← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

١٢٨٠ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِم. ١٢٨١ - وَعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ فِي - قِصَّةِ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ - قَالَ (فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: "أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ قَالَا: لَا. قَالَ: فَنَظَرَ فِيهِمَا، فَقَال: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ، سَلْبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِوِ بْنِ اَلْجَمُوحِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (بِالسَّلَبِ) بالتحريك: ثياب المقتول وسلاحه، ومركوبه من دابة وغيرها. (وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِم) قَالَ عَوْفٌ فَقُلْتُ يَا خَالِدُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ قَالَ بَلَى وَلَكِنِّى اسْتَكْثَرْتُهُ. (قِصَّةِ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ) هذه كنيته، واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، أحد سادات قريش، قتل يوم بدر مشركاً. (فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا) أي: تسابقا إلى أبي جهل بسيفيهما، والضمير يعود على الغلامين من الأنصار (مُعَاذ بْن عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَمُعَاذ ابْن عَفْرَاءَ). والقصة كاملة: عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْف. قَالَ (بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ نَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا. فَقَالَ يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قَالَ قُلْتُ: نَعَمْ وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا. قَالَ فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ فَغَمَزَنِي الآخَرُ فَقَالَ مِثْلَهَا - قَالَ - فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِى جَهْلٍ يَزُولُ فِي النَّاسِ فَقُلْتُ أَلَا تَرَيَانِ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِى تَسْأَلَانِ عَنْهُ قَالَ فَابْتَدَرَاهُ فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ. فَقَالَ «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ». فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَا قَتَلْتُ. فَقَالَ «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا». قَالَا لَا. فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ». وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَالرَّجُلَانِ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَمُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ). • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أن سلب المقتول يكون لقاتله. ومن الأحاديث في ذلك: أ-حديث الباب في لفظ مسلم (قَالَ عَوْفٌ فَقُلْتُ يَا خَالِدُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ). ب- وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ إلَى حُنَيْنٍ - وَذَكَرَ قِصَّةً - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ) قَالَهَا ثَلاثاً) متفق عليه. ج- وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ فِي سَفَرِهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اُطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ فَقَتَلْتُهُ، فَنَفَّلَنِي سَلَبَهُ).

стр. 2417

فِي رِوَايَةٍ (فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ فَقَالُوا: ابْنُ الأَكْوَعِ فَقَالَ: لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ). وظاهر الأحاديث سواء قاله قائد الجيش قبل القتال أو بعده. وهذا مذهب الجمهور. قال النووي: اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث، فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْث وَالثَّوْرِيّ وَأَبُو ثَوْر وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَابْن جَرِير وَغَيْرهمْ: يَسْتَحِقّ الْقَاتِل سَلَب الْقَتِيل فِي جَمِيع الْحُرُوب سَوَاء قَالَ أَمِير الْجَيْش قَبْل ذَلِكَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبه أَمْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ؛ قَالُوا: وَهَذِهِ فَتْوَى مِنْ النَّبِيّ ﷺ إِخْبَار عَنْ حُكْم الشَّرْع، فَلَا يَتَوَقَّف عَلَى قَوْل أَحَد. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَمَالِك وَمَنْ تَابَعَهُمَا - رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى -: لَا يَسْتَحِقّ الْقَاتِل بِمُجَرَّدِ الْقَتْل سَلَب الْقَتِيل، بَلْ هُوَ لِجَمِيعِ الْغَانِمِينَ كَسَائِرِ الْغَنِيمَة، إِلَّا أَنْ يَقُول الْأَمِير قَبْل الْقِتَال: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبه. وَحَمَلُوا الْحَدِيث عَلَى هَذَا، وَجَعَلُوا هَذَا إِطْلَاقًا مِنْ النَّبِيّ ﷺ ، وَلَيْسَ بِفَتْوَى وَإِخْبَار عَامّ، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِي هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ هَذَا بَعْد الْفَرَاغ مِنْ الْقِتَال وَاجْتِمَاع الْغَنَائِم. وَاَللَّه أَعْلَم. • هل السلب للقاتل أو أمره مفوض للإمام يعطيه من شاء؟ الصواب أن السلب للقاتل، كما في الأحاديث الواردة في هذا الباب. • هل يشترط لاستحقاق القاتل السلب البيّنة أم لا؟ ذهب بعض العلماء إلى ذلك. لقوله ﷺ (مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ … ). قال النووي فيه دليل لمذهب الشافعي والليث ومن وافقهما من المالكية وغيرهم أن السلب لا يعطى إلا لمن له بينة بأنه قتله، ولا يقبل قوله بغير بينة. وقال القرطبي: قال بظاهره الليث، والشافعي، وبعض أصحاب الحديث، فلا يستحق القاتل السلب إلا بالبيّنة، أو بشاهد ويمين. وذهب بعض العلماء إلى أنه يعطى بقوله بلا بيّنة. قال النووي: وَقَالَ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُعْطَى بِقَوْلِهِ بِلَا بَيِّنَة، قَالَا: لِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ أَعْطَاهُ السَّلَب فِي هَذَا الْحَدِيث بِقَوْلِ وَاحِد، وَلَمْ يُحَلِّفهُ. وَالْجَوَاب أَنَّ هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ النَّبِيّ ﷺ عَلِمَ أَنَّهُ الْقَاتِل بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُق، وَقَدْ صَرَّحَ ﷺ بِالْبَيِّنَةِ فَلَا تُلْغَى.

стр. 2418

• هل في حديث عبد الرحمن بن عوف دليل على أن الإمام مخيّر يعطي السلب من يريد؟ ذهب بعض العلماء إلى ذلك. لقوله (أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ قَالَا: لَا. قَالَ: فَنَظَرَ فِيهِمَا، فَقَال: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ، سَلْبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِوِ بْنِ اَلْجَمُوحِ). قَالَ أَصْحَاب مَالِك: إِنَّمَا أَعْطَاهُ لِأَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ الْإِمَام مُخَيَّر فِي السَّلَب يَفْعَل فِيهِ مَا شَاءَ. لكن الصواب أن السلب للقاتل، كما هو صريح الأدلة. وأما حديث الباب: فقد قال النووي: اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ أَصْحَابنَا: اِشْتَرَكَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ فِي جِرَاحَته، لَكِنَّ مُعَاذ بْن عَمْرو بْن الْجَمُوح ثَخِنَهُ أَوَّلًا فَاسْتَحَقَّ السَّلَب، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيّ ﷺ كِلَاكُمَا قَتَلَهُ، تَطْيِيبًا لِقَلْبِ الْآخَر مِنْ حَيْثُ إنَّ لَهُ مُشَارَكَة فِي قَتْله، وَإِلَّا فَالْقَتْل الشَّرْعِيّ الَّذِي يَتَعَلَّق بِهِ اِسْتِحْقَاق السَّلَب وَهُوَ الْإِثْخَان وَإِخْرَاجه عَنْ كَوْنه مُتَمَنِّعًا إِنَّمَا وُجِدَ مِنْ مُعَاذ بْن عَمْرو بْن الْجَمُوح، فَلِهَذَا قَضَى لَهُ بِالسَّلَبِ. قَالُوا: وَإِنَّمَا أَخَذَ السَّيْفَيْنِ لِيَسْتَدِلّ بِهِمَا عَلَى حَقِيقَة كَيْفِيَّة قَتْلهمَا، فَعَلِمَ أَنَّ اِبْن الْجَمُوحِ أَثْخَنَهُ، ثُمَّ شَارَكَهُ الثَّانِي بَعْد ذَلِكَ وَبَعْد اِسْتِحْقَاقه السَّلَب، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَقّ فِي السَّلَب. هَذَا مَذْهَب أَصْحَابنَا فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث. (نووي). • هل يخمّس السلب أو يدفع كله للقاتل؟ الصواب أنه لا يخمس، بل يدفع كله للقاتل. وهذا ظاهر الأحاديث: كحديث أَبِي قَتَادَةَ - السابق - (مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ) قَالَهَا ثَلاثاً). وجاء عند أبي داود في حديث عوف بن مالك (ولم يُخمّس السلب) وهذا نص. قال النووي: وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْمِيس السَّلَبِ، وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ الصَّحِيح مِنْهُمَا عِنْد أَصْحَابه: لَا يُخَمَّس. هُوَ ظَاهِر الْأَحَادِيث، وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَابْن جَرِير وَابْن الْمُنْذِر وَآخَرُونَ.

стр. 2419

• متى يستحق القاتل السلب؟ قال ابن قدامة: أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ: أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ الَّذِينَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ، فَأَمَّا إنْ قَتَلَ امْرَأَةً، أَوْ صَبِيًّا، أَوْ شَيْخًا فَانِيًا، أَوْ ضَعِيفًا مَهِينًا، وَنَحْوَهُمْ مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ سَلَبَهُ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَإِنْ كَانَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ يُقَاتِلُ، اسْتَحَقَّ قَاتِلُهُ سَلَبَهُ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَمَنْ قَتَلَ أَسِيرًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ سَلَبَهُ؛ لِذَلِكَ. الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ فِيهِ مَنَعَةٌ، غَيْرَ مُثْخَنٍ بِالْجِرَاحِ، فَإِنْ كَانَ مُثْخَنًا بِالْجِرَاحِ، فَلَيْسَ لِقَاتِلِهِ شَيْءٌ مِنْ سَلَبِهِ. (المغني). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - إعطاء السلب لقاتل الكافر من باب المكافأة والمجازاة على إقدامه وفعله الطيب، وتقديراً وتشجيعاً لبطولته وبلائه في سبيل الله تعالى. - تشجيع الإنسان على العمل الصالح بأمر دنيوي، وعلى هذا فالجوائز التي تجعل على المسابقات الشرعية إذا دخل الإنسان المسابقة لا يحرم الأجر ما دام يريد الوصول إلى العلم، لكنه جعل هذا العوض الذي في المسابقة حافزاً له على الدخول في البحث والمراجعة. - حسن تدبير النبي ﷺ حيث كان يجعل المحفزات عند الحاجة إلى ذلك. - مشروعية بعث السرايا إلى العدو لاستنزاف قوته وعدته. - أن ما تغنمه السرايا المستقلة عن جيش الكفار هو خاص لها لا يشاركها المسلمون فيه، وإنما يؤخذ منه الخمس الذي يصرف مصرف الفيء. - إن الغنيمة وإن كثرت تكون بين غزاة السرية بقدر سهمانهم، للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه. - جواز تنفيل مقاتلة السرية زيادة على سهمانها بما يراه الإمام تقديراً لجهادهم وإخلاصهم، وتشجيعاً لهم ولغيرهم على الجهاد.

стр. 2420

١٢٨٢ - وَعَنْ مَكْحُولٍ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَصَبَ اَلْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ اَلطَّائِفِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي "اَلْمَرَاسِيلِ" وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَوَصَلَهُ الْعُقَيْلِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁. === • ما صحة حديث الباب؟ لا يصح، مرسل. وحديث علي أيضاً لا يصح. وقصة حصار الطائف رواها البخاري ومسلم وليس فيها ذكر المنجنيق. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أنه يجوز قتل الكفار إذا تحصنوا بالمنجنيق ويقاس عليه غيره من المدافع ونحوها. قال ابن قدامة: وَيَجُوزُ نَصْبُ الْمَنْجَنِيقِ عَلَيْهِمْ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ جَوَازُهُ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ. وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة. وَلِأَنَّ الْقِتَالَ بِهِ مُعْتَادٌ، فَأَشْبَهَ الرَّمْيَ بِالسِّهَام .... (المغني).

стр. 2421

١٢٨٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ اَلْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ اَلْكَعْبَةِ، فَقَالَ: "اُقْتُلُوهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ) وفي الرواية الأخرى (دخل مكة عام الفتح). (وَعَلَى رَأْسِهِ اَلْمِغْفَرُ) المغفر بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الفاء: زرد يُنسج من الدروع على قدر الرأس، يبلس تحت القلنسوة. (فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، إلا أنه يحتمل أن يكون هو الذي باشر قتله. وقد جزم الفاكهيّ في "شرح العمدة"، بأن الذي جاء بذلك هو أبو برزة الأسلميّ، وكأنه لما رجح عنده أنه هو الذي قتله رأى أنه هو الذي جاء مخبرًا بقصّته، ويرجحه قوله في رواية يحيى بن قَزَعَة في "المغازي": "فقال: اقتله" بصيغة الإفراد. (ابْنُ خَطَلٍ) هو عبد العزى بن خطل، بعثه النبي ﷺ على الصدقة فقتل مولى كان معه يخدمه، ثم ارتدّ مشركاً واتخذ قينتين تغنيان بهجاء النبي ﷺ . • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد جواز قتل الأسير صبرًا، وهو استدلال واضح؛ لأن القدرة على ابن خطل صيّرته كالأسير في يد الإمام، وهو مخيّرٌ فيه بين القتل وغيره. لكن قال الخطابيّ: إنه ﷺ قتله بما جناه في الإسلام. وقال ابن عبد البرّ: قتله قوَدًا من دم المسلم الذي غدر به، وقتله، ثم ارتدّ، كما تقدّم. واستدلّ به على جواز قتل الأسير من غير أن يعرض عليه الإسلام، ترجم بذلك أبو داود. • ما حكم دخول مكة بدون إحرام لمن لا يريد النسك؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يجوز دخولها مطلقاً إلا بإحرام، إلا للمترددين عليها كثيراً كالحطابين. وهذا قول المالكية والحنابلة. لما رواه البيهقي عن ابن عباس أنه قال: (لا يدخل مكة أحد من أهلها إلا بإحرام). قال الحافظ ابن حجر: رواه البيهقي وإسناده جيد. وقالوا: إن دخول مكة بغير إحرام مناف للتعظيم اللازم لها. القول الثاني: يجوز دخولها بغير إحرام لمن لم يرد نسكاً. وهذا قول الشافعية. لقوله ﷺ : ( … ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة).

стр. 2422

فمفهومه أن من لم يرد الحج والعمرة لا إحرام عليه ولو دخل مكة. ولحديث الباب: حيث أنه ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر … فهذا دليل على أنه دخل مكة بغير إحرام. وقال ﷺ : (يا أيها الناس، إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت رسول الله ﷺ حتى قالها ثلاثاً، فقال النبي ﷺ : لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم). رواه مسلم وفي رواية: (الحج مرة، وما زاد فهو تطوع). قال الشيخ ابن عثيمين: قوله: (مرة) دليل على أنه من مرّ بالميقات، وقد أدى الفريضة من قبل، فإنه لا يلزمه الإحرام، وإن بَعُدَ مجيئه إلى مكة، لأن الحج يجب مرة واحدة، ولو ألزمناه بالإحرام لألزمناه بزائد عن المرة، وهذا خلاف النص. وهذا القول هو الصحيح. فائدة: قال الشنقيطي ﵀: وأما قول من قال من المالكية وغيرهم، أن دخول مكة بغير إحرام من خصائصه ﷺ ، فهو لا تنهض به حجة، لأن المقرر أن فعله ﷺ لا يختص حكمه إلا بدليل يجب الرجوع إليه. • ما حكم إقامة الحدود في مكة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: فقيل: يحرم ويضيق عليه حتى يخرج. لقوله تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً). (آل عمران: من الآية ٩٧) وقيل: يجوز. وهذا مذهب مالك والشافعي. لعموم النصوص الدالة على استيفاء الحدود بالقصاص في كل زمان ومكان. والنبي ﷺ أمر بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، وهذا القول هو الصحيح. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - الأخذ بأسباب الوقاية، وأنه لا ينافي التوكل. وقد ظاهر رسول الله ﷺ بين درعين يوم أحد، ولم يحضر الصف قط عرياناً، واستأجر دليلاً مشركاً على دين قومه يدله على طريق الهجرة، وكان يدخر لأهله قوت سنة - وهو سيد المتوكلين - وكان إذا سافر في جهاد أو حج أو عمرة، حمل الزاد والمزاد. - عظم الكعبة وحرمها في النفوس.

стр. 2423

١٢٨٤ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَةً صَبْراً) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي "اَلْمَرَاسِيلِ" وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. ١٢٨٥ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ اَلْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنْ اَلْمُشْرِكِينَ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ. === (قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ) أي: يوم غزوة بدر. (ثَلَاثَةً) من الأسارى. (صَبْراً) القتل صبراً: أن يحبس المقتول ويوثق ثم يرمى حتى يموت. وهم النضر بن الحارث، و عقبة بن أبي معيط و طعيمة بن عدي. (وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ (كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِى عُقَيْلٍ فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً مِنْ بَنِى عُقَيْلٍ وَأَصَابُوا مَعَهُ الْعَضْبَاءَ فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ فِي الْوَثَاقِ قَالَ يَا مُحَمَّدُ. فَأَتَاهُ فَقَالَ «مَا شَأْنُكَ». فَقَالَ بِمَ أَخَذْتَنِي وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ فَقَالَ إِعْظَامًا لِذَلِكَ «أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ». ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحِيمًا رَقِيقًا فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ «مَا شَأْنُكَ». قَالَ إِنِّي مُسْلِمٌ. قَالَ «لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ». ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ فَقَالَ «مَا شَأْنُكَ». قَالَ إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي وَظَمْآنُ فَأَسْقِنِي. قَالَ «هَذِهِ حَاجَتُكَ». فَفُدِيَ بِالرَّجُلَيْنِ). (فَفُدِيَ بِالرَّجُلَيْنِ) أي: أعطي فداء للصحابيين اللذين أسرتهما ثقيف. • ما حكم الأسير في الإسلام؟ قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ أُسِرَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ، وَيَصِيرُونَ رَقِيقًا لِلْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِ السَّبْيِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَكَانَ ﵇ يَسْتَرِقُّهُمْ إذَا سَبَاهُمْ. الثَّانِي: الرِّجَالُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس الَّذِينَ يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ. فَيَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِمْ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ؛ الْقَتْلُ، وَالْمَنُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالْمُفَادَاةُ بِهِمْ، وَاسْتِرْقَاقُهُمْ. وَلَنَا، عَلَى جَوَازِ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً). وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَنَّ عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ، وَأَبِي عَزَّةَ الشَّاعِرِ، وَأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ. وَقَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: لَوْ كَانَ مُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ سَأَلَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَي، لَأَطْلَقْتهمْ لَهُ. وَفَادَى أُسَارَى بَدْرٍ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا، كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِأَرْبَعِمِائَةٍ.

стр. 2424

وَفَادَى يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلًا بِرَجُلَيْنِ، وَصَاحِبَ الْعَضْبَاءِ بِرَجُلَيْنِ. وَأَمَّا الْقَتْلُ؛ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ رِجَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَهُمْ بَيْنَ السِّتِّمِائَةِ وَالسَّبْعِمِائَةِ. وَقَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، صَبْرًا. وَقَتَلَ أَبَا عَزَّةَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهَذِهِ قَصَصٌ عَمَّتْ وَاشْتَهَرَتْ، وَفَعَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ مَرَّاتٍ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهَا. وَلِأَنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ قَدْ تَكُونُ أَصْلَحَ فِي بَعْضِ الْأَسْرَى، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ وَنِكَايَةٌ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَبَقَاؤُهُ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ، فَقَتْلُهُ أَصْلَحُ، وَمِنْهُمْ الضَّعِيفُ الَّذِي لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَفِدَاؤُهُ أَصْلَحُ، وَمِنْهُمْ حَسَنُ الرَّأْيِ فِي الْمُسْلِمِينَ، يُرْجَى إسْلَامُهُ بِالْمَنِّ عَلَيْهِ، أَوْ مَعُونَتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِتَخْلِيصِ أَسْرَاهُمْ، وَالدَّفْعِ عَنْهُمْ، فَالْمَنُّ عَلَيْهِ أَصْلَحُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْتَفَعُ بِخِدْمَتِهِ، وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، فَاسْتِرْقَاقُهُ أَصْلَحُ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَالْإِمَامُ أَعْلَم .... (المغني). • ما حكم من أُسِر فادعى أنه كان مسلماً؟ قال ابن قدامة: وَمَنْ أُسِرَ فَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَمْرًا الظَّاهِرُ خِلَافُهُ، يَتَعَلَّقُ بِهِ إسْقَاطُ حَقٍّ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ. فَإِنْ شَهِدَ لَهُ وَاحِدٌ، حَلَفَ مَعَهُ، وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْمَالُ. وَلَنَا مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ (لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا أَنْ يُفْدَى، أَوْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إلَّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ، فَإِنِّي سَمِعْته يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إلَّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ) فَقَبِلَ شَهَادَةَ عَبْدَ اللَّهِ وَحْدَهُ .... (المغني). فائدة: قال النووي: قَوْله ﷺ لِلْأَسِيرَيْنِ حِين قَالَ: إِنِّي مُسْلِم: (لَوْ قُلْتهَا وَأَنْتَ تَمْلِك أَمْرك أَفْلَحْت كُلّ الْفَلَاح) إِلَى قَوْله (فَفُدِيَ بِالرَّجُلَيْنِ) مَعْنَاهُ: لَوْ قُلْت كَلِمَة الْإِسْلَام قَبْل الْأَسْر حِين كُنْت مَالِك أَمْرك أَفْلَحْت كُلّ الْفَلَاح، لِأَنَّهُ لَا يَجُوز أَسْرك لَوْ أَسْلَمْت قَبْل الْأَسْر، فَكُنْت فُزْت بِالْإِسْلَامِ وَبِالسَّلَامَةِ مِنْ الْأَسْر، وَمِنْ اِغْتِنَام مَالِك، وَأَمَّا إِذَا أَسْلَمْت بَعْد الْأَسْر فَيَسْقُط الْخِيَار فِي قَتْلك، وَيَبْقَى الْخِيَار بَيْن الِاسْتِرْقَاق وَالْمَنّ وَالْفِدَاء. وَفِي هَذَا جَوَاز الْمُفَادَاة، وَأَنَّ إِسْلَام الْأَسِير لَا يُسْقِط حَقّ الْغَانِمِينَ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْلَمَ قَبْل الْأَسْر. • هل هذا التخيير تخيير مصلحة أو تخيير تشهي؟ تخيير مصلحة. والقاعدة: أن من خُيِّر بين شيئين ويتصرف لغيره وجب عليه فعل الأصلح، وإن كان لنفسه فله أن يعدل إلى الأسهل سواء كان أصلح أو غير أصلح. مثال: من عليه كفارة يمين فهو مخير بين أيها شاء: عتق رقبة أو الكسوة أو الإطعام، حتى لو اختار الأقل، وهو الإطعام ـ في الغالب ـ فله ذلك. ومثال تخيير المصلحة: إذا قيل لولي اليتيم: بع مال اليتيم، أو ضارب به، فيجب يختار الأصلح.

стр. 2425

وقوله تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ)، فهذا التخيير تخيير مصلحة على القول بأن الآية للتخيير. فائدة: قوله (فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ، قَالَ إِنِّي مُسْلِمٌ). ظاهر هذا اللفظ أنه صار مسلماً بدخوله في دين الإسلام، وظاهر قوله ﷺ (لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ) أنه لم يقبل منه ذلك، مع أنه يصح إسلام الأسير. قال بعض العلماء: يمكن أن يكون النبي ﷺ علم من حاله أنه لم يصدق في ذلك بالوحي. وقال بعضهم: بل إسلامه صحيح، وليس فيه ما يدل على أنه ردَّ إسلامه. فأمَّا قوله (لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح) أي: لو قلت كلمة الإسلام قبل أن تؤسر لبقيت حرًّا من أحرار المسلمين، لك ما لهم من الحرية في الدُّنيا، وثواب الجنة في الآخرة. وأمَّا إذا قلتها وأنت أسير، فإن حكم الرق لا يزول عنك بإسلامك. ورجح ابن حبان الأول في صحيحه القول الأول. فقال صحيحه: قول الأسير: إني مسلم وترك النبي ﷺ ذلك منه، كان لأنه ﷺ علم منه بإعلام الله جل وعز إياه أنه كاذب في قوله، فلم يقبل ذلك منه في أسره، كما كان يقبل مثله من مثله إذا لم يكن أسيراً، فأما اليوم فقد انقطع الوحي، فإذا قال الحربي: إني مسلم قبل ذلك منه ورفع عنه السيف سواء كان أسيراً أو محارباً.

стр. 2426

١٢٨٦ - وَعَنْ صَخْرِ بْنِ اَلْعَيْلَةِ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إِنَّ اَلْقَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا؛ أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ. === • ما صحة حديث الباب؟ ضعيف. ويغني عنه حديث ابن عمر الآتي (أمرت أن أقاتل … ). • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أن من أسلم من الكفار فقد حرم دمه وماله. وقد جاء هذا المعني في حديث ابن عمر في الصحيحين: عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ). (أمرت) أمرني الله. (الناس) عبدة الأوثان والمشركين. (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ) جُعلت غاية المقاتلة وجود ما ذكر، فمقتضاه أن من شهد وأقام وآتى عصم دمه ولو جحد باقي الأحكام؟ والجواب: أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بما جاء به، مع أن نص الحديث (إلا بحق الإسلام) يدخل فيه جميع ذلك. (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي: يؤدوها بخشوعها وأركانها وسننها. (ويؤتوا الزكاة) يدفعوها إلى مستحقيها. (فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ) أي: ما ذكِر من الشهادة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. (عصموا) حفظوا ومنعوا. (إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلَامِ) وفي رواية (إلا بحقها) أي: بحق الدماء والأموال، وأراد بحق الدماء ما جاء في حديث ابن مسعود قال: قال ﷺ (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس … ) وبحق الأموال الزكاة ونحوها من الحقوق المتعلقة بها. (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) أي: يعاملون بالظاهر وأما الباطن فإلى الله، قال ابن رجب: يعني أن الشهادتين مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تعصم دم صاحبها وماله في الدنيا، إلا أن يأتي ما يبيح دمه، وأما في الآخرة فحسابه على الله، فإن كان صادقاً أدخله الله الجنة، وإن كان كاذباً فإنه من جملة المنافقين. - في هذا الحديث ذكر النبي ﷺ أمران: الأول: ما يثبت به الإسلام، وهو الشهادتان، فمن جاء بهما ثبت له عقد الإسلام وصار مسلماً معصوم الدم والمال. والثاني: ما يبقى به الإسلام وأعظمه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

стр. 2427

فليس معنى الحديث أن العبد يُقاتَل حتى يأتي بالشهادتين ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، وأنه لا يكف عنه إلا بعد اجتماعها، وذلك لأن دلائل الوحيين ظاهرة في الاكتفاء بالشهادتين لعصمة الدم والمال، ولكنه إذا جاء بهما عصمته حالاً ثم لزمه ما بقي وراء الشهادتين من أحكام الدين المعظمة. فالاقتصار على النطق بالشهادتين كافٍ لعصمة النفس والمال .. والنبي ﷺ كان يقبل من كل من جاءه يريد الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلماً، ويؤيد هذا أحاديث قولية صحيحة لم يذكر فيها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: ففي الصحيحين عن أبي هريرة. أن النبي ﷺ قال (أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله). وفي رواية لمسلم (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به). وروى مسلم عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبدُ من دون الله، حرم الله دمه وماله وحسابه على الله). وأنكر النبي ﷺ على أسامة بن زيد قتله لمن قال: لا إله إلا الله، واشتد نكيره عليه. - قوله ﷺ (فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ … ) أي: صارت دماؤهم وأموالهم حراماً غير حلال لمَا علِم من ظاهرهِم دون اعتداد بباطنهم. وهذه العصمة نوعان: أحدهما: عصمة الحال. ويُكتفَى فيها بالشهادتين، فمن أقر بالشهادتين عُصِم دمه وماله حالاً. والثاني: عصمة المآل. ولا يكتفَى فيها بالشهادتين، بل لابد من الإتيان بحقوقهِما من أركان الإسلام وغير ذلك من الشرائع، وعندئذ يُحكم ببقاء إسلامه وامتداد ما ثبت له من العصمة ابتداءً. - الحديث دليل على وجوب مقاتلة الكفار (مع القدرة) حتى يسلموا وينطقوا بالشهادتين، وحتى لا يبقى شرك. قال تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) (لا تكون فتنة) أي لا يبقى شرك، لأن الدين لا يكون كله لله ما دام في الأرض مشرك. ولقوله ﷺ (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا … ).

стр. 2428

-الحديث دليل على أن أول واجب على المكلف هو النطق بالشهادتين لا النظر والاستدلال. وقد قال ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله). - عظم التوحيد وأنه سبب لحقن الدم. - فضل الجهاد في سبيل الله وقتال الكفار، وأنه ينقسم إلى قسمين: قسم طلب، وقسم دفاع. - أن الأحكام تجري على الظاهر والله يتولى السرائر لقوله ﷺ (وحسابهم على الله) فمن أظهر لنا الإسلام وقام بما يجب عليه عصم دمه وماله وعومل معاملة المسلمين. - قوله (إلا بحقها) كأن يرتكب ما يبيح دم المسلم: كالقتل - أو الزنا للمحصن - أو الردة. لقوله ﷺ (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة). متفق عليه - أهمية الصلاة وأنها تأتي بالمرتبة الثانية بعد الشهادتين. - أهمية الزكاة، وأنها تأتي بالمرتبة الثالثة بعد الصلاة. - إثبات الحساب والجزاء يوم القيامة. فائدة: كثيراً ما يقرن الله ﵎ بين الصلاة والزكاة: فقيل: إن الصلاة حق الله وعبادته وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه وتمجيده، والإنفاق هو من الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وسعادة العبد دائرة بين الأمرين: إخلاصه لمعبوده، وسعيه في نفع الخلق. وقيل: الصلاة رأس العبادات البدنية، والزكاة رأس العبادات المالية. وقيل: الصلاة طهارة للنفس والبدن، والزكاة طهارة للمال.

стр. 2429

١٢٨٧ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ (لَوْ كَانَ اَلْمُطْعمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ اَلنَّتْنَي لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. === (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ) أي: من المشركين. (لَوْ كَانَ اَلْمُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا) هو المطعم بن عدي بن نوفل القرشي النوفلي، وهو أحد المشركين الذين كانوا يدافعون عن رسول الله ﷺ بمكة. (ثُمَّ كَلَّمَنِي) شفاعة. (فِي هَؤُلَاءِ اَلنَّتْنَي) جمع نتن بالتحريك بمعنى منتن كزمن وزمنى، وإنما سماهم نتنى إما لرجسهم الحاصل من كفرهم على التمثيل أو لأن المشار إليه أبدانهم وجيفهم الملقاة في قليب بدر. (لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ) أي: لتركتهم لأجله بدون فداء. وإنما قال ﷺ كذلك لأنها كانت للمطعم عنده يد، وهي أنه ﷺ دخل في جواره لما رجع من الطائف وذب المشركين عن النبي ﷺ ، فأحب أنه إن كان حيا فكافأه عليها بذلك، والمطعم المذكور هو والد جبير الراوي لهذا الحديث. (عون المعبود). • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد جواز المنّ على الأسير وإطلاقه بدون فداء. قال الخطابي: في الحديث إطلاق الأسير والمن عليه بغير فداء. قال بن بطال: وجه الاحتجاج به أنه ﷺ لا يجوز في حقه أن يخبر عن شيء لو وقع لفعله وهو غير جائز، فدل على أن للإمام أن يمن على الأسارى بغير فداء خلافاً لمن منع ذلك كما تقدم. (الفتح). • على ماذا يدل هذا الفعل من النبي ﷺ -؟ يدل على حسن خلقه ورده للجميل، ومكافأة من أسدى إليك معروفاً. عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلَاقِ) وفي رواية (مكارم الأخلاق) رواه أحمد. وعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) رواه أبوداود. والإسلام جاء بحفظ الجميل والمعروف. كحديث الباب.

стр. 2430

وعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (لَا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاس) رواه أحمد. عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن عليها الثناء، فذكرها يوما من الأيام، فأدركتني الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوزا، فقد أبدلك الله خيرا منها، فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب، ثم قال: «لا والله ما أخلف الله لي خيرا منها، وقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني وكذبني الناس، وواستني من مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله الأولاد منها، إذ حرمني أولاد النساء» قالت عائشة ﵂: فقلت: بيني وبين نفسي لا أذكرها بسيئة أبداً. وروى مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ أن النبي ﵇ كان إذا ذبح الشاة قال (أرسلوا إلى أصدقاء خديجة، فذكرت له يومًا، فقال: إني لأحب حبيبها) وفي رواية (إني رزقت حبها). وروت عائشة ﵂ قالت (جاءت عجوز إلى النبي ﵇ وهو عندي، فقال لها رسول الله ﷺ (من أنت؟)، قالت: أنا جثامة المزنية، قال: بل أنت حسّانة المزنية، كيف أنتم، كيف حالكم، كيف كنتم بعدها؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خرجت، قلت: يا رسول الله، تُقبل على هذه العجوز هذا الإقبال، قال: إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان) أخرجه الحاكم. ولقد أعطى ﷺ عمه العباس قميصه لما جئ به أسيراً يوم بدر، رداً للجميل ووفاء لمواقفه معه وبخاصة في بيعة العقبة. وليس ذلك خلقاً منه ﷺ مع أهل بيته وعشيرته بل مع جميع أصحابه فها هو ﷺ يذكر فضل أبي بكر ومواقفه الطيبة معه فيقول: مَا لأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلاَّ وَقَدْ كَافَيْنَاهُ مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِئُهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِى بَكْرٍ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً أَلَا وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللهِ. رواه الترمذي. كان عبد الله بن سلام متآخيا لأبي الدرداء، بينهما أخوة ومحبة ومودة، فلما مات عبدالله بن سلام ذهب ولده يوسف إلى الشام ليسأل عن أبي الدرداء لم يذهب إلا تجديداً للعهد، ورعاية للحرمة والألفة وتأدية للحقوق، فإن أبا الدرداء كان محباً لعبد الله بن سلام. فجاءه يوسف وهو يحتضر، قد قارب مفارقة الدنيا، ففرح به أبو الدرداء. وكان ابن عمر يمشي في الصحراء على دابته فقابله أعرابي فتوقف ابن عمر ونزل، ووقف معه، وقال: ألست ابن فلان بن فلان؟ قال: بلى، ثم ألبسه عمامة كانت عليه وقال له: اشدد به رأسك، ثم أعطاه دابته وقال: اركب هذا، فتعجب أصحاب ابن عمر، وقالوا له: إن هذا من الأعراب، وهم يرضون بالقليل، فقال: إن أبا هذا كان وِدّاً لعمر. وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي. رواه مسلم.

стр. 2431

١٢٨٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: (أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَتَحَرَّجُوا، فَأَنْزَلَ اَللَّهُ تَعَالَى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ اَلنِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. === (أَصَبْنَا سَبَايَا) بفتح السين المهملة، جمع سَبيّة، مثل عَطيّة وعَطَايا، وهي فَعِيلة بمعنى مفعولة، أي مسِبيّة. (يَوْمَ أَوْطَاسٍ) قال النوويّ: أوطاس": موضع عند الطائف. (لَهُنَّ أَزْوَاجٌ) أي: الذين قاتلوهم، وانتصروا عليهم. (فَتَحَرَّجُوا) وفي رواية (من غشيانهن) يعني أنهم خافوا الوقوع في الحرج، وهو الإثم بسبب غشيانهنّ، أي وطئهنّ، من أجل أنهنَّ ذوات أزواج، والمزوّجة لا تحلّ لغير زوجها. زاد في رواية مسلم: "من أجل أزواجهنّ من المشركين". قال القرطبيّ: أي ظنّوا أن نكاح أزواجهنّ لم تنقطع عصمته. (فَأَنْزَلَ اَللَّهُ تَعَالَى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ اَلنِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وفي رواية أخرى (أي: فهن حلال لكم إذا انقضت عدتهن). قوله (وَالْمُحْصَنَاتُ) بالرفع عطف على المحرّمات السابقة في قوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) الآية أي حرّمت عليكم نكاح المحصنات، أي ذوات الأزواج، فإنهنّ حرام على غير أزواجهنّ، إلا ما ملكتم بالسبي، فإنه ينفسخ نكاح أزواجهن الكفار، وتحلّ لكم، إذا انقضى استبراؤها. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد جواز وطء المسبية بعد استبرائها، إما بوضع الحمل إن كانت حاملاً أو بحيضة واحدة إن كانت إن كانت غير حامل. لقوله (: فهن حلال لكم إذا انقضت عدتهن). قال النووي: وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ (إِذَا اِنْقَضَتْ عِدَّتهنَّ) أَيْ: اِسْتِبْرَاؤُهُنَّ، وَهِيَ بِوَضْعِ الْحَمْل عَنْ الْحَامِل، وَبِحَيْضَةٍ مِنْ الْحَائِل كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. فلا يجوز وطء حامل مسبيّة حتى تضع. فقد أخرج مسلم عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ أنه أَتَى بامرأة مُجِحٍّ على باب فُسطاط، فقال: "لعله يُريد أن يُلِمَّ بها؟ "، فقالوا: نعم، فقال رسول اللَّه ﷺ : لقد هممت أن ألعنه، لعنا يدخل معه قبره، كيف يُوَرِّثُهُ، وهو لا يحل له؟، كيف يستخدمه، وهو لا يحل له؟) • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن نكاح المشركين ينفسخ إذا سُبيت زوجاتهم؛ لدخولها في ملك سابيها. -بيان سبب نزول هذه الآية، وبيان المعنى المراد منها. - أن فيه دلالة على وجوب توقّف الإنسان، وبحثه، وسؤاله عما لا يتحقّق وجهه، ولا حكمه، وهو دأب من يخاف اللَّه ، ولا يُختَلَف في أن ما لا يتبيّن حكمه لا يجوز الإقدام عليه. قاله القرطبيّ. - أن فيه دلالةً للمذهب المختار، وهو مذهب جماهير العلماء أن العرب يجري عليهم الرقّ كما يجري على العجم، وأنهم إذا كانوا مشركين، وسُبُوا، جاز استرقاقهم؛ لأن الصحابة سبوا هوازن، وهم عبدة الأوثان، وقد استرقّوهم، ووطئوا سباياهم،. وبهذا قال مالك، والشافعيّ في قوله الصحيح الجديد، وجمهور العلماء. وقال أبو حنيفة، والشافعيّ في قوله القديم: لا يَجري عليهم الرّقّ؛ لشرفهم. - أن المراد بعدّة المسبيّات تحقّق براءة رحمهنّ، وذلك بوضع حملها، إن كانت حاملًا، وبحيضة إن كانت غير حامل.

стр. 2432

١٢٨٩ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (بَعَثَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ سَرِيَّةٍ وَأَنَا فِيهِمْ، قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبِلاً كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ اِثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً، وَنُفِّلُوا بَعِيراً بَعِيراً) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (بَعَثَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بعث: أي أرسل. (سَرِيَّةٍ) بفتح السين المهملة، وتشديد الياء التحتانيّة: هي القطعة من الجيش، فَعِيلةٌ بمعنى فاعلة، سُمّيت بذلك؛ لأنها تَسرِي فِي خُفية، والجمع سَرَايا، وسَرِيّات، مثلُ عطيّة، وعطايا، وعطيّات. (قِبَلَ نَجْدٍ) أي: جهة نجد، وهي قلب الجزيرة العربية. (فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ اِثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً) بضم السين جمع سهم هي نصيبهم من الغنيمة، والمراد أنه بلغ نصيب كل واحد منهم هذا القدر، وتوهّم بعضهم أن ذلك جميع الأنصباء، قال النووي: وهو غلط، فقد جاء في بعض روايات أبي داود أن الاثني عشر بعيراً كانت سهمان كل واحد من الجيش والسرية، ونفّل السرية سوى هذا بعيراً بعيراً. (وَنُفِّلُوا) التنفيل: هي زيادة يزاد الغازي على نصيبه من المغنم. قال القرطبي: هذه السرية خرجت من جيش بعثهم رسول الله ﷺ إلى نجد، فلما غنمت قسم ما غنمت على الجيش والسرية، فكانت سهمان؛ كل واحد من الجيش والسَّرية اثني عشر بعيرًا، اثني عشر بعيرًا، ثم زيد أهل السَّرية بعيرًا بعيرًا، فكان لكل إنسان من أهل السَّريه ثلاثة عشر بعيرًا، ثلاثة عشر بعيرًا، بيّن ذلك ونصّ عليه أبو داود من حديث شعيب بن أبي حمزة، عن نافع، عن ابن عمر، ولهذا قال مالك، وعامة الفقهاء: إن السَّرية إذا خرجت من الجيش فما غنمته كان مقسومًا بينها وبين الجيش. ثم إن رأى الإمام أن ينفلهم من الخمس جاز عند مالك، واستُحبّ عند غيره. وذهب الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد: إلى أن النفل من جملة الغنيمة بعد إخراج الخمس، وما بقي للجيش، وحديث ابن عمر يرد على هؤلاء، فإنه قال فيه: فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرًا، اثني عشر بعيرًا، ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد مشروعية التنفيل، وذلك بتخصيص من له أثر في الحرب بشيء من المال زيادة على نصيبه من الغنيمة. جاء في بداية المجتهد: اتفق العلماء على جواز تنفيل الإمام من الغنيمة.

стр. 2433

• ما فائدة النفل؟ التحريض على القتال، والتحريض على القتال مأمور به أمير الجيش (القائد) قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ). وهذا خطاب للرسول ﷺ ولكل من قام مقامه من أمته. جاء في بدائع الصنائع: الحاجة تدعو إلى التنفيل لاختصاص بعض الغزاة بزيادة شجاعة، لأنه لا ينقاد طبعه لإظهارها إلا بالترغيب بزيادة من المصاب بالتنفيل. فيحسن بالإمام أو قائده أن ينفل من الغنيمة ما يرى أن فيه مصلحة للمسلمين. والله أعلم. • هل التنفيل يكون من كل الغنيمة أم من بعضها؟ الصحيح أن التنفيل يكون في كل الغنيمة، وهذا مذهب جماهير العلماء. قال النووي: ثُمَّ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ التَّنْفِيل يَكُون فِي كُلّ غَنِيمَة، سَوَاء الْأُولَى وَغَيْرهَا، وَسَوَاء غَنِيمَة الذَّهَب وَالْفِضَّة وَغَيْرهمَا، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَة مِنْ الشَّامِيِّينَ: لَا يُنَفَّل فِي أَوَّل غَنِيمَةِ وَلَا يُنَفَّل ذَهَبًا وَلَا فِضَّة. (نووي). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - مشروعية بعث السرايا في الجهاد. - بيان أن الجيش إذا انفرد منه قطعة، فغنموا شيئاً كانت الغنيمة للجميع، قال ابن عبد البر: لا يختلف الفقهاء في ذلك، أي: إذا خرج الجيش جميعه، ثم انفردت منه قطعة. وقال القرطبي: دل حديث ابن عمر على أن السرية إذا خرجت من العسكر فغنمت أن العسكر شركاؤهم. (التفسير). - حل الغنيمة لهذه الأمة.

стр. 2434

١٢٩٠ - وَعَنْهُ قَالَ (قَسَمَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَلِأَبِي دَاوُدَ: (أَسْهَمَ لِرَجُلٍ وَلِفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْماً لَهُ). === (لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ) زيادة على سهم صاحبه، فيكون للفارس وفرسه ثلاثة أسهم، كما في رواية أبي داود. وفي رواية للبخاري (جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهماً) فيصير للفارس ثلاثة أسهم. (وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا) الراجل: هو الماشي على رجليه. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد كيفية تقسيم الغنائم بين المجاهدين، والذي يقسم من الغنيمة للمجاهدين أربعة أخماس، ويكون: للفرس سهمين ولصاحبه سهم، فيكون المجموع ثلاثة أسهم. وللراجل سهم واحد. وهذا ما عليه أكثر العلماء. قال ابن قُدامة: أكثر أهل العلم على أن الغنيمة للفارس منها ثلاثة أسهم، سهمٌ له، وسهمان لفرسه، وللراجل سهم. قال ابن المنذر: هذا مذهب عمر بن عبد العزيز، والحسن، وابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت، وعوامّ علماء الإسلام في القديم والحديث، منهم: مالك، ومن تبعه من أهل المدينة، والثوريّ، ومن وافقه من أهل العراق، والليث بن سعد، ومن تبعه من أهل مصر، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومحمد. (المغني). وقال النووي: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي سَهْم الْفَارِس وَالرَّاجِل مِنْ الْغَنِيمَة؛ فَقَالَ الْجُمْهُور: يَكُون لِلرَّاجِلِ سَهْم وَاحِد وَلِلْفَارِسِ ثَلَاثَة أَسْهُم، سَهْمَانِ بِسَبَبِ فَرَسه وَسَهْم بِسَبَبِ نَفْسه. مِمَّنْ قَالَ بِهَذَا اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَالْحَسَن وَابْن سِيرِينَ وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَمَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيّ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْد وَابْن جَرِير وَآخَرُون. (نووي). • هل هذا يشمل لكل فرس؟ نعم يشمل كل فرس، سواء كان الفرس هجيناً - وهو غير العربي - أو كان عربياً فإن للفرس سهمين. لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ) وَهَذِهِ مِنْ الْخَيْلِ. وَلِأَنَّ الرُّوَاةَ رَوَوْا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَسْهَمَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا، وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ فَرَسٍ. وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ ذُو سَهْمٍ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْعَرَبِيُّ وَغَيْرُهُ، كَالْآدَمِيِّ. وقال بعض العلماء: الفرس الهجين أو البرذون له سهم واحد لا سهمان.

стр. 2435

قال في عمدة الفقه: وإن كان الفرس غير عربي، فله سهم ولصاحبه سهم. (العمدة). واستدلوا بما رواه أبوداود في مراسيله عن مكحول أن النبي ﷺ أعطى الفرس العربي سهمين والهجين سهماً. وله شاهد مرسل من حديث خالد بن معدان في مراسيل أبي دواد. وله شاهد عن ابن عباس كما في المجمع. • هل يسهم لأكثر من فرس؟ ذهب الجمهور إلى أنه لا يسهم لأكثر من فرس. قال النووي: وَلَوْ حَضَرَ بِأَفْرَاسٍ لَمْ يُسْهَم إِلَّا لِفَرَسٍ وَاحِد. هَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور مِنْهُمْ الْحَسَن وَمَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن ﵃. قال ابن قدامة: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُسْهَمُ لِأَكْثَرِ مِنْ فَرَسٍ وَاحِدٍ. لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَاتِلَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا، فَلَمْ يُسْهَمْ لِمَا زَادَ عَلَيْهَا، كَالزَّائِدِ عَنْ الْفَرَسَيْنِ. (المغني). • ما الحكمة من هذه القسمة؟ أن فعل الفارس أقوى من فعل الراجل في الكر والفر. قال القرطبي: وقد روي من طريق صحيح عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أسهم لرجل وفرسه ثلاثة أسهم، سهمًا له، وتفرسه سهمين. ذكره أبو داود. وفي البخاري عن ابن عمر: جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا. ومن جهة المعنى: إن مؤن الفارس أكثر، وغناؤه أعظم، فمن المناسب أن يكون سهمه أكثر من سهم الرَّاجل. (المفهم). • هل يسهم لغير الخيل من البهائم إذا حضرت القتال؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا شيء لها. قال ابن قدامة: … وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ بِحَالٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ مَنْ غَزَا عَلَى بَعِيرٍ، فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ. كَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ، وَمَكْحُولٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ أَسْهَمَ لِغَيْرِ الْخَيْلِ مِنْ الْبَهَائِمِ، وَقَدْ كَانَ مَعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعُونَ بَعِيرًا، وَلَمْ تَخْلُ غَزَاةٌ مِنْ غَزَوَاتِهِ مِنْ الْإِبِلِ، بَلْ هِيَ كَانَتْ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ، فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ أَسْهَمَ لَهَا، وَلَوْ أَسْهَمَ لَهَا لَنُقِلَ، وَكَذَلِكَ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ خُلَفَائِهِ وَغَيْرِهِمْ، مَعَ كَثْرَةِ غَزَوَاتِهِمْ، لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِيمَا عَلِمْنَاهُ أَنَّهُ أَسْهَمَ لِبَعِيرٍ، وَلَوْ أَسْهَمَ لِبَعِيرٍ لَمْ يَخْفَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ صَاحِبُهُ مِنْ الْكَرِّ وَالْفَرِّ، فَلَمْ يُسْهَمْ لَهُ، كَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ. (المغني). ثم قال ابن قدامة: وَمَا عَدَا الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ، مِنْ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْفِيَلَةِ وَغَيْرِهَا، لَا يُسْهَمُ لَهَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ عَظُمَ غَنَاؤُهَا، وَقَامَتْ مَقَامَ الْخَيْلِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُسْهِمْ لَهَا، وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ، وَلِأَنَّهَا مِمَّا لَا يَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ، فَلَمْ يُسْهَمْ لَهَا، كَالْبَقَرِ.

стр. 2436

• هل يسهم للنساء والصبيان؟ لا يسهم لهم، وإنما يرضخ لهم. وهذا قول أكثر العلماء. أ- عن ابن عباس قال (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ، فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى، وَيُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ). رواه مسلم ب- وَعَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ قَالَ (شَهِدْت خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي، فَكَلَّمُوا فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُخْبِرَ أَنِّي مَمْلُوكٌ، فَأَمَرَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ خُرْثِيِّ الْمَتَاع). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قال ابن قدامة: قوله (وَيُرْضَخُ لِلْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ) مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ دُونَ السَّهْمِ، وَلَا يُسْهَمُ لَهُمْ سَهْمٌ كَامِلٌ، وَلَا تَقْدِيرَ لِمَا يُعْطُونَهُ، بَلْ ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، فَإِنْ رَأَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ سَوَّى بَيْنَهُمْ، وَإِنْ رَأَى التَّفْضِيلَ فَضَّلَ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. ثم ذكر الأدلة السابقة ثم قال: ج- وَلِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، فَلَمْ يُسْهَمْ لَهُمَا، كَالصَّبِيِّ. وقال الشوكاني: وقد اختلف أهل العلم هل يسهم للنساء إذا حضرت. فقال الترمذي: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُسْهَمُ لِلْمَرْأَةِ وَالصَّبِىِّ. وَهُوَ قَوْلُ الأَوْزَاعِي. ثم قال: والظاهر أنه لا يسهم للنساء والصبيان والعبيد والذميين، وما ورد من الأحاديث مما فيه إشعار بأن النبي ﷺ أسهم لأحد من هؤلاء فينبغي حمله على الرضخ وهو العطية القليلة جمعاً بين الأحاديث. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - الحض على اكتساب الخيل واتخاذها للغزو. - إعطاء كل ذي حق حقه. - فضل هذه الأمة حيث أبيحت لهم الغنائم، وهي من خصائص هذه الأمة، كما قال ﷺ (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: … وأحلت لي الغنائم) متفق عليه. قال الخطابي: كان من تقدم على ضربين، منهم من لم يؤذن له في الجهاد، فلم تكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه لكن كانوا إذا غنموا شيئاً لم يحل لهم أن يأكلوا وجاءت نار فأحرقته.

стр. 2437

١٢٩١ - وَعَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُول (لَا نَفْلَ إِلَّا بَعْدَ اَلْخُمُسِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اَلطَّحَاوِيُّ. === • ما معنى (لَا نَفْلَ إِلَّا بَعْدَ اَلْخُمُسِ)؟ المعنى: أنه لا يزاد الغازي على سهمه من الغنيمة إلا بعد إخراج الخُمس من الغنيمة. فالتنفيل يكون من أربعة أخماس الغنيمة.

стр. 2438

١٢٩٢ - وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةٍ ﵁ قَالَ (شَهِدْتُ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ نَفَّلَ اَلرُّبْعَ فِي اَلْبَدْأَةِ، وَالثُّلُثَ فِي اَلرَّجْعَةِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ اَلْجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِم. === (نَفَّلَ اَلرُّبْعَ) أي: أعطى ربع الغنيمة نفلاً بعد الخمس. (وَالثُّلُثَ فِي اَلرَّجْعَةِ) أي: وأعطى ثلث الغنيمة حين رجوعهم. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد جواز تنفيل السرية التي تقطع من الجيش، فتغير على العدو، وتغنم منه، فيعطى أفرادها زيادة على سهمانهم، تقديرًا لأعمالهم، وما قاموا به من بلاء في الجهاد على بقية الغزاة، لكن إن كانت غارة السرية في ابتداء سفر الغزو، والمجاهدين، فتعطى ربع ما غنمت، وإن كانت غارة السرية بعد عودة المجاهدين، فتعطى ثلث ما غنمت. (توضيح الأحكام). • ما معنى الحديث؟ قال الخطابي بعد نقله كلام ابن المنذر في تفسير الحديث … والبدأة إنما هي ابتداء السفر للغزو إذا نهضت سرية من جملة العسكر فإذا وقعت بطائفة من العدو فما غنموا كان لهم فيه الربع ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه فإن قفلوا من الغزوة ثم رجعوا فأوقعوا بالعدو ثانية كان لهم مما غنموا الثلث لأن نهوضهم بعد القفول أشد لكون العدو على حذر وحزم انتهى وما قاله هو الأقرب. (سبل السلام). قال ابن قدامة: النَّفَلُ فِي الْغَزْوِ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ غَازِيًا، بَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ سَرِيَّةً تُغِيرُ عَلَى الْعَدُوِّ، وَيَجْعَلُ لَهُمْ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ، فَمَا قَدِمَتْ بِهِ السَّرِيَّةُ مِنْ شَيْءٍ، أَخْرَجَ خُمُسَهُ، ثُمَّ أَعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لَهُمْ، وَهُوَ رُبْعُ الْبَاقِي، وَذَلِكَ خُمُسٌ آخَرُ، ثُمَّ قَسَمَ مَا بَقِيَ فِي الْجَيْشِ وَالسَّرِيَّةُ مَعَهُ. فَإِذَا قَفَلَ، بَعَثَ سَرِيَّةً تُغِيرُ، وَجَعَلَ لَهُمْ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ، فَمَا قَدِمَتْ بِهِ السَّرِيَّةُ أَخْرَجَ خُمُسَهُ، ثُمَّ أَعْطَى السَّرِيَّةَ ثُلُثَ مَا بَقِيَ، ثُمَّ قَسَمَ سَائِرَهُ فِي الْجَيْشِ وَالسَّرِيَّةُ مَعَهُ. (المغني). • ما الحكمة من هذا التفريق؟ قال البسام: ووجه زيادة أفراد السرية في حالة القفول على حالة البدء، أنَّها في حالة القفول قد فقدت السند الذي تتقوى به، والجيش الذي تأوي إليه، والفئة التي تنحاز إليها، بخلاف حال البدء، فإنَّ الجيش يسندها، ويقويها، ويؤمها، كما أنَّ الغزو في حالة القفول في حال شوق ورغبة إلى أهله ووطنه، ومتشوف لسرعة الأوبة، لهذا -والله أعلم- استحقت السرية زيادة التنفيل في حالة الرجعة. (توضيح الأحكام).

стр. 2439

• هل للإمام أن ينفل أكثر من الثلث؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: لَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، قال ابن قدامة: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ. لأن نَفْلَ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى إلَى الثُّلُثِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَجَاوَزَهُ. القول الثاني: لَا حَدَّ لِلنَّفْلِ، بَلْ هُوَ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ. وهو قول الشافعي. لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفَلَ مَرَّةً الثُّلُثَ، وَأُخْرَى الرُّبُعَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: نَفَلَ نِصْفَ السُّدُسِ. فَهَذَا يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّفْلِ حَدٌّ لَا يَتَجَاوَزُهُ الْإِمَامُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْكُولًا إلَى اجْتِهَادِهِ. قال الصنعاني: وقال آخرون للإمام أن ينفل السرية جميع ما غنمت لقوله تعالى (قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) ففوضها إليه ﷺ والحديث لا دليل فيه على أنه لا ينفل أكثر من الثلث. • ما صفة التنفيل؟ صفة التنفيل: أنَّ السرية التي تنهض في جملة العسكر، إذا أوقعت بالعدو، فما غنموا في البداءة، كان لهم فيه الربع، وما غنموا في القفول، كان لهم فيه الثلث، ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة الأرباع، أو في الثلثين.

стр. 2440

١٢٩٣ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنْ اَلسَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ اَلْجَيْشِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد جواز تنفيل السرية التي تقطع من الجيش فتغير على العدو وتغنم منه، فيعطى أفرادها زيادة على سهمانهم تقديراً لأعمالهم، وما قاموا به من بلاء في الجهاد على بقية الغزو. ونستفيد أن التنفيل ليس أمراً حتمياً، ولكنه راجع إلى رأي الإمام، والإمام يجب أن يراعي المصلحة إن اقتضى التنفيل فعل وإلا فلا. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - فيه بعث السرايا. - الترغيب في تحصيل مصالح القتال.

стр. 2441

١٢٩٤ - وَعَنْهُ قَالَ (كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا اَلْعَسَلَ وَالْعِنَبَ، فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. وَلِأَبِي دَاوُدَ (فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ اَلْخُمُسُ) وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. ١٢٩٥ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ قَالَ (أَصَبْنَا طَعَاماً يَوْمَ خَيْبَرَ، فَكَانَ اَلرَّجُلُ يَجِيءُ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ اَلْجَارُودِ، وَالْحَاكِمُ. === (فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ) قال ابن حجر: أي: ولا نحمله على سبيل الادخار، ويحتمل أن يريد ولا نرفعه إلى متولى أمر الغنيمة أو إلى النبي ﷺ ولا نستأذنه في أكله، اكتفاء بما سبق منه من الإذن. (الفتح). • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد جواز الأكل من الفاكهة والطعام الذي يصيبه المجاهدون في أرض الحرب، ولا يحتاج ذلك إلى إذن الإمام. ومن الأدلة أيضاً: عَنِ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ جَيْشًا غَنِمُوا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ طَعَامًا وَعَسَلاً فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمُ الْخُمُسُ) رواه أبو داود. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ (أَصَبْتُ جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ - قَالَ - فَالْتَزَمْتُهُ فَقُلْتُ لَا أُعْطِى الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا - قَالَ - فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَبَسِّمًا) متفق عليه. قال الخطابي: لا أعلم خلافاً بين الفقهاء في أن الطعام لا يخمس في جملة ما يخمس من الغنيمة، وأن لواجده أكله ما دام الطعام في حد القلة، وعلى قدر الحاجة، وما دام صاحبه مقيماً في دار الحرب، وهو مخصوص من عموم الآية ببيان النبي ﷺ كما خص منها السلب وسهم النبي ﷺ والصفي. ورخص أكثر العلماء في علف الدواب، ورأوه في معنى الطعام للحاجة إليه. (معالم السنن). وقال النووي: أَمَّا (الْجِرَاب) فَبِكَسْرِ الْجِيم وَفَتْحهَا لُغَتَانِ الْكَسْر أَفْصَح وَأَشْهَر، وَهُوَ وِعَاء مِنْ جِلْد. وَفِي هَذَا إِبَاحَة أَوَّل طَعَام الْغَنِيمَة فِي دَار الْحَرْب، قَالَ الْقَاضِي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز أَكْل طَعَام الْحَرْبِيِّينَ مَا دَامَ الْمُسْلِمُونَ فِي دَار الْحَرْب، فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ قَدْر حَاجَاتهمْ، وَيَجُوز بِإِذْنِ الْإِمَام وَبِغَيْرِ إِذْنه، وَلَمْ يَشْتَرِط أَحَد مِنْ الْعُلَمَاء اِسْتِئْذَانه إِلَّا الزُّهْرِيّ، وَجُمْهُورهمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يُخْرِج مَعَهُ مِنْهُ شَيْئًا إِلَى عِمَارَة دَار الْإِسْلَام، فَإِنْ أَخْرَجَهُ لَزِمَهُ رَدّه إِلَى الْمَغْنَم، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَلْزَمهُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز بَيْع شَيْء مِنْهُ فِي دَار الْحَرْب وَلَا غَيْرهَا، فَإِنْ بِيعَ مِنْهُ شَيْء لِغَيْرِ الْغَانِمِينَ كَانَ بَدَله غَنِيمَته، وَيَجُوز أَنْ يُرْكَب دَوَابّهمْ، وَيُلْبَس ثِيَابهمْ، وَيُسْتَعْمَل سِلَاحهمْ فِي حَال الْحَرْب بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَفْتَقِر إِلَى إِذْن الْإِمَام، وَيَشْرِط الْأَوْزَاعِيُّ إِذْنه، وَخَالَفَ الْبَاقِينَ. (نووي).

стр. 2442

١٢٩٦ - وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآخِرِ فَلَا يَرْكَبُ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ اَلْمُسْلِمِينَ، حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَلَا يَلْبَسُ ثَوْباً مِنْ فَيْءِ اَلْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيه) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ. === (حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا) أي: أتعبها. (حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ) أي: أتلفه. • ما صحة حديث الباب؟ إسناده حسن، من أجل محمد بن إسحاق، وقد صرح بالسماع عند أحمد. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد تحريم أخذ الأشياء التي من أعيان الغنيمة، وما سيقسم بين الغانمين، ولو كان ذلك على وجه الاستعمال، ثم يرده إلى الغنيمة. وذلك مثل أخذ دابة. من الغنيمة، أو من الفيء، فيستغلها، ثم يعيدها، أو يأخذ ثوبًا، أو فراشًا من الفيء، أو الغنيمة: فيستعمله، ثم يرده في الغنيمة، فهذا لا يجوز؛ لأنَّه من أنواع الغلول، فهو اغتصاب لمنافع مشتركة. (توضيح الأحكام). قال الخطابي: أما في حال الضرورة وقيام الحرب فلا أعلم بين أهل العلم اختلافاً في جواز استعمال سلاح العدو ودوابهم، فأما إذا انقضت الحرب فإن الواجب ردها في المغنم، فأما الثياب والخُرثيّ والأدوات فلا يجوز أن يستعمل شيء منها إلاّ أن يقول قائل الثياب أنه إذا احتاج إلى شيء منها حاجة ضرورة، كان له أن يستعمله مثل أن يشتد البرد فيستدفي بثوب ويتقوى به على المقام في بلاد العدو مرصداً لقتالهم. (معالم السنن). وقال ابن حجر: واتفقوا على جواز ركوب دوابهم ولبس ثيابهم واستعمال سلاحهم في حال الحرب ورد ذلك بعد انقضاء الحرب. (فتح الباري).

стр. 2443

١٢٩٧ - وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ اَلْجَرَّاحِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (يُجِيرُ عَلَى اَلْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَحْمَدُ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. ١٢٩٨ - وَلِلْطَيَالِسِيِّ: مِنْ حَدِيثِ عَمْرِوِ بْنِ الْعَاصِ (يُجِيرُ عَلَى اَلْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ). ١٢٩٩ - وَفِي اَلصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ (ذِمَّةُ اَلْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بهَا أَدْنَاهُمْ). ١٣٠٠ - زَادَ اِبْنُ مَاجَه مِنْ وَجْهٍ آخَرَ (يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ). ١٣٠١ - وَفِي "اَلصَّحِيحَيْنِ" مِنْ حَدِيثٍ أَمِ هَانِئٍ (قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ). === (يُجِيرُ) بضم الياء، من الإجارة، وهي إعطاء الأمان. (يَسْعَى بهَا أَدْنَاهُمْ) أي: أضعفهم. قَالَ فِي (النهاية) الذمّة، والذّمام: بمعنى: العهد، والأمان، والضمان، والحرمة، والحق: أي إذا أعطى أحدٌ لجيش العدوّ أمانًا جاز ذلك عَلَى جميع المسلمين، وليس لهم أن يُخْفِرُوه، ولا أن ينقضوا عليه عهده. وَقَالَ السنديّ: أي ذمّتهم فِي يد أقلّهم عددًا، وهو الواحد، أو أسفلهم رُتْبةً، وهو العبد، يمشي به، يَعقده لمن يرى منْ الكفرة، فإذا عقد حصل له الذمّة منْ الكلّ. انتهى. ودخل فِي قوله (أدناهم) كلّ وضيع بالنصّ، وكلّ شريف بالفحوى، فدخل فِي أدناهم المرأة، والعبد، والصبيّ، والمجنون. قاله فِي الفتح (ذِمَّةُ اَلْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ) الذمة الأمان والعهد. (أَقْصَاهُمْ) أي: أبعدهم داراً. (قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ) أي: أجزنا جواركِ. • ما صحة أحاديث الباب؟ حديث أبي عبيدة في سنده ضعف كما قال المصنف ﵀. وحديث عمرو بن العاص سنده ضعيف، فيه رجل مبهم. • ماذا نستفيد من هذه الأحاديث؟ نستفيد صحة الأمان للكافر إذا صدر من أي مسلم كان، رجلاً أو امرأة، حراً أو عبداً. فجماهير العلماء على صحة أمان المرأة والعبد.

стр. 2444

قال ابن قدامة: أَنَّ الْأَمَانَ إذَا أُعْطِيَ أَهْلَ الْحَرْبِ، حَرُمَ قَتْلُهُمْ وَمَالُهُمْ وَالتَّعَرُّضُ لَهُمْ. وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ مُخْتَارٍ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ: لَا يَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ. لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، فَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ، كَالصَّبِيِّ، وَلِأَنَّهُ مَجْلُوبٌ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَنْظُرَ لَهُمْ فِي تَقْدِيمِ مَصْلَحَتِهِمْ. أ- وَلَنَا، مَا رُوِيَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ب- وَرَوَى فُضَيْلٍ بْنُ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ، قَالَ: جَهَّزَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَيْشًا، فَكُنْت فِيهِ، فَحَصَرْنَا مَوْضِعًا، فَرَأَيْنَا أَنَّا سَنَفْتَحُهَا الْيَوْمَ، وَجَعَلْنَا نُقْبِلُ وَنَرُوحُ، فَبَقِيَ عَبْدٌ مِنَّا، فَرَاطَنَهُمْ وَرَاطَنُوهُ، فَكَتَبَ لَهُمْ الْأَمَانَ فِي صَحِيفَةٍ، وَشَدَّهَا عَلَى سَهْمٍ، وَرَمَى بِهَا إلَيْهِمْ، فَأَخَذُوهَا، وَخَرَجُوا، فَكُتِبَ بِذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ذِمَّتُهُ ذِمَّتُهُمْ. رَوَاهُ سَعِيدٌ. ج- وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ، فَصَحَّ أَمَانُهُ، كَالْحُرِّ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التُّهْمَةِ يَبْطُلُ بِمَا إذَا أُذِنَ لَهُ الْقِتَالِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُهُ، وَبِالْمَرْأَةِ، فَإِنَّ أَمَانَهَا يَصِحُّ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا قَالَتْ عَائِشَةُ: إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ لَتُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ. وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَجَرْت أَحْمَائِي، وَأَغْلَقْت عَلَيْهِمْ، وَإِنَّ ابْنَ أُمِّي أَرَادَ قَتْلَهُمْ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت يَا أُمَّ هَانِئٍ، إنَّمَا يُجْهِرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ). وَأَجَارَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَأَمْضَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . (المغني). • هل يصح أمان الصبي المميز؟ قال ابن قدامة: فَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ بِقَوْلِهِ حُكْمٌ، فَلَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ، كَالْمَجْنُونِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ أَمَانُهُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

стр. 2445

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَصِحُّ أَمَانُهُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَحَمَلَ رِوَايَةَ الْمَنْعِ عَلَى غَيْرِ الْمُمَيِّزِ. وَاحْتَجَّ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ. وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُمَيِّزٌ، فَصَحَّ أَمَانُهُ، كَالْبَالِغِ، وَفَارَقَ الْمَجْنُونَ، فَإِنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ أَصْلًا. (المغني). وقال ابن حجر: قَالَ ابن المنذر: أجمع أهل العلم عَلَى جواز أمان المرأة، إلا شيئا ذكره عبد الملك -يعني ابن الماجشون، صاحب مالك- لا أحفظ ذلك عن غيره، قَالَ: إن أمر الأمان إلى الإِمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك، عَلَى قضايا خاصة، قَالَ ابن المنذر: وفي قول النبيّ ﷺ (يسعى بذمتهم أدناهم) دلالة عَلَى إغفال هَذَا القائل. انتهى. وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون، فَقَالَ: هو إلى الإِمام، إن أجازه جاز، وأن رده رد. وأما العبد، فأجاز الجمهور أمانه، قاتل أو لم يقاتل. وَقَالَ أبو حنيفة: إن قاتل جاز أمانه، وإلا فلا. وَقَالَ سحنون: إذا أذن له سيده فِي القتال صح أمانه، وإلا فلا. وأما الصبي، فَقَالَ ابن المنذر: أجمع أهل العلم عَلَى أن أمان الصبي غير جائز. قَالَ الحافظ: وكلام غيره يشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره، وكذلك المميز الذي يعقل، والخلاف عن المالكية والحنابلة. وأما المجنون، فلا يصح أمانه بلا خلاف، كالكافر. • هل يصح أمان الكافر؟ لا يصح. قال ابن قدامة: وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ كَافِرٍ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ) فَجَعَلَ الذِّمَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا تَحْصُلُ لِغَيْرِهِمْ. وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، فَأَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ. وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ مَجْنُونٍ، وَلَا طِفْلٍ، لِأَنَّ كَلَامَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ. وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ زَائِلِ الْعَقْلِ، بِنَوْمٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ إغْمَاءٍ؛ لِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمَصْلَحَةَ مِنْ غَيْرِهَا، فَأَشْبَهَ الْمَجْنُونَ. وَلَا يَصِحُّ مِنْ مُكْرَهٍ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَالْإِقْرَارِ. (المغني).

стр. 2446

• اذكر أنواع الأمان كما ذكره ابن قدامة؟ قال ابن قدامة: أ- وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ وَآحَادِهِمْ. لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. ب- وَيَصِحُّ أَمَانُ الْأَمِيرِ لِمَنْ أُقِيمَ بِإِزَائِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ كَآحَادِ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى قِتَالِ أُولَئِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ. ج- وَيَصِحُّ أَمَانُ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ لِلْوَاحِدِ، وَالْعَشَرَةِ، وَالْقَافِلَةِ الصَّغِيرَةِ، وَالْحِصْنِ الصَّغِيرِ. لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَجَازَ أَمَانَ الْعَبْدِ لِأَهْلِ الْحِصْنِ الَّذِي ذَكَرْنَا حَدِيثَهُ. وَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ لِأَهْلِ بَلْدَةٍ، وَرُسْتَاقٍ، وَجَمْعٍ كَثِيرٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ، وَالِافْتِيَاتِ عَلَى الْإِمَامِ. (المغني). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - يجوز للمسلم أن يعطي الكافر الأمان ولو بغير إذن الإمام. - تساوي الرجال والنساء في الأحكام إلا ما دل الدليل على خلافه. - قوله (قد أجرنا من أجرتِ … ) قال النووي: اسْتَدَلَّ بَعْض أَصْحَابنَا وَجُمْهُور الْعُلَمَاء بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى صِحَّة أَمَان الْمَرْأَة. - تعظيم الإسلام للعقود حتى مع الكفار.

стр. 2447

١٣٠٢ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (لَأَخْرِجَنَّ اَلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ اَلْعَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِماً) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === (لأُخْرِجَنَّ) وعند أحمد (لئن عشت)، وقد جاء الأمر بذلك في حديث ابن عباس الآتي إن شاء الله، أن النبي ﷺ أوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ..... • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد تحريم إقامة الكفار في جزيرة العرب، ووجوب إخراجهم، وقد جاءت عدة نصوص بذلك. أ- حديث الباب. ب- وعن أبي عبيدة بن الجرَّاح ﵁ قال: آخرُ ما تكلَّم به النبيُّ ﷺ (أخرجوا يهودَ أهل الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه أحمد. ج- وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى. فَقُلْتُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ قَالَ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ. فَقَالَ «ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدِى». فَتَنَازَعُوا وَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ. وَقَالُوا مَا شَأْنُهُ أَهَجَرَ اسْتَفْهِمُوهُ. قَالَ «دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ أُوصِيكُمْ بِثَلَاثٍ أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ». قَالَ وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَهَا فَأُنْسِيتُهَا). • اذكر بعض كلام العلماء في ذلك؟ قال النووي: وَأَخَذَ بِهَذَا الْحَدِيث مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ الْعُلَمَاء، فَأَوْجَبُوا إِخْرَاج الْكُفَّار مِنْ جَزِيرَة الْعَرَب، وَقَالُوا: لَا يَجُوز تَمْكِينهمْ مِنْ سُكْنَاهَا. وَلَكِنَّ الشَّافِعِيّ خَصَّ هَذَا الْحُكْم بِبَعْضِ جَزِيرَة الْعَرَب وَهُوَ الْحِجَاز، وَهُوَ عِنْده مَكَّة وَالْمَدِينَة وَالْيَمَامَة وَأَعْمَالهَا دُون الْيَمَن وَغَيْره مِمَّا هُوَ مِنْ جَزِيرَة الْعَرَب بِدَلِيلٍ آخَر مَشْهُور فِي كُتُبه وَكُتُب أَصْحَابه. قَالَ الْعُلَمَاء: وَلَا يُمْنَع الْكُفَّار مِنْ التَّرَدُّد مُسَافِرِينَ فِي الْحِجَاز، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الْإِقَامَة فِيهِ أَكْثَر مِنْ ثَلَاثَة أَيَّام. قَالَ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقُوهُ: إِلَّا مَكَّة وَحَرَمهَا فَلَا يَجُوز تَمْكِين كَافِر مِنْ دُخُوله بِحَالٍ، فَإِنْ دَخَلَهُ فِي خُفْيَة وَجَبَ إِخْرَاجه، فَإِنْ مَاتَ وَدُفِنَ فِيهِ نُبِشَ وَأُخْرِجَ مَا لَمْ يَتَغَيَّر. هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَجَمَاهِير الْفُقَهَاء. (نووي). وقال ابن قدامة: ولا يجوز لأحدٍ منهم سُكنى الحجاز، وبهذا قال مالكٌ و الشافعي؛ إلاَّ أنَّ مالكاً قال: أرى أن يُجلوا من أرض العرب كلِّها؛ لأنَّ رسول الله ﷺ قال: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)، وروى أبو داود بإسناده عن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلماً) قال الترمذي: حديث حسنٌ صحيح، وعن ابن عباس قال: أوصى رسول الله ﷺ بثلاثة أشياء: قال: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) وسكت عن الثالثة، رواه أبو داود.

стр. 2448

وقال الحافظ ابن حجر: لكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها الحجاز خاصة، وهو مكة والمدينة واليمامة وما والاها لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب، لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها مع أنها من جملة جزيرة العرب، هذا مذهب الجمهور. وقال المناوي: وقد أخذ الأئمة بهذا الحديث، فقالوا: يخرج من جزيرة العرب من دان بغير ديننا، ولا يمنع من التردد إليها في السفر فقط. (فيض القدير). وقال الشيخ ابن باز ﵀: يجب أن يعلم أنه لا يجوز استقدام الكفرة إلى هذه الجزيرة، لا من النصارى، ولا من غير النصارى، لأن الرسول ﷺ أمر بإخراج الكفرة من هذه الجزيرة، وأوصى عند موته ﷺ بإخراجهم من هذه الجزيرة، وهي المملكة العربية السعودية واليمن ودول الخليج، كل هذه الدول داخلة في الجزيرة العربية، فالواجب ألا يقر فيها الكفرة من اليهود، والنصارى، والبوذيين، والشيوعيين، والوثنيين. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: "يجب أن نعلم أنه لا يجوز إقرار اليهود والنصارى أو المشركين في جزيرة العرب على وجه السكنى، أمَّا على وجه العمل فلا بأس، بشرط أن لا نخشى منهم محظوراً". (الشرح الممتع على زاد المستقنع: ٨/ ٨٢) • من الذي يخرج من جزيرة العرب؟ كل من لم يكن مسلماً. ويدل عليه حديث (أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ). وحديث الباب (لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ). وفي حديث عائشة. قالت: قال ﷺ (لا يترك في جزيرة العرب دينان) رواه أحمد والطبراني. • هل يدخل فيهم من له عهد أو أمان؟ لا شك أن أصحاب العهد أو الأمان غير داخلين في هذا الحكم، وذلك من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن الأمر بالإخراج نص عام والأمر بحفظ دم صاحب العهد نص خاص، فيبقى الخاص مستثناً من هذا العموم، قال ﷺ (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً) رواه البخاري. الوجه الثاني: أذن النبي ﷺ لأصحاب الحاجات بدخول جزيرة العرب، فقد قال لرسولي مسيلمة: " لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما) رواه أبو داود. الوجه الثالث: أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم لم يقوموا بإخراج الأجراء والعبيد، فقد كان قتل عمر ﵁ بالمدينة وكان قاتله عبداً مملوكاً للمغيرة بن شعبة وهو (أبو لؤلؤة المجوسي)، فهذا إجماع من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في فهم الحديث. لذا .. فمن اعتدى على أصحاب العهد والأمان واستند على هذا الحديث فقد أخطأ في فهم الحديث وأتى بفهم لم يعرفه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم.

стр. 2449

• هل المراد منع دخولهم مطلقاً أم أمر آخر؟ المراد بالأمر بإخراجهم أحد أمرين: الأول: ألا تكون لهم إقامة دائمة في جزيرة العرب. والثاني: ألا يكون في جزيرة العرب دين ظاهر بشعائره غير دين الإسلام. فالأمر الأول: يعني جواز الإقامة المؤقتة غير الدائمة. والأمر الثاني: يعني جواز بقاء من يدين بغير دين الإسلام في خاصة نفسه بحيث لا يظهر شعائر دينه. والدليل على هذا من وجهين: الوجه الأول: قوله ﷺ في حديث عائشة ﵂ المتقدم: " لا يُترك في جزيرة العرب دينان "، مع إذنه ﷺ لبعض الكفار بالبقاء في جزيرة العرب حيث عامل يهود خيبر على أموالهم وقال: " نقركم ما أقركم الله " (البخاري ٢٥٢٨)، كما كان يأذن للرسل بدخول الجزيرة، وقد قال الله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ). وقد أمر النبي ﷺ بربط الأسير الكافر في المسجد. الوجه الثاني: لم يقم الصحابة الكرام رضوان الله عليهم بإخراج الأجراء والرقيق من جزيرة العرب. - المخاطب بهذا الأمر هو ولي أمر المسلمين، وليس كل فرد من أفراد المسلمين. • ما المراد بجزيرة العرب في الحديث؟ اختلف العلماء في تحديد المراد بجزيرة العرب، إلا أنهم متّفقون على أنها ليست هي الجزيرة العربية التي في اصطلاح الجغرافيين. فقال الإمام الزهري: جزيرة العرب: المدينة. وقال المغيرة بن عبد الرحمن: جزيرة العرب: المدينة ومكة واليمن وقرياتها. وقال مالك: هي مكة والمدينة واليمامة واليمن. ومنهم من قال: إن المراد بجزيرة العرب الحجاز خاصَّة. انتهى. انظر: التمهيد لابن عبد البر (١/ ١٧٢)، وفتح الباري (٦/ ١٧١)

стр. 2450

وألَّف الحسين بن محمد بن سعيد اللاعي المعروف بالمغربي، قاضي صنعاء ومحدثها رسالة في حديث: (أخرجوا اليهود من جزيرة العرب) رجح فيها: أنه إنما يجب إخراجهم من الحجاز فقط محتجاً بما في رواية بلفظ: (أخرجوا اليهود من الحجاز) البدر الطالع (١/ ٢٣٠)، والأعلام للزركلي (٢/ ٢٥٦ (. وقال النووي ﵀: لكن الشافعي خصَّ هذا الحكم ببعض جزيرة العرب وهو: الحجاز، وهو [أي: الحجاز]- عنده -: مكة والمدينة واليمامة وأعمالها، دون [أي: ما عدا] اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب). بل قال ابن حجر عن قول الشافعي رحمهما الله: إنه مذهب الجمهور. وفي اختيارات ابن تيمية ﵀: ويُمنعون من المقام في الحجاز، وهو [أي: الحجاز]: مكة والمدينة واليمامة وينبع وفدك وتبوك ونحوها وما دون المنحني، وهو عقبة الصوان من الشام كمعان) (اختيارات البعلي ص ٢٦٤). وقال ابن تيمية ﵀: وقد أمر النبي في مرض موته أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب - وهي الحجاز - فأخرجهم عمر بن الخطاب ﵁ من المدينة وخيبر وينبع واليمامة ومخاليف هذه البلاد) (الفتاوى ٢٨/ ٦٣٠). • ما الدليل على بطلان حمل الحديث على جزيرة العرب التي في اصطلاح الجغرافيِّين؟ ما حكاه ابن حجر ﵀ من اتّفاق العلماء على إخراج اليمن من الحكم النبوي، مع أنها داخلة في جزيرة العرب عند الجغرافيين. قال ﵀ عن جزيرة العرب: لكن الذي يُمنع المشركون من سُكناه منها: الحجاز خاصّة؛ وهو: مكة والمدينة واليمامة وما والاها، لا فيما سوى ذلك مما يُطلق عليه اسم جزيرة العرب؛ لاتّفاق الجميع على أن اليمن لا يُمنعون منها مع أنها مِنْ جُملة جزيرة العرب) (الفتح)

стр. 2451

١٣٠٣ - وَعَنْهُ قَالَ (كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي اَلنَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ اَلْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي اَلْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، عُدَّةً فِي سَبِيلِ اَللَّهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي اَلنَّضِيرِ) بنو النضير: إحدى طوائف اليهود الذين سكنوا قرب المدينة، فلما قدم النبي ﷺ إلى المدينة صالحهم، فنقضوا العهد، وغدروا به، فهمُّوا باغتياله، فحاصرهم ﷺ على أن يجلوا عن المدينة، ويحقنون دماءهم، أمّا أموالهم فصارت فيئًا. (مِمَّا أَفَاءَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) الفيء: ما أخذ من أموال الكفار بلا قتال. (مِمَّا لَمْ يُوجِفْ) أي: لم يسرع. (وَلَا رِكَابٍ) بكسر الراء هي الإبل. (فِي اَلْكُرَاعِ) الكُراع: بضم الكاف، وفتح الراء، ثم ألف، آخره عين مهملة بزنة غُراب- هو اسم للخيل، والسلاح. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أن أموال بني النضير كانت بالصلح، من الفيء الذي يصرف في مصالح المسلمين، وليس من الغنيمة، التي تقسم بعد أخذ الخُمس منها على المجاهدين. قال تعالى في أموال بني نضير (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير). • اذكر بعض الأمثلة لأموال الفيء؟ (الجزية) وهي ما يوضع على أفراد أهل الذمة من يهود ونصارى، وغيرهم على القول الراجح. (وخراج) الخراج وهو المال المضروب على الأرض الخراجية التي غنمت ثم وقفت على المسلمين. (وما تركوه فزعاً) أي: ما تركه الكفار فزعاً منا، يعني لما علموا بأن المسلمين أقبلوا عليهم هربوا وتركوا الأموال، فهذه الأموال أخذت بغير قتال فتكون فيئاً؛ وذلك لأن المقاتلين لم يتعبوا في تحصيلها فلا تقسم بينهم، بل تكون فيئاً يصرف في مصالح المسلمين العامة، كرَزْقِ القضاة، والمؤذنين، والأئمة، والفقهاء، والمعلمين، وغير ذلك من مصالح المسلمين. (وخمس خمس الغنيمة) فهذا فيء يصرف في مصالح المسلمين. • ماذا نستفيد من قوله (فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ)؟ نستفيد جواز ادخار الإنسان لأهله قوت سنة. فإن قيل: ما الجمع بينه وبين حديث أنس (أنه ﷺ كان لا يدخر شيئاً لغد)؟ فالجواب أن هذا الحديث ضعيف. ولو صح الحديث، فالجمع بينه وبين حديث الباب ما قاله ابن دقيق العيد فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح، أن يحمل حديث (لا يدّخر شيئًا لغد) على الادخار لنفسه، وحديث (ويحبس لأهله قوت سنتهم) على الادخار لغيره.

стр. 2452

١٣٠٤ - وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ (غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، فَأَصَبْنَا فِيهَا غَنَمًا، فَقَسَمَ فِينَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ طَائِفَةً، وَجَعَلَ بَقِيَّتَهَا فِي اَلْمَغْنَمِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ. === • ما صحة حديث الباب؟ حسن. قال ابن عبد الهادي: رجاله ثقات، قاله ابن القطان. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد جواز تنفيل أمير الغزو بعض المجاهدين بشيء من الغنيمة، ثم رد الباقي في الغنيمة على عامة أفراد الجيش. وهذا ما ذهب إليه بعض العلماء، إلى أن المراد بالحديث التنفيل. قال الصنعاني: الحديث من أدلة التنفيل وقد سلف الكلام فيه فلو ضمه المصنف ﵀ إليها لكان أولى. وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالحديث، أنه يجوز للإمام أن يقسم بين المجاهدين من الغنم ونحوها من الأنعام ما يحتاجونه حال قيام الحرب. قال الشوكاني: فيه دليل على أن الإمام يقسم بين المجاهدين من الغنم ونحوها من الأنعام ما يحتاجونه حال قيام الحرب ويترك الباقي في جملة المغنم، وهذا مناسب لمذهب الجمهور المتقدم، فإنهم يصرحون بأنه يجوز للغانمين أخذ القوت وما يصلح به وكل طعام يعتاد أكله على العموم من غير فرق بين أن يكون حيواناً أو غيره. (نيل الأوطار).

стр. 2453

١٣٠٥ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ، وَلَا أَحْبِسُ اَلرُّسُلَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. === (إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ) قال الخطابي: معناه لا أنقض العهد ولا أفسده. (وَلَا أَحْبِسُ اَلرُّسُلَ) لفظ أبي داود (ولا أحبس البُرُد) جمع بريد وهو الرسول. • ما صحة حديث الباب؟ إسناده صحيح. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد وجوب حفظ العهد والوفاء به ولو مع كفار، وتحريم نقضه. • اذكر بعض الأمثلة لوفاء النبي ﷺ بالعهد مع عدوه؟ كان رسول الله ﷺ يفي بالعهود والمواثيق التي تكون بينه وبين أعداء الإسلام. أ- فثبت عنه ﷺ أنه قال لرسولي مسيلمة الكذاب لما قالا: نقول: إنه رسول الله، لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما. وثبت عنه أنه قال لأبي رافع، وقد أرسلته إليه قريش، فأراد المقام عنده، وأنه لا يرجع إليهم فقال: إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إلى قومك، فإن كان في نفسك الذي فيها الآن فارجع، وثبت عنه أنَّه ردَّ إليهم أبا جندل للعهد الذي كان بينه وبينهم، أن يردَّ إليهم من جاءه منهم مسلماً). - وعن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل. قال: فأخذنا كفار قريش. قالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفنَّ إلى المدينة، ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر. فقال: (انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم. • اذكر الأدلة على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار؟ أ- عن نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُود. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لَهُمَا حِينَ قَرَأَ كِتَابَ مُسَيْلِمَةَ: مَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا؟ قَالَا: نَقُولُ كَمَا قَالَ. قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا) رواه أبو داود. ب- وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ (جَاءَ ابْنُ النَّوَّاحَةِ وَابْنُ أُثَالٍ رَسُولَا مُسَيْلِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُمَا: " أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟، قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : آمنْتُ بِاللهِ وَرُسُلِهِ، لَوْ كُنْتُ قَاتِلًا رَسُولًا لَقَتَلْتُكُمَا "قَالَ عَبْدُ اللهِ: " قَالَ: فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ) رواه أحمد.

стр. 2454

قال الشوكاني: والحديثان يدلان على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار، وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإمام أو سائر المسلمين. فائدة: جاء حديث في تحريم الغدر: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخَرِينَ: يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ) متفق عليه. (لكل غادر) الغادر هو الذي يواعد على أمر ولا يفي به، قَالَ أَهْل اللُّغَة: الْغَدْر: تَرْكُ الْوَفَاء، (لواء) أي راية. - ففي الحديث تحريم الغدر وهو حرام بالاتفاق. - وقوله (لكل غادر لواء) قال النووي: معناه لكل غادر علامة يشهر بها في الناس لأن موضوع اللواء الشهرة مكان الرئيس علامة له، وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر لتشهيره بذلك. قال القرطبي: هذا خطاب منه للعرب بنحو ما كانت تفعل، لأنهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء ليلوموا الغادر ويذموه، فاقتضى الحديث وقوع مثل ذلك للغادر ليشتهر بصفته في القيامة فيذمه أهل الموقف ". - وفي الحديث غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة، لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير، ولأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء. - ولما كان الغدر من الأمور الخفية، ناسب أن تكون عقوبته بالشهرة، ونصب اللواء أشهر الأشياء عند العرب. - وفي الحديث دليل على أن الإنسان ينسب إلى أبيه في الموقف العظيم. - وفي الحديث رد لمن قال: إنهم ينسبون لأمهاتهم ستراً عليهم، وقد ورد حديث في هذا الشأن رواه الطبراني وهو قوله ﷺ (إن الناس يدعون باسم أمهاتهم يوم القيامة ستراً عليهم) وهو حديث ضعيف جداً كما قال الحافظ ابن حجر.

стр. 2455

١٣٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا، فَأَقَمْتُمْ فِيهَا، فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتْ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنْ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === (فَأَقَمْتُمْ فِيهَا) أي: حاصرتموها، فهربوا بدون قتال، فهذه لها حكم الفيء، أما القرية التي عصت، وقام بينكم وبينها قتال، واستوليتم عليها، فلها حكم الغنيمة. • ما معنى الحديث؟ قالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْأُولَى الْفَيْء الَّذِي لَمْ يُوجِف الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَاب، بَلْ جَلَا عَنْهُ أَهْله أَوْ صَالَحُوا عَلَيْهِ، فَيَكُون سَهْمهمْ فِيهَا، أَيْ: حَقّهمْ مِنْ الْعَطَايَا كَمَا يُصْرَف الْفَيْء، وَيَكُون الْمُرَاد بِالثَّانِيَةِ مَا أُخِذَ عَنْوَة، فَيَكُون غَنِيمَة يُخْرَج مِنْهُ الْخُمُس، وَبَاقِيه لِلْغَانِمِينَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله: (ثُمَّ هِيَ لَكُمْ) أَيْ بَاقِيهَا. وَقَدْ يَحْتَجّ مَنْ لَمْ يُوجِب الْخُمُس فِي الْفَيْء بِهَذَا الْحَدِيث، وَقَدْ أَوْجَبَ الشَّافِعِيّ الْخُمْس فِي الْفَيْء كَمَا أَوْجَبُوهُ كُلّهمْ فِي الْغَنِيمَة، وَقَالَ جَمِيع الْعُلَمَاء سِوَاهُ: لَا خُمُس فِي الْفَيْء، قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: لَا نَعْلَم أَحَدًا قَبْل الشَّافِعِيّ قَالَ بِالْخُمُسِ فِي الْفَيْء. وَاَللَّه أَعْلَم. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - هذا الحديث يبيِّن الفرق بين الأموال، التي تؤخذ من الكفار بحق، فنوع يؤخذ بلا قتال فهذا فيء، ونوع يؤخذ بقتال فهذا غنيمة، ولكل منهما حكمه. - فما أخذه المسلمون من مال الكفار بحق، ولكن بغير قتال، وإنما تركوه فزعًا منا، وكذا الجزية، والخراج، ومال المرتد إذا مات على ردته بقتل أو غيره، فهذا فيء يصرف في مصالح المسلمين العامة، ومرافقهم النافعة، ومِن أهمها الجهاد في سبيل الله بالسلاح، أو بالدعوة إلى الله. - وما أخذه المسلمون من أموال الكفار بحق، وحصل منهم قهرًا بقتال، فهذا غنيمة، يقسمها الأمير خمسة أقسام، قسم منها يكون تابعًا للفيء، فيكون مصرفه على الصالح العالم للمسلمين، والأربعة الأخماس الباقية تقسم بين الغانمين: للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه. بَاب اَلْجِزْيَةَ وَالْهُدْنَةَ الجزية: قال ابن قدامة: الجزية هي الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام. والهدنة: مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو غيره.
следующие страницы →