← История

История · id 11164

حقيقة دعوة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية

عبد الله بن سعد الرويشد

Полный текст (152 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

دفع ضر، أو رجائه فيه ١ والتوكل عليه، وذبح النسك والنذر لجلب خير أو دفع ضر لا يقدر عليه إلا الله، والإنابة والخضوع، كل ذلك مختص بجلالة الله كالسجود والتسبيح والتهليل، فكل ذلك مما قدمناه هو معنى قوله: "لا إله إلا الله". ولا يغني أحد التوحيدين عن الآخر، بل صحة أحدهما مرتبطة بوجود الآخر فلما فهمنا ذلك وعلمنا به قام علينا أهل الأهواء فخرجونا وبدعونا، وجعلوا اليهود والنصارى أخف شرٍّا منا ومن أتباعنا، ولم ننازع العدو في سائر المعاصي بأنواعها، ولا المسائل الاجتهادية، فلم يجر الاختلاف بيننا وبينهم في ذلك، بل في العبادة بأنواعها، والشرك بأنواعه.

стр. 37

الشفاعة والوساطة وحق الله وحق رسوله وأوليائه فنحن نقول: ليس للخلق من دون الله من ولي ولا نصير، وسائر الشفعاء- محمد ﷺ سيدهم وأفضلهم فمن دونه- لا يشفعون لأحد إلا بأذنه ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ١. ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ ٢. ﴿وَلا

стр. 38

يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ١، وإذا كان كذلك فحقيقة الشفاعة كلها لله، فلا تسأل في هذه الدار إلا منه ، وأن يشفع فيه ٢ نبيه ﷺ ، فجميع الأنبياء والأولياء لا يجعلون وسائل ولا وسائط بين الله وبين الخلق في جلب الخير أو دفع الشر، ولا يجعل لهم من حقه شيء، لأن حقه تعالى وتقدس غير جنس حقهم، فإن حقه عبادته بأنواعها بما شرع في كتابه، وعلى لسان رسوله، وحق أنبيائه ﵈ الإيمان بهم وبما جاءوا به، وموالاتهم وتوقيرهم، وإتباع النور الذي أنزل معهم، ومحبتهم على النفس والمال والبنين والناس أجمعين، وعلامة الصدق في إتباع هديهم، والإيمان بما جاءوا به من عند ربهم. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٣ والإيمان بمعجزاتهم، وأنهم بلغوا رسالات ربهم، وأدوا الأمانة، ونصحوا الأمة، وأن محمداً ﷺ خاتمهم وأفضلهم، وإثبات شفاعتهم التي أثبتها الله في كتابه، وهي من بعد إذنه لمن رضي عنه أهل التوحيد. وأما المقام المحمود الذي ذكره الله في كتابه وعظم شأنه فهو لنبينا محمد ﷺ .

стр. 39

وكذلك حق أوليائه محبتهم، والترضي عنهم، والإيمان بكراماتهم، لا دعاؤهم ليجلبوا لمن دعاهم خيراً لا يقدر على جلبه إلا الله تعالى، أو ليدفعوا عنهم سوءاً لا يقدر على دفعه إلا هو عزوجل، لأن ذلك عبادة مختصة بجلاله تعالى وتقدس. هذا إذا تحققت الولاية أو رجيت لشخص معين كظهور إتباع سنة، وعمل بتقوى في جميع أحواله، وإلا فقد صار الولي في هذا الزمان من أطال سبحته، ووسع كمه، وأسبل إزاره، ومد يده للتقبيل، وليس شكلا مخصوصاً، وجمع الطبول والبيارق، وأكل أموال عباد الله ظلماً وادعاء، ورغب عن سنة المصطفى وأحكام شرعه. فنحن إنما ندعو إلى العمل بالقرآن العظيم، والذكر الحكيم، الذي فيه الكفاية لمن اعتبر وتدبر، وبعين بصيرته نظر وفكر، فإنه حجة الله وعهده، ووعده ووعيده، وأمانه وقدره، ومن اتبعه عاملا بما فيه جد جده، وعلا مجده، وأنار رشده، وبان سعده. والتوحيد ليس هو محل الاجتهاد، فلا تقليد فيه ولا عناد، ولا نكفر إلا لمن أنكر أمرنا هذا ونهينا، فلم يحكم بما أنزل الله من التوحيد، بل حكم بضده الذي هو الشرك الأكبر الذي لا يغفر، كما سنذكر أنواعه، فجعله دينًا، وسماه الوسيلة عناداً وبغياً، ووالى أهله وظاهرهم علينا، ولم

стр. 40

يقوم أركان الدين ممتنعاً أن دعوناه، وأمروهم أن يبدءونا بقتالنا ١ ليرجعونا عن دين الله الذي وصفنا، وإلى ما هم فيه وكانوا عليه من الشرك بالله، والعمل بسائر مالا يرضى رب العباد ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ٢ وما حجتهم علينا إلا أن المدعو يكون شفيعاً ووسيلة. ونحن نقول: هؤلاء الداعون الهاتفون بذكره، المعتقدون في الأحياء الغائبين المدعوين والأموات يطلبون كشف شدتهم، وتفريج كربتهم، وإبراء مريضهم، ومعافاة سقيمهم، وتكثير رزقهم، وإيجاده من العدم، ونصرهم على عدوهم برًّا وبحراً، لم يكفهم الاقتصار على مسألة الشفاعة والوسيلة، وهما أعظم المخاصمة الجارية علينا ممن قاتلنا وبدعنا، وجعل اليهود والنصارى أخف شرًّا منا ومن أتباعنا. وحقيقة قولنا إن الشفاعة وإن كانت حقاً في الآخرة فلها أنواع مذكورة في محلها، ووجب على كل مسلم الإيمان بشفاعته ﷺ ، بل وغيره من الشفعاء، فهي ثابتة بالوصف لا بالشخص، ما عدا الشفاعة العظمى، فإنها لأهل الموقف عامة، وليس منها ما يقصدون. فالوصف "من

стр. 41

من مات لا يشرك بالله شيئا" كما في البخاري ١ من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لكل نبي دعوة مستجابة، وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة منكم إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً". وحديث أنس بن مالك الذي في الشفاعة بطوله وحديث الذراع الذي رواه أبوهريرة المتفق عليه. وإذا كانت بالوصف فرجاؤها من الله ودعاؤه أن يشفع فيه نبيه هو المطلوب.

стр. 42

إرادة الله في التكوين وإرادته في التكليف والشفاعة لله وبإذنه ومنه تطلب فالواجب على كل مسلم صرف همته وعزائم أمره إلى ربه ﵎ بالإقبال إليه والاتكال عليه، والقيام بحق العبودية لله ، فإذا مات موحداً استشفع ١ الله فيه نبيه، بخلاف من أهمل ذلك وتركه، وارتكب ضده من الإقبال إلى غير الله بالتوكل عليه، ورجائه فيما لا يمكن وجوده إلا من عند الله، والالتجاء إلى ذلك الغير، مقبلا على شفاعته، متوكلا عليها، طالباً لها من النبي صلى الله عليه سلم أو غيره، راغباً إليه فيها، تاركاً ما هو المطلوب المتعين عليه، المخلوق لأجله. هذا بعينه فعل المشركين واعتقادهم، ولا نشأت فتنة في الوجود إلا بهذا الاعتقاد، فصار شقيّاً بالإرادة الكونية والعاقبة الغوية، لأن الإرادة الدينية أصل في إيجاد المخلوقات، والإرادة الكونية

стр. 43

أصل ١ فمن كتبت عليه الشقاوة فلا يسير إلا لها، ولا يعمل إلا بها. قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ٢ فهذه هي الإرادة الكونية، وهي لا تعارض الإرادة الدينية التي هي الأصل في إيجاد المخلوقات ٣ مع بقائه مختاراً مدركاً للأشياء. ومن كان هذا وصفه فلا ينالها، لأن الله تعالى ليس له شريك في الملك، كما أنه ليس له شريك في استحقاق العبادة – بل هو المختص بها، ولا تليق إلا بجلاله وعظمته، فلا إله إلا هو وحده لا شريك له. ولهذا جسم جل وعلا مادة الشفاعة عن كل أحد بغير إذن الإله وحده، فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، لا ملك ولا نبي ولا غيرهما لأن من شفع عند غيره بغير إذنه فهو شريك به في حصول ذلك المطلوب لتأثيره فيه

стр. 44

بشفاعته، ولاسيما إن كانت من غير إذنه. فجعله يفعل ما طلب منه، والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه، وكل من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه، والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه، ولهذا قال عز من قائل: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ١ وطلبها من غير الله في هذه الدار زعم بعدم تعليقها بالإذن من الله والرضا عن المشفوع له وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ٣ والعبرة في القرآن بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع ملاحظته وعدم الاقتصار عليه.

стр. 45

الدعاء مشروع للموتى وللنبي – لادعاؤهم وأما دعاء الله عزوجل للغير فقد مضت السنة أن الحي يطلب منه سائر ما يقدر عليه، ودعوة المسلمين بعضهم لبعض مستحبة قد وردت بها الآثار الصحيحة في مسلم وغيره، فإن كانت للميت فهي آكد. وكان النبي ﷺ يقف على القبر بعد الدفن فيقول: "اسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل" فالميت أحوج بعد الدفن إلى الدعاء، فإذا قام المسلمون على جنازته دعوا له لا به، وشفعوا له بالصلاة عليه لا استشفعوا به، فبدل أهل الشرك والبدع قولا غير الذي قيل لهم، بدلوا الدعاء له بدعائه ثانيا عنهم كان أو قريباً، والاستغاثة به والهتف باسمه عند حلول الشدة. وتركوا من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه. وقصدوها بالزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ إحساناً إلى الميت، وتذكيراً بالآخرة، فبدلوا ذلك بسؤال الميت نفسه، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، وحضور القلب وخشوعه عندها أعظم منه في الصلاة والمساجد ووقت الإحسان. وإذا شرع الدعاء لسائر المؤمنين فالنبي ﷺ أحق الناس بأن يصلى ويسلم عليه،

стр. 46

ويدعى له بالوسيلة كما في الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى عليّ مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله. وأرجو أن أكون ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة". واستشفاع العبد في الدنيا إنما هو فعل السبب لحصول شفاعته له يوم القيامة كما عد فيما جاء به قولا وعملا واعتقاداً ١، وإنما سئلت له الوسيلة مع تحققها تنويهاً بقدره، ورفعاً لذكره، ويعود ثواب ذلك إلينا. فهذا هو الدعاء المأثور، وهو فارق بين الدعاء الذي أحبه والذي نهى عنه، ولم يذكر أحد من الأئمة الأربعة ولا من غيرهم من أئمة السلف فيما نعلمه أن النبي ﷺ يُسأل بعد الموت الاستغفار ولا غيره. قال الإمام مالك ﵀ فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في المبسوط عنه، والقاضي عياض في الشفاء

стр. 47

والمشارق، وغيرهما من أصحاب مالك عنه: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه سلم ويدعو، ولكن يسلم ويمضى. وقال أيضا في المبسوط عن مالك: لا بأس لمن قدم من السفر أو خرج إليه أن يقف عند قبر النبي ﷺ ويصلي ويسلم عليه، ويدعو له ولأبي بكر وعمر. فقيل له: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه وهم يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، يأتون عند القبر فيسلمون عليه، ويدعون ساعة. فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه في بلدنا، لا من الصحابة ولا غيرهم، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك: يكررون المجيء إلى القبر، بل كانوا يكرهونه إلا لمن جاء من سفر أو أراده. ١ انتهى.

стр. 48

ما يفعل عند قبره ﷺ والمأثور منه تلاوة الآية في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ١ الآية، والاستغفار بحضرة القبر، وإن قال به جماعة من متأخري الفقهاء كلهم لم يقولوا

стр. 49

يدعى صاحب القبر إنما يدعى الله، بل المحفوظ عنهم أن الميت والغائب لا يُسأل منه شيء لا استغفار ولا غيره. واستغفارهم الله لا الرسول ﷺ ، وحياته في قبره برزخية، ولا تقتضي دعاءه وأصحابه أعلم بها منا ولم يأت أحدهم إلى القبر فيسأله ويستغيث به، وقد ثبت النهي منه ﵊ أن يتخذ قبره عيداً، قال أبو يعلى الموصلي في مسنده عن عليّ بن الحسين ﵄ قال: أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم" رواه عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاراته، وروى سعيد بن منصور في السنن عن أبي سعيد مولى المهدي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني" روى هذا الحديث أبو داود عن أبي هريرة ورواه سعيد بن منصور في سننه من حديث أبي سعيد مولى المهدي، ورواه أيضاً من حديث الحسن بن الحسن ابن علي ﵁، وهذان الحديثان وإن كانا مرسلين فهما يقويهما حديث أبي هريرة المرفوع. وفي الصحيحين من

стр. 50

حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تشدوا الرحال إلى مسجد من المساجد إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا"، وهو حديث ثابت باتفاق أهل العلم يتلقى بالقبول عنهم ١، وهو إن كان معناه لا تشدوا الرحال إلى مسجد من المساجد إلا الثلاثة التي قد ذكرت، فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة إنما هو للصلاة فيها، والدعاء، والذكر، وقراءة القرآن، والاعتكاف الذي هو من الأعمال الصالحة. وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم حتى مسجد "قبا" يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة، ولا يشرع شد الرحل إليه من بعيد، ولذلك كان النبي صلى الله الله عليه وسلم يأتي إليه كل سبت ماشياً وراكباً، وكان ابن عمر يفعله كما في الصحيح، فإنه كما أسس على التقوى فمسجده ﷺ أعظم في

стр. 51

تأسيسه على التقوى فقال: "مسجدي هذا "، فكلا المسجدين أسس على التقوى، ولكن اختص مسجده بأنه أكمل في هذا الوصف من غيره، فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ويأتي مسجد "قبا" يوم السبت، وإذا كان السفر غير الثلاثة ممتنعاً شرعاً مع أن قصده لأهل مصره يجب تارة١ ويستحب أخرى، وقد جاء في قصد المساجد من الفضل ما لا يحصى، فالسفر إلى مجرد القبور أولى بالمنع. ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة التي أحدثها الملوك وأشباههم، والأحاديث التي رواها الدارقطني في زيارة قبره ﵊ كلها مكذوبة موضوعة باتفاق غالب أهل المعرفة، منهم ابن الصلاح، وابن الجوزي، وابن عبد البر، وأبو القاسم السهيلي، وشيخه ابن العربي المالكي، والشيخ تقي الدين، وغيرهم؛ ولم يجعلها في درجة الضعيف إلا القليل، وكذلك تفرد بها الدارقطني عن بقية أهل السنن والأئمة كلهم يرون بخلافه وأجل حديث روى في هذا الباب حديث أبي بكر البزار، ومحمد بن عساكر، حكاه أهل المعرفة بمصطلح الحديث، كالقشيري والشيخ تقي الدين وغيرهما، وإنما رخص ﷺ في زيارة القبور مطلقاً بعد أن نهى عنها كما ثبت في الصحيح، لكن بلا

стр. 52

شد رحل وسفر إليها، للأحاديث الواردة في النهي عن ذلك كما تقدم.

стр. 53

زيارة قبره ﷺ والنهي عن اتخاذ القبور مساجد إذا جاء السفر ١ المشروع لقصد مسجد النبي ﷺ للصلاة فيه دخلت زيارة القبر تبعا لأنها غير مقصودة استقلالا، وحينئذ فالزيارة مشروعة مجمع على استحبابها بشرط عدم فعل محذور عند القبر كما تقدم عن مالك، وما حكاه الغزالي ﵀ ومن وافقه من متأخري الفقهاء من زيارة القبر ٢ فمرادهم السفر المجرد عن فعل العبادة من الصلاة والدعاء عنده، بل يصلي ويسلم عليه، ويسأل له الوسيلة، ثم يسلم على أبي بكر، ثم عمر، ولا يقصد الصلاة عند القبر، للعنه ﷺ المتخذين قبور أنبيائهم مساجد. واللعنة في كلام الله وكلام رسوله لا تجامع إلا الحرمة والإثم، لا مجرد الكراهة، ولقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وقال ابن حجر رحمه

стр. 54

الله في "الإمداد الموسوم بشرح الإرشاد": ينوي الزائر المتقرب السفر إلى مسجده ﷺ ، وشد الرحل إليه، لتكون زيارة القبر تابعة. انتهى. واتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد هو الموقع لكثير من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين كود وسواع ويغوث وتماثيل طلاسم الكواكب ونحو ذلك، يزعمون أنها تخاطبهم وتشفع لهم. والشرك بقبر النبي ﷺ ، أو الرجل المعتقد صلاحه، أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو بحجر١، ولهذا تجد أهل الشرك كثيراً ما يتضرعون ويخشعون عندها ما لا يخشعون لله في الصلاة، ويعبدون أصحابها بدعائهم ورجائهم، والاستغاثة بهم، وسؤال النصر على الأعداء، وتكثير الرزق، وإيجاده، والعافية، وقضاء الديون، ويبذلون لهم النذور لجلب ما أملوه، أو دفع ما خافوه، مع اتخاذهم أعيادًا، والطواف بقبورهم، وتقبيلها، واستلامها، وتعقير الخدود على تربتها، وغير ذلك من أنواع العبادات، والطلبات التي كان عليها عباد الأوثان، يسألون أوثانهم ليشفعوا لهم عند مليكهم.

стр. 55

فهؤلاء يسأل كل منهم حاجته، وتفريج كربته، ويهتفون عند الشدائد باسمه كما يهتف المضطر بالفرد الصمد، ويعتقدون أن زيارته موجبة للغفران، والنجاة من النيران، وأنها تجبّ ما قبلها من الآثام، بل قد وجد هذا الاعتقاد في الأشجار والغيران، يهتفون باسمها واسم من ينسبون إليه من المعتقدين بما لا يقدر عليه إلا رب العالمين، وأكثر ما يكون ذلك عند الشدائد.

стр. 56

عبادة القبور بالدعاء وغيره شرك والله تعالى عز شأنه قد فسر هذا الدعاء في مواضع أخر بأنه عبادة محضة كقوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ٢. والأنبياء والملائكة والصالحون كل معبود من هؤلاء داخل في عموم قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ٣ كما هو سبب النزول، وقوله عز شأنه: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ فدعاؤهم آلهتهم هو عبادتهم لها، ولأنهم كانوا إذا جاءتهم

стр. 57

الشدائد دعوا الله وحده وتركوها، ومع هذا فهم يسألونها بعض حوائجهم بواسطة قربهم من الله ويطلبونها منهم بشفاعتهم لهم. فأمر الله العباد بإخلاص تلك العبادة له وحده، فلا يدعونهم ولا يسألونهم الشفاعة، فإن ذلك دين المشركين. قال الله تعالى فيهم: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ ٢ الآية. وإنما ذكر الله تعالى عنهم لأنهم يدعون الملائكة والأنبياء، ويصورون صوراً ليشفعوا لهم فيما دعوهم فيه وذلك بطرق مختلفة "ففرقة" قالت: ليس لنا أهلية مباشرة دعاء الله ورجائه بلا واسطة تقربنا إليه وتشفع لنا لعظمته. "وفرقة" قالت: الأنبياء والملائكة ذوو وجاهة عند الله ومنزلة عنده؛ فاتخذوا صورهم من أجل حبهم لهم ليقربوهم إلى الله زلفى. "وفرقة" جعلتهم قبلة في دعائهم وعبادتهم. "وفرقة" اعتقدت أن لكل صورة مصورة على صورة الملائكة والأنبياء وكيلا موكلا بأمر الله، فمن أقبل على دعائه

стр. 58

ورجائه وتبتل إليه قضى ذلك الوكيل ما طلب منه بأمر الله وإلا أصابته نكبة بأمره تعالى. فالمشرك إنما يدعو غير الله بما لا يقدر عليه إلا هو تعالى ويلتجئ إليه فيه ويرجوه منه بما يحصل له في زعمه من النفع، وهو لا يكون إلا فيمن وجدت فيه خصلة من أربع: إما أن يكون مالكاً لما يريد منه داعية، فإن لم يكن مالكاً كان معيناً، فإن لم يكن كان ظهيراً، فإن لم يكن كان شفيعاً، فنفى الله هذه المراتب الأربع عن غيره، والشركة والمظاهرة والشفاعة التي لأجلها وقعت العداوة والمخاصمة بالآية المتقدمة وبقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ ١ الآية، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ ٢، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ، وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ٣، وقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ٤، وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ ٥، فأثبت سبحانه ما لا نصيب فيه لمشرك البتتة، وهي الشفاعة بإذنه لمن رضي عنه وهو سبحانه يعلم

стр. 59

السر وأخفى، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولهذا لما قالت الصحابة ﵃: أربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ أنزل الله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ١ الآية، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ ٢.

стр. 60

حقيقة التوحيد الموحد من اجتمع قلبه ولسانه على الله مخلصاً له تعالى الألوهية، المقتضية لعبادته في محبته وخوفه ورجائه دعائه والاستعانة به والتوكل عليه، وحصر الدعاء بما لا يقدر على جلبه أو دفعه إلا الله وحده، والموالاة في ذلك والمعاداة فيه وأمثال هذا ناظرًا إلى حق الخالق والمخلوق من الأنبياء والأولياء مميزاً بين الحقين. وذلك واجب في علم القلب وشهادته وذكره ومعرفته ومحبته موالاته وطاعته، وهذا من تحقيق لا إله إلا الله، لأن معنى الإله عند الأولين ما تألهه القلوب بالمحبة التي كحب الله والتعظيم والإجلال والخضوع، فالرجاء بها هو مختص من عند الله وذبح النسك له قال

стр. 61

تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ١. ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢ وهم ما سووهم به لا في الصفات ولا في الذات ولا في الأفعال كما حكى الله عنهم في الآيات، والشاهد الله بأنه لا إله إلا هو، وقائلها نافياً قلبه ولسانه الألوهية كل ما سواه من الخلق، ومثبتاً به الألوهية لمستحقها وهو الله المعبود بالحق، فيكون معرضاً عن ألوهية جميع المخلوقات لا يتألههم بما لا يقدر عليه إلا الله، مقبلا على عبادة رب الأرض والسموات، وذلك يتضمن اجتماع القلب في عبادته ومعاملته على الله، ومفارقته في ذلك كل ما سواه، فيكون مفرقاً في عمله وقصده وشهادته وإرادته ومعرفته ومحبته بين الخالق والمخلوق بحيث يكون عالماً بالله ذاكراً له عارفاً به، وأنه تعالى مباين لخلقه، منفرد عنهم بعبادته ٣ وأفعاله وصفاته، فيكون محبّاً فيه مستعيناً به لا بغيره، متوكلا عليه لا على غيره. وهذا المقام هو المعني في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وهي من خصائص الألوهية التي يشهد له بها تعالى عباده المؤمنون، كما أن رحمته لعبيده، وهدايته إياهم، وخلقه السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من الآيات من خصائص الربوبية التي يشترك في

стр. 62

معرفتها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، حتى إبليس عليه اللعنة معترف بها في قوله تعالى: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢، وأمثال هذا الخطاب الذي يعرف بأنه ربه وخالقه ومليكه، وأن ملكوت كل شيء في يده تعالى وتقدس، وإنما يكفر بعناده وتكبره عن الحق وطعنه فيه وزعمه أنه فيما ادعاه وقاله محق. وكذلك المشركون الأولون يعرفون ربوبيته تعالى وهم له بها يعترفون قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ٣، وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٥ فمن دعا غيره تعالى لم يكن مخلصاً، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ

стр. 63

هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ١ والآيات في هذا الباب كثيرة جداً. وروى الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث حصين بن المنذر أن رسول الله ﷺ قال: "يا حصين كم تعبد؟ " قال: ستة في الأرض وواحد في السماء قال: "فمن الذي تعد لرغبتك؟ " قال: الذي في السماء. فقال له رسول الله ﷺ : "أسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن" فأسلم، فقال قل: "اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي"، فمجرد معرفتهم بربوبيته تعالى واعترافهم بها لم تنفعهم ولم تدخلهم في الإٍسلام مع جعلهم مع الله آلهة أخرى يدعونها ويرجونها لتقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم عنده، فبذلك كانوا مشركين في عبادته ومعاملته. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم: لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، و "الدعاء مخ العبادة" كما أن الإله اسم المعبود. وروى النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الدعاء هو العبادة- وفي رواية- مخ العبادة"، ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَقَالَ

стр. 64

رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ١ الآية، رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، ورواه أيضاً النسائي وابن ماجه والحاكم والإمام أحمد وابن أبي شيبة بهذا اللفظ، وهذه الصيغة تفيد قصر الدعاء على العبادة فلا يخرج عنها، لأنها من الصفات اللازمة التي ليس لها مفهوم يخالف الظاهر كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ ٢ إذ كل مدعو فهو إله قصد الداعي أن مدعوه إلها أم لا، اتخذه المشركون الأولون أم لا، وليس ثم دعاء إله آخر له برهان.

стр. 65

الشرك باتخاذ الأولياء والشفعاء وقد وصف الله دين المشركين بقوله، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ١ الآية، فبين في هذه الآية أنما قصدهم الشفاعة، وفي صحيح البخاري ومسلم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل مع الله نداً وهو خلقك" قال: قلت ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" قال: قلت ثم

стр. 66

أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك" فأنزل الله تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ ١ الآية، فبين النبي ﷺ أن أعظم الذنب الشرك بالله الذي هو جعل الأنداد واتخاذهم من خلقه ليقربوهم إليه. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ٢، فدين الله وسط بين الغالي والجافي عنه".

стр. 67

الشرك الأصغر والأكبر والشرك: شركان، أكبر: وله أنواع ومنه الذي تقدم بيانه آنفاً، وشرك أصغر: كالرياء والسمعة، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" ومنه الحلف بغير الله لما روى ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ : "من حلف بغير الله فقد أشرك" أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وصححه ابن حبان وقال ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" أخرجه الشيخان، وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: قال: له رجل ما شاء الله وشئت، قال: "أجعلتني لله نداً؟ قل ما شاء الله وحده" والشرك الأصغر لا يخرج عن الملة وتجب التوبه منه ومن كل ذنب.

стр. 68

التوسل الصحيح فلم يبق إلا التوسل بالأعمال الصالحة كتوسل المؤمنين بإيمانهم في قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ. . .﴾ ١ وكتوسل أصحاب الصخرة المنطبقة عليهم وهم ثلاثة نفر وتوسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة- الحديث في صحيح البخاري- لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، وكسؤال الله بأسمائه الحسنى قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٢ وكالأدعية المأثورة في السنن: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام" وأمثال ذلك، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ٣ لأنها القرب التي يتقرب بها إلى الله وتقرب فاعلها منه، وهي الأعمال الصالحة، لما روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وما زال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه" الحديث، ولهذا كان

стр. 69

رسول الله ﷺ إذا أهمه أمر فزع إلى الصلاة فإنها أعظم القرب إلى الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ ١ وليست الوسيلة بمخلوق يبتغي ليحصل واسطة بين الله وبين خلقه، يشفع لهم ويتقربون إليه، لأن عين ما نهي الله عنه في الآيات، وأنزل بقبحه الكتب، وأرسل الرسل، وهو ما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ٢، لأن قصدهم أن يتقربوابه.

стр. 70

الإقسام على الله بالمخلوقين وأما الإقسام على بمخلوق، فهو منهي عنه باتفاق العلماء، وهل هو منهي عنه نهي تنزيه أو تحريم؟ على قولين، أصحهما: أنه كراهة تحريم، واختاره العز بن عبد السلام في فتاويه، قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة رحمهما الله: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن تقول: بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك وهو قول لأبي يوسف، قال أبو يوسف: بمعاقد العز من عرشك هو الله، فلا أكره هذا، وأكره بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت والمشعر الحرام، قال القدوري ﵀: المسألة

стр. 71

بحق المخلوق لا تجوز لهذا فلا يقول: أسألك بفلان وبملائكتك وأنبيائك ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، انتهى – أما قوله: "وبحق السائلين عليك" ففيه عطية العوفي ١ وفيه ضعف، ومع صحته فمعناه بأعمالهم لأن ٢حقه تعالى عليهم طاعته، وحقهم عليه الثواب والإجابة، وهو تعالى وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعلموا الصالحات ويزيدهم من فضله، وإذا والى العبد ربه وحده أقام الله له ولياًّ من الشفعاء، وهى الموالاة بينه وبين عباده المؤمنين فصاروا أولياءه في الله بخلاف من اتخذ مخلوقاً من دون الله أو معه، فهذا نوع، وذاك نوع آخر، كما أن الشفاعة الشركية الباطلة نوع، وشفاعة الحق الثابتة التي إنما تنال بالتوحيد نوع آخر.

стр. 72

حديث الأعمى بالتوسل بالنبي ﷺ ومما استدل علينا الخصم، ويزعم أن الدعوة غير الله وسيلة قوله: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم شفعه في" رواه الترمذي والحاكم وابن ماجه عن عمران بن حصين، فجوابه من وجوه: الأول: أنه في غير محل النزاع، إذ هو ليس سؤال النبي ﷺ نفسه، وإنما هو سؤال الله وحده أن يشفع فيه نبيه، وعمل الخصم الاختراعى منكر، ورواية الحديث بحرمته، فأين هذا من عمارة القبور، وإلقاء الستور عليها وتسريحها؟ وهذه كلها كبائر، كما قال أهل العلم، حتى ابن حجر الهيثمي وغيره: أن حدها ١ كل ما أتبع بلعنة أو غضب أو نار، والأحاديث في تحريم عمارة القبور كثيرة في الصحيحين وغيرهما، ويضاف إلى عمارتها دعاء أصحابها ورجاؤهم، والالتجاء إليهم، والنذر لهم، وكتب الرقاع لها، وخطابهم يا سدى يا مولاي أفعل كذا وكذا، وبهذا عبدت اللات والعزى والويل كل الويل عندهم لمن عاب وأنكر عليهم. ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله عليه سلم في القبور وما أمر ونهى، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه الناس اليوم- رأى أحدهما مضادًّا للآخر، مناقضاً له، وإذا كان سبب قوله الله : ﴿فلا

стр. 73

تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١ مجيء حبر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه سلم والمسلمين، وقوله نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله أنداداً فتقولون: ما شاء لله وشاء فلان. فقال رسول الله ﷺ : "أما إنه قد قال حقاَّ" وأنزل الله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ومن أخرج الحديث جلال الدين السيوطي في الدر المنثور في تفسيره ٢ هؤلاء يحب أحدهم معتقده أكثر من حب الله، وإن زعم أنه لا يحبه كحبه، فشواهد الحال تشهد عليه بذلك فإنه يعظم القبر أعظم من بيت الله، ويحلف بالله كاذباً ولا يحلف بمعتقده. فلا جامع بين ما استدلوا به علينا ويبن ما نهيناهم عنه. الثاني: أن الحديث دليل لنا أنه لا يدعى غير الله ، فإن مسألة "اللهم إني أتوجه إليك" فسأل الله أن يشفعه فيه واسطة "؟ " "يا حبيبنا يا محمد إنا نتوسل بك إلى ربك فاشفع لنا" "؟ "فهذا خطاب لحاضر، كقولنا في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وكاستحضار الإنسان محبه أو مبغضه في قبله فيخاطبه بما يهواه لسانه. ومعناه: أتوجه إليك بدعاء نبيك وشفاعته التي

стр. 74

معناها في هذه الدار الدعاء، ولهذا قال في تمام الحديث "اللهم شفعه في" أي استجب دعاءه، وهذا متفق علي جوازه، إذا الحي يطلب منه سائر ما يقدر عليه. وأما الغائب والميت فلا يستغاث به، ولا يطلب منه ما لا يقدر عليه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ١ إنما غايته طلب الدعاء من الحي، وقبول شفاعته عند الله ، وهو التوقيت والإتباع. ولو كان هذا من العبادات لسنه الرسول، ولكان أصحابه أعلم بذلك وأتبع، ولهذا لم يفعله ﷺ انتقل من هذه الدار إلى دار القرار بنص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، لهذا استسقى أصحابه، بعمه العباس بن عبد المطلب، وأن يدعو لهم في الاستسقاء عام القحط، أخرجه البخاري عن أنس بن مالك ﵁ ولم يأتوا إلى قبره ولا وقفوا عنده مع أنه صلى لله عليه سلم حياته في قبره برزخية، والدعاء عبادة مبناها على أحد من الصحابة ولا التابعين مع شدة احيتاجهم، وكثرة مدلهماتهم، وهو أعلم بمعاني كتاب الله وسنة رسوله، وأحرص إتباعا لملته من غيرهم، بل كانوا ينهون عنه وعن الوقوف عند القبر للدعاء عنده، وهم من خير القرون التي قد نص عليها النبي صلى الله عليه سلم قي قوله: "خيركم

стр. 75

قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" قال عمران: لا أدرى أذكر ثنتين أو ثلاثا بعد قرنه، أخرجه البخاري في صحيحه. الثالث: أنهم زعموا أنه دليل للوسيلة إلى الله بغير محمد صلى الله عليه سلم، وخرجوا عن محل النزاع إلى شيء آخر، وهو التوسل بغير رسول الله ﷺ ، فلا دليل فيه أصلا، لأنهم صرحوا بأنه لا يقاس مع فارق. فلا يجوز لنا أن نقول: اللهم إنا نسألك ونتوجه إليك برسولك نوح، يا رسول الله يا نوح، ولا لنا أن نقول: إنا نسألك ونتوجه إليك بخليلك إبراهيم، ولا بكليمك موسى، ولا بروحك عيسى، مع أن الجامع في نوح عليه والسلام الرسالة، وفي إبراهيم ﵇ الخلة مع الرسالة، وفي موسى ﵇ الكلام مع الرسالة، وفي عيسى روح الله وكلمته مع الرسالة، فليس لنا أن نقول هذا لأنه لم يرد، ولا حاجة لنا إلى فعل شيء لم يرد. القياس إنما يباح عند من يقول به للحاجة في حكم لا يوجد فيه نص، فإذا وجد النص فلا يحل القياس عند من يقول به، ولا حاجة لنا إلى قول مخترع يجر إلى الشرك، خصوصاً مع ما ورد فيه، وأنه في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، وأن هذه الأمة افترقت على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة،
следующие страницы →