Полный текст (3 038 стр.). Показаны 3011–3038 · переход к 3016.
стр. 3011
ثالثاً: رفع الدرجات.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحطت عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات) رواه أحمد.
رابعاً: الأمان من الحسرة يوم القيامة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال (مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَا يَذْكُرُونَ فِيهِ اللهَ ، وَيُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ لِلثَّوَاب) رواه أحمد.
ما معنى الصلاة على النبي ﷺ ؟
القول الأول: صلاة الله على نبيه هي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى.
كما قال أبو العالية ونصره ابن القيم واختاره الحافظ ابن حجر.
قال الحافظ: أولى الأقوال ما يقدم عن أبي العالية، أن معنى صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه وتعظيمه.
القول الثاني: صلاة الله رحمته.
وهو قول الضحاك.
قال الحافظ بعد أن نقل قول الضحاك: وتعقب بأن الله غاير بين الصلاة والرحمة في قوله: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ).
القول الثالث: أن صلاة الله مغفرته.
اذكر ما ورد من الترهيب من ترك الصلاة على النبي ﷺ -؟
أ- عن أَبي هريرة ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ (رَغِمَ أنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَي) رواه الترمذي.
ب- وعنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (البخيل من ذكرت عنه فلم يصل علي) رواه الترمذي.
ما حكم الصلاة على النبي ﷺ -؟
قيل: يجب عند ذكره.
واختاره الطحاوي.
لقوله ﷺ (البخيل من ذكرت عنده فلم يصلّ علي).
ولقوله ﷺ (رغم أنف ذكرتُ عنده فلم يصل علي).
стр. 3012
وقيل: يجب في العمر مرة.
وهذا مذهب الجمهور.
لقوله ﷺ (البخيل من ذكرت عنده فلم يصلّ علي).
ولأن الامتثال يحصل بذلك.
وقيل: سنة.
اذكر بعض المواطن التي تشرع فيها الصلاة على النبي ﷺ -؟
أولاً: بعد الأذان.
لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَىَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَة) رواه مسلم.
ثانياً: عند دخول المسجد
عن أَبَي أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، فَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ) رواه أبو داود.
ثالثاً: في التشهد الآخر.
عن بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ. قال (أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نُصَلِّىَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ نُصَلِّى عَلَيْكَ قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ) متفق عليه.
رابعاً: عند الدعاء
عن فَضَالَة بْنَ عُبَيْدٍ قال (سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً يَدْعُو فِي صَلاتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَجِلَ هَذَا، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاء).
стр. 3013
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَال (إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ ﷺ .
وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا أراد أحدكم أن يسأل فليبدأ بالمدحة والثناء على الله بما هو أهله، ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليسأل بعد فإنه أجدر أن ينجح.
خامساً: في المجلس.
قال النبي ﷺ (مَا جَلَسَ قَوْمٌ مجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ) رواه الترمذي.
سادساً: عند ذكره ﷺ .
قال ﷺ (رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ).
سابعاً: بعد التكبيرة الثانية من صلاة الجنازة.
عن الزهري قال. سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يحدث بن المسيب قال (السنة في الصلاة على الجنازة أن تكبر ثم تقرأ بأم القرآن ثم تصلي على النبي ﷺ ثم تخلص الدعاء للميت ولا تقرأ إلا في التكبيرة الأولى ثم تسلم في نفسه عن يمينه). أخرجه ابن الجارود
سابعاً: يوم الجمعة.
عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ - يَقُولُونَ: بَلِيتَ -؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاء) رواه أبو داود.
ثامناً: الصلاة عليه في كل مكان.
عن أبي هريرة. قال: قَالَ رسول الله ﷺ (لا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيداً، وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُم). رواه أبو داود
стр. 3014
١٥٥٦ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (سَيِّدُ اَلِاسْتِغْفَارِ، أَنْ يَقُولَ اَلْعَبْدُ: اَللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اِسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي; فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
(سَيِّدُ اَلِاسْتِغْفَارِ) وفي رواية (أفضل الاستغفار) أي الأكثر ثوابًا للمستغفر به منْ المستغفر بغيره.
والاستغفار: طلب مغفرة الذنوب بسترها في الدنيا والتجاوز عنها في الآخرة.
(أَنْ يَقُولَ اَلْعَبْدُ) وللترمذي منْ رواية عثمان بن ربيعة، عن شداد ﵁ (ألا أدلك عَلَى سيد الاستغفار؟)، وفي حديث جابر ﵁ عند النسائي فِي "عمل اليوم والليلة" (تعلموا سيد الاستغفار … ).
(وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اِسْتَطَعْتُ) قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: يريد أنا عَلَى ما عاهدتك عليه، وواعدتك بمن الإيمان بك، وإخلاص الطاعة لك، ما استطعت منْ ذلك، ويحتمل أن يريد أنا مقيم عَلَى ما عهدت إليّ منْ أمرك، ومتمسك به، منتجز وعدك فِي المثوبة والأجر، واشتراطُ الاستطاعة فِي ذلك معناه: الاعتراف بالعجز، والقصور عن عنه الواجب منْ حقه تعالى.
(أَعُوذُ بِكَ) ألتجئ بك وأعتصم.
(مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ) أي: منْ عقابك لي بسبب الشر الذي عملته.
(أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ) أي: أعترف لك بنعمتك عليّ.
(وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي) أي: وأعترف لك بذنبي الذي يوجب استغفاراً.
لم يذكر الحافظ ﵀ بقية الحديث: وهو:
(قَالَ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا) أي: مخلصاً منْ قلبه، مصدقا بثوابها.
وفي رواية الترمذيّ: "لا يقولها أحدكم حين يمسي، فيأتي عليه قَدَر قبل أن يصبح، أو حين يصبح، فيأتي عليه قدر قبل أن يمسي
فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
لماذا قيل لهذا الدعاء سيد الاستغفار؟
قَالَ الطيبي رحمه الله تعالى: لما كَانَ هَذَا الدعاء جامعا لمعاني التوبة كلها، استعير له اسم السيد، وهو فِي الأصل الرئيس الذي يُقصَد فِي الحوائج، ويُرجَع إليه فِي الأمور.
стр. 3015
وقَالَ الكرمانيّ رحمه الله تعالى: [فإن قلت]: فما الحكمة فِي كونه أفضل الاستغفارات؟
قلت: هَذَا وأمثاله منْ التعبديات، والله أعلم بذلك، لكن لا شك أن فيه ذكر الله بأكمل الأوصاف، وذكر نفسه بأنقص الحالات، وهو أقصى غاية التضرع، ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقها إلا هو.
وقال: ابن أبي جمرة: جمع ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيث، منْ بديع المعاني، وحسن الألفاظ، ما يحق له أَنْ يسمى سيد الاستغفار، ففيه الإقرار لله وحده بالإلهية والعبودية، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه، والرجاء بما وعده به، والاستعاذة منْ شر ما جنى العبد عَلَى نفسه، وإضافة النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى نفسه، ورغبته فِي المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر أحد عَلَى ذلك إلا هو، وفي كل ذلك الإشارة إلى الجمع بين الشريعة والحقيقة، فإن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كَانَ فِي ذلك عون منْ الله تعالى، وهذا القدر الذي يكنى عنه بالحقيقة، فلو اتفق أن العبد خالف حَتَّى يجرى عليه ما قُدّر عليه، وقامت الحجة عليه ببيان المخالفة، لم يبق إلا أحد أمرين: إما العقوبة بمقتضى العدل، أو العفو بمقتضى الفضل.
اذكر فضائل الاستغفار؟
الاستغفار له فوائد كثيرة:
أولاً: تكفير السيئات ورفع الدرجات.
قال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً).
وفي الحديث القدسي (قال الله: من يستغفرني فأغفر له .. ) متفق عليه.
وتقدم قوله تعالى في الحديث القدسي (فاستغفروني أغفر لكم) رواه مسلم.
ثانياً: سبب لسعة الرزق والإمداد بالمال والبنين.
قال تعالى عن نوح أنه قال لقومه (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً).
ثالثاً: سبب لحصول القوة في البدن.
قال هود لقومه (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ).
رابعاً: سبب لدفع المصائب ورفع البلايا.
قال تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).
خامساً: سبب لبياض القلب.
قال ﷺ (إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه) رواه أحمد.
стр. 3016
اذكر بعض أقوال السلف؟
قال بعض العلماء: طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً.
وكان ابن عمر: يطلب من الصبيان الاستغفار ويقول: إنكم لم تذنبوا.
وقال قتادة: إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم فالاستغفار.
وقال رياح القيسي: لي نيف وأربعون ذنباً، قد استغفرت لكل ذنب مائة ألف مرة.
وقال الحسن: لا تملُّوا من الاستغفار.
وقال بكر المُزَني: إن أعمال بني آدم تُرفع فإذا رُفعت صحيفةٌ فيها استغفار رُفعت بيضاء، وإذا رُفعت ليس فيها استغفار رفعت سوداء.
وعن الحسن قال: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طُرُقِكم، وفي أسواقكم، فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة.
قال لقمان لابنه: أيْ بُنَيَّ عوِّد لسانك: اللهم اغفر لي؛ فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلاً.
ورئي عمر بن عبد العزيز في النوم فقيل له: ما وجدت أفضل؟ قال: الاستغفار.
فائدة:
قال تعالى (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ).
قال السعدي: وفي الأمر بالاستغفار بعد الحث على أفعال الطاعة والخير، فائدة كبيرة، وذلك أن العبد لا يخلو من التقصير فيما أمر به، إما أن لا يفعله أصلاً، أو يفعله على وجه ناقص، فأمر بترقيع ذلك بالاستغفار، فإن العبد يذنب آناء الليل والنهار، فمتى لم يتغمده الله برحمته ومغفرته فإنه هالك.
فائدة:
قال ابن تيمية: فَالْعَبْدُ دَائِمًا بَيْنَ نِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى شُكْرٍ وَذَنْبٍ مِنْهُ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الِاسْتِغْفَارِ وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ مِنْ الْأُمُورِ اللَّازِمَةِ لِلْعَبْدِ دَائِمًا فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ يَتَقَلَّبُ فِي نِعَمِ اللَّهِ وَآلَائِهِ وَلَا يَزَالُ مُحْتَاجًا إلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ. وَلِهَذَا كَانَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَإِمَامُ الْمُتَّقِينَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَسْتَغْفِرُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ.
ماذا نستفيد من قوله (لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ)؟
قال ابن تيمية: فَقَوْلُهُ (لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ) فِيهِ إثْبَاتُ انْفِرَادِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةُ تَتَضَمَّنُ كَمَالَ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ فَفِيهَا إثْبَاتُ إحْسَانِهِ إلَى الْعِبَادِ فَإِنَّ "الْإِلَهَ" هُوَ الْمَأْلُوهُ وَالْمَأْلُوهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَكَوْنُهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ هُوَ بِمَا اتَّصَفَ بِهِ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَحْبُوبَ غَايَةَ الْحُبِّ الْمَخْضُوعَ لَهُ غَايَةَ الْخُضُوعِ؛ وَالْعِبَادَةُ تَتَضَمَّنُ غَايَةَ الْحُبِّ بِغَايَةِ الذُّلِّ.
стр. 3017
ماذا نستفيد من قوله (ما استطعت)؟
قالَ ابن بطال: وفي قوله (ما استطعت) إعلام لأمته أن أحداً لا يقدر عَلَى الإتيان بجميع ما يجب عليه لله، ولا الوفاء بكمال الطاعات، والشكر عَلَى النعم، فرفق الله بعباده، فلم يكلفهم منْ ذلك إلا وسعهم.
والاستطاعة: هي القدرة على الشيء.
[فإن قلت]: المؤمن وإن لم يقلها يدخل الجنة.؟
المراد أنه يدخلها ابتداء منْ غير دخول النار، ولأن الغالب أن المؤمن بحقيقتها، المؤمن بمضمونها لا يعصي الله تعالى، أو لأن الله تعالى يعفو عنه ببركة هَذَا الاستغفار.
ماذا نستفيد من قوله (أبوء لك بنعمتك عليّ)؟
الاعتراف بالنعمة من شكر الله، فالشكر يكون بثلاثةٍ: بالاعتراف بها باطناً، والتحدُّث بها ظاهراً، وتسخيرها في مرضاة مسديها.
فكل نعمة إنما هي من الله.
قال تعالى (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله)
وقال تعالى (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ الله).
وعن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال (صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) متفق عليه.
ماذا نستفيد من قوله (وأبوء لك بذنبي)؟
الاعتراف بالذنب وأنه سبب لتكفيره.
اعترف آدم وزوجه ﵉ بالذنب (قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
واعترف بذنبه الكليم ﵇ فغفر الله له (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
стр. 3018
وقال تعالى عن داود ﵇ (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ).
وقال عن يونس ﵇ (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ).
ولما أرادت بلقيس أن تتوب قالت (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
وفي صحيح مسلم لما جاء ماعز بن مالك تائباً إلى نبينا ﷺ قال له: "يا رسول الله إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني.
هل يشرع الدعاء بالمغفرة؟
نعم.
لقوله (فاغفر لي).
قال سبحانه (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً).
وقال ﷺ (أني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) رواه مسلم.
وقال ﷺ (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) رواه البخاري.
والاستغفار يكون على وجهين:
الوجه الأول: طلب المغفرة بلفظ: اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله.
الوجه الثاني: طلب المغفرة بالأعمال الصالحة التي تكون سبباً لذلك.
ماذا نستفيد من قوله (أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي)؟
نستفيد أن يكون الإنسان الاعتراف بالنعمة، ومشاهدة عيبه ونقصه.
قال ابن القيم: قال شيخ الإسلام: العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل.
وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الصحيح (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).
فجمع في قوله ﷺ (أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي) مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل.
فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لولي النعم والإحسان، ومطالعة عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مفلساً. (الوابل الصيب)
стр. 3019
وقال ابن تيمية: فَقَوْلُهُ (أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي) اعْتِرَافٌ بِإِنْعَامِ الرَّبِّ وَذَنْبِ الْعَبْدِ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إنِّي أُصْبِحُ بَيْنَ نِعْمَةٍ تَنْزِلُ مِنْ اللَّهِ عَلَيَّ وَبَيْنَ ذَنْبٍ يَصْعَدُ مِنِّي إلَى اللَّهِ فَأُرِيدُ أَنْ أُحْدِثَ لِلنِّعْمَةِ شُكْرًا وَلِلذَّنْبِ اسْتِغْفَاراً.
وقال: إذْ الْوَاجِبُ الْإِقْرَارُ لِلَّهِ بِفَضْلِهِ وَجُودِهِ وَإِحْسَانِهِ وَلِلنَّفْسِ بِالتَّقْصِيرِ وَالذَّنْبِ.
وقال ﵀: فَالْمُؤْمِنُ دَائِمًا فِي نِعْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ تَقْتَضِي شُكْرًا وَفِي ذَنْبٍ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِغْفَارٍ. وَهُوَ فِي سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ يَقُولُ ﴿أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي.
ما الذي يجب على العبد أن يعتقده في توفيقه للحسنات؟
قال ابن تيمية: وَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ عَمَلَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ هُوَ بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَمِنْ نِعْمَتِهِ.
كَمَا قَالَ أَهْلُ الْجَنَّة (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ).
وَقَالَ تَعَالَى (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ).
وَقَالَ تَعَالَى (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ).
وَقَالَ (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا).
وَقَالَ تَعَالَى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا).
وقال ﵀: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ (أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي) وَمِنْ نِعَمِهِ عَلَى عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُيَسِّرُهُ لَهُ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْحَسَنَاتِ، فَإِنَّهَا مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَسَيِّئَاتُ الْعَبْدِ مِنْ عَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ إذْ كُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ وَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ وَهُوَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لِكَمَالِ حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِه.
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
يؤخذ منه أن من اعترف بذنبه غفر له، وقد وقع صريحا في حديث الإفك الطويل وفيه " العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه.
بيان أفضل الاستغفار.
استحباب الاستعاذة منْ شرّ ما صنعه المرء.
стр. 3020
١٥٥٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلَاءِ اَلْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ اَلْعَافِيَةَ فِي دِينِي، وَدُنْيَايَ، وَأَهْلِي، وَمَالِي، اَللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
===
(اَلْعَافِيَةَ فِي دِينِي) أي: السلامة في ديني من المعاصي والآثام.
(وَدُنْيَايَ) من المصائب والشرور.
(وَأَهْلِي) من الأمراض والانحراف، والمراد بهم الزوجة والأولاد.
(اَللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي) أي: عيوبي وزلاتي.
(وَآمِنْ رَوْعَاتِي) أي: فزعاتي التي تخيفني.
(وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي) فسر الاغتيال من الجهة التحتية بالخسف.
قال ابن عثيمين: الاغتيال معناه: القتل غيلة على غير علم، بمعنى: أن يغتال إما بخسف به، أو بتسلط الجن عليه، أو ما أشبه ذلك، المهم أن الرسول ﵊ ذكر أنه الله يحميه من كل جانب وقال: (أعوذ بك أن أغتال من تحتي.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد استحباب هذا الدعاء في الصباح والمساء اقتداء بالنبي ﷺ .
لماذا بدأ النبي ﷺ بسؤال العافية؟
لأن العافيةُ لا يَعدِلُها شيءٌ، ومن أُعطي العافيةَ في الدنيا والآخرة فقد كَمُلَ نَصِيبُه من الخير.
عن العباس بن عبد المطلب ﵁ عمِّ النَّبِيّ ﷺ قال (قلتُ يا رسول الله، علِّمنِي شيئاً أسألُه اللهَ ، قال: سَلِ اللهَ العافيةَ، فمَكثْتُ أياماً، ثمَّ جِئتُ فقلت: يا رسول الله علِّمْنِي شيئاً أسأله اللهَ، فقال لي: يا عبَّاسُ يا عمَّ رسولِ الله، سَلُوا اللهَ العافيةَ في الدُّنيا والآخرة) رواه الترمذي.
والعَفْوُ: مَحْوُ الذنوب وسترُها، والعافيةُ: هي تأمين الله لعبده مِنْ كلِّ نِقْمَةٍ ومِحنَة، بصرف السُّوء عنه ووقايته من البلايا والأسقام وحفظه من الشرور والآثام.
وأمَّا سؤال العافية في الدِّين فهو طلبُ الوقاية من كلِّ أمرٍ يَشِينُ الدِّينَ أو يُخِلُّ به.
وأمَّا في الدنيا فهو طَلَب الوقاية من كلِّ أمرٍ يَضُرُّ العبدَ في دنياه مِنْ مُصيبة أو بَلاء أو ضَرَّاء أو نحو ذلك.
وأمَّا في الآخرة فهو طَلَبُ الوقاية من أَهوال الآخرة وشدائدها وما فيها من أنواع العقوبات.
стр. 3021
وأمَّا في الأهل فبِوِقَايَتِهم مِنْ الفتَن وحِمايَتِهم من البَلَايَا والمحن، وأمَّا في المال فبِحفظِه مِمَّا يُتْلِفُه مِنْ غَرَقٍ أو حَرْقٍ أو سَرِقَةٍ أو نحو ذلك، فجَمَع في ذلك سؤالَ الله الحفظَ من جَميع العَوارِض المُؤْذِيَة والأخطار المُضِرَّة.
وَقَدْ كَثُرَتْ الْأَحَادِيث فِي الْأَمْر بِسُؤَالِ الْعَافِيَة، وَهِيَ مِنْ الْأَلْفَاظ الْعَامَّة الْمُتَنَاوِلَة لِدَفْعِ جَمِيع الْمَكْرُوهَات فِي الْبَدَن وَالْبَاطِن، فِي الدِّين وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَة. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك الْعَافِيَة الْعَامَّة لِي وَلِأَحِبَّائِي وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (أن رسول الله ﷺ أَمَرَ رَجُلاً إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ أن يقول: اللَّهُمَّ خَلَقْتَ نَفْسِي وَأَنْتَ تَوَفَّاهَا لَكَ مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا إِنْ أَحْيَيْتَهَا فَاحْفَظْهَا وَإِنْ أَمَتَّهَا فَاغْفِرْ لَهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ) رواه مسلم.
وعن ابن عمر ﵄ قال (لم يكن النبي ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: "اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي) رواه الترمذي.
عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُهُ اللَّهَ ، قَالَ: "سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ" فَمَكَثْتُ أَيَّامًا ثُمَّ جِئْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُهُ اللَّهَ، فَقَالَ لِي: "يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) رواه الترمذي.
قال العلامة "المباركفوري: (سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ) فِي أَمْرِهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ بِالدُّعَاءِ بِالْعَافِيَةِ بَعْدَ تَكْرِيرِ الْعَبَّاسِ سُؤَالَهُ بِأَنْ يُعَلِّمَهُ شَيْئًا يَسْأَلُ اللَّهَ بِهِ دَلِيلٌ جَلِيٌّ بِأَنَّ الدُّعَاءَ بِالْعَافِيَةِ لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَدْعِيَةِ وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ شَيْءٌ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي يُدْعَى بِهِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْعَافِيَةِ أَنَّهَا دِفَاعُ اللَّهِ عَنْ الْعَبْدِ، فَالدَّاعِي بِهَا قَدْ سَأَلَ رَبَّهُ دِفَاعَهُ عَنْ كُلِّ مَا يَنْوِيهِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْزِلُ عَمَّهُ الْعَبَّاسَ مَنْزِلَةَ أَبِيهِ وَيَرَى لَهُ مِنْ الْحَقِّ مَا يَرَى الْوَلَدُ لِوَالِدِهِ فَفِي تَخْصِيصِهِ بِهَذَا الدُّعَاءِ وَقَصْرِهِ عَلَى مُجَرَّدِ الدُّعَاءِ بِالْعَافِيَةِ تَحْرِيكٌ لِهِمَمِ الرَّاغِبِينَ عَلَى مُلَازَمَتِهِ وَأَنْ يَجْعَلُوهُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ إِلَى رَبِّهِمْ وَيُسْتَدْفَعُونَ بِهِ فِي كُلِّ مَا يُهِمُّهُمْ، ثُمَّ كَلَّمَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: (سَلْ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ). فَكَانَ هَذَا الدُّعَاءُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ قَدْ صَارَ عُدَّةً لِدَفْعِ كُلِّ ضُرٍّ وَجَلْبِ كُلِّ خَيْرٍ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ جِدًّا. قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي عِدَّةِ الْحِصْنِ الْحَصِينِ: لَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ ﷺ دُعَاؤُهُ بِالْعَافِيَةِ وَوَرَدَ عَنْهُ ﷺ لَفْظًا وَمَعْنًى مِنْ نَحْوٍ مِنْ خَمْسِينَ طَرِيقاً.
ما معنى (اَللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي)؟
أي: عيوبِي وخَلَلِي وتقصيري وكلُّ ما يُسوءُنِي كشفه، ويدخل في ذلك الحفظ من انكشاف العورة، وهي في الرَّجل ما بين السُّرَّة إلى الرُّكبة، وفي المرأة جَميع بدنها، وحَريٌّ بالمرأة أن تُحافظ على هذا الدُّعاء، ولا سيما في هذا الزمان الذي كَثُرَ فيه في أنحاء العالم تَهَتُّك النساء وعدَمُ عنايتِهِنَّ بالسَّتْرِ والحجاب
стр. 3022
ما معنى قوله (وَآمِنْ رَوْعَاتِي)؟
هو مِنْ الأمن ضدُّ الخوف، والرَّوْعَاتُ جَمع رَوْعَة، وهو الخوفُ والحزن، ففي هذا سؤالُ الله أن يُجَنِّبَه كلَّ أمر يُخيفُه، أو يُحزنُه، أو يُقْلقُه، وذِكْرُ الرَّوْعات بصيغة الجمع إشارةٌ إلى كثرتها وتعدُّدِها.
اشرح قوله (وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي … )؟
فيه سؤالُ الله الحفظَ من المهالكِ والشُّرورِ التي تعرض للإنسان من الجهات السِّت، فقد يأتيه الشَّرُّ والبلايا من الأمام، أو من الخلف، أو من اليمين، أو من الشمال، أو من فوقه، أو من تحته، وهو لا يدري من أيِّ جهة قد يَفْجَأُه البلاءُ أو تَحُلُّ به المصيبة، فسأل ربَّه أن يَحفظَه من جميع جهاته، ثم إنَّ مِنْ الشَّرِّ العظيم الذي يحتاج الإنسانُ إلى الحفظ منه شرَّ الشيطان الذي يَتَرَبَّصُ بالإنسان الدوائر، ويأتيه من أمامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله؛ ليُوقِعَه في المصائب، وليَجُرَّه إلى البلايا والمهالك، وليُبْعِدَه عن سبيل الخير وطريق الاستقامة، كما في دعواه في قوله (ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين).
فالعَبدُ بحاجة إلى حِصن مِنْ هذا العدوِّ، ووَاقٍ له من كَيْده وشَرِّه، وفي هذا الدعاء العظيم تَحصينٌ للعبد من أن يَصِلَ إليه شَرُّ الشَّيطان من أيِّ جهة من الجهات؛ لأنَّه في حفظ الله وكَنَفِه ورعايته.
وقوله: "وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتِي" فيه إشارةٌ إلى عظم خُطورة البلاء الذي يَحلُّ بالإنسان من تحته، كأن تُخسَف به الأرض من تحته، وهو نوعٌ من العقوبة التي يُحِلُّها الله ببعض مَنْ يَمشون على الأرض، دون قيام منهم بطاعة خالقها ومُبدعها، بل يَمشون عليها بالإثم والعدوان والشَّرِّ والعصيان، فيُعاقَبون بأن تُزَلْزَلَ من تحتهم أو أن تُخسَفَ بهم جزاءً على ذنوبهم، وعقوبةً لهم على عصيانهم كما قال الله تعالى: ﴿فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون).
стр. 3023
١٥٥٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفَجْأَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
===
(وَجَمِيعِ سَخَطِكَ) أي: ما يؤدي إليه، يعني سائر الأسباب الموجبة لذلك.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد استحباب الدهاء بهؤلاء الكلمات الجامعة.
ما معنى (اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ)؟
أي: ذهاب نعمك من غير بدل.
وقوله (نِعْمَتِكَ) مفرد في معنى الجمع، فيعم النعم الظاهرة والباطنة.
والاستعاذة من زوال النعم تتضمن الحفظ عن الوقوع في المعاصي، لأنها تزيلها.
قال الشاعر:
إذا كنت في نعمةٍ فارعها فإن المعاصي تزيل النعم.
وقال الشوكاني: استعاذ رسول الله ﷺ من زوال نعمته، لأن ذلك لا يكون إلا عند عدم شكرها، وعدم مراعاة ما تستحقه النعم، وتقتضيه من تأدية ما يجب على صاحبها من الشكر والمواساة، وإخراج ما يجب إخراجه.
فتضمّنت هذه الاستعاذة المباركة التوفيق لشكر النعم، والحفظ من الوقوع في المعاصي؛ لأنها تزيل النعم.
قال اللَّه (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد).
وقال تعالى (إِنَّ اللَّه لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم).
وقال جلّ شأنه (وما أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير).
ما معنى (وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ)؟
أي: انتقال عافيتك عني بحصول المرض. بدل الصحة، والفقر بدل الغنى.
فمعنى زوال النعمة: ذهابها من غير بدل، إبدال الصحة بالمرض، والغنى بالفقر، فكأنه سأل دوام العافية، وهي السلامة من الآلام والأسقام.
لأن بزوالها تسوء عيشة العبد، فلا يستطيع القيام بأمور دنياه ودينه، وما قد يصاحبه من التسخط وعدم الرضا وغير ذلك.
стр. 3024
ما معنى (وَفَجْأَةِ نِقْمَتِكَ)؟
أي: الأخذ بغتة.
وخُصَّ فجاءت النقمة بالاستعاذة؛ لأنها أشد و أصعب من أن تأتي تدريجياً، بحيث لا تكون فرصة للتوبة.
واستعاذ ﷺ من ذلك لئلا تصيبه النقمة من حيث لا يكون له علم بها، ولا تكون له فرصة ومهلة للتوبة، لأنه إذا انتقم الله من العبد، فقد أحل به من البلاء ما لا يقدر على دفعه، ولا يستدفع بسائر المخلوقين.
ما معنى قوله (وجميع سخطك)؟
أي: ألتجئ وأعتصم إليك أن تعيذني من جميع الأسباب الموجبة لسخطك جلّ شأنك؛ فإنّ من سخطت عليه فقد خاب وخسر، ولو كان في أدنى شيء، وبأيسر سبب.
ولهذا قال النبي ﷺ (وجميع سخطك) فهي استعاذة من جميع أسباب من الأقوال والأفعال والأعمال، وإذا انتفت الأسباب المقتضية للسخط حصلت أضدادها وهو الرضى.
стр. 3025
١٥٥٩ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ اَلدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ اَلْعَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ اَلْأَعْدَاءِ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد استحباب الاستعاذة من الأمور المكورة في الحديث وهي:
(اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ اَلدَّيْنِ) أي: ثقله وشدته بحيث يعجز الإنسان عن قضائه.
لأن الدين همّ بالليل، وذلّ بالنهار، فإذا كَانَ غالبًا كَانَ أدهى وأمر.
فاستعاذ ﷺ من شدة الدين، وثقله بحيث لا قدرة على وفائه سيما مع الطلب؛ لما فيه من الوقوع بالمحذورات الشرعية: كالخلف في الوعد والكذب كما أخبر بذلك النبي ﷺ والانشغال عن الطاعات؛ ولما فيه كذلك من الغم على القلب، وإتعاب العقل، ووهن الجسد، والنفس، وإنما استعاذ من غلبته؛ لأن الاستدانة بدون غلبة قد يحتاج إليها كثير من العباد، وقد مات ﷺ ودرعه مرهونة في أصواع من شعير.
قَالَ بعض السلف: ما دخل هم الدين قلبًا إلا أذهب منْ العقل ما لا يعود إليه.
(وَغَلَبَةِ اَلْعَدُوِّ) أي: انتصاره علي وقهره وغلبته إياي.
لأن العدوّ إذا غلب يذيق أليم العذاب، وكآبة الذلّ والمهانة، ولاسيّما إذا كَانَ كافرًا، أو منافقًا، وربما يفتن عن الدين.
(وَشَمَاتَةِ اَلْأَعْدَاءِ) أي: فرح الأعداء بما يصيبني من أذى.
فإن في ذلك موقعاً عظيماً في القلب، وتأثيراً كبيراً في النفس.
فالشماتة: هي سرور العدو بما ينال عدوه الآخر من مكروه أو سوء.
قال القرطبي: والشماتة: السرور بما يصيب أخاك من المصائب في الدِّين والدنيا، وهي محرّمة مَنْهِيٌّ عنها.
وقال ابن عاشور: والشماتة: سُرور النفس بما يصيب غيرها من الإضرار، وإنما تحصل من العداوة والحسد.
وقد قال ﷺ (اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء، ودرك الشقاء، وجهد البلاء، وشماتة الأعداء).
ولا يخفى أن الاستعاذة من كل الأمور السابقة لما فيها من المضار والمساوئ في الدين والدنيا.
стр. 3026
١٥٦٠ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: (سَمِعَ اَلنَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً يَقُولُ: اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، اَلْأَحَدُ اَلصَّمَدُ، اَلَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. فَقَال: لَقَدْ سَأَلَ اَللَّهُ بِاسْمِهِ اَلَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ) أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّان.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد استحباب استفتاح الدعاء بهذا الذكر الذي فيه الثناء على الله.
ما هو اسم الله الأعظم؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: هو الله.
حيث أن جميع الأسماء ترجع إليه.
ولأنه الاسم الذي تكرر في الأحاديث الواردة ومنها: أن رجلاً قال (اللهم إني أسألك أني اشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد فقال ﷺ : لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى). رواه أبو داود
وكحديث أنس قال (كنت جالساً مع النبي ﷺ في المسجد ورجل يصلي فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات … فقال رسول الله ﷺ : دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب) رواه أبو داود.
ولأن هذا الاسم ما أطلق على غير الله.
القول الثاني: إن اسم الله الأعظم: الحي القيوم.
واستدل لهذا القول ببعض الأحاديث التي فيها مقال مثل حديث (اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) وفاتحة آل عمران (ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وهما عند أبي داود.
стр. 3027
١٥٦١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ، يَقُولُ: اَللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ اَلنُّشُورُ - وَإِذَا أَمْسَى قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ; إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: - وَإِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ) أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد استحباب قول الذكر في الصباح والمساء.
فهذا دعاءٌ نبَوِيٌّ عظيمٌ، وذِكرٌ مُبَارَكٌ، يَجدُرُ بالمسلم أن يُحافظَ عليه كلَّ صباح ومساء، ويتأمَّلَ في معانيه الجليلة ودلالاته العظيمة، وكيف أنَّه قد اشتمل على تَذكير المسلم بعظيم فَضلِ الله عليه وواسِعِ مَنِّه وإكرَامِه، فنَوْمُ الإنسانِ ويقظَتُه، وحركتُه وسكونُه، وقيامُه وقعودُه إنَّما هو بالله ، فما شاء الله كان، وما لَم يشأ لَم يكن، ولا حولَ ولا قوةَ إلاَّ بالله العظيم.
وقوله في الحديث (بك أصبحنا) أي: بنعمتك وإعانتك وإمدادِك أصبحنا أي أدركنا الصباح، وهكذا المعنى في قوله (وبك أمسينا)
وقوله (وبك نَحيا وبك نموت) أي: حالُنا مُستَمرٌّ على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال، في حركاتنا كلِّها وشؤوننا جَميعها، فإنَّما نحن بك، أنت المعين وحدَك، وأَزِمَّةُ الأمور كلّها بيدك، ولا غِنَى لنا عنك طَرْفَة عَيْن.
وفي هذا من الاعتماد على الله واللُّجوء إليه والاعتراف بِمَنِّه وفَضله ما يُحقِّقُ للمرء إيمانَه ويُقوِّي يقينَه ويُعْظِمُ صِلتَه بربِّه سبحانه.
وقوله في الحديث (وإليك النشور) أي المَرجِع يوم القيامة، ببَعْثِ النَّاس من قبورهم، وإحيائهم بعد إماتَتِهم.
وقوله (وإليك المصير) أي المرْجِعُ والمآب، كما قال تعالى (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى).
وقد جعل ﷺ قوله "وإليك النشور" في الصباح، وقوله: "وإليك المصير" في المساء رعايةً للتَّناسب والتشاكل؛ لأنَّ الإصباحَ يُشبه النشرَ بعد الموت، والنوم موتةٌ صغرى، والقيامَ منه يشبه النشرَ من بعد الموت، قال تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
والإمساءَ يُشبه الموتَ بعد الحياة؛ لأنَّ الإنسانَ يصير فيه إلى النَّوم الذي يشبه الموت والوفاة. فكانت بذلك خاتمةُ كلِّ ذِكرٍ متجانسةً غايةَ المجانسة مع المعنى الذي ذكر فيه.
ومِمَّا يُوَضِّح هذا ما ثبت عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه كان يقول عند قيامه من النوم: "الحمدُ لله الَّذي أَحْيَانا بعد ما أمَاتَنَا وإليه النُّشور"، فسُمِّيَ النوم موتاً والقيامُ منه حياةً من بعد الموت، وسيأتي الكلامُ على هذا الحديث وبيانُ معناه عند الكلام على أذكار النوم والانتباه منه إن شاء الله.
وفي الحديث نعمة الحياة.
وفيه إثبات البعث والنشور والرجوع إلى الله.
стр. 3028
متى وقت أذكار الصباح وأذكار المساء؟
الصحيح أن أذكار الصباح والمساء لها وقت محدد؛ بدليل التحديد الوارد في كثير من الأحاديث النبوية: " من قال حين يصبح. كذا وكذا، ومن قال حين يمسي كذا وكذا ".
لكن العلماء اختلفوا في تحديد وقت الصباح والمساء بداية ونهاية، فمن العلماء من يرى أن وقت الصباح يبدأ بعد طلوع الفجر، وينتهي بطلوع الشمس، ومنهم من يقول إنه ينتهي بانتهاء الضحى لكن الوقت المختار للذكر هو من طلوع الفجر إلى ارتفاع الشمس. وأما المساء فمن العلماء من يرى أنه يبتدأ من وقت العصر وينتهي بغروب الشمس، ومنهم من يرى أن وقته يمتد إلى ثلث الليل، وذهب بعضهم إلى أن بداية أذكار المساء تكون بعد الغروب.
ولعل أقرب الأقوال أن العبد ينبغي له أن يحرص على الإتيان بأذكار الصباح من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فإن فاته ذلك فلا بأس أن يأتي به إلى نهاية وقت الضحى وهو قبل صلاة الظهر بوقت يسير، وأن يأتي بأذكار المساء من العصر إلى المغرب، فإن فاته فلا بأس أن يذكره إلى ثلث الليل، والدليل على هذا التفضيل ما ورد في القرآن من الحث على الذكر في البكور وهو أول الصباح، والعشي، وهو وقت العصر إلى المغرب.
قال ابن القيم ﵀: قال تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)، وهذا تفسير ما جاء في الأحاديث: من قال كذا وكذا حين يصبح، وحين يمسي، أن المراد به: قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها وأن محل ذلك ما بين الصبح وطلوع الشمس، وما بين العصر والغروب، وقال تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ) غافر/ ٥٥، والإبكار أول النهار، والعشي آخره. وأن محل هذه الأذكار بعد الصبح، وبعد العصر.
كما أن هناك أذكاراً تقال في الليل كما ورد في الحديث من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه رواه البخاري ومسلم، ومعلوم أن الليل يبدأ من المغرب وينتهي بطلوع الفجر، فعلى المسلم أن يحرص على الإتيان بكل ذكر مؤقت بوقت في وقته، وأما إذا فاته الذكر فهل يقضيه أم لا؟
فقد قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: " وأما قضاؤها إذا نسيت فأرجو أن يكون مأجوراً عليه.
قال السفاريني: أذكار الصباح والمساء. اعلم أن أذكار طرفي النهار كثيرة جداً، والحكمة فيه افتتاح النهار واختتامه بالأذكار التي عليها المدار، وهي مخ العبادة وبها تحصل العافية والسعادة ونعني بطرفي النهار: ما بين الصبح وطلوع الشمس، وما بين العصر والغروب، قال الله تعالى: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. والأصيل هو: الوقت بين العصر إلى المغرب، قال الله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ. والإبكار: أول النهار، والعشي: آخره.
وذهب بعض العلماء إلى أذكر المساء تقال بعد المغرب.
لأن المساء هو المغرب.
واستدلوا بأن المساء يقابل الصباح، والصباح هو أول النهار، فيكون المساء هو أول الليل.
стр. 3029
١٥٦٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ (كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ رَبَّنَا آتِنَا فِي اَلدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي اَلْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ اَلنَّارِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد فضل الدعاء بهذا الكلمات العظيمة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة.
وقد قال تعالى ( … فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
وقد اختلف في المراد بحسنة الدنيا:
والصواب أنها تشمل كل خير الدنيا من التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح، ومن المتاع الحسن في هذه الحياة، من صحة في البدن، وفسحة في السكن، وسعة في الرزق.
والحسنة في الآخرة: الجنة وما فيها من ألوان وأنواع النعيم، وأعلاها النظر إلى وجه الله الكريم.
- وهذا الدعاء من أعظم الأدعية وأجمعها وأكملها.
- قال ابن كثير: جمعت هذه الدعوةُ كلَّ خير في الدنيا، وصرَفت كلّ شر فإن الحسنة في الدنيا تشملُ كلّ مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عباراتُ المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا. وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العَرَصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام.
ما معنى قوله (وَقِنَا عَذَابَ اَلنَّارِ)؟
أي: اجعل لنا وقاية من عذاب النار، ولك بحفظنا من الذنوب الموجبة لها، وحفظنا أيضاً من دخولها.
- ومن صفات عباد الله الخوف منها.
كما قال تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً).
وقال ﷺ (اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم) رواه مسلم.
وقال ﷺ (من استعاذ بالله من النار ثلاثاً، قالت النار: اللهم أعذه من النار) رواه الترمذي.
فإن قيل: لم زاد في الدعاء (وقنا عذاب النار)؟
الجواب: إنما زاد في الدعاء (وقنا عذاب النار) لأن حصول الحسنة في الآخرة قد يكون بعد عذاب ما فأريد التصريح في الدعاء بطلب الوقاية من النار. (تفسير ابن عاشور)
стр. 3030
١٥٦٣ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى اَلْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ (كَانَ اَلنَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو: اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اَللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي جِدِّي، وَهَزْلِي، وَخَطَئِي، وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اَللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ اَلْمُقَدِّمُ وَالْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي) أي: سيئتي، أو ذنبي.
(وَجَهْلِي) أي: ما صدر مني من أجل جهلي، والجهلُ ضدّ العلم، وقال القاري: "وجهلي"؛ أي: فيما يجب عليّ عِلمه، وعمله، وقيل: أي: ما لم أعلمه.
(اَللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي جِدِّي) بكسر الجيم، وهو الاجتهاد في الأمر، والتحقيق وضدّ الهزل.
(وَهَزْلِي) بفتح الهاء، وسكون الزاي، وهو المزاح؛ أي: ما وقع مني في الحالين، أو هو التكلم بالسخرية، والبطلان، والهذيان.
(وَخَطَئِي، وَعَمْدِي) الخطأ ما يقع بدون قصد، والعمد ما يقع عن قصد.
(اَللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ) أي: قبل هذا الوقت.
(وَمَا أَخَّرْتُ) عنه.
(وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ) أي: ما أخفيت، وما أظهرت، أو ما حدّثتُ به نفسي، وما تحرّك به لساني.
وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي) أي: من المعاصي والسيئات، هذا تعميم بعد تخصيص.
ما معنى (أَنْتَ اَلْمُقَدِّمُ وَالْمُؤَخِّرُ)؟
قال المهلّب. أشار بذلك إلى نفسه؛ لأنه المقدَّم في البعث في الآخرة، والمؤخَّر في البعث في الدنيا. انتهى.
وقال القاضي عياض ﵀: قيل: معناه المنزِّل للأشياء منازلها، يقدّم ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، ويُعزّ من يشاء، وُيذلّ من يشاء، وجعل عباده بعضهم فوق بعض درجات. وقيل: هو بمعنى الأول، والآخر، إن كلّ متقدّم على متقدّم فهو قبله، وكلّ متأخّر على متأخر فهو بعده، ويكون المقدم والمؤخّر بمعنى الهادي، والمضلّ، قدّم من شاء لطاعته، لكرامته، وأخر من شاء بقضائه، لشقاوته.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد استحباب الدعاء بهذه الكلمات العظيمة الجامعة، المشتملة على طلب المغفرة من الله.
لماذا يستحب البسط في دعاء الله تعالى؟
مِنْ آداب الدعاء الإلحاحُ على الله وكثرةُ سؤاله وعدمُ السآمة والملل " والله يحبُّ الملِّحين في الدعاء، ولهذا تجد كثيراً من أدعية النبي ﷺ فيها من بسط الألفاظ وذكر كلِّ معنى بصريح لفظه، دون الاكتفاء بدلالة اللفظ الآخر عليه ما يشهد لذلك، كقوله ﷺ في حديث علي ﵁ الذي رواه مسلم في صحيحه (اللَّهمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخرتُ وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به منِّي، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر لا إله إلاَّ أنت).
ومعلومٌ أنَّه لو قيل: اغفر لي كلَّ ما صنعت كان أوجز، ولكن لفظ الحديث في مقام الدعاء والتضرُّع وإظهار العبودية والافتقار باستحضار الأنواع التي يتوب العبدُ منها تفصيلاً أحسن وأبلغ من الإيجاز والاختصار، وكذلك قوله ﷺ في الحديث الآخر (اللَّهمَّ اغفر لي ذنبي كلَّه دقَّه وجُلَّه، سرَّه وعلانيته، أوَّلَه وآخره).
стр. 3031
وفي الحديث (اللَّهمَّ اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به منِّي، اللَّهمَّ اغفر لي جدي وهَزلي وخطئي وعمدي وكلُّ ذلك عندي).
وهذا كثيرٌ في الأدعية المأثورة، فإنَّ الدعاءَ عبوديةٌ لله وافتقارٌ إليه وتذلُّلٌ بين يديه، فكلَّما كثَّره العبدُ وطوَّله وأعاده وأبداه ونوَّع جُملَه كان ذلك أبلغَ في عبوديته وإظهار فقره وتذلُّلِه وحاجته، وكان ذلك أقربَ له من ربِّه وأعظمَ لثوابه، وهذا بخلاف المخلوق، فإنَّك كلَّما كثرت سؤاله وكررت حوائجك إليه أبرمته وثقلت عليه وهنتَ عليه، وكلما تركت سؤاله كان أعظمَ عنده وأحبَّ إليه، والله سبحانه كلَّما سألته كنتَ أقربَ إليه وأحبَّ إليه، وكلَّما أَلْححت عليه في الدعاء أحبَّكَ، ومَن لَم يسأل الله يغضب عليه.
كيف طلب النبي ﷺ من ربه المغفرة مع أن الله أنزل على نبيه (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ)؟
قيل: إن هذا من باب تأكيد المغفرة.
وقيل: إن هذا الاستغفار منه ﷺ محض عبادة.
وقيل: إن هذا من تواضعه.
وقيل: أن هذا من باب كمال التذلل من رسول الله ﷺ لربه، ورجحه الشيخ ابن عثيمين.
ما رأيك بمن يقول: إن هذا من باب تعليم الأمة؟
هذا جواب ضعيف، إذ كيف يشرع النبي ﷺ شيئاً في صلاته من أجل التعليم مع أنه يمكن أن يعلم الناس بالقول. (ابن عثيمين)
ماذا نستفيد من قوله ﷺ (اللهم اغفر لي)؟
نستفيد أن النبي ﷺ قد يقع منه ما يحتاج إلى المغفرة، لكن هناك ذنوباً لا يمكن أن تقع من النبي ﷺ وهي: كل ما ينافي كمال المروءة [كالزنا، واللواط، والسرقة وما أشبه ذلك] أو كمال الرسالة [كالكذب، والخيانة].
ما رأيك بمن يقول: إن الآيات أو الأحاديث التي فيها استغفار النبي ﷺ المراد بها ذنوب أمته؟
هذا قول ضعيف.
قال الشيخ ابن عثيمين: إن هذا من باب تحريف الكلم عن مواضعه.
стр. 3032
١٥٦٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: - كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (اَللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي اَلَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ اَلَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي اَلَّتِي إِلَيْهَا مَعَادِي، وَاجْعَلْ اَلْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلْ اَلْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: استحباب الدعاء بهذا الدعاء الجامع
قال القرطبي: هذا دعاء عظيم جمع خير الدنيا والآخرة والدين والدنيا.
ما معنى قوله: (اللَّهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري).
دعا بإصلاح الدين أولاً، لأنه أعظم المقاصد، وأهم المطالب؛ لأن من فسد دينه فقد خاب وخسر الدنيا والآخرة، وسؤال اللَّه إصلاح الدين هو أن يوفق إلى التمسك بالكتاب والسنة وفق هدي السلف الصالح من الصحابة والتابعين في كل الأمور، وذلك يقوم على ركنين عظيمين:
الأول: الإخلاص للَّه وحده في كل عبادة.
والثاني: والمتابعة للرسول ﷺ بأن يكون خالصاً صواباً.
فإن التمسك بهذين الأصلين عصمة للعبد من الشرور كلها، أسبابها، ونتائجها ونهاياتها، ومن مضلات الفتن، والمحن، والضلالات التي تضيع الدين والدنيا.
فنسأل اللَّه أن يصلح لنا ديننا الذي يحفظ لنا جميع أمورنا.
ما معنى قوله (وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي)؟
أي: أصلح لي عيشي في هذه الدار الفانية القصيرة، بأن أُعْطَى الكفاف والصلاح، فيما أحتاج إليه، وأن يكون حلالاً مُعيناً على طاعتك، وعبادتك على الوجه الذي ترضاه عني، وأسألك صلاح الأهل، من الزوجة الصالحة، والذرية والمسكن الهنيء، والحياة الآمنة الطيبة، قال جلّ شأنه (من عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون).
قوله (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَة) أي: في الدنيا بالقناعة، وراحة البال، والرزق الحلال والتوفيق لصالح الأعمال.
ما معنى قوله (وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي)؟
أي: وفّقني للعمل الصالح الذي يرضيك عني، وملازمة طاعتك، والتوفيق إلى حسن الخاتمة حتى رجوعي إليك يوم القيامة، فأفوز بالجنان، قال اللَّه تعالى (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُود) لم يقل تعالى ممدود، بل قال (مَعْدُود) أي يُعدّ عدّاً إلى هذا اليوم العظيم، فينبغي لنا أن نعدّ العُدّة إلى هذا اليوم.
ما معنى قوله (واجعل الحياة زيادة لي في كل خير)؟
أي: اجعل يا اللَّه الحياة سبباً في زيادة كل خير يرضيك عني من العبادة والطاعة.
ويُفهم من ذلك أن طول عمر المسلم زيادة في الأعمال الصالحة الرافعة للدرجات العالية في الدار الآخرة، كما سُئل النبي ﷺ مَنْ خير الناس؟ فقال (مَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُه).
ما معنى قوله (واجعل الموت راحة لي من كل شر)؟
أي: اجعل الموت راحة لي من كل هموم الدنيا وغمومها من الفتن والمحن، والابتلاءات بالمعصية والغفلة، ويُفهم من ذلك أن المؤمن يستريح غاية الراحة، ويسلم السلامة الكاملة عند خروجه من هذه الدار، كما جاء في الصحيحين: أن رسول اللَّهِ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: (مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: (الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ، وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ، وَالدَّوَابُّ).
стр. 3033
١٥٦٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: - كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (اَللَّهُمَّ اِنْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَارْزُقْنِي عِلْمًا يَنْفَعُنِي) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ.
١٥٦٦ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ: مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ (وَزِدْنِي عِلْمًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ اَلنَّارِ) وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
===
ما صحة أحاديث الباب؟
في إسنادها ضعف.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد مشروعية أن يسأل العبد ربه أن يرزقه علماً، وأن يكون علماً نافعاً، لأن العلم ينقسم إلى قسمين نافع وغير نافع.
قال ابن رجب: ولذلك جاءت السنة بتقسيم العِلْم إِلَى نافع وغير نافع، والاستعاذة من العِلْم الَّذِي لا ينفع، وسؤال العِلْم النافع.
ففي "صحيح مسلم" عن زيد بن أرقم أن النبي ﷺ كان يقول (اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا).
وخرّجه أهل السنن من وجوه متعددة عن النبي ﷺ وفي بعضها (وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَع).
وفي بعضها (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَع).
وخرج النسائي من حديث جابر أن النبي ﷺ كان يقول (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ لْمًا نَافِعًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَع).
وخرّجه ابن ماجه ولفظه أن النبي ﷺ قال (سَلُوا اللَّهَ عِلْمًا نَافِعًا، وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَع).
стр. 3034
وخرّجه الترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقو (اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَزِدْنِي عِلْماً).
وخرج النسائي من حديث أنس "أن النبي ﷺ كان يدعو (اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَارْزُقْنِي عِلْمًا تَنْفَعُنِي بِه)
وخرج أبو نعيم من حديث أنس أن النبي ﷺ كان يقول (اللَّهُمَّ إِنِّا نَسْأَلُكَ إِيمَانًا دَائِمًا، فرب إيمان غير دائم، وَأَسْأَلُكَ وَعِلْمًا نَافِعًا، فرب علم غير نافع).
ما علامات العلم النافع؟
أن يثمر الخشية. قال (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ).
قال ابن مسعود وغيره: كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار بالله جهلاً.
وقال بعض السَّلف: ليس العِلْم بكثرة الرواية ولكن العِلْم الخشية.
وقال بعضهم: من خشي الله فهو عالم ومن عصاه فهو جاهل. وكلامهم في هذا المعنى كثير جدًّا.
وسبب ذلك أن هذا العِلْم النافع يدل عَلَى أمرين:
أحدهما: عَلَى معرفة الله وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الباهرة، وذلك يستلزم إجلاله وإعظامه وخشيته، ومهابته ومحبته ورجاءه والتوكل عليه، والرضا بقضائه والصبر عَلَى بلائه.
والأمر الثاني: المعرفة بما يحبه ويرضاه وما يكرهه ويسخطه من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال.
فيوجب ذلك لمن علمه المسارعة إِلَى ما فيه محبة الله ورضاه والتباعد عما يكرهه ويسخطه؛ فإذا أثمر العِلْم لصاحبه هذا فهو علم نافع، فتى كان العِلْم نافعًا ووقر في القلب لله، فقد خشع القلب وانكسر له وذل هيب وإجلالا وخشية ومحبة وتعظيمًا.
ثم قال ﵀: … فلهذا كان من علامات أهل العِلْم النافع أنهم لا يرون لأنفسهم حالا ولا مقامًا، ويكرهون بقلوبهم التزكية والمدح، ولا يتكبرون على أحد.
قال الحسن: إِنَّمَا الفقيه الزاهد في الدُّنْيَا الراغب في الآخرة، البصير بدينه المواظب على عبادة ربه.
وأهل العِلْم النافع كلما ازدادوا من هذا العِلْم ازدادوا لله تواضعًا وخشية وانكسارًا وذلا.
قال بعض السَّلف: ينبغي للعالم أن يضع التراب عَلَى رأسه تواضعًا لربه.
ومن علامات العِلْم النافع: أنَّه يدل صاحبه عَلَى الهرب من الدُّنْيَا، وأعظمها الرياسة والشهرة والمدح، فالتباعد عن ذلك والاجتهاد في مجانبته من علامات العِلْم النافع فإن وقع شيء من ذلك من غير قصد واختيار كان صاحبه في خوف شديد من عاقبته، بحيث أنَّه يخشى أن يكون مكرًا واستدراجًا،.
стр. 3035
كما كان الإمام أحمد يخاف ذلك عَلَى نفسه عند اشتهار اسمه ويُعْدِ صيته.
ومن علامات العِلْم النافع: أن صاحبه لا يدعي العِلْم ولا يفخر به عَلَى أحد، ولا ينسب غيره إِلَى الجهل إلا من خالف السنة وأهلها؛ فإنَّه يتكلم فيه غضبًا لله لا غضبًا لنفسه ولا قصدًا لرفعتها عَلَى أحد.
ما علامة العِلْم الغير نافع؟
أن يكسب صاحبه الزهو والفخر والخيلاء، وطلب العلو والرفعة في الدُّنْيَا والمنافسة فيها، وطلب مباهاة العُلَمَاء ومماراة السفهاء وصرف وجوه الناس إِلَيْهِ، وقد ورد عن النبي ﷺ : "أن من طلب العِلْم لذلك فالنار النار.
ومن علامات ذلك: عدم قبول الحق والانقياد إِلَيْهِ والتكبر عَلَى من يقول الحق، خصوصًا إن كان دونهم في أعين الناس، والإصرار عَلَى الباطل خشية تفرق قلوب الناس عنهم بإظهار الرجوع إِلَى الحق.
стр. 3036
١٥٦٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهَا هَذَا اَلدُّعَاءَ (اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ اَلْجَنَّةَ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا قَرَّبَ مِنْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا) أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.
===
ما صحة حديث الباب؟
صحيح.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد استحباب الدعاء بهذه الكلمات الجامعة المشتملة على كل خير والاستعاذة من كل شر.
وهذا الدعاء من أجمع الأدعية، إن لم يكن أجمعها، فإن فيه سؤال كل خير، والاستعاذة من كل شر، ثم النص على سؤال أفضل الخير، وهو الجنة والأعمال الصالحة المقربة إليها، والاستعاذة من أعظم الشر، وهو النار والمعاصي المقربة إليها.
قال الملا علي القاري: وأجْمَعُ مَا وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ … ثم ذكر هذا الدعاء.
وقال المناوي: قال الحليمي: هذا من جوامع الكلم التي استحب الشارع الدعاء بها، لأنه إذا دعا بهذا فقد سأل الله من كل خير، وتعوذ به من كل شر، ولو اقتصر الداعي على طلب حسنة بعينها أو دفع سيئة بعينها كان قد قَصَّر في النظر لنفسه.
وقد ورد أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان يدعو بهذا الدعاء بعد التشهد في الصلاة، ويعلمه للناس.
فقد قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"وَقَدْ وَرَدَ فِيمَا يُقَال بَعْد التَّشَهُّد أَخْبَار، مِنْ أَحْسَنهَا مَا رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور وَأَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عُمَيْر بْن سَعْد قَالَ " كَانَ عَبْد اللَّه -يَعْنِي اِبْن مَسْعُود- يُعَلِّمنَا التَّشَهُّد فِي الصَّلَاة ثُمَّ يَقُول: إِذَا فَرَغَ أَحَدكُمْ مِنْ التَّشَهُّد فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك مِنْ الْخَيْر كُلّه مَا عَلِمْت مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَم، وَأَعُوذ بِك مِنْ الشَّرّ كُلّه مَا عَلِمْت مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَم. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك مِنْ خَيْر مَا سَأَلَك مِنْهُ عِبَادك الصَّالِحُونَ، وَأَعُوذ بِك مِنْ شَرّ مَا اِسْتَعَاذَك مِنْهُ عِبَادُك الصَّالِحُونَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً" الْآيَة. قَالَ: وَيَقُول [يعني: ابن مسعود]: لَمْ يَدْعُ نَبِيّ وَلَا صَالِح بِشَيْءٍ إِلَّا دَخَلَ فِي هَذَا الدُّعَاء.
فقوله: (اللَّهمّ إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه و ما لم أعلم)
أي: يا اللَّه أعطني من جميع أنواع الخير مطلقاً في الدنيا والآخرة ما علمت منه وما لم أعلم، والتي لا سبيل لاكتسابها بنفسي إلا منك، فأنت تعلم أصلح الخير لي في العاجل والآجل.
стр. 3037
وقوله (أعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمت منه، وما لم أعلم)
أي: اللَّهمّ أجرني واعصمني من جميع الشرور العاجلة والآجلة في الدنيا والآخرة، الظاهرة منها والباطنة، والتي أعلم منها، والتي لا أعلمها؛ فإن الشرور إذا تكالبت على العبد أهلكته.
وقوله (اللَّهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل).
أي: وفقني يا اللَّه إلى الأسباب القولية والفعلية الموصلة إلى الجنة، وهذا الدعاء فيه تخصيص الخير الذي سأله من قبل؛ لأن هذا الخير هو أعظمه، وأكمله، وهو الجنة.
قوله (وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل).
أي: قني واعصمني من الوقوع في الأسباب الموجبة لدخول النار، سواء كانت - اعتقادية أو قولية أو فعلية - وهذا الدعاء فيه تخصيص من الشر المستعاذ منه من قبل، والعياذ باللَّه، فهي أشد الشر وأخطره، فما من شر أشد منها.
قوله (وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيراً).
وفي رواية وهي مفسرة للرواية الأخرى (وما قَضَيْتَ لِي مِنْ قَضَاءٍ، فَاجْعَلْ عَاقِبَتَهُ لِي رَشَداً).
أي: أسألك يا اللَّه أن تكون عواقب كل قضاء تقضيه لي خيراً، سواء كان في السراء أو الضراء، وافق النفس أو خالفها؛ لأن كل الفوز و الغنيمة في الرضا بقضائك؛ فإنك لا تقضي للمؤمن إلا خيراً، قال النبي ﷺ (عجباً لأمر المؤمن، إنّ أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).
стр. 3038
١٥٦٨ - وَأَخْرَجَ اَلشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى اَلرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اَللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي اَلْمِيزَانِ، سُبْحَانَ اَللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اَللَّهِ اَلْعَظِيمِ).
===
(اَلْعَظِيمِ) اسم من أسماء الله، معناه الجامع لصفات العظمة والكبرياء.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد فضل هاتين الكلمتين، فهما: كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى اَلرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اَللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي اَلْمِيزَانِ.
لماذا خص لفظ الرحمن في قوله (حبيبتان إلى الرحمن)؟
قال الحافظ ابن حجر: وخص لفظ الرحمن بالذكر، لأ ن المقصود من الحديث بيان سَعة رحمة الله - تعالى - على عباده، حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل.
قال الحافظ قوله (خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان) وصفهما بالخِفة والثِّقَل؛ لبيان قلة العمل وكثرة الثواب.
ماذا نستفيد من قوله (ثَقِيلَتَانِ فِي اَلْمِيزَانِ)؟
نستفيد إثبات الميزان، وفيه مباحث تقدمت.
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
الحث على المواظبة على هذا الذكر، والتحريض على ملا زمته.
إثبات صفة المحبة لله تعالى.
الجمع بين تنزيه الله تعالى والثناء عليه في الدعاء.
بيان الرسول ﷺ لأُ مته الأ سباب التي تُقربهم إلى الله، وتُثقل موازينهم في الدار الآ خرة.
إثبات الميزان، وجاء في بعض النصوص إثبات أن له كِفَّتين.
إثبات وزن أعمال العباد.
التنبيه على سَعة رحمة الله؛ حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل.
الإشارة بخِفة هاتين الكلمتين على اللسان إلى أن التكاليف شاقَّة على النفس، ومن أجل ذلك قال ﷺ (حُجبت الجنة بالمكاره، وحُجبت النار بالشهوات).
تم الشرح بفضل الله تعالى
الأربعاء: ٢٧/ ١٢/ ١٤٣٧ هـ ظهراً الساعة: ١٢ ونصف.