Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
١٢٢٦ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ (لَقَدْ أَدْرَكَتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ ﵃، وَمِنْ بَعْدَهُمْ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ اَلْمَمْلُوكَ فِي اَلْقَذْفِ إِلَّا أَرْبَعِينَ) رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ فِي "جَامِعِهِ".
===
• كم حد المملوك إذا قذف حراً؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن حد المملوك ذكراً أم أنثى إذا قذف حراً أربعون جلدة.
لفعل الصحابة.
قال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَذَفَ حُرًّا يُجْلَدُ أَرْبَعِينَ; لِأَنَّهُ حَدٌّ يَتَشَطَّرُ بِالرِّقِّ كَحَدِّ الزِّنَى.
القول الثاني: أن حد المملوك إذا قذف حراً ثمانون جلدة كحد الحر.
وهذا قول ابن مسعود، واختاره ابن حزم.
لعموم الآية (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً).
ورجحه الشنقيطي فقال: أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي دَلِيلًا: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَذَفَ حُرًّا جُلِدَ ثَمَانِينَ لَا أَرْبَعِينَ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا اسْتَظْهَرْنَا جَلْدَهُ ثَمَانِينَ.
لِأَنَّ الْعَبْدَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) وَلَا يُمْكِنُ إِخْرَاجُهُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ، إِلَّا بِدَلِيلٍ وَلَمْ يَرِدْ دَلِيلٌ يُخْرِجُ الْعَبْدَ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ، لَا مِنْ كِتَابٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّصُّ عَلَى تَشْطِيرِ الْحَدِّ عَنِ الْأَمَةِ فِي حَدِّ الزِّنَى وَأَلْحَقَ الْعُلَمَاءُ بِهَا الْعَبْدَ بِجَامِعِ الرِّقِّ، وَالزِّنَى غَيْرُ الْقَذْفِ.
أَمَّا الْقَذْفُ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ وَلَا قِيَاسٌ فِي خُصُوصِهِ.
وَأَمَّا قِيَاسُ الْقَذْفِ عَلَى الزِّنَى فَهُوَ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ الْفَارِقِ; لِأَنَّ الْقَذْفَ جِنَايَةٌ عَلَى عِرْضِ إِنْسَانٍ مُعَيَّنٍ، وَالرَّدْعُ عَنِ الْأَعْرَاضِ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ فَيُرْدَعُ الْعَبْدُ كَمَا يُرْدَعُ الْحُرُّ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. (أضواء البيان).
стр. 2312
١٢٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مِنْ قَذْفَ مَمْلُوكَهُ يُقَامُ عَلَيْهِ اَلْحَدُّ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(مِنْ قَذْفَ مَمْلُوكَهُ) عند مسلم (وهو بريء مما قال).
• هل يحد الحر إذا قذف عبداً؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
لقول الأول: أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا وإنما عليه التعزير.
أ-لحديث الباب (من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال).
وجه الدلالة: أنه لو وجب على السيد حد في الدنيا إذا قذف عبده لذكره كما ذكره في الآخرة، فلما لم يذكره دل على أنه لا حد عليه.
قال النووي معلقاً على هذا الحديث: فيه إشارة إلى أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا، وهذا مجمع عليه، ولكن يعرز قاذفه؛ لأن العبد ليس بمحصن فيه، سواء من هو كامل الرق أو فيه شائبة حرية.
ب- الإجماع.
وقد حكاه على هذا الحكم بالتفريق غير واحد من أهل العلم منهم النووي، والقرطبي، وابن قدامة، والحافظ ابن حجر.
القول الثاني: أن الحر إذا قذف العبد أقيم عليه الحد.
وهو قول الظاهرية وانتصر له ابن حزم
أ- لعموم آية القذف وهي قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً).
وجه الدلالة: أن الله رتب حكم الذين يرمون المحصنات أي العفائف على الإحصان وهو العفة، وهذا يشمل الحر والعبد لأن (المحصنات) جمع معرف بـ (أل) فيفيد العموم، كما أن لفظ (الذين) اسم موصول عام، فيشمل الذين يرمون الأحرار أو العبيد بناء على تفسير المحصنات بالعفائف، فيجب إذا حد قاذف العبد كقاذف الحر.
ب- أن العبد يحد للزنا، فيحد القاذف له بالزنا؛ كالحر.
ج-أن الحكمة من الحد هي منع الترامي بالفاحشة وتنزيه الرأي العام من أن يسري فيه هذا القول، وتلك حكمة تتحقق في رمي العبيد وغيرهم.
ج-أن للعبد كرامته فيجب أن تصان عن الابتذال؛ كما تصان كرامة الأحرار.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن السيد إذا قذف عبده بالزنا لم يحد للقذف في الدنيا.
- أن مرتبة العبد دون مرتبة الحر.
- إثبات القصاص يوم القيامة.
стр. 2313
بَابُ حَدِّ اَلسَّرِقَةِ
تعريفها:
لغة: مأخوذة من الاستخفاء والتستر.
وشرعاً: أخذ المال على وجه الخفية والاستتار.
١٢٢٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم. وَلَفْظُ اَلْبُخَارِيِّ: (تُقْطَعُ اَلْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا).
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ (اِقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ، وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ).
١٢٢٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍ، ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
• ما حكم السرقة؟
حرام، ومن كبائر الذنوب.
قال تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
وقال تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ).
وقال ﷺ (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) متفق عليه.
وقال ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكن هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) متفق عليه.
وقال ﷺ (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده).
• لماذا قدم تعالى الرجل في قوله (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا .. ) وفي الزنا قال تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) فقدم المرأة؟
لأن مقام السرقة يكون الأكثر فيه الرجل، فلديه من القوة والشجاعة والإقدام ما ليس عند المرأة، ومن ثم قدمه في الذكر، بينما في موضع الزنا، قدم الأنثى لأن المرأة عندها من التفنن في الافتتان ما ليس عند الرجل، ولذا قد يخرج الرجل يريد الزنا ولا يجد شيئاً، بينما المرأة لو خرجت تريد الزنا وجدته، فلذلك قدمها على الرجل.
وقال بعض العلماء: قُدِّمَ ذِكْرُ الزَّانِيَةُ عَلَى الزَّانِي لِلِاهْتِمَامِ بِالْحُكْمِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ هِيَ الْبَاعِثُ (أي السبب) عَلَى زِنَى الرَّجُلِ وَبِمُسَاعَفَتِهَا الرَّجُلَ يَحْصُلُ الزِّنَى وَلَوْ مَنَعَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مَا وَجَدَ الرَّجُلُ إِلَى الزِّنَى تَمْكِينًا، فَتَقْدِيمُ الْمَرْأَةِ فِي الذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَشَدُّ فِي تَحْذِيرِهَا.
فقدمت المرأة في الزنا لأنها هي من تعرض نفسها، فهي سلعة معروضة، فإذا فقدت السلعة فقد الطالب لها، فلما كانت معروضة كانت مطلوبة، ولو بقيت محجوبة متعففة لما حصل بها فتنة.
стр. 2314
فدور المرأة في مسألة الزنا أعظم ومدخلها أوسع، فهي التي تغري الرجل وتثيره وتهيج عواطفه، وتفتنه لذلك أمر الحق ﵎ الرجال بغَضِّ البصر وأمر النساء بذلك أيضاً وبعدم إبداء الزينة، وعدم التبرج، والمكوث في البيت كل ذلك ليسُدَّ نوافذ هذه الجريمة ويمنع أسبابها.
قال الحافظ في الفتح: وقدم السارق وقدمت الزانية على الزاني لوجود السرقة غالباً في الذكورية، ولأن داعية الزنا في الإناث أكثر، ولأن الأنثى سبب.
وقال الشيخ محمد السريّع: وأما السؤال الثاني: فقد يتردد على ألسنة المفسرين كثيراً، وذكروا له عدة أجوبة، والذي يظهر لي هو أن الابتداء بالمذكر في المائدة هو الأصل، ومع ذلك فله مناسبة وهي أن السرقة في الرجال قد تكون أكثر.
وأما تقديم المؤنث في قوله (الزانية والزاني) فلأمور منها:
أن الزنا لا يحصل إلا بمساعفة المرأة وتمكينها من نفسها، بل وتعرضها للرجل وإغوائها وإغرائها له، ولذا قدمت زجراً لها.
الوجه الثاني وهو أظهر: أنها لما كان الزنا في حق المرأة أشنع، وعاقبته أفظع، وتبعاته عليها أضر، مِنْ فقد البكارة، والتلبس بالحبل، وما يتبعه من الولد واشتباه النسب، وزيادة العار المتعدي، وكانت هذه الأمور وغيرها مما يبقى أثره ومعرفته على المرأة بخلاف الرجل الذي لا يلحقه من ذلك شيء، ولذلك يقل إقبال الأزواج على المرأة الزانية، وتضعف رغبتهم فيها .. لهذا كله ولغيره -والله أعلم- قدم لفظ (الزانية).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد وجوب قطع يد السارق.
كما في الآية (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا … ).
قال ابن قدامة: بَابُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا).
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا).
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
فِي أَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ، نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعِهَا، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ فِي الْجُمْلَةِ.
стр. 2315
• الحديث دليل لشرط من شروط قطع يد السارق؛ فما هو؟
الشرط هو: أن يكون المسروق نصاباً.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
قال النووي: وَقَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء: وَلَا تُقْطَع إِلَّا فِي نِصَاب لِهَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يشترط النصاب، بل تقطع اليد في القليل والكثير.
قال النووي: … فَقَالَ أَهْل الظَّاهِر: لَا يُشْتَرَط نِصَاب بَلْ وَيُقْطَع فِي الْقَلِيل وَالْكَثِير، وَبِهِ قَالَ اِبْن بِنْت الشَّافِعِيّ مِنْ أَصْحَابنَا، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالْخَوَارِج وَأَهْل الظَّاهِر، وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى (وَالسَّارِق وَالسَّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهمَا) وَلَمْ يَخُصُّوا الْآيَة. (نووي).
واستدلوا بالحديث الآتي (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، … ) وسيأتي الجواب عنه.
والراجح مذهب الجمهور.
• كم مقدار النصاب؟
اختلف القائلون بشرطية النصاب في مقداره على أقوال:
وقد ذكر النووي الخلاف فقال:
فَقَالَ الشَّافِعِيّ النِّصَاب رُبْع دِينَار ذَهَبًا، أَوْ مَا قِيمَته رُبْع دِينَار، سَوَاء كَانَتْ قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم أَوْ أَقَلّ أَوْ أَكْثَر، وَلَا يُقْطَع فِي أَقَلّ مِنْهُ.
وَبِهَذَا قَالَ كَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ.
وَهُوَ قَوْل عَائِشَة وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْث وَأَبِي ثَوْر وَإِسْحَاق وَغَيْرهمْ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ دَاوُدَ.
وَقَالَ مَالِك وَأَحْمَد وَإِسْحَاق فِي رِوَايَة: تُقْطَع فِي رُبْع دِينَار أَوْ ثَلَاثَة دَرَاهِم أَوْ مَا قِيمَته أَحَدهمَا، وَلَا تُقْطَع فِيمَا دُون ذَلِكَ، وَقَالَ سُلَيْمَان بْن يَسَار وَابْن شُبْرُمَةَ وَابْن أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَن فِي رِوَايَة عَنْهُ: لَا تُقْطَع إِلَّا فِي خَمْسَة دَرَاهِم، وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب.
стр. 2316
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه: لَا تُقْطَع إِلَّا فِي عَشَرَة دَرَاهِم أَوْ مَا قِيمَته ذَلِكَ.
وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْض الصَّحَابَة أَنَّ النِّصَاب أَرْبَعَة دَرَاهِم.
وَعَنْ عُثْمَان الْبَتِّيّ أَنَّهُ دِرْهَم.
وَعَنْ الْحَسَن أَنَّهُ دِرْهَمَانِ.
وَعَنْ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَة دَنَانِير.
ثم قال: وَالصَّحِيح مَا قَالَهُ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقُوهُ.
لِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ صَرَّحَ بِبَيَانِ النِّصَاب فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث مِنْ لَفْظه وَأَنَّهُ رُبْع دِينَار، وَأَمَّا بَاقِي التَّقْدِيرَات فَمَرْدُودَة لَا أَصْل لَهَا مَعَ مُخَالَفَتهَا لِصَرِيحِ هَذِهِ الْأَحَادِيث.
وَأَمَّا رِوَايَة أَنَّهُ ﷺ (قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنّ قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم) فَمَحْمُولَة عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْر كَانَ رُبْع دِينَار فَصَاعِدًا، وَهِيَ قَضِيَّة عَيْن لَا عُمُوم لَهَا، فَلَا يَجُوز تَرْك صَرِيح لَفْظه ﷺ فِي تَحْدِيد النِّصَاب لِهَذِهِ الرِّوَايَة الْمُحْتَمَلَة، بَلْ يَجِب حَمْلهَا عَلَى مُوَافَقَة لَفْظه، وَكَذَا الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (لَمْ يَقْطَع يَد السَّارِق فِي أَقَلّ مِنْ ثَمَن الْمِجَنّ) مَحْمُولَة عَلَى أَنَّهُ كَانَ رُبْع دِينَار، وَلَا بُدّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيل لِيُوَافِق صَرِيح تَقْدِيره ﷺ . (نووي).
• ما الشرط الثاني من شروط قطع يد السارق؟
الشرط الثاني: أن يكون هناك عملية سرقة.
قال ابن قدامة: وَمَعْنَى السَّرِقَةِ: أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الْخِفْيَةِ وَالِاسْتِتَارِ.
وَمِنْهُ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ، وَمُسَارَقَةُ النَّظَرِ، إذَا كَانَ يَسْتَخْفِي بِذَلِكَ، فَإِنْ اخْتَطَفَ أَوْ اخْتَلَسَ، لَمْ يَكُنْ سَارِقًا، وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ عَلِمْنَاهُ غَيْرَ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: أَقْطَعُ الْمُخْتَلِسَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَخْفِي بِأَخْذِهِ، فَيَكُونُ سَارِقًا، وَأَهْلُ الْفِقْهِ وَالْفَتْوَى مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى خِلَافِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ (لَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ وَلَا الْمُخْتَلِسِ قَطْعٌ).
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ) رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْهُمَا ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ.
وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ، وَهَذَا غَيْرُ سَارِقٍ؛ وَلِأَنَّ الِاخْتِلَاسَ نَوْعٌ مِنْ الْخَطْفِ وَالنَّهْبِ، وَإِنَّمَا يَسْتَخْفِي فِي ابْتِدَاءِ اخْتِلَاسِهِ، بِخِلَافِ السَّارِقِ. (المغني).
стр. 2317
• فلا قطع على المنتهب: وهو الذي يأخذ المال على وجه الغنمة معتمداً على قوته.
ولا على المختلس: وهو الذي يأخذ المال خطفاً.
ولا على الغاصب: وهو الذي يأخذ المال قهراً بغير حق.
لقوله ﷺ (ليس على خائن ولا متتهب ولا مختلس قطع) رواه أبوداود.
• واختلف في جاحد العارية هل تقطع يده أم لا؟ على قولين، سيأتي ذكر الخلاف إن شاء الله.
• فائدة: من الشروط أيضاً:
أن يكون المسروق مالاً محترماً:
المال المحترم: مثل الثياب والطعام والدراهم والكتب وغيرها.
فلا قطع في سرقة آلة لهو كالمزمار والعود والربابة لتحريمها.
وانتفاء الشبهة. [والشبهة: هي كل ما يمكن أن يكون عذراً للسارق في الأخذ].
فلو سرق الابن من مال أبيه فلا قطع، لوجود شبهة إنفاق، لأن نفقة كل واحد منهما تجب في مال الآخر.
ولو سرق الأب من مال ابنه فلا قطع، لوجود شبهة، وهي شبهة التملك والتبسط به.
فالأصول والفروع لا يقطع بعضهم بالسرقة من مال بعض.
وذهب بعض العلماء: إلى أن كل قريب سرق من قريبه يقطع، إلا الأب إذا سرق من مال ولده فلا يقطع.
لعموم الأدلة الدالة على وجوب القطع، واستثني الأب لحديث (أنت ومالك لأبيك).
وهذا مذهب الشافعي.
وذهب بعض العلماء: أن من وجبت نفقته لم يقطع بالسرقة منه وإلا قطع.
وهذا القول فيه قوة وكذلك الذي قبله.
• ولا يقطع أحد من الزوجين بسرقتهِ من مال الآخر.
لأن كل منهما يرث صاحبه بغير حجب، ويتبسط في مال الآخر عادة، فأشبه الوالد والولد.
وقيل: يقطع لعموم الآية.
وقيل: يقطع الزوج ولا تقطع الزوجة، لأن لها النفقة في مال زوجها.
стр. 2318
١٢٣٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَعَنَ اَللَّهُ السَّارِقَ؛ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا.
===
• بما استدل بعض العلماء بهذا الحديث؟
استدل به بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئًا قطعت يده به، سواء كان قليلاً أو كثيرًا.
ولعموم الآية (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) فلم يعتبروا نصابًا ولا حِرْزًا، بل أخذوا بمجرد السرقة.
• تقدم أنه يشترط للقطع النصاب، اذكر كلام العلماء في معنى حديث الباب؟
اختلف العلماء في معنى الحديث:
قال جماعة: المراد بها بيضة الحديد، وحبل السفينة، وكل واحد منهما يساوي أكثر من ربع دينار، وأنكره المحققون وضعفوه.
وقيل: المراد التنبيه على عظم ما خسر، وهي يده في مقابلة حقير من المال وهو ربع دينار، فإنه يشارك البيضة والحبل في الحقارة.
وقيل: أراد جنس البيض وجنس الحبل.
وقيل: إنه إذا سرق البيضة فلم تقطع جره ذلك إلى سرقة ما هو أكثر منها فقطع، فكانت سرقة البيضة هي سبب قطعه.
قال النووي: وَالصَّوَاب أَنَّ الْمُرَاد التَّنْبِيه عَلَى عَظِيم مَا خَسِرَ، وَهِيَ يَده فِي مُقَابَلَة حَقِير مِنْ الْمَال وَهُوَ رُبْع دِينَار، فَإِنَّهُ يُشَارِك الْبَيْضَة وَالْحَبْل فِي الْحَقَارَة، أَوْ أَرَادَ جِنْس الْبَيْض وَجِنْس الْحَبْل، أَوْ أَنَّهُ إِذَا سَرَقَ الْبَيْضَة فَلَمْ يُقْطَع جَرَّهُ ذَلِكَ إِلَى سَرِقَة مَا هُوَ أَكْثَر مِنْهَا فَقُطِعَ، فَكَانَتْ سَرِقَة الْبَيْضَة هِيَ سَبَب قَطْعه، أَوْ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ قَدْ يَسْرِق الْبَيْضَة أَوْ الْحَبْل فَيَقْطَعهُ بَعْض الْوُلَاة سِيَاسَة لَا قَطْعًا جَائِزًا شَرْعًا، وَقِيلَ: إِنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ هَذَا عِنْد نُزُول آيَة السَّرِقَة مُجْمَلَة مِنْ غَيْر بَيَان نِصَاب، فَقَالَهُ عَلَى ظَاهِر اللَّفْظ؛ وَاللَّهُ أَعْلَم.
وقال ابن كثير: وقد أجاب الجمهور عما تمسك به الظاهرية من حديث أبي هريرة (يَسْرقُ البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده) بأجوبة:
أحدها: أنه منسوخ بحديث عائشة، وفي هذا نظر؛ لأنه لا بد من بيان التاريخ.
والثاني: أنه مؤول ببيضة الحديد وحبل السفن، قاله الأعمش فيما حكاه البخاري وغيره عنه.
والثالث: أن هذا وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده.
ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية، حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير، فلعن السارق الذي يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة. (تفسير ابن كثير).
стр. 2319
١٢٣١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الْلَّهِ»؟ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ … ) الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ، وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ الْنَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا.
===
• اذكر لفظ الحديث كاملاً؟
عَنَ عَائِشَةَ (أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ». ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا).
(أَنَّ قُرَيْشًا) أي القبيلة المشهورة.
(أَهَمَّهُمْ) أي: أجلبت إليهم همّاً أو صيرتهم ذوي همّ بسبب ما وقع منها.
وسبب همهم خشية أن تقطع يدها لعلمهم أن النبي ﷺ لا يرخص في الحدود، وكان قطع السارق معلوماً عندهم قبل الإسلام
(الَّتِي سَرَقَتْ) جاء في رواية (في عهد رسول الله في غزوة الفتح) وجاء في رواية عند ابن ماجه تعيين المسروق، عن ابن مسعود بن الأسود قال: (لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله أعظمن ذلك فجئنا إلى رسول الله نكلمه) وسنده حسن
(فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّه) أي: من يشفع عنده فيها ألا تقطع إما عفواً وإما فداءً، وقد وقع ما يدل على الثاني في حديث مسعود بن الأسود ولفظه بعد قوله (أعظمنا ذلك) (فجئنا إلى النبي ﷺ فقلنا نحن نفديها بأربعين أوقية فقال تطهر خير لها) وكأنهم ظنوا أن الحد يسقط بالفدية كما ظن ذلك من أفتى والد العسيف الذي زنى بأنه يفتدي منه بمائة شاة ووليدة، ووجدت لحديث مسعود هذا شاهداً عند أحمد من حديث عبد الله بن عمرو (أن امرأة سرقت على عهد رسول الله ﷺ فقال قومها نحن نفديها). (الفتح).
(فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ) بسكون الجيم وكسر الراء، أي من يتجاسر عليه.
(إِلاَّ أُسَامَةُ) بن زيد.
(حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بكسر المهملة، بمعنى محبوب.
стр. 2320
قال ابن حجر: وكان السبب في اختصاص أسامة بذلك، ما أخرجه بن سعد من طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه. أن النبي ﷺ قال لأسامة: (لا تشفع في حد وكان إذا شفع شفّعه) بتشديد الفاه أي قبِل شفاعته.
(إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُم) جاء عند النسائي (إنما هلك بنوا إسرائيل) قال ابن دقيق العيد: الظاهر أن هذا الحصر ليس عاماً، فإن بني إسرائيل كان فيهم أموراً كثيرة تقتضي الإهلاك، فيحمل ذلك على حصر مخصوص، وهو الإهلاك بسبب المحاباة في الحدود، فلا ينحصر ذلك في حد السرقة.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت السلطان.
قال ابن قدامة ﵀: ولا بَأْسَ بِالشَّفَاعَةِ فِي السَّارِقِ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْإِمَامَ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ وَجَب).
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا بَلَغَ الْإِمَامَ، لَمْ تَجُزْ الشَّفَاعَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إسْقَاطُ حَقٍّ وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ شَفَعَ أُسَامَةُ فِي الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، وَقَالَ: (أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى)، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي حُكْمِه. (المغني).
وقال النووي: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى تَحْرِيم الشَّفَاعَة فِي الْحَدّ بَعْد بُلُوغه إِلَى الْإِمَام، لِهَذِهِ الْأَحَادِيث، وَعَلَى أَنَّهُ يَحْرُم التَّشْفِيع فِيهِ، فَأَمَّا قَبْل بُلُوغه إِلَى الْإِمَام فَقَدْ أَجَازَ الشَّفَاعَة فِيهِ أَكْثَر الْعُلَمَاء إِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَشْفُوع فِيهِ صَاحِب شَرٍّ وَأَذًى لِلنَّاسِ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يُشْفَع فِيهِ. وَأَمَّا الْمَعَاصِي الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا وَوَاجِبهَا التَّعْزِير فَتَجُوز الشَّفَاعَة وَالتَّشْفِيع فِيهَا، سَوَاء بَلَغَتْ الْإِمَام أَمْ لَا؛ لِأَنَّهَا أَهْوَن، ثُمَّ الشَّفَاعَة فِيهَا مُسْتَحَبَّة إِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَشْفُوع فِيهِ صَاحِب أَذًى وَنَحْوه. (نووي).
وقد ترجم البخاري - بباب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان.
ويؤيد هذا ما ورد في بعض روايات هذا الحديث فإنه ﷺ قَالَ لأسامة لما تشفع (لا تشفع في حد، فإن الحدود إذا انتهت إلي فليست بمتروكة).
وأخرج أبو داود حديث عمرو بن شعيب عَنْ أَبِيِهِ عن جده يرفعه (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب) وصححه الحاكم، ترجم له أبو داود: العفو عن الحد ما لم يبلغ السلطان.
وأخرج أبو داود والحاكم، وصححه من حديث ابن عمر، قَالَ: سَمِعْت رَسُول اللَّهِ ﷺ يقول (من حالت شفاعته دون حد من حدود اللَّه، فقد ضاد اللَّه في أمره).
وأخرج الطبراني عن عروة بن الزبير قَالَ: (لقي الزبير سارقاً فشفع فيه فقيل: حتى يبلغ الإمام، فقال: إذا بلغ الإمام فلعن اللَّه الشافع والمشفع).
فلا يجوز للإمام العفو عن الحد، ولا تجوز الشفاعة فيه إذا وصل الأمر إلى الحاكم.
ويؤيد هذا أيضاً ما أخرجه أحمد والأربعة، وصححه ابن الجارود، والحاكم، عن صفوان بن أمية رصي اللَّه تعالى عنه: أن الْنَّبِيّ ﷺ قَالَ لما أمر بقطع الذي سرق رداءه فشفع فيه (هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به؟).
стр. 2321
• هل جاحد العارية تقطع يده أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن جاحد العارية تقطع يده.
وهذا مذهب الحنابلة، واختاره ابن حزم، وابن القيم.
لرواية مسلم (كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ، وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ الْنَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا).
وهي صريحة في أن جاحد العارية يجب عليه القطع.
القول الثاني: أن جاحد العارية لا قطع عليه.
وهذا مذهب جمهور العلماء: المالكية، والحنفية، والشافعية، واختاره ابن قدامة.
أ- لحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع) رواه أبو داود.
وجاحد العارية خائن للأمانة فلا قطع عليه.
ب-أن شرط السرقة الأخذ من الحرز وهتكه، وليس في جحد العارية هتك لحرز فلا قطع عليه.
ج-أن جاحد العارية غير السارق في المعنى، لأن السارق يأخذ المال خفية بخلاف الجاحد، فإنه مؤتمن خائن لأمانته، والقطع واجب على السارق لا على الجاحد.
قال ابن قدامة: وَعَنْهُ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ … ، وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (لَا قَطْعَ عَلَى الْخَائِنِ)، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ، وَالْجَاحِدُ غَيْرُ سَارِقٍ، وَإِنَّمَا هُوَ خَائِنٌ، فَأَشْبَهَ جَاحِدَ الْوَدِيعة. (المغني).
وأجابوا على رواية: (كانت تستعير المتاع فتجحده) بأجوبة:
أولاً: أن هذه المرأة لم تقطع لجحدها العارية، وإنما قطعت لكونها قد سرقت، ويدل على ذلك أمران:
أ- الروايات الأخرى (أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت … ).
ب- أن الروايات في قصة المخزومية قد عللت سبب قطعها بالسرقة، فقد قال ﷺ : (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم … وقال: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، فهذا دليل على أن قطعها كان لسرقتها.
ثانياً: أن الرواية التي فيها استعارتها للمتاع، وجحدها له، هذا لأنها كانت معروفة بهذه الصفة فسميت بها في هذه الرواية.
قال القرطبي: يترجح أن يدها قطعت على السرقة لا لأجل جحد العارية من أوجه: أحدها: قوله في آخر الحديث التي ذكرت فيه العارية: (لولا أن فاطمة سرقت) فإن فيه دلالة قاطعة على أن المرأة قطعت في السرقة، إذ لو كان قطعها لأجل الجحد لكان ذكر السرقة لاغياً، ولقال: لو أن فاطمة جحدت العارية ".
• أن رواية (القطع في العارية) ضعيفة. [لكن هذا فيه نظر].
وقال ابن قدامة: وَالْمَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ إنَّمَا قُطِعَتْ لِسَرِقَتِهَا، لَا بِجَحْدِهَا، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ: (إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ)، وَقَوْلَهُ: (وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَة بِنْت مُحَمَّدٍ، لَقَطَعْت يَدَهَا)، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ رِوَايَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، وَذَكَرَتْ الْقِصَّةَ. (المغني).
وجاء في (طرح التثريب).
стр. 2322
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَى أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى جَاحِدِ الْعَارِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ
وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ شَاذَّةٌ، فَإِنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِجَمَاهِيرِ الرُّوَاةِ، وَالشَّاذَّةُ لَا يُعْمَلُ بِهَا، حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ: مَنْ رَوَى أَنَّهَا سَرَقَتْ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ مِنْ رِوَايَةِ أَنَّهَا كَانَتْ تَجْحَدُ الْمَتَاعَ، وَانْفَرَدَ مَعْمَرٌ بِذِكْرِ الْجَحْدِ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِحِفْظِهِ .....
الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ قَطْعَها إنَّمَا كَانَ بِالسَّرِقَةِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ الْعَارِيَّةُ تَعْرِيفًا لَهَا، وَوَصْفًا؛ لَا لِأَنَّهَا سَبَبُ الْقَطْعِ. وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ؛ فَإِنَّهَا قَضِيَّةٌ وَاحِدَة.
وَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَحَكَاهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالنَّوَوِيِّ عَنْ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ السَّرِقَةَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا عِنْدَ الرَّاوِي ذِكْرُ مَنْعِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ، لَا الْإِخْبَارِ عَنْ السَّرِقَةِ انْتَهَى " انتهى.
والراجح القول الثاني.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- وجوب القطع بالسرقة.
- إقامة الحد على السارق شريفاً كان أو وضيعاً.
- الإنكار على من شفع في الحدود بعد وصولها للإمام.
وقد جاء في الحديث (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره) رواه أبو داود.
- فيه أن من سبب هلاك الأمم عدم إقامة حدود الله على جميع الناس، ففيه التحذير من هذا العمل.
- عدل النبي ﷺ حيث لم يفرق بين غني وفقير، ولا عظيم ولا حقير.
- عظم منزلة فاطمة عند أبيها.
- مساواة الشريف وغيره في أحكام اللَّه تعالى وحدوده وعدم مراعاة الأهل، والأقارب في مخالفة الدين.
- ينبغي للعالم أو القدوة أن يخطب بالناس إذا احتاج الأمر إلى ذلك.
- أن خطب النبي ﷺ تنقسم إلى قسمين:
قسم راتب: كخطب الجمعة. وقسم عارض: كخطبة الكسوف، وخطبته في قصة بريرة.
- أن الذنوب والمعاصي سبب لهلاك الأمم.
- أن عقوبة الله للأمم لا تختلف بالنسبة للأمم، لأنه ليس بين الله وبين الخلق نسب حتى يراعيهم.
- أن حد السرقة ثابت في الأمم الماضية.
- جواز الحلف من غير استحلاف.
- فضل أسامة ومنزلته عند الله.
- دخول النساء مع الرجال في حد السرقة.
- ترك المحاباة في إقامة الحد.
- الاعتبار بأحوال من مضى من الأمم.
- الإنكار على من فعل ما يُنكر عليه.
- أن إقامة الحدود سبب للنجاة.
стр. 2323
١٢٣٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وِلَا مُخْتَلِسٍ، قَطْع) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.
===
(لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ) الخائن: هو الآخذ مما فِي يده منْ الأمانة، وَقَالَ فِي "المرقاة": الخيانة: أن يؤتمن عَلَى شيء بطريق العارية، أو الوديعة، فيأخذه، ويدّعي ضَيَاعه، أو يُنكر أنه كَانَ عنده وديعةٌ، أو عاريةٌ. انتهى.
جاء في تحفة الأحوذي: قال ابن الهمام: خائن ـ اسم فاعل من الخيانة وهو أن يؤتمن على شيء بطريق العارية والوديعة فيأخذه ويدعي ضياعه، أو ينكر أنه كان عنده وديعة أو عارية.
(وَلَا مُنْتَهِبٍ) اسم فاعل منْ الانتهاب، افتعالٌ، منْ النَّهْبِ، وهو أخذ المال عَلَى وجه الغلبة، والقهر، وهو بمعنى الغاصب، إلا أن الغصب أعم.
(وِلَا مُخْتَلِسٍ) اسم فاعل منْ الاختلاس، وهو أخذ الشيء بسرعة عَلَى غفلة.
• ما صحة حديث الباب؟
اختلف العلماء في هذا الحديث.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وأعله الإمام أحمد، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وأبو داود، والنسائي، بأنَّ ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أنه لا قطع على خائن ولا منتهب ولا مختلس.
وهذا قول جماهير العلماء.
فمن شروط القطع: أن يكون هناك سرقة.
لأن القطع خاصة بالسرقة، والخائن والمختلس والمنتهب ليس بسارق.
قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْقَطْعِ لَا يَجِبُ إلَّا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ؛ أَحَدُهَا: السَّرِقَةُ، وَمَعْنَى السَّرِقَةِ: أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الْخِفْيَةِ وَالِاسْتِتَارِ.
وَمِنْهُ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ، وَمُسَارَقَةُ النَّظَرِ، إذَا كَانَ يَسْتَخْفِي بِذَلِكَ.
فَإِنْ اخْتَطَفَ أَوْ اخْتَلَسَ، لَمْ يَكُنْ سَارِقًا، وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ عَلِمْنَاهُ غَيْرَ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: أَقْطَعُ الْمُخْتَلِسَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَخْفِي بِأَخْذِهِ، فَيَكُونُ سَارِقًا، وَأَهْلُ الْفِقْهِ وَالْفَتْوَى مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى خِلَافِهِ.
стр. 2324
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (لَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ وَلَا الْمُخْتَلِسِ قَطْعٌ).
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ) رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْهُمَا ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ.
وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ، وَهَذَا غَيْرُ سَارِقٍ؛ وَلِأَنَّ الِاخْتِلَاسَ نَوْعٌ مِنْ الْخَطْفِ وَالنَّهْبِ، وَإِنَّمَا يَسْتَخْفِي فِي ابْتِدَاءِ اخْتِلَاسِهِ، بِخِلَافِ السَّارِقِ. (المغني).
• ما الحكمة من عدم قطع هؤلاء؟
قال النووي: قَالَ الْقَاضِي عِيَاض ﵁: صَانَ اللَّه تَعَالَى الْأَمْوَال بِإِيجَابِ الْقَطْع عَلَى السَّارِق، وَلَمْ يُجْعَل ذَلِكَ فِي غَيْر السَّرِقَة كَالِاخْتِلَاسِ وَالِانْتِهَاب وَالْغَصْب؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّرِقَة؛ وَلِأَنَّهُ يُمْكِن اِسْتِرْجَاع هَذَا النَّوْع بِالِاسْتِدْعَاءِ إِلَى وُلَاة الْأُمُور، وَتَسْهُل إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ، بِخِلَافِ السَّرِقَة فَإِنَّهُ تَنْدُر إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهَا، فَعَظُمَ أَمْرهَا، وَاشْتَدَّتْ عُقُوبَتهَا لِيَكُونَ أَبْلَغ فِي الزَّجْر عَنْهَا. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى قَطْع السَّارِق فِي الْجُمْلَة، وَإِنْ اِخْتَلَفُوا فِي فُرُوع مِنْهُ.
وقال ابن القيم: وأما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم، وترك قطع المختلس والمنتهب والغاصب فمن تمام حكمة الشارع أيضاً؛ فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإنه ينقب الدور، ويهتك الحرز، ويكسر القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك، فلو لم يشرع قطعه لسرق النَّاس بعضُهم بعضاً، وعظم الضرر، واشتدت المحنة بالسرَّاق، بخلاف المنتهب والمختلس؛ فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويخلِّصوا حقَّ المظلوم، أويشهدوا له عند الحاكم، وأما المختلس فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلةٍ من مالكه وغيره، فلا يخلو من نوع تفريطٍ يمكن به المختلس من اختلاسه، وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس، فليس كالسارق، بل هو بالخائن أشبه.
وأيضاً: فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حرز مثله غالباً، فإنه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخلِّيك عنه وغفلتك عن حفظه، وهذا يمكن الاحتراز منه غالباً، فهو كالمنتهب؛ وأما الغاصب فالأمر فيه ظاهر، وهو أولى بعدم القطع من المنتهب، ولكن يسوغ كف عدوان هؤلاء بالضرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة بأخذ المال. (إعلام الموقعين).
• هل يقطع من سرق من بيت المال؟
قال ابن قدامة: لا قطع على من سرق من بيت المال إذا كان مسلماً، ويروى ذلك عن عمر وعلي ﵄ وبه قال الشعبي، والنخعي، والحكم، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وقال حماد ومالك وابن المنذر: يقطع، لظاهر الكتاب .... اهـ.
وقد انتصر ابن حزم في المحلى لمذهب مالك في القطع.
والسبب في عدم قطع السارق من المال العام عند الجمهور هو شبهة الملك، والحدود تدرأ بالشبهات، وقد اشترطوا في القطع ألا يكون للسارق في المسروق ملك ولا تأويل الملك أو شبهته.
стр. 2325
١٢٣٣ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَر) رَوَاهُ الْمَذْكُورُونَ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.
===
(فِي ثَمَرٍ) بفتحتين، قَالَ فِي (النهاية) الثمر الرُّطَب ما دام فِي رأس النخلة، فإذا قُطع فهو الرُّطَب، فإذا كُنِزَ فهو التمر. قَالَ: وواحد الثمر ثمرةٌ، ويقع عَلَى كلّ الثمار، ويغلب عَلَى ثمر النخل. انتهى.
وَقَدْ فُسّر الثمر هنا بما كَانَ معلّقًا بالشجر قبل أن يُجذّ ويُحرز، قَالَ الخطّابيّ: قَالَ الشافعيّ: هو ما عُلّق بالنخل قبل جذّه وحرزه.
(وَلَا كَثَر) بفتح الكاف، والمثلّثة: هو جُمّار النخل، وهو شحمه الذي فِي وسط النخلة.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أنه لا قطع إلا إذا كان المسروق سرق من حرز. (وسيأتي مباحث الحرز إن شاء الله).
ففي هذا الحديث أنه لا قطع في سرقة الثمر من على رؤوس الشجر.
والجمهور من العلماء على وجوب القطع في كل محرز، لا فرق بين الطعام والثمار، واليابس منها والرطب.
جاء في تحفة الأحوذي: قال في شرح السنة: ذهب أبو حنيفة إلى ظاهر هذا الحديث، فلم يوجب القطع في سرقة شيء من الفواكه الرطبة سواء كانت محرزة أو غير محرزة، وقاس عليه اللحوم والألبان والأشربة والخبوز.
وأوجب الآخرون القطع في جميعها إذا كان محرزاً.
وهو قول مالك والشافعي.
وتأول الشافعي الحديث على الثمار المعلقة غير المحرزة. وقال: نخيل المدينة لا حوائط لأكثرها، والدليل عليه حديث عمرو بن شعيب، وفيه دليل على أن ما كان منها محرزاً يجب القطع بسرقته انتهى.
وقال في سبل السلام: والحديث فيه دليل على أنه لا يجوز القطع في سرقة الثمر والكثر، وظاهره سواء كان على ظهر المنبت له، أو قد جذ، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، قال في نهاية المجتهد: قال أبو حنيفة لا قطع في طعام ولا فيما أصله مباح كالصيد والحطب والحشيش وعمدته في منعه القطع في الطعام الرطب قوله ﷺ (لا قطع في ثمر ولا كثر).
وعند الجمهور أنه يقطع في كل محرز سواء كان على أصله باقياً أو قد جذ، سواء كان أصله مباحاً كالحشيش ونحوه أولا.
قالوا: لعموم الآية والأحاديث الواردة في اشتراط النصاب.
وأما حديث (لا قطع في ثمر ولا كثر) فقال الشافعي: إنه أخرج على ما كان عليه عادة أهل المدينة من عدم إحراز حوائطها فترك القطع لعدم الحرز فإذا أحرزت الحوائط كانت كغيرها. (سبل السلام).
стр. 2326
١٢٣٤ - وَعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ ﵁ قَالَ (أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلِصٍّ قَدِ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ»، قَالَ: بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ، وَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ» فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ» ثَلَاثًا. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
١٢٣٥ - وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَسَاقَهُ بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ فِيهِ: (اذْهَبُوا بِهِ، فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوه). وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا، وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ.
===
(بِلِصٍّ) أي: بسارق.
(اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا) أي أقرّ إقرارًا صحيحاً.
(وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ) أي: منْ المسروق.
(مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ) أي: ما أظنك سرقت شيئاً، قاله دَرْأً للقطع.
(فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ) أي: لثبوت سرقته بإقراره.
• ما صحة حديث الباب؟
حديث ضعيف؛ لجهالة أبي المنذر مولى أبي ذرّ ﵁.
• بما تثبت السرقة؟
أ- تثبت السرقة بشهادة عدلين.
وهذا متفق عليه عند أهل العلم كما حكاه ابن رشد وابن قدامة.
فلا تثبت عقوبة القطع بشهادة رجل واحد، ولا بشهادة النساء.
ب- وتثبت بالاقرار.
وهل يشترط أن يكون مرتين أم يكفي مرة واحدة؟ قولان للعلماء:
الصحيح أنه يكفي الإقرار مرة واحدة.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
قياساً على القصاص وحد القذف، فإنه يكفي فيه الإقرار مرة واحدة.
وذهب الحنابلة إلى أنه لابد من الإقرار مرتين.
أ- لحديث الباب.
ب- ولأنه يتضمن إتلافاً في حد، فكان من شرطه التكرار كحد الزنا.
والقول أصح، والحديث - على فرض صحته - فالمراد به الاستثبات.
стр. 2327
• ما وجه قوله ﷺ (مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ)؟
قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى:
قيل: أراد ﷺ تلقينه الرجوع عن الاعتراف، وللإمام ذلك فِي السارق، إذا اعترف.
ومن لا يقول به يقول: لعله ظنّ بالمعترف غفلة عن معنى السرقة، وأحكامها، أو لأنه استبعد اعترافه بذلك؛ لأنه ما وُجِد معه متاع، واستدلّ به منْ يقول: لابدّ فِي السرقة منْ تعدّد الإقرار. انتهى.
وقال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: وجه هَذَا الْحَدِيث عندي -والله أعلم- أنه ظنّ بالمعترف بالسرقة غَفْلَةً، أو يكون قد ظنّ أنه لا يعرف معنى السرقة، ولعله قد كَانَ مالا له، أو اختلسه، أو نحو ذلك، مما يخرج منْ هَذَا الباب عن معاني السرقة، والمعترف به قد يحسب أن حكم ذلك حكم السرقة، فوافقه رسول الله ﷺ ، واستثبت الحكم فيه، إذ كَانَ منْ سنّته: أن الحدود تُدرأ بالشبهات، ورُوي عنه أنه قال (ادرؤا الحدود ما استطعتم) وأمرنا بالستر عَلَى المسلمين، فكره أن يهتكه، وهو يجد السبيل إلى ستره، فلما تبيّن وجود السرقة منه يقينًا، أقام الحدّ عليه، وأمر بقطعه.
• لماذا أمره النبي ﷺ بالاستغفار والتوبة مع أن الحدود كفارات؟
قَالَ السنديّ: لعل المراد بالاستغفار، والتوبة منْ سائر الذنوب، أو لعله قَالَ ذلك ليعزم عَلَى عدم العود إلى مثله، فلا دليل لمن قَالَ: الحدود ليست كفّارات لأهلها، مع ثبوت كونها كفّارات بالأحاديث الصحاح التي كادت تبلغ حدّ التواتر، كيف والاستغفار مما أُمر به النبيّ ﷺ فَقَالَ تعالى (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) وَقَدْ قَالَ تعالى (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ)، لمعان ومصالح ذكروا فِي محله، فمثله لا يصلح دليلا عَلَى بقاء ذنب السرقة. والله تعالى أعلم.
• ماذا يفعل بعد قطع يد السارق؟
حسمها. والحسم في اللغة القطع، والمراد حسم الدم، أي: قطعه.
وذلك بأن يغلى زيت، أو دهن، أو نحوهما، ثم تغمس فيه وهو يغلي، فإذا غمست فيه وهو يغلي تسددت أفواه العروق، وإنما وجب حسمها؛ لأنها لو تركت لنزف الدم ومات، والحد لا يراد به موته وإتلافه، إنما يراد به تأديبه.
والحكمة من قطعها دون سائر الأعضاء هو أنه لما كانت اليد هي آلة الأخذ في الغالب صار القطع خاصاً بها؛ ولهذا اختص باليمين دون اليسار؛ لأنها هي التي يؤخذ بها غالباً، حتى لو فُرض أنه أعسر لا يعمل إلا باليد اليسرى.
стр. 2328
١٢٣٦ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال (لَا يَغْرَمُ السَّارِقُ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدد) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَبَيَّنَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ مُنْكَرٌ.
===
(لَا يَغْرَمُ) بتشديد الراء، مبنيًّا للمفعول، منْ التغريم: أي لا يُلزم بالغرامة، ويحتمل أن يكون بتخفيف الراء، مبنيًّا للفاعل، منْ باب تَعِبَ، قَالَ الفيّوميّ: غَرِمت الدية، والدين.
(إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدد) يعني: أنه لا يُجمع عَلَى السارق بين العقوبة، وهو قطع يده، والغرامة، وهو ضمان ما سرقه إذا تلف، وأما إذا كانت العين قائمة، فلا خلاف فِي وجوب ردّها.
• ما صحة حديث الباب؟
قَالَ النسائي: وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَلَيْسَ بِثَابِتٍ.
• هل يغرم السارق ما سرق؟
اختلف العلماء فِي تضمين السارق بعد قطع يده.
قَالَ ابن قدامة: لا يختلف أهل العلم فِي وجوب رد العين المسروقة عَلَى مالكها، إذا كانت باقية.
فأما إن كانت تالفة:
فعلى السارق رد قيمتها، أو مثلها إن كانت مثلية، قُطِع، أو لم يُقطَع، موسراً كَانَ، أو معسرًا.
وهذا قول الحسن، والنخعي، وحماد، والْبَتّيّ، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
وَقَالَ الثوري، وأبو حنيفة: لا يجتمع الغُرْم والقطع، إن غَرِمها قبل القطع، سقط القطع، وإن قُطع قبل الغرم سقط الغرم.
وَقَالَ عطاء، وابن سيرين، والشعبي، ومحكول: لا غَرْم عَلَى السارق إذا قُطع، ووافقنا مالك فِي المعسر، ووافقهم فِي الموسر.
وَقَالَ أبو يوسف: لا يغرم شيئا؛ لأنه قُطع بالكل، فلا يغرم شيئاً منه، كالسرقة الأخيرة.
стр. 2329
واحتج بما رُوي عن عبد الرحمن بن عوف، عن رسول الله ﷺ أنه قَالَ (إذا أقيم الحد عَلَى السارق، فلا غُرْم عليه) ولأن التضمين يقتضي التمليك، والملك يمنع القطع، فلا يجمع بينهما.
قَالَ: ولنا أنها عين يجب ضمانها بالرد، لو كانت باقية، فيجب ضمانها إذا كانت تالفة، كما لو لم يُقطع.
ولأن القطع والغرم حقان، يجبان لمستحقين، فجاز اجتماعهما، كالجزاء، والقيمة فِي الصيد الحرمي المملوك.
وحديثهم يرويه سعد بن إبراهيم، عن منصور، وسعد بن إبراهيم مجهول، قاله ابن المنذر، وَقَالَ ابن عبد البرّ: الْحَدِيث ليس بالقوي، ويحتمل أنه أراد ليس عليه أجرة القاطع، وما ذكروه فهو بناءٌ عَلَى أصولهم، ولا نسلمها لهم. (المغني).
قال في سبل السلام: وذهب الشافعي وأحمد وآخرون ورواية عن أبي حنيفة إلى أنه يغرم.
أ- لقوله ﷺ (على اليد ما أخذت حتى تؤديه).
وحديث عبد الرحمن هذا لا تقوم به حجة مع ما قيل فيه.
ب- ولقوله تعالى (لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل).
ج- ولقوله ﷺ (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه).
د- ولأنه اجتمع في السرقة حقان حق لله تعالى وحق للآدمي، فاقتضى كل حق موجبه.
هـ- ولأنه قام الإجماع أنه إذا كان موجوداً بعينه أخذ منه، فيكون إذا لم يوجد في ضمانه قياساً على سائر الأموال الواجبة.
ولا يخفى قوة هذا القول .... (سبل السلام)
стр. 2330
١٢٣٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ الْغَرَامَةُ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
===
(أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ) بفتح الثاء المثلّثة، والميم: هو اسم جامع للرطب، واليابس، منْ التمر، والعنب، وغيرهما.
(الْمُعَلَّقِ) اسم مفعول منْ التعليق: أي المتدلّي منْ الشجر.
(فَقَالَ) ﷺ .
(مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ) أي: الفم.
(مِنْ ذِي حَاجَةٍ) أي: محتاجاً.
(غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً) بضم الخاء المعجمة، وسكون الباء الموحّدة، ونون- قَالَ الخطّابيّ: الخُبْنة: ما يأخذه الرجل فِي ثوبه، فيرفعه إلى فوقُ، ويقال للرجل إذا رفع ذيله فِي المشي: قد رفع خُبْنته. انتهى.
وَقَالَ فِي (النهاية) الْخُبْنة: مِعْطف الإزار، وطرف الثوب: أي لا يأخذ منه فِي ثوبه، يقال: أخبن الرجل: إذا خبأ شيئًا فِي خُبْنة ثوبه، أو سراويله.
(فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أي: عَلَى المصيب، ولابدّ منْ تقدير "فيه": أي فِي ذلك الثمر. قاله السنديّ.
(وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ) أي: منْ الثمر المعلق.
(فَعَلَيْهِ الْغَرَامَةُ) هذا من باب التعزير بالمال.
(وَالْعُقُوبَةُ) أي: التعزير، وجاء عند النسائي (بأنها جَلَدَات نَكَال).
(وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ) وعند النسائي (وَمَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ) الإيواء الضم.
(الْجَرِينُ) بفتح الجيم، وكسر الراء: موضعٌ يُجمع فيه التمر، للتجفيف، وهو له كالبيدر للحنطة، ويُجمع عَلَى جُرُن -بضمتين- كذا فِي (النهاية)
(فَعَلَيْهِ الْقَطْع) أي: قطع يده، لسرقته نصابًا منْ الحرز.
стр. 2331
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث صحيح.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن من شروط القطع في السرقة أن تكون السرقة من حرز، فإن سرق من غير حرز فلا قطع.
وهذا قول جماهير العلماء
قال ابن قدامة: الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَسْرِقَ مِنْ حِرْزٍ، وَيُخْرِجَهُ مِنْهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
لحديث الباب ( … وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْع).
ففرَّق الرسول ﷺ بين من أخذ من التمر وهو على الشجر ومن أخذ منه بعد نقله إلى الجرين، فالأول لا قطع عليه، وإنما يعزر، والثاني عليه القطع، والفرق بينهما: أن الأول أخذ التمر من غير حرز، والثاني أخذه من الحرز.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث أصل عند جمهور أهل العلم في مراعاة الحرز واعتباره في القطع … قال أبو عبيد: الثمر المعلق هو الذي في رؤوس النخل لم يُجَذْ ولم يحرز في الجرين " انتهى. (التمهيد).
وقال الصنعاني: أُخِذَ مِنْهُ اِشْتِرَاط الْحِرْز فِي وُجُوب الْقَطْع؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : (بَعْد أَنْ يَأْوِيه الْجَرِين).
وقال القرطبي: تنبيه: آيةُ السَّرقة وردت عامة مطلقة، لكنها مخصَّصة مقيَّدة عند كافة العلماء؛ إذ قد خرج من عموم السَّارق من سرق أقل من نصاب، وغير ذلك. وتقيَّدت باشتراط الحِرز، فلا قطع على من سرق شيئًا من غير حرز بالإجماع، إلا ما شذَّ فيه الحسن، وأهل الظاهر، فلم يشترطوا الحِرز. (المفهم).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَلَا يَكُونُ السَّارِقُ سَارِقًا حَتَّى يَأْخُذَ الْمَالَ مِنْ حِرْزٍ. فَأَمَّا الْمَالُ الضَّائِعُ مِنْ صَاحِبِهِ وَالثَّمَرُ الَّذِي يَكُونُ فِي الشَّجَرِ فِي الصَّحْرَاءِ بِلَا حَائِطٍ، وَالْمَاشِيَةُ الَّتِي لَا رَاعِيَ عِنْدَهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ، لَكِنْ يُعَزَّرُ الْآخِذُ وَيُضَاعَفُ عَلَيْهِ الْغُرْمُ، كَمَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ " انتهى
• وحرز المال ما العادة حفظه فيه [حرز كل شيء ما حفظ فيه عادة]، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره، فحرز النقود غير حرز الماشية، وكذا حرز الأطعمة والأمتعة وغيرها.
стр. 2332
• هل يجوز لمن مر ببستان أن يأكل منه؟
يجوز بشروط:
عدم الحمل، وأن يصوّت ثلاثاً.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ دَخَلَ حَائِطًا فَلْيَأْكُلْ وَلا يَتَّخِذْ خُبْنَةً) ورواه ابن ماجه بلفظ: (إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ بِحَائِطٍ فَلْيَأْكُلْ وَلا يَتَّخِذْ خُبْنَةً).
وروى ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا أَتَيْتَ عَلَى رَاعٍ فَنَادِهِ ثَلاثَ مِرَارٍ فَإِنْ أَجَابَكَ وَإِلا فَاشْرَبْ فِي غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ، وَإِذَا أَتَيْتَ عَلَى حَائِطِ بُسْتَانٍ فَنَادِ صَاحِبَ الْبُسْتَانِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنْ أَجَابَكَ وَإِلا فَكُلْ فِي أَنْ لا تُفْسِدَ)
فدلت هذه الأحاديث على جواز أن يأكل الإنسان من ثمر غيره، دون أن يحمل معه، بشرط أن ينادي صاحبه أولا ثلاثا، فإن أجابه استأذنه، وإن لم يجبه أكل.
واشترط بعضهم: ليس عليه حائط.
فإن كان عليه حائط فإنه لا يأكل منه؛ لأن تحويط صاحبه عليه دليل على أنه لا يرضى أن يأكله أحد.
قال الشيخ ابن عثيمين: اشتراط انتفاء الحائط فيه نظر؛ لأن لفظ الحديث (من دخل حائطاً) والحائط هو المحوطُ بشيء، وعلى هذا فلا فرق بين الشجر الذي ليس عليه حائط، وبين الشجر الذي عليه حائط.
فالذي تبين من السنة أن الشرط هو أن يأكل بدون حمل، وألا يرمي الشجر، بل يأخذ بيده منه، أو ما تساقط في الأرض، وأيضاً يشترط أن ينادي صاحبه ثلاثاً، إن أجابه استأذن، وإن لم يجبه أكل.
هذا الذي دل عليه الحديث هو ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀. (الشرح الممتع).
وذهب جمهور العلماء إلى أن ذلك ليس بجائز.
قَالَ النوويّ فِي "شرح المهذب": اختلف العلماء، فيمن مر ببستان، أو زرع، أو ماشية، قَالَ الجمهور: لا يجوز أن يأخذ منه شيئا، إلا فِي حال الضرورة، فيأخذ، وَيغرَم عند الشافعيّ، والجمهور. (المجموع).
لأن الأصل في مال المسلم التحريم، فلا يجوز بغير إذنه.
وأجابوا عن أحاديث الجواز:
بأن حديث النهي أصح، فهو أولى بأن يُعمل به.
وبأنه معارِضٌ للقواعد القطعية، فِي تحريم مال المسلم، بغير إذنه، فلا يُلتفت إليه.
стр. 2333
ومنهم منْ جمع بين الحديثين بوجوه منْ الجمع، منها: حمل الإذن عَلَى ما إذا علم طيب نفس صاحبه، والنهي عَلَى ما إذا لم يعلم.
ومنها: تخصيص الإذن بابن السبيل، دون غيره، أو بالمضطرّ، أو بحال المجاعة مطلقاً، وهي متقاربة.
وحكى ابن بطال عن بعض شيوخه: أن حديث الإذن كَانَ فِي زمنه ﷺ وحديث النهي أشار به إلى ما سيكون بعده منْ التشاح، وترك المواساة. (الفتح).
قال الشوكاني في (نيل الأوطار) عند كلامه على هذا الحديث: وأحاديث في الباب بمعناه: ظاهر أحاديث الباب جواز الأكل من حائط الغير، والشرب من ماشيته بعد النداء المذكور من غير فرق بين أن يكون مضطراً إلى الأكل أو لا .. إلى أن يقول: والممنوع إنما هو الخروج بشيء من ذلك من غير فرق بين القليل والكثير.
• ما حكم من أخذ من الشجر وأخرجه معه قبل وضعه بالجرين؟
الحديث يدل أنه يغرم مثلي ما أخذ ويؤدب من غير قطع.
لأخذه مال الغير بغير إذنه.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن من سرق من غير حرز فإنه يضاعف عليه الضمان.
وهذا المذهب، واختيار ابن تيمية.
لحديث الباب.
فهو صريح في أن النبي ﷺ قضى بمضاعفة الضمان في سرقة الثمر من غير حرزه.
القول الثاني: أنه لا يضاعف الضمان مطلقاً.
وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية.
لأن الله أمر بالمماثلة في معاقبة المعتدي، قال تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ).
قَالَ ابن عبد البر: لا أعلم أحداً منْ الفقهاء قَالَ بوجوب غرامة مثليه.
قالَ الموفق: واعتذر بعض أصحاب الشافعيّ عن هَذَا الخبر، بأنه كَانَ حين كانت العقوبة فِي الأموال، ثم نسخ ذلك.
قَالَ: ولنا قول النبيّ ﷺ وهو حجة، لا تجوز مخالفته، إلا بمعارضة مثله، أو أقوى منه، وهذا الذي اعتذر به هَذَا القائل، دعوى للنسخ بالاحتمال، منْ غير دليل عليه، وهو فاسد بالإجماع، ثم هو فاسد منْ وجه آخر؛ لقوله: "ومن سرق منه شيئا بعد أن يُؤيه الجرين، فبلغ ثمن المجن فعليه القطع"، فقد بَيَّن وجوب القطع، مع إيجاب غرامة مثليه، وهذا يبطل ما قاله، وَقَدْ احتج أحمد بأن عمر أغرم حاطب بن أبي بَلْتَعَة حين انتحر غلمانه ناقة رجل منْ مزينة، مثلي قيمتها. (المغني).
стр. 2334
١٢٣٨ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ -لَمَّا أَمَرَ بِقَطْعِ الَّذِي سَرَقَ رِدَاءَهُ، فَشَفَعَ فِيهِ-: هَلَّا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَالْحَاكِمُ.
===
• اذكر لفظ الحديث؟
عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ (كُنْتُ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ عَلَيَّ خَمِيصَةٌ لِي ثَمَنُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَجَاءَ رَجُلٌ فَاخْتَلَسَهَا مِنِّي، فَأُخِذَ الرَّجُلُ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهِ لِيُقْطَعَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَتَقْطَعُهُ مِنْ أَجْلِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، أَنَا أَبِيعُهُ وَأُنْسِئُهُ ثَمَنَهَا؟ قَالَ: فَهَلاَّ كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِه).
(فَقُلْتُ: أَتَقْطَعُهُ مِنْ أَجْلِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، أَنَا أَبِيعُهُ وَأُنْسِئُهُ ثَمَنَهَا) وفي رواية (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهُ) وفي رواية الأوزاعيّ (يا رسول الله، هو له) وفي رواية عكرمة (ما كنت أردت أن تُقطع يده فِي ردائي).
(قَالَ: فَهَلاَّ كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِه) أي: قبل أن ترفعه إليّ متحاكمًا، يعني أنه لو تركه قبل إحضاره عنده ﷺ ليحكم به لنفعه ذلك، وأما بعد رفعه، وثبوت السرقة عليه، فالحقّ للشرع، لا للمالك.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
أن تجاوز المسروق منه عن السارق بعد رفعه إلى الإمام لا يجوز.
قال ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: لا أعلم بين أهل العلم اختلافاً فِي الحدود، إذا بلغت إلى السلطان، لم يكن فيها عفو، لا له ولا لغيره، وجائز للناس أن يتعافوا الحدود ما بينهم، ما لم يبلغ السلطان، وذلك محمود عندهم.
- هل يشترط في السرقة مطالبة المسروق منه بماله؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: اشتراط ذلك.
وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد.
أ-أن الجناية على مال الغير لا تثبت إلا بالخصومة والمطالبة، فإذا لم يطالب المسروق منه بماله فلا خصومة، وحينئذ فلا يقام الحد.
ب-أن قطع السارق شرع لصيانة مال الآدمي فله به تعلق وحق، فلم يستوف من غير مطالبته به.
стр. 2335
القول الثاني: لا تشترط المطالبة.
وهذا مذهب مالك، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
أ- أن النصوص التي توجب إقامة حد السرقة عامة ليس فيها اشتراط مطالبة المسروق منه بماله، كقوله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا).
ب-ولحديث الباب.
وجه الدلالة: أن المسروق منه - وهو صفوان بن أمية - لم يطالب بالمسروق، ومع ذلك أقام رسول الله ﷺ حد السرقة، وبيّن أن عدم المطالبة إنما ينفع قبل رفع أمر السارق إليه، فهذا دليل صريح على أنه لا يشترط مطالبة المسروق منه.
ج- أن قطع السارق حق لله، فوجب أن يقام على من ثبت عليه من دون انتظار المسروق منه ومطالبته كحد الزنا، فإنه يقام على الزاني، وإن لم يحضر المزني بها.
وهذا القول هو الصحيح، لما في ذلك من حفظ الأموال واستتاب الأمن.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز العفو عن السارق قبل الرافع إلى الإمام.
- وجوب قطع يد السارق إذا ثبتت السرقة.
- جواز طي الثياب وتوسدها.
- أن ما جعله الإنسان تحت رأسه، فهو حرز له، فإذا سُرق وجب القطع؛ لأنه حرزه، وما سُرق منْ الحرز ففيه القطع.
стр. 2336
١٢٣٩ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ (جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّمَا سَرَقَ. قَالَ: «اقْطَعُوهُ» فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الْخَامِسَةَ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَاسْتَنْكَرَهُ.
١٢٤٠ - وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ نَحْوَهُ.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْقَتْلَ فِي الْخَامِسَةِ مَنْسُوخٌ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث لا يصح.
• هل يقتل السارق في المرة الخامسة؟
ذهب جماهير العلماء إلى أن من تكرر منه السرقة للمرة الرابعة وما بعدها أنه يعزر بالحبس ونحوه ولا يقتل.
فهذا مذهب المالكية، والحنابلة، والمشهور من مذهب الحنفية، والشافعية.
• بما أجابوا عن حديث الباب؟
أجاب العلماء ﵏ عن هذا الحديث بعدة مسالك:
المسلك الأول: أنه حديث لا يصح.
قَالَ النسائي: وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ.
وقَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث فِي بعض إسناده مقال، وَقَدْ عارض الْحَدِيث الصحيح، وهو أن النبيّ ﷺ قَالَ: لا يحلّ دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس"، والسارق ليس بواحد منْ الثلاثة، فالوقوف عن دمه واجبٌ، ولا أعلم أحدا منْ الفقهاء، يبيح دم السارق، وإن تكررت منه السرقة مرّة بعد أخرى.
ومنهم ابن حجر إذ تعقب أسانيده بالتضعيف.
ومنهم الزيلعي حيث تعقب أسانيده بالتضعيف أيضاً.
стр. 2337
ومنهم ابن عبد البر إذ قال (حديث القتل منكر لا أصل له).
وهذا المسلك هو الذي تقتضيه قواعد النقد وأصول المنهج في البحث والله أعلم .... (الحدود عند ابن القيم).
المسلك الثاني: أن هذا الحديث جاء في حق رجل مستحق للقتل.
قال ابن القيم: ومنهم من يحسنه ويقول: هذا حكم خاص بذلك الرجل وحده لما علم رسول الله ﷺ من المصلحة في قتله.
وقال ابن حجر: وقال بعضهم هو خاص بالرجل المذكور فكأن النبي ﷺ اطلع على أنه واجب القتل ولذلك أمر بقتله من أول مرة.
المسلك الثالث: أن هذا الحديث منسوخ.
وهذا محكي عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
حكاه ابن حجر، والآبادي، ومن قبلهما البيهقي رحمهم الله تعالى.
المسلك الرابع: حمل الحكم بقتله على أنه كان من المفسدين في الأرض.
حكى، الخطابي، وابن حجر، والآبادي، على أن هذا الحديث قد يخرج على مذاهب بعض الفقهاء، وهو أن يكون هذا من المفسدين في الأرض، فيكون هذا من باب العقوبة التعزيرية للمفسدين في الأرض، وهذا يعزى للإمام مالك رحمه الله تعالى.
• هل قال أحد بموجب الحديث؟
نعم.
قال ابن القيم: وطائفة ثالثة تقبله وتقول به، وأن السارق إذا سرق خمس مرات قتل في الخامسة وممن ذهب إلى هذا المذهب أبو مصعب من المالكية.
وقال ابن حجر: وقيل يقتل في الخامسة قاله: أبو مصعب الزهري المدني صاحب مالك.
وهذا المسلك مبني على القول بقبول الحديث وصحته.
• ما الذي يقطع من السارق أولاً؟
يقطع أولاً اليد اليمنى.
لقوله تعالى (فاقطعوا أيهما).
وقد روي عن ابن مسعود أنه قرأ: فاقطعوا أيمانهما.
قال ابن كثير: وهي قراءة شاذة، وإن كان الحكم عند جميع العلماء موافقاً لها، لا بها، بل هو مستفاد من دليل آخر.
وقال ابن قدامة: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ السَّارِقَ أَوَّلُ مَا يُقْطَعُ مِنْهُ، يَدُهُ الْيُمْنَى، مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ، وَهُوَ الْكُوعُ.
وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُود (فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا) وَهَذَا إنْ كَانَ قِرَاءَةً وَإِلَّا فَهُوَ تَفْسِيرٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ ﵄، أَنَّهُمَا قَالَا: إذَا سَرَقَ السَّارِقُ، فَاقْطَعُوا يَمِينَهُ مِنْ الْكُوعِ. وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّ الْبَطْشَ بِهَا أَقْوَى، فَكَانَتْ الْبِدَايَةُ بِهَا أَرْدَعَ؛ وَلِأَنَّهَا آلَةُ السَّرِقَةِ، فَنَاسَبَ عُقُوبَتَهُ بِإِعْدَامِ آلَتِهَا. (المغني)
قال القرطبي: لا خلاف في أن اليمنى هي التي تقطع أولاً.
стр. 2338
• ما الذي يقطع ثانياً؟
رجله اليسرى.
قال ابن قدامة: وَإِذَا سَرَقَ ثَانِيًا، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى.
وَبِذَلِكَ قَالَ الْجَمَاعَةُ إلَّا عَطَاءً، حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) وَلِأَنَّهَا آلَةُ السَّرِقَةِ وَالْبَطْشِ، فَكَانَتْ الْعُقُوبَةُ بِقَطْعِهَا أَوْلَى، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَبِيعَةَ، وَدَاوُد.
وَهَذَا شُذُوذٌ، يُخَالِفُ قَوْلَ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ، مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
ثم قال ابن قدامة: … وَلِأَنَّ قَطْعَ يَدَيْهِ يُفَوِّتُ مَنْفَعَةَ الْجِنْسِ، فَلَا تَبْقَى لَهُ يَدٌ يَأْكُلُ بِهَا، وَلَا يَتَوَضَّأُ، وَلَا يَسْتَطِيبُ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، فَيَصِيرُ كَالْهَالِكِ، فَكَانَ قَطْعُ الرِّجْلِ الَّذِي لَا يَشْتَمِلُ عَلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ أَوْلَى.
وَلِأَنَّ قَطْعَ الْيُسْرَى أَرْفَقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ عَلَى خَشَبَةٍ، وَلَوْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى لَمْ يُمْكِنْهُ الْمَشْيُ بِحَالٍ.
• ما الحكم إذا سرق ثالثة ورابعة؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: أنه لا يقطع في الثالثة بعد قطع اليد والرجل بل يحبس.
وهذا هو مذهب الحنفية والمعتمد لدى الحنابلة.
قال ابن قدامة: يَعْنِي إذَا عَادَ فَسَرَقَ بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ، لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ شَيْءٌ آخَرُ وَحُبِسَ.
وَبِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁ وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
القول الثاني: أنه يقطع في الثالثة يسري يديه وفي الرابعة يمنى رجليه فإن سرق خامسة عزر.
وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
والله أعلم.
• من أين تقطع الرجِل؟
قال ابن قدامة: وَتُقْطَعُ الرِّجْلُ مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ ﵁.
وقال القرطبي: فقال الكافة: تقطع (يعني اليد) من الرسغ، والرجِل من المفصل، ويحسم الساق إذا قطع.
стр. 2339
• هل يجوز رد اليد بعد قطعها؟
لا يجوز.
لأن هذا خلاف مقصود الشارع، فليس مقصود الشارع الإيلام فقط حتى نقول: إنه حصل بقطعها، وإنما مقصود الشارع أن يبقى، وليس له يد. (الشرح الممتع).
• هل يجوز أن يبنج محل القطع حتى لا يحس به المقطوع؟
نعم يجوز ذلك.
لأن المقصود هو إتلاف اليد، وهو حاصل سواء بنج أم لم يبنج.
• هل يجوز ذلك في اليد المقطوعة قصاصاً؟
لا يجوز.
لأننا لو بنجناها لم يتم القصاص. (شرح البلوغ لابن عثيمين)
فائدة:
وَيُسَنُّ تَعْلِيقُ الْيَدِ فِي عُنُقِهِ.
لِمَا رَوَى فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِسَارِقٍ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
وَفَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ ﵁؛ وَلِأَنَّ فِيهِ رَدْعًا وَزَجْرًا. (المغني).
لكن الحديث ضعيف لا يصح.
وقال النسائي عقب روايته لهذا الحديث: " الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ضَعِيفٌ، وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ".
وكذلك ضعفه الألباني.
لكن ثبت هذا من فعل علي ﵁.
فروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ (أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ، ثُمَّ عَلَّقَهَا فِي عُنُقِه).
فذهب طائفة من أهل العلم إلى استحباب تعليق يد السارق المقطوعة في عنقه؛ ردعا لأمثاله، وقيد بعضهم ذلك بما إذا رأى
الإمام المصلحة فيه.
جاء في (الموسوعة الفقهية) وَيُسَنُّ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - تَعْلِيقُ الْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ فِي عُنُقِ السَّارِقِ، رَدْعًا لِلنَّاسِ، اسْتِنَادًا إِلَى مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ، وَقَدْ حَدَّدَ الشَّافِعِيَّةُ مُدَّةَ التَّعْلِيقِ بِسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَلَمْ يُحَدِّدُوا مُدَّةَ التَّعْلِيق.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَعْلِيقَ الْيَدِ لَا يُسَنُّ، بَلْ يُتْرَكُ الأْمْرُ لِلإمَامِ، إِنْ رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً فَعَلَهُ، وَإِلاَّ فَلَا، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَالِكِيَّةُ شَيْئًا عَنْ تَعْلِيقِ الْيَدِ " انتهى.
بَابُ حَدِّ الشَّارِبِ وَبَيَانِ الْمُسْكِرِ
стр. 2340
بَابُ حَدِّ الشَّارِبِ
أي: شارب الخمر، وسيأتي إن شاء الله تعريف الخمر.
١٢٤١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ) قال الحافظ: الرجل المذكور لَم أقف على اسمه صريحاً، لكن جاء ما يؤخذ منه، أنه النعيمان.
(قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ) الخمر لغة: ما خامر العقل وستره، وسمي بذلك لأنها تغطي العقل وتستره.
وهو يطلق على كل ما أسكر العقل من عصير كل شيء أو نقيعه، سواء كان من العنب أم التمر أم غيرهما.
(فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ) أي: تولى الخلافة، وفي رواية (فَلَمَّا كَانَ عُمَر وَدَنَا النَّاس مِنْ الرِّيف وَالْقُرَى).
(أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ) أي: اجعله مثل أخف الحدود ثمانين وهو حد القاذف.
قال النووي: يعْنِي الْمَنْصُوص عَلَيْهَا فِي الْقُرْآن، وَهِيَ حَدّ السَّرِقَة بِقَطْعِ الْيَد، وَحَدّ الزِّنَا جَلْد مِائَة، وَحَدّ الْقَذْف ثَمَانِينَ، فَاجْعَلْهَا ثَمَانِينَ كَأَخَفّ هَذِهِ الْحُدُود.
(فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ) وللبخاري عن السّائب بن يزيد، قال: كنّا نؤتى بالشّارب على عهد رسول الله ﷺ وإمْرةِ أبي بكرٍ وصدراً من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتّى كان آخر إمْرَة عمر، فجلد أربعين، حتّى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين.
• لماذا سميت الخمر خمراً؟
ذكر علماء اللغة في ذلك خلافاً على أقوال ثلاثة:
الأول: سميت خمراً لأنها تغطى حتى تدرك أي حتى تغلي.
حكاه النووي، والقرطبي، والحافظ بن حجر، والرازي، وعزاه لابن الأعرابي.
الثاني: أنها لما كانت تستر العقل وتغطيه سميت بذلك.
حكاه القرطبي، والحافظ بن حجر، والفيروز آبادي، والنووي، وعزاه للكسائي.
الثالث: سميت خمرا لأنها تخامر العقل أي تخالطه.
حكاه الفيروز آبادي، والقرطبي، وابن حجر، والنووي، وعزاه لابن الأنباري.
وهذه المعاني الثلاثة يجدها الناظر متقاربة بل هي متشابكة لأن أصلها الستر فلا مانع إذا أن تكون سميت الخمر خمراً لهذه الأمور الثلاثة ولا منافاة.
стр. 2341
وهذا هو ما جنح إليه جمع منهم العلامة القرطبي إذ قال: فالمعاني الثلاثة متقاربة، فالخمر تركت، وخمرت حتى أدركت ثم خالطت العقل، ثم خمرته والأصل الستر.
ومنهم الحافظ بن حجر إذ قال بعد حكايته: ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة وأهل المعرفة باللسان.
قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمرة، لأنها تركت حتى أدركت وسكنت فإذ شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه. (الحدود عند ابن القيم).
• ما عقوبة شارب الخمر؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أن مقدار حد الخمر ثمانين جلدة.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
قال ابن قدامة: إحداهما: أنه ثمانون، وبهذا قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة ومن تبعهم.
لحديث الباب: (فلما كان عهد عمر استشار الناس … ).
وجه الدلالة: أن هذا الأثر نص صريح في أن الصحابة وافقوا عمر وأجمعوا على أن عقوبة الشارب ثمانون جلدة.
قال الصنعاني مبيناً وجه الاستدلال لهم: قالوا: لقيام الإجماع عليه في عهد عمر فإنه لم ينكر عليه أحد.
قال ابن قدامة: لإجماع الصحابة.
القول الثاني: الحد أربعون، وأن الزيادة على الأربعين إلى الثمانين تعزيرية.
وهذا مذهب الشافعي، وهو قول داود، ورجحه ابن تيمية وابن القيم.
قال ابن قدامة: والرواية الثانية أن الحد أربعون، وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي.
وقال النووي: … فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد وَأَهْل الظَّاهِر وَآخَرُونَ: حَدّه أَرْبَعُونَ، قَالَ الشَّافِعِيّ ﵁: وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَبْلُغ بِهِ ثَمَانِينَ، وَتَكُون الزِّيَادَة عَلَى الْأَرْبَعِينَ تَعْزِيرَات عَلَى تَسَبُّبه فِي إِزَالَة عَقْله.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا أوجه القولين.
أ- ولحديث علي – الآتي – قال (جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ)
ب- لحديث الباب، (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْر).
قال ابن قدامة: وَفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَا خَالَفَ فِعْلَ النَّبِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ ﵄، فَتُحْمَلُ الزِّيَادَةُ مِنْ عُمَرَ عَلَى أَنَّهَا تَعْزِيرٌ، يَجُوزُ فِعْلُهَا إذَا رَآهُ الْإِمَامُ.
стр. 2342
قال أصحاب هذا القول: فيحمل ما ثبت عن النبي ﷺ أنه هو الحد الشرعي، وما ثبت عن الصحابة على أنه زيادة تعزيرية تفعل عند الحاجة والمصلحة ولهذا قال علي (جلد رسول الله ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي).
قال ابن القيم: ومن تأمل الأحاديث رآها تدل على أن الأربعين حد، والأربعون الزائدة عليها تعزير، وقد اتفق عليه الصحابة
القول الثالث: ذهب بعض العلماء إلى أن الخمر لا حد فيها، وإنما فيها التعزير.
قال: الحافظ ابن حجر: إن الطبري وابن المنذر حكوا عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها، وإنما فيها التعزير.
واستدلوا بأحاديث الباب؛ فإنها ساكتة عن تعيين عدد الضرب وأصرحها حديث أنس، ولم يجزم فيه بالأربعين في أرجح الطرق عنه.
وورد أنه لم يضربه أصلاً وذلك فيما أخرجه أبو داود والنسائي بسند قوي عن ابن عباس (أن رسول الله ﷺ لم يوقت في الخمر حدا). (الفتح).
• بما نوقش دليل الجمهور؟
أولا: أن فعل النبي ﷺ حجة لا يجوز تركه بفعل غيره، ولا ينعقد الإجماع على ما خالف فعل النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر ﵄، فتحمل الزيادة من عمر على أنها تعزير يجوز فعلها إذا رآه الإمام- ذكر هذا الوجه ابن قدامة.
ثانيا: أن علياً أشار على عمر بذلك، ثم رجع علي عن ذلك واقتصر على الأربعين؛ لأنها القدر الذي اتفقوا عليه في زمن أبي بكر مستندين إلى تقدير ما فعل النبي ﷺ ، وأما الذي أشار به فقد تبين من سياق قصته أنه أشار بذلك؛ ردعاً للذين انهمكوا؛ لأن في بعض طرق القصة - كما تقدم - أنهم احتقروا العقوبة.
• اذكر الأدلة على تحريم الخمر؟
قال تعالى (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ).
عن أَبي هُرَيْرَةَ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَزْنِى الزَّانِي حِينَ يَزْنِى وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) متفق عليه.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ أَنْ يَتُوب) متفق عليه.
стр. 2343
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خمر حَرَامٌ) رواه مسلم.
وعنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْه) رواه أبو داود.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها، حرمها في الآخرة). متفق عليه
وعن أَبي مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ. أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا) رواه أبو داود.
وعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مُدْمِنُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَن) رواه ابن ماجه.
وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال (لا يدخل الجنة مُدمن خمر) رواه ابن ماجه.
وعَنْ جَابِرٍ ﵁ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال (إن عَلَى اللَّهِ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ قَالَ عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّار) رواه مسلم.
وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَسَكِرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا وَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ فَشَرِبَ فَسَكِرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ فَشَرِبَ فَسَكِرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدَغَةِ الْخَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رَدَغَةُ الْخَبَالِ قَالَ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّار) رواه ابن ماجه.
وليس معنى عدم قبول الصلاة أنها غير صحيحة، أو أنه يترك الصلاة، بل المعنى أنه لا يثاب عليها. فتكون فائدته من الصلاة أنه يبرئ ذمته، ولا يعاقب على تركها.
قال النووي: وَأَمَّا عَدَم قَبُول صَلاته فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لا ثَوَاب لَهُ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ مُجْزِئَة فِي سُقُوط الْفَرْض عَنْهُ، وَلا يَحْتَاج مَعَهَا إِلَى إِعَادَة.
وأجمعت الأمة على تحريمه.
- وقد جاء تحريم الخمر في القرآن الكريم متدرجاً في ثلاث مراحل.
стр. 2344
وكان الناس يشربونها حين هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة فكثر سؤال الناس عن حكمها.
فأنزل الله- قوله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا).
ثم جاءت المرحلة الثانية فحرم شربها عن الدخول في الصلاة.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ).
ثم جاءت المرحلة الثالثة والقاطعة وفيها نزل حكم الله بتحريم الخمر نهائياً فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) الآيَةَ، قَالَ: فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يُنَادِي: أَلَا لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) قَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا.
• متى حرمت الخمر؟
اختلف العلماء ﵏ في تحديد السنة التي حرمت فيها الخمر.
فقيل: في السنة الثالثة بعد غزوة أحد.
وهذا القول هو أشهر أقوال أهل العلم في المسألة.
وقيل: عام الفتح في السنة الثامنة. وقيل: غير ذلك من الأقوال.
قال القرطبي ﵀: وَأَمَّا الْخَمْرُ فَكَانَتْ لَمْ تُحَرَّمْ بَعْدُ، وَإِنَّمَا نَزَلَ تَحْرِيمُهَا فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ أُحُدٍ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الهجرة. (تفسير القرطبي).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وكان تحريمها [يعني: الخمر] بعد غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة … ".
انتهى. (مجموع الفتاوى).
وقال ابن عاشور: والمشهور: أن الخمر حرمت سنة ثلاث من الهجرة بعد وقعة أحد.
стр. 2345
• ما سبب استشارة عمر الناس؟
جاء في رواية عند مسلم (فَلَمَّا كَانَ عُمَر وَدَنَا النَّاس مِنْ الرِّيف وَالْقُرَى).
قال النووي: الرِّيف: الْمَوَاضِع الَّتِي فِيهَا الْمِيَاه، أَوْ هِيَ قَرِيبَة مِنْهَا، وَمَعْنَاهُ: لَمَّا كَانَ زَمَن عُمَر بْن الْخَطَّاب ﵁ وَفُتِحَتْ الشَّام وَالْعِرَاق وَسَكَنَ النَّاس فِي الرِّيف وَمَوَاضِع الْخِصْب وَسَعَة الْعَيْش وَكَثْرَة الْأَعْنَاب وَالثِّمَار أَكْثَرُوا مِنْ شُرْب الْخَمْر، فَزَادَ عُمَر فِي حَدّ الْخَمْر تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ وَزَجْرًا لَهُمْ عَنْهَا
• هل يقام الحد على السكران أثناء سكره؟
لا يقام.
قال ابن قدامة: وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّكْرَانِ حَتَّى يَصْحُوَ.
رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّعْبِيِّ.
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الزَّجْرُ وَالتَّنْكِيلُ، وَحُصُولُهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ فِي صَحْوِهِ أَتَمُّ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَخَّرَ إلَيْهِ. (المغني).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- قال ابن قدامة: أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَهُوَ خَمْرٌ حُكْمُهُ حُكْمُ عَصِيرِ الْعِنَبِ فِي تَحْرِيمِهِ، وَوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى شَارِبِهِ.
وَرُوِيَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَنَسٍ، وَعَائِشَةَ ﵃ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ، وَقَتَادَةُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ،
عن ابْن عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ).
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ، وَغَيْرُهُمَا.
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. قَالَ: وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ، فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ عُمَرُ ﵁ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ مُسْكِرٌ، فَأَشْبَهَ عَصِيرَ الْعِنَبِ. (المغني).
- جَوَاز الْقِيَاس.
- وَاسْتِحْبَاب مُشَاوَرَة الْقَاضِي وَالْمُفْتِي أَصْحَابه وَحَاضِرِي مَجْلِسه فِي الْأَحْكَام.
стр. 2346
١٢٤٢ - وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي قِصَّةِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ- (جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ) وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ (أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأ الْخَمْرَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا).
===
• اذكر لفظ الحديث كاملاً؟
عن حضين بْن الْمُنْذِرِ. قَالَ (شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَأُتِىَ بِالْوَلِيدِ قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ أَزِيدُكُمْ فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ فَقَالَ عُثْمَانُ إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا فَقَالَ يَا عَلِىُّ قُمْ فَاجْلِدْهُ. فَقَالَ عَلِىٌّ قُمْ يَا حَسَنُ فَاجْلِدْهُ. فَقَالَ الْحَسَنُ وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا - فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ - فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قُمْ فَاجْلِدْهُ. فَجَلَدَهُ وَعَلِىٌّ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ فَقَالَ أَمْسِكْ. ثُمَّ قَالَ جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيّ).
(شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَأُتِىَ بِالْوَلِيدِ) والوليد هو ابن عقبة بن أبي معيْط، ظهر عليه أنه شرب الخمر، فكثر على عثمان فيه، فلما شُهد عنده بأنه شربها أقام عليه الحد.
(قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ أَزِيدُكُمْ) لأنه سكران.
(فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ) بضم الحاء ابن أبان مولى عثمان.
(فَقَالَ عُثْمَانُ إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا) هذا بيان صريح في كون عثمان جلد الوليد لثبوت شرب الخمر منه.
(فَقَالَ يَا عَلِىُّ قُمْ فَاجْلِدْهُ … ) قال النووي: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ الْحَدّ عَلَى الْوَلِيد بْن عُقْبَة، قَالَ عُثْمَان ﵁ وَهُوَ الْإِمَام لِعَلِيٍّ عَلَى سَبِيل التَّكْرِيم لَهُ وَتَفْوِيض الْأَمْر إِلَيْهِ فِي اِسْتِيفَاء الْحَدّ: قُمْ فَاجْلِدْهُ، أَيْ أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدّ بِأَنْ تَأْمُر مَنْ تَرَى بِذَلِكَ. فَقَبِلَ عَلِيّ ﵁ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلْحَسَنِ: قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَامْتَنَعَ الْحَسَن، فَقَالَ لِابْنِ جَعْفَر، فَقَبِلَ فَجَلَدَهُ، وَكَانَ عَلِيّ مَأْذُونًا لَهُ فِي التَّفْوِيض إِلَى مَنْ رَأَى كَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَقَوْله: (وَجَدَ) عَلَيْهِ أَيْ غَضِبَ عَلَيْهِ.
(وَلِّ حَارّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارّهَا) الْحَارّ الشَّدِيد الْمَكْرُوه، وَالْقَارّ: الْبَارِد الْهَنِيء الطَّيِّب، وَهَذَا مَثَل مِنْ أَمْثَال الْعَرَب، قَالَ الْأَصْمَعِيّ وَغَيْره مَعْنَاهُ: وَلِّ شِدَّتهَا وَأَوْسَاخهَا مَنْ تَوَلَّى هَنِيئَهَا وَلَذَّاتهَا. الضَّمِير عَائِد إِلَى الْخِلَافَة وَالْوِلَايَة، أَيْ كَمَا أَنَّ عُثْمَان وَأَقَارِبه يَتَوَلَّوْنَ هَنِيء الْخِلَافَة وَيَخْتَصُّونَ بِهِ، يَتَوَلَّوْنَ نَكِدهَا وَقَاذُورَاتهَا. وَمَعْنَاهُ: لِيَتَوَلَّ هَذَا الْجَلْد عُثْمَان بِنَفْسِهِ أَوْ بَعْض خَاصَّة أَقَارِبه الْأَدْنِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَم.
(ثُمَّ قَالَ جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيّ) قال النووي: معْنَاهُ أَنَّ فِعْل النَّبِيّ ﷺ وَأَبِي بَكْر سُنَّة يُعْمَل بِهَا، وَكَذَا فِعْل عُمَر، وَلَكِنَّ فِعْل النَّبِيّ ﷺ وَأَبِي بَكْر أَحَبّ إِلَيَّ.
وَقَوْله: (وَهَذَا أَحَبّ إِلَيَّ)
إِشَارَة إِلَى الْأَرْبَعِينَ الَّتِي كَانَ جَلَدَهَا، وَقَالَ لِلْجَلَّادِ: أَمْسِكْ، وَمَعْنَاهُ هَذَا الَّذِي قَدْ جَلَدْته، وَهُوَ الْأَرْبَعُونَ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ الثَّمَانِينَ. وَفِيهِ: أَنَّ فِعْل الصَّحَابِيّ سُنَّة يُعْمَل بِهَا، وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِهِ ﷺ : " فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّة الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ " وَاَللَّه أَعْلَم.
стр. 2347
• بما يثبت حد الخمر؟
يثبت بالإقرار، أو البينة.
قال ابن قدامة: وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ حَتَّى يَثْبُتَ شُرْبُهُ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ؛ الْإِقْرَارِ أَوْ الْبَيِّنَةِ.
وَيَكْفِي فِي الْإِقْرَارِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ.
فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ لَا يَتَضَمَّنُ إتْلَافًا، فَأَشْبَهَ حَدَّ الْقَذْفِ.
أمَّا الْبَيِّنَةُ: فَلَا تَكُونُ إلَّا رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، يَشْهَدَانِ أَنَّهُ مُسْكِرٌ.
وَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى بَيَانِ نَوْعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقَسِمُ إلَى مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَإِلَى مَا لَا يُوجِبُهُ، بِخِلَافِ الزِّنَا، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الصَّرِيحِ وَعَلَى دَوَاعِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ) فَلِهَذَا احْتَاجَ الشَّاهِدَانِ إلَى تَفْسِيرِهِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يُسَمَّى غَيْرُ الْمُسْكِرِ مُسْكِرًا، فَلَمْ يُفْتَقَرْ إلَى ذِكْرِ نَوْعِهِ.
• هل يجب الحد بوجود رائحة الخمر أو تقيأها؟
قال ابن قدامة: وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِوُجُودِ رَائِحَةِ الْخَمْرِ مِنْ فِيهِ.
فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَرَوَى أَبُو طَالِبٍ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يُحَدُّ بِذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ جَلَدَ رَجُلًا وَجَدَ مِنْهُ رَائِحَةَ الْخَمْرِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إنِّي وَجَدْت مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ رِيحَ شَرَابٍ، فَأَقَرَّ أَنَّهُ شَرِبَ الطِّلَاءَ. فَقَالَ عُمَرُ: إنِّي سَائِلٌ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ.
وَلِأَنَّ الرَّائِحَةَ تَدُلُّ عَلَى شُرْبِهِ، فَجَرَى مَجْرَى الْإِقْرَارِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الرَّائِحَةَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ بِهَا، أَوْ حَسِبَهَا مَاءً، فَلَمَّا صَارَتْ فِي فِيهِ مَجَّهَا، أَوْ ظَنَّهَا لَا تُسْكِرُ، أَوْ كَانَ مُكْرَهًا، أَوْ أَكَلَ نَبْقًا بَالِغًا، أَوْ شَرِبَ شَرَابَ التُّفَّاحِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْهُ، كَرَائِحَةِ الْخَمْرِ، وَإِذَا اُحْتُمِلَ ذَلِكَ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ الَّذِي يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَحَدِيثُ عُمَرَ حُجَّةٌ لَنَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَحُدَّهُ بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ، وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ، لَبَادَرَ إلَيْهِ عُمَرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - (المغني).
стр. 2348
١٢٤٣ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ (إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الثَّالِثَةَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الرَّابِعَةَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَهَذَا لَفْظُهُ، وَالْأَرْبَعَةُ.
===
• ما حكم من كرر شرب الخمر للمرة الرابعة وما بعدها؟
اتفق العلماء على أن من شرب الخمر للمرة الأولى والثانية والثالثة فإنه يحد بالجلد في كل مرة، واختلفوا في عقوبته إذا كرر الشرب للمرة الرابعة وما بعدها على أقوال:
القول الأول: أن من كرر الشرب للمرة الرابعة فإنه يحد بالجلد ولا يقتل مطلقاً لا حداً ولا تعزيراً.
وهذا مذهب جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
أ- عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاضْرِبُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاضْرِبُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاضْرِبُوهُ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نُعَيْمَانَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَرَأَى الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْحَدَّ قَدْ وَقَعَ، وَأَنَّ الْقَتْلَ قَدْ رُفِع) رواه النسائي في الكبرى.
ب- وعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، وَرَفَعَ الْقَتْلَ، وَكَانَتْ رُخْصَةٌ) رواه أبو داود.
وجه الدلالة: ظاهر في كونه يفيد نسخ القتل، والاكتفاء بجلد الشارب في المرة الرابعة.
ج- وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (أَنَّ رَجُلاً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللهِ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَه) رواه البخاري.
وجه الدلالة: أن ظاهر الحديث يدل على كثرة إقامة الحد بالجلد على هذا الرجل، فدل ذلك على أن قتل الشارب في الرابعة منسوخ.
د- وعَنْ عَبْدِ اللهِ قَال قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَة) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن هذا الحديث دل على حصر القتل في هذه الأمور الثلاثة، وشر الخمر في المرة الرابعة ليس منها، بل قد يكون هذا الحديث ناسخاً لقتل الشارب في الرابعة.
стр. 2349
وأجاب هؤلاء عن حديث الباب بأجوبة؟
أولاً: أنه منسوخ.
قال النووي: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَل بِشُرْبِهَا، وَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ هَكَذَا حَكَى الْإِجْمَاع فِيهِ التِّرْمِذِيّ وَخَلَائِق، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - عَنْ طَائِفَة شَاذَّة أَنَّهُمْ قَالُوا: يُقْتَل بَعْد جَلْده أَرْبَع مَرَّات، لِلْحَدِيثِ الْوَارِد فِي ذَلِكَ، وَهَذَا الْقَوْل بَاطِل مُخَالِف لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَل وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ أَكْثَر مِنْ أَرْبَع مَرَّات، وَهَذَا الْحَدِيث مَنْسُوخ، قَالَ جَمَاعَة: دَلَّ الْإِجْمَاع عَلَى نَسْخه، وَقَالَ بَعْضهمْ: نَسَخَهُ قَوْله ﷺ : لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث: النَّفْس بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّب الزَّانِي، وَالتَّارِك لِدِينِهِ الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَة. (نووي).
قال الشافعي: القتل منسوخ بهذا الحديث وغيره، وهذا مما لا اختلاف فيه بين أحد من أهل العلم علمته.
قال ابن حجر عن حديث - عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (أَنَّ رَجُلاً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ - قال: وفيه ما يدل على نسخ الأمر الوارد بقتل شارب الخمر إذا تكرر منه إلى الرابعة أو الخامسة، فقد ذكر ابن عبد البر أنه أتى به أكثر من خمسين مرة.
القول الثاني: أن للحاكم أن يقتله تعزيراً لا حداً إذا رأى المصلحة في ذلك.
وهذا اختيار ابن تيمية.
قال ﵀: لكن نسخ الوجوب لا يمنع الجواز فيجوز أن يقال: يجوز قتله إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك.
• هل يجب الحد على من شرب قليلاً من المسكر؟
قال ابن قدامة: أنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ شَرِبَ قَلِيلًا مِنْ الْمُسْكِرِ أَوْ كَثِيرًا.
وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِي ذَلِكَ فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ غَيْرِ الْمَطْبُوخِ، وَاخْتَلَفُوا فِي سَائِرِهَا، فَذَهَبَ إمَامُنَا إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَكُلِّ مُسْكِرٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَتَادَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُحَدُّ، إلَّا أَنْ يَسْكَرَ؛ مِنْهُمْ أَبُو وَائِلٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: مَنْ شَرِبَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ حُدَّ، وَمَنْ شَرِبَهُ مُتَأَوِّلًا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ بِلَا وَلِيٍّ.
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، فَيَتَنَاوَلُ الْحَدِيثُ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ.
وَلِأَنَّهُ شَرَابٌ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ، فَوَجَبَ الْحَدُّ بِقَلِيلِهِ، كَالْخَمْرِ.
وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَدِّ فِيهَا؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهَا. (المغني).
стр. 2350
١٢٤٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
• ما حكم ضرب الوجه؟
حرام.
لحديث الباب (إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ) رواه البخاري ومسلم واللفظ له.
وفي رواية له بلفظ (إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُم … ).
قال النووي: هَذَا تَصْرِيح بِالنَّهْيِ عَنْ ضَرْب الْوَجْه; لِأَنَّهُ لَطِيف يَجْمَع الْمَحَاسِن، وَأَعْضَاؤُهُ نَفِيسَة لَطِيفَة، وَأَكْثَر الْإِدْرَاك بِهَا; فَقَدْ يُبْطِلهَا ضَرْب الْوَجْه، وَقَدْ يُنْقِصُهَا، وَقَدْ يُشَوِّه الْوَجْه، وَالشَّيْن فِيهِ فَاحِش; وَلِأَنَّهُ بَارِز ظَاهِر لَا يُمْكِن سَتْره، وَمَتَى ضَرَبَهُ لَا يَسْلَم مِنْ شَيْن غَالِبًا.
وقال الحافظ: ويدخل في النهي كل من ضرب في حد أو تعزير أو تأديب، وقد وقع في حديث أبي بكرة وغيره عند أبي داود وغيره في قصة التي زنت، فأمر النبي ﷺ برجمها وقال (ارموا واتقوا الوجه) وإذا كان ذلك في حق من تعين إهلاكه فمن دونه أولى. (الفتح)
وقال الصنعاني: وهذا النهي عام لكل ضرب ولطم من تأديب أو غيره. (سبل السلام).
• ما الحكمة من النهي عن ضربه؟
قال النووي: قال العلماء: إنما نُهي عن ضرب الوجه لأنه لطيف يجمع المحاسن، وأكثر ما يقع الإدراك بأعضائه، فيخشى من ضربه أن تبطل أو تتشوه كلها أو بعضها، والشين فيها فاحش لظهورها وبروزها بل لا يسلم إذا ضرب غالباً من شين.
وقال الشيخ ابن عثيمين: ولأن الوجه أشرف ما في الإنسان، وهو واجهة البدن كله، فإذا ضُرب كان أذل للإنسان مما لو ضرب غير وجهه.
وقال في الفتح في خصوص دلالة النهي الوارد في الحديث: لم يتعرض النووي لحكم هذا النهي، وظاهره التحريم، ويؤيده حديث سويد بن مقرن الصحابي: أنه ﷺ رأى رجلاً لطم غلاماً فقال (أو ما علمت أن الصورة محترمة).
• ما الجواب عن فعل امرأة الخليل ﵊، وهو ما جاء في قوله تعالى: (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا)؟
فالجواب عنه من خمسة أوجُه:
الوجه الأول: معناه ضَرَبَتْ وجهها. قال ابن عباس: لَطَمَتْ، وهذا مما يفعله الذي يرد عليه أمر يَستهوله. أفاده ابن عطية.
والوجه الثاني: أن هذا الفعل للتعجّب
قال سفيان والسدي ومجاهد: معناه ضربت بِكَفِّها جبهتها وهذا مستعمل في الناس حتى الآن
وقال البغوي: أي ضَرَبَتْ وَجْهها تَعجُّباً.
وقال ابن كثير: جَرَتْ به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب.
والوجه الثالث: أنه ضرب خفيف
فقيل: إنها ضَرَبَتْ جبينها بأصابعها تعجباً.
ومعلوم أن مَنْ ضَرَب نفسه لا يكون ضرب إهانة ولا ضَرْب إيلام.
والوجه الرابع: أنه هو لو صحّ أنه من ضَرْب الوجه فهو مِنْ شَرْع مَنْ قَبْلَنا.
وقد جاء شرعنا بخلافه.
الوجه الخامس: أن المنهي عنه ضَرْب الإنسان وجْه غيره، وهذا من ضرب النفس.
следующие страницы →