← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

١٢٤٢ - وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي قِصَّةِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ- (جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ) وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ (أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأ الْخَمْرَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا). === • اذكر لفظ الحديث كاملاً؟ عن حضين بْن الْمُنْذِرِ. قَالَ (شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَأُتِىَ بِالْوَلِيدِ قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ أَزِيدُكُمْ فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ فَقَالَ عُثْمَانُ إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا فَقَالَ يَا عَلِىُّ قُمْ فَاجْلِدْهُ. فَقَالَ عَلِىٌّ قُمْ يَا حَسَنُ فَاجْلِدْهُ. فَقَالَ الْحَسَنُ وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا - فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ - فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قُمْ فَاجْلِدْهُ. فَجَلَدَهُ وَعَلِىٌّ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ فَقَالَ أَمْسِكْ. ثُمَّ قَالَ جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيّ). (شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَأُتِىَ بِالْوَلِيدِ) والوليد هو ابن عقبة بن أبي معيْط، ظهر عليه أنه شرب الخمر، فكثر على عثمان فيه، فلما شُهد عنده بأنه شربها أقام عليه الحد. (قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ أَزِيدُكُمْ) لأنه سكران. (فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ) بضم الحاء ابن أبان مولى عثمان. (فَقَالَ عُثْمَانُ إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا) هذا بيان صريح في كون عثمان جلد الوليد لثبوت شرب الخمر منه. (فَقَالَ يَا عَلِىُّ قُمْ فَاجْلِدْهُ … ) قال النووي: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ الْحَدّ عَلَى الْوَلِيد بْن عُقْبَة، قَالَ عُثْمَان ﵁ وَهُوَ الْإِمَام لِعَلِيٍّ عَلَى سَبِيل التَّكْرِيم لَهُ وَتَفْوِيض الْأَمْر إِلَيْهِ فِي اِسْتِيفَاء الْحَدّ: قُمْ فَاجْلِدْهُ، أَيْ أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدّ بِأَنْ تَأْمُر مَنْ تَرَى بِذَلِكَ. فَقَبِلَ عَلِيّ ﵁ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلْحَسَنِ: قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَامْتَنَعَ الْحَسَن، فَقَالَ لِابْنِ جَعْفَر، فَقَبِلَ فَجَلَدَهُ، وَكَانَ عَلِيّ مَأْذُونًا لَهُ فِي التَّفْوِيض إِلَى مَنْ رَأَى كَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَقَوْله: (وَجَدَ) عَلَيْهِ أَيْ غَضِبَ عَلَيْهِ. (وَلِّ حَارّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارّهَا) الْحَارّ الشَّدِيد الْمَكْرُوه، وَالْقَارّ: الْبَارِد الْهَنِيء الطَّيِّب، وَهَذَا مَثَل مِنْ أَمْثَال الْعَرَب، قَالَ الْأَصْمَعِيّ وَغَيْره مَعْنَاهُ: وَلِّ شِدَّتهَا وَأَوْسَاخهَا مَنْ تَوَلَّى هَنِيئَهَا وَلَذَّاتهَا. الضَّمِير عَائِد إِلَى الْخِلَافَة وَالْوِلَايَة، أَيْ كَمَا أَنَّ عُثْمَان وَأَقَارِبه يَتَوَلَّوْنَ هَنِيء الْخِلَافَة وَيَخْتَصُّونَ بِهِ، يَتَوَلَّوْنَ نَكِدهَا وَقَاذُورَاتهَا. وَمَعْنَاهُ: لِيَتَوَلَّ هَذَا الْجَلْد عُثْمَان بِنَفْسِهِ أَوْ بَعْض خَاصَّة أَقَارِبه الْأَدْنِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَم. (ثُمَّ قَالَ جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيّ) قال النووي: معْنَاهُ أَنَّ فِعْل النَّبِيّ ﷺ وَأَبِي بَكْر سُنَّة يُعْمَل بِهَا، وَكَذَا فِعْل عُمَر، وَلَكِنَّ فِعْل النَّبِيّ ﷺ وَأَبِي بَكْر أَحَبّ إِلَيَّ. وَقَوْله: (وَهَذَا أَحَبّ إِلَيَّ) إِشَارَة إِلَى الْأَرْبَعِينَ الَّتِي كَانَ جَلَدَهَا، وَقَالَ لِلْجَلَّادِ: أَمْسِكْ، وَمَعْنَاهُ هَذَا الَّذِي قَدْ جَلَدْته، وَهُوَ الْأَرْبَعُونَ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ الثَّمَانِينَ. وَفِيهِ: أَنَّ فِعْل الصَّحَابِيّ سُنَّة يُعْمَل بِهَا، وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِهِ ﷺ : " فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّة الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ " وَاَللَّه أَعْلَم.

стр. 2347

• بما يثبت حد الخمر؟ يثبت بالإقرار، أو البينة. قال ابن قدامة: وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ حَتَّى يَثْبُتَ شُرْبُهُ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ؛ الْإِقْرَارِ أَوْ الْبَيِّنَةِ. وَيَكْفِي فِي الْإِقْرَارِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ. فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ لَا يَتَضَمَّنُ إتْلَافًا، فَأَشْبَهَ حَدَّ الْقَذْفِ. أمَّا الْبَيِّنَةُ: فَلَا تَكُونُ إلَّا رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، يَشْهَدَانِ أَنَّهُ مُسْكِرٌ. وَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى بَيَانِ نَوْعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقَسِمُ إلَى مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَإِلَى مَا لَا يُوجِبُهُ، بِخِلَافِ الزِّنَا، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الصَّرِيحِ وَعَلَى دَوَاعِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ) فَلِهَذَا احْتَاجَ الشَّاهِدَانِ إلَى تَفْسِيرِهِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يُسَمَّى غَيْرُ الْمُسْكِرِ مُسْكِرًا، فَلَمْ يُفْتَقَرْ إلَى ذِكْرِ نَوْعِهِ. • هل يجب الحد بوجود رائحة الخمر أو تقيأها؟ قال ابن قدامة: وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِوُجُودِ رَائِحَةِ الْخَمْرِ مِنْ فِيهِ. فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَرَوَى أَبُو طَالِبٍ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يُحَدُّ بِذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ جَلَدَ رَجُلًا وَجَدَ مِنْهُ رَائِحَةَ الْخَمْرِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إنِّي وَجَدْت مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ رِيحَ شَرَابٍ، فَأَقَرَّ أَنَّهُ شَرِبَ الطِّلَاءَ. فَقَالَ عُمَرُ: إنِّي سَائِلٌ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ. وَلِأَنَّ الرَّائِحَةَ تَدُلُّ عَلَى شُرْبِهِ، فَجَرَى مَجْرَى الْإِقْرَارِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الرَّائِحَةَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ بِهَا، أَوْ حَسِبَهَا مَاءً، فَلَمَّا صَارَتْ فِي فِيهِ مَجَّهَا، أَوْ ظَنَّهَا لَا تُسْكِرُ، أَوْ كَانَ مُكْرَهًا، أَوْ أَكَلَ نَبْقًا بَالِغًا، أَوْ شَرِبَ شَرَابَ التُّفَّاحِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْهُ، كَرَائِحَةِ الْخَمْرِ، وَإِذَا اُحْتُمِلَ ذَلِكَ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ الَّذِي يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. وَحَدِيثُ عُمَرَ حُجَّةٌ لَنَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَحُدَّهُ بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ، وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ، لَبَادَرَ إلَيْهِ عُمَرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - (المغني).

стр. 2348

١٢٤٣ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ (إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الثَّالِثَةَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الرَّابِعَةَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَهَذَا لَفْظُهُ، وَالْأَرْبَعَةُ. === • ما حكم من كرر شرب الخمر للمرة الرابعة وما بعدها؟ اتفق العلماء على أن من شرب الخمر للمرة الأولى والثانية والثالثة فإنه يحد بالجلد في كل مرة، واختلفوا في عقوبته إذا كرر الشرب للمرة الرابعة وما بعدها على أقوال: القول الأول: أن من كرر الشرب للمرة الرابعة فإنه يحد بالجلد ولا يقتل مطلقاً لا حداً ولا تعزيراً. وهذا مذهب جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة. أ- عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاضْرِبُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاضْرِبُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاضْرِبُوهُ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نُعَيْمَانَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَرَأَى الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْحَدَّ قَدْ وَقَعَ، وَأَنَّ الْقَتْلَ قَدْ رُفِع) رواه النسائي في الكبرى. ب- وعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، وَرَفَعَ الْقَتْلَ، وَكَانَتْ رُخْصَةٌ) رواه أبو داود. وجه الدلالة: ظاهر في كونه يفيد نسخ القتل، والاكتفاء بجلد الشارب في المرة الرابعة. ج- وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (أَنَّ رَجُلاً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللهِ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَه) رواه البخاري. وجه الدلالة: أن ظاهر الحديث يدل على كثرة إقامة الحد بالجلد على هذا الرجل، فدل ذلك على أن قتل الشارب في الرابعة منسوخ. د- وعَنْ عَبْدِ اللهِ قَال قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَة) متفق عليه. وجه الدلالة: أن هذا الحديث دل على حصر القتل في هذه الأمور الثلاثة، وشر الخمر في المرة الرابعة ليس منها، بل قد يكون هذا الحديث ناسخاً لقتل الشارب في الرابعة.

стр. 2349

وأجاب هؤلاء عن حديث الباب بأجوبة؟ أولاً: أنه منسوخ. قال النووي: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَل بِشُرْبِهَا، وَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ هَكَذَا حَكَى الْإِجْمَاع فِيهِ التِّرْمِذِيّ وَخَلَائِق، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - عَنْ طَائِفَة شَاذَّة أَنَّهُمْ قَالُوا: يُقْتَل بَعْد جَلْده أَرْبَع مَرَّات، لِلْحَدِيثِ الْوَارِد فِي ذَلِكَ، وَهَذَا الْقَوْل بَاطِل مُخَالِف لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَل وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ أَكْثَر مِنْ أَرْبَع مَرَّات، وَهَذَا الْحَدِيث مَنْسُوخ، قَالَ جَمَاعَة: دَلَّ الْإِجْمَاع عَلَى نَسْخه، وَقَالَ بَعْضهمْ: نَسَخَهُ قَوْله ﷺ : لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث: النَّفْس بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّب الزَّانِي، وَالتَّارِك لِدِينِهِ الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَة. (نووي). قال الشافعي: القتل منسوخ بهذا الحديث وغيره، وهذا مما لا اختلاف فيه بين أحد من أهل العلم علمته. قال ابن حجر عن حديث - عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (أَنَّ رَجُلاً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ - قال: وفيه ما يدل على نسخ الأمر الوارد بقتل شارب الخمر إذا تكرر منه إلى الرابعة أو الخامسة، فقد ذكر ابن عبد البر أنه أتى به أكثر من خمسين مرة. القول الثاني: أن للحاكم أن يقتله تعزيراً لا حداً إذا رأى المصلحة في ذلك. وهذا اختيار ابن تيمية. قال ﵀: لكن نسخ الوجوب لا يمنع الجواز فيجوز أن يقال: يجوز قتله إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك. • هل يجب الحد على من شرب قليلاً من المسكر؟ قال ابن قدامة: أنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ شَرِبَ قَلِيلًا مِنْ الْمُسْكِرِ أَوْ كَثِيرًا. وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِي ذَلِكَ فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ غَيْرِ الْمَطْبُوخِ، وَاخْتَلَفُوا فِي سَائِرِهَا، فَذَهَبَ إمَامُنَا إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَكُلِّ مُسْكِرٍ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَتَادَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُحَدُّ، إلَّا أَنْ يَسْكَرَ؛ مِنْهُمْ أَبُو وَائِلٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: مَنْ شَرِبَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ حُدَّ، وَمَنْ شَرِبَهُ مُتَأَوِّلًا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ بِلَا وَلِيٍّ. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، فَيَتَنَاوَلُ الْحَدِيثُ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ. وَلِأَنَّهُ شَرَابٌ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ، فَوَجَبَ الْحَدُّ بِقَلِيلِهِ، كَالْخَمْرِ. وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَدِّ فِيهَا؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهَا. (المغني).

стр. 2350

١٢٤٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === • ما حكم ضرب الوجه؟ حرام. لحديث الباب (إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ) رواه البخاري ومسلم واللفظ له. وفي رواية له بلفظ (إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُم … ). قال النووي: هَذَا تَصْرِيح بِالنَّهْيِ عَنْ ضَرْب الْوَجْه; لِأَنَّهُ لَطِيف يَجْمَع الْمَحَاسِن، وَأَعْضَاؤُهُ نَفِيسَة لَطِيفَة، وَأَكْثَر الْإِدْرَاك بِهَا; فَقَدْ يُبْطِلهَا ضَرْب الْوَجْه، وَقَدْ يُنْقِصُهَا، وَقَدْ يُشَوِّه الْوَجْه، وَالشَّيْن فِيهِ فَاحِش; وَلِأَنَّهُ بَارِز ظَاهِر لَا يُمْكِن سَتْره، وَمَتَى ضَرَبَهُ لَا يَسْلَم مِنْ شَيْن غَالِبًا. وقال الحافظ: ويدخل في النهي كل من ضرب في حد أو تعزير أو تأديب، وقد وقع في حديث أبي بكرة وغيره عند أبي داود وغيره في قصة التي زنت، فأمر النبي ﷺ برجمها وقال (ارموا واتقوا الوجه) وإذا كان ذلك في حق من تعين إهلاكه فمن دونه أولى. (الفتح) وقال الصنعاني: وهذا النهي عام لكل ضرب ولطم من تأديب أو غيره. (سبل السلام). • ما الحكمة من النهي عن ضربه؟ قال النووي: قال العلماء: إنما نُهي عن ضرب الوجه لأنه لطيف يجمع المحاسن، وأكثر ما يقع الإدراك بأعضائه، فيخشى من ضربه أن تبطل أو تتشوه كلها أو بعضها، والشين فيها فاحش لظهورها وبروزها بل لا يسلم إذا ضرب غالباً من شين. وقال الشيخ ابن عثيمين: ولأن الوجه أشرف ما في الإنسان، وهو واجهة البدن كله، فإذا ضُرب كان أذل للإنسان مما لو ضرب غير وجهه. وقال في الفتح في خصوص دلالة النهي الوارد في الحديث: لم يتعرض النووي لحكم هذا النهي، وظاهره التحريم، ويؤيده حديث سويد بن مقرن الصحابي: أنه ﷺ رأى رجلاً لطم غلاماً فقال (أو ما علمت أن الصورة محترمة). • ما الجواب عن فعل امرأة الخليل ﵊، وهو ما جاء في قوله تعالى: (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا)؟ فالجواب عنه من خمسة أوجُه: الوجه الأول: معناه ضَرَبَتْ وجهها. قال ابن عباس: لَطَمَتْ، وهذا مما يفعله الذي يرد عليه أمر يَستهوله. أفاده ابن عطية. والوجه الثاني: أن هذا الفعل للتعجّب قال سفيان والسدي ومجاهد: معناه ضربت بِكَفِّها جبهتها وهذا مستعمل في الناس حتى الآن وقال البغوي: أي ضَرَبَتْ وَجْهها تَعجُّباً. وقال ابن كثير: جَرَتْ به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب. والوجه الثالث: أنه ضرب خفيف فقيل: إنها ضَرَبَتْ جبينها بأصابعها تعجباً. ومعلوم أن مَنْ ضَرَب نفسه لا يكون ضرب إهانة ولا ضَرْب إيلام. والوجه الرابع: أنه هو لو صحّ أنه من ضَرْب الوجه فهو مِنْ شَرْع مَنْ قَبْلَنا. وقد جاء شرعنا بخلافه. الوجه الخامس: أن المنهي عنه ضَرْب الإنسان وجْه غيره، وهذا من ضرب النفس.

стр. 2351

١٢٤٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِد) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ. === الحديث ذكره المصنف ﵀ في كتاب المساجد من حديث حكيم بن حزام الآتي. • ما حكم إقامة الحدود في المساجد؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال؟ القول الأول: المنع. وهذا مذهب جمهور العلماء. أ-لحديث الباب. ب-ولشواهده، كحديث حكيم بن حزام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تُقَامُ اَلْحُدُودُ فِي اَلْمَسَاجِدِ، وَلَا يُسْتَقَادُ فِيهَا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ ضَعِيف. ج-ولحديث أبي هريرة قال: (أتى رجل رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فنادى فقال: يا رسول الله، إني زنيت … اذهبوا به فارجموه) متفق عليه، فأمر النبي ﷺ بإخراج من وجب عليه الحد من المسجد لأجل إقامة الحد. د-ويمكن أن يستدل بقوله ﷺ : (إن المساجد لم تبنَ لهذا). هـ-ولأن إقامة الحدود في المسجد لا يؤمن تلويث المسجد. القول الثاني: يجوز التأديب في المسجد بخمسة أسواط أو نحوها. وهذا مذهب مالك وأبي ثور. ويمكن أن يستدل بأن هذا الضرب الخفيف يؤمن معه تضرر المسجد. والقول الأول هو الصحيح.

стр. 2352

١٢٤٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ، وَمَا بِالْمَدِينَةِ شَرَابٌ يُشْرَبُ إِلَّا مِنْ تَمْرٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ١٢٤٧ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالْخَمْرُ: مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ١٢٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄; عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَام) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ. ١٢٤٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَام) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. === • ماذا نستفيد من هذه الأحاديث؟ هذه الأحاديث دليل على أن اسم الخمر يطلق على كل ما أسكر، سواء كان مشروباً أو مشموماً، وسواء كان من العنب أو من التمر أم من غيرهما. وهذا قول جماهير العلماء. قال النووي: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم تَصْرِيح بِتَحْرِيمِ جَمِيع الْأَنْبِذَة الْمُسْكِرَة، وَأَنَّهَا كُلّهَا تُسَمَّى خَمْرًا، وَسَوَاء فِي ذَلِكَ الْفَضِيخ وَنَبِيذ التَّمْر وَالرُّطَب وَالْبُسْر وَالزَّبِيب وَالشَّعِير وَالذُّرَة وَالْعَسَل وَغَيْرهَا، وَكُلّهَا مُحَرَّمَة، وَتُسَمَّى خَمْرًا. هَذَا مَذْهَبنَا وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَحْمَد وَالْجَمَاهِير مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف. واحْتَجَّ الْجُمْهُور بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّة. أَمَّا الْقُرْآن فَهُوَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى نَبَّهَ عَلَى أَنَّ عِلَّة تَحْرِيم الْخَمْر كَوْنهَا تَصُدّ عَنْ ذِكْر اللَّه وَعَنْ الصَّلَاة، وَهَذِهِ الْعِلَّة مَوْجُودَة فِي جَمِيع الْمُسْكِرَات، فَوَجَبَ طَرْد الْحُكْم فِي الْجَمِيع. الثَّانِيَة: الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْكَثِيرَة الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم وَغَيْره. كَقَوْلِهِ ﷺ (كُلّ مُسْكِر حَرَام). وَقَوْله (نَهَى عَنْ كُلّ مُسْكِر). وَحَدِيث (كُلّ مُسْكِر خَمْر). وَحَدِيث اِبْن عُمَر ﵄ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِم هُنَا فِي آخِر كِتَاب الْأَشْرِبَة: (أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: كُلّ مُسْكِر خَمْر وَكُلّ مُسْكِر حَرَام). وَفِي رِوَايَة لَهُ (كُلّ مُسْكِر خَمْر وَكُلّ خَمْر حَرَام). وَحَدِيث النَّهْي عَنْ كُلّ مُسْكِر أَسْكَرَ عَنْ الصَّلَاة. (نووي). وقال ابن قدامة: أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَهُوَ خَمْرٌ حُكْمُهُ حُكْمُ عَصِيرِ الْعِنَبِ فِي تَحْرِيمِهِ، وَوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى شَارِبِهِ. وَرُوِيَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَنَسٍ، وَعَائِشَةَ ﵃ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ، وَقَتَادَةُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاق. (المغني).

стр. 2353

وقال القرطبي: … وعلى هذا يدلّ قوله في أوَّل الرواية الأخرى (وكانت عامة خمورهم يومئذ خليط البسر والتمر). وهذه الأحاديث على كثرتها تبطل مذهب أبي حنيفة، والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب. وما كان من غيره لا يُسمَّى خمرًا، ولا يتناوله اسم الخمر، وإنما يُسمى نبيذًا. وهذا مخالف للُّغة، والسُّنَّه، ألا ترى: أنه لما نزل تحريم الخمر فهمت الصحابة جميعهم من ذلك تحريم كل ما يُسكر نوعه؛ فسَوَّوا في التحريم بين المعتصر من العنب وغيره، ولم يتوقفوا في ذلك، ولا سألوا عنه؛ لأنَّهم لم يشكل عليهم شيء من ذلك، فإنَّ اللِّسان لسانهم، والقرآن نزل بلغتهم. ولو كان عندهم في ذلك شكٌّ، أو توهُّم لتوقفوا عن الإراقة حتى يستكشفوا، ويسألوا، لا سيما وكان النبيذ عندهم مالاً محترمًا منهيًّا عن إضاعته قبل التحريم، فلما فهموا التحريم نصًّا ترجَّح عندهم مقتضى الإراقة والإتلاف على مقتضى الصيانة والحفظ، ثم كان هذا من جميعهم من غير خلاف من أحد منهم، فصار القائل بالتَّفريق سالكًا غير سبيلهم، ثم إنَّه قد ثبتت أحاديث نصوصٌ في التسوية بين تلك الأشياء، وأن كلَّ ذلك خمر على ما يأتي بعد هذا. وقد خطب عمر بن الخطاب ﵁ الناس فقال: ألا وإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل، وهي من خمسة أشياء: من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والعسل. والخمر: ما خامر العقل. وهذه الخطبة بمحضر الصحابة رضوان الله عليهم وهم أهل اللسان، ولم ينكر ذلك عليه أحد، وهو الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه. وقال ابن تيمية: ومما يبين ذلك أنه قد ثبت بالأحاديث الكثيرة المستفيضة أن الخمر لما حرمت لم يكن بالمدينة من خمر العنب شيء، فإن المدينة لم يكن فيها شجر العنب، وإنما كان عندهم النخل فكان خمرهم من التمر، ولما حرمت الخمر أراقوا تلك الأشربة التي كانت من التمر، وعلموا أن ذلك الشراب هو خمر محرم، فعلم أن لفظ الخمر لم يكن عندهم مخصوصاً بعصير العنب، وسواء كان ذلك في لغتهم فتناول، أو كانوا عرفوا التعميم ببيان الرسول ﷺ فإنه المبين عن الله مراده، فإن الشارع يتصرف في اللغة تصرف أهل العرف يستعمل اللفظ تارة فيما هو أعم من معناه في اللغة وتارة فيما هو أخص. وقال ابن رجب: … وإلى هذا القول ذهب جمهورُ علماء المسلمين مِنَ الصَّحابة والتابعين ومن بعدهم من عُلماء الأمصار، وهو مذهبُ مالك، والشافعي، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق ومحمد بن الحسن وغيرهم، وهو ممَّا اجتمع على القول به أهلُ المدينة كلهم. وخالف فيه طوائفُ مِنْ عُلماء أهل الكوفة، وقالوا: إنَّ الخمرَ إنَّما هو خمرُ العنب خاصّةً، وما عداها، فإنَّما يحرم منه القدرُ الذي يُسكر، ولا يحرم ما دُونَه، وما زال علماءُ الأمصار يُنكرون ذلك عليهم، وإنْ كانوا في ذلك مجتهدين مغفوراً لهم، وفيهم خَلقٌ مِنْ أئمَّة العلمِ والدين. ومما يدلُّ على أن كُلَّ مسكر خمر: أنَّ تحريم الخمر إنَّما نزل في المدينة بسبب سؤال أهل المدينة عمّا عندهم من الأشربة، ولم يكن بها خمرُ العنب، فلو لم تكن آية تحريم الخمر شاملةً لِما عِندهم، لما كان فيها بيانٌ لِما سألوا عنه، ولكانَ محلُّ السبب خارجاً مِنْ عُموم الكلام، وهو ممتنع، ولمَّا نزل تحريمُ الخمر أراقوا ما عندهم من الأشربة، فدلَّ على أنَّهم فَهِمُوا أنَّه منَ الخمر المأمور باجتنابه.

стр. 2354

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال (الخمرُ مِنْ هَاتَينِ الشَّجرتين: النخلة والعِنبة)، وهذا صريح في أنَّ نبيذ التمر خمر. وقال ابن عثيمين: كل ما أسكر فهو خمر سواء كان من العنب أو من التمر أو من الشعير أو من البر أو من غير ذلك، كل ما أسكر فهو خمر، قال النبي ﷺ : كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، والإسكار هو تغطية العقل على وجه اللذة والطرب ليس مجرد تغطية العقل، ولهذا البنج ليس مسكراً وإن كان يغطي العقل، والمبنج لا يدري ماذا حصل له، لكن الخمر ـ نسأل الله العافية ـ يجد الإنسان من السكر لذة وطرباً ونشوى حتى يتصور أنه ملك من الملوك وأنه فوق الثريا وما أشبه ذلك. انتهى. - قوله (كل مسكر خمر) كل من أقوى ألفاظ العموم، فكل مسكر يسمى خمراً كما هو قول الجمهور، وهو ما تدل عليه الأدلة. قوله (وكل مسكر حرام) فكل ما أسكر فهو حرام قل أم كثر؛ لحديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ (ما أسكر كثيره فقليله حرام). • قوله (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُه حرام) جمهور أهل العلم على أن أي طعام أو شراب حصل الإسكار بشرب كمية منه فإنه يصير محرماً، لا فرق بين كثيره المسكر وقليله الذي لا يسكر، وخالف في هذا الحنفية وهم محجوجون بالأحاديث السابقة، وهي صحيحة. قال الشيخ ابن عثيمين: … ولا تظن أن أي نسبة من الخمر تكون في شيء تجعله حراماً بل النسبة إذا كانت تؤثر بحيث إذا شرب الإنسان من هذا المختلط بالخمر سكر صار حرماً أما إذا كانت نسبة ضئيلة تضاءلت وانمحى أثرها ولم تؤثر فإنه يكون حلالاً. وقال ﵀ … وقد ظن بعض الناس أن قول الرسول ﷺ (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ). أن معناه ما خلط بيسير فهو حرام ولو كان كثيراً، وهذا فهم خاطئ فالحديث: ما أسكر كثيرة فقليله حرام، يعني أن الشيء الذي إذا أكثرت منه حصل السكر، وإذا خففت منه لم يحصل السكر، يكون القليل والكثير حراماً، لأنك ربما تشرب القليل الذي لا يسكر، ثم تدعوك نفسك إلى أن تكثر فتسكر، وأما ما اختلط بمسكر ونسبة المسكر فيه قليلة لا تؤثر فهذا حلال ولا يدخل في الحديث " اهـ. • فائدة: يجب التفريق بين نوعين من البيرة: الأول: البيرة المسكرة التي تباع في بعض البلاد، فهذه البيرة خمر، حرام بيعها وشراؤها وشربها، وقد قال النبي ﷺ (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ). ويحرم شرب الكثير والقليل منها، ولو قطرة واحدة لقول النبي ﷺ (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) رواه الترمذي صححه الألباني في صحيح الترمذي. الثاني: البيرة غير المسكرة، إما لكونها خالية تماماً من الكحول، أو موجود بها نسبة ضئيلة من الكحول لا تصل إلى حد الإسكار مهما أكثر الإنسان من الشرب منها، فهذه هي التي أفتى العلماء بأنها حلال.

стр. 2355

١٢٥٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ فِي السِّقَاءِ، فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ، وَالْغَدَ، وَبَعْدَ الْغَدِ، فَإِذَا كَانَ مَسَاءُ الثَّالِثَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أَهْرَاقَهُ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. === (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ) أي: يتخذ له النبيذ من الزبيب، وهو العنب المجفف بأن يطرح في الماء وينقع. (فَإِذَا كَانَ مَسَاءُ الثَّالِثَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أَهْرَاقَهُ) جاء عند مسلم رواية (فإن فضل منه شيء سقاه الخادم أو صبه) والمعني: أنه إن بدا في طعمه بعض تغير ولم يشتد سقاه الخادم، وإن اشتد أمر به فأهريق، فتكون (أو) للتنويع حسب حال النبيذ. قال القرطبي: ثم سقاه الخادم. وفي الرواية الأخرى (ثم أمر به فأهريق)، وظاهر هاتين الروايتين: أنهما مرَّتان. فأما الأولى: فإنَّه لم يظهر فيه ما يقتضي إراقته، وإتلافه، لكن اتَّقاه في خاصَّة نفسه أخذًا بغاية الورع، وسقاه الخادم؛ لأنَّه حلال جائز، كما قال في أجرة الحجَّام (اعلفه ناضحك) يعني: رقيقك. وأما في المرة الأخرى: فتبين له فساده فأمر بإراقته. (المفهم) وقال النووي: وَقَوْله (سَقَاهُ الْخَادِم أَوْ صَبَّهُ) مَعْنَاهُ تَارَة: يَسْقِيه الْخَادِم، وَتَارَة يَصُبّهُ، وَذَلِكَ الِاخْتِلَاف لِاخْتِلَافِ حَال النَّبِيذ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَظْهَر فِيهِ تَغَيُّر وَنَحْوه مِنْ مَبَادِئ الْإِسْكَار سَقَاهُ الْخَادِم وَلَا يُرِيقهُ؛ لِأَنَّهُ مَال تَحْرُم إِضَاعَته، وَيَتْرُك شُرْبه تَنَزُّهًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ ظَهَرَ فِيهِ شَيْء مِنْ مَبَادِئ الْإِسْكَار وَالتَّغَيُّر أَرَاقَهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَسْكَرَ صَارَ حَرَامًا وَنَجِسًا فَيُرَاق وَلَا يَسْقِيه الْخَادِم؛ لِأَنَّ الْمُسْكِر لَا يَجُوز سَقْيه الْخَادِم كَمَا لَا يَجُوز شُرْبه، وَأَمَّا شُرْبه ﷺ قَبْل الثَّلَاث فَكَانَ حَيْثُ لَا تَغَيُّر، وَلَا مَبَادِئ تَغَيُّر وَلَا شَكّ أَصْلًا. وَاللَّهُ أَعْلَم. (نووي). • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: جواز شرب النبيذ وهو الماء يلقى فيه التمر أو الزبيب ليحلو به الماء وتذهب ملوحته، بشرط ألا يصل إلى درجة الإسكار وإلا حرم. قال النووي: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلَالَة عَلَى جَوَاز الِانْتِبَاذ، وَجَوَاز شُرْب النَّبِيذ مَا دَامَ حُلْوًا لَمْ يَتَغَيَّر وَلَمْ يَغْلِ، وَهَذَا جَائِز بِإِجْمَاعِ الْأُمَّة. وَأَمَّا سَقْيه الْخَادِم بَعْد الثَّلَاث وَصَبّه، فَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَن بَعْد الثَّلَاث تَغَيُّره، وَكَانَ النَّبِيّ ﷺ يَتَنَزَّه عَنْهُ بَعْد الثَّلَاث. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: هل يَحْرُم عصير العنب وعصير البرتقال وما أشبه ذلك أم لا؟. الجواب: هذا حلال ليس فيه شك، إلا إذا غلا - أي: تخمَّر - بأن يكون فيه زَبَد، صار حراماً، أو إذا أتى عليه ثلاثة أيام على المشهور من المذهب، وإن لم يغلِ: فإنه يكون حراماً، قالوا: لأن ثلاثة الأيام يغلي فيها العصير غالباً، ولما كان الغليان قد يخفى أنيط الحكم بالغالب لظهوره وهو ثلاثة أيام. والصحيح: خلاف ذلك، فالصحيح: أنه لا يحرم إذا أتى عليه ثلاثة أيام، لا سيما في البلاد الباردة، أما إذا كان في البلاد الحارة فإنه بعد ثلاثة أيام ينبغي أن ينظر فيه، والاحتياط أن يتجنب وأن يعطى البهائم أو ما أشبه ذلك؛ لأنه يخشى أن يكون قد تخمر وأنت لا تعلم به. (الممتع).

стр. 2356

١٢٥١ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُم) أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان. ١٢٥٢ - وَعَنْ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ، (أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ ﵄، سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ يَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا. === • ما صحة حديث أم سلمة؟ لا يصح. ويغني عنه ما جاء عن ابن مسعود أنه قال (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُم) ذكره البخاري تعليقاً، وأخرجه ابن أبي شيبة. • ما حكم التداوي بالخمر؟ لا يجوز التداوي بالخمر. وهذا مذهب جماهير العلماء. أ-لحديث الباب (إنه ليس بدواء ولكنه داء). قال النووي: فيه التصريح بأنها ليست بدواء، فيحرم التداوي بها. وقال الخطابي: في الحديث بيان أنه لا يجوز التداوي بالخمر، وهو قول أكثر الفقهاء. ب- وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ) رواه ابو داود. ج- وعن ابن مسعود قال: (إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام عليكم) رواه البخاري تعليقاً. • ما حكم شرب الخمر لإزالة الغصة إذا لم يجد غيرها؟ ذهب عامة العلماء إلى جواز ذلك. قال ابن تيمية: وكذلك الخمر يباح لدفع الغصة بالاتفاق. وقال النووي: لو غص بلقمة ولم يجد شيئاً يسيغها به إلا الخمر فله إساغتها به بلا خلاف نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب وغيرهم، بل قالوا يجب عليه ذلك، لأن السلامة من الموت بهذه الإساغة قطعية بخلاف التداوي وشربها للعطش. أ- لقوله تعالى (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ). وجه الدلالة: أن الآية نفت الإثم حال الضرورة إذا لم يكن بغي ولا عدوان، وإزالة الغصة ليست بغي ولا عدوان. ب- ولقوله تعالى (وقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ). وجه الدلالة: أن الله تعالى بيّن لنا أن المحرمات مفصلة في كتابه واستثنى منها حال الضرورة، وإزالة الغصة ضرورة فتكون مستثناة بنص القرآن. ج- ولقوله تعالى (وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). وجه الدلالة: أن الآية نهت المسلمين عن الإلقاء بأيديهم في التهلكة، وترك إزالة الغصة بالخمر إلقاء بالنفس إلى التهلكة وهو لا يجوز. د- لأنه إحياء للنفس وهو متحقق النفع.

стр. 2357

• ما حكم شرب الخمر لسد العطش والجوع عند الضرورة؟ اختلف العلماء في ذلك: فقيل: لا يجوز شربها لذلك. وهذا قول جماهير العلماء. أ-لأن شربها للضرورة قد يدعو على التعود على شربها في غير الضرورة. ب- ولأن شربها لا يدفع العطش بل يزيده. وذهب الحنفية إلى جواز شربها عند الضرورة القصوى. لأن المعنى الذي أبيحت من أجله الميتة وما في حكمها وهو إنقاذ النفس من الهلاك موجود في الخمر، فتباح لذلك. فائدة: قال ابن القيم رحمه الله تعالى: والمعالجة بالمحرمات قبيحة شرعاً وعقلاً. أما الشرع فما ذكرنا من هذه الأحاديث وغيرها. وأما العقل، فهو أن الله سبحانه إنما حرمه لخبثه، فإنه لم يُحَرِّم على هذه الأمة طيباً عقوبة لها، كما حرمه على بني إسرائيل بقوله: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ)؛ وإنما حرَّم على هذه الأمة ما حرَّم لخبثه، وتحريمه له حِمية لهم، وصيانة عن تناوله، فلا يناسب أن يُطلب به الشفاء من الأسقام والعلل، فإنه وإن أثَّر في إزالتها، لكنه يُعقب سقماً أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه، فيكون المُدَاوَى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب. (زاد المعاد). الجمعة/ ١٦/ ٦/ ١٤٣٧ هـ

стр. 2358

بَاب التَّعْزِيرِ وَحُكْمِ الصَّائِلِ تعريفه. التعزير: لغة: التأديب. واصطلاحاً: هو التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة. (لا حد فيها) فالزنا لا تعزيز فيه، لأن فيه حداً، وكذلك السرقة. (ولا كفارة) مثل الوطء في نهار رمضان، لا تعزير فيه لأن فيه كفارة.

стр. 2359

١٢٥٣ - عَنْ أَبِي بُرْدَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول (لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّه) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === • كم أقل التعزير؟ لا حد لأقل التعزير. قال ابن قدامة: لأنه لو تقدر لكان حداً. • كم أكثره؟ اختلف العلماء في أكثر التعزير على أقوال: القول الأول: لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط. وهذا هو المعتمد في المذهب الحنبلي، وهو مذهب الظاهرية، وبه قال إسحاق والليث، وبعض الشافعية. قال في المغني: واختلف عن أحمد في قدره فروي عنه أنه لا يزاد على عشر جلدات، نص أحمد على هذا في مواضع، وبه قال إسحاق .... وقال ابن حزم: وقالت طائفة: أكثر التعزير عشرة أسواط فأقل لا يجوز به أكثر من ذلك، وهو قول الليث بن سعد وقول أصحابنا. واختاره ابن دقيق العيد، والصنعاني، والشوكاني. واستدلوا بحديث. وجه الدلالة: أن الحديث صريح في أنه لا يزاد على عشر جلدات إلا في الحدود الشرعية، والتعزير ليس حداً فلا يزاد فيه على العشر. القول الثاني: أن التعزير بالجلد ليس له حد معين، بل هو موكول إلى اجتهاد القاضي حسب المصلحة. وهو مذهب المالكية، وقول لأبي يوسف اختاره الطحاوي. القول الثالث: أن لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود. وهو مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة. أ- لحديث النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين). رواه البيهقي ونوقش بأن البيهقي قال عنه المحفوظ مرسل، وكذلك رواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار عن الضحاك بن مزاحم. ب- أن العقوبة على قدر المعصية، والمعاصي المنصوص على حد عقوبتها أعظم من غيرها، فلا يجوز أن يبلغ في أهون الأمرين عقوبة أعظمها. ويناقش هذا بأن خطورة المعصية وضررها على المجتمع يختلف باختلاف الأحوال والأزمنة، فترك تقدير عقوبتها للقاضي، وقد يكون ضرر معصية أصغر من معصية الحد كبيراً في زمن أو حال، بحيث يكون أشد من ضرر معصية الحد.

стр. 2360

القول الرابع: أن لا يبلغ في التعزير على معصية حداً مشروعاً في جنسها، ويجوز أن يزيد على حد غير جنسها، وعلى هذا فالتعزير الذي سببه الوطء لا يجوز أن يبلغ المائة (حد الزنا) وما كان سببه الشتم والسب لا يجوز أن يبلغ الثمانين (حد القذف) وهكذا. وهذا قول للشافعية، ورواية للحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد تنازع العلماء في مقدار أعلى التعزير الذي يقام بفعل المحرمات على أقوال: أحدها: وهو أحسنها … أنه لا يبلغ في التعزير في كل جريمة الحد المقدر فيها، وإن زاد على حد مقدر في غيرها فيجوز التعزير في المباشرة المحرمة وفي السرقة المحرمة من غير حرز بالضرب الذي يزيد على حد القذف ولا يبلغ بذلك الرجم. • ما الجواب عن حديث الباب؟ الجواب الأول: أن الحديث محمول على التأديب الصادر من غير الولاة، كتأديب الأب لولده ونحوه. قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: الصحيح أن المراد بالحد هنا حكم الله ، وقد سمى الله أحكامه حدوداً فقال: (وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه). الجواب الثاني: أن هذا الحديث منسوخ. ذهب جماعة من الحنفية والشافعية إلى أن هذا الحديث منسوخ، ودليل النسخ عندهم هو إجماع الصحابة ﵃ على العمل بخلافه من غير نكير. قال الحافظ ابن حجر: ومنها أنه منسوخ دل على نسخه إجماع الصحابة، ورد بأنه قال به بعض التابعين وهو قول الليث بن سعد أحد فقهاء الأمصار. وقال النووي: وَأَجَابَ أَصْحَابنَا عَنْ الْحَدِيث بِأَنَّهُ مَنْسُوخ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الصَّحَابَة ﵁ جَاوَزُوا عَشْرَة أَسْوَاط. الجواب الثالث: أن الحديث مقصور على زمن الرسول ﷺ ، لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر. قال العلامة ابن دقيق العيد: وقال بعض المالكية: وتأول أصحابنا الحديث على أنه مقصور على زمن النبي ﷺ ؛ لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر، وهذا في غاية الضعف أيضاً، لأنه ترك للعموم بغير دليل شرعي على الخصوص وما ذكره مناسبة ضعيفة لا تستقل بإثبات التخصيص. وقال النووي: وَهَذَا التَّأْوِيل ضَعِيف. • بعض الأمثلة لما يجب التعزير بها: الاستمناء باليد، إتيان البهيمة، مساحقة النساء.

стр. 2361

١٢٥٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُود) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِي. === (أَقِيلُوا) من الإقالة، والمراد: التجاوز وعدم المؤاخذة. (ذَوِي الْهَيْئَاتِ) أصحاب المروءات والخصال الحميدة. (عَثَرَاتِهِمْ) أي: زلاتهم. (إِلَّا الْحُدُود) إلا ما يوجب حداً. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: استحباب ترك مؤاخذة ذي الهيئة إذا وقع في زلة، أو هفوة لم تعهد منه، إلا ما كان حداً من حدود الله. قال ابن القيم: قال ابن عقيل، المراد بهم الذين دامت طاعاتهم وعدالتهم فزلت في بعض الأحايين أقدامهم بورطة. قلت: ليس ما ذكره بالبين فإن النبي ﷺ لا يعبر عن أهل التقوى والطاعة والعبادة بأنهم ذوو الهيئات ولا عهد بهذه العبارة في كلام الله ورسوله للمطيعين المتقين، والظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله تعالى خصهم بنوع التكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان منهم مستوراً مشهوراً بالخير حتى كبا به جواده، ونبا عصب صبره، وأديل عليه شيطانه فلا تسارع إلى تأنيبه وعقوبته بل تقال عثرته ما لم يكن حداً من حدود الله، فإنه يتعين استيفاؤه من الشريف كما يتعين أخذه من الوضيع فإن النبي قال: لو أن فاطمه بنت محمد سرقت لقطعت يدها، وقال: إنما هلك بنوا إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وهذا باب عظيم من أبواب محاسن هذه الشريعة الكاملة وسياستها للعالم وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد. (بدائع الفوائد). • هل يستحب الستر على المسلم؟ نعم، فيستحب الستر على المسلم غير المعلن للفجور والفسق. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ جواز الشفاعة فيما يقتضي التعزير، وقد نقل ابن عبد البر وغيره فيه الاتفاق، ويدخل فيه سائر الأحاديث الواردة في ندب الستر على المسلم، وهي محمولة على ما لم يبلغ الإمام. - أن الإسلام يحفظ لأهل الفضل كرامتهم، ويقيل عثرتهم، وتشفع لهم سابقتهم في الخير والإسلام، وقد وقع مثل هذا لبعض من السابقين في الإسلام وقعت منهم هفوات فاعتبروا من أهل الفضل وأقيلت عثراتهم لهذا السبب كما وقع مع سيدنا حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وغيره، والله أعلم. - ظاهر الحديث قد يفهم منه البعض أنه مُعارِضٌ لمبدأ العدل والمساواة الذي أقره الإسلام بين الناس، وليس الأمر كذلك؛ وذلك أن من كثرت عثراته، وتكررت زلاته لا يستوي ومَن قلَّت عثراته، وندرت زلاته، وغاية ما يرمي إليه الحديث هو رفع المؤاخذة بالخطأ والذنب إذا صدر عمَّن لم يكن من عادته ذلك، وعُرِفَ بالاستقامة والصلاح، إلا ما كان حداً من حدود الله تعالى وبلغ الحاكم فيجب إقامته. قال الذهبي: إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلِم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه، يُغفر له زلته، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه، نعم، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك.

стр. 2362

١٢٥٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ (مَا كُنْتُ لِأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا، فَيَمُوتُ، فَأَجِدُ فِي نَفْسِي، إِلَّا شَارِبَ الْخَمْرِ; فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِي. === (فَأَجِدُ فِي نَفْسِي) الوجد هنا الحزن. (إِلَّا شَارِبَ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ) أي: غرمت ديته لمن يستحق قبضها، وفي رواية مسلم (لأن رسول الله ﷺ لم يسنه) تعليل لأدائه الدية لمن مات من حد الشرب. • ما حكم من مات بسبب إقامة الحد عليه؟ ليس فيه دية ولا كفارة. (الحق قتله). قال النووي: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدّ فَجَلَدَهُ الْإِمَام أَوْ جَلَّاده الْحَدّ الشَّرْعِيّ فَمَاتَ فَلَا دِيَة فِيهِ وَلَا كَفَّارَة، لَا عَلَى الْإِمَام، وَلَا عَلَى جَلَّاده وَلَا فِي بَيْت الْمَال. وقال القرطبي: حديث علي (مَا كُنْتُ لِأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا، فَيَمُوتُ … ) يدلُّ على أن ما كان فيه حدٌّ محدود فأقامه الإمام على وجهه، فمات المحدود بسببه؛ لم يلزم الإمام شيء، ولا عاقلته، ولا آل بيت المال. وهذا مجتمعٌ عليه. لأنَّ الإمام قام بما وجب عليه، والميت قتيل الله. وأمَّا حدّ الخمر فقد ظهر: أن رسول الله ﷺ لم يحدّ فيه حدًّا، فلما قصرته الصحابة ﵁ على عدد محدود، وهو الثمانون، وجد علي ﵁ في نفسه من ذلك شيئًا، فصرَّح بالتزام الدِّية إن وقع له موت المجلود احتياطًا، وتوقيًّا، لكن ذلك- والله أعلم - فيما زاد على الأربعين إلى الثمانين. وإمَّا الأربعون: فقد صرَّح هو على أن رسول الله ﷺ وأبا بكر جلداها، وسمى ذلك سنة. فكيف يخاف من ذلك؟ وهذا هو الذي فهمه الشافعي من فعل علي هذا، فقال: إن حدّ أربعين بالأيدي، والنعال، والثياب فمات؛ فالله قتله، وإن زِيدَ على الأربعين بذاك، أو ضرب أربعين بسوط فمات؛ فديته على عاقلة الإمام. (المفهم). • ما الحكم لو مات من التعزير؟ لا ضمان فيه ولا كفارة أيضاً. قال النووي: وَأَمَّا مَنْ مَاتَ مِنْ التَّعْزِير: فَمَذْهَبنَا وُجُوب ضَمَانه بِالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَة، … هَذَا مَذْهَبنَا. وَقَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء: لَا ضَمَان فِيهِ لَا عَلَى الْإِمَام وَلَا عَلَى عَاقِلَته وَلَا فِي بَيْت الْمَالِ. وقال القرطبي: وجمهور العلماء على أنه لا شيء عليه.

стр. 2363

١٢٥٦ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيد) رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِي. ١٢٥٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (تَكُونُ فِتَنٌ، فَكُنْ فِيهَا عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ، وَلَا تَكُنِ الْقَاتِل) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ. ١٢٥٨ - وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ نَحْوَهُ: عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ. === • اذكر بعض الأحاديث الأخرى التي تتحدث عن موضوع هذا الحديث؟ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ، فَإِنْ دُخِلَ - يَعْنِي - عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ، فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ) رواه أبو داود، وصححه من الائمة: الترمذي، و ابن حبان، وابن دقيق العيد، وابن حجر، وابن الملقن، و الالباني، و الارناءوط، و الوادعي وغيرهم. ب- وعن سَعْد بْن أَبِى وَقَّاص. قَالَ عِنْدَ فِتْنَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي». قَالَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَىَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ إِلَىَّ لِيَقْتُلَنِي. قَالَ «كُنْ كَابْنِ آدَم) رواه الترمذي. ج- وعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفُهُ وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِه) متفق عليه. د- وعن أَبَي بَكْرَة. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا أَلَا فَإِذَا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ». قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا أَرْضٌ قَالَ «يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ ثُمَّ لْيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ». قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ أَوْ إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ أَوْ يَجِئ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي قَالَ «يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّار) رواه مسلم. • ما المراد بالفتنة الواردة في هذه الأحاديث؟ قد ذكر الخلاف الإمام النووي ﵀ فقال: وَهَذَا الْحَدِيث وَالْأَحَادِيث قَبْله وَبَعْده مِمَّا يَحْتَجّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى الْقِتَال فِي الْفِتْنَة بِكُلِّ حَال. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي قِتَال الْفِتْنَة: فَقَالَتْ طَائِفَة: لَا يُقَاتِل فِي فِتَن الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْهِ بَيْته، وَطَلَبُوا قَتْله، فَلَا يَجُوز لَهُ الْمُدَافَعَة عَنْ نَفْسه؛ لِأَنَّ الطَّالِب مُتَأَوِّل.

стр. 2364

وَهَذَا مَذْهَب أَبِي بَكْرَة الصَّحَابِيّ ﵁ وَغَيْره. وَقَالَ اِبْن عُمَر وَعِمْرَان بْن الْحُصَيْن ﵃ وَغَيْرهمَا: لَا يَدْخُل فِيهَا، لَكِنْ إِنْ قُصِدَ دَفَعَ عَنْ نَفْسه. فَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى تَرْك الدُّخُول فِي جَمِيع فِتَن الْإِسْلَام. وَقَالَ مُعْظَم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّة عُلَمَاء الْإِسْلَام: يَجِب نَصْر الْمُحِقّ فِي الْفِتَن، وَالْقِيَام مَعَهُ بِمُقَاتَلَةِ الْبَاغِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي … ) الْآيَة. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح. وَتُتَأَوَّل الْأَحَادِيث عَلَى مَنْ لَمْ يَظْهَر لَهُ الْحَقّ، أَوْ عَلَى طَائِفَتَيْنِ ظَالِمَتَيْنِ لَا تَأْوِيل لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُونَ لَظَهَرَ الْفَسَاد، وَاسْتَطَالَ أَهْل الْبَغْي وَالْمُبْطِلُونَ. وَاَللَّه أَعْلَم. (شرح مسلم). وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: لو تحاربت طائفتان - في فتنة - وجب على كل قادر الأخذ على يد المخطئ ونصر المصيب، و هذا قول الجمهور. وقال الطبري: والصواب أن يقال أن الفتنة أصلها الابتلاء وإنكار المنكر واجب على كل من قدر عليه، فمن أعان المحق أصاب ومن أعان المخطئ أخطأ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها. وقال الصنعاني: وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين، وحملوا هذه الأحاديث على من ضعف عن القتال، أو قصر نظره عن معرفة الحق، وقال بعضهم بالتفصيل وهو أنه إذا كان القتال بين طائفتين لا إمام لهم فالقتال حينئذ ممنوع، وتنزل الأحاديث على هذا وهو قول الأوزاعي، وقال الطبري إنكار المنكر واجب على من يقدر عليه فمن أعان المحق أصاب ومن أعان المبطل أخطأ وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها، وقيل إن النهي إنما هو في آخر الزمان حيث تكون المقاتلة لطلب الملك. (سبل السلام). كِتَابُ الْجِهَادِ • ما تعريف الجهاد؟ الجهاد لغة: استفراغ الوسع والطاقة من قول أو فعل. واصطلاحاً: قال الحافظ ابن حجر: بذل الجهد في قتال الكفار. • ما الحكمة من الجهاد؟ إعلاء كلمة الله تعالى، وتعبيد الناس لله وحده، وإخراجهم من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد. قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ).

стр. 2365

وقال: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). قال ابن جرير ﵀: فقاتلوهم حتى لا يكون شرك، ولا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، فيرتفع البلاء عن عباد الله من الأرض، وهو الفتنة ويكون الدين كله لله، وحتى تكون الطاعة والعبادة كلها خالصة دون غيره ". وقال ابن كثير ﵀: أمر تعالى بقتال الكفار حتى لا تكون فتنة أي شرك ويكون الدين لله أي يكون دين الله هو الظاهر على سائر الأديان". وقال ﷺ (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) رواه البخاري ومسلم. وقال ﷺ (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ). رواه أحمد. قال الشيخ ابن باز: … وفي هذه الآيات الكريمات والأحاديث الصحيحة الدلالة الظاهرة علي وجوب جهاد الكفار والمشركين وقتالهم بعد البلاغ والدعوة إلى الإسلام، وإصرارهم على الكفر حتى يعبدوا الله وحده ويؤمنوا برسوله محمد ﷺ ويتبعوا ما جاء به، وأنه لا تحرم دماؤهم وأموالهم إلا بذلك وهي تعم جهاد الطلب، وجهاد الدفاع، ولا يستثني من ذلك إلا من التزم بالجزية بشروطها إذا كان من أهلها عملا بقول الله (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون). وثبت عن النبي ﷺ أنه أخذ الجزية من مجوس هجر، فهؤلاء الأصناف الثلاثة من الكفار وهم اليهود، والنصارى، والمجوس، ثبت بالنص أخذ الجزية منهم. فالواجب أن يجاهدوا ويقاتلوا مع القدرة حتى يدخلوا في الإسلام، أو يودوا الجزية عن يد وهم صاغرون، أما غيرهم فالواجب قتالهم حتى يسلموا في أصح قولي العلماء، لأن النبي ﷺ قاتل العرب حتى دخلوا في دين الله أفواجا، ولم يطلب منهم الجزية، ولو كان أخذُها منهم جائزاً تحقنُ به دماؤهم و أموالهم لبينَه لهم ولو وقع ذلك لنقل. وذهب بعض أهل العمل إلى جواز أخذها من جميع الكفار لحديث بريدة المشهور في ذلك المخرج في صحيح مسلم.

стр. 2366

• اذكر بعض فضائل الجهاد؟ أولاً: أن الروحة في سبيل الله خير من الدنيا بما فيها. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال (لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) متفق عليه. قوله (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) قولان: قيل: فَضْل الْغَدْوَة وَالرَّوْحَة فِي سَبِيل اللَّه وَثَوَابهمَا خَيْر مِنْ نَعِيم الدُّنْيَا كُلّهَا لَوْ مَلَكهَا الْإِنْسَان، وَتَصَوَّرَ تَنَعُّمه بِهَا كُلّهَا؛ لِأَنَّهُ زَائِل وَنَعِيم الْآخِرَة بَاقٍ. وقيل: أن ثواب الغدوة والروحة أفضل من الدنيا وما فيها لو ملكها مالك، فأنفقها في وجوه البر والطاعة غير الجهاد. قال ابن دقيق العيد: والثاني: أن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها لأنفقها في طاعة الله تعالى. قلت - ابن حجر - ويؤيد هذا الثاني ما رواه بن المبارك في كتاب الجهاد من مرسل الحسن قال بعث رسول الله ﷺ جيشاً فيهم عبد الله بن رواحة فتأخر ليشهد الصلاة مع النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم، والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد. (الفتح). ثانياً: أنه من أفضل الأعمال. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُور) متفق عليه. وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: (سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِه) متفق عليه. قال ابن حجر: وفي الحديث أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان. وعَنْ عَائِشَةَ. أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلَا نُجَاهِدُ قَالَ: لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ) رواه البخاري. فالرسول ﷺ في هذا الحديث أقر عائشة على قولها: نرى الجهاد أفضل العمل، ثم بيّن أن الحج بالنسبة إلى النساء هو أفضل من الجهاد. ثالثاً: أن المجاهد أفضل الناس. عن أَبَي سَعِيد الْخُدْرِي. قَالَ (قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ قَالُوا ثُمَّ مَنْ قَالَ مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّه) متفق عليه. رابعاً: الجهاد لا يعدله شيء. عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ». قَالَ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ». وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالى) متفق عليه.

стр. 2367

ولفظ البخاري: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ قَالَ: لَا أَجِدُهُ قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ، وَلَا تَفْتُرَ وَتَصُومَ، وَلَا تُفْطِرَ قَالَ، وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ). قال النووي: قَوْله ﷺ (مَثَل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللَّه كَمَثَلِ الصَّائِم الْقَائِم الْقَانِت بِآيَاتِ اللَّه … إِلَى آخِره) مَعْنَى الْقَانِت هُنَا: الْمُطِيع. وَفِي هَذَا الْحَدِيث عَظِيم فَضْل الْجِهَاد؛ لِأَنَّ الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْقِيَام بِآيَاتِ اللَّه أَفْضَل الْأَعْمَال، وَقَدْ جَعَلَ الْمُجَاهِد مِثْل مَنْ لَا يَفْتُر عَنْ ذَلِكَ فِي لَحْظَة مِنْ اللَّحَظَات، وَمَعْلُوم أَنَّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : "لَا تَسْتَطِيعُونَهُ" وَاللَّهُ أَعْلَم. (نووي) خامساً: للمجاهدين مائة درجة في الجنة. عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) رواه البخاري. سادساً: الجهاد سبب للنجاة من النار. عن أَبي عَبْس. أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ) رواه البخاري. وفي لفظ (مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ). (ما اغبرت) جاء عند أحمد (ساعة من نهار)، (في سبيل الله) لا من أجل وطنية أو قبلية أو رياء. قال الحافظ ابن حجر: وفي ذلك إشارة إلى عظم قدر التصرف في سبيل الله، فإذا كان مجرد مسّ الغبار للقدم يحرم عليها النار، فكيف بمن سعى وبذل جهده واستنفذ وسعه؟. سابعاً: من أسباب دخول الجنة. قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ). عن أبَي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلاَّ إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ) متفق عليه. وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى أَوْفَى. قال: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوف) متفق عليه. والمعنى: … وَالسَّبَب الْمُوَصِّل إِلَى الْجَنَّة عِنْد الضَّرْب بِالسُّيُوفِ فِي سَبِيل اللَّه، وَمَشْي الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيل اللَّه، فَاحْضُرُوا فِيهِ بِصِدْقِ وَاثْبُتُوا. وقال ﷺ (إِنَّ أَبْوَاب الْجَنَّة تَحْت ظِلَال السُّيُوف) قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ: إِنَّ الْجِهَاد وَحُضُور مَعْرَكَة الْقِتَال طَرِيق إِلَى الْجَنَّة وَسَبَب لِدُخُولِهَا. قال القرطبي: قوله ( … الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوف) هذا الكلام من النفيس البديع الذي جمع ضروب البلاغة مع جزالة اللفظ وعذوبته وحسن استعارته، وشمول المعاني الكثيرة مع الألفاظ المقبولة الوجيزة بحيث يعجز الفصحاء اللسن البلغاء عن إيراد مثله، وأن يأتوا بنظيره وشكله، فإنه استفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد والإخبار بالثواب عليه.

стр. 2368

وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال (لا يلجُ النارَ رجلٌ بكى من خشية الله، حتَّى يعودَ اللَّبَنُ في الضّرع، ولا يجتمع غبارٌ في سبيل الله ودخانُ جهنَّم) رواه الترمذي. ثامناً: المجاهد يكون الله في عونه. عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُكَاتَبُ الَّذِى يُرِيدُ الأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِى يُرِيدُ الْعَفَاف) رواه الترمذي. تاسعاً: الجهاد ذروة سنام الإسلام. عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ (كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ … ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ». قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَاد) رواه الترمذي. ذروة الشيء: أعلاه. عاشراً: نفى سبحانه التسوية بين المؤمنين المجاهدين وغير المجاهدين. قال تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً). الحادي عشر: أن الجهاد سبب لمغفرة الذنوب. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). • ما حكم الجهاد؟ فرض كفاية في قول أكثر أهل العلم. قال ابن قدامة: والجهاد من فروض الكفايات في قول عوام أهل العلم. وقال ابن عطية: والذي استمر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد ﷺ فرض كفاية. وقال ابن رشد: أجمع العلماء على أنها فرض كفاية لا فرض عين إلا عبد الله بن الحسن فإنه قال: إنها تطوع. وقال ابن حزم: وَالْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا قَامَ بِهِ مِنْ يَدْفَعُ الْعَدُوَّ وَيَغْزُوهُمْ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ وَيَحْمِي ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ سَقَطَ فَرْضُهُ، عَنِ الْبَاقِينَ وَإِلَّا فَلَا. الأدلة: أ- قال تعالى (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى).

стр. 2369

قال الجصاص: وهذا دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية وليس على كل أحد بعينه، لأنه وعد القاعدين الحسنى كما وعد المجاهدين، وإن كان ثواب المجاهدين أشرف وأجزل، ولو لم يكن القعود عن الجهاد مباحاً إذا قامت به طائفة لما وعد القاعدين الثواب، وفي ذلك دليل على ما ذكرنا أن فرض الجهاد غير معين على كل أحد في نفسه. ب- وقال تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ). قال القرطبي: الجهاد ليس على الأعيان، وأنه فرض كفاية، إذ لو نفر الكل لضاع من وراءهم من العيال، فليخرج فريق منهم للجهاد وليقم فريق منهم يتفقهون في الدين، ويحفظون الحريم .... ج- عن أبي سعيد الخدري. (أن رسول الله ﷺ بعث بعْثاً إلى بني لحيان من هذيْل فقال: لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما). د- قال بعض العلماء: ومن الأدلة الدالة على أنه فرض كفاية أنه كان ﷺ يغزو تارة بنفسه وتارة يرسل غيره، ويكتفي ببعض المسلمين، وقد كانت سراياه وبعوثه متعاقبة والمسلمون بعضهم في الغزو وبعضهم في أهله، وإلى كونه فرض كفاية ذهب جمهور العلماء. • متى يجب الجهاد:؟ يجب الجهاد في حالات: الحالة الأولى: إذا حضر الإنسان الصف. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). وقد ذكر ﷺ من السبع الموبقات: … التولي يوم الزحف. قال ابن قدامة: إذا التقى الصفان حرم على من حضر الانصراف وتعين عليه المقام. الحالة الثانية: إذا استنفر الإمام. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ. إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). وقال ﷺ (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا) متفق عليه. قال الحافظ ابن حجر: وفيه وجوب تعيين الخروج في الغزو على من عينه الإمام.

стр. 2370

الحالة الثالثة: إذا حضر بلده العدو. قال ابن قدامة: النفير يعم جميع الناس ممن كان من أهل القتال حين الحاجة إلى نفيرهم لمجيء العدو إليهم، ولا يجوز لأحد التخلف إلا من يحتاج إلى تخلفه لحفظ المكان والأهل والمال ومن يمنعه الأمير من الخروج أو من لا قدرة له على الخروج أو القتال. وقال النووي: قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية إلا أن ينزل الكفار ببلد المسلمين فيتعيّن عليهم الجهاد، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وجب على من يليهم تتميم الكفاية. وقال شيخ الإسلام: إذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة. الحالة الرابعة: إذا احتيج إليه. فمثلاً هناك آلات أو طائرات لا يعرف قيادتها إلا هذا الرجل، فحينئذ يجب عليه الجهاد، لأن الناس محتاجون إليه. • ما شروط الجهاد؟ أولاً: الإسلام. لأن النصوص الشرعية حضت المؤمنين في التكليف بالجهاد. قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ). وقال تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ). الثاني: البلوغ. لحديث عَبْدِ اللَّه بْن عُمَرَ ﵄ قَالَ (عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ، فَأَجَازَنِي) متفق عليه. قال النووي: هذا الحديث دليل لتحديد البلوغ بخمس عشرة سنة، وأنه باستكماله يصير مكلفاً وإن لم يحتلم، فتجري عليه الأحكام من وجوب العبادة وغيره ويستحق سهم الرجل من الغنيمة، ويقتل إن كان من أهل الحرب وهو مذهب الشافعي وأحمد. ولحديث (رفع القلم عن ثلاثة: … ).

стр. 2371

الثالث: العقل. للحديث السابق (رفع القلم عن ثلاثة … ). والتعليل: قال ابن قدامة: والمجنون لا يتأتى منه الجهاد. الرابع: الحرية. قال تعالى (وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) ولا مال للعبد، ولا نفس يملكها فلم يشمله الخطاب. الخامس: الذكورة، فالمرأة لا يجب عليها الجهاد. عن عائشة (أنها استأذنت النبي ﷺ في الجهاد، فقال: جهادكن الحج) رواه البخاري. قال ابن بطال: دل حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء ولكن ليس في قوله [جهادكن الحج] أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد، وإنما لم يكن عليهن واجباً لما فيه من مغايرة المطلوب منهن، من الستر ومجانبة الرجال. سادساً: سلامة البدن والقدرة على الجهاد. قال ابن قدامة: معناه السلامة من العمى والعرض والمرض وهو شرط لقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ).

стр. 2372

١٢٥٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِهِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاق) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === (وَلَمْ يَغْزُ) أي: لم يخرج للجهاد في سبيل اللَّه تعالى. (وَلَمْ يُحَدِّث نَفْسَهُ بِغَزْوٍ) من التحديث، قيل: بأن يقول في نفسه: يا ليتني كنت غازيًا، أو المراد: ولم ينو الجهاد، وعلامته إعداد الآلات، كما قال اللَّه تعالى (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً). (مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاق) بضمّ الشين المعجمة، وسكون العين المهملة-: أي خلق من أخلاق المنافقين. قيل: أشبه المنافقين المتخلّفين عن الجهاد. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أهمية الجهاد، وأن تركه من صفات المنافقين. قال ابن تيمية: ومن هذا الباب: الإعراض عن الجهاد فإنه من خصال المنافقين. وقال النووي: الْمُرَاد أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَشْبَهَ الْمُنَافِقِينَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الْجِهَاد فِي هَذَا الْوَصْف، فَإِنَّ تَرْك الْجِهَاد أَحَد شُعَب النِّفَاق. ذكر مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بعد إخراج الحديث: ما نصّه: قال ابن سهم. قال عبد اللَّه بن المبارك: فنُرَى أن ذلك كان على عهد رسول اللَّه ﷺ . قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- مفسّرًا كلام ابن المبارك هذا: ما نصّه: يعني حيث كان الجهاد واجبًا، وحمله على النفاق الحقيقيّ، ويحتمل أن يحمل على جميع الأزمان، ويكون معناه: أن كلّ من كان كذلك أشبه المنافقين، وإن لم يكن كافراً. وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "نُرى" -بضمّ النون- أي نظن. وهذا الذي قاله ابن المبارك محتملٌ. وقد قال غيره: إنه عامٌ، فحمل الحديث على العموم هو الأولى. قال ابن تيمية: ومن هذا الباب - أي النفاق الأصغر- الإعراض عن الجهاد فإنه من خصال المنافقين قال النبي ﷺ (من مات ولم يغز … ). • ما المراد بتحديث النفس في الحديث؟ قال القاري: قوله (وَلَمْ يُحَدِّث نَفْسَهُ) المعنى لم يعزم على الجهاد، ولم يقل: يا ليتني كنت مجاهداً، وقيل: لم يرد الخروج. وقال ابن تيمية: ولا بد لكل مؤمن أن يعتقد أنه مأمور به، وأن يعزم عليه إذا احتيج إليه، وهذا يتضمن تحديث نفسه بفعله، فمن مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو نقص من إيمانه الواجب عليه بقدر ذلك، فمات على شعبة من نفاق. وقال الشيخ ابن عثيمين: هذا الحديث يدل على أنه يجب على الإنسان أن يكون مستعداً لنصرة الله، فإما أن يباشر ذلك بنفسه، وإما أن يحدث نفسه بأنه متى حصل جهاد في سبيل الله جاهد، وإلا مات على شعبة من النفاق، ولم يقل (مات منافقاً) بل قال (على شعبة) ومعلوم أن الشعبة لا تخرج الإنسان من دين الإسلام.

стр. 2373

• ما عواقب ترك الجهاد: أولاً: سبب للهلاك في الدنيا والآخرة. فأما في الدنيا فإن الجبان الرعديد الذي لا همة له في قتال الأقران ولا طاقة له في الذود عن حياضه يكون ذليلاً مستعبداً تابعاً غير متبوع. وأما في الآخرة: فهو يهلك إن لم يتغمده الله برحمته، بترك فريضة محكمة أنزلها الله في كتابه بها عز الإسلام والمسلمين وإذلال الشرك والمشركين. ثانياً: سبب للذل والهوان. عن ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) رواه أبو داود. وقد بوّب البخاري باباً على هذا المعنى في الصحيح فقال: باب مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الاِشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ، أَوْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ. ثم ذكر حديثاً: … ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلاَّ أُدْخِلَهُ الذُّلُّ. قال العيني: المقصود الترغيب والحث على الجهاد. وقد جاء عند الترمذي قال ﷺ (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا). الضيعة: التجارة والصناعة والزراعة وغير ذلك. (النهاية). وقد وفق العلماء بين هذا الحديث [حديث أبي أمامة] والأحاديث المتقدمة [ما من مسلم يغرس غرساً فيأكل منه طير .... ] بوجهين اثنين: أولاً: أن المراد بالذل ما يلزمهم من حقوق الأرض التي تطالبهم بها الولاة من خراج أو عشر، فمن أدخل نفسه في ذلك فقد عرضها للذل. ثانياً: أنه محمول على من شغله الحرث و الزرع عن القيام بالواجبات كالحرب ونحوه، وإلى هذا ذهب البخاري حيث ترجم للحديث بقوله: باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحد الذي أمر به، فإن من المعلوم أن الغلو في السعي وراء الكسب يلهي صاحبه عن الواجب و يحمله على التكالب على الدنيا والإخلاد إلى الأرض والإعراض عن الجهاد، كما هو مشاهد من الكثيرين من الأغنياء، ويؤيد هذا الوجه قوله ﷺ : إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر و رضيتم بالزرع و تركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم).

стр. 2374

ثالثاً: سبب للبلاء. قال ﷺ (من لم يغزو أو يجهز غازياً أو يخلف غازياً في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة) رواه أبو داود. رابعاً: سبب لعذاب الله وبطشه. قال تعالى (إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير). خامساً: سبب لإفساد أهل الأرض بالقضاء على دينهم. قال تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين). سادساً: ترك الجهاد يفوت مصالح عظيمة للمسلمين، منها الأجر والثواب والشهادة والمغنم والتربية الإيمانية التي لا تحصل بدون الجهاد ودفع شر الكفار وإذلالهم. قال ابن تيمية: فَإِذَا تَرَكَ النَّاسُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ يَبْتَلِيهِمْ بِأَنْ يُوقِعَ بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ حَتَّى تَقَعَ بَيْنَهُمْ الْفِتْنَةُ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ إذَا اشْتَغَلُوا بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَمَعَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَأَلَّفَ بَيْنَهُمْ وَجَعَلَ بَأْسَهُمْ عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ وَعَدُوِّهِم. - من كلمات ابن تيمية في الجهاد وفضله: قال ابن تيمية: الجهاد في سبيل الله مقصوده أن يكون الدين كلّه لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا. وقال ﵀: نفع الجهاد عامٌ لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه مشتملٌ من محبة الله تعالى، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد، وذكر الله، وسائر أنواع العمل: على ما لا يشتمل عليه عملٌ آخر. وقال ﵀: … ولمّا كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلاّ بالشجاعة والكرم: بيّن سبحانه أن من تولى عن الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك، فقال (يا أيها الذين آمنوا! ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض؟ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلاّ قليل. إلاّ تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضرّوه شيئاً، والله على كلّ شيء قدير). وقال تعالى (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم لفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم). وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضل السابقين، فقال (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى). وقد ذكر الجهاد بالنفس والمال في سبيله، ومدحه في غير آية من كتابه، وذلك هو الشجاعة والسماحة في طاعته سبحانه، فقال (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين). وقال: الأمر بالجهاد، وذكر فضائله في الكتاب والسنة: أكثر من أن يحصر. ولهذا كان أفضل ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة، ومن الصلاة التطوع، والصوم التطوع، كما دلّ عليه الكتاب والسنة. وقال: لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه.

стр. 2375

وقال ﵀: الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة، وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة، قال الله تعالى في كتابه (قل هل تربصون بنا إلاّ إحدى الحسنيين) يعني: إمّا النصر والظفر، وإمّا الشهادة والجنة. فمن عاش من المجاهدين كان كريماً له ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، ومن مات منهم أو قتل فإلى الجنة. وقال: وما في القرآن من الأمر بالإيتاء والإعطاء وذم من ترك ذلك: كله ذم للبخل، وما في القرآن من الحظ على الجهاد والترغيب فيه وذم الناكلين عنه والتاركين له: كله ذم للجبن، ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم، بين سبحانه أن من تولى عن الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك. وقال: فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة: فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده، وتركه ما أمر الله به من الجهاد، فتدبر هذا فإن هذا مقام خطر. وقال: ولهذا كانت أكثر الأحاديث عن النبي ﷺ في الصلاة والجهاد، وكان إذا عاد مريضاً يقول: اللهم اشف عبدك، يشهد لك صلاة، وينكأ لك عدواً. وقال: ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر، فإن الحق معه، لأن الله يقول: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) وفي الجهاد أيضاً: حقيقة الزهد في الحياة الدنيا، وفي الدار الدنيا، وفيه حقيقة الإخلاص، وأعظم مراتب الإخلاص: تسليم النفس والمال للمعبود .... • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - في الحديث دليل على أنه قد يجتمع في المسلم شعبة نفاق (عملي) وشعبة إيمان وفيه رد على الخوارج والمعتزلة. قال ابن تيمية (إذ كان من أصول أهل السنة التي فارقوا بها الخوارج: أن الشخص الواحد تجتمع فيه حسنات وسيئات، فيثاب على حسناته، ويعاقب على سيئاته. - وبهذا يعلمُ كل من له أدنى بصيرة أن قول من قال من كتاب العصر وغيرهم إن الجهاد شرع للدفاع فقط قول غير صحيح. (ابن باز). - وَفِي هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ مَنْ نَوَى فِعْل عِبَادَة فَمَاتَ قَبْل فِعْلهَا لَا يَتَوَجَّه عَلَيْهِ مِنْ الذَّمّ مَا يُتَوَجَّه عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَنْوِهَا.

стр. 2376

١٢٦٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَأَنْفُسِكُمْ، وَأَلْسِنَتِكُم) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد الحث على مجاهدة المشركين بالمال والنفس واللسان. كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) وقال تعالى (الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ). وقال تعالى (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). وقال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) قال الصنعاني: الْحَدِيث دَلِيل عَلَى وُجُوب الْجِهَاد بِالنَّفْسِ، وَهُوَ بِالْخُرُوجِ وَالْمُبَاشَرَة لِلْكُفَّارِ، وَبِالْمَالِ وَهُوَ بَذْله لِمَا يَقُوم بِهِ مِنْ النَّفَقَة فِي الْجِهَاد وَالسِّلَاح وَنَحْوه، وَبِاللِّسَانِ بِإِقَامَةِ الْحُجَّة عَلَيْهِمْ وَدُعَائهُمْ إِلَى اللَّه تَعَالَى، وبالأصوات عند اللقاء وَالزَّجْر وَنَحْوه مِنْ كُلّ مَا فِيهِ نِكَايَة لِلْعَدُو. وقال الشوكاني: فيه دليل على وجوب المجاهدة للكفار بالأموال والأيدي والألسن. وقد ثبت الأمر القرآني بالجهاد بالأنفس والأموال في مواضع، وظاهر الأمر الوجوب. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن عجز عن الجهاد ببدنه وقدر على الجهاد بماله وجب عليه الجهاد بماله، فيجب على الموسرين النفقة في سبيل الله. وعلى هذا: فيجب على النساء الجهاد في أموالهن إن كان فيها فضل، وكذلك في أموال الصغار إن احتيج إليها كما تجب النفقات والزكاة، فأما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه، فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعاً. • ما الحكمة في أكثر الآيات الآمرة بالجهاد بالنفس والمال، فيها تقديم المال على النفس؟ كقوله تعالى (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُون). وقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ). وقوله تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون). وجاء في موضع واحد تقديم النفس على المال. كما في قوله تعالى (إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ وَالْقُرْآنِ). قال الآلوسي ﵀: لعل تقديم الأموال على الأنفس لِمَا أن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعاً، وأتم دفعاً للحاجة؛ حيث لا يُتصَوَر المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالمال، وقيل: ترتيب هذه المتعاطفات في الآية على حسب الوقوع؛ فالجهاد ب (المال) لنحو التأهب للحرب، ثم الجهاد بالنفس. وقال صاحب البرهان: وجه التقديم أن الجهاد يستدعي تقديم إنفاق الأموال أولاً؛ فهو من باب السبق بالسببية. وقال ابن القيم ﵀ في حكمة تقديم المال على النفس: أولاً: هذا دليل على وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس، فإذا داهم العدو وجب على القادر الخروج بنفسه، فإن كان عاجزاً وجب عليه أن يكتري بماله.

стр. 2377

وفائدة ثانية: على تقدير عدم الوجوب؛ وهي أن المال محبوب النفس ومعشوقها التي تبذل ذاتَها في تحصيله وترتكب الأخطار وتتعرض للموت في طلبه، وهذا يدل على أنه هو محبوبها ومعشوقها، فندب الله تعالى محبِّيه المجاهدين في سبيله إلى بذل معشوقهم ومحبوبهم في مرضاته، فإن المقصود أن يكون الله هو أحب شيء إليهم، ولا يكون في الوجود شيء أحبَّ إليهم منه، فإذا بذلوا محبوبهم في حبه نقلهم إلى مرتبة أخرى أكمل منها؛ وهي بذل نفوسهم له؛ فهذا غاية الحب؛ فإن الإنسان لا شيء أحبَّ إليه من نفسه، فإذا أحب شيئاً بذل له محبوبه من نفسه وماله، فإذا آل الأمر إلى بَذْلِ نفسه ضنَّ بنفسه وآثرها على محبوبه. هذا هو الغالب وهو مقتضى الطبيعة الحيوانية والإنسانية، ولهذا يدافع الرجل عن ماله وأهله وولده، فإذا أحس بالمغلوبية والوصول إلى مهجته ونفسه فرَّ وتركهم، فلم يرضَ الله من محبيه بهذا، بل أمرهم أن يبذلوا له نفوسهم بعد أن بذلوا له محبوباتهم. وأيضاً فبذل النفس آخر المراتب، فإن العبد يبذل ماله أولاً يقي به نفسه، فإذا لم يبقَ له ماله بذل نفسه؛ فكان تقديم المال على النفس في الجهاد مطابقاً للواقع. وقال الشنقيطي: وَحَقِيقَةُ الْجِهَادِ بَذْلُ الْجُهْدِ وَالطَّاقَةِ، وَالْمَالُ هُوَ عَصَبُ الْحَرْبِ وَهُوَ مَدَدُ الْجَيْشِ، وَهُوَ أَهَمُّ مِنَ الْجِهَادِ بِالسِّلَاحِ، فَبِالْمَالِ يُشْتَرَى السِّلَاحُ، وَقَدْ تُسْتَأْجُرُ الرِّجَالُ كَمَا فِي الْجُيُوشِ الْحَدِيثَةِ مِنَ الْفِرَقِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَبِالْمَالِ يُجَهَّزُ الْجَيْشُ، وَلِذَا لَمَّا جَاءَ الْإِذْنُ بِالْجِهَادِ أَعْذَرَ اللَّهُ الْمَرْضَى وَالضُّعَفَاءَ، وَأَعْذَرَ مَعَهُمُ الْفُقَرَاءَ الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ تَجْهِيزَ أَنْفُسِهِمْ، وَأَعْذَرَ مَعَهُمُ الرَّسُولَ ﷺ إِذْ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ مَا يُجَهِّزُهُمْ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى، إِلَى قَوْلِهِ: وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُون). وَكَذَلِكَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، قَدْ يُجَاهِدُ بِالْمَالِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ بِالسِّلَاحِ كَالنِّسَاءِ وَالضُّعَفَاءِ، كَمَا قَالَ ﷺ (مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزا). وفي سؤال لفضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀ قال فيه السائل: نجد أن الله في كثير من آيات الجهاد يقدِّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس؛ فما الحكمة من ذلك؟ فأجاب فضيلته بقوله: يظهر والله أعلم لأن الجيش الإسلامي قد يحتاج إلى المال أكثر من حاجته إلى الرجال؛ ولأن الجهاد بالمال أيسر من الجهاد بالنفس. • اذكر بعض صور الجهاد بالمال؟ إنفاق المال في تجهيز المجاهد بالسلاح. إنفاق المال لكفالة أُسَر المجاهدين الذين استجابوا لنداء الجهاد تاركين خلفهم أولادهم ونسائهم: • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - وجوب جهاد الكفار بكل وسيلة وطريقة. - إذا كان المجاهد مديناً وتعيَّن الجهاد لدفع الضرر، قُدِمَ الجهاد بالمال على سداد الدين. قال ابن تيمية ﵀: فإِنْ كَانَ الْجِهَادُ المُتَعَيِّنُ لِدَفْعِ الضَّرَر؛ كَمَا إذَا حَضَرَهُ الْعَدُوُّ، أَوْ حَضَرَ الصَّفَّ قُدِّمَ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ كَالنَّفَقَةِ وَأَوْلى.

стр. 2378

١٢٦١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلَى النِّسَاءِ جِهَاد؟ قَالَ (نَعَمْ، جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ، الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أن الجهاد لا يجب على المرأة. والحديث كما في البخاري لفظه: عَنْ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلَا نُجَاهِدُ قَالَ: لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ. وفي لفظ: عَنْ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، ﵂، قَالَتِ اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ. قال ابن قدامة: ولأنها ليست من أهل القتال لضعفها. • هل يجوز خروج النساء للغزو لمساعدة الجيش فيما ينوبهم من آثار الحرب كسقي الماء؟ نعم. عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ (كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَسْقِي الْقَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ وَنَرُدُّ الْجَرْحَى وَالْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ) رواه البخاري. عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ (لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ - وَقَالَ غَيْرُهُ تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ - عَلَى مُتُونِهِمَا ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ الْقَوْم) متفق عليه. وعن عَائِشَةَ. قَالَتْ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ يَخْرُجُ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ) متفق عليه. وعَنْ أَنَسٍ (أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا فَكَانَ مَعَهَا فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَهَا خَنْجَرٌ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا هَذَا الْخَنْجَرُ». قَالَتِ اتَّخَذْتُهُ إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ .... ) رواه مسلم. وعنه. قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا فَيَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى) رواه مسلم. وعنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ (غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَخْلُفُهُمْ فِي رِحَالِهِمْ فَأَصْنَعُ لَهُمُ الطَّعَامَ وَأُدَاوِى الْجَرْحَى وَأَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى) رواه مسلم.

стр. 2379

قال ابن عبد البر: وخروجهن مع الرجال في الغزوات وغير الغزوات مباح، إذا كان العسكر كبيراً يُؤمن عليه الغلبة. وقال في تحفة الأحوذي: وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ خُرُوجُ النِّسَاءِ فِي الْحَرْبِ لِهَذِهِ الْمَصَالِحِ وَالْجِهَادُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى النِّسَاءِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلَا نُجَاهِدُ قَالَ لَكُنَّ أَفْضَلُ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ قال ابن عبد البر: وخروجهن مع الرجال في الغزوات وغير الغزوات مباح، إذا كان العسكر كبيراً يُؤمن عليه الغلبة. وقال في تحفة الأحوذي: وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ خُرُوجُ النِّسَاءِ فِي الْحَرْبِ لِهَذِهِ الْمَصَالِحِ وَالْجِهَادُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى النِّسَاءِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلَا نُجَاهِدُ قَالَ لَكُنَّ أَفْضَلُ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ قَالَ بن بَطَّالٍ دَلَّ حَدِيثُ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى النِّسَاءِ وَلَكِنْ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ أَفْضَلُ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ليس لهن أن يتطوعن بِالْجِهَادِ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لِمَا فِيهِ مِنْ مُغَايَرَةِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُنَّ مِنَ السَّتْرِ وَمُجَانَبَةِ الرِّجَالِ فَلِذَلِكَ كَانَ الْحَجُّ أَفْضَلَ لَهُنَّ مِنَ الْجِهَادِ. وقال النووي: فِيهِ خُرُوج النِّسَاء فِي الْغَزْوَة وَالِانْتِفَاع بِهِنَّ فِي السَّقْي وَالْمُدَاوَاة وَنَحْوهمَا، وَهَذِهِ الْمُدَاوَاة لِمَحَارِمِهِنَّ وَأَزْوَاجهنَّ، وَمَا كَانَ مِنْهَا لِغَيْرِهِمْ لَا يَكُون فِيهِ مَسّ بَشَرَة إِلَّا فِي مَوْضِع الْحَاجَة. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - حكمة الشرع في عدم وجوب الجهاد على المرأة. - حكمة الشرع في التفريق بين الرجال والنساء في بعض الأحكام.

стр. 2380

١٢٦٢ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ ﵄ قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُهُ فِي اَلْجِهَادِ. فَقَالَ: أحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ: قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ١٢٦٣ - وَلِأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ: مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ (اِرْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَكَ; وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا). === (فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ) أي: ابلُغ جهدك في برّهما، والإحسان إليهما، فإن ذلك يقوم لك مقام قتال العدو. أو خصّصهما بجهاد النفس في رضاهما. قاله في "الفتح". وقال السنديّ: أي جاهد نفسك، أو الشيطان في تحصيل رضاهما، وإيثار هواهما على هواك. وقيل: المعنى: فاجتهد في خدمتهما. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أنه لا يجوز للإنسان أن يجاهد جهاد التطوع إلا بإذن الوالدين إذا كانا مسلمين أو بإذن المسلم منهما. أ-لحديث الباب. ب-وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، فَقَالَ: ارْجِعْ عَلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا) رواه أبو داود. ج- وعنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. (أَنَّ رَجُلاً هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ: هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ؟ قَالَ: أَبَوَايَ، قَالَ: أَذِنَا لَكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ، وَإِلاَّ فَبِرَّهُمَا) رواه أبو داود د- وعنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السُّلَمِيِّ. (أَنَّ جَاهِمَةَ، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ، وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَال: فَالْزَمْهَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا) رواه النسائي. هـ- أن الجهاد في هذه الحالة فرض على الكفاية ينوب عنه فيه غيره، وبر الوالدين فرض يتعين عليه لا ينوب عنه فيه غيره، فلا يترك فرض عين للقيام بما فرض على الكفاية. قال في الفتح: قال جمهور العلماء: يحرم الجهاد إذا منع الأبوان، أو أحدهما، بشرط أن يكونا مسلمين، لأن برّهما فرض عين عليه، والجهاد فرض كفاية. وقال الصنعاني: ذهب الجماهير من العلماء إلى أنه يحرم الجهاد على الولد إذا منعه الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين، لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد فلا.

стр. 2381

• فإن قيل: بر الوالدين فرض عين أيضاً والجهاد عند تعينه فرض عين فهما مستويان فما وجه تقديم الجهاد؟ قلت: لأن مصلحته أعم إذ هي لحفظ الدين والدفاع عن المسلمين فمصلحته عامة مقدمة على غيرها وهو يقدم على مصلحة حفظ البدن. (سبل السلام). وقال في المغني: وإن أذن له والداه في الغزو وشرطا عليه أن لا يُقاتل، فحضر القتال تعيّن عليه وسقط شرطهما. كذلك قال الأوزاعي وابن المنذر؛ لأنه صار واجباً عليه فلم يبق لهما في تركه طاعة. فائدة: قال ابن قدامة: فَأَمَّا إنْ كَانَ أَبَوَاهُ غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ، فَلَا إذْنَ لَهُمَا. وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيّ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: لَا يَغْزُو إلَّا بِإِذْنِهِمَا؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ. وَلَنَا أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يُجَاهِدُونَ، وَفِيهِمْ مَنْ لَهُ أَبَوَانِ كَافِرَانِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِهِمَا؛ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عَتَبَةَ بْنُ رَبِيعَةَ، كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَبُوهُ رَئِيسُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمئِذٍ، قُتِلَ بِبَدْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، قَتَلَ أَبَاهُ فِي الْجِهَادِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (لَا تَجِدُ قَوْمًا). الْآيَةَ. وَعُمُومُ الْأَخْبَارِ مُخَصَّصٌ بِمَا رَوَيْنَاهُ. (المغني). ثم قال: فَأَمَّا إنْ كَانَ أَبَوَاهُ رَقِيقَيْنِ: فَعُمُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي وُجُوبَ اسْتِئْذَانِهِمَا. لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّهُمَا أَبَوَانِ مُسْلِمَانِ، فَأَشْبَهَا الْحُرَّيْنِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ إذْنُهُمَا. لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمَا. (المغني).

стр. 2382

• هل يشترط رضاهما إذا تعين الجهاد؟ لا يشترط. قال ابن حجر: فإذا تعيّن الجهاد فلا إذن. أ- لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ). ولقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ). وجه الدلالة من الآيتين: أن الله أمر بالثبات عند قتال الكفار وعدم الفرار عنهم، والآية عامة تشمل جميع المؤمنين ومنهم الولد. ب- قال ﷺ (لا طاعة في معصية الله) متفق عليه. وجه الدلالة: الرسول ﷺ أخبر بعدم الطاعة في معصية الله، والجهاد هنا فرض عين وتركه معصية، فلا معنى لاستئذان الوالدين في هذه الحالة، إذ لا طاعة لهما إذا لم يأذنا. ج- قياس الجهاد في هذه الحالة على الصلاة المكتوبة، بجامع أن كلاً منهما عبادة تعيّنت عليه، فكما أن أداء الولد للصلاة المكتوبة لا يتوقف على إذن الوالدين فكذلك الجهاد. د- ترك الجهاد في هذه الحالة يؤدي إلى الهلاك فقدّم على حق الأبوين. (أحكام إذن الإنسان). • وهل يُلحق الجدّ والجدّة بالأبوين في ذلك؟ الأصحّ عند الشافعيّة نعم. • اذكر حالات رجوع الأبوين عن إذنهما لولدهما بالجهاد؟ الحالة الأولى: أن يرجع الأبوان قبل حضور الولد الصف في القتال. ففي هذه الصورة اتفقت الشافعية والحنابلة على أنه يجب على الولد أن يرجع. واستدلوا بأن عدم الإذن عذر يمنع وجوب الجهاد ابتداء فكذلك إذا طرأ في أثنائه كسائر الموانع من العمى أو المرض. الحالة الثانية: أن يرجع الأبوان عن إذنهما بعد حضوره الصف. فالأظهر هنا أنه لا عبرة برجوعهما عن الإذن، ويحرم على الولد الانصراف عن القتال. لأن الجهاد تعيّن عليه بحضوره الصف، فلم يبق لهما إذن.

стр. 2383

• هل يخرج للجهاد وعليه ديْن؟ هذه المسألة لها أحوال: أولاً: اتفق الفقهاء على عدم اشتراط إذن الدائن لجهاد المدين إذا كان الجهاد متعيناً عليه، سواء كان المدين معسراً أم موسراً. لأن الخروج هنا فرض عين على كل قادر، وهو لا يحتمل التأخير، أما قضاء الدَّين فيحتمل التأخير، والضرر في ترك الخروج أعظم من الضرر في الامتناع من قضاء الدين، لأن الضرر في ترك الخروج يرجع إلى كافة المسلمين، فالواجب عليه أن يشتغل بدفع أعظم الضررين. جاء في (الموسوعة الفقهية) وَأَمَّا إذَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ فَلا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لا إذْنَ لِغَرِيمِه. ثانياً: اتفق الفقهاء على أنه ليس للمدين الموسر أن يخرج للجهاد إذا كان الدين حالاً بغير إذن الدائن إلا إذا ترك وفاء، ولم يخالف فيه إلا الأوزاعي. واستدلوا: بأن فرض الدين متعين عليه، فلا يجوز تركه لفرض على الكفاية يقوم عنه غيره مقامه. واستدلوا لجواز الجهاد إن ترك وفاءً أو أقام كفيلاً: بفعل عبد الله بن عمرو بن حرام – والد جابر – حيث خرج إلى أحد وعليه ديْن كثير، فاستشهد وقضاه عنه ابنه بعلم النبي ﷺ ولم يذمه النبي ﷺ على ذلك ولم ينكر فعله بل مدحه، وقال: ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها. قال ابن قدامة: وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ إلَى الْغَزْوِ إلا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ، إلا أَنْ يَتْرُكَ وَفَاءً، أَوْ يُقِيمَ بِهِ كَفِيلا، أَوْ يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ … ودليل ذلك أَنَّ رَجُلا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ قُتِلْت فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إلا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ولأَنَّ الْجِهَادَ تُقْصَدُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ الَّتِي تَفُوتُ بِهَا النَّفْسُ، فَيَفُوتُ الْحَقُّ بِفَوَاتِهَا. وَأَمَّا إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، فَلا إذْنَ لِغَرِيمِهِ; لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ، فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا فِي ذِمَّتِهِ، كَسَائِرِ فُرُوضِ الأَعْيَانِ … وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً، أَوْ أَقَامَ كَفِيلا، فَلَهُ الْغَزْوُ بِغَيْرِ إذْنِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِيمَنْ تَرَكَ وَفَاءً. لأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَرَامٍ أَبَا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَرَجَ إلَى أُحُدٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ، فَاسْتُشْهِدَ، وَقَضَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ بِعِلْمِ النَّبِيِّ، وَلَمْ يَذُمَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْ فِعْلَهُ، بَلْ مَدَحَهُ، وَقَالَ: (مَا زَالَتْ الْمَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ). وَقَالَ لابْنِهِ جَابِرٌ: أَشَعَرْت أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاك، وَكَلَّمَهُ كِفَاحًا. (المغني). وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز للمدين الموسر أن يخرج إلى الجهاد بغير إذن الدائن، إذا كان الدين لم يحل بعد. وبه قالت الحنفية، والمالكية. قالوا: إن الدائن قبل حلول الدين لا حق له على المدين، فليس له مطالبة المدين بالدين، وإذا لم يكن له مطالبته فليس له منعه من الخروج. لكن يجاب عن هذا: بأن الدائن وإن لم يكن له حق على المدين قبل حلول الدين، إلا أن الجهاد يقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس فيفوت الحق بفواتها، وهذا فيه ضرر على الدائن فلا يجوز بغير إذنه.

стр. 2384

ثالثاً: إذْن الدائن للمدين بالجهاد إذا لم يكن متعيناً عليه والدين حال والمدين معسر؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: قيل: لا يشترط إذن الدائن لخروج المدين إلى الجهاد إذا كان معسراً ولم يتعين عليه. وبهذا قال المالكية، والشافعية. لقوله تعالى (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة). قالوا: إن الله أمر بإنظار المعسر إلى حين الميسرة، فلا يجوز مطالبته قبل ذلك، وإذا لم تكن هناك مطالبة فللمدين الخروج بغير إذن الدائن. وقيل: يشترط إذن الدائن. وبهذا قالت الحنفية، والحنابلة. أ- لحديث أَبِى قَتَادَةَ. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ «أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَيْفَ قُلْتَ». قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّى خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ إِلاَّ الدَّيْنَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لِي ذَلِك) رواه مسلم. فقول الرسول ﷺ (إلا الديْن) فيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وأن الشهادة والجهاد وغيرهما من أعمال البر لا يكفّر حقوق الآدميين، فإذا كانت حقوقهم بهذه الأهمية فلا يجوز تعريضها للخطر بغير إذن أصحاب تلك الحقوق. ب- لأن الجهاد تقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس، وبفواتها يفوت الحق، فلا يجوز بغير إذن صاحب الحق. وهذا الراجح. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - فضل برّ الوالدين، وتعظيم حقّهما، وكثرة الثواب على برّهما. - تحريم السفر بغير إذن الوالدين؛ لأن الجهاد إذا منع مع فضيلته، فالسفر المباح أولى، نعم إن كان سفره لتعلم فرض عين حيث يتعيّن السفر طريقًا إليه، فلا منع، وإن كان فرض كفاية ففيه خلاف. - أن برّ الوالدين قد يكون أفضل من الجهاد. - أن المستشار يشير بالنصيحة المحضة. -أنه يؤخذ منه أن كلّ شيء يتعب النفس يسمّى جهادًا. - أن المكلّف يستفصل عن الأفضل في أعمال الطاعة ليعمل به؛ لأنه سمع فضل الجهاد، فبادر إليه، ثم لم يقنع حتى استأذن فيه، فَدُلَّ على ما هو أفضل منه في حقّه، ولولا السؤال ما حصل له العلم بذلك.

стр. 2385

١٢٦٤ - وَعَنْ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ اَلْمُشْرِكِينَ) رَوَاهُ اَلثَّلَاثَةُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَجَّحَ اَلْبُخَارِيُّ إِرْسَالَهُ. === • ما صحة حديث الباب؟ في إسناده ضعف، رجح البخاري، وأبو حاتم، وأبو داود، والترمذي، والداقطني إرساله. • ماذا نستفيد من الحديث؟ تحريم الإقامة في بلاد الكفار. لحديث الباب. عَنْ أَبِي نُخَيْلَةَ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قَالَ جَرِيرٌ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُبَايِعُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى أُبَايِعَكَ، وَاشْتَرِطْ عَلَيَّ، فَأَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ: (أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتُنَاصِحَ الْمُسْلِمِينَ، وَتُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ). رواه النسائي • ما حكم الإقامة في بلاد الكفار؟ الإقامة في بلاد الكفار خطر عظيم على دين المسلم، وأخلاقه، وسلوكه، وآدابه، وقد شاهدنا وغيرنا انحراف كثير ممن أقاموا هناك فرجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا فُسّاقًا، وبعضهم رجع مرتدًا عن دينه وكافرًا به وبسائر الأديان - والعياذ بالله - حتى صاروا إلى الجحود المطلق والاستهزاء بالدين وأهله السابقين منهم واللاحقين، ولهذا كان ينبغي بل يتعين التحفظ من ذلك ووضع الشروط التي تمنع من الهويّ في تلك المهالك. فالإقامة في بلاد الكفر لابد فيها من شرطين أساسين: الشرط الأول: أمن المقيم على دينه بحيث يكون عنده من العلم والإيمان، وقوة العزيمة ما يطمئنه على الثبات على دينه والحذر من الانحراف والزيغ وأن يكون مضمراً العداوة للكافرين وبغضهم مبتعدًا عن موالاتهم ومحبتهم، فإن موالاتهم ومحبتهم مما ينافي الإيمان.
следующие страницы →