← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

• ماذا يستثنى من تحريم الميتة؟ الجراد والسمك (ميتتة البحر) فكل منهما حلال. أما السمك: لقوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) قال ابن عباس (صيده: ما صيد فيه، وطعامه: ما قذف) أخرجه ابن جرير. ولحديث أبي هريرة - وقد تقدم - (هو الطهور ماؤه الحل ميتته). ولحديث جابر بن عبد الله قال: (بعثنا رسول ﷺ وأمر علينا أبا عبيدة نتلقى عيراً لقريش، وزودنا جراباً من تمر لم يجد لنا غيره فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة، قال: فقلت كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يوماً إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله، قال: وانطلقنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر، قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله ﷺ وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهراً ونحن ثلاث مائة حتى سمنا، قال: ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن ونقتطع منه القدر كالثور أو قدر الثور، فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً فأقعدهم في وقب عينه وأخذ ضلعاً من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها وتزودنا من لحمه وشقائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله). فميتة البحر حلال سواء ماتت في البحر ثم طفت فيه، أو ماتت بمفارقة البحر. وأما الجراد: أ-لحديث الباب. ب-ولحديث ابن أبي أوفى قال: (غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل معه الجراد). متفق عليه فالجراد حلال مطلقاً، سواء مات باصطياد أم بذكاة أم مات حتف أنفه، لعموم الحديث. قال النووي ﵀: أجمعت الأمة على تحريم الميتة غير السمك والجراد، وأجمعوا على إباحة السمك والجراد، وأجمعوا أنه لا يحل من الحيوان غير السمك والجراد إلا بذكاة أو ما في معنى الذكاة. (المجموع). • ما حكم الدم؟ حرام. لقوله تعالى (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ). وقال تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ). • ماذا يستثنى من تحريم الدم؟ الطحال والكبد، لحديث الباب. • ما حكم الماء إذا سقط فيه سمك و جراد؟ لا ينجس، لأنه لم يتغير بنجاسة.

стр. 37

١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا وَقَعَ اَلذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي اَلْآخَرِ شِفَاءً) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ. وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ: (وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ اَلَّذِي فِيهِ اَلدَّاءُ). === (فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ) وفي لفظ للبخاري آخر (في إناء أحدكم) والتعبير بالإناء أشمل. (فَلْيَغْمِسْهُ) أي: في الطعام أو الشراب، والأمر بغمسه ليخرج الشفاء كما خرج الداء. • ما حكم الماء إذا وقع فيه الذباب؟ لا ينجس. لأن الرسول ﷺ أمر بغمسه ولم يأمر بإراقة ما وقع فيه. قال ابن القيم: هو دليلٌ ظاهر الدلالةِ جدًا على أنَّ الذُّباب إذا مات في ماء أو مائع، فإنه لا يُنجِّسه، وهذا قول جمهور العلماء، ولا يُعرف في السَّلَف مخالفٌ في ذلك. ووَجهُ الاستدلال به: أنَّ النبيّ ﷺ أمر بمَقْلِهِ، وهو غمسُه في الطعام، ومعلومٌ أنه يموت من ذلك، ولا سِيَّما إذا كان الطعامُ حاراً، فلو كان يُنجسه لكان أمراً بإفساد الطعام، وهو ﷺ إنما أمر بإصلاحه، ثم عُدِّىَ هذا الحكمُ إلى كل ما لا نفس له سائلة، كالنحلة والزُّنْبُور، والعنكبوت، وأشباهِ ذلك، إذ الحكمُ يَعُمُّ بعُموم عِلَّتِه، وينتفي لانتفاء سببه. [زاد المعاد].

стр. 38

• هل يقاس على الذباب كل مالا نفس له سائلة؟ نعم، فقد قاس العلماء على طهارة الذباب ما ليس له نفس سائلة من الحشرات فحكموا لطهارتها وأنها لا تنجس ما سقطت: كالنملة، والبعوضة، والعنكبوت، والخنفساء، والنحل، والبق ونحو ذلك، فإذا وقع في طعام أو شراب لم يُحرِّمْه ولم ينجسه، لهذا الحديث. لأن الحكم يعم بعموم علته وينتفي لانتفاء سببه، ولما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته وكان ذلك مفقوداً فيما لا دم له سائل، انتفى الحكم بالتنجيس لانتفاء علته. فلو وقع الجعل في الماء ومات فالماء طاهر. وكذا لو وقعت العقرب في ماء فهو طاهر، لأنها لا تنجس بالموت. • ما معنى (مالا نفس له سائلة)؟ النفس: هي الدم، يعني: ما ليس له دم يسيل. • ماذا يشرع إذا وقع الذباب في الشراب؟ يشرع غمسه في الشراب ثم نزعه بعد ذلك ولا يدعه في الإناء، وقد جاء في رواية (فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء). • ما الحكمة من غمسه في الشراب؟ لأن في أحد جناحي الذباب داء، وفي الجناح الآخر شفاء، فإذا وقع في الشراب رفع الجناح الذي فيه الشفاء، وغمس في الشراب الجناح الذي فيه الداء، فكان من حكمة الله أن أمر بغمس جناحه الذي فيه الشفاء حتى يُقابل داؤه بدوائه، فيكون مضاداً له وتزول مضرته. • قوله ﷺ (فليغمسه) هل هذا الأمر للوجوب أم للإرشاد؟ هذا الأمر للإرشاد، لأن بعض الناس قد يكره ما وقع فيه الذباب. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - بيان قدرة الله تعالى. - بيان العلة في غمس الذباب لتطمئن النفس، وقد سبق بيان قرن الحكم بالعلة.

стр. 39

١٥ - وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اَللَّيْثِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (مَا قُطِعَ مِنْ اَلْبَهِيمَةِ -وَهِيَ حَيَّةٌ- فَهُوَ مَيِّتٌ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ. === (مِنْ اَلْبَهِيمَةِ) هي ذوات الأربع من الإبل والبقر والغنم، سميت بذلك لأنه في الحقيقة لا يعبر عما في ضميره على وجهٍ يفهم، فأمره مبهم. (فَهُوَ مَيِّتٌ) أي: حرام كالميتة لا يجوز أكله. • اذكر سبب الحديث؟ عن أبي واقد. قال (قدم رسول الله ﷺ المدينة والناس يَجِبُّون أسنمة الإبل، ويقطعون إليات الغنم، فقال رسول الله ﷺ : فذكر الحديث). • ما حكم ما قطع من البهيمة وهي حية؟ ما أبين وقطع من بهيمة في حال حياتها فهو كميتتها طهارة أو نجاسة حلاً أو حرمة. مثال: ما قطع من الشاة - وهي حية - فهو نجس وحرام، لأنه بمنزلة ميتة الشاة، وميتة الشاة نجسة. مثال: ما قطع من سمكة - وهي حية - فهو طاهر وحلال، لأن ميتة السمكة طاهرة وحلال. قال ابن تيمية: هذا متفق عليه بين العلماء. ولذلك أخذ العلماء من ذلك قاعدة وهي: ما أبِينَ من حي فهو كميتته. قال في عون المعبود: قَالَ اِبْن الْمَلَك: أَيْ كُلّ عُضْو قُطِعَ فَذَلِكَ الْعُضْو حَرَام، لِأَنَّهُ مَيِّت بِزَوَالِ الْحَيَاة عَنْهُ، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي حَال الْحَيَاة فَنُهُوا عَنْه. قال النووي: وَأَمَّا هَذَا السَّنَام الْمَقْطُوع فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ نَحْرهمَا فَهُوَ حَرَام بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ; لِأَنَّ مَا أُبِينَ (أي: قُطع) مِنْ حَيّ فَهُوَ مَيِّت. وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٨/ ١٣٠): إِذَا رَمَى صَيْدًا فَأَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا، وَبَقِيَ الصَّيْدُ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً يَحْرُمُ الْعُضْوُ الْمُبَانُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِهِ ﷺ (مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَمَا قُطِعَ مِنْهَا فَهُوَ مَيْتَةٌ). وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: لا يجوز أكل ما قطع من الحيوان المأكول، وهي حية كالخصى والإلية ونحوهما؛ لأن ذلك في حكم الميتة؛ لقوله ﷺ : (ما قطع من البهيمة، وهي حية فهو ميتة).

стр. 40

بَابُ الْآنِيَةِ • الآنية جمع إناء، والمراد بها هنا الأواني التي يكون فيها ماء الوضوء، وما هو أعم من ذلك من الطعام والشراب. • والأصل في الأواني الحل. كما قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً). كما قال تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ). • مناسبة ذكره هنا: أنه لما كان الماء جوهراً سيالاً لا بد له من وعاء، ناسب ذكرها بعد أحكام المياه، ليعلم المسلم حكم آنيته التي يستعملها. (منحة العلام). • و باب الآنية له مناسبة أخرى وهي: كتاب الأطعمة، لأن الطعام يؤكل بالآنية، لكن جرت العادة أن الشيء إذا كان له مناسبتان يذكر في الأولى منهما ثم يحال عليه في المناسبة التالية وذلك لأمور: أولاً: أن هذا من باب المبادرة والمسابقة بالخيرات. ثانياً: أن المؤلف إذا لم يذكره في المناسبة الأولى فقد يَعْرضه نسيان. ثالثاً: أنه قد يكون مستحضراً للمسألة، فلو تركها لربما ينسى بعض الوجوه. (شرح البلوغ للصقير).

стр. 41

١٦ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَان قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ١٧ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الْلَّهِ ﷺ (الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (صِحَافِهَا) جمع صحفة، وهي إناء من آنية الطعام يقول أهل اللغة: إنها تشبع الخمسة من الرجال. (إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ) الجرجرة صب الماء في الحلق والمعنى كأنها تجرع نار جهنم. • ما حكم الأكل والشرب في آنية ذهب أو فضة؟ حرام، بل من كبائر الذنوب. لأحاديث الباب، وقد نقل الإجماع على تحريم ذلك ابن المنذر والنووي. • ما حكم الاتخاذ والاستعمال لآنية الذهب والفضة؟ (كأن يجعل عنده آنية ذهب أو فضة للزينة، مثل الإبريق أو غيرها). اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه حرام. وهذا قول جمهور العلماء. أ-أن النهي عن الأكل والشرب خرج مخرج الغالب، أو أنه تنبيه بالأعلى على الأدنى؛ فالأكل والشرب يحتاج إليهما أكثر من غيرهما، ومع ذلك حرمهما فيها، فكان غيرهما محرماً من باب أولى، ونظير ذلك قوله تعالى (لا تأكلوا الربا) فلا يجوز الانتفاع به في غير الأكل. ب-أن العلة من تحريم الأكل والشرب فيهما، موجودة في الاستعمال أيضاً. ج-آخِر الحديث (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) مُشعِرٌ بالمنع منها مطلقاً. القول الثاني: أنه جائز. واختار هذا القول الشوكاني والصنعاني. قالوا: التحريم خاص بالأكل والشرب فقط. والأصل الحل، والأحاديث نص في تحريم الأكل والشرب، والأصل فيما عداهما الحل، فلا يحرم شيء حتى يأتي دليل صحيح صريح بتحريم الاستعمال، فتخصيص النبي ﷺ للأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز. قال الشوكاني: والحاصل أن الأصل الحل، فلا تثبت الحرمة إلا بدليل يسلّمه الخصم، ولا دليل في المقام بهذه الصفة.

стр. 42

• ما الأصل في الآنية؟ الأصل في استعمال الأواني الحل. قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً). وقال تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ). وجه الاستدلال من الآية: أنه إذا كان ما في الأرض مسخراً لنا، جاز استمتاعنا به، وهذا معنى الإباحة. وقد ثبت عنه ﷺ : (أنه توضأ من جفنة). رواه أبو داود (وتوضأ من تور من صفر). رواه البخاري التور: القدح، قال الحافظ: " هو شبيه الطست، وقيل: هو الطست ". الصفر: صنف من جيد النحاس. (وتوضأ من قربة) رواه البخاري ومسلم (وتوضأ من إداوة) رواه البخاري ومسلم. الإداوة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء. فيباح كل إناء طاهر ولو ثميناً إلا إناء ذهب وفضة. • وهل يلحق بالذهب والفضة نفائس الأحجار كالياقوت والجواهر؟ فيه خلاف، والأظهر عدم إلحاقه وجوازه على أصل الإباحة لعدم الدليل الناقل عنها. [قاله الصنعاني]. وهذا مذهب أكثر العلماء. أ-لأن الأصل في الأشياء الإباحة، وقد قال تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً). ب-وتخصيص النبي ﷺ الذهب والفضة بالمنع يقتضي إباحة ما عداهما. ج-ولأن العلة في الذهب والفضة هي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، وهي غير موجودة هنا، إذ الجوهر ونحوه لا يعرفه إلا خواص الناس. وذهب بعض العلماء إلى التحريم وبعضهم إلى الكراهة. والراجح الأول.

стр. 43

• ما العلة من تحريم الأكل والشرب في إناء الذهب والفضة؟ قيل: الخيلاء أو كسر قلوب الفقراء. قال الشوكاني: ويرد عليه جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة، وغالبها أنفس وأكثر قيمة من الذهب والفضة، ولم يمنعها إلا من شذ. • لكن قال ابن قدامة: فإن قيل: إن كانت علة التحريم كسر قلوب الفقراء، لحرمت آنية الياقوت ونحوه مما هو أرفع من الأثمان. الجواب: قال ابن قدامة: قلنا تلك لا يعرفها الفقراء، فلا تنكسر قلوبهم باتخاذ الأغنياء لها، لعدم معرفتهم بها. وقيل: التشبه بأهل الجنة. حيث يطاف عليهم بآنية من فضة وصحاف من ذهب، وذاك مناط معتبر للشارع كما ثبت عنه ﷺ لما رأى رجلاً متختماً بخاتم من ذهب، فقال (مالي أرى عليك حلية أهل الجنة) أخرجه الثلاثة من حديث بريدة. [قاله الشوكاني]. وقيل: التشبه بالمشركين. لقوله ﷺ (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة). وقيل: أن هذا ينافي العبودية. قال ابن القيم: الصواب أن العلة ـ والله أعلم ـ ما يكسب استعمالها القلب من الهيئة والحالة المنافية للعبودية منافاة ظاهرة ولهذا علل النبي ﷺ بأنها للكفار في الدنيا، إذ ليس لهم نصيب من العبودية التي ينالون بها في الآخرة نعيمها، فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدنيا، وإنما يستعملها من خرج. (زاد المعاد). • هل تصح الطهارة من آنية الذهب والفضة؟ ذهب جماهير العلماء إلى صحة الوضوء بهما مع الإثم، بل حكى بعضهم الإجماع.

стр. 44

• الحديث يدل على أن الجزاء من جنس العمل، وضح ذلك؟ لأن عذابه مثل عمله، فهو يجرجر نار جهنم كما يجرجر هذا الماء الذي شربه من إناء الفضة. ولهذه القاعدة أمثلة كثيرة: قال تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ). وقال تعالى (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ). وقال ﷺ (من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) رواه مسلم. وقال ﷺ (الراحمون يرحمهم الله). رواه أبو داود وقال ﷺ من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) رواه مسلم. وقال ﷺ (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه) رواه البخاري. وقال ﷺ (من وصل صفاً وصله الله) رواه أبو داود.

стр. 45

١٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: قَالَ رَسُولُ الْلَّهِ ﷺ (إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَعِنْدَ الْأَرْبَعَةِ: (أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ). ١٩ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الْلَّهِ ﷺ (دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طُهُورُهاَ) صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. ٢٠ - وَعَنْ مَيْمُونَة قَالَتْ: (مَرَّ رَسُولُ الْلَّهِ ﷺ بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا، فَقَالَ: "لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا؟ " فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: "يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ") أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. === (إِذَا دُبِغَ) الدباغة معناها: إزالة النتن والرطوبة من الجلد بمواد خاصة. (الْإِهَابُ) وهو الجلد قبل أن يدبغ. (يُطَهِّرُهَا) أي: الميتة. (وَالْقَرَظُ) نوع من الشجر يستعمل في معالجة الجلود ودباغها، وفي الوقت الحاضر يكون دباغ الجلود في المصانع الكبيرة وبواسطة المستحضرات الكيماوية. • هل يطهر جلد الميتة إذا دبغ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال؟ القول الأول: يطهر بالدباغ جلد كل ميتة مطلقاً حتى الكلب والخنزير. وهذا قول داود الظاهري، وهو اختيار ابن عبد البر، ورجحه الشوكاني. أ-لعموم الأدلة، فالأحاديث الواردة لم يُفرّق فيها بين الكلب والخنزير وما عداهما. كحديث الباب - حديث ابن عباس - (إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ) فهو نص صريح في طهارة جلد الميتة بالدباغ. فقوله (إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ … ) وإهاب هذه نكرة في سياق الشرط فتعم كل إهاب. وكحديث (دباغ جلود الميتة طهورها). القول الثاني: أنه لا يطهر جلد الميتة بالدباغ مطلقاً. وهذا مذهب الحنابلة. قال ابن قدامة: وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَعَائِشَةَ ﵃.

стр. 46

قال النووي: وروي هذا القول عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة، وهو أشهر الروايتين عن أحمد أ- لقوله تعالى (حرمت عليكم الميتة). وجه الدلالة: أن الله حرم الميتة في كتابه تحريماً عاماً، ويقع التحريم على اللحم والجلد، لأنه لم يخص منها شيئاً دون شيء، وهذا عام قبل الدباغ وبعده، والجلد جزء من الميتة فيكون محرماً. ب- لحديث عبد الله بن عُكَيم قال: (كتب إلينا رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهر، أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) رواه الترمذي وأحمد. وجه الدلالة: أنه نص في تحريم الميتة، وأنه لا ينتفع بإهابها مطلقاً، دبغ أو لم يدبغ، وهو آخر الأمرين، لأنه قبل وفاته (بشهر) فيكون ناسخاً لأحاديث طهارة جلد الميتة بالدباغ إن صحت. ج- القياس على اللحم بجامع أن الجلد جزء من الميتة فلم يطهر بالدبغ كاللحم. القول الثالث: أنه يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم دون غيره. قال النووي: وهو مذهب الأوزاعي، وابن المبارك، وأبي ثور، وإسحاق بن راهوية. هذا اختيار ابن تيمية حيث قال ﵀: وأرجح القولين أن الدباغ كالذكاة فيطهر ما طهر بالذكاة، وهو مأكول اللحم فقط دون غيره. أ- لحديث عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عَبَّاسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ: هَلاَّ اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ قَالُوا إِنَّهَا مَيِّتَةٌ. قَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) متفق عليه. وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ وصف هذه الشاة بأنها ميتة، وبيّن أنه حُرّم بموتها أمر واحد وهو أكلها، فتبين بهذا أن ما لا يؤكل أصلاً له حكم آخر، فلحمه حرام أصلاً سوا مات أو ذكي، فبناء على ذلك يقولون إن الحكم خاص بالميتة التي حرم أكلها لعارض وهو كونها ميتة ولو ذكيت لما حرم أكلها.

стр. 47

ب- لحديث الباب - حديث سلمة بن المحبق - (دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طُهُورُهاَ). وجه الدلالة: حيث شبّه الدبغ بالذكاة، والذكاة لا تطهر إلا ما يؤكل لحمه، فكذا الدبغ. ج- وأيضاً قال ﷺ عن جلود الميتة (دباغها ذكاتها) وفي لفظ (ذكاتها دباغها) رواه النسائي. وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أقام الدباغ لجلد الميتة مقام الذكاة، والذكاة تفيد في مأكول اللحم، ولا تفيد فيما لا يؤكل لحمه. د- ما رواه أبو المليح عن أبيه (أن النبي ﷺ نهى عن جلود السباع أن تفترش) رواه أبو داود. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن جلود السباع - وهي مما لا يؤكل لحمه - ولم يذكر النبي ﷺ دباغ ولا غيره، فدل على أنه حتى لو دبغت فلا تطهر، لأنها ليست مما يؤكل لحمها، فدل على أن الدباغ مطهر لجلد ما مات مما يؤكل لحمه فقط. وهذا القول هو الصحيح والله أعلم. • ما الجواب عن حديث عبد الله بن عكيْم؟ الجواب عليه: أولاً: أنه ضعيف لا يصح، وقد أعل بعدة علل: منها: أنه مرسل. فإن عبد الله بن عكيْم ليس بصحابي، ولو ثبتت صحبته لكان يحدث عن كتاب، وحامل الكتاب مجهول فدل على ضعفه. ومنها: الانقطاع. فإن عبدالرحمن بن أبي ليلى الذي روى الحديث عن عبد الله بن عكيْم لم يلقه، فالحديث على هذا منقطع. (التلخيص الحبير). ومنها: أنه مضطرب. فروي الحديث (قبل موت النبي ﷺ بشهر) وفي لفظ (قبل موته بشهرين) وفي لفظ ثالث (قبل موته بأربعين يوماً). ومنها: الاضطراب في سنده. قال الترمذي: وسمعت أحمد بن الحسن يقول كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين وكان يقول كان هذا آخر أمر النبي ﷺ ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده حيث روى بعضهم فقال عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ لهم من جهينة.

стр. 48

• ما الجواب عليه على فرض صحته؟ على فرض صحة الحديث - وقد صححه ابن حبان، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حزم - فإنه يجاب عليه بجوابين: أولاً: أنه لا يدل على تأخره، فإن أحاديث الدباغ مطلقة، فيجوز أن يكون بعضها قبل وفاة النبي ﷺ بأيام، فتكون متأخرة عن حديث ابن عكيم فتنسخه، فتكون الرخصة بعد النهي عن ذلك. ثانياً: أنه على فرض صحته، فيمكن أن يجمع بينه وبين أحاديث الطهارة بالدباغ، وذلك بحمل الإهاب على جلد الميتة قبل الدبغ، فيكون النهي في حديث ابن عكيْم عن الانتفاع بجلد الميتة قبل دبغه، أما بعد الدبغ فلا يسمى إهاباً، وإنما يقال له: جلداً أو قربة أو شناً أو أديماً أو نحو ذلك. فالإهاب هو الجلد قبل دبغه، ولا يسمى إهاباً بعده، كما قال ذلك الخليل بن أحمد، والنضر بن شميل، وأبي داود السجستاني، والجوهري، وغيرهم. وحمله على ذلك ابن عبد البر، والبيهقي. فائدة: ما حكم صوف الميتة وشعرها؟ قال ابن تيمية: عظم الميتة وقرنها وظفرها وحافرها وشعرها وريشها طاهرات، وهو مذهب أبي حنيفة وقول في مذهب مالك وأحمد، وهو الصواب، لأن الأصل فيها الطهارة وليس فيها دم مسفوح، فهذه الأعيان لاتدخل فيما حرم الله في قوله: (حرمت عليكم الميتة) وهو قول جمهور السلف. (نيل المآرب البسام).

стр. 49

• جمهور العلماء على طهارة شعر الميتة. لكن اشترط الفقهاء لطهارته شرطاً، وهو أن يجز الصون ونحوه جزاً لا أن يقلع قلعاً، لأنه إذا قلع فإن أصوله تحتقن شيئاً من الميتة. وهل هذا الحكم خاص بميتة دون ميتة أم هو عام لجميع الميتات؟ الجواب: نقول هذا خاص بالميتة الطاهرة حال الحياة، أي: التي تؤكل. (وبل الغمامة). واختلف العلماء في حكم عظم الميتة وعصبها؟ فقيل: طاهرة. وبه قال أبو حنيفة، ورجحه ابن تيمية. أ-لقوله ﷺ في الميتة (إنما حرم أكلها). وجه الدلالة: فيه دليل على أن ما عدا المأكول من أجزاء الميتة لا يحرم الانتفاع به. ب- أن علة النجاسة إنما هي احتقان الدم واحتباسه فيها، ومعلوم أن ما لا نفس له سائلة ليس فيه دم سائل، فإذا مات لم ينجس فيه الدم فلا ينجس، فالعظم ونحوه أولى بعدم التنجيس من هذا. وقيل: نجسة. وبه قال مالك والشافعي وأحمد، واختاره ابن المنذر. أ-لقوله تعالى (حرمت عليكم الميتة). وجه الدلالة: أن العظم جزء من الميتة فيكون محرماً. وهذا القول هو الصحيح.

стр. 50

٢١ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الْلَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ [فَ] قَالَ: "لَا تَأْكُلُوا فِيهَا، إِلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٢٢ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ اِمْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. === (أهل كتاب) أي: اليهود والنصارى، وسموا أهل كتاب: لأن الله أنزل عليهم التوراة والإنجيل، وسموا أتباع الرسولين بأهل الكتاب، فرقاً بينهم وبين الوثنيين، وقد جاء في رواية للحديث عند أبي داود وأحمد (إن أرضنا أرض أهل كتاب، وإنهم ليأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟). (وَكُلُوا فِيهَا) هذا أمر إباحة، لأنه جاء بعد الاستفهام. • ما حكم استعمال آنية الكفار؟ يجوز استعمالها، وهذا قول أكثر العلماء. أ-لحديث الباب - حديث عمران - (أن النبي ﷺ وأصحابه توضأوا من مزادة امرأة مشركة). ب-ولحديث (أن النبي ﷺ أكل من الشاة التي أهدتها له يهودية من خيبر). متفق عليه ج-ولحديث أنس (أن يهودياً دعا النبي ﷺ إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه). رواه أحمد (الإهالة) الودك. (السنخة) المتغيرة. د-وأيضاً: أن الله أباح لنا طعام أهل الكتاب، ومن المعلوم أنهم يأتون به إلينا أحياناً مطبوخاً بأوانيهم. هـ-وأيضاً: أن الله أباح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن. • ما الجواب عن حديث الباب؟ أما حث الباب فمحمول على قوم عرفوا بمباشرتهم النجاسات كأكل الخنزير ونحوه ويدل لهذا رواية أبي داود وأحمد التي سبقت. (أن المقصود من الحديث الأواني التي يستعملونها لا التي يصنعونها لنا).

стр. 51

• هل الكافر نجاستة عينية أم معنوية؟ الصحيح أن الكافر ليس نجس العين، وإنما نجاستة معنوية. وهذا مذهب جماهير العلماء. أ- فقد ثبت (أن النبي ربط ثمامة بن أثال بسارية من سواري المسجد) متفق عليه. ب-وحديث (أن النبي ﷺ أكل من الشاة التي أهدتها له يهودية من خيبر) متفق عليه. ج-والله تعالى أباح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن. • ما الجواب عن قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)؟ المقصود بالنجاسة بالآية نجاسة الاعتقاد.

стр. 52

٢٣ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ اِنْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ.) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. === (قَدَحَ) إناء يشرب به الماء، وجمعه أقداح. (اِنْكَسَرَ) وفي رواية للبخاري (فانصدع) أي: انشق. (فَاتَّخَذَ) اختلف من الذي اتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة، فقيل: هو الرسول ﷺ ، للرواية التي بين أيدينا، فإنها تدل أن المتخذ هو الرسول ﷺ ، وقيل: هو أنس. لرواية عند البخاري عن عاصم الأحول: (رأيت قدح رسول الله ﷺ عند أنس بن مالك، وكان انصدع فتسلسله بفضة)، قال الحافظ: وفيه نظر، لأن في الخبر عند البخاري عن عاصم قال: قال ابن سيرين إنه كان فيه حلقة من حديد فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال له أبو طلحة: لا تغير شيئاً صنعه رسول الله ﷺ ، فهذا يدل على أنه لم يغير شيئاً. (مَكَانَ الشَّعْبِ) الشعب بفتح الشين وسكون العين أي: الصدع والشق. (سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ) السلسلة بفتح السين، والمراد بها إيصال الشيء بالشيء، أي: سلكاً من فضة. • ما حكم إصلاح الإناء المنكسر بسلسلة من فضة؟ يجوز، لحديث الباب، وهذا مستثنى من تحريم استعمال الذهب والفضة، لكن لابد من شروط: أولاً: أن يكون ذلك من فضة. لورود النص فيه. وأما الذهب فلا يجوز، لأنه أغلى ثمناً وأشد تحريماً، ولأنه لو كان جائزاً لاستعمله النبي ﷺ في الإناء، لأنه أبعد عن الصدأ بخلاف الفضة. ثانياً: أن يكون لحاجة. لأن النبي ﷺ لم يتخذها إلا عند الحاجة، وهو الكسر. (الحاجة هنا ليس معناها أنه لا يجد غيرها من الحديد والنحاس والصفر أو نحوها، وإنما معناها أن يتعلق بإصلاحه غرض من غير أغراض الزينة وتجميل الإناء). ثالثاً: أن يكون يسيراً. لأن هذا هو الغالب في القدح، يعني كونه صغيراً، والغالب أنه إذا انكسر فإنه لا يحتاج إلى شيء كثير، والأصل التحريم، فنقتصر على ما هو الغالب. [الشرح الممتع].

стр. 53

• ما رأيك بمن يقول: يكره مباشرة الفضة التي ربط بها الإناء عند الشرب؟ ذهب بعض العلماء إلى أنه يكره. فلو أن إنساناً عنده إناء به ضبة وأراد أن يشرب من هذا الإناء، فإنه لا يباشر هذه الضبة حال شربه بشفتيه وقيل: لا يكره، ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀. أ- لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، ولا دليل على كراهة مباشرة الضبة حال الاستعمال مادمنا قد قلنا بإباحتها. ب- ولأن النبي ﷺ حال استعماله لقدحه المضبب بالفضة لم يثبت عنه أنه كان يتوقى هذه الجهة المضببة. [شرح العمدة للطيار]. ج- أن الشيء إذا أُذِنَ فيه كان مباحاً، فما دام الشرع قد أذن به فإنه يكون مباحاً. [شرح البلوغ لابن عثيمين]. • متى يجوز استعمال الذهب؟ لا يجوز استعماله إلا عند الضرورة، كأن يستعمله في الأسنان، أو في الأنامل، أو الأنف، أو غير ذلك. لحديث عن عرفجة بن أسعد (أنه أصيب أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفاً من ورق فأنتن عليه، فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفاً من ذهب). رواه الترمذي وأبو داود وحسنه النووي قال النووي: ويوم الكلاب هو بضم الكاف، وهو يوم معروف من أيام الجاهلية كانت لهم فيه وقعة مشهورة، والكلاب اسم لماء من مياه العرب كانت عنده الوقعة، فسمي ذلك اليوم يوم الكُلاب، وأما عرفجة الراوي فهو بفتح العين وهو عرفجة بن أسعد بن كَرِب بن صفوان التميمي الفطاري ﵁. قال النووي ﵀ في (المجموع) (١/ ٣١٢) قول المصنف: " إن اضطر إلى الذهب جاز استعماله " فمتفق عليه، وقال أصحابنا: فيباح له الأنف والسن من الذهب ومن الفضة، وكذا شد السن العليلة بذهب وفضة جائز " انتهى. وقال ابن قدامة ﵀ في المغني: لا يباح اليسير من الذهب، ولا يباح منه إلا ما دعت الضرورة إليه، كأنف الذهب، وما ربط به أسنانه. وقال الحجاوي في متن (زاد المستقنع) ويباح للذكر من الفضة الخاتم … ومن الذهب .. ، ما دعت إليه ضرورة كأنف ونحوه .. " قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ قوله: " ونحوه " أي: مثل السن والأذن. مثاله: رجل انكسر سنه، واحتاج إلى رباط من الذهب، أو سن من الذهب، فإنه لا بأس به. ولكن إذا كان يمكن أن يجعل له سناً من غير الذهب، كالأسنان المعروفة الآن، فالظاهر أنه لا يجوز من الذهب؛ لأنه ليس بضرورة، ثم إن غير الذهب وهي المادة المصنوعة أقرب إلى السن الطبيعي من سن الذهب، وكذلك إذا اسودّ السن ولم ينكسر، فإنه لا يجوز تلبيسه بالذهب؛ لأنه لا يعتبر ضرورة ما لم يخش تكسره أو تآكله، فإنه يجوز. (الشرح الممتع). • اذكر بعض الأحاديث التي تدل على التيسير بالفضة أكثر من الذهب؟ أ-حديث الباب. ب-ويجوز اتخاذ خاتم من فضة، لحديث ابن عمر قال (اتخذ رسول الله ﷺ خاتماً من ورِق، وكان في يدهِ، ثم كان بعدُ في يد أبي بكر، ثم كان بعدُ في يد عمر، ثم كان بعد في يد عثمان) متفق عليه. ج- وقال ﷺ (ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها لعباً) رواه أبو داود.

стр. 54

بَابُ إِزَالَةِ اَلنَّجَاسَةِ وَبَيَانِهَا ٢٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: (سُئِلَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ اَلْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا؟ قَالَ: لَا) أَخْرَجَهُ مُسْلِم. === (سُئِلَ رَسُولُ اَللَّهِ) لم يبين به هنا السائل، لكن جاء في رواية عند أبي داود وأحمد: (أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً، فقال النبي ﷺ : أهرقها، قال: أفلا أجعلها خلاً؟ قال: لا). (عَنْ اَلْخَمْرِ) الخمر: ما أسكر العقل من عصير كل شيء ونقيعه، سواء كان من العنب أو التمر أو غيرهما. (تُتَّخَذُ خَلًّا) المراد باتخاذها خلاً هو علاجها حتى تصير خلاً بعدما تشتد وتقذف الزبد، وذلك بوضع شيء فيها، كبصل أو خبز أو خميرة ونحو ذلك، أو ينقلها من الظل إلى الشمس أو بالعكس. • هل الخمر نجسة أم طاهرة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنها نجسة. وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم ورجحه ابن تيمية والشنقيطي وابن باز رحم الله الجميع. أ- لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس). فقد سمى الله الخمر رجساً، والرجس النجس، قالوا: ولا يضر قرن الميسر والأنصاب والأزلام معها، وذلك أن ثلاثتها قد خرجت بالإجماع. قال الشنقيطي: يُفهم من هذه الآية الكريمة أن الخمرَ نجسة العين، لأن الله تعالى قال (إنها رجس) والرجس في كلام العرب كل مستقذر تعافه النفس. ب- ولقوله تعالى (وسقاهم ربهم شراباً طهوراً). قال الشنقيطي: لأن وصفه لشراب أهل الجنة بأنه طهور، يفهم منه أن خمر الدنيا ليست كذلك، ومما يؤيد هذا أن كل الأوصاف التي مدح الله بها خمر الآخرة منفية عن خمر الدنيا كقوله (لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ) وكقوله (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ) بخلاف خمر الدنيا ففيها غوْل يغتال العقول وأهلها، يُصدعون، أي: يصيبهم الصداع الذي هو وجع الرأس.

стр. 55

ج- حديث أبي ثعلبة الخشني السابق، حيث في رواية أبي داود (إنا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر … ). وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أمر أبا ثعلبة الخشني وقومه بغسل أواني أهل الكتاب التي يطبخون فيها الخنزير، ويشربون فيها الخمر، وأن لا يستعملوها إلا إذا لم يجدوا غيرها بعد أن يغسلوها، والأمر بغسلها دليل نجاستها. واستدلوا من العقل من ثلاثة أوجه: أولها: أن الخمر شيء حرم تناوله من غير ضرر، فكان نجساً كالدم. والثاني: القياس على الكلب تغليظاً وزجراً. والثالث: أن من تمام تحريمها، وكمال الردع عنها الحكم بنجاستها حتى يتقذرها العبد، فيكف عنها قربناً، بالنجاسة وشرباً بالتحريم، فالحكم بتحريمها يوجب نجاستها. (المجموع شرح المهذب). القول الثاني: أنها طاهرة ليست بنجسة. وهذا قال به ربيعة الرأي، والليث بن سعد، والمزني صاحب الشافعي، ورجحه الألباني، والشيخ محمد بن عثيمين ﵀. أ-لحديث أنس بن مالك قال: (كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة … فإذا مناد ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، قال: فجرت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فأهرقتها). متفق عليه قال الشيخ ابن عثيمين: وطرقات المسلمين لا يجوز أن تكون مكاناً لإراقة النجاسة، ولهذا يحرم على الإنسان أن يبول في الطريق، أو يصيب فيه النجاسة. ب-وعن ابن عباس قال: (إن رجلاً أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر، فقال له رسول الله ﷺ : هل علمت أن الله قد حرمها؟ قال: لا، فسارَّ إنساناً، فقال له رسول الله ﷺ : بم ساررته؟ فقال: أمرته ببيعها، فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها، ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها). رواه مسلم قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وهذا بحضرة النبي ﷺ ، ولم يقل له: اغسلها، وهذا بعد التحريم بلا ريب. ج-ولأن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يقوم دليل على النجاسة. قالوا: وأما الجواب عن الآية: بأن يقال بأن المراد بالنجاسة النجاسة المعنوية لا الحسية، بدليل أنها قرنت بالأنصاب والأزلام والميسر، ونجاسة هذه معنوية. والراجح قول الجمهور والله أعلم.

стр. 56

• ما الجواب عن إراقة الصحابة لها بالشوارع؟ قال القرطبي: … والجواب أن الصحابة فعلت ذلك لأنه لم يكن لهم سروب ولا آبار يريقونها فيها، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم، ..... ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور. وأيضاً فإنه يمكن التحرز منها، فإن طرق المدينة واسعة ولم يكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهراً يعم الطرق كلها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز منها، هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا ينتفع بها، وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك. (الجامع لأحكام القرآن). • ما الحكم إذا تخللت الخمر بنفسها؟ إن تخللت بنفسها بدون فعل آدمي: فإنها تطهر. قال النووي: وأجمعوا على أنها إذا انقلبت بنفسها خلاً طهرت، وقد حكي عن سحنون أنها لا تطهر، فإن صح عنه فهو محجوج بإجماع من قبله.

стр. 57

• ما الحكم إذا تخللت بفعل آدمي؟ كما لو تخللت بأن أضاف إليها إنسان شيئاً، أو نقلها من الشمس إلى الظل أو العكس؟ الصحيح من أقوال العلماء أنه لا يجوز ولا تطهر. وهذا مذهب جمهور العلماء. لحديث الباب. ووجه الدلالة: أنه لو كان هناك طريق للانتفاع لتطهير الخمر لأرشد إليه النبي ﷺ حفظاً للأموال، وأيضاً كما في الرواية الأخرى: (كانت لأيتام) والأيتام أولى بحفظ أموالهم، فلو كان تخليلها جائزاً لأرشد إليه النبي ﷺ . وكذلك قوله (أهرقها) دليل على أنه لا يجوز تخليلها، لأنه يجب إراقتها ولا يجوز اقتناؤها. • ما حكم شرب الخل؟ حلال. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَهُ الْأُدُمَ، فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ، وَيَقُولُ: نِعْمَ الْأُدُمُ الْخَلُّ، نِعْمَ الْأُدُمُ الْخَلُّ) (الأُدُم) جمع إدام وهو ما يؤكل بالخبز. قال النووي ﵀ في "شرح حديث مسلم": في الحديث فضيلة الخل وأنه يسمى أُدُماً، وأنه فاضل جيد. وجاء في "الموسوعة الفقهية" (١٩/ ٢٦٢): لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ أَكْلِ وَشُرْبِ الْخَلِّ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ الْعِنَبِ أَمْ غَيْرِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ أَكْلِ خَلِّ الْخَمْرِ الَّتِي تَخَلَّلَتْ (أي تحولت إلى خل) بِنَفْسِهَا بِغَيْرِ عِلَاجٍ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ (نِعْمَ الْأُدْمُ الْخَلُّ).

стр. 58

٢٥ - وَعَنْهُ قَالَ: (لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَمَرَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى: إِنَّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ اَلْحُمُرِ [اَلْأَهْلِيَّةِ]، فَإِنَّهَا رِجْسٌ") مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (يَوْمُ خَيْبَرَ) اسم حصون وقلاع ومزارع لليهود تبعد عن المدينة [١٦٠] كيلو متر، وكان يوم خيبر في السنة (٧) من الهجرة. (لُحُومِ اَلْحُمُرِ اَلْأَهْلِيَّةِ) الحُمُر بضمتين جمع حمار، والأهلية نسبة إلى الأهل، أي: الحيوان الأليف، احترازاً من الحمر الوحشية فهي حلال، قال الإمام المناوي في فيض القدير: (الحمر الأهلية هي التي تألف البيوت، ولها أصحاب ترجع إليهم، وهي الإنسية ضد الوحشية) أما الوحشية فهي التي تعيش في البراري والصحاري، وليست مملوكة لأحد، وليس لها أهل ترجع إليهم. (فَإِنَّهَا) أي: لحمها. (رِجْس) الرجس: كل شيء مستقذر. • في هذا الحديث أن المنادي هو أبو طلحة، وجاء عند مسلم أن المنادي أيضاً بلالاً، وجاء عند النسائي أن المنادي بذلك هو عبد الرحمن بن عوف، فكيف الجمع؟ أ- لعل عبد الرحمن بن عوف نادى أولاً بالنهي مطلقاً، ثم نادى أبو طلحة وبلال بزيادة على ذلك وهو قوله: (فإنها رجس). ب- وقد يحمل أن المعسكر كان واسعاً، فنادى هؤلاء كلهم بهذا الأمر. [نيل الأوطار].

стр. 59

• ما حكم لحوم الحمر الأهلية؟ حرام. قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم. [قاله النووي]. قال ابن قدامة ﵀: أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهلية. قال أحمد: خمسة عشر من أصحاب النبي ﷺ كرهوها. قال ابن عبد البر: لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها. (المغني). أ-لحديث الباب. ب-ولحديث ابن عمر ﵁ قال (إن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية). متفق عليه ج-ولحديث علي ﵁ قال (إن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية) متفق عليه. د-ولحديث ابن أبي أوفى قال: (نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر). رواه البخاري. هـ- عن أبي ثَعْلَبَةَ ﵁ قَالَ (حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّة) متفق عليه. فهذه الأحاديث فيها النهي الصريح عن لحوم الحمر الأهلية. قال ابن القيم: أحاديث النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية رواها عن النبي ﷺ علي، وجابر، والبراء، وابن أبي أوفى، و … ، والعرباض، وأبو ثعلبة، وابن عمر، وأبو سعيد، وسلمة، .... • قال بعض العلماء بإباحتها استلالاً بقوله تعالى (قُلْ لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ)، حيث: إن الله تعالى لم يذكر الحمر الإنسية مع هذه المحرمات، فما الجواب عن الآية؟ الجواب عن الآية: أ- أن آية الأنعام مكية، وخبر التحريم متأخر جداً، فهو متقدم. ب- وأيضاً فنص الآية خبر عن الحكم الموجود عند نزولها، فإنه حينئذٍ لم يكن ينزل في تحريم المأكول إلا ما ذكر فيها وليس فيها ما يمنع أن ينزل بعد ذلك غير ما فيها.

стр. 60

• ما العلة في تحريم لحوم الحمر الأهلية؟ قيل: لحاجتهم إليها. فقد جاء في حديث ابن عمر: ( … وكان الناس قد احتاجوا إليها). لكن يرد هذا القول حديث: (أن النبي ﷺ نهى عن لحوم الحمر وأذن في لحوم الخيل) فلو كان النهي من أجل أنها حمولة الناس لكان النهي عن لحوم الخيل أولى. وقيل: لأنها كانت تأكل العذرة. وقيل: أنه إنما حرمت لأنها رجس في نفسها. قال ابن القيم: وهذا أصح العلل، فإنها هي التي ذكرها رسول الله ﷺ بلفظه في الصحيحين. • ما حكم شرب لبن الحمر للتداوي؟ إذا حرم لحمها حرم لبنها. قال ابن قدامة: وألبان الحمر محرمة، في قول أكثرهم. ورخص فيها عطاء، وطاوس والزهري. والأول أصح; لأن حكم الألبان حكم اللحمان .... (المغني). وقال أيضا (٩/ ٣٣٨): وَلا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِمُحَرَّمٍ، وَلا بِشَيْءٍ فِيهِ مُحَرَّمٌ، مِثْلِ أَلْبَانِ الأُتُنِ (جمع أتان وهي أُنثى الحمار)، وَلَحْمِ شَيْءٍ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، وَلا شُرْبِ الْخَمْرِ لِلتَّدَاوِي بِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا) ; وَلأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذُكِرَ لَهُ النَّبِيذُ يُصْنَعُ لِلدَّوَاءِ فَقَالَ: (إنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ) " انتهى. وقال ابن القيم ﵀: "المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلا وشرعا، أما الشرع فما ذكرنا من هذه الأحاديث وغيرها، وأما العقل فهو أن الله سبحانه إنما حرمه لخبثه، فإنه لم يحرم على هذه الأمة طيبا، عقوبةً لها كما حرمه على بني إسرائيل بقوله: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم)، وإنما حرم على هذه الأمة ما حرم لخبثه، وتحريمه له حميةً لهم، وصيانةً عن تناوله، فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل، فإنه وإن أثر في إزالتها، لكنه يعقب سقما أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه، فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب. وأيضا: فإن تحريمه يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق، وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته، وهذا ضد مقصود الشارع. (زاد المعاد). وجاء في (فتاوى اللجنة الدائمة) لا يجوز التداوي بشرب ألبان الحمر الأهلية.

стр. 61

• ما حكم أكل لحوم الحمر الوحشية؟ حلال. وقد جاء في حديث جابر قال (أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النبي ﷺ عن الحمار الأهلي) رواه مسلم. وفي حديث أبي قتادة قال (قلت: يا رسول الله، أصبت حمار وحش وعندي منه فاضلة، فقال للقوم: كلوا، وهم محرمون). متفق عليه. فقد أمر ﷺ الصحابة بالأكل من حمار الوحش وهم محرمون، وهذا دليل على حله. - سبق أن سؤر الحمار الأهلي طاهر وسبقت الأدلة على ذلك في حديث الهرة. • ما الجمع بين حديث الباب حيث جمع بين اسم الله واسم الرسول في ضمير واحد، وبين حديث عدي بن حاتم: أن رجلاً خطب عند النبي ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال ﷺ : بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى؟ الجمع من وجوه: أ- أن هذا من خصائصه ﷺ ، فيجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربه، وذلك ممتنع على غيره. ب- أن الإنكار على هذا الخطيب، لأن الخطبة شأنها البسط والإيضاح واجتناب الإشارات، وثنّى الضمير في حديث الباب، لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما تعليم حكم. قال النووي: والصواب أن سبب النهي أن الخطب شأنها البسط والإيضاح واجتناب الإشارات والرموز ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا ليفهم.

стр. 62

٢٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ ﵁ قَالَ: (خَطَبَنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِمِنًى، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَلُعَابُهَا يَسِيلُ عَلَى كَتِفَيَّ.) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. === (بِمِنًى) أحد المشاعر المقدسة، سميت بذلك لكثرة ما يمنى بها من الدماء. (وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ) جملة حالية، والراحلة: المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى. (وَلُعَابُهَا) اللعاب: بضم اللام ما سال من الفم. • ما حكم لعاب البعير؟ طاهر وليس بنجس، وهذا بإجماع المسلمين. أ-لحديث الباب، وجه الدلالة: أن النبي ﷺ يرى اللعاب يسيل على عمرو بن خارجة ولم يأمر بغسله، وإقراره على الشيء من سنته. ب- ولأن الأصل هو الطهارة. • فإن قال قائل: ربما أن النبي ﷺ لم يعلم؟ فالجواب: أن الله تعالى يعلم، ولو كان نجساً لم يقره الله تعالى عليه، فإقراره عليه دليل على طهارته. • هل مثل البعير بقية بهيمة الأنعام؟ نعم، فكل حيوان مباح الأكل، فلعابه وبوله وروثه وسائر فضلاته كلها طاهرة. ومما يدل على ذلك: حديث جابر بن سمرة (قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا) رواه مسلم، فأذِنَ له ﷺ أن يصلي في مرابض الغنم، ومرابضها لا تخلو من بولها وروثها. وأما النهي عن مبارك الإبل فليس من أجل النجاسة، لكن ورد عند أبي داود من حديث البراء قال (سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين). رواه أبو داود.

стр. 63

• اذكر بعض الأدلة على استحباب أن يكون الخطيب على موضع مرتفع؟ أ- ما روي أَنَّ نَفَراً جَاءُوا إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَدْ تَمَارَوْا فِي الْمِنْبَرِ مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ فَقَالَ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ وَمَنْ عَمِلَهُ وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ - قَالَ - فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا عَبَّاسٍ فَحَدِّثْنَا. قَالَ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ قَالَ أَبُو حَازِمٍ إِنَّهُ لَيُسَمِّيهَا يَوْمَئِذٍ: انْظُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِي أَعْوَاداً أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا، فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلَاثَ دَرَجَاتٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوُضِعَتْ هَذَا الْمَوْضِعَ فَهْيَ مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَيْهِ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ «يَا أُيُّهَا النَّاسُ إِنِّي صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي) متفق عليه. قال الحافظ: وفيه استحباب اتخاذ المنبر، لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسماع منه. ب-عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا وُضِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ سَمِعْنَا لِلْجِذْعِ مِثْلَ أَصْوَاتِ الْعِشَارِ حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْه) رواه البخاري. ج-عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت (وَمَا أَخَذْتُ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) إِلاَّ عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاس) متفق عليه. د- عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قال (جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ «أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ». قَالَ لَا. فَقَالَ «ارْكَع) متفق عليه. و- لأن الخطبة على المنبر أبلغ في إعلام الحاضرين الذي يتحقق به مقصود الخطبة. ز_ أن الإمام إذا كان على منبر شاهده الناس، وإذا شاهدوه كان أبلغ في وعظهم. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - جواز الخطبة والموعظة على الراحلة. - تواضع النبي ﷺ . - استحباب الخطب والمواعظ على الأمكنة العالية، لأنه أبلغ في الإعلام.

стр. 64

٢٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ اَلْمَنِيَّ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اَلصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ اَلثَّوْبِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ اَلْغُسْلِ فِيهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٢٨ - وَلِمُسْلِمٍ: (لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبٍ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَرْكًا، فَيُصَلِّي فِيهِ). وَفِي لَفْظٍ لَهُ: (لَقَدْ كُنْتُ أَحُكُّهُ يَابِسًا بِظُفُرِي مِنْ ثَوْبِهِ). === (كُنْتُ أَفْرُكُهُ) الفرك أن تحكه بيدك حتى يتفتت ويتقشر ما علق به. • عرف المني، وما هي صفاته التي يعرف بها؟ المني: هو الماء الدافق الذي يخرج من الإنسان بشهوة ويعقبه فتور وارتخاء. قال النووي: … خواصه التي عليها الاعتماد في معرفته، وهي ثلاث: إحداها: الخروج بشهوة مع الفتور عقيبه. والثانية: الرائحة التي تشبه الطلع أو العجين. والثالثة: الخروج بتزريق ودفع في دفعات. فكل واحدة من هذه الثلاثة كافية في كونه منياً، ولا يشترط اجتماعها، فإن لم يوجد منها شيء، لم يحكم بكونها منياً. [المجموع]

стр. 65

• ما حكم المني، هل هو طاهر أم نجس؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنه طاهر. وهو مذهب الشافعي وأحمد وداود الظاهري. ونسبه النووي إلى الكثيرين وأهل الحديث، قال: وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وعائشة، قال: وغلط من أوهم أن الشافعي منفرد بطهارته. أ- رواية الفرك، وأن عائشة كانت تفركه، فلو كان نجساً ما اكتفت بفركه. ب- حديث ابن عباس قال: (سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب، فقال: إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بأذخرة). رواه الدار قطني والبيهقي. قال ابن القيم: إسناده صحيح، وقال البيهقي: " الصحيح الموقوف ". وجه الدلالة: أن الرسول قرنه بالمخاط والبصاق، وهذه الأشياء طاهرة بالإجماع. ج- أن الأصل الطهارة، فلا ننتقل عنها إلا بدليل. القول الثاني: أنه نجس. وهذا مذهب الحنفية والمالكية. قال ابن حزم: وروينا غسله عن عمر بن الخطاب، وأبي هريرة، وأنس، وسعيد بن المسيب. أ- لرواية غسله في قول عائشة (كنت أغسله من ثوب رسول الله ﷺ ثم يخرج إلى الصلاة .... ) والغسل لا يكون إلا للشيء النجس. ب- حديث عمار مرفوعاً: (إنما يغسل الثوب من الغائط والبول والمذي والمني والدم والقيء). أخرجه البزار وأبو يعلى وابن عدي في الكامل والدار قطني والبيهقي، وهو حديث لا يصح، قال البيهقي: هذا حديث باطل. ج- مجموعة من الآثار عن بعض الصحابة أنهم كانوا يغسلون المني. والصحيح الأول وأنه طاهر، وعليه فلو صلى الشخص وعلى ثوبه مني فصلاته صحيحة.

стр. 66

• ما الجواب عن رواية (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ اَلْمَنِيَّ .... )؟ لا معارضة بين حديث الغسل والفرك، لأن الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المني، بأن يحمل الغسل على الاستحباب للتنظف لا على الوجوب، وهذه طريقة الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث. [الفتح]. • هناك أربعة أشياء تخرج من قُبُل الإنسان، اذكرها وما حكمها؟ أ- المذي: وهو ماء رقيق لزج يخرج عند الشهوة والانتشار كما يحصل عند الملاعبة وتذكر الجماع، وهو نجس إجماعاً. [وستأتي مباحثه إن شاء الله]. ب- البول: وهو نجس إجماعاً. ج- الودي: وهو ماء أبيض كدِر ثخين، يخرج عقب البول، وهو نجس إجماعاً. د- المني، وسبق تعريفه، وهو طاهر على القول الراجح. • الخارج من الإنسان ثلاثة أشياء اذكرها وحكمها؟ أ- طاهر بلا نزاع، وهو الدمع والريق والمخاط والبصاق والعرق. ب- نجس بلا نزاع، وهو البول والغائط والمذي والودي. ج- مختلف فيه، وهو المني.

стр. 67

٢٩ - وَعَنْ أَبِي اَلسَّمْحِ ﵁ قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ اَلْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ اَلْغُلَامِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ. === (اَلْجَارِيَةِ) هي الفتية من النساء، والمراد هنا: الصغيرة التي في زمن الرضاع. (وَيُرَشُّ) أي: يصب عليه الماء بحيث يعم مكان البول. (اَلْغُلَامِ) هو الابن الصغير، والمراد هنا: زمن الرضاع. • اذكر بعض الشواهد لحديث الباب؟ منها: حديث أم قيس بنت محصن (أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه عليه ولم يغسله). متفق عليه وحديث عائشة قالت (أتي رسول الله ﷺ بصبي يحنكه، فبال عليه فأتبعه الماء) متفق عليه ولمسلم (فبال عليه فدعا بماء، فأتبعه بوله ولم يغسله). وحديث أم الفضل لبابة بنت الحارث قالت (بال الحسين بن علي في حجر النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، أعطني ثوبك والبس ثوباً غيره حتى أغسله، فقال: إنما ينضح من بول الذكر، ويغسل من بول الأنثى). واه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وابن خزيمة وابن حبان

стр. 68

• ما كيفية تطهير بول الغلام والجارية؟ اختلف العلماء في كيفية تطهير بول الغلام والجارية على قولين: القول الأول: أن بول الغلام يكفي فيه النضح، وبول الجارية يغسل. وهذا مذهب الشافعي وأحمد. قال الشوكاني: وهو قول علي وعطاء والحسن والزهري وإسحاق. واستدلوا هؤلاء بالأحاديث الماضية التي فيها التفريق بين بول الغلام وبول الجارية، فالأحاديث السابقة بعضها يفعل النبي ﷺ بالنضح في بول الغلام، وبعضها فرق بصريح القول بين بول الغلام وبول الجارية. فثبت بهذه الأحاديث أن حكمهما مختلف، فحكم بول الغلام النضح، وحكم بول الجارية الغسل. القول الثاني: هما سواء في وجوب الغسل. وهذا مذهب الحنفية والمالكية. استدلوا بالعمومات التي جاءت في غسل البول. أ-كحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ مرّ بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله … ). ب-وحديث الأعرابي الذي بال في المسجد وقد سبق. والراجح القول الأول وهو التفريق لصحة الأحاديث بذلك. • ما الجواب عن أدلة القول الثاني؟ الجواب: أن هذه الأدلة عامة، وأحاديث الباب خاصة، والخاص يقضي على العام. قال الشوكاني: وأما الحنفية والمالكية فاستدلوا لما ذهبوا إليه بالقياس، فقالوا المراد بقوله (ولم يغسله) أي غسلاً مبالغاً فيه، وهو خلاف الظاهر، ويبعده ما ورد من الأحاديث في التفرقة بين بول الغلام والجارية.

стр. 69

• ما المراد بالغلام الذي لم يأكل الطعام؟ اختلف العلماء في ذلك: فقيل: ما عدا اللبن فقط. وقيل: لم يأكل شيئاً. وقيل: المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرضعه، والتمر الذي يحنك به، والعسل الذي يلعقه للمداواة، ورجحه الحافظ ابن حجر. (الفتح). قال ابن القيم ﵀: إنما يزول حكم النضح إذا أكل الطعام وأراده واشتهاه تغذياً به. (تحفة المودود). وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: " ليس المراد امتصاصه ما يوضع في فمه وابتلاعه، بل إذا كان يريد الطعام ويتناوله ويشرئب إليه (أي: يتطلع إليه ويطلبه)، أو يصيح أو يشير إليه، فهذا هو الذي يطلق عليه أنه يأكل الطعام). • ما الحكمة من التفريق بين بول الغلام وبول الجارية؟ قيل: أن بول الأنثى أنتن وأثقل من بول الغلام. وقيل: أن بول الغلام يجتمع فيكتفى برشه، وأما بول الجارية فينتشر فلا بد من غسله. وقيل: كثرة حمل الرجال والنساء للذكور، فتعم البلوى ببوله، فيشق عليه غسله. ورجحه الحافظ ابن حجر وقال: وأقوى ما قيل في ذلك: أن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث، يعني فحصلت الرخصة في الذكور لكثرة المشقة.

стр. 70

• هل البول نجس أم طاهر؟ البول نجس، لا فرق بين بول الكبير والصغير. قال النووي: واعلم أن هذا الخلاف في كيفية الشيء الذي بال عليه الصبي، ولا خلاف في نجاسته، وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي، وأنه لم يخالف فيه إلا داود الظاهري، قال الخطابي وغيره: وليس تجويز من جوز النضح في الصبي من أجل أن بوله ليس بنجس، ولكنه من أجل التخفيف في إزالته فهذا هو الصواب. • ما الفرق بين النضح والغسل؟ النضح: هو أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا يبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره، ورجحه النووي. وقال الشيخ ابن عثيمين: والنَّضح: أن تُتْبِعَهُ الماء دون فَرْكٍ، أو عَصْرٍ حتى يشمله كلَّه. وأما الغَسْل: فهو أن يغسله ويغمره بالماء. • ما حكم بول الصبي إذا أكل؟ إذا أكل الصبي الطعام على جهة التغذية فإنه يجب الغسل بلا خلاف. [قاله النووي]. • قوله (بول الغلام) يخرج الغائط، فلا بد من غسله.

стр. 71

٣٠ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ. أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ - فِي دَمِ اَلْحَيْضِ يُصِيبُ اَلثَّوْبَ- ("تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ") مُتَّفَقٌ عَلَيْه. === (تَحُتُّهُ) أي تحكه وتقْشُرُه، وقد أخرجه ابن خزيمة بلفظ (فحكيه) والمراد بذلك إزالة عينه ليهون غسله بالماء. (ثُمَّ تَقْرُصُهُ) أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها ليتحلل بذلك ويخرج ما يشربه الثوب منه. (ثُمَّ تَنْضَحُهُ) قيل: المراد به الرش، ورجحه القرطبي. وقيل: المراد الغسل، ورجحه الخطابي وابن حجر، لأنه جاء في روايات أخرى أنه قال: (تغسله). • ما حكم دم الحيض؟ نجس إجماعاً، قاله النووي. لحديث الباب. • ما كيفية تطهير الثوب من الحيض؟ دل الحديث على أن المرأة إذا رأت دم الحيض فعليها: أولاً: أن تحته، أي: تحكه، والمراد بذلك إزالة عينه. ثانياً: بعد الحت عليها أن تقرصه بالماء بأطراف أصابعها، ليتحلل بذلك ويخرج ما يشربه الثوب منه. ثالثاً: ثم بعد القرص تنضحه، أي: تغسله. • هل يشترط الماء لإزالة النجاسة؟ استدل بعضهم بحديث الباب باشتراط الماء لإزالة النجاسة، والصحيح أنه لا يشترط وأن النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها، وقد سبقت المسألة. ولذلك قال النووي: وفيه أن إزالة النجاسة لا يشترط فيها العدد بل يكفي فيها الإنقاء.

стр. 72

• ما حكم الدم الخارج من غير السبيلين كدم الرعاف والسن والجروح ونحوها؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنه نجس. وهذا قول جماهير العلماء، بل نقل بعض العلماء الإجماع على ذلك. قال الإمام النووي ﵀: الدلائل على نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافا عن أحد من المسلمين، إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين أنه قال: هو طاهر، ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف على المذهب الصحيح الذي عليه جمهور أهل الأصول من أصحابنا وغيرهم لا سيما في المسائل الفقهيات " انتهى "المجموع" (٢/ ٥٧٦). وقد نقل إجماع العلماء على نجاسة الدم كله جماعة كبيرة من أهل العلم: منهم ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص/ ١٩)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٢٢/ ٢٣٠)، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (٢/ ٢١٠)، وابن رشد في "بداية المجتهد" (١/ ٧٩)، وابن حجر في "فتح الباري" (١/ ٣٥٢) وغيرهم. القول الثاني: أنه طاهر عدا دم الحيض. وهذا قول الشوكاني والألباني والشيخ ابن عثيمين. قالوا: أ- أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يقوم دليل على النجاسة. ب- ولقصة الصحابي الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم وهو قائم يصلي في الليل، فمضى في صلاته والدماء تسيل منه، وذلك في غزوة الرقاع. ج- وقال الحسن (ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم)، (وصلى عمر وجرحه يثعب دماً). والله أعلم. • اذكر أحكام الدم؟ أولاً: الدم الخارج من الإنسان؛ إن كان من السبيلين - القبل والدبر - كدم الحيض، فلا خلاف في نجاسته. لقوله ﷺ لأسماء في دم الحيض يصيب الثوب: (تحته ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه). ثانياً: أما الخارج من غير السبيلين؛ كدم الرعاف والسن والجروح وغيرها؛ ففيه قولان كما سبق. ثالثاً: الدم الخارج من حيوان نجس، كدم الكلب والخنزير؛ فهذا نجس قليله وكثيره لنجاسة عينه. رابعاً: الدم الخارج من حيوان طاهر في الحياة بعد الموت، كالإبل، والبقر، والغنم، فهذا إن كان مسفوحاً - وهو الذي يسيل - فهو نجس، وإن كان مما يبقى في المذبح أو يكون على اللحم؛ فهو طاهر، لأن الله إنما حرم المسفوح، فما ليس بمسفوح فهو حلال.

стр. 73

٣١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَتْ خَوْلَةُ: (يَا رَسُولَ اَللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ اَلدَّمُ؟ قَالَ: "يَكْفِيكِ اَلْمَاءُ، وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ") أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَسَنَدُهُ ضَعِيف. === (وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُه) أي أثر الدم، أما إذا بقي شيء من جرمه فإنه لا يكفي. • اذكر لفظ الحديث كاملاً، وما صحته؟ عن أبي هريرة ﵁ أن خولة قالت: (يا رسول الله ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، قال (فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلي فيه، قالت: يا رسول الله، إن لم يخرج أثره؟ قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره). رواه أبو داود. وهو حديث ضعيف، لأن في إسناده ابن لهِيعَة، وهو ضعيف، والحديث أخرجه أبو داود ولم يخرجه الترمذي كما ذكره المصنف ﵀. • هل يؤثر إذا غسل الدم وذهب لكن بقي أثره؟ الحديث يدل على أنه يعفى عما بقي من أثر لون دم الحيض بعد الاجتهاد في الغسل. لقوله (ولا يضركِ أثرُه). ولعموم قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). ولأنه من المعلوم أن الغَسْل قد لا يُذهب اللون. وأيضاً: إن مجرد اللون ليس خبثاً، وإنما الخبث عين النجاسة، وقد زالت فيبقى اللون لا أثر له.

стр. 74

باب الوضوء مقدمة: الوضوء بضم الواو: الفعل، وبفتحها: الماء المتوضأ به. وهو لغة: النظافة والإنارة. وشرعاً: التعبد لله تعالى بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة. وهذا من باب التغليب لأن الرأس يمسح. - وسمي الوضوء بذلك، لأنه ينظف المتوضئ ويحسنه. [النووي]. - والوضوء من أعظم شروط الصلاة. لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (لا يقبل الله صلاةَ أحدِكم إذا أحدث حتى يتوضأ) متفق عليه. ولحديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (لا تُقبلُ صلاةٌ بغير طُهور، ولا صدقةٌ من غُلول) رواه مسلم. قال النووي: وهذا الحديث نص في وجوب الطهارة للصلاة، وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة.

стр. 75

٣٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ) أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ. === (لَوْلَا) حرف امتناع لوجود، أي: إنها تدل على امتناع شيء لوجود شيء آخر. (أَنْ أَشُقَّ) أي: أثقل. (عَلَى أُمَّتِي) المراد بهم أمة الإجابة، وهم من آمن به واتبعه. (لَأَمَرْتُهُمْ) أي: لألزمتهم. (بِالسِّوَاكِ) اسم للعود الذي يستاك به من الأراك وغيره، والمراد هنا الفعل. • ما حكم السواك؟ مستحب. قال الخطابي: فيه من الفقه أن السواك غير واجب، وذلك أن (لولا) كلمة تمنع الشيء لوقوع غيره، فصار الوجوب بها ممنوعاً. قال النووي: هو سنة ليس بواجب في حال من الأحوال لا في الصلاة ولا في غيرها بإجماع من يعتد به في الإجماع.
следующие страницы →