Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
١٥٣٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ اَلنَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ لِيَسَعْهُمْ بَسْطُ اَلْوَجْهِ، وَحُسْنُ اَلْخُلُقِ) أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
===
ما صحة حديث الباب؟
لا يصح.
ماذا نستفيد من الحديث؟
الحديث دليل على فضل بسط الوجه وبشاشته عند اللقاء، وفضل حسن الخلق.
وقد تقدم ما يغني عن حديث الباب عند شرح حديث (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق).
стр. 2977
١٥٣٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْمُؤْمِنُ مِرْآةُ اَلْمُؤْمِنِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
===
ما صحة حديث الباب؟
هذا الحديث اختلف العلماء في تحسينه وتضعيفه نظراً للخلاف في الراوي: كثير بن زيد الأسلمي.
وقد حسنه الحافظ ابن حجر هنا.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن المؤمن للمؤمن كالمرآة، وأن المؤمن يعلم عيب نفسه بإعلام أخيه له، كما يعلم خلل وجهه بالنظر إلى المرآة.
ففيه التناصح بين المسلمين.
ففي هذا الحديث: أن المسلم يعمل عمل المرآة لصاحبها، فماذا تعمل المرآة وكيف تعمل؟
المرآة تكشف الأدران البدنية التي تلحق بنا وكذا المسلم يكشف لأخيه ما به من عيوب وأدران معنوية وذلك من خلال المناصحة.
والمرآة تكشف الأدران الحسية بلطف، فليس لها عصا غليظة تشير بها إلي موضع الدرن في الجسد، وكذا المسلم يبين لأخيه العيوب بأسلوب حسن وكلام لطيف لأنه يرى أن عليه إصلاحه.
والمرآة لا تكشف العيوب لغير حاملها فلا تكشف الأدران لغير حاملها كذا المسلم لا يفضح أخاه، بل يناصحه في السر.
والمرآة لا تذهب بعد أن تكشف الأدران بل تبقي معينة علي إزالتها، وكذا المسلم يبقي معين لك علي إزالة ما أنت فيه من الأخطاء والعيوب، ولا ينتقد نقداً سلبياً هداماً لأجل النقد فحسب.
ثم إن المرآة لا تحدث بصورتك غيرك، ولا تعرضها لسواك في غيبتك، فلا تفشي سرك عند الآخرين، وكذلك ينبغي أن يكون الأخ المسلم.
بل إن المرآة لا تحفظ الصورة التي نكون عليها سابقاً، فإذا أتى أحد بعدُ لا يرى من وقف أمامها حال كونه متسخاً، أو حال إزالته الأوساخ عن جسده، وكذا المسلم فإنه ينسي ما بأخيه من العيوب بمجرد أن تزول عنه، وتبقى صورة أخيه خالية من العيوب في ذهنه، فضلاً عن أن يبث ما رأى من عيب.
стр. 2978
وبقدر ما تكون المرآة نقية يكون كشفها للعيوب أوضح وشفافيتها في ذلك أكثر، وكذا المسلم بقدر ما تكون نفسه أنقى وقلبه لله أتقي يكون شعوره بالعيب والخطاء أكثر.
ولذا فإن على المسلم أن يصحب تقياً عارفاً يعرفه عيوب نفسه.
وقد قال عمر ﵁: "رحم الله عبداً أهدى إلي عيوبي". (مقال في موقع أنا المسلم).
فائدة:
قال الغزالي:
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا بَصَّرَهُ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ، فَمَنْ كَانَتْ بَصِيرَتُهُ نَافِذَةً لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ عُيُوبُهُ، فَإِذَا عَرَفَ الْعُيُوبَ أَمْكَنَهُ الْعِلَاجُ. وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الْخَلْقِ جَاهِلُونَ بِعُيُوبِ أَنْفُسِهِمْ، يَرَى أَحَدُهُمُ الْقَذَى فِي عَيْنِ أَخِيهِ، وَلَا يَرَى الْجِذْعَ فِي عَيْنِ نَفْسِهِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ عُيُوبَ نَفْسِهِ فَلَهُ أَرْبَعَةُ طُرُقٍ:
[الطَّرِيقُ] الْأَوَّلُ: أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيْ شَيْخٍ بَصِيرٍ بِعُيُوبِ النَّفْسِ، مُطَّلِعٍ عَلَى خَفَايَا الْآفَاتِ وَيَتْبَعُ إِشَارَتَهُ فِي مُجَاهَدَتِهِ، وَهَذَا شَأْنُ التِّلْمِيذِ مَعَ أُسْتَاذِهِ، فَيُعَرِّفُهُ أُسْتَاذُهُ عُيُوبَ نَفْسِهِ، وَيُعَرِّفُهُ طَرِيقَ عِلَاجِهِ.
[الطَّرِيقُ] الثَّانِي: أَنْ يَطْلُبَ صَدِيقًا صَدُوقًا بَصِيرًا مُتَدَيِّنًا يُلَاحِظُ أَحْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ، فَمَا كَرِهَ مِنْ أَخْلَاقِهِ وَأَفْعَالِهِ وَعُيُوبِهِ يُنَبِّهُهُ عَلَيْهِ، فَهَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ الْأَكَابِرُ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ.
كَانَ عمر ﵁ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَهْدَى إِلَيَّ عُيُوبي.
وَكَانَ يَسْأَلُ حذيفة وَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ صَاحِبُ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُنَافِقِينَ فَهَلْ تَرَى عَلَيَّ شَيْئًا مِنْ آثَارِ النِّفَاقِ؟ فَهُوَ عَلَى جَلَالَةِ قَدْرِهِ وَعُلُوِّ مَنْصِبِهِ هَكَذَا كَانَتْ تُهْمَتُهُ لِنَفْسِهِ ﵁. فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَوْفَرَ عَقْلًا وَأَعْلَى مَنْصِبًا، كَانَ أَقَلَّ إِعْجَابًا وَأَعْظَمَ اتِّهَامًا لِنَفْسِهِ وَفَرَحًا بِتَنْبِيهِ غَيْرِهِ عَلَى عُيُوبِهِ، وَقَدْ آلَ الْأَمْرُ فِي أَمْثَالِنَا إِلَى أَنَّ أَبْغَضَ الْخَلْقِ إِلَيْنَا مَنْ يَنْصَحُنَا وَيُعَرِّفُنَا عُيُوبَنَا، وَيَكَادُ هَذَا أَنْ يَكُونَ
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَفِيدَ مَعْرِفَةَ عُيُوبِ نَفْسِهِ مِنْ أَلْسِنَةِ أَعْدَائِهِ، فَإِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا.
وَلَعَلَّ انْتِفَاعَ الْإِنْسَانِ بِعَدُوٍّ مُشَاحِنٍ يَذْكُرُ عُيُوبَهُ أَكْثَرُ مِنِ انْتِفَاعِهِ بِصَدِيقٍ مُدَاهِنٍ يُثْنِي عَلَيْهِ وَيَمْدَحُهُ، وَيُخْفِي عَنْهُ عُيُوبَهُ، إِلَّا أَنَّ الطَّبْعَ مَجْبُولٌ عَلَى تَكْذِيبِ الْعَدُوِّ وَحَمْلِ مَا يَقُولُهُ عَلَى الْحَسَدِ، وَلَكِنَّ الْبَصِيرَ لَا يَخْلُو عَنِ الِانْتِفَاعِ بِقَوْلِ أَعْدَائِهِ، فَإِنَّ مَسَاوِيَهُ لَا بُدَّ وَأَنْ تَنْتَشِرَ عَلَى أَلْسِنَتِه.
الطَّرِيقُ الرَّابِعُ: أَنْ يُخَالِطَ النَّاسَ، فَكُلُّ مَا رَآهُ مَذْمُومًا فِيمَا بَيْنَ الْخَلْقِ فَلْيُطَالِبْ نَفْسَهُ بِهِ وَيَنْسُبْهَا إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، فَيَرَى مِنْ عُيُوبِ غَيْرِهِ عُيُوبَ نَفْسِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الطِّبَاعَ مُتَقَارِبَةٌ فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى، فَمَا يَتَّصِفُ بِهِ غَيْرُهُ فَلَا يَنْفَكُّ هُوَ عَنْ أَصْلِهِ أَوْ عَنْ أَعْظَمَ مِنْهُ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَلْيَتَفَقَّدْ نَفْسَهُ وَيُطَهِّرْهَا عَنْ كُلِّ مَا يَذُمُّهُ مَنْ غَيْرِهِ، وَنَاهِيكَ بِهَذَا تَأْدِيبًا، فَلَوْ تَرَكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مَا يَكْرَهُونَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ، لَاسْتَغْنَوْا عَنِ الْمُؤَدِّب.
стр. 2979
١٥٣٦ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْمُؤْمِنُ اَلَّذِي يُخَالِطُ اَلنَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنْ اَلَّذِي لَا يُخَالِطُ اَلنَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ) أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَهُوَ عِنْدَ اَلتِّرْمِذِيِّ: إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ اَلصِّحَابِيَّ.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن المؤمن الذي يخالط الناس ويجتمع بهم ويصبر على ما يصيبه منهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس، بل ينفرد عن مخالطتهم.
وقد اختلف العلماء هل الأفضل الاختلاط أم العزلة على قولين:
القول الأول: العزلة أفضل.
أ- لحديث أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ) رواه البخاري.
ب- ولحديث أبي سعيد قال (قيل: يا رسول الله! أي الناس أفضل؟ فقال: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، قالوا: ثم من؟ قال: مؤمن في شعبٍ من الشعاب يتقي الله ويدعُ الناس من شره) متفق عليه.
القول الثاني: الخلطة أفضل إذا أمن على دينه.
ونسبه الحافظ ابن حجر للجمهور.
أ- لحديث الباب (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم).
ب- ولأن ذلك هو فعل الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ ومن بعدهم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من علماء المسلمين وأخيارهم.
قال الحافظ ابن حجر: قال الجمهور الاختلاط أولى لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين وإيصال أنواع الخير إليهم من إعانة وإغاثة وعيادة وغير ذلك.
стр. 2980
وقال النووي: مذهب الشافعي وأكثر العلماء أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن، وأجابوا عن هذا الحديث [مؤمن في شعبٍ من الشعاب يتقي الله ويدعُ الناس من شره] بأنه محمول على الاعتزال في زمن الفتن والحروب، أو هو فيمن لا يسلم الناس منه، وهذا هو الراجح.
وفي هذا الزمن كثرت الفتن وتنوعت وقل الحياء وكثرت المجالس التي يجتمع فيها الناس على الملاهي والأغاني والمجون وغيرها، فالأولى للمسلم أن يعتزلها حتى لا يفتن بها، كما فتن الكثير، وأيضاً يسلم من الغيبة والنميمة وغيرها من الكلام الذي لا فائدة منه. والله المستعان.
كان داود الطائي من كبار أئمة الفقه والرأي، برع في العلم ثم أقبل على شأنه ولزم الصمت وآثر الخمول وفر بدينه.
كان الثوري يعظمه ويقول: أبصر داود أمره.
قال عبد الله بن داود: من أمكن الناس من كل ما يريدون أضروا بدينه ودنياه.
وقال أحمد بن حنبل: أشتهي ما لا يكون، أشتهي مكاناً لا يكون فيه أحد من الناس.
وقال سعيد بن الحداد: لا تعدلن بالوحدة شيئاً، فقد صار الناس ذئاباً.
وقال سفيان الثوري: كان طاووس يجلس في بيته، فقيل له في ذلك، فقال: حيف الأئمة، وفساد الناس.
وعن عبد الله - بن أحمد بن حنبل - قال: كان أبي أصبر الناس على الوحدة، لم يره أحد إلا في مسجد أو حضور جنازة، أو عيادة مريض، وكان يكره المشي في الأسواق.
فائدة:
فوائد من حديث أبي سعيد السابق (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ) رواه البخاري.
أ- أن فرار الإنسان بدينه من الفتن من الإيمان.
وقد مدح الله من فر بدينه:
قال تعالى (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ).
стр. 2981
وقال تعالى (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً. وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً).
وقال ﷺ (من سمع بالدجال فلينأ عنه) رواه أبو داود.
ب- أن أعظم ما يُحافظ عليه هو الدين.
ج- إثبات الفتن وكثرتها وقدومها، وقد أخبر النبي ﷺ بذلك:
فقال ﷺ (بادروا بالأعمال الصالحة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً، ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا) رواه مسلم.
وعن أسامة بن زيد قال (أشرف النبي ﷺ على أطم من آطام المدينة، فقال: هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر) رواه البخاري ....
أشرف: نظر وطلع. الأُطم: حصن مبني بالحجارة.
وقال ﷺ (ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرّف لها تستشْرفهُ، ومن وجد فيها ملجأً فليَعُدْ به) رواه مسلم.
وقال ﷺ (إنها ستكون فتن) رواه مسلم.
وقال ﷺ (لا تقوم الساعة حتى يقبض وتظهر الفتن) رواه البخاري.
د-أهمية الهجرة في سبيل الله ولو كان فيها مشقة.
هـ-فضل العزلة إذا خاف الإنسان على دينه.
стр. 2982
١٥٣٧ - وَعَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَللَّهُمَّ كَمَا أَحْسَنْتَ خَلْقِي، فَحَسِّنْ خُلُقِي) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّان.
===
(خَلْقِي) بفتح الخاء صورة الإنسان الظاهرة.
(خُلُقِي) بضم الخاء الصورة الباطنة.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد استحباب الدعاء بهذا الدعاء، وهو الدعاء بحسن الخلق.
وقد تقدم قوله ﷺ في دعاء الاستفتاح الطويل الذي خرجه مسلم من حديث علي ﵁ أنه ﷺ كان يقول (واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت).
وفي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة (أنه ﷺ كان يدعو ويقول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ، وَالنِّفَاقِ، وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ).
فائدة:
هذا دعاء مطلق يدعو به المسلم في أي وقت شاء، وأما ما ورد في بعض طرق هذا الحديث من تخصيص هذا الدعاء عند النظر في المرآة، فهذا مما لم يصح.
стр. 2983
بَابُ اَلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ
١٥٣٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (يَقُولُ اَللَّهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَذَكَرَهُ اَلْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.
١٥٣٩ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ عَمَلاً أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اَللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اَللَّهِ) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
===
(أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي) المراد المعية الخاصة التي مقتضاها الإعانة والهداية والتوفيق.
ما صحة أحاديث الباب؟
حديث أبي هريرة حديث صحيح.
وحديث معاذ ضعيف.
ماذا نستفيد من الحديثين؟
نستفيد فضل ذكر الله تعالى.
وذكر الله يكون بثلاث أشياء:
بالقلب: أن يتفكر في آيات الله وأسمائه وصفاته.
باللسان: كأن يقرأ القرآن أو يسبح أو يهلل.
بالجوارح: كالراكع والساجد.
اذكر فضائل الذكر؟
منها: أنه يورث العبد ذكر الله له.
كما في هذه الآية (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ).
قال ابن القيم: ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلاً وشرفاً.
وقال ﷺ (قال تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خير منهم) متفق عليه.
ومنها: أنه سبب لنزول السكينة وغشيان الرحمن.
стр. 2984
كما في حديث أبي هريرة في قوله ﷺ (لا يقعد قوم في مجلس يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.
ومنها: أنه غرس الجنة.
كما في قوله ﷺ (لقيت ليلة اسري بي إبراهيم الخليل فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) رواه الترمذي.
ومنها: أن دوام ذكر الرب يوجب الأمان من نسيانه وهو سبب شقاء العبد.
فإن نسيان الرب سبحانه يوجب نسيان نفسه ومصالحها، قال تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
ومنها: أن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال.
كما قال ﷺ (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي … ) متفق عليه.
ومنها: أن العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله.
كما قال ﷺ (إذا دخل الرجل بيته، فقال بسم الله، وإذا أكل فقال بسم الله، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا طعام). رواه مسلم
وقال ﷺ (إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: كفيت وهديت ووقيت، ويتنحى عنه الشيطان) رواه أبو داود.
وقال ﷺ (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كانت له حرزاً من الشيطان) متفق عليه.
стр. 2985
وقال ﷺ (وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً، حتى إذا أتى إلى حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله). رواه الترمذي.
قال ابن القيم: فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقاً بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله.
كما في الحديث ( … وآمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن مثل ذلك رجل خرج العدو في أثرهِ سراعاً، حتى أتى إلى حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله … ) رواه الترمذي.
قال ابن القيم: فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة، لكان حقيقاً بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى.
وكما في الحديث السابق (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده … ، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك).
ومنها: أن سيد المرسلين كان كثير الذكر.
كما في حديث عائشة قالت (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) رواه مسلم.
ومنها: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس إلا مجلس يذكر الله فيه.
كما سبق في حديث (لا يقعد قوم في مجلس يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.
وكما في حديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (إن لله ملائكة فُضُلاً سيارة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادّوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا … ) رواه مسلم.
ومنها: أن الله يباهي بالذاكرين ملائكته.
كما في حديث معاوية (أن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم استحلفكم تُهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني: أن الله ﵎ يباهي بكم الملائكة) رواه مسلم.
стр. 2986
ومنها: أن الذكر يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه.
كما في الحديث (أن النبي ﷺ علم ابنته فاطمة وعلياً أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثاً وثلاثين، ويحمدا ثلاثاً وثلاثين، ويكبرا أربعاً وثلاثين، لما سألته الخادم، فعلمها ﷺ ذلك وقال: إنه خير لك من خادم) متفق عليه.
قال ابن القيم: قيل: إن من داوم على ذلك وجد قوة في بدنه مغنية عن خادم.
ومنها: أن كثرة ذكر الله أمان من النفاق.
قال تعالى في المنافقين وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً).
وقال كعب: من أكثر ذكر الله برئ من النفاق.
ومنها: أن العبادات إنما شرعت لذكر الله.
ومنها: أنه من أحب الأعمال إلى الله.
كما أوصى ﷺ رجلاً بقوله (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) رواه الترمذي.
ومنها: أنه سبب لاشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والفحش والباطل.
فإن العبد لابد أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى، وذكر أوامره، تكلم بهذه المحرمات أو بعضها.
اذكر بعض أقوال السلف في فضل ذكر الله تعالى؟
قال أبو الدرداء: لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله.
وقال معاذ: ما عمل العبد عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله.
وقال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس.
وقال كعب: من أكثر من ذكر الله برأ من النفاق.
стр. 2987
وقال ابن تيمية: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء.
وقال ابن القيم: الذكر باب المحبة وشارعها الأعظم وصراطها الأقوم.
وقال: من أراد أن ينال محبة الله فليلهج بذكره.
وقال: وكل شيء له صدأ، وصدأ القلب الغفلة والهوى، وجلاؤه الذكر والتوبة.
وعن عكرمة: أن أبا هريرة كان يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة ويقول: أسبح بقدر ذنوبي.
وقال ابن السماك: رأيت مسعراً في النوم، فقلت: أي العمل وجدت أنفع؟ قال: ذكر الله.
وقال أحمد بن حنبل: صحبت هشيْماً أربع سنين أو خمس، ما سألته عن شيء إلا مرتين هيبة له، وكان كثير التسبيح بين الحديث، يقول بين ذلك: لا إله إلا الله، يمد بها صوته.
وقال رياح القيسي: لي نيف وأربعون ذنباً، قد استغفرت لكل ذنب مائة ألف مرة.
وقالت رابعة العدوية لصالح المري: يا صالح، من أحب شيئاً أكثر من ذكره.
وعن ابن عون قال: ذكر الناس داء، وذكر الله دواء.
وعن ميمون بن سياه قال: إذا أراد الله بعبده خيراً: حبب إليه ذكره.
وعن ذي النون المصري: ما طابت الدنيا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنان إلا برؤيته.
стр. 2988
١٥٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا، يَذْكُرُونَ اَللَّهَ إِلَّا حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم.
===
(مَجْلِسًا) نكرة في سياق النفي، فيعم جميع المجالس، المساجد وغيرها.
لكن
ما المراد بالسكينة؟
قيلَ: الْمُرَاد بِالسَّكِينَةِ هُنَا: الرَّحْمَة، وَهُوَ الَّذِي اِخْتَارَهُ الْقَاضِي عِيَاض، وَهُوَ ضَعِيف، لِعَطْفِ الرَّحْمَة عَلَيْهِ، وَقِيلَ: الطُّمَأْنِينَة وَالْوَقَار وَهُوَ أَحْسَن. (نووي).
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد فضل مجالس الذكر وشرفها عند الله تعالى حيث ينال من فعل ذلك بهذه الخصال العظيمة.
قال ابن رجب ﵀: هذا يدل على استحباب الجلوس في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته، وهذا إن حمل على تعلم القرآن وتعليمه فلا خلاف في استحبابه.
وفي صحيح البخاري عن عثمان عن النبي ﷺ (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: فذلك الذي أقعدني في مقعدي هذا.
وكان قد علم القرآن في زمن عثمان بن عفان حتى بلغ الحجاج بن يوسف.
وكان النبي ﷺ أحياناً يأمر من يقرأ القرآن ليسمع قراءته، كما كان ابن مسعود يقرأ عليه، وقال: (إني أحب أن أسمعه من غيري).
وكان عمر يأمر من يقرأ عليه وعلى أصحابه وهم يستمعون، فتارة يأمر أبا موسى، وتارة يأمر عقبة بن عامر.
وجاءت أحاديث تدل على فضل الاجتماع على ذكر الله مطلقاً:
ففي الصحيحين عن أبي هريرة. عن النبي ﷺ قال (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون حلق الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا .. الحديث وفيه: فيقول الله: أشهدكم أني غفرت لهم).
وفي صحيح مسلم عن معاوية (أن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده لما هدانا للإسلام ومنّ علينا به، فقال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك، قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكن أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة).
стр. 2989
قال ابن القيم ﵀: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس إلا مجلس يذكر الله تعالى
فيه، ثم ذكر حديث (إن لله ملائكة سيارة).
وقال: فهذا من بركتهم على نفوسهم وعلى جليسهم، فلهم نصيب من قوله: وجعلني مباركاً أينما كنت، فهكذا المؤمن مبارك أين حل، والفاجر مشؤوم أين حل.
وفي الحديث أن من جلس في بيت من بيوت الله لذكر الله وقراءة القرآن، فإنه يحصل على أربع مزايا:
الأولى: تتنزل عليهم السكينة.
ففي الصحيحين عن البراء بن عازب قال (كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس، فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: تلك السكينة تنزل للقرآن).
الثانية: غشيان الرحمة.
الثالثة: أن الملائكة تحف بهم.
الرابعة: أن الله يذكرهم فيمن عنده.
قال ابن رجب ﵀: وهذه الأربع لكل مجتمعين على ذكر الله، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد كلاهما عن النبي ﷺ قال: إن لأهل الذكر تعالى أربعاً: تنزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، وتحف بهم الملائكة، ويذكرهم الرب فيمن عنده). (لطائف المعارف).
قوله (مجلساً) هل يعم جميع المجالس أم خاص بالمساجد؟
يعم جميع المجالس.
فقد جاء في رواية تقييد ذلك بالمسجد (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُه).
لكن حديث الباب جاء مطلقاً (مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا).
قال النووي: وَيُلْحَق بِالْمَسْجِدِ فِي تَحْصِيل هَذِهِ الْفَضِيلَة الِاجْتِمَاع فِي مَدْرَسَة وَرِبَاط وَنَحْوهمَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى، وَيَدُلّ عَلَيْهِ الْحَدِيث الَّذِي بَعْده فَإِنَّهُ مُطْلَق يَتَنَاوَل جَمِيع الْمَوَاضِع، وَيَكُون التَّقْيِيد فِي الْحَدِيث الْأَوَّل خَرَجَ عَلَى الْغَالِب، لَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الزَّمَان، فَلَا يَكُون لَهُ مَفْهُوم يُعْمَل بِهِ.
فائدة:
قوله (لَمْ أَسْتَحْلِفكُمْ تُهْمَة لَكُمْ) هِيَ بِفَتْحِ الْهَاء وَإِسْكَانهَا، وَهِيَ فُعْلَة وَفُعَلَة مِنْ الْوَهْم، وَالتَّاء بَدَل مِنْ الْوَاو، وَاتَّهَمْته بِهِ إِذَا ظَنَنْت لَهُ ذَلِكَ.
قَوْله ﷺ (إِنَّ اللَّه يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَة) مَعْنَاهُ: يُظْهِر فَضْلكُمْ لَهُمْ، وَيُرِيهِمْ حُسْن عَمَلِكُمْ، وَيُثْنِي عَلَيْكُمْ عِنْدهمْ، وَأَصْل الْبَهَاء: الْحُسْن وَالْجَمَال، وَفُلَان يُبَاهِي بِمَا لَهُ، أَيْ: يَفْخَر وَيَتَجَمَّل بِهِمْ عَلَى غَيْرهمْ وَيُظْهِر حُسْنهمْ.
стр. 2990
١٥٤١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرُوا اَللَّهَ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد الحذر أن يجلس الإنسان مجلساً لم يذكر الله فيه أو لم يصل على النبي ﷺ .
فقد جاء في الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَة) رواه أبو داود.
وعنه. قال: قال ﷺ (مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ).
رواه أبو داود وبوب عليه بقوله: باب كراهية أن يقوم الرجل من مجلسه ولا يذكر الله.
وروى نحوه ابن حبان في " صحيحه " (٣/ ١٣٣) وبوب عليه بقوله: ذكر استحباب الذكر لله جل وعلا في الأحوال، حَذَرَ أن يكون المواضع عليه ترة في القيامة.
وذكره المنذري في " الترغيب والترهيب " (٢/ ٢٦٢) تحت باب: " الترهيب من أن يجلس الإنسان مجلساً لا يذكر الله فيه، ولا يصلى على نبيه محمد ﷺ ". انتهى.
ولفظ الترمذي للحديث: (مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ). ومعنى قوله: (ترة): يعني حسرة وندامة.
وجاء أن النبي ﷺ قال فيهم (ما اجتمع قوم ثم تفرقوا عن غير ذكر الله، وصلاة على النبي ﷺ إلا قاموا عن أنتن من جيفة) أخرجه الطيالسي وغيره، وصححه الإمام الألباني.
وفي رواية (إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار) أخرجه الإمام أحمد، وصححه الألباني.
فائدة:
استدل العلماء بهذه الأحاديث على كراهة أن تخلو المجالس من ذكر الله، وليس على تحريم ذلك، فالحسرة لا يلزم أن تكون بسبب ترك الواجبات، بل يمكن أن تقع بسبب ترك المستحبات التي ترفع إلى أعلى الدرجات.
وقد جاء عن بعض السلف أنه قال: يعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره، فكل ساعة لم يذكر الله فيها تتقطع نفسه عليها حسرات. كما نقل ذلك الحافظ ابن رجب في (جامع العلوم والحكم).
وقوله في الحديث السابق (إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم) يدل بظاهره على وجوب الذكر في كل مجلس، لأن العذاب والمغفرة لا يكون إلا عن ذنب، إما بترك واجب، وإما بفعل محرم.
قال ابن علان ﵀ (فإن شاء عذبهم) جزاء ما قصروا في ذلك بتركها (وإن شاء غفر لهم) ذلك النقص. وهذا يقتضي وجوب وجود الذكر والصلاة على النبي في المجلس، لأنه رتب العذاب على ترك ذلك وهو آية الوجوب، ولم أر من ذكر عنه القول بوجوب ذلك في كل مجلس، والحديث يقتضيه " انتهى. دليل الفالحين شرح رياض الصالحين (٦/ ١٢٧).
والذي حمل أهل العلم الحديث عليه هو كراهة إخلاء المجلس من ذكر الله تعالى.
قال الإمام النووي ﵀: يكره لمن قعد في مكان أن يفارقه قبل أن يذكر الله تعالى فيه، لحديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ … وذكر الحديث.
стр. 2991
١٥٤٢ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ) أي: لا معبود بحق إلا الله.
(مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ) وإنما خص بالذكر ولد إسماعيل، لأن عتق من كان من ولده له فضل على عتق غيره، وذلك لأن محمداً ﷺ وإسماعيل وإبراهيم بعضهم من بعض، فمن كان من أولادهم فله شرف عظيم، ففي عتقه فضل جسيم. (عمدة القارئ)
ولفظ الحديث كما عند مسلم:
عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّه ﷺ (مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مِرَارٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ).
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد فضل هذا الذكر، وأن من قاله عشر مرات صار له من الأجر مثل أجر من أعتق أربعة من المماليك من ذرية إسماعيل.
وقد ورد أيضاً فضل عظيم فيمن قالها مائة مرة في يومه.
عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ. كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِىَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) متفق عليه.
قال النووي: قَوْله ﷺ (فِيمَنْ قَالَ فِي يَوْم: لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير مِائَة مَرَّة، لَمْ يَأْتِ أَحَد بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَد عَمِلَ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ)
هَذَا فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيل أَكْثَر مِنْ مِائَة مَرَّة فِي الْيَوْم، كَانَ لَهُ هَذَا الْأَجْر الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث عَلَى الْمِائَة، وَيَكُون لَهُ ثَوَاب آخَر عَلَى الزِّيَادَة، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْحُدُود الَّتِي نُهِيَ عَنْ اِعْتِدَائِهَا وَمُجَاوَزَة أَعْدَادهَا، وَإِنَّ زِيَادَتهَا لَا فَضْل فِيهَا أَوْ تُبْطِلهَا، كَالزِّيَادَةِ فِي عَدَد الطَّهَارَة، وَعَدَد رَكَعَات الصَّلَاة، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد الزِّيَادَة مِنْ أَعْمَال الْخَيْر، لَا مِنْ نَفْس التَّهْلِيل، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مُطْلَق الزِّيَادَة سَوَاء كَانَتْ مِنْ التَّهْلِيل أَوْ مِنْ غَيْره، أَوْ مِنْهُ وَمِنْ غَيْره، وَهَذَا الِاحْتِمَال أَظْهَر. وَاَللَّه أَعْلَم.
هل الأجر الوارد في الحديث يحصل لمن قالها متوالية أو متفرقة أم لا بد متوالية؟
قال النووي: ظَاهِر إِطْلَاق الْحَدِيث أَنَّهُ يُحَصِّلُ هَذَا الْأَجْر الْمَذْكُور فِي هَذَا الْحَدِيث مَنْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيل مِائَة مَرَّة فِي يَوْمه، سَوَاء قَالَهُ مُتَوَالِيَة أَوْ مُتَفَرِّقَة فِي مَجَالِس، أَوْ بَعْضهَا أَوَّل النَّهَار وَبَعْضهَا آخِره، لَكِنَّ الْأَفْضَل أَنْ يَأْتِي بِهَا مُتَوَالِيَة فِي أَوَّل النَّهَار، لِيَكُونَ حِرْزًا لَهُ فِي جَمِيع نَهَاره.
стр. 2992
١٥٤٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اَللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ اَلْبَحْرِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(سُبْحَانَ اَللَّهِ وَبِحَمْدِهِ) التسبيح: تنزيه الله عن العيوب والنقائص، وبحمده: أي تسبيحاً مصحوباً بحمده، فتكون الجملة متضمنة لتنزيه الله عن النقص، وإثبات الكمال لله بالحمد.
(حُطَّتْ) أي: محيت.
(وَإِنْ كَانَتْ) تلك الخطايا.
(مِثْلَ زَبَدِ اَلْبَحْرِ) (الزبَد) هو ما يعلو على وجه البحر عند هيجانه.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد فضل قول هذا الذكر (سبحان الله وبحمده) مائة مرة. وأن جزاء من فعل ذلك أنه خطاياه تحط وتزول وتمحى.
وقد جاء في صحيح مسلم:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِى سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ. لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ).
ومما ورد في فضل هذه الكلمة:
أ- (كان رسول الله ﷺ يكثر من قول " سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه ". قالت فقلت: يا رسول الله! أراك تكثر من قول " سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه؟ " فقال " خبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي. فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه. فقد رأيتها. إذا جاء نصر الله والفتح. فتح مكة. ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً).
ب- (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).
ج- (من قال: سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر).
د- (أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أيُّ الكلامِ أفضلُ؟ قال " ما اصطفى اللهُ لملائكته أو لعبادِه: سبحان اللهِ وبحمدِه).
هـ- (أنَّ النبيَّ ﷺ خرج من عندِها بُكرةً حين صلى الصبحَ، وهي في مسجدِها. ثم رجع بعد أن أَضحَى، وهي جالسةٌ. فقال " ما زلتُ على الحالِ التي فارقتُكِ عليها؟ " قالت: نعم. قال النبيُّ ﷺ : لقد قلتُ بعدكِ أربعَ كلماتٍ، ثلاثَ مراتٍ. لو وُزِنَتْ بما قلتِ منذُ اليومَ لوزَنَتهنَّ: سبحان اللهِ وبحمدِه، عددَ خلقِه ورضَا نفسِه وزِنَةِ عرشِه ومِدادَ كلماتِه).
стр. 2993
و- (ألا أخبرُك بأحبِّ الكلامِ إلى اللهِ؟ قلتُ: يا رسولَ اللهِ! أخبرني بأحبِّ الكلامِ إلى اللهِ. فقال: إن أحبَّ الكلامِ إلى اللهِ، سبحانَ اللهِ وبحمدِه).
ز- (من قال سبحان الله وبحمده، غرست له نخلة في الجنة).
الأذكار المقدرة بعدد معين، هل يزاد عليها أم لا؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀: واستنبط من هذا أن مراعاة العدد المخصوص في الأذكار معتبرة، وإلا لكان يمكن أن يقال لهم: أضيفوا لها التهليل ثلاثا وثلاثين، وقد كان بعض العلماء يقول: إن الأعداد الواردة كالذكر عقب الصلوات إذا رتب عليها ثواب مخصوص، فزاد الآتي بها على العدد المذكور لا يحصل له ذلك الثواب المخصوص؛ لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصية تفوت بمجاوزة ذلك العدد ....
وجاء في (فتاوى اللجنة الدائمة) أما الأدعية والأذكار المأثورة، فالأصل فيها التوقيف، من جهة الصيغة والعدد، فينبغي للمسلم أن يراعي ذلك، ويحافظ عليه، فلا يزيد في العدد المحدد ولا في الصيغة ولا ينقص من ذلك ولا يحرف فيه، وبالله التوفيق. " انتهى".
ويدل على أنه يُقتصر على الوارد في الذكر المقيد: أنه ﵊ لم ينقل عنه أنه زاد على الصيغة الواردة في بعض الأذكار، كأذكار أدبار الصلوات - مثلاً -، بل لما شكا له فقراء المهاجرون أن الأغنياء صاروا يقولون الذكر الوارد عقب الصلاة، لم يشرع لهم الزيادة على العدد (ثلاثا وثلاثين) بل قال (ذلك فضل الله يؤته من يشاء)، فدل ذلك على أن الذكر محصور بعدد معين.
وأما الجواب عن الحديث الذي جاء فيه: (مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ) فيقال: الحديث فيه احتمال أن تكون الزيادة من نفس الذكر، فيكون هذا الذكر مستثنى من جواز الزيادة على الوارد بهذا النص، واحتمال أن تكون الزيادة من الذكر عموماً، فيكون المعنى: قال ذلك الذكر الوارد ثم زاد عليه ذكراً آخر.
قال النووي ﵀: قوله ﷺ (فِيمَنْ قَالَ فِي يَوْم: لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ، لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير مِائَة مَرَّة، لَمْ يَأْتِ أَحَد بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَد عَمِلَ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ) هذا فيه دليل على أنه لو قال هذا التهليل أكثر من مائة مرة في اليوم، كان له هذا الأجر المذكور في الحديث على المائة، ويكون له ثواب آخر على الزيادة، وليس هذا من الحدود التي نهى عن اعتدائها ومجاوزة أعدادها، وأن زيادتها لا فضل فيها أو تبطلها، كالزيادة في عدد الطهارة وعدد ركعات الصلاة.
ويحتمل أن يكون المراد: الزيادة من أعمال الخير لا من نفس التهليل، ويحتمل أن يكون المراد مطلق الزيادة، سواء كانت من التهليل أو من غيره، أو منه ومن غيره، وهذا الاحتمال أظهر والله اعلم. (شرح مسلم).
стр. 2994
١٥٤٤ - وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ اَلْحَارِثِ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ اَلْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اَللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
===
(جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ اَلْحَارِثِ) الخزاعية، من بني المصطلق، أم المؤمنين.
ولفظ الحديث كاملاً:
عنْ جُوَيْرِيَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِىَ فِي مَسْجِدِهَا ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِىَ جَالِسَةٌ فَقَالَ «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا». قَالَتْ نَعَمْ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ).
(لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ) أي: بعد أن خرجت من عندك، أو بعدما فارقتك.
(لَوَزَنَتْهُنَّ) أي: عدلتهن في الميزان.
(عدَدَ خَلْقِهِ) أي: بعدد جميع مخلوقاته.
(وَرِضَا نَفْسِهِ) أي: حتى يرضى الله.
قال الشيخ ابن عثيمين: وهذا لا يمكن أن يبلغه أحد، لكن المعنى: أنني مأمور بأني أسبح الله وأحمده حتى يرضى.
(وَزِنَةَ عَرْشِهِ) أي: قدْر وزْن عرشه، ولا يعلم وزنه إلا الله تعالى.
(وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيم، قِيلَ: مَعْنَاهُ: مِثْلهَا فِي الْعَدَد، وَقِيلَ: مِثْلهَا فِي أَنَّهَا لَا تَنْفُذ، وَقِيلَ: فِي الثَّوَاب، وَالْمِدَاد هُنَا مَصْدَر بِمَعْنَى الْمَدَد، وَهُوَ مَا كَثُرَتْ بِهِ الشَّيْء. قَالَ الْعُلَمَاء: وَاسْتِعْمَاله هُنَا مَجَاز؛ لِأَنَّ كَلِمَات اللَّه تَعَالَى لَا تُحْصَر بِعَدٍّ وَلَا غَيْره، وَالْمُرَاد الْمُبَالَغَة بِهِ فِي الْكَثْرَة؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا مَا يَحْصُرهُ الْعَدّ الْكَثِير مِنْ عَدَد الْخَلْق، ثُمَّ زِنَة الْعَرْش، ثُمَّ اِرْتَقَى إِلَى مَا هُوَ أَعْظَم مِنْ ذَلِكَ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِهَذَا، أَيْ: مَا لَا يُحْصِيه عَدٌّ كَمَا لَا تُحْصَى كَلِمَات اللَّه تَعَالَى. (نووي).
ماذا نستفيد من حديث الباب؟
نستفيد استحباب هذا الذكر العظيم، وظاهره أنه يقال أول النهار.
وقد وردت هذه الصيغة في التسبيح، أيضا، ومعها زيادة التحميد، والتكبير، والتهليل، والحوقلة:
عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهَا أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ حَصًى تُسَبِّحُ بِهِ، فَقَالَ: أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ مِثْلُ ذَلِك) رواه أبو داود.
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
أن بعض الأذكار مع وجازة ألفاظه يكون أكثر ثواباً من كثير من الألفاظ.
أن الكلام يتفضل، بعضه أفضل من بعض.
إثبات الرضا لله تعالى.
أن العرش له جرم وثقل.
عظمة العرش.
стр. 2995
١٥٤٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْبَاقِيَاتُ اَلصَّالِحَاتُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَسُبْحَانَ اَللَّهِ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاَللَّهِ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.
===
(اَلْبَاقِيَاتُ) أي: الكلمات التي تبقى لصاحبها من حيث الثواب.
(اَلصَّالِحَاتُ) للتقرب إلى الله.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد فضل هذا الذكر، وأن هذا الذكر من الباقيات الصالحات التي تبقى للعبد بعد موته.
وقد قال تعالى (المال وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً).
ووصفت بالباقيات لأنها تبقى لأهلها يوم القيامة، ذخراً وثواباً.
قال القاسمي: قوله تعالى (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً) أي: والأعمال التي تبقى ثمراتها الأخروية، من الاعتقادات والأخلاق والعبادات الكاملات، خير عند ربك من المال والبنين، في الجزاء والفائدة وخير مما يتعلق بهما من الأمل، فإن ما ينال بهما من الآمال الدنيوية، أمرها إلى الزوال، وما ينال بالباقيات الصالحات من منازل القرب الرباني والنعيم الأبدي، لا يزول ولا يحول. (تفسير القاسمي).
وقد اختلف العلماء في المراد بالباقيات الصالحات على أقوال:
القول الأول: الباقيات الصالحات هذه الكلمات: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَر.
ونسبه بعض المفسرين للجمهور.
القول الثاني: أن الباقيات الصالحات هي الصلوات الخمس.
القول الثالث: أن الباقيات الصالحات هي الأعمال الصالحة كلها. وهذا اختيار ابن جرير.
قال الإمام الطبري ﵀ وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: هنّ جميع أعمال الخير، كالذي رُوي عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ لأن ذلك كله من الصالحات التي تبقى لصاحبها في الآخرة، وعليها يجازى ويُثاب، وإن الله عزّ ذكره لم يخصص من قوله (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا) بعضاً دون بعض في كتاب، ولا بخبر عن رسول الله ﷺ .
стр. 2996
وقال الشنقيطي: وأقوال العلماء في الباقيات الصالحات كلها راجعة إلى شيءٍ واحدٍ وهو الأعمال التي ترضي الله سواء قلنا إنها "الصلوات الخمس" كما هو مروي عن جماعة من السلف منهم: ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو ميسرة وعمر بن شرحبيل، أو أنها: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
وعلى هذا القول جمهور العلماء.
وجاءت دالة عليه أحاديث مرفوعة عن أبي سعيد الخدري وأبي الدرداء وأبي هريرة والنعمان بن بشير وعائشة ﵃.
قال مقيده -عفا الله عنه- والتحقيق: أن الباقيات الصالحات: لفظ عام يشمل الصلوات الخمس والكلمات الخمس المذكورة وغير ذلك من الأعمال التي ترضي الله تعالى؛ لأنها باقية لصاحبها غير زائلة ولا فانية كزينة الحياة الدنيا؛ ولأنها -أيضاً- صالحة لوقوعها على الوجه الذي يرضي الله تعالى. (الأضواء).
ويشهد لذلك ما رواه الترمذي عن عائشة ﵂ (أنهم ذبحوا شاة على عهد النبي ﷺ وتصدقوا بها إلا كتفها، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (مَا بَقِيَ مِنْهَا؟) قَالَتْ: عائشة: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلا كَتِفُهَا، قَالَ: (بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِها).
قال المباركفوري ﵀: أي: ما تصدقتَ به: فهو باق، وما بقي عندك: فهو غير باق، إشارة إلى قوله تعالى (مَا عِنْدَكم يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ).
ماذا نستفيد من قوله (الباقيات الصالحات … )؟
نستفيد أن الذي يبقى للإنسان هو العمل الصالح.
أولاً: فالعمل الصالح هو الذي يدخل معك في قبرك.
عن أنس ﵁، عن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: ((يَتْبَعُ المَيتَ ثَلَاثَةٌ: أهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَملُهُ، فَيَرجِعُ اثنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ: يَرجِعُ أهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبقَى عَملُهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
ثانياً: وهو أنيسك وجليسك في القبر.
قال النبي ﷺ : (إن العبد المؤمن إذا وضع في قبره يأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر برضوان من الله وجنات، أنا عملك الصالح، فوالله ما علمتك إلا كنت سريع في طاعة الله بطيء في معصية الله).
ثالثاً: وهو الحسب الحقيقي.
قال ﷺ (قال الله : من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
وقال تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
стр. 2997
ولذلك قال النبي ﷺ (يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أغني عنك من الله شيئاً).
رابعاً: وهو الذي يتمناه الإنسان عند الاحتضار.
يقال تعالى (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا … ).
يتمنى إذا احتضر وجاءت سكرة الموت، وجاء الموت، يتمنى أن يرجع ويعمل الأعمال الصالحة.
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ. وَأَنفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ).
خامساً: وهو الذي يتمناه الكفار إذا دخلوا النار.
قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ. وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا. رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ. فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ).
سادساً: العمل الصالح سبب لتفريج الكروب.
وقد تقدم حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الغار، فتوسل كل واحد منهم بعمل صالح فانفرجت عنهم.
سابعاً: العمل الصالح هو الذي يبقى.
قال تعالى (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً).
ثامناً: أنه سبب للحياة الطيبة.
قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً).
تاسعاً: سبب للأمن والاستقرار والتمكين.
قال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا).
стр. 2998
١٥٤٦ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَحَبُّ اَلْكَلَامِ إِلَى اَللَّهِ أَرْبَعٌ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ: سُبْحَانَ اَللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد استحباب هذا الذكر، وأنه أحب الكلام إلى الله.
قيل: أحب الكلام، أي من كلام البشر، ورجحه النووي.
لأن القرآن أفضل من التسبيح والتهليل المطلق.
وقيل: المراد الكلام المتضمن للأذكار والدعاء، واختاره القرطبي.
لماذا كانت هذه الكلمات أحب الكلام إلى الله؟
وإنما كانت هذه الكلمات أحب الكلام إلى الله، لاشتمالها على أمور عظيمة، وهي تنزيه الله، ووصفه بكل ما يجب له من صفات الكمال، وإفراده بالوحدانية والأكبرية.
اذكر بعض فضائل هذه الكلمات؟
أولاً: أنها أحب الكلام إلى الله.
كما في حديث الباب.
ثانياً: أنها خير مما طلعت عليه الشمس.
لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) رواه مسلم.
ثالثاً: أنها الباقيات الصالحات (عند كثير من العلماء).
كما تقدم في الحديث السابق.
رابعاً: أنها غراس الجنة.
عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِي فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّى السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ وَأَنَّهَا قِيعَانٌ وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَر) رواه الترمذي.
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
أن فضلها وحصول ثوابها لا يقتضي ترتيبها كما جاءت في الحديث، بل لا بأس بتقديم بعضها على بعض.
إثبات محبة الله تعالى.
الحث على لزوم هذه الكلمات.
стр. 2999
١٥٤٧ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى اَلْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (يَا عَبْدَ اَللَّهِ بْنَ قَيْسٍ! أَلَّا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ اَلْجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاَللَّهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
زَادَ النَّسَائِيُّ (وَلَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ).
===
(يَا عَبْدَ اَللَّهِ بْنَ قَيْسٍ) اسم أبي موسى الأشعري.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد فضل هذه الكلمة: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنها كنز من كنوز الجنة.
وعند التّرْمِذِيّ (أَنّهَا بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنّةِ).
قال ابن القيم: وَأَمّا تَأْثِيرُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ فِي دَفْعِ هَذَا الدّاءِ فَلِمَا فِيهَا مِنْ كَمَالِ التّفْوِيضِ وَالتّبَرّي مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوّةِ إلّا بِهِ وَتَسْلِيمِ الْأَمْرِ كُلّهِ لَهُ وَعَدَمِ مُنَازَعَتِهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَعُمُومُ ذَلِكَ لِكُلّ تَحَوّلٍ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيّ وَالسّفْلِيّ وَالْقُوّةِ عَلَى ذَلِكَ التّحَوّلِ وَأَنّ ذَلِكَ كُلّهُ بِاَللّهِ وَحْدَهُ فَلَا يَقُومُ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ شَيْءٌ. وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ إنّهُ مَا يَنْزِلُ مَلَكٌ مِنْ السّمَاءِ وَلَا يَصْعَدُ إلَيْهَا إلّا بِلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ وَلَهَا تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي طَرْدِ الشّيْطَانِ وَاَللّهُ الْمُسْتَعَانُ.
قال ابن القيم: هذه الكلمة لها تأثير عجيب في معاناة الأشغال الصعبة، وتحمّل المشاق، والدخول على الملوك ومن يُخاف،
ركوب الأهوال.
وقال شيخ الإسلام ﵀: هذه الكلمة بها تحمل الأثقال، وتكابد الأهوال، وينال رفيع الأحوال.
ما معنى هذه الكلمة؟
معناها: اعتراف العبد بعجزه عن القيام بأي أمر إلا بتوفيق الله له وتيسيره، وأما حوله ونشاطه وقوته فمهما بلغت من العِظم فإنها لا تغني عن العبد شيئا إلا بعون الله الذي علا وارتفع على سائر المخلوقات، العظيم الذي لا يعظم معه شيء، فكل قوي ضعيف في جنب قوة الله، وكل عظيم صغير ضعيف في جنب عظمته سبحانه.
وتقال هذه الجملة إذا دهم الإنسان أمر عظيم لا يستطيعه، أو يصعب عليه القيام به.
قال النووي: قالَ أَهْل اللُّغَة: (الْحَوْل) الْحَرَكَة وَالْحِيلَة، أَيْ: لَا حَرَكَة وَلَا اِسْتِطَاعَة وَلَا حِيلَة إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّه تَعَالَى، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا حَوْل فِي دَفْع شَرٍّ، وَلَا قُوَّة فِي تَحْصِيل خَيْر إِلَّا بِاَللَّهِ، وَقِيلَ: لَا حَوْل عَنْ مَعْصِيَة اللَّه إِلَّا بِعِصْمَتِهِ، وَلَا قُوَّة عَلَى طَاعَته إِلَّا بِمَعُونَتِهِ، وَحُكِيَ هَذَا عَنْ اِبْن مَسْعُود ﵁، وَكُلّه مُتَقَارِب.
وقال ابن رجب ﵀: فإنّ المعنى: لا تحوّل للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلاّ بالله، وهذه كلمة عظيمة وهي كنز من كنوز الجنّة.
ما المراد بالكنز في قوله (أَلَّا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ)؟
قال النووي: وَمَعْنَى الْكَنْز هُنَا: أَنَّهُ ثَوَاب مُدَّخَر فِي الْجَنَّة، وَهُوَ ثَوَاب نَفِيس، كَمَا أَنَّ الْكَنْز أَنْفَس أَمْوَالكُم.
стр. 3000
وقال في الفتح: سميت هذه الكلمة كنزاً، لأنها كالكنز في نفاسته، وصيانته عن أعين الناس.
وقال: كنز من كنوز الجنة من حيث أنه يدخر لصاحبها من الثواب ما يقع له في الجنة موقع الكنز في الدنيا، لأن من شأن الكانز أن يعد كنزه لخلاصه مما ينوبه والتمتع به فيما يلائمه.
وقال ابن القيّم ﵀: لما كان الكنز هو المال النفيس المجتمع الذي يخفى على أكثر النّاس، وكان هذا شأن هذه الكلمة، كانت كنزاً من كنوز الجنة، فأوتيها النبي من كنز تحت العرش، وكان قائلها أسلم واستسلم لمن أزمّة الأمور بيديه، وفوّض أمره إليه.
ما سبب في أن هذه الكلمة كنز؟
قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: سَبَب ذَلِكَ أَنَّهَا كَلِمَة اِسْتِسْلَام وَتَفْوِيض إِلَى اللَّه تَعَالَى، وَاعْتِرَاف بِالْإِذْعَانِ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا صَانِع غَيْره، وَلَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَأَنَّ الْعَبْد لَا يَمْلِك شَيْئًا مِنْ الْأَمْر.
اذكر بعض الأحاديث الواردة في هذه الكلمة؟
أ- عن سعد. قَالَ (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عَلِّمْنِي كَلَامًا أَقُولُهُ قَالَ «قُلْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ». قَالَ فَهَؤُلَاءِ لِرَبِّى فَمَا لِي قَالَ «قُلِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي) رواه مسلم.
ب- وعن عُبَادَة بْن الصَّامِت، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللهِ، وَلَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ، وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ) رواه البخاري.
فائدة:
قال شيخ الإسلام: هذه الكلمة كلمة استعانة، لا كلمة اسْترجاع، وكثير من النّاس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعاً لا صبراً.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وليست هذه الكلمة كلمة استرجاع كما يفعله كثير من الناس إذا قيل له: حصلت المصيبة الفلانية، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن كلمة الاسترجاع أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ أما هذه الكلمة فهي كلمة استعانة، إذا أردت أن يعينك الله على شيء فقل: لا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 3001
١٥٤٨ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِنَّ اَلدُّعَاءَ هُوَ اَلْعِبَادَةُ) رَوَاهُ اَلْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ.
١٥٤٩ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ (اَلدُّعَاءُ مُخُّ اَلْعِبَادَةِ).
١٥٥٠ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ (لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اَللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ) وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِم.
===
عرف الدعاء؟
الدعاء: سؤال العبد ربه على وجه الابتهال، وقد يطلق على التقديس والتحميد ونحوهما.
ماذا نستفيد من الأحاديث؟
نستفيد أن الدعاء عبادة جليلة عظيمة.
فالدعاءُ تتحقَّق به عبادةُ ربِّ العالمين؛ لأنَّه يتضمَّن تعلّقَ القلب بالله تعالى، والإخلاصَ له، وعدمَ الالتفات إلى غير الله في جلبِ النفع ودفع الضرّ، ويتضمَّن الدعاءُ اليقينَ بأنّ الله قدير لا يُعجزه شيء، عليم لا يخفي عليه شيء، رحمن رحيم، حيّ قيّوم، جواد كريم، محسِن ذو المعروف الذي لا ينقطع أبداً، لا يُحَدُّ جودُه وكرمه، ولا ينتهي إحسانُه ومعروفه، ولا تنفد خزائن بركاته. فلأجلِ هذه الصفات العظيمة وغيرِها يُرجى ربُّنا ويُدعى، ويسأله من في السموات والأرض حاجاتِهم باختلاف لغاتِهم.
فالدعاء من أعظم العبادات، فيه يتجلى الإخلاص والخشوع، ويظهر صدق الإيمان، وتتمحّص القلوب، وهو المقياس الحقيقي للتوحيد، ففي كلامٍ لشيخ الإسلام ﵀: إذا أردت أن تعرف صدق توحيدك فانظر في دعائك.
الدعاء استعانة من عاجزٍ ضعيف بقويٍ قادر، واستغاثة من ملهوف برب قادر، وتوجه ورجاءٌ إلى مصرِّفِ الكون ومدبِّر الأمر، لِيُزيلَ عِلَّة، أو يَرْفَعَ مِحْنَة، أو يَكْشِفَ كُرْبَة، أو يُحَقِّقَ رجاءً أو رَغْبَة.
قال ابن رجب: واعلم أن سؤال الله دون خلقه هو المتعين، لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع هذا الضر ونيل المطلوب، وجلب المنافع ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده لأنه حقيقة العبادة.
ما أنواع الدعاء؟
النوع الأول: دعاء العبادة.
وهو طلب الثواب بالأعمال الصالحة: كالنطق بالشهادتين والعمل بمقتضاهما، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج.
النوع الثاني: دعاء المسألة.
وهو دعاء الطلب: طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر، وطلب الحاجات.
стр. 3002
اذكر بعض ما جاء في فضل الدعاء؟
قال الله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).
وقال تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ).
وقال تعالى (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين، وَلَا تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
وقال ﵎ (فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).
وقال (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال (ليس شيءٌ أكرَمَ على الله تعالى من الدعاء).
وعنه. قال: قال النبي ﷺ قال (منْ لم يَسألِ الله يَغْضَبْ عليه) رواه الترمذي.
وعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال (ما من مسلم يدعو الله بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها". قالوا: إذاً نكثر. قال: "الله أكثر).
ـوعن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إنَّ ربَّكُم ﵎ حييُّ كَرِيمٌ يستَحي مِنْ عبدهِ إذا رفع يديه إليه أن يردَّهما صِفراً).
والدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، وهو من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن، وللدعاء مع البلاء ثلاث مقامات:
أن يكون الدعاء أقوى من البلاء فيدفعه.
أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد، ولكن يخففه وإن كان ضعيفاً.
أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه.
وأنشد القائل:
لا تَسأَلنَّ بُنَيَّ آدم حاجةً وسلِ الذي أبوابه لا تحجبُ
اللهُ يغضبُ إن تركت سؤاله وبُنيَّ آدم حين يُسأل يغضبُ.
لماذا الدعاء أكرم شيء على الله؟
قال الشوكاني: قيل وجه ذلك أنه يدل على قدرة الله تعالى وعجز الداعي.
стр. 3003
قال ابن حجر: كل داع يستجاب له، لكن تتنوع الإجابة؛ فتارة تقع بعين ما دعا به، وتارة بعِوَضِه.
قال رسول الله ﷺ (إنه من لم يسئل الله تعالى يغضب عليه).
قال ابن قيم الجوزية: وهذا يدل على أن رضاه في سؤاله وطاعته وإذا رضى الرب ﵎، فكل خير في رضاه، كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه. (الجواب الكافي).
لماذا استحق الغضب من لم يسأل الله؟
استحق الغضب لأمرين:
الأول: لأنه ترك محبوباً لله، فإن الله يحب أن يسأل، ذكر ذلك المناوي.
والثاني: لأن ترْك الدعاء دليل على الاستغناء عن الله، ذكر ذلك المباركفوي.
فائدة:
قال العلامة السعدي ﵀: ومما ينبغي لمن دعا ربه في حصول مطلوب أو دفع مرهوب أن لا يقتصر في قصده ونيته في حصول مطلوبه الذي دعا لأجله بل يقصد بدعائه التقرب إلى الله بالدعاء وعبادته التي هي أعلى الغايات، ومن كان هذا قصده في دعائه "التقرب إلى الله" فهو أكمل بكثير ممن لا يقصد إلا حصول مطلوبة فقط، كحال أكثر الناس فهذا نقص وحرمان لهذا الفضل العظيم.
стр. 3004
١٥٥١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلدُّعَاءُ بَيْنَ اَلْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَغَيْرُهُ.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن من مواطن الدعاء بين الأذان والأقامة، فينبغي للمسلم أن يحرص على التبكير للصلاة ليستغل هذا الوقت بالدعاء.
اذكر بعض المواضع التي يستحب فيها الدعاء؟
أ-بين الأذان والإقامة.
لحديث الباب.
ب-في السحر.
لقوله ﷺ (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) متفق عليه.
ج-بعد العصر يوم الجمعة.
لقوله ﷺ في يوم الجمعة (وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها) متفق عليه.
وعند أبي داود ( … آخر ساعة من العصر).
د-في السجود.
لقوله ﷺ (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء) رواه مسلم.
هـ-عند صياح الديكة.
لقوله ﷺ (إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكاً) متفق عليه.
حديث الباب مقيد بماذا؟
مقيد إن لم يكن في الدعاء إثم أو قطيعة رحم.
стр. 3005
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الاِسْتِعْجَالُ قَالَ؟ يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاء) رواه مسلم.
قال ابن القيم: الدعاء من أقوى الأسباب، فليس شيء أنفع منه، فمتى أُلهِمَ العبد الدعاء حصلت الإجابة.
هل يستحب التقدم للمسجد مبكراً ليحصل هذا الوقت؟
نعم يستحب التقدم مبكراً ليحصل هذا الوقت.
وقد جاء في فضل التبكير قوله ﷺ (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ) متفق عليه.
والنبي ﷺ أراد من هذا الخبر الحث على اغتنام هذا الوقت بالدعاء، فإنه حري بالإجابة.
هل الإنسان إذا دعا عليه شخص يخاف أم لا؟
الراد للدعاء والقابل له هو الله، وعليه، فالإنسان إذا دعا عليه آخر لا يخاف إلا إذا كان ظالماً، لأن الإنسان إذا دعا على غير ظالم، فإن الذي يجيبه هو الله ، ولو أجابه على دعائه لكان الله يعين الظالمين، وحاشاه من ذلك، بل الله يقول (إنه لا يفلح الظالمون)، وعلى هذا: فلا تخف من دعاء من يدعو عليك بغير حق. [قاله ابن عثيمين].
ما الحكم فيمن يستعجل بركعتي تحية المسجد التي بين الأذان والإقامة حتى يتمكن من الدعاء؟
هذا خطأ، لأن الدعاء في الصلاة أفضل من الدعاء خارج الصلاة. [قاله ابن عثيمين].
يقول بعض الناس: أدعو الله ولا يستجاب لي؟
قد يكون لوجود مانع.
ففي حديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ ( … في الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، فأنَّى يستجاب له) رواه مسلم.
стр. 3006
١٥٥٢ - وَعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفَرًا) أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
===
(حَيِيٌّ) أي: ذو حياء، والله تعالى يوصف بالحياء على ما يليق بجلاله كسائر صفاته.
(صِفَرًا) أي: خاليتين.
ما صحة حديث الباب؟
حديث صحيح.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد استحباب رفع اليدين في الدعاء، وأن ذلك من أسباب إجابة الدعاء.
وقد كثرة الأحاديث في رفع اليدين حال الدعاء من قوله ﷺ وفعله بلغت مبلغ التواتر المعنوي.
قال النووي: قد ثبت رفع يديه ﷺ في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء، وهي أكثر من أن تحصر، وقد جمعتُ منها نحواً من ثلاثين حديثاً من الصحيحين أو أحدهما.
وقال السيوطي: فقد رُوي عنه ﷺ نحو مائة حديث فيها رفع يديه في الدعاء، قد جمعتها في جزء لكنها في قضايا مختلفة.
وقال الصنعاني: في الحديث دلالة على استحباب رفع اليدين في الدعاء والأحاديث فيه كثيرة .... انتهى.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له) رواه مسلم.
قال أبو موسى الأشعري ﵁: دعا النبي ﷺ ثم رفع يديه، ورأيت بياض إبطيه. رواه البخاري.
عَنْ ابن عمر. قَالَ (بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا فَجَعَلُوا يَقُولُونَ صَبَأْنَا صَبَأْنَا فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرْنَاهُ فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ) رواه البخاري.
وعَن أَنَس (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْه) متفق عليه.
стр. 3007
اذكر حالات رفع اليدين في الدعاء (متى ترفع ومتى لا ترفع)؟
القسم الأول: ما ثبت فيه رفع اليدين صريحاً عن النبي ﷺ .
وذلك في خطبة صلاة الاستسقاء وكذلك في صلاة الجمعة عند الاستسقاء.
كما في حديث الباب.
القسم الثاني: ما ثبت عدم الرفع فيه.
وذلك في الدعاء في خطبة الجمعة في غير استسقاء ولا استصحاء.
القسم الثالث: ما كان ظاهر السنة فيه عدم الرفع.
وذلك كالدعاء بين السجدتين وآخر التشهد.
القسم الرابع: ما سوى ذلك، فالأصل فيه الرفع، ولذلك كان من آداب الدعاء أن يرفع يديه في الدعاء.
- من المواضع التي لا ترفع فيها الأيدي: في الدعاء في خطبة الجمعة فير الاستسقاء.
عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ قَالَ (رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ فَقَالَ قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا. وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ).
فهذا الحديث دليل على أنه لا يشرع رفع اليدين في الدعاء في خطبة الجمعة في غير الاستسقاء.
قال النووي ﵀ في شرح مسلم في شرح حديث الباب: هَذَا فِيهِ أَنَّ السُّنَّة أَنْ لَا يَرْفَع الْيَد فِي الْخُطْبَة وَهُوَ قَوْل مَالِك وَأَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ. وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْض السَّلَف وَبَعْض الْمَالِكِيَّة إِبَاحَته؛ لِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي خُطْبَة الْجُمُعَة حِين اِسْتَسْقَى، وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ هَذَا الرَّفْع كَانَ لِعَارض.
وسئل الشيخ ابن باز ﵀: ما حكم من يرفع يديه والخطيب يدعو للمسلمين في الخطبة الثانية مع الدليل، أثابكم الله؟
فأجاب: رفع اليدين غير مشروع في خطبة الجمعة ولا في خطبة العيد لا للإمام ولا للمأمومين، وإنما المشروع الإنصات للخطيب والتأمين على دعائه بينه وبين نفسه من دون رفع صوت، وأما رفع اليدين فلا يشرع؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يرفع يديه في خطبة الجمعة ولا في خطبة الأعياد، ولما رأى بعض الصحابة بعض الأمراء يرفع يديه في خطبة الجمعة أنكر عليه ذلك، وقال: ما كان النبي ﷺ يرفعهما.
نعم، إذا كان يستغيث في خطبة الجمعة للاستسقاء، فإنه يرفع يديه حال الاستغاثة -أي طلب نزول المطر-؛ لأن النبي ﷺ كان يرفع يديه في هذه الحالة، فإذا استسقى في خطبة الجمعة أو في خطبة العيد فإنه يشرع له أن يرفع يديه تأسياً بالنبي ﷺ .
стр. 3008
وقال الشيخ ابن عثيمين: أما إذا دعا الإمام في الخطبة فإنه لا يسن للإمام ولا للمأمومين أن يرفعوا أيديهم إلا في حالين:
الحال الأولى: الاستسقاء إذا دعا خطيب الجمعة بالاستسقاء، أي بطلب نزول المطر فإنه يرفع يديه ويرفع الناس أيديهم.
الثاني: الاستصحاء يعني إذا دعا خطيب الجمعة بالصحو، وأن الله يبعد المطر عن البلد فإنه يرفع يديه كذلك، كما ثبت في الصحيحين عن أنس - ثم ذكر حديث الباب - ففي هذين الموضعين يرفع الخطيب يديه في الدعاء: في الاستسقاء والاستصحاء، وأما في غير ذلك فلا يرفع يديه لأن الصحابة ﵃ أنكروا على بشر بن مروان حينما رفع يديه بالدعاء حال الخطبة، وكذلك الناس لا يرفعون أيديهم في خطبة يوم الجمعة، لأن ذلك ليس مشروعاً لهم، فهم تبعٌ لإمامهم، فإذا لم يكن مشروعاً للإمام الخطيب، فإن المستمعين كذلك لا يشرع لهم رفع اليدين في حال الخطبة.
стр. 3009
١٥٥٣ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا مَدَّ يَدَيْهِ فِي اَلدُّعَاءِ، لَمْ يَرُدَّهُمَا، حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ.
وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْهَا:
١٥٥٤ - حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ: عَنْ أَبِي دَاوُدَ. وَمَجْمُوعُهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
===
ما صحة حديث الباب؟
حديث عمر ضعيف.
وأما حديث ابن عباس فضعيف أيضاً.
هل يشرع مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء؟
اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: أنه لا يشرع.
لأنه لم يرد في حديث صحيح، وقد تواتر في السنة دعاء النبي ﷺ ربَّه، ولم يثبت أنه كان يمسح وجهه بعد دعائه.
قال أحمد بن حنبل: لا يعرف هذا، أنه كان يَمسح وجهه بعد الدعاء إلا عن الحسن.
وقال ابن تيمية: وأما رفع النبي ﷺ يديه في الدعاء: فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة، وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان، لا تقوم بهما حُجة.
وقال العز بن عبد السلام: ولا يمسح وجهه بيديه عقيب الدعاء إلا جاهل. (فتاوى العز بن عبد السلام).
وقال النَّوويُّ في "المجموع: … لا يَمسَحُ؛ وهذا هو الصَّحيحُ صحَّحه البيهقيُّ والرافعيُّ وآخَرون من المحقِّقين … والحاصِلُ لأصحابِنَا ثلاثةُ أوْجُه: (الصحيح) يُسْتَحَبُّ رَفْعُ يديْهِ دونَ مَسْحِ الوَجْه.
وقال الشيخ محمد بن عثيمين: مسح الوجه باليدين بعد الدعاء الأقرب أنه غير مشروع؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة حتى قال شيخ الإسلام ﵀: إنها لا تقوم بها الحجة، وإذا لم نتأكد أو يغلب على ظننا أن هذا الشيء مشروع فإن الأولى تركه؛ لأن الشرع لا يثبت بمجرد الظن إلا إذا كان الظن غالباً.
فالذي أرى في مسح الوجه باليدين بعد الدعاء أنه ليس بسنة، والنبي ﷺ كما هو معروف دعا في خطبة الجمعة بالاستسقاء ورفع يديه، ولم يرد أنه مسح بهما وجهه، وكذلك في عدة أحاديث جاءت عن النبي ﷺ أنه دعا ورفع يديه ولم يثبت أنه مسح وجهه " انتهى.
وقال الألبانيُّ في "الإرواء" بعد ما ضعَّف حديثَيِ المسْحِ، وبيَّن أنَّهما لا يتقوَّيان بِمَجموع طُرُقِهما؛ لشِدَّة الضَّعف الذي في الطُّرق: "ومِمَّا يؤيِّدُ عدمَ مشروعيَّتِه: أنَّ رفْعَ اليدَيْنِ في الدُّعاء قد جاء فيه أحاديثَ كثيرة صحيحةٍ وليس في شيءٍ مِنْهَا مسحُهُما بالوَجْهِ، فذلِكَ يدلُّ -إن شاءَ اللهِ- على نَكارَتِه، وعدَمِ مشروعيَّتِه.
القول الثاني: أنه مشروع.
لورود بعض الأحاديث - كأحاديث الباب - وهي وإن كانت ضعيفة لكن يقوي بعضها بعضاً.
وقد صحح بعض أئمة العلم في الحديث بعضها، وبعضهم حسنها، مثل الحافظ ابن حجر والسيوطي والأمير الصنعاني وغيرهم.
стр. 3010
١٥٥٥ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ أَوْلَى اَلنَّاسِ بِي يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
===
ما صحة حديث الباب؟
سنده ضعيف.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد فضل الصلاة على النبي ﷺ والإكثار منها.
اذكر فضائل الصلاة على النبي ﷺ ؟
أولاً: أن من صلى النبي ﷺ صلاة صلى الله عليه بها عشراً.
لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (مَنْ صَلَّى عَلَىَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْراً) رواه مسلم.
ثانياً: سبب لغفران الذنوب.
وعن أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ. قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ». قَالَ أُبَىٌّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي فَقَالَ «مَا شِئْتَ». قَالَ قُلْتُ الرُّبُعَ. قَالَ «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ النِّصْفَ. قَالَ «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قَالَ قُلْتُ فَالثُّلُثَيْنِ. قَالَ «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا. قَالَ «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ) رواه الترمذي.
стр. 3011
ثالثاً: رفع الدرجات.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحطت عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات) رواه أحمد.
رابعاً: الأمان من الحسرة يوم القيامة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال (مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَا يَذْكُرُونَ فِيهِ اللهَ ، وَيُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ لِلثَّوَاب) رواه أحمد.
ما معنى الصلاة على النبي ﷺ ؟
القول الأول: صلاة الله على نبيه هي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى.
كما قال أبو العالية ونصره ابن القيم واختاره الحافظ ابن حجر.
قال الحافظ: أولى الأقوال ما يقدم عن أبي العالية، أن معنى صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه وتعظيمه.
القول الثاني: صلاة الله رحمته.
وهو قول الضحاك.
قال الحافظ بعد أن نقل قول الضحاك: وتعقب بأن الله غاير بين الصلاة والرحمة في قوله: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ).
القول الثالث: أن صلاة الله مغفرته.
اذكر ما ورد من الترهيب من ترك الصلاة على النبي ﷺ -؟
أ- عن أَبي هريرة ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ (رَغِمَ أنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَي) رواه الترمذي.
ب- وعنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (البخيل من ذكرت عنه فلم يصل علي) رواه الترمذي.
ما حكم الصلاة على النبي ﷺ -؟
قيل: يجب عند ذكره.
واختاره الطحاوي.
لقوله ﷺ (البخيل من ذكرت عنده فلم يصلّ علي).
ولقوله ﷺ (رغم أنف ذكرتُ عنده فلم يصل علي).
стр. 3012
وقيل: يجب في العمر مرة.
وهذا مذهب الجمهور.
لقوله ﷺ (البخيل من ذكرت عنده فلم يصلّ علي).
ولأن الامتثال يحصل بذلك.
وقيل: سنة.
اذكر بعض المواطن التي تشرع فيها الصلاة على النبي ﷺ -؟
أولاً: بعد الأذان.
لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَىَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَة) رواه مسلم.
ثانياً: عند دخول المسجد
عن أَبَي أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، فَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ) رواه أبو داود.
ثالثاً: في التشهد الآخر.
عن بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ. قال (أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نُصَلِّىَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ نُصَلِّى عَلَيْكَ قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ) متفق عليه.
رابعاً: عند الدعاء
عن فَضَالَة بْنَ عُبَيْدٍ قال (سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً يَدْعُو فِي صَلاتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَجِلَ هَذَا، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاء).
стр. 3013
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَال (إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ ﷺ .
وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا أراد أحدكم أن يسأل فليبدأ بالمدحة والثناء على الله بما هو أهله، ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليسأل بعد فإنه أجدر أن ينجح.
خامساً: في المجلس.
قال النبي ﷺ (مَا جَلَسَ قَوْمٌ مجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ) رواه الترمذي.
سادساً: عند ذكره ﷺ .
قال ﷺ (رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ).
سابعاً: بعد التكبيرة الثانية من صلاة الجنازة.
عن الزهري قال. سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يحدث بن المسيب قال (السنة في الصلاة على الجنازة أن تكبر ثم تقرأ بأم القرآن ثم تصلي على النبي ﷺ ثم تخلص الدعاء للميت ولا تقرأ إلا في التكبيرة الأولى ثم تسلم في نفسه عن يمينه). أخرجه ابن الجارود
سابعاً: يوم الجمعة.
عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ - يَقُولُونَ: بَلِيتَ -؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاء) رواه أبو داود.
ثامناً: الصلاة عليه في كل مكان.
عن أبي هريرة. قال: قَالَ رسول الله ﷺ (لا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيداً، وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُم). رواه أبو داود
стр. 3014
١٥٥٦ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (سَيِّدُ اَلِاسْتِغْفَارِ، أَنْ يَقُولَ اَلْعَبْدُ: اَللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اِسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي; فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
(سَيِّدُ اَلِاسْتِغْفَارِ) وفي رواية (أفضل الاستغفار) أي الأكثر ثوابًا للمستغفر به منْ المستغفر بغيره.
والاستغفار: طلب مغفرة الذنوب بسترها في الدنيا والتجاوز عنها في الآخرة.
(أَنْ يَقُولَ اَلْعَبْدُ) وللترمذي منْ رواية عثمان بن ربيعة، عن شداد ﵁ (ألا أدلك عَلَى سيد الاستغفار؟)، وفي حديث جابر ﵁ عند النسائي فِي "عمل اليوم والليلة" (تعلموا سيد الاستغفار … ).
(وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اِسْتَطَعْتُ) قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: يريد أنا عَلَى ما عاهدتك عليه، وواعدتك بمن الإيمان بك، وإخلاص الطاعة لك، ما استطعت منْ ذلك، ويحتمل أن يريد أنا مقيم عَلَى ما عهدت إليّ منْ أمرك، ومتمسك به، منتجز وعدك فِي المثوبة والأجر، واشتراطُ الاستطاعة فِي ذلك معناه: الاعتراف بالعجز، والقصور عن عنه الواجب منْ حقه تعالى.
(أَعُوذُ بِكَ) ألتجئ بك وأعتصم.
(مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ) أي: منْ عقابك لي بسبب الشر الذي عملته.
(أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ) أي: أعترف لك بنعمتك عليّ.
(وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي) أي: وأعترف لك بذنبي الذي يوجب استغفاراً.
لم يذكر الحافظ ﵀ بقية الحديث: وهو:
(قَالَ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا) أي: مخلصاً منْ قلبه، مصدقا بثوابها.
وفي رواية الترمذيّ: "لا يقولها أحدكم حين يمسي، فيأتي عليه قَدَر قبل أن يصبح، أو حين يصبح، فيأتي عليه قدر قبل أن يمسي
فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
لماذا قيل لهذا الدعاء سيد الاستغفار؟
قَالَ الطيبي رحمه الله تعالى: لما كَانَ هَذَا الدعاء جامعا لمعاني التوبة كلها، استعير له اسم السيد، وهو فِي الأصل الرئيس الذي يُقصَد فِي الحوائج، ويُرجَع إليه فِي الأمور.
стр. 3015
وقَالَ الكرمانيّ رحمه الله تعالى: [فإن قلت]: فما الحكمة فِي كونه أفضل الاستغفارات؟
قلت: هَذَا وأمثاله منْ التعبديات، والله أعلم بذلك، لكن لا شك أن فيه ذكر الله بأكمل الأوصاف، وذكر نفسه بأنقص الحالات، وهو أقصى غاية التضرع، ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقها إلا هو.
وقال: ابن أبي جمرة: جمع ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيث، منْ بديع المعاني، وحسن الألفاظ، ما يحق له أَنْ يسمى سيد الاستغفار، ففيه الإقرار لله وحده بالإلهية والعبودية، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه، والرجاء بما وعده به، والاستعاذة منْ شر ما جنى العبد عَلَى نفسه، وإضافة النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى نفسه، ورغبته فِي المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر أحد عَلَى ذلك إلا هو، وفي كل ذلك الإشارة إلى الجمع بين الشريعة والحقيقة، فإن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كَانَ فِي ذلك عون منْ الله تعالى، وهذا القدر الذي يكنى عنه بالحقيقة، فلو اتفق أن العبد خالف حَتَّى يجرى عليه ما قُدّر عليه، وقامت الحجة عليه ببيان المخالفة، لم يبق إلا أحد أمرين: إما العقوبة بمقتضى العدل، أو العفو بمقتضى الفضل.
اذكر فضائل الاستغفار؟
الاستغفار له فوائد كثيرة:
أولاً: تكفير السيئات ورفع الدرجات.
قال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً).
وفي الحديث القدسي (قال الله: من يستغفرني فأغفر له .. ) متفق عليه.
وتقدم قوله تعالى في الحديث القدسي (فاستغفروني أغفر لكم) رواه مسلم.
ثانياً: سبب لسعة الرزق والإمداد بالمال والبنين.
قال تعالى عن نوح أنه قال لقومه (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً).
ثالثاً: سبب لحصول القوة في البدن.
قال هود لقومه (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ).
رابعاً: سبب لدفع المصائب ورفع البلايا.
قال تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).
خامساً: سبب لبياض القلب.
قال ﷺ (إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه) رواه أحمد.
следующие страницы →