ثلاث مراتب"، يعني: الدين ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان، كما في حديث عمر ﵁ وسيأتي إن شاء الله.
والمراتب: جمع مرتبة، والمرتبة والرتبة: هي المنزلة، والمكانة، ورتب الشيء ترتيباً: أثبته وجعله في مرتبته، أي، منزلته٢.
قوله: وكل مرتبة لها أركان. فأركان الإسلام: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام".
الأركان جمع ركن، وهو جانب الشيء الأقوى الذي لا يقوم ولا يتم إلا به.
ودليل هذه الأركان الخمسة: حديث ابن عمر ﵄
стр. 102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال: قال رسول الله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وحج البيت، وصوم رمضان" ١.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: "المراد من هذا الحديث أن الإسلام مبني على هذه الخمس، فهي كالأركان والدعائم لبنيانه، والمقصود تمثيل الإسلام بنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام كتتمة البنيان، فإذا فقد منها شيء نقص البنيان وهو قائم، لا ينقص ذلك، بخلاف نقص هذه الدعائم، فإن الإسلام يزول بفقدها جميعاً بغير إشكال وكذلك يزول بفقد الشهادتين، وإما إقام الصلاة فقد وردت أحاديث مقصودة تدل على أن من تركها فقد خرج من الإسلام ... وذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف ... وذهبت طائفة منهم إلى أن من ترك من أركان الإسلام الخمسة عمداً أنه كافر بذلك ... "٢.
فالركن الأول: هو الشهادة ومعناها: الاعتقاد الجازم، والذي ينبئ عن هذا الاعتقاد هو اللسان، فالشهادة: هي الاعتقاد الجازم الذي يعبر عنه اللسان، وأطلق على الاعتقاد لفظ الشهادة؛ لبيان أنه لابد من الاعتقاد الجازم. والشهادة تكون مقرونة برؤية المشهود عليه أو بسماعه مثلاً. فلما
стр. 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أريد أن هذا الاعتقاد يكون جازماً عبر عنه بلفظ يدل على الجزم وهو لفظ الشهادة، هذه هي الحكمة -والله أعلم- من أنه يقال: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ محمداً رسول الله ولا يقال اعتقاد. فاختير لفظ الشهادة دون لفظ الاعتقاد من باب التوكيد والجزم حتى كأن هذا الذي تعتقده كأنك تشاهده والذي تشاهده تشهد به. هذا معنى لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله. ثم هنا مسألة أخرى وهي أنه في هذا الحديث جعلت الشهادتان ركناً واحداً فلم تجعل شهادة أن لا إله إلا الله ركناً وتجعل شهادة أن محمداً رسول الله ركناً؛ لأن المشهود به متعدد. والجواب عن هذا السؤال من وجهين:
الأول: أن هاتين الشهادتين أساس صحة الأعمال وقبولها إذ لا يقبل العمل ولا يكون صحيحاً إلا بأمرين:
١- الإخلاص لله سبحانه.
٢- المتابعة للرسول ﷺ فإذا تحققت شهادة أن لا إله إلا الله، وإذا وجدت المتابعة تحققت شهادة أن محمداً رسول الله. فإذا كانت الشهادتين هم أساس الأعمال صح أن يكون ركناً واحداً.
الثاني: أن الرسول ﷺ مبلغ عن الله، فالشهادة له بالرسالة والعبودية من تمام أن لا إله إلا الله، فكأن الثانية تكملة للأولى.
أما بقية الأركان فيأتي الكلام عليها _إن شاء الله- عند سياق المصنف أدلتها.
стр. 104
فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
ــ
قوله: "فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١" بدأ المصنف ﵀ بذكر الأدلة على الأركان. والآية التي ساقها دليلاً على الشهادة آية عظيمة دلت على أعظم شهادة من أجل شاهد لأعظم مشهود به، فأعظم شهادة هي شهادة التوحيد من أجل شاهد وهو ﴿اللَّهُ﴾ ثم ﴿والْمَلائِكَةُ﴾ على أعظم مشهود به وهو أنه لا إله إلا الله، ومعنى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ، أي: حكم وأعلم وأخبر؛ لأن الشهادة تأتي بهذه المعاني: وقوله: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ ، المراد بالعلم هنا: العلم الشرعي الذي هو نور القلوب وحياتها. والمراد بأولي العلم: الأنبياء والعلماء. وفي قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ دليل واضح على فضل العلم وأهله؛ لأن الله جل وعلا خصهم بالذكر من دون البشر ولو كان أحد يقاربهم في هذا لذكر معهم، بل لو كان أحد أفضل منهم لذكر. والله جل وعلا خصهم بالذكر وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة، فيصلح أن تكون الآية من الأدلة على فضل العلم من وجهين:
الوجه الأول: أن الله تعالى خصهم بالذكر دون سائر البشر؛ لأن الله لم يذكر من البشر أحداً إلا أولي العلم، فإنه سبحانه ذكر نفسه المقدسة ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ ، وذكر الملائكة وهم ليسوا من البشر، ولم يذكر من البشر
стр. 105
ومعناها: لا معبود حق إلا الله وحده.
ــ
إلا أولي العلم، فلو كان من البشر من هو أفضل من أولي العلم أو مثلهم لذكر.
الوجه الثاني: أن الله تعالى قرن شهادتهم بشهادته، وهذه رفعة لهم، حيث إنهم يشهدون بألوهية الله وإفراده بالعبادة.
وقوله تعالى: ﴿قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ القسط: هو العدل في القول والعمل والحكم. و ﴿قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ حال لازمة، أي: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ اله إِلاَّ هُوَ حال كونه ﴿قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ ، ثم أعاد توحيده مرة أخرى فقال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
قوله: "ومعناها"، أي: شهادة أن لا إله إلا الله "لا معبود حق إلا الله" فلا إله، أي: "لا معبود"، وأصل إله بمعنى: مألوه، من أله يأله إلهة، أي: عبد يعبد عبادة، والتأله في لغة العرب معناه: التعبد. فـ"لا" هنا نافية للجنس وتسمى أيضاً في بعض كتب النحو بـ"لا التبرئة"، فإذا قال: لا إله إلا الله، تبرأ من جميع المعبودات إلا الله. و"إله" اسم "لا" والخبر محذوف، والنحويون يقدرون الخبر كلمة "موجود"، وهذا التقدير ليس بصحيح إذ لا يصح أن يقال: إله موجود إلا الله؛ لأن فيه آلهة موجودة كثيرة غير الله . مثل الأشجار والأحجار والأشخاص إلى غير ذلك، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١. فهذا التقدير لا يصلح، والصواب أن يكون
стр. 106
"لا اله" نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ. "إِلا اللهُ" مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أنه ليس له شريك في ملكه.
ــ
التقدير لا إله حق أو لا إله معبود بحق. "إلا الله" ، "وإلا" حصر، ولفظ الجلالة بدل من الضمير المستتر في الخبر؛ لأن خبر "لا" إذا قلنا: لا إله معبود بحق، أو قلنا: لا إله حق، فيه ضمير مستتر فيكون لفظ الجلالة بدلاً من هذا الضمير، هذا هو إعراب كلمة الإخلاص، وإنما ذكرت إعرابها لأنه قد يمر على الطالب في بعض كتب النحو تقدير الخبر بكلمة "موجود" وقد تبين فساده١.
قوله: " [لا اله] نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ. "إِلا اللهُ" مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أنه ليس له شريك في ملكه"، أي: أن هذه الكلمة العظيمة اشتملت على نفي وإثبات، فإن معناها: لا معبود بحق إلا إله واحد، وهو الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢، مع قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣، ففيها إثبات الألوهية الحقة لله تعالى، وترك عبادة ما سواه، وأن ما سوى الله ليس بإله وأن إلهية ما سواه من أبطل الباطل، قال
стр. 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١.
فـ"لا إله إلا الله" اشتملت على أمرين هما ركناها: النفي "لا إله"، والإثبات "إلا الله"، والنفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات المحض، فلا بد من الجمع بينهما.
يقول الحافظ ابن رجب ﵀:
"والإله هو الذي يطاع فلا يعصى، هيبة له وإجلالاً، ومحبة وخوفاً، ورجاءً وتوكلاً عليه، وسؤالاً منه، ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا الله ، فمن أشرك مخلوقاً في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحاً في إخلاصه في قول: "لا إله إلا الله"، ونقصاً في توحيده، وكان فيه من عبوديته المخلوق بحسب ما فيه من ذلك. وهذا كله من فروع الشرك ... "٢.
وكما أن الله تعالى هو المتفرد في ملكه، فهو المتفرد بالعبادة؛ لأن من أظلم الظلم أن يجعل المخلوق الذي ليس شريكاً لله في الملك شريكاً معه في العبادة تعالى وتقدس. ولهذا يحتج تعالى على من أنكر ألوهيته بما أقر به من ربوبيته، فإن توحيد الربوبية هو الدليل على توحيد الإلهية، وقد تقدم ذكر ذلك.
стр. 108
وَتَفْسِيرُهَا الَّذِي يُوَضِّحُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
ــ
قوله: "وتفسيرها الذي يوضحها"، أي: من القرآن الكريم ولم يكل في بيان معناها إلى أحد سواه "قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ١" فهذا إبراهيم خليل الرحمن يتبرأ من الآلهة التي عليها قومه، ويلزم من هذا أن يتبرأ منهم أيضاً، فإبراهيم ﵊ تبرأ من الشرك وأهله مع أنهم أقرب الناس إليه: أبوه، وقومه –أهل بابل وملكهم نمرود- وقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاء﴾ ، أي: إنني بريء ﴿مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ، يعني: من الأصنام والأوثان. وقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ يقابل قوله: "لا إله"، فمعنى: "لا إله" هو معنى ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ وهذا نفي. ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ معنى فطرني، أي: برأني وابتدأ خلقي. وهذا فيه معنى "إلا الله"، ثم قال مؤكداً هذه العقيدة السليمة ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ، السين هنا للتوكيد، ومعنى يهدين: أي: يرشدني ويوفقني إلى سلوك الصراط المستقيم. ﴿وَجَعَلَهَا﴾ الضمير يعود إلى كلمة التوحيد المأخوذ من قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فهذه الكلمة العظيمة وهي كلمة التوحيد جعلها إبراهيم ﵊ باقية في عقبه، والدليل على أنه جعلها باقية في عقبه قول الله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا
стр. 109
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ .
ــ
إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ، يعني: لعلهم يرجعون من الشرك إلى تحقيق هذه الكلمة، فإن من لم يأت بهذه الكلمة عارفاً معناها عاملاً بمقتضاها وقع في الشرك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وهذه الآية من الآيات العظيمة في العقيدة، وقد دلت على دلت على فوائد نذكر منها:
أولاً: أن الآية دليل على وجوب البراءة من الشرك والمشركين، فيصلح أن نستدل بالآية على الجزئية الثالثة التي ذكرها الشيخ قبل قليل وهي البراءة من الشرك وأهله.
ثانياً: الآية دليل على فضيلة من يورث أولاده هدى وصلاحاً وأن الإنسان ينشئ أولاده ويربيهم ويورثهم الهدى والصلاح فإن إبراهيم ﵊ جعل هذه الكلمة باقية في عقبه وفي ذريته.
الفائدة الثالثة: أن الآية فيها دليل على أن من الكمال العقلي والإدراك السليم أن يتبع المرء الهدى ولو خالف أهله وقومه وأهل بلاده.
قوله: "وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٢" هذه الآية تدلنا على
стр. 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تفسير الشهادة ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ أي: هلموا وأقبلوا ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ ، قال المفسرون: الكلمة السواء هي الكلمة العادلة، فكل كلمة عادلة يطلق عليها كلمة سواء ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ، أي: نحن وأنتم سواء في هذه الكلمة ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ هذا نفي أي: "لا إله"، وقوله "إلا الله" هذا إثبات ﴿وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ هذا لبيان أن العبادة لا تتم إلا بالتخلي عن الشرك؛ لأن من عبد الله وأشرك معه غيره لم يحقق المعنى المطلوب من العبادة؛ لأن المعنى المطلوب من العبادة هو إفراد الله تعالى بالعبادة كما تدل عليه كلمة الإخلاص، وقوله: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هذا من مقتضيات كلمة الإخلاص، والمعنى: لا يتخذ بعضنا البعض الآخر رباً مطاعاً من دون الله فيفرض طاعته على غيره، فإن هذا يخل بمعنى العبادة. وقد ورد عن عدي ﵁ وأرضاه أنه لما تلا عليه الرسول ﷺ قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١، قال: يا رسول الله، لسنا نعبدهم. قال: "أليسوا يحلون ما حرم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه، قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم" ٢، فدل على أن من مقتضيات كلمة الإخلاص ألا يتخذ رباً ومشرعاً إلا الله ، فمن اتخذ غير الله مشرعاً فقد عبده مع الله، وقد عطف قوله: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً