Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
١٣٠٣ - وَعَنْهُ قَالَ (كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي اَلنَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ اَلْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي اَلْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، عُدَّةً فِي سَبِيلِ اَللَّهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي اَلنَّضِيرِ) بنو النضير: إحدى طوائف اليهود الذين سكنوا قرب المدينة، فلما قدم النبي ﷺ إلى المدينة صالحهم، فنقضوا العهد، وغدروا به، فهمُّوا باغتياله، فحاصرهم ﷺ على أن يجلوا عن المدينة، ويحقنون دماءهم، أمّا أموالهم فصارت فيئًا.
(مِمَّا أَفَاءَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) الفيء: ما أخذ من أموال الكفار بلا قتال.
(مِمَّا لَمْ يُوجِفْ) أي: لم يسرع.
(وَلَا رِكَابٍ) بكسر الراء هي الإبل.
(فِي اَلْكُرَاعِ) الكُراع: بضم الكاف، وفتح الراء، ثم ألف، آخره عين مهملة بزنة غُراب- هو اسم للخيل، والسلاح.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن أموال بني النضير كانت بالصلح، من الفيء الذي يصرف في مصالح المسلمين، وليس من الغنيمة، التي تقسم بعد أخذ الخُمس منها على المجاهدين.
قال تعالى في أموال بني نضير (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير).
• اذكر بعض الأمثلة لأموال الفيء؟
(الجزية) وهي ما يوضع على أفراد أهل الذمة من يهود ونصارى، وغيرهم على القول الراجح.
(وخراج) الخراج وهو المال المضروب على الأرض الخراجية التي غنمت ثم وقفت على المسلمين.
(وما تركوه فزعاً) أي: ما تركه الكفار فزعاً منا، يعني لما علموا بأن المسلمين أقبلوا عليهم هربوا وتركوا الأموال، فهذه الأموال أخذت بغير قتال فتكون فيئاً؛ وذلك لأن المقاتلين لم يتعبوا في تحصيلها فلا تقسم بينهم، بل تكون فيئاً يصرف في مصالح المسلمين العامة، كرَزْقِ القضاة، والمؤذنين، والأئمة، والفقهاء، والمعلمين، وغير ذلك من مصالح المسلمين.
(وخمس خمس الغنيمة) فهذا فيء يصرف في مصالح المسلمين.
• ماذا نستفيد من قوله (فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ)؟
نستفيد جواز ادخار الإنسان لأهله قوت سنة.
فإن قيل: ما الجمع بينه وبين حديث أنس (أنه ﷺ كان لا يدخر شيئاً لغد)؟
فالجواب أن هذا الحديث ضعيف.
ولو صح الحديث، فالجمع بينه وبين حديث الباب ما قاله ابن دقيق العيد فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح، أن يحمل حديث (لا يدّخر شيئًا لغد) على الادخار لنفسه، وحديث (ويحبس لأهله قوت سنتهم) على الادخار لغيره.
стр. 2452
١٣٠٤ - وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ (غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، فَأَصَبْنَا فِيهَا غَنَمًا، فَقَسَمَ فِينَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ طَائِفَةً، وَجَعَلَ بَقِيَّتَهَا فِي اَلْمَغْنَمِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
حسن. قال ابن عبد الهادي: رجاله ثقات، قاله ابن القطان.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد جواز تنفيل أمير الغزو بعض المجاهدين بشيء من الغنيمة، ثم رد الباقي في الغنيمة على عامة أفراد الجيش.
وهذا ما ذهب إليه بعض العلماء، إلى أن المراد بالحديث التنفيل.
قال الصنعاني: الحديث من أدلة التنفيل وقد سلف الكلام فيه فلو ضمه المصنف ﵀ إليها لكان أولى.
وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالحديث، أنه يجوز للإمام أن يقسم بين المجاهدين من الغنم ونحوها من الأنعام ما يحتاجونه حال قيام الحرب.
قال الشوكاني: فيه دليل على أن الإمام يقسم بين المجاهدين من الغنم ونحوها من الأنعام ما يحتاجونه حال قيام الحرب ويترك الباقي في جملة المغنم، وهذا مناسب لمذهب الجمهور المتقدم، فإنهم يصرحون بأنه يجوز للغانمين أخذ القوت وما يصلح به وكل طعام يعتاد أكله على العموم من غير فرق بين أن يكون حيواناً أو غيره. (نيل الأوطار).
стр. 2453
١٣٠٥ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ، وَلَا أَحْبِسُ اَلرُّسُلَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
===
(إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ) قال الخطابي: معناه لا أنقض العهد ولا أفسده.
(وَلَا أَحْبِسُ اَلرُّسُلَ) لفظ أبي داود (ولا أحبس البُرُد) جمع بريد وهو الرسول.
• ما صحة حديث الباب؟
إسناده صحيح.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد وجوب حفظ العهد والوفاء به ولو مع كفار، وتحريم نقضه.
• اذكر بعض الأمثلة لوفاء النبي ﷺ بالعهد مع عدوه؟
كان رسول الله ﷺ يفي بالعهود والمواثيق التي تكون بينه وبين أعداء الإسلام.
أ- فثبت عنه ﷺ أنه قال لرسولي مسيلمة الكذاب لما قالا: نقول: إنه رسول الله، لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما.
وثبت عنه أنه قال لأبي رافع، وقد أرسلته إليه قريش، فأراد المقام عنده، وأنه لا يرجع إليهم فقال: إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إلى قومك، فإن كان في نفسك الذي فيها الآن فارجع، وثبت عنه أنَّه ردَّ إليهم أبا جندل للعهد الذي كان بينه وبينهم، أن يردَّ إليهم من جاءه منهم مسلماً).
- وعن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل. قال: فأخذنا كفار قريش. قالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفنَّ إلى المدينة، ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر. فقال: (انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم.
• اذكر الأدلة على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار؟
أ- عن نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُود. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لَهُمَا حِينَ قَرَأَ كِتَابَ مُسَيْلِمَةَ: مَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا؟ قَالَا: نَقُولُ كَمَا قَالَ. قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا) رواه أبو داود.
ب- وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ (جَاءَ ابْنُ النَّوَّاحَةِ وَابْنُ أُثَالٍ رَسُولَا مُسَيْلِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُمَا: " أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟، قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : آمنْتُ بِاللهِ وَرُسُلِهِ، لَوْ كُنْتُ قَاتِلًا رَسُولًا لَقَتَلْتُكُمَا "قَالَ عَبْدُ اللهِ: " قَالَ: فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ) رواه أحمد.
стр. 2454
قال الشوكاني: والحديثان يدلان على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار، وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإمام أو سائر المسلمين.
فائدة:
جاء حديث في تحريم الغدر:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخَرِينَ: يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ) متفق عليه.
(لكل غادر) الغادر هو الذي يواعد على أمر ولا يفي به، قَالَ أَهْل اللُّغَة: الْغَدْر: تَرْكُ الْوَفَاء، (لواء) أي راية.
- ففي الحديث تحريم الغدر وهو حرام بالاتفاق.
- وقوله (لكل غادر لواء) قال النووي: معناه لكل غادر علامة يشهر بها في الناس لأن موضوع اللواء الشهرة مكان الرئيس علامة له، وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر لتشهيره بذلك.
قال القرطبي: هذا خطاب منه للعرب بنحو ما كانت تفعل، لأنهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء ليلوموا الغادر ويذموه، فاقتضى الحديث وقوع مثل ذلك للغادر ليشتهر بصفته في القيامة فيذمه أهل الموقف ".
- وفي الحديث غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة، لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير، ولأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء.
- ولما كان الغدر من الأمور الخفية، ناسب أن تكون عقوبته بالشهرة، ونصب اللواء أشهر الأشياء عند العرب.
- وفي الحديث دليل على أن الإنسان ينسب إلى أبيه في الموقف العظيم.
- وفي الحديث رد لمن قال: إنهم ينسبون لأمهاتهم ستراً عليهم، وقد ورد حديث في هذا الشأن رواه الطبراني وهو قوله ﷺ (إن الناس يدعون باسم أمهاتهم يوم القيامة ستراً عليهم) وهو حديث ضعيف جداً كما قال الحافظ ابن حجر.
стр. 2455
١٣٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا، فَأَقَمْتُمْ فِيهَا، فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتْ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنْ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(فَأَقَمْتُمْ فِيهَا) أي: حاصرتموها، فهربوا بدون قتال، فهذه لها حكم الفيء، أما القرية التي عصت، وقام بينكم وبينها قتال، واستوليتم عليها، فلها حكم الغنيمة.
• ما معنى الحديث؟
قالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْأُولَى الْفَيْء الَّذِي لَمْ يُوجِف الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَاب، بَلْ جَلَا عَنْهُ أَهْله أَوْ صَالَحُوا عَلَيْهِ، فَيَكُون سَهْمهمْ فِيهَا، أَيْ: حَقّهمْ مِنْ الْعَطَايَا كَمَا يُصْرَف الْفَيْء، وَيَكُون الْمُرَاد بِالثَّانِيَةِ مَا أُخِذَ عَنْوَة، فَيَكُون غَنِيمَة يُخْرَج مِنْهُ الْخُمُس، وَبَاقِيه لِلْغَانِمِينَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله: (ثُمَّ هِيَ لَكُمْ) أَيْ بَاقِيهَا.
وَقَدْ يَحْتَجّ مَنْ لَمْ يُوجِب الْخُمُس فِي الْفَيْء بِهَذَا الْحَدِيث، وَقَدْ أَوْجَبَ الشَّافِعِيّ الْخُمْس فِي الْفَيْء كَمَا أَوْجَبُوهُ كُلّهمْ فِي الْغَنِيمَة، وَقَالَ جَمِيع الْعُلَمَاء سِوَاهُ: لَا خُمُس فِي الْفَيْء، قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: لَا نَعْلَم أَحَدًا قَبْل الشَّافِعِيّ قَالَ بِالْخُمُسِ فِي الْفَيْء. وَاَللَّه أَعْلَم.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- هذا الحديث يبيِّن الفرق بين الأموال، التي تؤخذ من الكفار بحق، فنوع يؤخذ بلا قتال فهذا فيء، ونوع يؤخذ بقتال فهذا غنيمة، ولكل منهما حكمه.
- فما أخذه المسلمون من مال الكفار بحق، ولكن بغير قتال، وإنما تركوه فزعًا منا، وكذا الجزية، والخراج، ومال المرتد إذا مات على ردته بقتل أو غيره، فهذا فيء يصرف في مصالح المسلمين العامة، ومرافقهم النافعة، ومِن أهمها الجهاد في سبيل الله بالسلاح، أو بالدعوة إلى الله.
- وما أخذه المسلمون من أموال الكفار بحق، وحصل منهم قهرًا بقتال، فهذا غنيمة، يقسمها الأمير خمسة أقسام، قسم منها يكون تابعًا للفيء، فيكون مصرفه على الصالح العالم للمسلمين، والأربعة الأخماس الباقية تقسم بين الغانمين: للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه.
بَاب اَلْجِزْيَةَ وَالْهُدْنَةَ
الجزية:
قال ابن قدامة: الجزية هي الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام.
والهدنة: مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو غيره.
стр. 2456
١٣٠٧ - عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا - يَعْنِي: اَلْجِزْيَةُ - مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيّ.
وَلَهُ طَرِيقٌ فِي "اَلْمَوْطَأِ" فِيهَا اِنْقِطَاع.
===
(مِنْ مَجُوسِ) المجوس قوم يعبدون النور والنار والظلمة، والشمس والقمر.
(هَجَرَ) اسم لجميع أرض البحرين، ومنها الأحساء.
(وَلَهُ طَرِيقٌ فِي "اَلْمَوْطَأِ" فِيهَا اِنْقِطَاع) روى مالك في "الموطأ" عن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه. أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم. فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب، قال الحافظ في الفتح: هذا منقطع مع ثقة رجاله.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن الجزية تؤخذ من المجوس كما تؤخذ من اليهود والنصارى.
стр. 2457
١٣٠٨ - وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ بَعْثٍ خَالِدُ بْنُ اَلْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ، فَأَخَذُوهُ، فَحَقَنَ دَمِهِ، وَصَالَحَهُ عَلَى اَلْجِزْيَةِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
===
(دُومَةَ) بضم الدال وسكون الواو، هي دومة الجندل، وهي الآن مدينة عامرة.
• ما صحة حديث الباب؟
إسناده حسن.
• ماذا نستفيد من حديث؟
استدل به من قال من العلماء إن الجزية تؤخذ من جميع الكفار، ومنهم كفار العرب.
وقد تقدمت المسألة في حديث بريدة، وخلاصتها:
القول الأول: أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس فقط.
وبهذا قال الشافعية، والحنابلة، وهو قول ابن حزم.
القول الثاني: أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس ومشركي العجم خاصة دون مشركي العرب.
وهذا قول الحنفية.
القول الثالث: أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار دون استثناء.
وهذا قول المالكية، واختيار ابن تيمية، وابن القيم.
• اذكر ما تعرفه عن أكيدر دومه؟
قال ابن القيم: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ رَسُولَ اللّهِ ﷺ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ وَهُوَ أُكَيْدِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ وَكَانَ نَصْرَانِيّا وَكَانَ مَلِكًا عَلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ لِخَالِدٍ إنّكَ سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ فَخَرَجَ خَالِدٌ حَتّى إذَا كَانَ مِنْ حِصْنِهِ بِمَنْظَرِ الْعَيْنِ وَفِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ صَافِيَةٍ وَهُوَ عَلَى سَطْحٍ لَهُ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ فَبَاتَتْ الْبَقَرُ تَحُكّ بِقُرُونِهَا بَابَ الْقَصْرِ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا قَطّ؟ قَالَ لَا وَاَللّهِ. قَالَتْ فَمَنْ يَتْرُكُ هَذِهِ؟ قَالَ لَا أَحَدَ فَنَزَلَ فَأَمَرَ بِفَرَسِهِ فَأُسْرِجَ لَهُ وَرَكِبَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِيهِمْ أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ حَسّانُ فَرَكِبَ وَخَرَجُوا مَعَهُ بِمَطَارِدِهِمْ فَلَمّا خَرَجُوا تَلَقّتْهُمْ خَيْلُ رَسُولِ اللّهِ ﷺ فَأَخَذَتْهُ وَقَتَلُوا أَخَاهُ وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ مُخَوّصٍ بِالذّهَبِ فَاسْتَلَبَهُ خَالِدٌ فَبَعَثَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللّهِ ﷺ قَبْلَ قُدُومِهِ عَلَيْهِ ثُمّ إنّ خَالِدًا قَدِمَ بِأُكَيْدِرٍ عَلَى رَسُولِ اللّهِ ﷺ فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ ثُمّ خَلّى سَبِيلَهُ فَرَجَعَ إلَى قَرْيَتِهِ. (زاد المعاد).
стр. 2458
- عَنْ عَلِىٍّ (أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَوْبَ حَرِيرٍ فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا فَقَالَ «شَقِّقْهُ خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ) متفق عليه.
قَالَ فِي الفتح (وأكيدر دومة) هو أكيدر تصغير أكدر، ودومة بضم المهملة، وسكون الواو: بلد بين الحجاز والشام، وهي دومة الجندل، مدينة بقرب تبوك، بها نخل، وزرع، وحصن عَلَى عشر مراحل منْ المدينة، وثمان منْ دمشق، وكان أكيدر ملكها، وهو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن -بالجيم والنون- ابن أعباء بن الحارث ابن معاوية، ينسب إلى كندة، وكان نصرانيا، وكان النبيّ ﷺ أرسل إليه خالد بن الوليد فِي سرية، فأسره، وقتل أخاه حسان، وقدم به المدينة، فصالحه النبيّ ﷺ عَلَى الجزية، وأطلقه.
ورَوَى أبو يعلى بإسناد قوي، منْ حديث قيس بن النعمان: أنه لَمّا قَدِم أخرج قباء منْ ديباج، منسوجاً بالذهب، فرَدّه النبيّ ﷺ عليه، ثم إنه وجد فِي نفسه منْ رد هديته، فرجع به، فَقَالَ له النبيّ ﷺ ادفعه إلى عمر … الْحَدِيث.
وفي حديث عليّ عند مسلم: أن أكيدر دومة أهدى للنبي ﷺ ثوب حرير، فأعطاه علياً، فَقَالَ: شققه خمراً بين الفواطم.
فيستفاد منه أن الحلة التي ذكرها عليّ ﵁ فِي حديثه السابق هي هذه التي أهداها أُكيدر. (الفتح).
- الأكثر على أنه لم يسلم.
قال النووي: وَأَمَّا (أُكَيْدِرُ) فَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَفَتْح الْكَاف، وَهُوَ أُكَيْدِرُ بْن عَبْد الْمَلَك الْكِنْدِيّ. قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه الْمُبْهَمَات: كَانَ نَصْرَانِيًّا، ثُمَّ أَسْلَمَ. قَالَ: وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ نَصْرَانِيًّا. وَقَالَ اِبْن مَنْدَهْ، وَأَبُو نُعَيْم الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابَيْهِمَا فِي مَعْرِفَة الصَّحَابَة: إِنَّ أُكَيْدِرًا هَذَا أَسْلَمَ، وَأَهْدَى إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ حُلَّة سِيَرَاء. قَالَ اِبْن الْأَثِير فِي كِتَابه مَعْرِفَة الصَّحَابَة. أَمَّا الْهَدِيَّة وَالْمُصَالَحَة فَصَحِيحَانِ، وَأَمَّا الْإِسْلَام فَغَلَط. قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يُسْلِم بِلَا خِلَاف بَيْن أَهْل السِّيَر، وَمَنْ قَالَ أَسْلَمَ فَقَدْ أَخْطَأَ خَطَأ فَاحِشًا. قَالَ: وَكَانَ أُكَيْدِرُ نَصْرَانِيًّا، فَلَمَّا صَالَحَهُ النَّبِيّ ﷺ عَادَ إِلَى حِصْنه، وَبَقِيَ فِيهِ، ثُمَّ حَاصَرَهُ خَالِد بْن الْوَلِيد فِي زَمَان أَبِي بَكْر الصِّدِّيق ﵁، فَقَتَلَهُ مُشْرِكًا نَصْرَانِيًّا، يَعْنِي لِنَقْضِهِ الْعَهْد قَالَ: وَذَكَرَ الْبَلَاذُرِيّ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ ، وَعَادَ إِلَى (دَوْمَة)، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُول اللَّه ﷺ اِرْتَدَّ أُكَيْدِرُ، فَلَمَّا سَارَ خَالِد مِنْ الْعِرَاق إِلَى الشَّام قَتَلَهُ، وَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَيْضًا عَدّه فِي الصَّحَابَة. هَذَا كَلَام اِبْن الْأَثِير. (شرح مسلم).
стр. 2459
١٣٠٩ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ (بَعَثَنِي اَلنَّبِيُّ ﷺ إِلَى اَلْيَمَنِ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَاراً، أَوْ عَدْلَهُ معافرياً) أَخْرَجَهُ اَلثَّلَاثَةِ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِم.
===
(مِنْ كُلِّ حَالِمٍ) أي: بالغ.
(أَوْ عَدْلَهُ) العَدْل ما يساوي قيمة الشيء ومقداره.
(معافرياً) قال ابن الأثير: هي بُرُود باليمن، منسوبة إلى معافر، وهي قبيلة باليمن، والميم زائدة.
• ما صحة حديث الباب؟
صحح الحديث ابن حبّان، والحاكم، وأقرّه الذهبيّ، وحسّنه الترمذيّ.
وقال ابن عبد البرّ في "التمهيد"، و"الاستذكار": إسناده متّصلٌ، صحيح، ثابت. وكذا قال ابن بطّال، كما في "الفتح".
وأعلّه عبد الحقّ في "أحكامه"، فقال: مسروق لم يلق معاذًا. وقال الحافظ في "الفتح": في الحكم بصحّته نظر، لأن مسروقًا لم يلق معاذًا، وإنما حسّنه الترمذيّ لشواهده.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن الجزية لا تؤخذ إلا من بالغ، فلا جزية على صبي ولا امرأة.
قال ابن قدامة: قَوله (وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ، وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ، وَلَا امْرَأَةٍ).
لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي هَذَا.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ أَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا:
أ- أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، أَنْ اضْرِبُوا الْجِزْيَةَ، وَلَا تَضْرِبُوهَا عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَلَا تَضْرِبُوهَا إلَّا عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالْأَثْرَمُ.
ب- وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ (خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ بَالِغٍ.
ج- وَلِأَنَّ الدِّيَةَ تُؤْخَذُ لِحَقْنِ الدَّمِ، وَهَؤُلَاءِ دِمَاؤُهُمْ مَحْقُونَةٌ بِدُونِهَا. (المغني).
قال القرطبي: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: والذي دل عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من الرجال المقاتلين، لأنه تعالى قال (قَاتِلُوا الَّذِينَ) إلى قوله (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) فيقتضي ذلك وجوبها على من يقاتل. ويدل على أنه ليس على العبد وإن كان مقاتلاً، لأنه لا مال له، ولأنه تعالى قال (حَتَّى يُعْطُوا) ولا يقال لمن لا يملك حتى يعطي. وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين، وهم الذين يقاتلون دون النساء والذرية والعبيد والمجانين المغلوبين على عقولهم والشيخ الفاني. (تفسير القرطبي).
стр. 2460
وممن لا تؤخذ منهم الجزية:
- الفقير الْعَاجِزَ عَنْ أَدَائِهَا.
وَهَذَا أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ.
قال ابن قدامة:
وَلَنَا، أَنَّ عُمَرَ ﵁ جَعَلَ الْجِزْيَةَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ، جَعَلَ أَدْنَاهَا عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَمِلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا).
وَلِأَنَّ هَذَا مَالٌ يَجِبُ بِحُلُولِ الْحَوْلِ، فَلَا يَلْزَمُ الْفَقِيرَ الْعَاجِزَ، كَالزَّكَاةِ وَالْعَقْلِ.
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: يَجِبُ عَلَيْهِ.
لِقَوْلِهِ ﵇ (خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا).
وَلِأَنَّ دَمَهُ غَيْرُ مَحْقُونٍ، فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، كَالْقَادِرِ عَلَيْهِ.
- والعبد.
لأنه لا مال له، فلا يملك.
وَلِأَنَّ مَا لَزِمَ الْعَبْدَ إنَّمَا يُؤَدِّيه سَيِّدُهُ، فَيُؤَدِّي إيجَابُهُ عَلَى عَبْدِ الْمُسْلِمِ إلَى إيجَابِ الْجِزْيَةِ عَلَى مُسْلِمٍ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ الْعَبْدُ لِكَافِرٍ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ أَيْضًا.
وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَى الْعَبْدِ.
وَذَلِكَ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ مَحْقُونُ الدَّمِ، فَأَشْبَهَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، أَوْ لَا مَالَ لَهُ، فَأَشْبَهَ الْفَقِيرَ الْعَاجِزَ.
فائدة:
من صار أهلاً لها من هؤلاء أخذت منه في آخر الحول، كصبي بلغ، وعبد عتق، وفقير اغتنى.
• كم مقدار الجزية؟
ذهب بعض العلماء إلى أن أقلها دينار.
لحديث الباب.
وذهب بعض العلماء إلى أن الجزية غير مقدرة، بل يرجع فيها إلى رأي الإمام.
جاء في (الموسوعة الفقهية الكويتية)
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الإْمَامِ أَحْمَدَ - نَقَلَهَا عَنْهُ الأْثْرَمُ -: أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي الْجِزْيَةِ إِلَى الإْمَامِ، فَلَهُ أَنْ يُزِيدَ وَيُنْقِصَ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ أَهْل الذِّمَّةِ، وَعَلَى مَا يَرَاهُ.
стр. 2461
وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا قَال الْمِرْدَاوِيُّ فِي الإْنْصَافِ، وَقَال الْخَلاَّل: الْعَمَل فِي قَوْل أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ بِأَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلإْمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي ذَلِكَ وَيُنْقِصَ عَلَى مَا رَوَاهُ أَصْحَابُهُ عَنْهُ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ، فَاسْتَقَرَّ قَوْلُهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَهَذَا قَوْل الثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) فَلَفْظُ الْجِزْيَةِ فِي الآْيَةِ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى عَلَى إِطْلَاقِهِ، غَيْرَ أَنَّ الإْمَامَ لَمَّا كَانَ وَلِيَّ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ جَازَ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ مَعَ أَهْل الذِّمَّةِ عَقْدًا عَلَى الْجِزْيَةِ بِمَا يُحَقِّقُ مَصْلَحَةَ الْمُسْلِمِينَ؛ لأِنَّ تَصَرُّفَ الإْمَامِ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ.
وَلأِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا وَصَالَحَ أَهْل نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ، النِّصْفُ فِي صَفَرٍ وَالْبَاقِي فِي رَجَبٍ.
وَجَعَل عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْجِزْيَةَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَصَالَحَ بَنِي تَغْلِبَ عَلَى ضِعْفِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الزَّكَاةِ.
فَهَذَا الاِخْتِلَافُ يَدُل عَلَى أَنَّهَا إِلَى رَأْيِ الإِمَامِ، لَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَتْ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَخْتَلِفَ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: مَا شَأْنُ أَهْل الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَأَهْل الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ؟ قَال: جُعِل ذَلِكَ مِنْ أَجَل الْيَسَارِ.
وَلأِنَّ الْمَال الْمَأْخُوذَ عَلَى الأْمَانِ ضَرْبَانِ: هُدْنَةٌ وَجِزْيَةٌ، فَلَمَّا كَانَ الْمَأْخُوذُ هُدْنَةً إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَكَذَلِكَ الْمَأْخُوذُ جِزْيَةً.
• متى وقت وجوب أداء الجزية؟
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ الأْدَاءِ آخِرُ الْحَوْل.
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا وَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجِزْيَةِ، فَقَدْ ضَرَبَهَا عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ وَالْمَجُوسِ بَعْدَ نُزُول آيَةِ الْجِزْيَةِ، وَلَمْ يُطَالِبْهُمْ بِأَدَائِهَا فِي الْحَال، بَلْ كَانَ يَبْعَثُ رُسُلَهُ وَسُعَاتَهُ فِي آخِرِ الْحَوْل لِجِبَايَتِهَا.
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الأْنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْل الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ.
وَتَدُل سِيرَةُ الْخُلَفَاءِ وَالأْمَرَاءِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْعَثُونَ الْجُبَاةَ فِي آخِرِ الْعَامِ لِجباية الْجِزْيَةِ. فَبَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَبَا هُرَيْرَةَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، فَقَدِمَ بِمَالٍ كَثِيرٍ.
وَلأِنَّ الْجِزْيَةَ حَقٌّ مَالِيٌّ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْحَوْل، فَوَجَبَ بِآخِرِهِ كَالزَّكَاةِ.
وَلأِنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ جَزَاءً عَلَى تَأْمِينِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ، فَلَا تَجُوزُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَتَحَقَّقَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي طُول السَّنَةِ.
وَلأِنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ سُكْنَى الدَّارِ فَوَجَبَ أَنْ تُؤْخَذَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ. (الموسوعة الفقهية).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- مشروعية بعث السعاة والدعاة.
- فضل معاذ.
стр. 2462
١٣١٠ - وَعَنْ عَائِذٍ بْنُ عَمْرِوِ الْمُزَنِيِّ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (اَلْإِسْلَام يَعْلُو، وَلَا يُعْلَى) أَخْرَجَهُ اَلدَّارَقُطْنِي.
===
• ما صحة حديث الباب؟
إسناده ضعيف.
وصح عن ابن عباس موقوفاً.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن أخذ الجزية من الكفار نوع من علو الإسلام.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- علو الإسلام وأهله على سائر الملل.
قال تعالى (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين).
- يستدل العلماء بهذا الحديث لمسائل كثيرة توضح معنى هذا الحديث، منها:
لا يجوز لمسلمة أن تتزوج بكافر.
منع أن يتولى كافر على مسلم.
منع أهل الذمة من مساواة المسلمين في البناء أو العلو عليهم.
ومنعهم من صدور المجالس.
لا يقتل مسلم بكافر.
منع بيع العبد المسلم لكافر.
стр. 2463
١٣١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا تَبْدَؤُوا اَلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ) رَوَاهُ مُسْلِم.
===
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد تحريم ابتداء الكافر بالسلام.
وهذا قول جمهور العلماء.
ومما يدل على تحريم ذلك أيضاً:
حديث أَبَي بصْرَة قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ (إِنَّا غَادُونَ إِلَى يَهُودَ فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ، فَإِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُم). رواه أحمد
وحديث أبي هريرة ﵁. قال: قال (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم) رواه مسلم.
فقوله (بينكم) يعني على المسلمين.
قال الحافظ ابن حجر في الاستدلال بالحديث: المسلم مأمور بمعاداة الكافر فلا يشرع له فعل ما يستدعي مودته ومحبته.
قال ابن القيم: قَدْ اخْتَلَفَ السّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ لَا يَبْدَءُونَ بِالسّلَامِ.
قال النووي: واختَلَفَ الْعُلَمَاء فِي رَدّ السَّلَام عَلَى الْكُفَّار وَابْتِدَائِهِمْ بِهِ، فَمَذْهَبنَا تَحْرِيم اِبْتِدَائِهِمْ بِهِ، وَوُجُوب رَدّه عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَقُول: وَعَلَيْكُمْ، أَوْ عَلَيْكُمْ فَقَطْ، وَدَلِيلنَا فِي الِابْتِدَاء قَوْله ﷺ (لَا تَبْدَءُوا الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ) وَفِي الرَّدّ قَوْله ﷺ (فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ) وَبِهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مَذْهَبنَا قَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاء وَعَامَّة السَّلَف.
وقال في الأذكار: وأما أهل الذمة فاختلف أصحابنا فيهم، فقطع الأكثرون بأنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام، وقال آخرون: ليس هو بحرام، بل هو مكروه، وحكى أقضى القضاة الماوردي وجها لبعض أصحابنا، أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام، وهذان الوجهان شاذان ومردودان.
• فإن قيل: ما الجواب عن قوله تعالى في قصة إبراهيم (قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي)؟
الجواب:
قال القرطبي: والجمهور على أن المراد بسلامه: المسالمة التي هي المتاركة لا التحية.
• ما الحكمة من النهي؟
لأن السلام نوع إكرام، والكافر ليس أهلاً لذلك.
ولأن السلام أيضاً يستدعي المودة والمحبة، والمسلم مأمور بمعاداة الكافر.
стр. 2464
• هل يشرع الرد على الكافر إذا سلم؟
نعم يشرع.
أ-لعموم قوله تعالى (وإذا حييتم بتحية … ).
ب-ولعموم الأدلة الدالة على مشروعية رد السلام.
ج- ولحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُم) متفق عليه.
قال ابن القيم: وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الرّدّ عَلَيْهِمْ:
فَالْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِهِ وَهُوَ الصّوَابُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يَجِبُ الرّدّ عَلَيْهِمْ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ وَأَوْلَى.
وَالصّوَابُ الْأَوّلُ وَالْفَرْقُ أَنّا مَأْمُورُونَ بِهَجْرِ أَهْلِ الْبِدَعِ تَعْزِيرًا لَهُمْ وَتَحْذِيرًا مِنْهُمْ بِخِلَافِ أَهْلِ الذّمّة.
• ما كيفية الرد على أهل الكتاب.
إذا قال أحدهم (السام عليكم) - أي: الموت عليكم -، أو لم يظهر لفظ السلام واضحاً من كلامه: فإننا نجيبه بقولنا: وعليكم.
لِما جاء عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم السام عليكم فقل: عليك) متفق عليه.
فإذا تحققنا من سلام الكفار علينا باللفظ الشرعي، فإن ابن القيم يرى أنه يرد بالرد الشرعي.
قال ابن القيم ﵀: فلو تحقق السامع أن الذمي قال له (سلام عليكم) لا شك فيه، فهل له أن يقول وعليك السلام أو يقتصر على قوله وعليك؟
فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية، وقواعد الشريعة: أن يقال له: (وعليك السلام) فإن هذا من باب العدل، والله يأمر بالعدل والإحسان … ولا ينافي هذا شيئاً مِنْ أحاديث الباب بوجه ما، فإنه ﷺ إنما أمر بالاقتصار على قول الرادّ "وعليكم" بناء على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم وأشار إليه في حديث عائشة ﵂، فقال: ألا ترَيْنني قلت وعليكم لمّا قالوا السام عليكم، ثم قال: إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم.
وقال بعض العلماء: بل يقال: وعليكم.
стр. 2465
قال النووي: … لَكِنْ لَا يُقَال لَهُمْ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَام، بَلْ يُقَال: عَلَيْكُمْ فَقَطْ، أَوْ وَعَلَيْكُمْ. وَقَدْ جَاءَتْ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرهَا (مُسْلِم) (عَلَيْكُمْ) (وَعَلَيْكُمْ) بِإِثْبَاتِ الْوَاو وَحَذْفهَا، وَأَكْثَر الرِّوَايَات بِإِثْبَاتِهَا، وَعَلَى هَذَا فِي مَعْنَاهُ وَجْهَانِ: أَحَدهمَا أَنَّهُ عَلَى ظَاهِره، فَقَالُوا: عَلَيْكُمْ الْمَوْت، فَقَالَ: وَعَلَيْكُمْ أَيْضًا أَيْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاء، وَكُلّنَا نَمُوت. وَالثَّانِي أَنَّ الْوَاو هُنَا لِلِاسْتِئْنَافِ لَا لِلْعَطْفِ وَالتَّشْرِيك، وَتَقْدِيره: وَعَلَيْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ الذَّمّ. وَأَمَّا حَذْف الْوَاو فَتَقْدِيره بَلْ عَلَيْكُمْ السَّام. قَالَ الْقَاضِي: اِخْتَارَ بَعْض الْعُلَمَاء مِنْهُمْ اِبْن حَبِيب الْمَالِكِيّ حَذْف الْوَاو لِئَلَّا يَقْتَضِي التَّشْرِيك، وَقَالَ غَيْره: بِإِثْبَاتِهَا كَمَا هُوَ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات. قَالَ: وَقَالَ بَعْضهمْ: يَقُول: عَلَيْكُمْ السِّلَام بِكَسْرِ السِّين أَيْ الْحِجَارَة، وَهَذَا ضَعِيف. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: عَامَّة الْمُحَدِّثِينَ يَرْوُونَ هَذَا الْحَرْف (وَعَلَيْكُمْ) بِالْوَاوِ، وَكَانَ اِبْن عُيَيْنَةَ يَرْوِيه بِغَيْرِ وَاو. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، لِأَنَّهُ إِذَا حُذِفَ (الْوَاو) صَارَ كَلَامهمْ بِعَيْنِهِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ خَاصَّة، وَإِذَا ثَبَتَ (الْوَاو) اِقْتَضَى الْمُشَارَكَة مَعَهُمْ فِيمَا قَالُوهُ. هَذَا كَلَام الْخَطَّابِيِّ. وَالصَّوَاب أَنَّ إِثْبَات الْوَاو وَحَذْفهَا جَائِزَانِ كَمَا صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَات، وَأَنَّ الْوَاو أَجْوَد كَمَا هُوَ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات، وَلَا مَفْسَدَة فِيهِ، لِأَنَّ السَّام الْمَوْت، وَهُوَ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ، وَلَا ضَرَر فِي قَوْله بِالْوَاوِ.
• ما الحكم إذا مر واحد على جماعة فيهم مسلمون، أو مسلم وكفار؟
فالسنة أن يسلم عليهم يقصد المسلمين أو المسلم.
عن أسامة بن زيد ﵄ (أن النبي ﷺ مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، فسلم عليهم النبي ﷺ .
قال ابن حجر: يؤخذ منه جواز السلام على المسلمين إذا كان معهم كفار وينوي حينئذ بالسلام المسلمين.
стр. 2466
• ما حكم ابتداء الكافر بتحية غير السلام؟
اختلف العلماء بابتداء الكافر بتحية غير السلام، كقول: مرحباً، أهلاً ونحوها؟
القول الأول: لا يجوز.
وهذا مذهب الحنابلة، واختاره ابن عثيمين.
لحديث الباب (لَا تَبْدَؤُوا اَلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَام … ).
فالرسول ﷺ نهى عن بدئهم بالسلام، والتحية جنس يشمل السلام وغيره، فالنهي عن السلام نهي عن جنسه، قال الإمام أحمد: وهذا عندي أكثر من السلام.
القول الثاني: يكره.
وهذا قول الحنفية.
لحديث الباب، وحملوا النهي على الكراهة.
القول الثالث: يجوز مع الحاجة.
وهذا قول الشافعية.
القول الرابع: يجوز.
وهذا اختيار ابن تيمية.
لأنه لم يرد نهي في التحية، بل أحاديث النهي هي في السلام الذي هو من خواص هذه الأمة، فتبقى بقية التحايا على أصلها من الإباحة.
والله أعلم.
• ماذا نستفيد من قوله (وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ)؟
نستفيد أن الكتابي إذا قابل المسلم في الطريق، فإن المسلم لا يفسح له، لأن هذا من إكرامه، بل يلجئه إلى أضيق الطريق، ويكون وسط الطريق وسعته للمسلم، وهذا مقيد عند العلماء بقيدين:
الأول: أن هذا عند الزحام، فيركب المسلمون صدر الطريق، ويكون الذمي في أضيقه.
الثاني: أن هذا التضييق مقيد بحيث لا يقع الذمي في ضرر، كأن يقع في حفرة أو يصدمه جدار ونحوه. (منحة العلام).
стр. 2467
١٣١٢ - وَعَنْ اَلْمِسْوَرِ بْنُ مَخْرَمَةَ. وَمَرْوَانُ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَامَ اَلْحُدَيْبِيَةِ .... فَذَكِّرْ اَلْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: " هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِوٍ: عَلَى وَضْعِ اَلْحَرْبِ عَشْرِ سِنِينَ، يَأْمَنُ فِيهَا اَلنَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد.
وَأَصْلِهِ فِي اَلْبُخَارِي.
١٣١٣ - وَأَخْرُجَ مُسْلِمٍ بَعْضِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِيه (أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدْهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا. فَقَالُوا: أَنَكْتُبُ هَذَا يَا رَسُولُ اَللَّهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ. إِنَّهُ مِنْ ذَهَبٍ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اَللَّهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ، فَسَيَجْعَلُ اَللَّهُ لَهُ فَرَجاً وَمُخْرِجاً).
===
(عَامَ اَلْحُدَيْبِيَةِ) أي: سافر النبي ﷺ من المدينة قاصداً العمرة زمن الحديبية.
قال في الفتح: الحديبية بئر، سمي المكان بها، وقيل: شجرت حدباء صغّرت، وسمي المكان بها.
وكان مع النبي ﷺ : ١٤٠٠ أو ١٥٠٠.
قال ابن حجر: وكان توجهه ﷺ من المدينة يوم الاثنين مستهل ذي القعدة سنة ست، فخرج قاصداً إلى العمرة، فصده المشركون عن الوصول إلى البيت، ووقعت بينهم المصالحة على أن يدخل مكة في العام المقبل، وجاء عن هشام بن عروة عن أبيه أنه خرج في رمضان واعتمر في شوال وشذ بذلك. (الفتح).
(عَلَى وَضْعِ اَلْحَرْبِ عَشْرِ سِنِينَ) تحديد المدة تفرد به ابن إسحاق عن أصحاب الزهري.
قال في الفتح: هذا القدر الذي ذكره بن إسحاق أنه مدة الصلح هو المعتمد، وبه جزم بن سعد، وأخرجه الحاكم من حديث علي نفسه، ووقع في مغازي بن عائذ في حديث بن عباس وغيره أنه كان سنتين، وكذا وقع عند موسى بن عقبة، ويجمع بينهما بأن الذي قاله بن إسحاق هي المدة التي وقع الصلح عليها، والذي ذكره بن عائذ وغيره هي المدة التي انتهى أمر الصلح فيها حتى وقع نقضه على يد قريش، وأما ما وقع في كامل بن عدي ومستدرك الحاكم والأوسط للطبراني من حديث بن عمر أن مدة الصلح كانت أربع سنين فهو مع ضعف إسناده منكر مخالف للصحيح. (الفتح).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد جواز عقد هدنة مع الكفار عند الحاجة مدة معلومة عند ما يراها الإمام.
وفي الصحيحين:
عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ (لَمَّا أُحْصِرَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ الْبَيْتِ صَالَحَهُ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا فَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا وَلَا يَدْخُلَهَا إِلاَّ بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ السَّيْفِ وَقِرَابِهِ. وَلَا يَخْرُجَ بِأَحَدٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا يَمْنَعَ أَحَدًا يَمْكُثُ بِهَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ).
قال النووي: وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث: دَلِيل لِجَوَازِ مُصَالَحَة الْكُفَّار إِذَا كَانَ فِيهَا مَصْلَحَة، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ عِنْد الْحَاجَة، وَمَذْهَبنَا أَنَّ مُدَّتهَا لَا تَزِيد عَلَى عَشْر سِنِينَ إِذَا لَمْ يَكُنْ الْإِمَام مُسْتَظْهِرًا عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَظْهِرًا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَعَة أَشْهُر، وَفِي قَوْل يَجُوز دُون سَنَة، وَقَالَ مَالِك: لَا حَدّ لِذَلِكَ، بَلْ يَجُوز ذَلِكَ قَلَّ أَمْ كَثُرَ بِحَسَبِ رَأْي الْإِمَام.
стр. 2468
وقال ابن قدامة: وَمَعْنَى الْهُدْنَةِ، أَنْ يَعْقِدَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ عَقْدًا عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ مُدَّةً، بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ.
وَتُسَمَّى مُهَادَنَةً وَمُوَادَعَةً وَمُعَاهَدَةً، وَذَلِكَ جَائِزٌ.
بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ).
وَقَالَ (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا).
وَرَوَى مَرْوَانُ، وَمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَ، سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو بِالْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى وَضْعِ الْقِتَالِ عَشْرَ سِنِينَ).
وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ، فَيُهَادِنُهُمْ حَتَّى يَقْوَى الْمُسْلِمُونَ.
وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا لِلنَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِهِمْ ضَعْفٌ عَنْ قِتَالِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَطْمَعَ فِي إسْلَامِهِمْ بِهُدْنَتِهِمْ، أَوْ فِي أَدَائِهِمْ الْجِزْيَةَ، وَالْتِزَامِهِمْ أَحْكَامَ الْمِلَّةِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ.
وقال ابن حجر: قوله تعالى (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) جنحوا طلبوا السلم فاجنح لها، أي: أن هذه الآية دالة على مشروعية المصالحة مع المشركين؛ وتفسير جنحوا بطلبوا هو للمصنف … ثم قال: ومعنى الشرط في الآية أن الأمر بالصلح مقيد بما إذا كان الأحظ للإسلام المصالحة أما إذا كان الإسلام ظاهراً على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا. (الفتح).
• ما الجمع بين قوله تعالى (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) وبين الآيات الداعية لقتال الكفار كقوله تعالى (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ)؟
لا تعارض بين الآيات، لأن الآيات الآمر بقتال الكفار، تحمل على أن بالمسلمين قوة ولا مصلحة في الصلح، والآيات التي فيها مصالحة تحمل على حال القلة والضعف والحاجة.
قال ابن كثير: (وَإِنْ جَنَحُوا) أي: مالوا (لِلسَّلْمِ) أي: المسالمة والمصالحة والمهادنة، (فَاجْنَحْ لَهَا) أي: فمل إليها، واقبل منهم ذلك؛ ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله ﷺ تسع سنين؛ أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر.
وقول ابن عباس، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، وعكرمة، والحسن، وقتادة: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ) فيه نظر أيضًا، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إذا كان العدو كثيفًا، فإنه تجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي ﷺ يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص، والله أعلم. (التفسير).
стр. 2469
وقال الجصاص: وما ذكر من الأمر بالمسالمة إذا مال المشركون إليها فحكم حكم ثابت أيضاً، وإنما اختلف حكم الآيتين لاختلاف الحالين، فالحال التي أمر فيها بالمسألة هي حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم، والحال التي أمر فيها بقتل المشركين وبقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية هي حال كثرة المسلمين وقوتهم على عدوهم، وقد قال تعالى (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم) فنهى عن المسالمة عند القوة على قهر العدو وقتلهم.
• هل تجوز المهادنة مطلقاً دائماً؟
لا تجوز.
قال ابن قدامة: … فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ الْمُهَادَنَةُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَرْكِ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ.
• واختلف العلماء في مقدار المدة؟
فقيل: لا يجوز أكثر من عشر سنين.
لِمُصَالَحَةِ النَّبِيِّ ﷺ قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَشْرًا، فَفِيمَا زَادَ يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ.
وقيل: يجوز أكثر من عشر سنين لكن تحدد المدة.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَجُوزُ فِي الْعَشْرِ، فَجَازَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، كَعَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَالْعَامُّ مَخْصُوصٌ فِي الْعَشْرِ لِمَعْنًى مَوْجُودٍ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا، وَهُوَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ قَدْ تَكُونُ فِي الصُّلْحِ أَكْثَرَ مِنْهَا فِي الْحَرْبِ.
جاء في (الموسوعة الفقهية الكويتية): يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنِ الإْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ مُوَادَعَةُ أَهْل الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، كَمَا وَادَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَهْل مَكَّةَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ أَقَل مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ دُونَ تَحْدِيدٍ، مَا دَامَتْ مَصْلَحَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ. أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ مَصْلَحَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأْعْلَوْنَ).
وَيَرَى الإْمَامُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ مُهَادَنَةُ الْمُشْرِكِينَ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، اسْتِنَادًا إِلَى مَا يُرْوَى عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ. فَإِنْ هُودِنَ الْمُشْرِكُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَالْهُدْنَةُ مُنْتَقَضَةٌ؛ لأِنَّ الأْصْل فَرْضُ قِتَال الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ.
стр. 2470
• هل تجوز مهادنتهم على غير مال؟
قال ابن قدامة: وَتَجُوزُ مُهَادَنَتُهُمْ عَلَى غَيْرِ مَالٍ.
لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَادَنَهُمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى غَيْرِ مَالٍ.
وَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّهَا إذَا جَازَتْ عَلَى غَيْرِ مَالٍ، فَعَلَى مَالٍ أَوْلَى.
وَأَمَّا إنْ صَالَحَهُمْ عَلَى مَالٍ نَبْذُلُهُ لَهُمْ، فَقَدْ أَطْلَقَ أَحْمَدُ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ مِنْهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ فِيهِ صَغَارًا لِلْمُسْلِمِينَ.
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ، فَأَمَّا إنْ دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَخَافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْهَلَاكَ أَوْ الْأَسْرَ، فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَسِيرِ فِدَاءُ نَفْسِهِ بِالْمَالِ، فَكَذَا هَا هُنَا، وَلِأَنَّ بَذْلَ الْمَالِ إنْ كَانَ فِيهِ صَغَارٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَحَمُّلُهُ لِدَفْعِ صَغَارٍ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَهُوَ الْقَتْلُ، وَالْأَسْرُ، وَسَبْيُ الذُّرِّيَّةِ الَّذِينَ يُفْضِي سَبْيُهُمْ إلَى كُفْرِهِمْ. (المغني).
• من الذي يتولى عقد الهدنة؟
الإمام أو نائبه.
قال ابن قدامة: وَلَا يَجُوزُ عَقْدُ الْهُدْنَةِ وَلَا الذِّمَّةِ إلَّا مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مَعَ جُمْلَةِ الْكُفَّارِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِنَظَرِ الْإِمَامِ وَمَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَلِأَنَّ تَجْوِيزَهُ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ يَتَضَمَّنُ تَعْطِيلَ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ، أَوْ إلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَفِيهِ افْتِيَاتٌ عَلَى الْإِمَامِ، فَإِنْ هَادَنَهُمْ غَيْرُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبُهُ، لَمْ يَصِحَّ. (المغني).
• ما الحكم إذا خاف أن ينقضوا العهد؟
قال ابن قدامة: وَإِنْ خَافَ نَقْضَ الْعَهْدِ مِنْهُمْ، جَازَ أَنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ).
يَعْنِي أَعْلِمْهُمْ بِنَقْضِ عَهْدِهِمْ، حَتَّى تَصِيرَ أَنْتَ وَهُمْ سَوَاءٌ فِي الْعِلْمِ، وَلَا يَكْفِي وُقُوعُ ذَلِكَ فِي قَبُولِهِ، حَتَّى يَكُونَ عَنْ أَمَارَةٍ تَدُلُّ عَلَى مَا خَافَهُ.
стр. 2471
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْدَأَهُمْ بِقِتَالٍ وَلَا غَارَةٍ قَبْلَ إعْلَامِهِمْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ؛ لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّهُمْ آمِنُونَ مِنْهُ بِحُكْمِ الْعَهْدِ، فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ، وَلَا أَخْذُ مَالِهِمْ. (المغني).
وقال القرطبي: والمعنى: وإما تخافن من قوم بينك وبينهم عهد خيانة فانبذ إليهم العهد، أي: قل لهم قد نبذت إليكم عهدكم، وأنا مقاتلكم، ليعلموا ذلك فيكونوا معك في العلم سواء، ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهد وهم يثقون بك، فيكون ذلك خيانة وغدرا. ثم بين هذا بقوله (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ).
ويقول ابن كثير بصدد ذكر الخيانة هنا (أي: حتى ولو في حق الكفار لا يحبها أيضاً).
• ما حكم الوفاء بهذه المعاهدات؟
واجب.
قال ابن قدامة: إِذَا عَقَدَ الْهُدْنَةَ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهَا.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).
وَقَالَ تَعَالَى (فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ).
وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفِ بِهَا، لَمْ يُسْكَنْ إلَى عَقْدِهِ، وَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى عَقْدِهَا.
• متى ينتهي وجوب الالتزام بالهدنة؟
أولاً: حين تنتهي مدة المعاهدة مع العدو.
قال تعالى (فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ) إذ المفهوم من هذا النص أنه بعد انتهاء مدة العهد أو المعاهدة تعود حالة الحرب بين المسلمين وأعدائهم.
ثانياً: إذا نقض العدو المعاهدة.
قال ابن قدامة: فَإِنْ نَقَضُوا الْعَهْدَ، جَازَ قِتَالُهُمْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ).
وَقَالَ تَعَالَى (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ).
وَلَمَّا نَقَضَتْ قُرَيْشٌ عَهْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، خَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقَاتَلَهُمْ، وَفَتَحَ مَكَّةَ.
ثالثاً: إذا ظاهروا أحداً على المسلمين.
كما قال تعالى (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا … ).
стр. 2472
• لماذا النبي ﷺ وافقهم على هذه الشروط مع أن في ظاهرها غضاضة على المسلمين؟
لما فيها من المصلحة العظيمة للمسلمين.
قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: وَافَقَهُمْ النَّبِيّ ﷺ فِي تَرْك كِتَابَة بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم، وَأَنَّهُ كَتَبَ بِاسْمِك اللَّهُمَّ، وَكَذَا وَافَقَهُمْ فِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه، وَتَرَكَ كِتَابَة رَسُول اللَّه ﷺ ، وَكَذَا وَافَقَهُمْ فِي رَدّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ إِلَيْنَا دُونَ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا وَافَقَهُمْ فِي هَذِهِ الْأُمُور لِلْمَصْلَحَةِ الْمُهِمَّة الْحَاصِلَة بِالصُّلْحِ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَفْسَدَة فِي هَذِهِ الْأُمُور، أَمَّا الْبَسْمَلَة وَبِاسْمِك اللَّهُمَّ فَمَعْنَاهُمَا وَاحِد، وَكَذَا قَوْله: مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه هُوَ أَيْضًا رَسُول اللَّه ﷺ ، وَلَيْسَ فِي تَرْك وَصْف اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيم مَا يَنْفِي ذَلِكَ، وَلَا فِي تَرْك وَصْفه أَيْضًا ﷺ هُنَا بِالرِّسَالَةِ مَا يَنْفِيهَا، فَلَا مَفْسَدَة فِيمَا طَلَبُوهُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْمَفْسَدَة تَكُون لَوْ طَلَبُوا أَنْ يَكْتُب مَا لَا يَحِلّ مِنْ تَعْظِيم آلِهَتهمْ وَنَحْو ذَلِكَ، وَأَمَّا شَرْط رَدّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ، وَمَنْع مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِمْ فَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيّ ﷺ الْحِكْمَة فِيهِمْ فِي هَذَا الْحَدِيث بِقَوْلِهِ: (مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللَّه وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ اللَّه لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا) ثُمَّ كَانَ كَمَا قَالَ ﷺ فَجَعَلَ اللَّه لِلَّذِينَ جَاءُونَا مِنْهُمْ وَرَدَّهُمْ إِلَيْهِمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا وَلِلَّهِ الْحَمْد، وَهَذَا مِنْ الْمُعْجِزَات، قَالَ الْعُلَمَاء: وَالْمَصْلَحَة الْمُتَرَتِّبَة عَلَى إِتْمَام هَذَا الصُّلْح مَا ظَهَرَ مِنْ ثَمَرَاته الْبَاهِرَة، وَفَوَائِده الْمُتَظَاهِرَة، الَّتِي كَانَتْ عَاقِبَتهَا فَتْح مَكَّة، وَإِسْلَام أَهْلهَا كُلّهَا، وَدُخُول النَّاس فِي دِين اللَّه أَفْوَاجًا؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَبْل الصُّلْح لَمْ يَكُونُوا يَخْتَلِطُونَ بِالْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَظَاهَر عِنْدهمْ أُمُور النَّبِيّ ﷺ كَمَا هِيَ، وَلَا يَحِلُّونَ بِمَنْ يُعْلِمهُمْ بِهَا مُفَصَّلَة، فَلَمَّا حَصَلَ صُلْح الْحُدَيْبِيَة اِخْتَلَطُوا بِالْمُسْلِمِينَ، وَجَاءُوا إِلَى الْمَدِينَة، وَذَهَبَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَكَّة، وَحَلُّوا بِأَهْلِهِمْ وَأَصْدِقَائِهِمْ وَغَيْرهمْ مِمَّنْ يَسْتَنْصِحُونَهُ، وَسَمِعُوا مِنْهُمْ أَحْوَال النَّبِيّ ﷺ مُفَصَّله بِجُزْئِيَّاتِهَا، وَمُعْجِزَاته الظَّاهِرَة، وَأَعْلَام نُبُوَّته الْمُتَظَاهِرَة، وَحُسْن سِيرَته، وَجَمِيل طَرِيقَته، وَعَايَنُوا بِأَنْفُسِهِمْ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ، فَمَا زَلَّتْ نُفُوسهمْ إِلَى الْإِيمَان حَتَّى بَادَرَ خَلْق مِنْهُمْ إِلَى الْإِسْلَام قَبْل فَتْح مَكَّة فَأَسْلَمُوا بَيْن صُلْح الْحُدَيْبِيَة وَفَتْح مَكَّة، وَازْدَادَ الْآخَرُونَ مَيْلًا إِلَى الْإِسْلَام، فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح أَسْلَمُوا كُلّهمْ لِمَا كَانَ قَدْ تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنْ الْمَيْل، وَكَانَتْ الْعَرَب مِنْ غَيْر قُرَيْش فِي الْبَوَادِي يَنْتَظِرُونَ بِإِسْلَامِهِمْ إِسْلَام قُرَيْش، فَلَمَّا أَسْلَمَتْ قُرَيْش أَسْلَمَتْ الْعَرَب فِي الْبَوَادِي. قَالَ تَعَالَى (إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالْفَتْح وَرَأَيْت النَّاس يَدْخُلُونَ فِي دِين اللَّه أَفْوَاجًا).
стр. 2473
وقال ﵀ ك وَفِيهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْقِد الصُّلْح عَلَى مَا رَآهُ مَصْلَحَة لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَظْهَر ذَلِكَ لِبَعْضِ النَّاس فِي بَادِئ الرَّأْي.
وَفِيهِ: اِحْتِمَال الْمَفْسَدَة الْيَسِيرَة لِدَفْعِ أَعْظَم مِنْهَا أَوْ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَة أَعْظَم مِنْهَا إِذَا لَمْ يُمْكِن ذَلِكَ إِلَّا بِذَلِكَ.
فائدة: تألم عمر وبعض الصحابة من شروط صلح الحديبية، ورأوا أنه فيها استكانة أمام الكفار.
فقد جاء في الصحيحين:
عنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ (قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ؛ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَوْ نَرَى قِتَالاً لَقَاتَلْنَا وَذَلِكَ فِي الصُّلْحِ الَّذِى كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ «بَلَى». قَالَ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ «بَلَى». قَالَ فَفِيمَ نُعْطِى الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا». قَالَ فَانْطَلَقَ عُمَرُ فَلَمْ يَصْبِرْ مُتَغَيِّظًا فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ بَلَى. قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ بَلَى. قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِى الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؛ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا. قَالَ فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْفَتْحِ فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ فَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ «نَعَمْ». فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَرَجَعَ).
قَوْله: (قَامَ سَهْل بْن حُنَيْفٍ يَوْم صِفِّينَ فَقَالَ: يَا أَيّهَا النَّاس اِتَّهِمُوا أَنْفُسكُمْ … إِلَى آخِره):
стр. 2474
قال النووي: أَرَادَ بِهَذَا تَصْبِير النَّاس عَلَى الصُّلْح، وَإِعْلَامهمْ بِمَا يُرْجَى بَعْده مِنْ الْخَيْر، فَإِنَّهُ يُرْجَى مَصِيره إِلَى خَيْر، وَإِنْ كَانَ ظَاهِره فِي الِابْتِدَاء مِمَّا تَكْرَههُ النُّفُوس، كَمَا كَانَ شَأْن صُلْح الْحُدَيْبِيَة، وَإِنَّمَا قَالَ سَهْل هَذَا الْقَوْل حِين ظَهَرَ مِنْ أَصْحَاب عَلِيّ ﵁ كَرَاهَة التَّحْكِيم، فَأَعْلَمَهُمْ بِمَا جَرَى يَوْم الْحُدَيْبِيَة مِنْ كَرَاهَة أَكْثَر النَّاس الصُّلْح، وَأَقْوَالهمْ فِي كَرَاهَته، وَمَعَ هَذَا فَأَعْقَبَ خَيْرًا عَظِيمًا، فَقَرَّرَهُمْ النَّبِيّ ﷺ عَلَى الصُّلْح مَعَ أَنَّ إِرَادَتهمْ كَانَتْ مُنَاجَزَة كُفَّار مَكَّة بِالْقِتَالِ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَر ﵁: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّة فِي دِيننَا.
قوله (فَفِيمَ نُعْطِى الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا):
قال النووي: هِيَ بِفَتْحِ الدَّال وَكَسْر النُّون وَتَشْدِيد الْيَاء، أَيْ: النَّقِيصَة، وَالْحَالَة النَّاقِصَة، قَالَ الْعُلَمَاء: لَمْ يَكُنْ سُؤَال عُمَر ﵁ وَكَلَامه الْمَذْكُور شَكًّا؛ بَلْ طَلَبًا لِكَشْفِ مَا خَفِيَ عَلَيْهِ، وَحَثًّا عَلَى إِذْلَال الْكُفَّار وَظُهُور الْإِسْلَام كَمَا عُرِفَ مِنْ خُلُقه ﵁، وَقُوَّته فِي نُصْرَة الدِّين وَإِذْلَال الْمُبْطِلِينَ.
قَوْله (فَنَزَلَ الْقُرْآن عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ بِالْفَتْحِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَر فَأَقْرَأهُ إِيَّاهُ فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه أَوَ فَتْح هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَطَابَتْ نَفْسه وَرَجَعَ):
الْمُرَاد أَنَّهُ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى (إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا) وَكَانَ الْفَتْح هُوَ صُلْح يَوْم الْحُدَيْبِيَة، فَقَالَ عُمَر: أَوَ فَتْح هُوَ؟ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ نَعَمْ. لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَوَائِد الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرهَا.
وَفِيهِ إِعْلَام الْإِمَام وَالْعَالِم كِبَار أَصْحَابه مَا يَقَع لَهُ مِنْ الْأُمُور الْمُهِمَّة، وَالْبَعْث إِلَيْهِمْ لِإِعْلَامِهِمْ بِذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم. (نووي)
قال ابن حجر: لم يذكر عمر أنه راجع أحداً في ذلك بعد رسول الله ﷺ غير أبي بكر الصديق، وذلك لجلالة قدره وسعة علمه عنده، وفي جواب أبي بكر لعمر بنظير ما أجابه النبي ﷺ سواء، دلالة على أنه كان أكمل الصحابة وأعرفهم بأحوال رسول الله ﷺ ، وأعلمهم بأمور الدين وأشدهم موافقة لأمر الله تعالى، وقد وقع التصريح في هذا الحديث بأن المسلمين استنكروا الصلح المذكور وكانوا على رأي عمر في ذلك، وظهر من هذا الفصل أن الصديق لم يكن في ذلك موافقا لهم، بل كان قلبه على قلب رسول الله ﷺ سواء. (الفتح).
стр. 2475
١٣١٤ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِو. عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ قَتَلَ مُعَاهِداً لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ اَلْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لِيُوجَد مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامّاً) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيّ.
===
• ما المراد بالمعاهد في قوله (مَنْ قَتَلَ مُعَاهِداً)؟
المراد بالمعاهد هنا، يشمل الذمي والمعاهد والمستأمن.
قالَ فِي (النهاية) يجوز أن يكون بكسر الهاء، وفتحها، عَلَى الفاعل والمفعول، وهو فِي الْحَدِيث بالفتح أشهر وأكثر، والمعاهد منْ كَانَ بينك وبينه عهدٌ، وأكثر ما يُطلق فِي الْحَدِيث عَلَى أهل الذّمّة، وَقَدْ يُطلق عَلَى غيرهم، منْ الكفّار إذا صولحوا عَلَى ترك الحرب مدّةً مّا. انتهى.
وقال ابن حجر: وَالْمُرَاد بِهِ مَنْ لَهُ عَهْد مَعَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاء كَانَ بِعَقْدِ جِزْيَة أَوْ هُدْنَة مِنْ سُلْطَان أَوْ أَمَان مِنْ مُسْلِم.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد تحريم قتل المعاهدين بغير حق، وأن هذا من كبائر الذنوب.
قال ابن قدامة: أَنَّ الْأَمَانَ إذَا أُعْطِيَ أَهْلَ الْحَرْبِ، حَرُمَ قَتْلُهُمْ وَمَالُهُمْ وَالتَّعَرُّضُ لَهُمْ.
• ما معنى (لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ اَلْجَنَّةِ) وفي حديث أبي بكرة عند النسائي (حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)؟
قَالَ فِي (عون المعبود) أي: لا يدخلها مع أول منْ يدخلها منْ المسلمين الذين لم يقترفوا الكبائر.
وَقَالَ الحافظ فِي الفتح: والمراد بهذا النفي، وإن كَانَ عاماً التخصيص بزمانٍ مّا، لِمَا تعاضدت الأدلة العقلية والنقلية، أن منْ مات مسلماً، ولو كَانَ منْ أهل الكبائر، فهو محكوم بإسلامه، غير مخلد فِي النار، ومآله إلى الجنة، ولو عُذِّبَ قبل ذلك. انتهى.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز معاهدة الكفّار، وعقد الذّمّة لهم.
- بيان عظمة الإِسلام، ورفعة مكانته، حيث إنه يُراعي حقوق كلّ النَّاس، ولو كانوا غير مسلمين، ما داموا مسالمين لأهل الإِسلام، واعتباره الاعتداء عليهم جريمة كبرى، بحيث يستحقّ به المسلم، إذا ارتكبه حرمان الجنّة التي ثبتت له بإسلامه، فلما اعتدى فِي الإِسلام، ولم يحترم حدوده عاقبه الله تعالى بمنعه عن مقامه الرفيع.
باب اَلسَّبْقِ وَالرَّمْيِ
تعريف السبق.
السبَق بفتح الباء: قال البغوي هو المال المشروط للسابق على سبقه.
وقال الخطابي: هو ما يُجعل للسابق من الجعل.
وأما السبْق بسكون الباء، هو عقد بين متعاقدين على عمل يعملونه لمعرفة الأحذق منهم فيه.
стр. 2476
١٣١٥ - عَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (سَابَقَ اَلنَّبِيَّ ﷺ بِالْخَيْلِ اَلَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ، مِنْ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةِ اَلْوَدَاعِ. وَسَابَقَ بَيْنَ اَلْخَيْلِ اَلَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنْ اَلثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَكَانَ اِبْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
زَادَ اَلْبُخَارِيُّ، قَالَ سُفْيَانُ: مِنْ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ اَلْوَدَاعُ خَمْسَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ سِتَّةَ، وَمِنْ اَلثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيل.
١٣١٦ - وَعَنْهُ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ سَبْقَ بَيْنَ اَلْخَيْلِ، وَفَضَّل اَلْقَرْحُ فِي اَلْغَايَةِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّان.
===
(قَدْ أُضْمِرَتْ) الإضمار: المراد به أن تُعلف الخيل حتى تسمن، وتقوى، ثم يقلّل علفها بقدر القوت، وتدخل بيتاً، وتغشى بالجلال، حتى تحمى فتعرق، فإذا جف عرقها خف لحمها، وقويت على الجري، وأما الخيل التي لم تضمر فهي ضدها، التي لم يعمل بها هذا العمل.
(مِنَ الْحَفْيَاءِ) موضع بظاهر المدينة.
(وَأَمَدُهَا) أي: غايتها.
(ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ) الثنية لغة: الطريقة إلى العقبة، وثنية الوداع: موضع بالمدينة، سمي بذلك لأن الخارج من المدينة يمشي معه المودّعون إليها.
(إِلَى مَسْجِدِ بَنِى زُرَيْقٍ) بطن من الأنصار من الخزرج.
(سَبّقَ) بفتح السين وتشديد الباء، أي: التزم السبَق، وهو ما يعطى من الجوائز للسابق على سبقه.
(وَفَضل اَلْقَرْحُ فِي اَلْغَايَةِ) القُرّح: بضم القاف وتشديد الراء جمع قارح، وهو من الخيل ما دخل في السنة الخامسة، والمعنى: جعل مسافة سباقها أبعد وأطول من مسافة ما دونها.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد مشروعية المسابقة.
وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
أ-قال تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ).
فأمر بإعداد القوة ورباط الخيل، ومن طرق ووسائل إعدادها المسابقة، فدل على مشروعيتها.
قال الجصاص: وهذا يدل على أن جميع ما يقوي على العدو فهو مأمور بإعداده.
стр. 2477
ب- وقال تعالى حكاية عن إخوة يوسف (إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا … ).
قال السعدي: نستبق إما على الأقدام أو بالرمي والنضال.
ج – ولحديث الباب.
ففيه تشجيع من النبي ﷺ للسباق بالخيل، وفيه دلالة أكيدة على مشروعية السباق.
قال ابن حجر: وفي الحديث مشروعية المسابقة، وأنه ليس من العبث بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة.
د- وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ (كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةٌ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ لَا تُسْبَقُ- قَالَ حُمَيْدٌ، أَوْ لَا تَكَادُ تُسْبَقُ - فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ فَقَالَ حَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ وَضَعَهُ) رواه البخاري.
قال ابن حجر: وفي الحديث اتخاذ الإبل للركوب والمسابقة عليها.
هـ- وعَنْ عَائِشَةَ، ﵂ (أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ قَالَتْ: فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ) رواه أبو داود.
و- وعن سَلَمَة بْن الأَكْوَع ﵁ قَالَ (مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ قَالَ فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ قَالُوا كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ) رواه البخاري.
ز- وعن رُكانة (أنه صَارَعَ النَّبِيَّ ﷺ فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ رواه أبو داود.
وحكى الإجماع، ابن قدامة، وابن القيم وغيرهما على جواز المسابقة في الجملة.
• اذكر الشروط المتعلقة بأداة السباق؟
الشرط الأول: أن تكون الأداة المسابق بها أو عليها يجوز فيها المسابقة، نحو خيل وأقدام وإبل.
الشرط الثاني: تعيين الآلتين – من مركوبين ونحو ذلك – برؤية أو صفة.
الشرط الثالث: أن يكون المركوبان من جنس واحد.
وهذا مذهب الحنابلة، وبعض الشافعية.
فلا تجوز المسابقة بين جنسين مختلفين كفرس وبعير.
لأن البعير لا يكاد يسبق الفرس، فلا يحصل الغرض.
وقال بعض الشافعية وجمهور المالكية، بالتقارب في السبق، فإن تقارب جنسان كالبغل والحمار جاز.
стр. 2478
الشرط الرابع: إمكان سبق كل من المتسابقين عادة.
وهذا اشترطه الحنفية، وبعض المالكية، وأكثر الشافعية.
لأن النبي ﷺ لم يسابق بين المضمرات وغيرها، بل جعل كل صنف منها مع ملائمه، لأن غير المضمرة لا تساوي المضمرة.
ولأن عقد السبق يراد به التنافس وعلم السابق، فإذا علم أن أحدهم لا يستطيع السبق لم يتوصل حينئذ إلى جديد في سباقهما. ولأن موضوع المسابقة: توقع كل منهما سبق نفسه ليسعى، فيعلم أو يتعلم.
• ماذا نستفيد من قوله ( … مِنْ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةِ اَلْوَدَاعِ)؟
نستفيد أنه يشترط في المسابقة تحديد المسافة، وتعيين المبتدأ والغاية.
لأن الغرض معرفة الأسبق، ولا يحصل بتحديد المسافة.
وفي حديث الباب حدد النبي ﷺ المبتدأ والمنتهى.
لأنه مع عدم تعيينهما تحصل المنازعة، ولا يتحقق غرض المسابقة.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- قوله (وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ) بِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُسَابَقَةُ بَيْنَ الْخَيْلِ مَرْكُوبَةً، وَلَيْسَ الْمُرَادُ إرْسَالَ الْفَرَسَيْنِ لِيَجْرِيَا بِأَنْفُسِهِمَا، وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْمُسَابَقَةِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الدَّوَابَّ لَا تَهْتَدِي لِقَصْدِ الْغَايَةِ بِغَيْرِ رَاكِبٍ، وَرُبَّمَا نَفَرَتْ بِخِلَافِ الطُّيُورِ إذَا جُوِّزَتْ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تَهْتَدِي لِلْمَقْصِدِ.
- مشروعية المسابقة على الخيل، وتنويع مسافات السباق بحسب درجات الخيل في قوتها وجلادتها.
- جواز إضمار الخيل، قال في الفتح: ولا يخفى اختصاص استحبابها بالخيل المعدة للغزو.
- مشروعية الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة. (الاثنين: ٢٩/ ١١/ ١٤٣٣ هـ).
- الحديث دليل على جواز قول: مسجد بني فلان.
قال ابن حجر: والجمهور على الجواز.
والمخالف في ذلك إبراهيم النخعي لقوله تعالى (وأن المساجد لله).
وجوابه: أن الإضافة في مثل هذا إضافة تمييز لا تمليك. (الفتح).
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَفِيهِ جَوَازُ إضَافَةِ أَعْمَالِ الْبِرِّ إلَى أَرْبَابِهَا وَنِسْبَتِهَا إلَيْهِمْ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَزْكِيَةٌ لَهُمْ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ النَّخَعِيّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ، وَلَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُقَالَ مُصَلَّى بَنِي فُلَانٍ قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ قَوْلَهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِنَا مُصَلًّى وَمَسْجِدٌ.
وقال ابن العربي: المساجد وإن كانت لله ملكاً وتشريفاً، فإنها قد نسبت إلى غيره تعريفاً، فيقال: مسجد فلان.
وقال النووي في (المجموع) ولا بأس أن يقال مسجد فلان، ومسجد بني فلان على سبيل التعريف. والله أعلم.
стр. 2479
١٣١٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا سَبْقَ إِلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّان.
===
(لَا سَبَقَ) بفتح الباء، وهو العوض ما يجعل من الجوائز للسابق.
(إِلَّا فِي خُفٍّ) هذا كناية عن الإبل لأنها هي ذات الخف.
(أَوْ نَصْلٍ) هي حديدة السهم والرمح.
(أَوْ حَافِرٍ) كناية عن الخيل لأنها هي ذات الحافر.
• ما معنى الحديث؟
معناه: أي لا أخذ عوض إلا في هذه الثلاثة، وأنه اذا حصل سباق في غير هذه الثلاثة فإنه يجوز لكن بدون عوض، ويكون أكل المال بهذه الثلاثة مستثنى من جميع أنواع المغالبات.
قال الخطّابي (السبق) بفتح الباء: هو ما يُجعل للسابق على سَبْقه من جُعْل، ونوال، فأما السبْقُ بسكون الباء، فهو مصدر سبقت الرجل أسبُقه سَبْقًا، والرواية الصحيحة في هذا الحديث السّبَقُ مفتوحة الباء، يريد أن الجعل والعطاء لا يُستحقّ إلا في سباق الخيل، والإبل، وما في معناهما، وفي النصل، وهو الرمي،
• ما الحكمة من إباحة أخذ العوض في هذه الثلاثة؟
لأن في بذل الجعل عليها ترغيب في الجهاد وتحريض عليه.
قال الخطابي: وذلك لأن هذه الامور عُدّة في قتال العدوّ، وفي بذل الْجُعْل عليها ترغيبٌ في الجهاد، وتحريض عليه.
وقال ابن قدامة: وأما المسابقة بعوض، فلا تجوز إلا بين الخيل، والإبل، والرمي، قال: وبهذا قال الزهريّ، ومالك.
لحديث (لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر) فنفى السبق في غير هذه الثلاثة.
ولأن غير هذه الثلاثة لا يحتاج إليها في الجهاد كالحاجة إليها، فلم تجز المسابقة عليها بعوض. (المغني).
стр. 2480
• ما حكم أخذ العوض في المسابقة على غير هذه الثلاثة (كالبغال والحمير)؟
اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: المنع.
وهذا مذهب المالكية، والحنابلة، وقول ابن حزم وكثير من السلف والخلف.
أ- لان غير هذه الثلاثة لا يساويها فيما تضمنته من الفروسية، وتعلم أسباب الجهاد.
ب- ولأن هذه الثلاثة هي التي عهدت عليها المسابقة في عهد النبي ﷺ ، ولم يسابق قط على بغل ولا على حمار مع وجودها عندهم.
القول الثاني: الجواز في كل ذات حافر من البغال والحمير.
وهذا مذهب الحنفية، والشافعية.
لأنها ذوات حوافر، وقد يحتاج إلى سرعة سيرها ونجائها، لأنها تحمل أثقال العساكر، وتكون معها في المغازي.
والقول الأول أرجح.
• هل يجوز أخذ العوض في المسابقات العلمية؟
اختلف العلماء في المسابقات العلمية على قولين:
القول الأول: المنع.
وهذا قول جمهور العلماء.
فهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية.
أ- للحديث (لا سبق … ) فالحديث فيه الحصر.
ب- أن الرهان في العلم لا يحتاج إليه في الجهاد.
القول الثاني: الجواز.
وهذا مذهب الحنفية، واختاره ابن تيمية، وابن القيم.
أ- استدلوا بقصة مراهنة أبي بكر للمشركين بفوز الروم، وهذه مراهنة في العلم.
ب- القياس على ما ورد به النص في الأمور الثلاثة، بجامع أن العلة نصرة الدين وقيامه، فكما يقوم بالجهاد فهو كذلك يقوم بالعلم.
قال ابن القيم: فإذا جازت المراهنة على آلات الجهاد، فهي في العلم أولى بالجواز.
والله أعلم.
• القمار: قيل: كل لعب على مال يأخذه الغالب من المغلوب، أو هو الذي لا يخلو أن يكون الداخل فيه غانماً إن أخذ أو غارماً إن أعطى.
стр. 2481
• ماذا نستفيد من قوله (لا سبق … )؟
نستفيد جواز المسابقات بغير هذه الثلاثة بغير عوض.
كالسباق على الأقدام، والمصارعة، وحمل الأثقال وغيرها.
فهذا النوع يجوز بلا عوض ويحرم بعوض.
فهذا يحرم أخذ المال فيه حتى لا يتخذ عادة وصناعة ومتجراً، وأبيح بدون مال لما فيه من إجمام للنفس وترويح لها، وتقوية للبدن.
وقد تقدم دليله:
كحديث عائشة قالت (كنت مع النبي ﷺ في سفر فسابقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال: هذه بتلك السبقة) رواه أبوداود.
وعن ركانة (أنه صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ رواه أبوداود.
وهذا النوع لا يجوز بعوض من الطرفين: لأن في بذل السبق من المسابقين قمار، لأن كل واحد من المتسابقين يجوز أن يذهب ماله إلى صاحبه.
• ما الحكم إذا كان الجُعل من غير المتسابقين (طرف ثالث)؟
يجوز من غير خلاف.
قال النووي: فأما المسابقة بعوض فجائزة بالإجماع لكن بشرط أن يكون العوض من غير المتسابقين.
وقال الصنعاني: فإذا كان الجعل من غير المتسابقين كالإمام يجعله للسابق حل ذلك بلا خلاف.
ويدل ذلك حديث ابن عمر (أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل وأعطى السابق) رواه أحمد.
• ما الحكم إذا كان الجعل من أحد المتسابقين؟
وصورته: أن يقول أحد المتسابقين للآخر: سابقني فإن سبقتني فأعطيك سبقاً وجعْلاً مقداره كذا، ولا يُخرج الآخر شيئاً من ماله البتة.
وهذه الصورة جمهور العلماء على جوازها لانتفاء شبهة القمار.
فهو مذهب الحنابلة، والحنفية، والشافعية.
الخلاصة:
الجعل في المسابقات ينقسم إلى أقسام:
أولاً: إما أن يكون من المتسابقين جميعاً:
فهنا لا يجوز لأنه قمار، إلا في الثلاثة المنصوص عليها. (الخيل والإبل والسهام).
ثانياً: وإما أن يكون من أحدهما:
فهذا جائر.
ثالثاً: وإما أن يكون من أجنبي:
فهذا جائز في كل مسابقة مباح.
стр. 2482
١٣١٨ - وَعَنْهُ، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ أَدْخُلُ فَرَساً بَيْنَ فَرَسَيْنِ - وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُسْبِقَ - فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ أَمِنَ فَهُوَ قِمَارٌ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيف.
===
(مَنْ أَدْخُلُ فَرَساً بَيْنَ فَرَسَيْنِ) أي: من أجرى فرساً في السباق مع فرسين، وهذا الفرس يسمى المحلل.
(وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُسْبقَ) بضم الياء
(فَلَا بَأْسَ بِهِ) أي: فلا مانع.
(وَإِنْ أَمِنَ) أن يُسبق.
(فَهُوَ قِمَارٌ) سيأتي إن شاء الله تعريفه.
• ما صحة حديث الباب؟
ضعيف.
• على ماذا يدل الحديث؟
هذا الحديث يستدل به من قال باشتراط محلل إذا كان الجعل من الطرفين، لإخراج العقد من القمار.
وهذا مذهب أكثر الحنابلة، وجميع الحنفية، والشافعية.
قالوا: لا يجوز أن يكون بذل العوض من جميع المتسابقين إلا أن يُدخل في السباق محلل.
والمحلل: اسم فاعل من حلل: جعله حلالاً، لأنه حلل الجعل بدخوله، والمقصود به هنا: الفرس الثالث من خيل الرهان، وذلك بأن يضع الرجلان رهنين بينهما، ثم يأتي رجل سواهما فيرسل معهما فرسه، ولا يضع رهناً.
أ- واستدلوا بحديث الباب (من أدخل فرساً بين فرسين … ).
ب- قالوا: بدون محلل قمار، وبالمحلل ينتفي القمار، لأن الثالث (المحلل) لا يغرم قطعاً ويقيناً، وإنما يحتمل أن يأخذ أو لا يأخذ، فخرج بذلك من أن يكون قماراً.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يشترط وجود محلل.
هذا اختيار ابن تيمية، وابن القيم.
للحديث السابق (لا سبق إلا في خف … ) ولم يشترط محللاً.
و لو كان المحلل شرطاً لصرح به.
стр. 2483
وعلى هذا فإخراج الجعل من الطرفين قمار في الأصل، ولكنه في هذه المسألة ليس قماراً محرماً، بل هو مستثنى منه، لأن فيه مصلحة، وهي التمرن على آلات القتال، وهي مصلحة عظيمة تنغمر فيها المفسدة التي تحصل بالميسر.
قال السعدي: الصحيح جواز المسابقة على الخيل، والإبل، والسهام بعوض، ولو كان المتسابقان كل منهما مخرجًا العوض، ولأنَّه لا يشترط المحلل، وتعليلهم لأجل أن يخرج عن شبه القمار تعليل فيه نظر، فإنَّه لا يشترط أن يخرج عن شبه القمار، بل هو قمار جائز.
وقال رحمه الله تعالى: المغالبات بالنسبة لأخذ العوض ثلاثة أقسام:
الأول: يجوز بلا عوض، ولا يجوز بعوض، وهذا هو الأصل والأغلب، فدخل في هذه المسابقة على الأقدام، والسفن، والمصارعة، ومعرفة الأشد في غير ما فيه تهلكة.
الثاني: لا يجوز بعوض، ولا بغير عوض؛ وذلك كالشطرنج، والنرد، وكل مغالبة ألهت عن واجب، أو دخلت في محرم، والحكمة منها ظاهرة.
الثالث: تجوز بعوض، وهي المسابقة، والمغالبة بين السهام، والإبل، والخيل، لصريح الحديث المبيح.
• عرف القمار؟
قال ابن قدامة: القمار ألا يخلو كل واحد منهما - أي المتسابقين - من أن يغنم أو يغرم.
وقال الخطابي: معنى القمار الذي إنما هو: مواضعة بين اثنين على مال يدور بينهما في الشقين، فيكون كل واحد منهما إما غانماً أو غارماً.
وقال الشوكاني: كل ما لا يخلو اللاعب فيه من غنم أو غرم فهو ميسر.
• اذكر أدلة تحريمه؟
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ).
ب- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ وَاللاَّتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ) متفق عليه.
ودلالة الحديث على الحرمة واضحة، فإن النبي ﷺ جعل مجرد الدعوة إلى القمار موجباً للكفارة بالصدقة.
قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ تَكْفِيرًا لِخَطِيئَةٍ فِي كَلَامه بِهَذِهِ الْمَعْصِيَة، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ: فَلْيَتَصَدَّقْ بِمِقْدَارِ مَا أَمَرَ أَنْ يُقَامِر بِهِ، وَالصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَهُوَ ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُ لَا يَخْتَصّ بِذَلِكَ الْمِقْدَار؛ بَلْ يَتَصَدَّق بِمَا تَيَسَّرَ مِمَّا يَنْطَلِق عَلَيْهِ اِسْم الصَّدَقَة، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مَعْمَر الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم (فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ).
وقال ابن حجر: القمار من جملة اللهو، ومن دعا إليه دعا إلى المعصية، فلذلك أمر بالتصدق ليكفر عنه تلك المعصية، لأن من دعا إلى معصية وقع بدعائه إليها في معصية.
стр. 2484
١٣١٩ - وَعَنْ عَقَبَةِ بْنُ عَامِرٍ ﵁ قَالَ سَمِعْتَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ (وَهُوَ عَلَى اَلْمِنْبَرِ يَقْرَأُ: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) أَلَا إِنَّ اَلْقُوَّةَ اَلرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ اَلْقُوَّةَ اَلرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ اَلْقُوَّةَ اَلرَّمْيُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(وَأَعِدُّوا لَهُمْ) أمر الله تعالى المؤمنين بإعداد آلات الحرب لمقاتلة أعدائهم حسب الطاقة والإمكان.
(مَا اِسْتَطَعْتُمْ) أي: مهما أمكنكم.
(مِنْ قُوَّةٍ) ثم فسر النبي ﷺ القوة.
(أَلَا إِنَّ اَلْقُوَّةَ اَلرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ اَلْقُوَّةَ اَلرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ اَلْقُوَّةَ اَلرَّمْيُ) قال القرطبي: القوَّة: التقوى بإعداد ما يحتاج إليه من الدروع، والمجان، والسيوف، والرِّماح، وسائر آلات الحرب، والرَّمي، إلا أنه لما كان الرَّمي أنكاها في العدو، وأنفعها فسرها وخصصها بالذكر وأكدها ثلاثًا، ولم يرد أنها كل العدّة، بل أنفعها.
ووجه أنفعيتها: أن النكاية بالسِّهام تبلغ العدو من الشجاع وغيره، بخلاف السيف والرمح، فإنه لا تحصل النكاية بهما إلا من الشجعان الممارسين للكرِّ والفرِّ، وليس كل أحد كذلك. ثم: إنها أقرب مؤنة، وأيسر محاولة وإنكاء. ألا ترى أنه قد يرمي رأس الكتيبة فينهزم أصحابه؛ إلى غير ذلك مما يحصل منه من الفوائد، والله تعالى أعلم. (المفهم).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد فضل الرمي وتعلمه، وأنه من أعظم أسباب القوة لمواجهة العدو.
وقد جاءت نصوص في فضل الرمي:
أ- كحديث الباب.
ب- وعن عُقْبَةُ. قال: قال ﷺ (مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا أَوْ قَدْ عَصَى) رواه مسلم.
قال النووي: هَذَا تَشْدِيد عَظِيم فِي نِسْيَان الرَّمْي بَعْد عِلْمه، وَهُوَ مَكْرُوه كَرَاهَة شَدِيدَة لِمَنْ تَرَكَهُ بِلَا عُذْر.
ج- وعنه. قال قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ، ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صُنْعِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنَبِّلَهُ، وَارْمُوا، وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا) رواه أبو داود.
د- وعنه. قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ وَيَكْفِيكُمُ اللَّهُ فَلَا يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ). رواه مسلم
هـ-وعن سَلَمَةَ بْن الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ (مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ) رواه البخاري.
قال القرطبي: وفضل الرمي عظيم، ومنفعته عظيمة للمسلمين، ونكايته شديدة على الكافرين، قال ﷺ : يا بني إسماعيل ارموا، فإن أباكم كان رامياً .... (التفسير).
стр. 2485
• ما الأفضل الرمي أم ركوب الخيل؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
قيل: الرمي أفضل. وقيل: ركوب الخيل أفضل.
قال ابن كثير: وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، وذهب الإمام مالك إلى أن الركوب أفضل من الرمي، وقول الجمهور أقوى للحديث، والله أعلم.
فائدة:
قال الرازي: وقوله ﷺ (القوة هي الرمي) لا ينفي كون غير الرمي معتبراً، كما أن قوله ﷺ (الحج عرفة) و (الندم توبة) لا ينفي اعتبار غيره، بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا ههنا، وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل والسلاح وتعليم الفروسية والرمي فريضة، إلا أنه من فروض الكفايات.
وقال الجصاص: وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ (أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ) أَنَّهُ مِنْ مُعْظَمِ مَا يَجِبُ إعْدَادُهُ مِنْ الْقُوَّةِ عَلَى قِتَالِ الْعَدُوِّ، وَلَمْ يَنْفِ بِهِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ مِنْ الْقُوَّةِ، بَلْ عُمُومُ اللَّفْظِ شَامِلٌ لِجَمِيعِ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ السِّلَاحِ وَآلَاتِ الْحَرْبِ.
فائدة: قال الرازي: قوله تعالى (ترهبون به عدو الله وعدوكم) وذلك أن الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد ومستعدين له مستكملين لجميع الأسلحة والآلات خافوهم، وذلك الخوف يفيد أموراً كثيرة:
أولها: أنهم لا يقصدون دخول دار الإسلام.
وثانيها: أنه إذا اشتد خوفهم فربما التزموا من عند أنفسهم جزية.
وثالثها: أنه ربما صار ذلك داعياً لهم إلى الإيمان.
ورابعها: أنهم لا يعينون سائر الكفار.
وخامسها: أن يصير ذلك سبباً لمزيد الزينة في دار الإسلام.
стр. 2486
كِتَاب اَلْأَطْعِمَةِ
الطعام في اللغة يطلق في الغالب على ما يؤكل، وقد يطلق على ما يشرب بقلة كقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ). وقال ﷺ في زمزم (إنها طعام طُعْم).
الأصل في الأطعمة الحل.
أ-لقوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً).
قال في تفسير المنار: وهذه نص الدليل القطعي على القاعدة المعروفة عند الفقهاء: أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، والمراد إباحة الانتفاع بها أكلاً وشرباً ولباساً وتداوياً وركوباً وزينة.
ب- وقال تعالى (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ).
دلت هذه الآية على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات الإباحة، لأن الاستفهام في (مَنْ) للإنكار، ومن هذا يعلم أن هذه الآية تدل على أن الأصل في هذه الأشياء التي هي من أنواع الزينة وكل ما يتجمل به ومن الطيبات من الرزق هو الحل.
ج- وقال تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ).
وجه الدلالة: أنه إذا كان ما في الأرض مسخراً لنا، جاز استمتاعنا به، وهذا معنى الإباحة.
د- وقال ﷺ (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) رواه الدار قطني.
стр. 2487
١٣٢٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ اَلسِّبَاعِ، فَأَكَلَهُ حَرَامٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
١٣٢١ - وَأَخْرَجَهُ: مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظٍ: نَهَى. وَزَادَ (وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ اَلطَّيْرِ).
===
(كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ اَلسِّبَاعِ) أي: يفترس به.
(وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ اَلطَّيْرِ) أي: له ظفر يصيد به كالصقر والعقاب.
قال ابن حجر في الفتح (والمخلب) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح اللام بعدها موحدة وهو للطير كالظفر لغيره لكنه أشد منه وأغلظ وأحد، فهو له كالناب للسبع.
ولفظ حديث ابن عباس:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ).
- ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد تحريم أكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير.
السباع: كَالأْسَدِ، وَالنِّمْرِ، وَالذِّئْبِ، وَالْفِيلِ، وَالْفَهْدِ، وَالْكَلْبِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالسِّنَّوْرِ، وَالنِّمْسِ، وَالْقِرْدِ، وَالدُّبِّ
والطيور: كَالْعُقَابِ، وَالْبَازِي، وَالصَّقْرِ، وَالشَّاهِينِ، وَالبَاشِقِ، وَالحِدَأَةِ، وَالْبُومَةِ.
أ-لحديث - الباب - حديث أبي هريرة.
ب-ولحديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ) رواه مسلم.
ج- وعَنْ أَبِى ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ) متفق عليه.
وهذا قول جماهير العلماء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وإحدى الروايتين عن مالك.
قال النووي: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَدَاوُد وَالْجُمْهُور أَنَّهُ يَحْرُم أَكْل كُلّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاع وَكُلّ ذِي مِخْلَب مِنْ الطَّيْر.
وقال ابن قدامة: أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ كُلِّ ذِي نَابٍ قَوِيٍّ مِنْ السِّبَاعِ، يَعْدُو بِهِ وَيَكْسِرُ، إلَّا الضَّبُعَ.
وقال الشوكاني: وفي الحديث دليل على تحريم ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير وإلى ذلك ذهب الجمهور.
- ما الحكمة من تحريم أكلها؟
قال ابن القيم: السبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المتغذي بها شبهها، فإن الغاذي شبيه بالمغتذي.
وقال ابن عثيمين: ولأن الحكمة تقتضيه؛ لأن للغذاء تأثيراً على المُتَغَذِّي به، فالإنسان ربما إذا اعتاد التغذِّي على هذا النوع من اللحوم صار فيه محبة العدوان على الغير؛ لأن ذوات الناب من السباع تعتدي، فإن الذئب مثلاً إذا رأى الغنم عدى عليها، ومع ذلك فإن بعض الذئاب إذا دخل في القطيع ما يكتفي بقتل واحدة ويأكلها، بل يمر على القطيع كله فيقتله كله، ويأكل ما شاء ثم يخرج.
стр. 2488
- ما الجواب عن قوله تعالى (قُلْ لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) حيث استدل ب ها بعض العلماء على الكراهة دون التحريم؟
الجواب: أن الآية مكية نزلت قبل الهجرة، قصد بها الرد على أهل الجاهلية في تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ثم بعد ذلك حرم أمور كثيرة كالحمر الإنسية ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، فالآية ليس فيها إلا الإخبار بأنه لم يجد في ذلك الوقت محرماً إلا المذكورات في الآية، ثم أوحي إليه بتحريم كل ذي ناب من السباع. (أحكام الأطعمة الفوزان).
وقال النووي: وَاحْتَجَّ أَصْحَابنَا بِهَذِهِ الْأَحَادِيث قَالُوا: وَالْآيَة لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْإِخْبَار بِأَنَّهُ لَمْ يَجِد فِي ذَلِكَ الْوَقْت مُحَرَّمًا إِلَّا الْمَذْكُورَات فِي الْآيَة، ثُمَّ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِتَحْرِيمِ كُلّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاع، فَوَجَبَ قَبُوله وَالْعَمَل بِهِ.
وقال الشنقيطي: الَّذِي يَظْهَرُ رُجْحَانُهُ بِالدَّلِيلِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ: مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِطَرِيقٍ صَحِيحَةٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُّنَّةٍ فَهُوَ حَرَامٌ، وَيُزَادُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَاتِ، وَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ أَيُّ مُنَاقَضَةٍ لِلْقُرْآنِ; لِأَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ الْمَزِيدَةَ عَلَيْهَا حُرِّمَتْ بَعْدَهَا، … فَوَقْتُ نُزُولِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا غَيْرَ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَحَصْرُهَا صَادِقٌ قَبْلَ تَحْرِيمِ غَيْرِهَا بِلَا شَكٍّ، فَإِذَا طَرَأَ تَحْرِيمُ شَيْءٍ آخَرَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، فَذَلِكَ لَا يُنَافِي الْحَصْرَ.
- هناك حيوانات اختلف في حكمها هل هي من السباع أم لا؟
الضبع.
وسيأتي الخلاف فيه إن شاء الله.
والثعلب.
فقيل: بإباحته. وقيل: بتحريمه.
وبه قال أبو حنيفة، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، وبه قال الظاهرية.
لحديث الباب، والثعلب ذو ناب فيدخل في عموم النهي ويكون محرماً.
والدب.
وهو حرام عند جماهير العلماء.
لأن له ناب يفترس فيه.
стр. 2489
١٣٢٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ اَلْحُمُرِ اَلْأَهْلِيَّةِ، وَأْذَنْ فِي لُحُومِ اَلْخَيْلِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظِ اَلْبُخَارِيِّ (وَرَخَّصَ).
===
(يَوْمَ خَيْبَرَ) عام ٧ هـ.
(اَلْحُمُرِ اَلْأَهْلِيَّةِ) وهي الحمر الإنسية، وهي التي تألف البيوت.
(وَأْذَنْ فِي لُحُومِ اَلْخَيْلِ) وفي رواية البخاري (رخص). (في لحوم الخيل) أي: أكل لحمها.
- ما حكم أكل لحم الحمر الأهلية؟
حرام.
قال ابن قدامة: أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، قَالَ أَحْمَدُ: خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كَرِهُوهَا.
وقال النووي: فَقَالَ الْجَمَاهِير مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ بِتَحْرِيمِ لُحُومهَا لِهَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة، وَقَالَ اِبْن عَبَّاس: لَيْسَتْ بِحَرَامٍ، وَعَنْ مَالِك ثَلَاث رِوَايَات: أَشْهَرهَا أَنَّهَا مَكْرُوهَة كَرَاهِيَة تَنْزِيه شَدِيدَة، وَالثَّانِيَة: حَرَام، وَالثَّالِثَة: مُبَاحَة، وَالصَّوَاب التَّحْرِيم كَمَا قَالَهُ الْجَمَاهِير لِلْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَة.
أ- لحديث الباب.
ب-ولحديث أنس قال (لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَمَرَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى: إِنَّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ اَلْحُمُر اَلْأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْس) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
ج- وعن ابن عمر ﵁ قال (أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية) متفق عليه.
د- وعن علي ﵁ قال (إن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية) متفق عليه.
هـ- وعن ابن أبي أوفى قال (نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر) رواه البخاري.
فهذه الأحاديث فيها النهي الصريح عن لحوم الحمر الأهلية.
قال ابن القيم: أحاديث النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية رواها عن النبي ﷺ علي، وجابر، والبراء، وابن أبي أوفى، و … ، والعرباض، وأبو ثعلبة، وابن عمر، وأبو سعيد، وسلمة، ....
- ما العلة في النهي عنها؟
قيل: لحاجتهم إليها.
فقد جاء في حديث ابن عمر ( … وكان الناس قد احتاجوا إليها).
لكن يرد هذا القول حديث: (أن النبي ﷺ نهى عن لحوم الحمر وأذن في لحوم الخيل) فلو كان النهي من أجل أنها حمولة الناس لكان النهي عن لحوم الخيل أولى.
стр. 2490
وقيل: لأنها كانت تأكل العذرة.
عَنْ غَالِب بْن أَبْجَرَ قَالَ (أَصَابَتْنَا سَنَة فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي شَيْء أُطْعِم أَهْلِي إِلَّا شَيْء مِنْ حُمُر، وَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ حَرَّمَ لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة، فَأَتَيْت النَّبِيّ ﷺ فَقُلْت: يَا رَسُول اللَّه أَصَابَتْنَا السَّنَة فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِم أَهْلِي إِلَّا سِمَان حُمُر، وَإِنَّك حَرَّمْت لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة، فَقَالَ: أَطْعِمْ أَهْلَك مِنْ سَمِين حُمُرك، فَإِنَّمَا حَرَّمْتهَا مِنْ أَجْل جَوَّال الْقَرْيَة). (يَعْنِي بِالْجَوَّالِ الَّتِي تَأْكُل الْجُلَّة، وَهِيَ الْعُذْرَة).
قال النووي: فَهَذَا الْحَدِيث مُضْطَرِب مُخْتَلَف الْإِسْنَاد شَدِيد الِاخْتِلَاف، وَلَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى الْأَكْل مِنْهَا فِي حَال الِاضْطِرَار وَاللَّهُ أَعْلَم.
وقال الشنقيطي: قَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ»: اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى تَضْعِيفِ هَذَا الْحَدِيثِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ يُخْتَلَفُ فِي إِسْنَادِهِ، يَعْنُونَ مُضْطَرِبًا، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا تُعَارَضُ بِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا.
وقيل: إنه إنما حرمت لأنها رجس في نفسها.
قال ابن القيم: وهذا أصح العلل، فإنها هي التي ذكرها رسول الله ﷺ بلفظه في الصحيحين.
(إِنَّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ اَلْحُمر اَلْأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْس).
• ما حكم أكل البغل؟
حرام.
لحَدِيثِ جَابِرٍ، قَالَ (حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ، لُحُومَ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، وَلُحُومَ الْبِغَالِ، وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ) أَصْلُ حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ، بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَالشَّوْكَانِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تفسيره: وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ (ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِغَالِ وَالْحُمُرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الْخَيْلِ).
следующие страницы →