مقدمة التحقيق:
حقوق آل البيت
آل البيت النبي محمد ﷺ هم على وجه التحقيق: علي وفاطمة وأولادهما, وتناسل منهما حتى تقوم الساعة.
وآل البيت النبي مفروض على المسلمين حبهما ومودتها بأمر الله تعالى في كتابه العزيز:
﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ١.
وحب آل البيت النبوي إنما كان من أجل رأس هذا البيت وهو رسول الله ﷺ ...
وقضية الحب هذه شغلت أذهان الكثيرين من السابقين واللاحقين ... وكان الانحراف فيها تبعا لعدم التفرقة بين الحب النفسي, والحب العقلي القلبي.
فالحب النفسي انفعال ظاهري بظاهر الأشياء دون التعمق في بواطنها وفي أسرار جمالها الذي اقتضى هذا الإنفعال.
الحب النفسي لا يعني إلا بالظواهر وحدها, ومن ثم قد يحب الإنسان شيئا جميلا في ظاهره وباطنه, كأن يعجب بجوهر نفيس كالذهب والماس ... وقد يحب شيئا جميلا في ظاهره دون باطنه, كأن يحب نمطا من المجوهرات الصناعية البراقة الأخاذة بمجامع النفس ... ولكنه في كلا الحالين لا يتجاوز
стр. 2
الظاهر إلى الباطن, ولا البريق إلى القيمة..فكل نصيب المحب هو الانفعال الفوري, والإعجاب الذي يجترف الأحاسيس من غير هوادة.
أما الحب العقلي فلا يعني بشيء إلا البواطن والقيم, حتى ولو لم يكن في ظاهر الشيء محبوب شيء مما اصطلح على تسميته بالجمال ...
يحب الإنسان الرجل الصالح وإن كان فقيرا في ظاهره, كما يحبه وإن كان غنيا جميل الظاهر سواء بسواء.
ويحب المرأة العفيفة الصالحة وإن قل جمال ظاهرها, وافتقرت من المال, كما يحبها غنية جميلة الظاهر سواء بسواء.
ويحب الزهرة الجميلة لا لأنها تزين الموائد والمحافل, ولكن لأن دلالاتها على إبداع الخالق أكثر من أن تحصى ...
ويحب المال لا لأنه وسيلة ترف وزينة, ولكن لأنه يستطيع أن يغني به فقيرا, ويحافظ على إيمان مؤمن ويحمي عرض مضيع من أهله وقومه.
هذا هو الفرق بين حب النفس وحب العقل والقلب.
ومن هنا اختلف التعبير عن هذا الحب تبعا لقدرات النفس المنفصلة عن العقل, أو لقدراتها مقترنة وممتزجة بقدرات العقل والوجدان القلبي العميق ...
ولقد نجح الرسول ﷺ في وصل نفوس أصحابه بعقولهم وهم يعبرون عن حبهم له.
وردهم في بعض الحالات التي عبروا فيها نفسيا عن هذا الحب حين قال له بعضهم: ألا نسجد لك؟ فأعلن أنه عبد ولا شيء غير الله ورسوله, وأن المستحق للسجود هو الله وحده ...
стр. 3
وكان اجتماعه بهم, واقتداؤهم به في العمل عاملا رئيسيا في تحويل حبهم النفسي إلى حب عقلي وجداني بلغ قمته في قول الأنصار: " والله يا رسول الله لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك".
وكانت عهودهم معه تنص على: أن يحموه مما يحمون به أنفسهم وأهليهم ... وبذلوا دماءهم تعبيرا صادقا عن حب الله ورسوله, وطاعة الله ورسوله.
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ١.
عبروا عن حبهم بالعمل على مقتضى سنته ومقتضى القرآن لا يحيدون ولا يكسلون.
وعلموا: أن الحب هو الموافقة في القول والعمل والسمت والحلية, وداسوا في سبيل العمل كل زينة وكل بهرج تهواه النفس بخداعها وضلالها, ومحاولتها الحيدة بصاحبها عن المنهاج السوي.
ومضت السنون, وكان آل البيت قادة في العمل, وأعجب بهم بعض الناس إعجابا نفسيا ظهرت صورته في الصراخ والهتاف وتكثير الجموع, وإشاعة الخرافة, حتى قال الإمام زين العابدين علي بن الحسين لبعض غلاة الشيعة: " أحببتمونا حتى صار حبكم علينا عارا".
ويستحيل أن يكون حبهم عليهم عارا وهم يقتدون بهم في القول والعمل. اللهم إلا أن يكونوا قد انحرفوا إلى نوع من الخرافة النفسية الخادعة هو الذي دفع الإمام إلى هذا القول.
لقد ردد غلاة الشيعة أقوالا حول عصمة الإمام, وحول استقلال الإمام,
стр. 4
بحساب شيعته يوم البعث, وتلك نحلة نضجت تماما على يد حسن الصباح زعيم الحشاشين في " الموت".
وبدأت صفات الربوبية تتسلل إلى الأئمة والدعاة والأبواب, تعبيرا نفسيا خالصا عن الحب الممزوج بخداع النفس مركب الشيطان.
ولهذا سألوا الإمام زين العابدين: متى يبعث الإمام؟ يعنون عليا ﵁ فقال: "يبعث يوم القيامة وتهمه نفسه وحدها, ولا شأن له بغيره أمام أحكم الحاكمين".
وتطور خداع النفس, وتطور صرفها لأصحابها عن العمل تعبيرا عن الحب إلى مظاهر أخرى بعيدة عن العمل المشروع ... فنصبت الأضرحة على مقابر آل البيت والصالحين بشكل معين يكاد يكون واحدا في كل صقع من الأصقاع, وأوقدت القناديل, وأحرق البخور ونحرت الذبائح, وأقام المنتفعون حولهم يذيعون الخرافة, ويبتزون الأموال, ويصطنعون كل ما يثير شوق النفس إلى عالم الأسرار.
والحق أن هذا السلوك كان عجزا عن العمل, عجزا من العقل عن تلك الرحلة المضنية التي يصل من خلالها إلى اليقين بالله, فصنعت له النفس مصدرا سهلا من اليقين المتسلسل من عالم الغيب. وما على الإنسان إلا أن يوقن بسر العالم المادي, فإذا اليقين بالغيب مكتوب ومحكوم به لهذا العبد لا يخطئه ولا يتخطاه.
ولست أول من قال بذلك.
ولكن الإمام الناقد الجليل الحارث بن أسد المحاسبي أفاض في القول بذلك في كتابه "آداب النفوس"١ وأقام الأدلة المحسوسة على ضلال الحب
стр. 5
في أي مظهر إلا في العمل الموافق لمرضاة الله .
فهذا يقول: إن الجائع يحب الطعام, والعطشان يحب الماء, ولا يكتفي الجائع بوضع الطعام أمامه, ولا العطشان بتعليق الماء في رقبته, حتى ينال من الطعام ويشرب من الماء, فإذا قرب الطعام والشراب إلى الجائع والعطشان فلم ينل أحدهما من أحدهما شيئا, كان كاذبا من دعواه الجوع والعطش.
وهكذا فالذي يحب الله ورسوله, وهو كاذب في دعواه إن لم يعمل وفق أمر الله ورسوله.
بل إن هذا هو المشهود في عالم الدنيا ممن يحب بعضهم من الناس, فنجد من يحب إنسانا يسعى بكل جهوده ليرضيه ويعمل بما يريد حتى يرضى.
فكيف إذا كان الحب لله ورسوله تحولت الرغبة من الإرضاء إلى صراخ وعويل وشموع ونذور باطلة؟!!.
وكما يقول المحاسبي: ستقرب على الله بما يسخط الله".
ونحن لا نرمي كل المحبين بهذا السفه في الرأي, والعته في الفكر ... وإنما هم شراذم من الخلق أعماهم الجهل, وأصمهم العجز, وأبوا أن يعترفوا بعجز وجهل, فراحوا يشيعون حول أنفسهم وحول من أحبهم عالما من الأسرار ربما كان المحبون منه براء, وادعوا لأنفسهم للمحبوبين بمثل ما تقرب به أولئك السدنة في هيكل الأسرار, وحذروهم من الاعتراض على أعمالهم خوفا من أن يصيبهم المحبوبون بالدمار والبوار.
لقد أصبحنا نسمع في عالم الأسرار أقوالا ما كانت في أقوال السلف, وما نزل بها قرآن, وما نطقت بها سنة, نتيجة لهذا الانحراف في المسلك حين
стр. 6
يحب الإنسان الجاهل ربه ورسوله وصالحي أهل دينه.
ومنها: المحبوب منسوب ولو كله عيوب"!!؟.
"من اعترض انطرد"!!؟
"احذر من الاعتراض على شيخك ولو وجدته على كبيرة من الكبائر, فإن له حالا لا تعلمه"!!؟
وقد كان رسول الله ﷺ أولى بذلك حينما اعترض عليه عمر ﵁ لما توجه للصلاة على عبد الله بن أبي سلول رأس النفاق حين مات, ولم ينهه رسول الله ﷺ عن الاعتراض, بل رد عليه مبينا وجهة نظره في هدوء المعلم الحكيم الهين اللين.
تلك هي قضية هذا الكتاب التي عالجها الإمام ابن تيمية علاجا عقليا وفقهيا, مبينا ضلال غلاة الشيعة عن مذهب الإمام علي ﵁, وضلال الجهلة من المحبين عن سنة رسول الله ﷺ .
стр. 7
الصراع بين ابن تيمية وخصومه:
عاش الإمام ابن تيمية في عصر تبدلت فيه أحوال الأمة الإسلامية فكرا وسلوكا, وكان ذلك منذ أن بعدت عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ , وبذلك تخلفت عن الدور القيادي الذي قدره الله لها, وأمرها بأن تسير إليه على طريق الجهاد ... وكان أن أخذت الأمة من فكر غيرها مما لا يحكمه كتاب ولا سنة بقدر ما تركت من هذين المصدرين الرئيسين في شرعة الإسلام.
وارتفعت الصيحات المخلصة تدعو الأمة حكاما ومحكومين وعلماء وعامة إلى الأخذ بمنهج الإصلاح الذي صلحت به حال هذه الأمة من قبل, وهو العودة إلى الكتاب والسنة والاسترشاد بمفهوم السلف الصالح وتطبيقهم لما في الكتاب والسنة من المبادئ والمقومات البناءة للنهضة والإصلاح.
كان المرض لذي أصاب الأمة هو الزيف الفكري, والابتداع الزائف لشرع الله وسنة رسوله.
وقد أدى هذا الابتداع الزائف إلى صراع مرير بين دعاة الإصلاح عن طريق العودة إلى سلوك السلف من الصحابة والتابعين وبين أولئك الذين أعطوا أنفسهم حتى الإضافة والحذف كما يحلو لهم, وفيما ليس فيه حق.
واقتضى هذا الصراع ظهور مدارس متعددة تدور حول العقيدة والسلوك وهما حركة الإسلام.
وكانت أبين هذه المعارك وأظهرها صيحات شيخ الإسلام ابن تيمية في
стр. 8
القرن الثامن الهجري في وجه التصوف والصوفية إذ حمله ابن تيمية تبعة كثير من مظاهر الفساد في الأفكار والابتداع في السلوك.
ولئن كان الحوار بين ابن تيمية وخصومه ساخنا وحادا ولاذعا باعتبار أن ابن تيمية كان يمثل الهجوم الذي يعني ببيان الحق ويميزه عن الباطل, ومع ذلك فلم يمنع خصومه من أن يوافقوه على هجماته على الصوفية في عصره.
ومن يدمن مطالعة مؤلفات ابن تيمية يمكن أن يدرك بسهولة أنه كان يميل إلى الزهاد الأوائل, ويمدح شيوخ التصوف المشروع, وفي الوقت نفسه كان ينعي على ابن عربي وأتباعه, ويربط بين الإشراقية والصابئة.
لقد رمي شيخ الإسلام ابن تيمية بالغلظة وتحجر القلب من جانب الصوفية ...
والحق أنه لم يكن غليظ القلب ولا متحجرا, ولكن طبيعة الحوار الساخن الذي دار بينه وبين خصومه وهو يدعو إلى وحدة الفكر والسلوك تحت لواء السلفية قد غطى على كثير من جوانب الرقة والروحية في شخصيته بل إنه كان يفيض رقة حين كان يأوي إلى المساجد المهجورة يناجي ربه أن يفتح عليه مغاليق الفكر في مسألة قائلا: "يا معلم إبراهيم علمني".
والحق أن ابن تيمية ركز هجومه على المدارس التي ظهر فيها إيهام الحلول والاتحاد كمدرسة ابن عربي, وابن سبعين, وابن الفارض, والحلاج.
وقد تتبع ابن تيمية الأفكار التي أثرت في الحلاج من معاصريه أو من قريبي العهد من عصره كابن بسكويه "٣٦٩هـ" والحافظ البغدادي "٤٦٣هـ".
وأثبت باطنية الحلاج وادعاءاته الباطلة مثل فتوى إبليس, وبما جرى على لسانه من قوله: "أنا الحق" وهاجم اعتذار الصوفية عن الحلاج, وكشف أن الحلاج حاول خداعهم بمثل قوله: عليك بنفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك
стр. 9
بالباطل".
ولم يكن أن تيمية يعبر عن فكره في قضية الحلاج بل إنه حكم الشرع في أمره حيث حاول أن يسقط ركن الحج من الإسلام.
نأسف أشد الأسف لما أصاب التصوف على أيدي أهله من موبقات نرى أنها تمثل خطرا على العقيدة ذاتها, ويمكن إجمال تلك الأخطار فيما يلي:
١-فقد تطورت المصطلحات الصوفية الأساسية تطورا خطيرا نظرا للاستهواء الذي يفوح من أرجاء عالم التصوف, ونظرا لما يتبع الصفاء الروحي من شفافية قد حجبت الكثافة المادية إلى ما وراءها من المعاني كل ذلك أدى إلى تطور خطير في المصطلح ابتعد به عن أصله الصحيح إلى تفريعات باطلة لا أصل لها من دين, في الوقت الذي تنضح فيه بالابتداع.
فمثلا مصطلح "المريد". وهو من الإرادة: والإرادة في المصطلح العلمي السلوكي الذي يمكن أن نسميه بالمصطلح الصوفي هي عملية تسبق النية في العمل, إذ يحدد العامل إرادته من عمله, لماذا يعمل هذا العمل, وحينما يحدد إرادة الله يبدأ في تصفية إرادة الله من كل شائبة ومن كل خاطر يختلط بتلك الإرادة فيفسدها.
هذا التحديد هو الإرادة, وفاعله هو المريد. ولكن هذا المصطلح تطور فأصبح المريد هو مريد الطريقة, ثم تطور فأصبح المريد هو مريد شيخ بعينه..فمن إرادة الله إلى الشيخ كانت بلايا لا يعرف مداها إلا الله والراسخون في العلم.
٢-وترتب على فساد المصطلح هكذا عدوان على العقيدة ذاتها. فالشيخ الجاهل قد استهواه اجتماع مريديه من حوله, وأصبح مشغولا بالحفاظ على المجد الدنيوي الذي يجمع الناس من حوله طائعين لأمره, مبجلين,
стр. 10
خاضعين لسلكانه ومن ثم ابتدعت تعليمات وقواعد لآداب المريد شيخه منها:
أ-ألاّ يسيء الظن بشيخه ولو رآه على كبيرة من الكبائر!!؟ وهنا اختلفت التعليلات.
فمن قائل: إن الشيخ له حال مع الله لا يعلمها إلا الله فلا يجوز الاعتراض عليه.
ومن قائل إن الشيخ مرشد وليس بمعصوم ...
ولكننا في كلا الحالتين لا ندري علة شرعية لتعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ولأصل النصح لله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم.
وكيف يمتنع الاعتراض على شيخ مرتكب للكبيرة, ولم يمتنع الاعتراض على رسوله ﷺ من عمر حين ذهب للصلاة على زعيم المنافقين ومنه ومن غيره في صلح الحديبية.
ب-ألا يجلس على سجادته ولا يأكل في حضرته ولا يستعمل ما يستعمله الشيخ من وسائل الحياة لئلا يلحقه المقت من الله!!؟
وعللوا هذا بأن حال الشيخ في سجادته فربما كان حالا لا يطيقه المريد فيضطرب أمره!!؟
وتلك فرية ما علمنا لها أصل من شرع الله ولا في سنة رسوله أبدا.
ج-أن يصور شيخه بين عينيه حين الذكر ولا يدع صورته أبدا حتى يغيب في الذكر ... وهذا شرك واضح لا يحتاج إلى بيان.
د-أن يكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي غاسله لا يتحرك ولا يتكلم!!؟
هـ-أن يطيع شيخه طاعة عمياء ولو لم يعلم لأمره إياه حكمة ظاهرة!!؟
стр. 11
وغير هذا كثير مدون في آداب المريد مع شيخه في كتب السلوك الصوفي خلاصتها ... "عبادة الفرد" أو إذلال المسلم والحجر على فكره ولو كان أمراً بمعروف أو نهيا عن منكر.
تلك بعض البلايا التي تطور إليها السلوك الصوفي, والتي كان بعضها أو كلها موجودا في عصر ابن تيمية, مما يعطي هذا الإمام حقه كاملا في الدفاع عن الإسلام, وفي شجب كل ما يهدده من الأوهام من قريب أو من بعيد سدا للذريعة, منعا للجريمة قبل وقوعها ...
ومع كل ذلك فلم نعلم التصوف قد تطور في عصرنا الحاضر إلى شيء نافع للإسلام والمسلمين ... اللهم إلا حشد من جهلاء المشايخ ضاع بينهم المخلصون ... وطقوس وثنية من الطبل والزمر والبكاء والتعرية أثناء ذكر الله..ثم الرقص والشبع, ثم الاختلاط المزري بين الجنسين, ثم دنيا المجاذيب بما فيها من الأحوال المزعومة التي لا يجوز الاعتراض عليها من مخلوق وإلا حاقت بالمعترض لعنة الله!!؟
نسأل الله ﵎ السلامة في ديننا ودنيانا, المغفرة من كل ذنب, والعصمة من كل أمر.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 12
صور المخطوطات
...
No pages
стр. 13
أول كتاب حقوق آل البيت
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ الإمام العالم العامل فريد عصره, مفتي الفرق, شيخ الإسلام, تقي الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العالم شهاب الدين عبد الحليم ابن الشيخ الإمام العلامة مجد الدين عبد السلام بن تيمية ﵁ وأرضاه, وأعلى درجته:
هذا الكتاب إلى من يصل إليه من الإخوان المؤمنين الذين يتولون الله ورسوله والذين آمنوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون, ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون. الذين يحبون الله ورسوله, فإن من محبة الله وطاعته محبة رسوله وطاعته, ومن محبة رسوله وطاعته محبة من أحبه الرسول وطاعة من أمر الرسول بطاعته.
كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١.
وقال النبي ﷺ : " من أطاعني فقد أطاع الله, ومن أطاع أميري فقد أطاعني, ومن عصاني فقد عصى الله, ومن عصى أميري فقد عصاني" ٢.
وقال ﷺ فيما رواه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: "إنما
стр. 14
الطاعة في المعروف" ١.
وقال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" ٢.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته, فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو, وهو للحمد أهل, وهو على كل شيء قدير, ونصلي على إمام المتقين, وخاتم النبيين محمد عبده ورسوله, ﷺ تسليما كثيرا, أما بعد:
стр. 15
وحدة المسلمين بالكتاب والسنة:
إن الله بعث محمدا بالكتاب والحكمة ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد.
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ﴾ ٢.
وقال لأزواج نبيه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ ٣.
والذي كان يتلوه هو رسول الله ﷺ في بيوت أزواجه: كتاب الله والحكمة.
فكتاب الله هو القرآن, والحكمة هي ما كان يذكره من كلامه, وهي سنته. فعلى المسلمين أن يتعلموا هذا وهذا.
стр. 16
وفي الحديث المشهور الذي رواه الترمذي وغيره عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ستكون فتنة. قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله, فيه نبأ ما قبلكم, وخبر ما بعدكم, وحكم ما بينكم, وهو الفصل ليس بالهزل, من تركه من جبار قصمه الله, ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله, وهو حبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم, وهو الصراط المستقيم, وهو الذي لا تزيغ به الأهواء, ولا تلتبس به الألسن, ولا يخلق على كثرة الرد, ولا تنقضي عجائبه, من قال به صدق, ومن عمل به أجر, ومن حكم به عدل, ومن دعى إليه هدى إلى صراط مستقيم ١.
وقال الله تعالى في كتابه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٢.
وقال في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ٣.
فذم الذين تفرقوا فصاروا أحزابا وشيعا, وحمد الذين اتفقوا وساروا جميعا معتصمين بحبل الله الذي هو كتابه شيعة واحدة للأنبياء.
كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ ٤ وإبراهيم هو إمام الأنبياء كما قال تعالى:
стр. 17
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
إلى أن قال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.
وكان النبي ﷺ يعلم أمته أن يقولوا إذا أصبحوا: "أصبحنا على فطرة الإسلام, وكلمة الإخلاص, ودين نبينا محمد ﷺ وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين" ٤.
وقال النبي ﷺ : " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه, فلا ألفين رجلا شبعان على أريكته يقول: بيننا وبينكم هذا القرآن, فما وجدنا فيه من حلال حللناه, ما وجدنا فيه من حرام حرمناه, ألا إني أوتيت الكتاب ومثله ومعه" ٥.
فهذا الحديث موافق لكتاب الله, فإن ذكر في كتابه أنه " ﷺ "٦
стр. 18
يتلو الكتاب والحكمة, وهي التي أوتيها مع الكتاب.
وقد أمر في كتابه بالاعتصام بحبله جميعا, ونهى عن التفريق, الاختلاف, و"أمر"١ أن نكون شيعة واحدة, لا شيعا متفرقين, وقال الله تعالى في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ, إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٢.
فجعل المؤمنين إخوة, وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل مع وجود الاقتتال والبغي.
وقال النبي ﷺ : " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" ٣.
وقال: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" ٤ وشبك بين أصابعه.
فهذه أصول الإسلام التي هي الكتاب والحكمة, والاعتصام بحبل الله جميعا "واجب" على أهل الإيمان للاستمساك بها.
стр. 19
أهل البيت وخصائصهم:
من هم أهل البيت؟
ولا ريب أن الله قد أوجب فيهم من حرمة خلفائه وأهل بيته والسابقين الأولين, والتابعين لهم بإحسان ما أوجب.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ ١.
وقدر روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن أم سلمة: أن هذه الآية لما نزلت أدار النبي ﷺ كساءه على علي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا" ٢.
وسنته تفسر كتاب الله تبينه, وتدل عليه, وتعبر عنه.
стр. 20
فلما قال: "هؤلاء أهل بيتي" مع أن سياق القرآن يدل على أن الخطاب مع أزواجه, علمنا أن أزواجه وإن كنّ من أهل بيته كما دل عليه القرآن, فهؤلاء أحق بأن يكونوا أهل بيته, لأن صلة النسب أقوى من صلة الصهر١.
والعرب تطلق هذا البيان للاختصاص بالكمال لا للاختصاص بأصل الحكم, كقول النبي ﷺ : " ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان, والتمرة والتمرتان, وإنما المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه, ولا يتفطن له فيتصدق عليه, ولا يسأل الناس إلحافا"٢.
بين بذلك: أن هذا مختص بكمال المسكنة, بخلاف الطواف فإنه لا تكمل فيه المسكنة, لوجود من يعطيه أحيانا, مع أنه مسكين أيضا.
ويقال: هذا هو العالم, وهذا هو العدو, وهذا هو مسلم لمن كمل فيه ذلك وإن شاركه غيره في ذلك وكان دونه.
ونظير هذا "في"٣ الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: " مسجدي هذا" يعني: مسجد المدينة. مع سياق القرآن في قوله عن مسجد الضرار: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ
стр. 21
فِيهِ, فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ١ يقتضي أنه مسجد قباء.
فإنه قد تواتر أنه قال لأهل قباء: " ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به؟ " فقالوا: لأننا نستنجي بالماء٢".
لكن مسجده أحق بأن يكون مؤسسا على التقوى من مسجد قباء, وإن كان كل منهما مؤسسا على التقوى, وهو أحق أن يقوم فيه من مسجد الضرار.
فقد ثبت عنه ﷺ : إنه كان يأتي قباء كل سبت راكبا وماشيا, فكان يقوم في مسجده القيام الجامع يوم الجمعة, ثم يقوم يوم السبت ٣. وفي كل منهما قد قام في المسجد المؤسس على التقوى.
ولما بين سبحانه أنه يريد أن يذهب الرجس عن أهل بيته ويطهرهم تطهيرا, دعا النبي ﷺ أقرب أهل بيته وأعظمهم اختصاصا به, وهم: علي, وفاطمة ﵄, وسيدي شباب أهل الجنة, جمع الله لهم بين أن قضى لهم بالتطهير, وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي ﷺ فكان من ذلك ما دلنا على أن إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم نعمة من الله, ليسبغها عليهم, ورحمة من الله وفضل لم يبلغوهما بمجرد حولهم وقوتهم, إذ لو كان كذلك
стр. 22
لاستغنوا بهما عن دعاء النبي ﷺ , كان يظن من يظن أنه قد استغنى في هدايته وطاعته عن إعانة الله تعالى له, وهدايته إياه.
وقد ثبت أيضا بالنقل الصحيح: أن هذه الآيات لما نزلت قرأها النبي ﷺ على أزواجه, وخيرهن كما أمره الله, فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة, ولذلك أقرهن, ولم يطلقهن, حتى مات عنهن. ولو أردن الحياة الدنيا وزينتها لكان يمتعهن ويسرحهن كما أمره الله تعالى, فإنه ﷺ أخشى الأمة لربه وأعلمهم بحدوده.
ولأجل ما دلت عليه هذه الآيات من مضاعفة للأجور والوزر بلغنا عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين وقرة عين الإسلام أنه قال: "إني لأرجو أن يعطي الله للمحسن منا أجرين, وأخاف أن يجعل على المسيء منا وزرين".
وثبت في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أنه قال: خطبنا رسول الله ﷺ بغدير "خم" بين مكة والمدينة فقال: "وأهل بيتي, أذكركم الله في أهل بتي, أذكركم الله في أهل بتي". قيل لزيد بن أرقم: ومن أهل بيته؟ قال: الذين حرموا الصدقة: آل علي, وآل جعفر, وآل عقيل, وآل عباس. قيل لزيد: آكُلُ هؤلاء أهل بيته؟ قال: نعم" ١.
وقد ثبت عن النبي ﷺ من وجوه صحاح أن الله لما أنزل عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ .
سأل الصحابة: كيف يصلون عليه, فقال: " قولوا: اللهم صلي على محمد, وعلى آل محمد, كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم, إنك حميد مجيد".
стр. 23
وفي حديث صحيح: " اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته" ١.
ما لهم وما عليهم:
وثبت عنه أن ابنه الحسن لما تناول تمرة من تمر الصدقة قال "له"٢: "كخ, كخ أما علمت أنا آل بيت لا تحل لنا الصدقة"؟ ٣.
وقال: "إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد" ٤.
وهذا- والله أعلم- من التطهير الذي شرعه الله لهم, فإن الصدقة أوساخ الناس, فطهرهم الله من الأوساخ, وعوضهم بما يقيتهم من خمس الغنائم ومن الفيء الذي جعل منه رزق محمد حيث قال ﷺ فما رواه أحمد وغيره: "بعثت بالسيف بين يدي الساعة, حتى يعبد الله وحده لا شريك له, وجعل رزقي تحت ظل رمحي, وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري, ومن تشبه
стр. 24
بقوم فهو منهم" ١.
ولهذا ينبغي أن يكون اهتمامهم بكفاية أهل البيت الذين حرمت عليهم الصدقة أكثر من اهتمامهم بكفاية الآخرين من الصدقة, لا سيما إذا تعذر أخذهم من الخمس والفيء, إما لقلة ذلك, وإما لظلم من يستولي على حقوقهم, فيمنعهم إياها من ولاة الظلم, فيعطون من الصدقة المفروضة ما يكفيهم إذ لم تحصل كفايتهم من الخمس والفيء.
стр. 25
صفات أهل الفيء:
وعلى الآخذين من الفيء من ذوي القربى وغيرهم أن يتصفوا بما وصف الله به أهل الفيء في كتابه حيث قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ٢ الآيات.
فجعل أهل الفيء ثلاثة أصناف: المهاجرين, والأنصار, والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
وذلك أن الفيء إنما حصل بجهاد المهاجرين والأنصار وإيمانهم وهجرتهم ونصرتهم, فالمتأخرون إنما يتناولنه مخلفا عن أولئك, مشبها بتناول الوارث ميراث أبيه, فإن لم يكن مواليا له لم يستحق الميراث " فلا يرث المسلم
стр. 26
الكافر" ١.
فمن لم يستغفر لأولئك بل كان مبغضا لهم خرج عن الوصف الذي وصف الله به أهل الفيء, حتى يكون قلبه مسلما لهم, ولسانه داعيا لهم, ولو فرض أنه صدر من واحد منهم ذنب محقق فإن الله يغفره له بحسناته العظيمة, أو بتوبة تصدر منه, أو يبتليه ببلاء يكفر به سيئاته, أو يقبل فيه شفاعة نبيه وإخوانه المؤمنين, أو يدعو الله بدعاء يستجيب له.
стр. 27
سب الصحابة ... حرام على آل البيت وغيرهم:
وقد ثبت عن النبي ﷺ في الصحاح من رواية أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ أن حاطب بن أبي بلتعة كاتب كفار مكة لما أراد النبي ﷺ أن يغزوهم غزوة الفتح, فبعث إليهم امرأة معها كتاب يخبرهم فيه بذلك, فجاء الوحي إلى النبي ﷺ بذلك, فبعث عليا والزبير فأحضرا الكتاب, فقال: "ما هذا يا حاطب"؟ فقال: والله يا رسول الله ما فعلت ذلك أذى ولا كفرا, ولكن كنت امرءاً ملصقا من قريش, ولم أكن من أنفسهم, وكان من معك من أصحابك لهم قرابات يحمون بها أهليهم, فأردت أن أتخذ عندهم يدا أحمي بها قرابتي, فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: "إنه شهد بدراً, وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ الآيات٢.
стр. 28
وثبت في صحيح مسلم أن غلام حاطب هذا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله والله ليدخلن حاطب النار, وكان حاطب يسيء إلى ممالكيه. فقال النبي ﷺ : "كذبت, إنه قد شهد بدرا والحديبية". وقال ﷺ : "لا يدخل النار واحد بايع تحت الشجرة" ١.
فهذا حاطب قد تجسس على رسول الله ﷺ في غزوة فتح مكة التي كان ﷺ يكتمها عن عدوه, وكتمها عن أصحابه, وهذا من الذنوب الشديدة جدا, وكان يسيء إلى مماليكيه.
وفي الحديث المرفوع. " لن يدخل الجنة سيء الملكة" ٢.
ثم مع هذا لما شهد بدرا والحديبية غفر الله له ورضي عنه, فإن الحسنات يذهبن السيئات.
فكيف بالذين هم أفضل من حاطب وأعظم إيمانا وعلما وهجرة وجهارا, فلم يذنب أحد قريبا من ذنوبه؟!
ثم إن أمير المؤمنين عليا ﵁ روى هذا الحديث في خلافته, ورواه عنه كاتبه عبيد الله بن أبي رافع, وأخبر فيه أنه هو الزبير ذهبا لطلب الكتاب من المرأة الظعينة, وأن النبي ﷺ شهد لأهل بدر مما شهد, مع علم أمير المؤمنين بما جرى, ليكف القلوب والألسنة عن أن تتكلم فيهم إلا بالحسنى, فلم يأت أحد منهم بأشد مما جاء به حاطب, بل كانوا في غالب ما يأتون به مجتهدون.
وقد قال النبي ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران, وإذا اجتهد
стр. 29
فأخطأ فله أجر" ١ وهذا حديث حسن مشهور.
وثبت عنه أيضا أنه لما كان في غزوة الأحزاب فرد الله الأحزاب بغيظهم لم ينالوا خيرا, وأمر بقصد بني قريظة قال لأصحابه: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة".
فأدركتهم الصلاة في الطريق, فمنهم قوم قالوا: لا نصليها إلا في نبي قريظة, ومنهم قوم قالوا: لم يرد منا تفويت الصلاة, إنما أراد المسارعة, فصلوا في الطريق, فلم يعنف النبي ﷺ واحدة من الطائفتين.
وكانت سنة رسول الله صلى الله عليه ولم هذه موافقة لما ذكره الله تعالى في كتابه حيث قال: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ, فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ ٢.
فأخبر أنه خص أحد النبيين بفهم الحكم في تلك القضية وأثنى على كل منهما بما آتاه من العلم والحكم.
فهكذا السابقون والأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه "كانوا"٣ فيما تنازعوا فيه مجتهدين طالبين للحق.
стр. 30
جهل الشيعة بمذهب الإمام علي:
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " من يعش منك بعدي فسيرى اختلافا كثيرا, فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور, فإن كل بدعة ضلالة" ١.
وروى عنه مولاه سفينة أنه قال: "الخلافة ثلاثون سنة, ثم تصبر ملكا" ٢, فكان الثلاثين حين سلم سبط رسول الله ﷺ : الحسن بن علي ﵄ الأمر إلى معاوية.
وكان معاوية أول الملوك, وفيه ملك ورحمة, كما روي في الحديث: "ستكون خلافة نبوة, ثم يكون ملك ورحمة, ثم يكون ملك وجبرية, ثم يكون ملك عضوض" ٣.
وقد ثبت عن أمير المؤمنين علي ﵁ من وجوه أنه لما قاتل أهل الجمل لم يسب لهم ذرية, ولم يغنم لهم مالا, ولا أجهز على جريح, ولا اتبع مدبرا, ولا قتل أسيرا, وأنه صلى على قتلى الطائفتين بالجمل وصفتين, وقال: "إخواننا بغوا علينا".
стр. 31
وأخبر أنهم ليسوا بكفار ولا منافقين, واتبع فيما قاله كتاب الله وسنة نبيه ﷺ , فإن الله سماهم إخوة, وجعلهم مؤمنين في الاقتتال والبغي كما ذكر في قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ١.
وثبت عن النبي ﷺ في الصحاح أنه قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين, تقتلهم أولى الطائفتين بالحق" ٢.
وهذه المارقة هم أهل حروراء, الذين قتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وأصحابه لما مرقوا عن الإسلام, وخرجوا عليه فكفروه, وكفروا سائر المسلمين, واستحلوا دماءهم وأموالهم.
وقد ثبت عن النبي ﷺ من طرق متواترة أنه وصفهم وأمر بقتالهم, فقال: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم, صيامه مع صيامهم, وقرآنه مع قرآنهم, ويقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم, يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية, ولو يعلم الذين يقتلونهم ما لهم على لسان محمد ﷺ لنكلوا عن العمل" ٣.
стр. 32
فقتلهم علي ﵁ وأصحابه, وسر أمير المؤمنين بقتلهم سرورا شديدا وسجد لله شكرا, لما ظهر فيهم علامتهم وهو المخدج اليد, الذي على يده مثل البضعة من اللحم, عليها شعرات, فاتفق جميع الصحابة على استحلال قتالهم, وندم كثير منهم كابن عمر وغيره على ألا يكونوا شهدوا قتالهم مع أمير المؤمنين, بخلاف ما جرى في وقعة الجمل وصفين, فإن أمير المؤمنين كان متوجعا لذلك القتال, مشتكيا مما جرى, ويتراجع هو وابنه الحسن القول فيه, ويذكر له الحسن أن رأيه ألا يفعله.
فلا يستوي ما سر قلب أمير المؤمنين وأصحابه وغبطه به من لم يشهده, مع ما تواتر عن النبي ﷺ , وساء قلب أفضل أهل بيته, حب النبي ﷺ , الذي قال فيه: "اللهم إني أحبه فأحبه, وأحب من يحبه".
وإن كان أمير المؤمنين هو أولى بالحق ممن قاتله في جميع حروبه.
ولا يستوي القتلى الذين صلى عليهم وسماهم وإخواننا, والقتلى الذين لم يصل عليهم, بل قيل له: من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؟ فقال: هم أهل حروراء.
فهذا الفرق بين أهل حروراء وبين غيرهم الذي سماه أمير المؤمنين في خلافته بقوله وفعله موافقا فيه لكتاب الله وسنة نبيه هو الصواب الذي لا معدل عنه لمن هدى رشده, وإن كان كثير من علماء السلف والخلف لا يهتدون لهذا الفرقان, بل يجعلون السيرة في الجميع واحدة.
فإما أن يقصروا بالخوارج عما يستحقونه من البعض واللعنة والعقوبة والقتل, وإما أن يزيدوا على غيرهم ما يستحقونه من ذلك.
стр. 33
عوامل الضلال
وسبب ذلك قلة العلم والفهم لكتاب الله وسنة رسوله الثابتة عنه, وسيرة خلفائه الراشدين المهديين, وإلا فمن استهدى الله واستعانه, وبحث عن ذلك, طلب الصحيح من المنقول, وتدبر كتاب الله, وسنة نبيه, وسنة خلفائه, ولا سيما أمير المؤمنين الهادي المهدي التي جرى فيها ما اشتبه على خلق كثير فضلوا بسبب ذلك, إما غلوا فيه, وإما جفاء عنه.
كما روي عنه قال: " يهلك في رجلان: محب غال يقرظني بما ليس فيَّ, ومبغض قال يرميني بما نزهني الله منه" ١.
وحد ذلك وملاك ذلك شيئان:
طلب الهدى, مجانبة الهوى حتى لا يكون الإنسان ضالا وغاويا, بل مهتديا راشدا.
قال الله تعالى في حق نبيه ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢.
فوصفه بأنه ليس بضال وهو الجاهل, ولا هو غاو, وهو الظالم, فإن صلاح العبد في أنه يعلم الحق ويعمل به, فمن لم يعلم الحق فهو ضال عنه. ومن علمه فخالفه واتبع هواه فهو غاو, ومن علمه وعمل به كان من أولي الأيدي عملا, ومن أولي الأبصار علما, وهو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله سبحانه
стр. 34
في كل صلاة أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ, صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ١.
فالمغضوب عليهم: الذين يعرفون الحق ولا يتبعونه كاليهود, والضالون الذين يعملون أعمال القلوب والجوارح بلا علم كالنصارى. ولهذا وصف الله اليهود بالغواية في قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ ٢.
ووصف العالم الذي لم يعمل بعلمه بذلك في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ٣.
ووصف النصارى بالضلال في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٤.
ووصف بذلك من يتبع هواه بغير علم حيث قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ ٥.
стр. 35
وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّه﴾ ١.
وأخبر أن من اتبع هداه المنزل فإنه لا يضل كما ضل الضالون, ولا يشقى كما شقي المغضوب عليهم فقال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ٢.
قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
ومن تمام الهداية: أن ينظر المستهدي في كتاب الله, وفيما تواتر من سنة نبيه, وسنة الخلفاء, وما نقله الثقات الأثبات, ويميز بين ذلك وبين ما نقله من لا يحفظ الحديث, أو يتهم فيه الكذب, أو يكذب خطأ لسوء حفظه أو نسيانه, أو لقلة فهمه وضبطه.
ثم إذا حصلت "للمستهدي"٣ المعرفة بذلك تدبر ذلك, وجمع بين المتفق منه, وتدبر المختلف فيه, حتى يتبين له أنه متفق في الحقيقة وإن كان الظاهر مختلفا, أو أن بعضه راجح يجب اتباعه, والآخر مرجوح ليس بدليل في الحقيقة, وإن كان الظاهر دليلا.
أما غلط الناس فلعدم التمييز بين ما يعقل من النصوص والآثار, أو يعقل بمجرد القياس والاعتبار, ثم إذا خالط الظن الغلط في العلم هوى النفوس ومناها في العمل صار لصاحبها نصيب من قوله تعالى:
стр. 36
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ١.
وهذا سبب ما خلق الإنسان عليه من الجهل في نوع العلم, والظلم في نوع العمل, فبجهله يتبع الظن, وبظلمه يتبع ما تهوى الأنفس. ولما بعث الله رسله وأنزل كتبه, لهدى الناس وإرشادهم, صار أشدهم إتباعا للرسل أبعدهم عن ذلك كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢.
ولهذا صار ما وصف الله به الإنسان لا يخص غير المسلمين دونهم, ولا يخص طائفة من الأمة, لكن غير المسلمين أصابهم ذلك في أصول الإيمان التي صار جهلهم وظلمهم فيها كفرانا وخسرانا مبينا, ولذلك من ابتدع في أصول الدين بدعة جليلة أصابه من ذلك أشد مما يصيب من أخطأ في أمر دقيق أو أذنب فيه, والنفوس لهجة بمعرفة محاسنها, ومساوئ غيرها.
وأما العالم العادل فلا يقول إلا الحق, ولا يتبع إلا إياه, ولهذا من يتبع المنقول الثابت عن النبي ﷺ وخلفائه وأصحابه وأئمة أهل بيته, مثل الإمام علي بن الحسين زين العابدين, وابنه الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر, وابنه الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق شيخ علماء الأمة, ومثل: أنس بن مالك, والثوري, وطبقتهما, وجد ذلك جميعه متفقا مجتمعا في أصول دينهم, وجماع شرائعهم, ووجد في ذلك ما يشغله وما يغنيه عما أحدثه كثير من المتأخرين من أنواع المقالات التي تخالف ما كان عليه أولئك
стр. 37
السلف "وهؤلاء المتأخرون"١ ممن ينتصب لعداوة آل البيت رسول الله ﷺ , ويبخسهم حقوقهم, ويؤذيهم, أو ممن يغلوا فيهم غير الحق ويفتري عليهم الكذب, ويبخس السابقين والطائعين حقوقهم, ورأى أن في المأثور عن أولئك السلف في باب التوحيد والصفات, وباب العدل والقدر, وباب الإيمان والأسماء والأحكام, وباب الوعيد والثواب, والعذاب, باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ما يتصل به حكم الأمراء أبرارهم وفجارهم, وحكم الرعية معهم, والكلام في الصحابة والقرابة ما يبين لكل عاقل عادل أن السلف المذكورين لم يكن بينهم من النزاع في هذه الأبواب إلا من جنس النزاع الذي أقرهم عليه الكتاب والسمة كما تقدم ذكره, وأن البدع الغليظة المخالفة للكتاب والسنة, واتفاق أولي الأمر الهداة المهتدين إنما حدثت من الأخلاف, وقد يعزون بعض ذلك إلى بعض الأسلاف, تارة بنقل غير ثابت, وتارة بتأويل لشيء من كلامهم متشابه.
ثم إن من رحمة الله قل أن ينقل عنهم شيء من ذلك إلا وفي النقول الصحيحة الثابتة عنهم للقول المحكم الصريح ما يبين غلط الغالطين عليهم في النقل أو التأويل, وهذا لأن الصراط المستقيم في كل الأمة بمنزلة الصراط في الملك, فكمال الإسلام هو الوسط في الأديان والملك, كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ ٢.
ولم ينحرفوا انحراف اليهود والنصارى والصابئين.
فكذلك أهل الاستقامة, ولزوم سنة رسول الله ﷺ , وما عليه السلف, تمسكوا بالوسط, ولم ينحرفوا إلى الإطلاق.
فاليهود مثلا جفوا في الأنبياء والصديقين حتى قتلوهم وكذبوهم, كما قال الله تعالى:
стр. 38
﴿فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ ١.
والنصارى غلوا فيهم عبدوهم كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ٢.
واليهود انحرفوا في النسخ حتى زعموا أنه لا يقع من الله أو لا يجوز عليه, كما ذكر الله عنهم إنكاره في القرآن حيث قال: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ٣.
والنصارى قابلوهم, فجوزوا للقسيسين والرهبان أن يوجبوا ما شاءوا, ويحرموا ما شاءوا, وكذلك تقابلهم في سائر الأمور.
فهدى الله المؤمنون إلى الوسط فاعتقدوا في الأنبياء ما يستحقونه, ووقروهم, وعزروهم, وأحبوهم, وأطاعوهم واتبعوهم ولم يردوهم كما فعلت اليهود, ولا أطروهم ولا غلوا فيهم فنزلوهم منزلة الربوبية كما فعلت النصارى.
وكذلك في النسخ, جوزوا أن ينسخ الله, ولم يجوزوا لغيره أن ينسخ, فإن الله له الخلق والأمر, فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره.
وهكذا أهل الاستقامة في الإسلام المعتصمون بالحكمة النبوية, والعصبة الجماعية, متوسطون في باب التوحيد والصفات بين النفاة المعطلة وبين الشبهة الممثلة.
وفي باب القدر والعدل والأفعال بين القدرية والجبرية والقدرية المجوسية.
وفي باب الأسماء والأحكام بين من أخرج أهل المعاصي من الإيمان بالكلية
стр. 39
كالخوارج وأهل المنزلة, وبين من جعل إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والصديقين كالمرجئة والجهمية.
وفي باب الوعيد والثواب والعقاب بين الوعيد بين الذين لا يقولون بشفاعة نبينا لأهل الكبائر, وبين المرجئة الذين يقولن بنفوذ الوعيد.
وفي باب الإمامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, بين الذين يوافقون الولاة على الإثم والعدوان, ويركنون إلى الذين ظلموا, وبين الذين لا يرون أن يعاونوا أحدا على البر والتقوى, لا على جهاد ولا جمعة ولا أعياد إ أن يكون معصوما, ولا يدخلون فيما أمر الله به ورسوله إلا في طاعة من لا وجود له.
فالأولون يدخلون في المحرمات, وهؤلاء يتركون واجبات الدين, وشرائع الإسلام, غلاتهم يتركونها لأجل موافقة من يظنونه ظالما, وقد يكون كاملا في علمه وعدله.
стр. 40
أهل الاستقامة ... عند المصيبة:
وأهل الاستقامة والاعتدال يطيعون الله ورسوله بحسب الإمكان, فيتقون الله ما استطاعوا, وإذا أمرهم الرسول بأمر أتوا منه ما استطاعوا, ولا يتركون ما أمروا به لفعل غيرهم ما نهى عنه, بل كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ١.
ولا يعانون أحدا على معصية, ولا يزيلون المنكر بما هو أنكر منه, ولا يأمرون بالمعروف إلا بالمعروف, فهم وسط في عامة الأمور, ولهذا وصفهم النبي ﷺ بأنهم الطائفة الناجية لما ذكر اختلاف أمته وافتراقهم.
ومن ذلك أن اليوم الذي هو يوم عاشوراء الذي أكرم الله فيه سبط نبيه, وأحد سيدي شباب أهل الجنة بالشهادة على أيدي من قتله من الفجرة الأشقياء, وكان ذلك مصيبة عظيمة من أعظم المصائب الواقعة في الإسلام.
وقد روى الإمام أحمد وغيره عن فاطمة بنت الحسين وقد كانت قد شهدت مصرع أبيها, الحسين بن علي ﵃, عن جده رسول الله ﷺ أنه قال: " ما من رجل يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت, فيحدث لها استرجاعا إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها" ٢.
فقد علم أن الله أن مثل هذه المصيبة العظيمة سيتجدد ذكرها مع تقادم.