بحق المخلوق لا تجوز لهذا فلا يقول: أسألك بفلان وبملائكتك وأنبيائك ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، انتهى – أما قوله: "وبحق السائلين عليك" ففيه عطية العوفي ١ وفيه ضعف، ومع صحته فمعناه بأعمالهم لأن ٢حقه تعالى عليهم طاعته، وحقهم عليه الثواب والإجابة، وهو تعالى وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعلموا الصالحات ويزيدهم من فضله، وإذا والى العبد ربه وحده أقام الله له ولياًّ من الشفعاء، وهى الموالاة بينه وبين عباده المؤمنين فصاروا أولياءه في الله بخلاف من اتخذ مخلوقاً من دون الله أو معه، فهذا نوع، وذاك نوع آخر، كما أن الشفاعة الشركية الباطلة نوع، وشفاعة الحق الثابتة التي إنما تنال بالتوحيد نوع آخر.
стр. 72
حديث الأعمى بالتوسل بالنبي ﷺ
ومما استدل علينا الخصم، ويزعم أن الدعوة غير الله وسيلة قوله: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم شفعه في" رواه الترمذي والحاكم وابن ماجه عن عمران بن حصين، فجوابه من وجوه:
الأول: أنه في غير محل النزاع، إذ هو ليس سؤال النبي ﷺ نفسه، وإنما هو سؤال الله وحده أن يشفع فيه نبيه، وعمل الخصم الاختراعى منكر، ورواية الحديث بحرمته، فأين هذا من عمارة القبور، وإلقاء الستور عليها وتسريحها؟ وهذه كلها كبائر، كما قال أهل العلم، حتى ابن حجر الهيثمي وغيره: أن حدها ١ كل ما أتبع بلعنة أو غضب أو نار، والأحاديث في تحريم عمارة القبور كثيرة في الصحيحين وغيرهما، ويضاف إلى عمارتها دعاء أصحابها ورجاؤهم، والالتجاء إليهم، والنذر لهم، وكتب الرقاع لها، وخطابهم يا سدى يا مولاي أفعل كذا وكذا، وبهذا عبدت اللات والعزى والويل كل الويل عندهم لمن عاب وأنكر عليهم. ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله عليه سلم في القبور وما أمر ونهى، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه الناس اليوم- رأى أحدهما مضادًّا للآخر، مناقضاً له، وإذا كان سبب قوله الله : ﴿فلا
стр. 73
تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١ مجيء حبر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه سلم والمسلمين، وقوله نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله أنداداً فتقولون: ما شاء لله وشاء فلان. فقال رسول الله ﷺ : "أما إنه قد قال حقاَّ" وأنزل الله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ومن أخرج الحديث جلال الدين السيوطي في الدر المنثور في تفسيره ٢ هؤلاء يحب أحدهم معتقده أكثر من حب الله، وإن زعم أنه لا يحبه كحبه، فشواهد الحال تشهد عليه بذلك فإنه يعظم القبر أعظم من بيت الله، ويحلف بالله كاذباً ولا يحلف بمعتقده. فلا جامع بين ما استدلوا به علينا ويبن ما نهيناهم عنه.
الثاني: أن الحديث دليل لنا أنه لا يدعى غير الله ، فإن مسألة "اللهم إني أتوجه إليك" فسأل الله أن يشفعه فيه واسطة "؟ " "يا حبيبنا يا محمد إنا نتوسل بك إلى ربك فاشفع لنا" "؟ "فهذا خطاب لحاضر، كقولنا في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وكاستحضار الإنسان محبه أو مبغضه في قبله فيخاطبه بما يهواه لسانه. ومعناه: أتوجه إليك بدعاء نبيك وشفاعته التي
стр. 74
معناها في هذه الدار الدعاء، ولهذا قال في تمام الحديث "اللهم شفعه في" أي استجب دعاءه، وهذا متفق علي جوازه، إذا الحي يطلب منه سائر ما يقدر عليه. وأما الغائب والميت فلا يستغاث به، ولا يطلب منه ما لا يقدر عليه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ١ إنما غايته طلب الدعاء من الحي، وقبول شفاعته عند الله ، وهو التوقيت والإتباع. ولو كان هذا من العبادات لسنه الرسول، ولكان أصحابه أعلم بذلك وأتبع، ولهذا لم يفعله ﷺ انتقل من هذه الدار إلى دار القرار بنص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، لهذا استسقى أصحابه، بعمه العباس بن عبد المطلب، وأن يدعو لهم في الاستسقاء عام القحط، أخرجه البخاري عن أنس بن مالك ﵁ ولم يأتوا إلى قبره ولا وقفوا عنده مع أنه صلى لله عليه سلم حياته في قبره برزخية، والدعاء عبادة مبناها على أحد من الصحابة ولا التابعين مع شدة احيتاجهم، وكثرة مدلهماتهم، وهو أعلم بمعاني كتاب الله وسنة رسوله، وأحرص إتباعا لملته من غيرهم، بل كانوا ينهون عنه وعن الوقوف عند القبر للدعاء عنده، وهم من خير القرون التي قد نص عليها النبي صلى الله عليه سلم قي قوله: "خيركم
стр. 75
قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" قال عمران: لا أدرى أذكر ثنتين أو ثلاثا بعد قرنه، أخرجه البخاري في صحيحه.
الثالث: أنهم زعموا أنه دليل للوسيلة إلى الله بغير محمد صلى الله عليه سلم، وخرجوا عن محل النزاع إلى شيء آخر، وهو التوسل بغير رسول الله ﷺ ، فلا دليل فيه أصلا، لأنهم صرحوا بأنه لا يقاس مع فارق. فلا يجوز لنا أن نقول: اللهم إنا نسألك ونتوجه إليك برسولك نوح، يا رسول الله يا نوح، ولا لنا أن نقول: إنا نسألك ونتوجه إليك بخليلك إبراهيم، ولا بكليمك موسى، ولا بروحك عيسى، مع أن الجامع في نوح عليه والسلام الرسالة، وفي إبراهيم ﵇ الخلة مع الرسالة، وفي موسى ﵇ الكلام مع الرسالة، وفي عيسى روح الله وكلمته مع الرسالة، فليس لنا أن نقول هذا لأنه لم يرد، ولا حاجة لنا إلى فعل شيء لم يرد. القياس إنما يباح عند من يقول به للحاجة في حكم لا يوجد فيه نص، فإذا وجد النص فلا يحل القياس عند من يقول به، ولا حاجة لنا إلى قول مخترع يجر إلى الشرك، خصوصاً مع ما ورد فيه، وأنه في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، وأن هذه الأمة افترقت على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة،
стр. 76
فالناجية من اتبع ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.
الرابع: أن الوسيلة ليست هي أن ينادى العبد غير الله، ويطلب حاجته التي لا يقدر على وجودها إلا الرب ﵎ ممن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً، ولا حياة ولا نشوراً، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه؛ كذلك من سرق التابوت والمعلق عليه من بيض النعام أو غيره.
стр. 77
حديث نداء من انفلتت دابته يحبسها من سمعه
إدعاء الإجماع على بدع القبوريين التوسل إلى بشيء من مخلوقاته
ومما استدل به علينا في جواز دعوة غير الله في المهمات قوله ﷺ في الحديث الذي رواه ابن مسعود: "إذا انفلتت دابة أحدكم في أرض فلاة فليناد يا عباد الله احبسوها"، وفي رواية "إذا أعيت فليناد يا عباد الله أعينوا"، وهذا من جملة الجهل والضلال، وإخراج المعاني عن مقاصدها من وجوه:
стр. 78
الأول: أن هذه ليست بوسيلة أصلا؛ إذ معنى الوسيلة ما يتقرب به من الأعمال إلى الله عزوجل وهذا ليس بقربة.
الثاني: أن الحديثين غير صحيحين، أما الأول فرواه الطبراني في الكبير بسند منقطع عن عقبة ﵁، وحديث انفلات الدابة عزاه النووي ﵀ لابن السني، وفي إسناده معروف بن حسان قال ابن عدي: هو منكر الحديث، ولا دليل في هذين الحديثين مع ضعفهما ولا في الحديث المتقدم قبلهما على دعاء أصحاب القبور كعبد القادر الجيلاني من قطر شاسع، بل ولا من عند قبره، ولا ينادي غيره لا الأنبياء، ولا الأولياء، إنما غايته أن الله جعل من عباده من لا يعلمهم إلا هو سبحانه ١ ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ ٢ وإذا نادى شخصاً باسمه معيناً فقد كذب على رسول الله ﷺ ونادى من لا يؤمر بندائه، وليس معنى الحديث في كل حركة وسكون وقيام وقعود، وإنما أبيح له ذلك إن أراد عوناً على حمل متاعه أو انفلتت دابته، وهذا مع تقدير صحة الحديث.
стр. 79
الثالث: أن الله تعالى قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ١: بعد أن أكمله بفضله ورحمته، فلا يحل أن نخترع فيه ماليس منه، ونقيس ما لا يقاس عليه.
الرابع: أن الحديث الصحيح إذا شذ عن قواعد الشرع لا يعمل به، فإنهم قالوا: إن الحديث الصحيح الذي يعمل به إذا رواه العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة، فكيف العمل بالحديث المتكلم فيه بما لا يدل عليه دلالة مطابقة ولا تضمن ولا التزام؟ فهذا هو البهتان.
الخامس: أنهم زعموا موافقتهم بذكر من يعتقدونه ونسوا الأفعال إليهم وكل واحد يذكر ما وقع له من الاستغاثة بفلان وأنه أنجده، وكشف شدته، فإذا قال أحد سبحان الذي بيده ملكوت كل شيء سبحانك هذا بهتان عظيم، قاموا عليه وخرجوه وبدعوه، قالوا: معلوم أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزون، فإذا قال: نعم، ولكن ليس لأحد منهم ملكوت خردله والله يقول: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا
стр. 80
لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ١ فإن منهم من يدعي العلم والإنصاف وهو واسع الصدر، يقول هذه الآية نزلت في عبادة الأصنام. فإذا قيل له: الأصنام ود وسواع ويغوث ويعوق أسماء رجال صالحين، وهذه الخرق على التوابيت ودعوة الأموات هي فعل عباد الأصنام، وقرر أهل العلم أن العام لا يقصر على السبب مثلا أن نستحل أن لا نؤدي الأمانة، فإذا قيل: إن أدوا الأمانة فإن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ٢ فلا يقال هذه نزلت في مفتاح باب الكعبة فلا يحتج بها عامة. كذلك لا يقال هذه نزلت في عباد الأصنام، ونفعل فعلهم ونقول: لسنا مشركين. وفي هذه الأحاديث القدسية عن خير البرية ﷺ قال الله : "أنا والجن والإنس في نبأ عظيم: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري" أخرجه الحاكم والترمذي والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء ﵁ – أجاب بأن الأمة مطبقة على هذا والأمة لا تجتمع على ضلالة، فيلزمه تضليل الأمة وتسفيه الآباء، وجوابه: أما أن الأمة مطبقة على هذا فكذب عليها، هذه كتب الحديث والتفسير فيها لا يجوز أن يدعى غير الله بما لا يقدر عليه إلا هو تعالى
стр. 81
ولا يباح، بل الآيات البينات والأحاديث، وأقول العلماء، ترشد أن هذا شرك محقق، والله تعالى يقول لرسول الله ﷺ : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ١ ويقول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ٢، والأحاديث ونصوص العلماء لا تخلف الكتاب.
السادس: أنه قد اختلفوا في التوسل إليه بشيء من مخلوقاته تعالى وتقدس هل هو مكروه أو حرام، والأشهر الحرمة كما قال به أبو محمد العز بن عبد السلام في فتاويه أنه لا يجوز التوسل إليه بشيء من مخلوقاته لا الأنبياء ولا غيرهم، وتوقف في حق نبينا محمد ﷺ هل فيه الحرمة أو الكراهة، وتقدم قول أبي حنيفة وأصحابه ﵏.
السابع: أنهم يشترون أولادهم ممن يعتقدونه، ويجعلون زوايا لمن يعتقدونه، ويجعلون فيها الطبول والبيارق والمزاهر ومطارق الحديد يضربون بها أنفسهم، وفيها جماعة ينسبون إلى ذلك المعتقد: كالعلوانية، والقادرية، والرفاعية، وهي أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، ويعبدون أنفسهم لهم، كعبد
стр. 82
فلان وفلان والله قد سلمانا المسلمين. قال الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ ١ في الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل "وفي هذا" القرآن، فاستبدلوا الذي أدنى بالذي هو خير. وإذا مرض هذا المشترى من المعتقد نذر أهله له النذور، ولم يزل يستغيث بأن يشقى سقمه، ويكف شدته، وهذا الأمر سرى في العلماء والجهال، وفي مكة أكثر وقد غلبت عليهم العوائد، وسلبت عقولهم عن تفهم المراد والمقاصد، من الكتاب والسنة، وكلام الأئمة، لم يجدوا هذا في كتاب فروع أحد منهم، ولا أصوله، صانهم الله عن هذه الوصمة، فما استدلوا به مما تقدم لا يكون دليلا على التوسل بالأموات المعلوم حالهم أنهم في أعلى الجنان، فكيف غيرهم ممن لا يعلم حالة في الآخرة، ولا يدري أين مآله، كيف يكون دليلا على دعوة غير الله في المهمات، ويقال الوسيلة ويستدل لها بهذا ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ٢ وتحريف للكلم عن مواضعه.
стр. 83
معاداة القبوريين لمن ينكر بدعهم
أحاديث الأمر بتسوية القبور
فبهذا يتبين أن الشيطان اللعين نصب لأهل الشرك قبوراً يعظمونها ويعبدونها أوثانا من دون الله، ثم يوحى إلى أوليائه أن من نهى عن عبادتها واتخاذها أعياداً وجعلها والحالة هذه أوثاناً فقد انتقصها وغمصها حقها، فيسعى الجاهلون المشركون في قتالهم وعقوبتهم، وما ذنبهم عند هؤلاء المشركين إلا أنهم أمروهم بإخلاص التوحيد، ونهوهم عن الشرك بأنواعه، وقالوا بتبطيله، فعند ذلك غضب المشركون واشمأزت قلوبهم فهم لا يؤمنون. وقالوا: قد انتقصوا أهل المقامات والرتب، فاستحقوا الوبل والتعب، وفي زعمهم أنهم لا حرمة لهم للدنيا ولا قدر، حتى سرى ذلك في نفوس الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حبًّا للأولياء أتباع المرسلين، وبسبب ذلك عادونا ورمونا بالعظائم والجرائم، ونسبوا كل قبيح إلينا، ونفروا الناس عنا وعما ندعوا إليه، ووالوا أهل الشرك وظاهروهم علينا، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله وكتابه، ويأبى الله ذلك، فما كانوا أولياؤه إن أولياؤه إلا المتقون، الموافقون له، العارفون به، وبما جاء به، والعاملون به،
стр. 84
والداعون إليه، لا المتشبعون بما لم يعطوا، اللابسون ثياب الزور، الذين يصدون الناس عن دين نبيهم وهديه وسنته ويبغونها عوجاً وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً باتباعه واحترامه والعمل به، وتعظيم الأنبياء والأولياء واحترامهم متابعتهم لهم فيما يحبونه، وتجنب ما هم يكرهونه، وهم أعصى الناس لهم، وأبعدهم منهم ومن هديهم ومتابعتهم. كالنصارى مع المسيح، وكاليهود مع موسى، والرافضة مع عليّ. وأهل التوحيد أين كانوا أولى بهم وبمحبتهم ونصرة طريقتهم وسنتهم وهديهم ومنهاجهم، وأولى بالحق قولا وعملا من أهل الباطن. فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. والمنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات بعضهم أولياء بعض. ومن أصغى إلى كلام الله بكلية قلبه وتدبره وتفهمه أغناه عن إتباع الشياطين وشركهم الذي يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وينبت النفاق في القلب، وكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسول بكليته وحدث نفسه بهما وعمل باقتباس الهدى والعلم منهما لا من غيرهما أغنياه ١ من البدع والشرك والآراء والتخرصات الشطحات والخيالات التي هي من وساوس الشيطان والنفوس، وتخيلات الهوى والبؤس، وتعود ذلك ٢ فلا بد أن يتعوض ما لا ينفعه بل
стр. 85
مصرة عليه ١ كما أن من عمر قلبه بمحبة الله وخشيته والتوكل عليه ٢ وأغناه أيضاً عن عشق الصور، وإذا خلا عن ذلك صار عبد هواه، أي شيء استحسنه ملكه واستعبده، فالمعرض عن التوحيد عابد للشيطان مشرك شاء أم أبى، كما في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي واسمه حيان بن حصين قال: قال لي عليّ بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ، "أن لا أدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبراً مشرقاً إلا سويته". وفي الصحيح أيضا عن عثامة بن شقى الهمداني قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفى صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوى، فقال: "سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها" وقد أمر به وفعله الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون، قال الشافعي في "الأم":ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنون على القبور. ويؤيد الهدم قوله: "ولا قبراً مشرفاً إلا سويته"، وحديث جابر الذي في صحيح مسلم: "نهى ﷺ على البناء على القبور"، ولأنها أسست على معصية الرسول لنهيه عن البناء عليها وأمره بتسويتها. فبناء أسس
стр. 86
على معصيته ومخالفته ﷺ وبناء غير محترم، وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعاً، وأولى من هدم مسجد الضرار المأمور بهدمه شرعاً، إذ إزالة المفسدة أعظم حماية للتوحيد، والله المستعان، وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على أفضل الخلق أجمعين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 87
الرسالة الثانية
مدخل
...
رسالة للشيخ الإمام عبد الله ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في حقيقة دعوة والده السلفية
كتبها بعد دخول معشر الموحدين مكة المشرفة مع الإمام سعود ﵀ سنة ١٢١٨ ألف ومائتين وثماني عشرة، جواباً لمن سأله عما يعتقدونه ويدينون الله به. فأجاب ﵀ بما ستقف عليه إن شاء الله تعالى، وهو الذي نعتقده وندين الله به لكي يعلم إخواننا الموحدون ما نحن عليه وأئمتنا ومشيختنا، وأنّا على ما كان عليه سلف هذه الأمة وأئمتنا في الأصول والفروع، وليعلموا أن ما افتراه علينا أعداء الله ورسله هو الخزي الفاضح، والإفك الواضح، والذي لا يحكيه، وينميه عن أهل الإسلام من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم أنه موقوف بين يدي الله يوم القيامة ومسئول عن ذلك، وحسبنا الله ونعم الوكيل وهذا نصها:
стр. 88
مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أما بعد؛ فإنا معشر غزو الموحدين لما مَنّ الله علينا وله الحمد بدخول مكة المشرفة نصف النهار يوم السبت ثامن شهر محرم الحرام سنة ١٢١٨هـ بعد أن طلب أشراف مكة وعلماؤها وكافة العامة من أمير الغزو سعود- حماه الله- الأمان وقد كانوا تواطئوا مع أمراء الحجيج وأمير مكة على قتاله أو الإقامة في الحرم ليصدوه عن البيت، فلما زحفت أجناد الموحدين ألقى الله الرعب في قلوبهم فتفرقوا شذر مذر كل واحد يعد الإياب غنيمة، وبذل الأمير حينئذ الأمان لمن بالحرم الشريف، ودخلنا شعارنا التلبية آمنين، محلقين رءوسنا ومقصرين، غير خائفين من أحد من المخلوقين، بل من مالك يوم الدين. وحين دخل الجند الحرم وهم على كثرتهم مضبوطون متأدبون، لم يعضدوا به شجراً، ولم ينفروا صيداً، ولم يريقوا دماً، إلا دم الهدي أو ما أحل الله من بهيمة الأنعام على الوجه المشروع.
ولما تمت عمرتنا جمعنا الناس ضحوة الأحد، وعرض الأمير عافاه الله على العلماء ما نطلب من الناس ونقاتلهم
стр. 89
عليه وهو إخلاص التوحيد لله تعالى وحده، وعرّفهم أنه لم يكن بيننا وبينهم خلاف له وقع إلا في أمرين: أحدهما: إخلاص التوحيد لله تعالى ومعرفة أنواع العبادة، وأن الدعاء من جملتها، وتحقيق معنى الشرك الذي قاتل الناس عليه نبينا محمد ﷺ ، واستمر دعاؤه برهة من الزمان بعد النبوة إلى ذلك التوحيد وترك الإشراك قبل أن تفرض عليه أركان الإسلام الأربعة.
الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لم يبق عندهم إلا اسمه، وانمحى أثره ورسمه، فوافقونا على استحسان ما نحن عليه جملة وتفصيلا، وبايعوا ذلك الأمير على الكتاب والسنة، وقبل منهم وعفا عنهم كافة، فلم يحصل على أحد منهم أدنى مشقة.
стр. 90
قبول علماء مكة للدعوة السلفية
ولم يزل يرفق بهم غاية الرفق لا سيما العلماء ويقرر لهم حال اجتماعهم وحال انفرادهم قائلا: لدينا أدلة ما نحن عليه، ويطلب منهم المناصحة والمذاكرة وبيان الحق. وعرفناهم بأن صرح لهم الأمير حال اجتماعهم بأنا قابلون ما وضحوا برهانه من كتاب أو سنة أو أثر عن السلف الصالح، كالخلفاء الراشدين المأمورين باتباعهم بقوله صلى
стр. 91
الله عليه وسلم: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، عن الأئمة المجتهدين ومن تلقى العلم عنهم إلى آخر القرن الثالث لقوله ﷺ : "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، وعرّفناهم أنا دائرون مع الحق أينما دار، وتابعون للدليل الجلي الواضح ولا نبالي حينئذ بمخالفة ما سلف عليه من قبلنا. فلم ينقموا علينا أمراً، فألححنا عليهم في مسألة طلب الحاجات من الأموات إن بقي لديهم شبهة؛ فذكر بعضهم شبهة أو شبهتين فرددناها بالدلائل القاطعة من الكتاب والسنة حتى صدقوا، ولم يبق عند أحد منهم شك ولا ارتياب فيما قاتلنا الناس عليه، أنه الحق الجلي الذي لا غبار عليه. وحلفوا لنا الأيمان المعقدة من دون استحلاف لهم على انشراح صدورهم وجزم ضمائرهم أنه لم يبق لديهم شك فيمن قال: يا رسول الله، أو قال يا ابن عباس، أو يا عبد القادر، أو غيرهم من المخلوقين طالباً بذلك دفع شر أو جلب خير من كل مالا يقدر عليه إلا الله تعالى من شفاء المريض والنصر على العدو والحفظ من المكروه ونحو ذلك أنه مشرك الشرك الأكبر الذي يهدر دمه، ويبيح ماله. وإن كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون هو الله وحده، لكنه قصد المخلوقين بالدعاء متشفعاً بهم، ومتقرباً لهم لقضاء حاجته من
стр. 92
الله يسرهم وبشفاعتهم له فيها أيام البرزخ، وأن ما وضع من البناء على قبور الصالحين صارت في هذه الأزمان أصناماً تقصد لطلب الحاجات ويتضرع عندها أو يهتف بأهلها في الشدائد كما كانت تفعله الجاهلية لأولى.
وكان من جملتهم مفتى الحنفية الشيخ عبد الملك القليعي، وحسين المغربي مفتى المالكية، وعقيل بن يحيى العلوي، فبعد ذلك أزلنا جميع ما كان يعبد للتعظيم والاعتقاد فيه ورجاء النفع ودفع الضر بسببه، من جميع البناء على القبور وغيرها حتى لم يبق في البقعة المطهرة طاغوت يعبد، فالحمد الله على ذلك.
стр. 93
الأعمال الإصلاحية لحماة الدعوة السلفية بمكة
ثم رفعت المكوس والرسوم، وكسرت آلات التنباك، ونودي بتحريمه، وأحرقت أماكن الحشاشين والمشهورين بالفجور، ونودي بالمواظبة على الصلاة في الجماعات وعدم التفرق في ذلك بأن يجتمعوا في كل صلاة على إمام واحد يكون ذلك الإمام من أحد المقلدين للأربعة رضوان الله عليهم. واجتمعت الكلمة حينئذ، وعبد الله وحده، وحصلت الألفة، وسقطت الكلفة، وأمر عليهم، واستتب الأمر من
стр. 94
دون سفك دم، ولا هتك عرض، ولا مشقة على أحد والحمد الله رب العالمين.
ثم دفعت لهم الرسائل المؤلفة للشيخ محمد ﵀ في التوحيد، المضمنة للبراهين وتقرير الأدلة على ذلك بالآيات المحكمات والأحاديث المتواترة، مما يثلج الصدور. واختصر من ذلك رسالة مختصرة للعوام تنشر في مجالسهم وتدرس في محافلهم، ويبين لهم العلماء معانيها، ليعرفوا التوحيد فيتمسكوا بعروته الوثيقة، ويتضح لهم الشرك فينفروا عنه وهم بصيرة آمنين.
وكان فيمن حضر مع علماء مكة وشاهد غالب ما صار حسين بن محمد بن الحسين الأبريقى الحضرمي ثم اللحياني، ولم يزل يتردد علينا ويجتمع بسعود وخاصته من أهل المعرفة، وسأل عن مسألة الشفاعة التي جرد السيف بسببها من دون حياء ولا خجل لعدم سابقة جرم له.
стр. 95
المذهب حقيقي للدعوة في الأصول والفروع
فأخبرناه بأنّ مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتنا طريقة السلف التي هي الطريف الأسلم والأعلم والأحكم، خلافاً لمن قال: طريقة الخلف أعلم، وهى إنا نقرأ آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها، ونكل علمها إلى الله مع اعتقاد حقائقها، فإن مالكا، وهو من أجل علماء السلف لما سئل عن الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
ونعتقد أن الخير والشر كله بمشيئة الله تعالى، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد، فإن العبد لا يقدر على خلق أفعاله، بل له كسب رتب عليه الثواب فضلا، والعقاب عدلا، لا يجب على الله لعبده شيء، وأنه يراه المؤمنون في الآخرة بلا كيف ولا إحاطة.
ونحن أيضاً في الفروع على مذهب الإمام أحمد ابن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة دون غيرهم لعدم ضبط مذاهب الغير كالرافضة والزيدية والإمامية ٢ ونحوهم لا نقرهم ظاهراً على شيء من
стр. 96
مذاهبهم الفاسدة ١ بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة.
ولا تستحق مرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد منا يدعيها، إلا أنا في بعض المسائل إذ صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة، أخذنا به وتركنا المذهب كإرث الجد والإخوة، فإنا نقدم الجد بالإرث وإن خالفه مذهب الحنابلة.
ولا نفتش على أحد في مذهبه ولا نعترض عليه إلا إذا اطلعنا على نص جلي مخالف لمذهب أحد الأئمة وكانت المسألة مما يحصل بها شعائر ظاهرة كإمام الصلاة، فنأمر الحنفي والمالكي مثلا بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين والسجدتين لوضوح ذلك، بخلاف
стр. 97
جهر الإمام الشافعي بالبسملة فلا نأمره بالإسرار. وشتان ما بين المسألتين، فإذا قوى الدليل أرشدناهم بالنص وإن خالف المذهب وذلك يكون نادراً جدًّا.
ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، ولا مناقضة لعدم الاجتهاد المطلق وقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة لاختيارات لهم في بعض المسائل مخالفة للمذهب الملتزمين تقليد صاحبه.
стр. 98
المذاهب وكتب التفسير والحديث لدى أصحاب الدعوة
ثم إنا نستعين على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة ومن أجلِّها لدينا تفسير ابن جرير، ومختصره لا بن كثير الشافعي، وكذلك البغوي والبيضاوي والخازن والحداد والجلالين وغيرهم، وعلى فهم الحديث بشرح الأئمة المبرزين كالعسقلاني والقسطلاني على البخاري والنووي على مسلم والمناوي على الجامع الصغير، ونحرص على كتب الحديث خصوصاً الأمهات الست وشروحها، ونعتني بسائر الكتب في سائر الفنون أصولا وفروعاً، وقواعد وسيراً ونحواً وصرفاً وجميع علوم الأمة، ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلا إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك كروض
стр. 99
الرياحين، وما يحصل بسببه خلل في العقائد كعلم المنطق فإنه قد حرمه جمع من العلماء ١ على أنا لا نفحص عن مثل ذلك وكالدلائل ٢ إلا إن تظاهر به صاحبه معاندا أتلف عليه، وما اتفق لبعض البدو من إتلاف بعض كتب أهل الطائف إنما صدر بعض الجهلة وقد زجر هو وغيرهم عن مثل ذلك.
ومما نحن عليه إلا أن نرى سبى العرب ولم نفعله نقاتل غيرهم. ولا نرى قتل النساء والصبيان.
стр. 100
المفتريات القديمة على رجال الدعوة
وأما ما يكذب علينا ستراً للحق، وتلبيساً على الخلق، بأنا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق أفهامنا، من دون مراجعة شرح ولا معول على شيخ، وأنا نضع من رتبة نبينا صلى الله عليه سلم بقولنا: النبي رمة في قبره، وعصاة أحدنا أنفع له منه وليس شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله حتى نزل عليه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ مع كون الآية
стр. 101
مدنية، وأنا لا نعتمد على أقوال العلماء، فتتلف مؤلفات أهل المذاهب لكونها فيها الحق والباطل، وأنا مجسمة، وأنا نكفر الناس على الإطلاق: أهل زماننا ومن بعد الستمائة إلا من هو على ما نحن عليه، ومن فروع ذلك أن لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرر عليه بأنه كان مشركاً، وأن أبوبه مات على الشرك بالله، وأنا ننهى عن الصلاة على النبي ﷺ ، ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقاً، وأن من دان بما نحن عليه سقطت عنه جميع التبعات حتى الديون، وإنا لا نرى حق أهل البيت رضوان الله عليهم، وإنا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم، وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة لتنكح شاباًّ إذا ترافعوا إلينا.
فلا وجه لذلك فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولا وكان جوابنا في كل مسألة من ذلك ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ فمن روى عنا شيئاً من ذلك أو نسبه إلينا فقد كذب عينا وافترى، ومن شاهد حالنا، وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا، علم قطعيا أن جميع ذلك وضعه علينا وافتراه أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيراً للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد الله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نص الله عليه بأن الله لا يغفره ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فإنا نعتقد أن من فعل أنواعاً من الكبائر كقتل المسلم بغير حق، والزنا،
стр. 102
والربا، وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام، ولا يخلد به في دار الانتقام، إذا مات موحداً بجميع أنواع العبادة.
والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي فى قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه، وتسن زيارته إلا أنه لا يشد الرحل إلا الزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق نفيس أوقاته بالاشتغال بالصلاة عليه، ﵊ الواردة عنه فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه كما جاء في الحديث عنه.
ولا ننكر كرامات الأولياء ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية، والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئاً من أنواع العبادات لا حال الحياة، ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم، فقد جاء في الحديث: "دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه" الحديث، وأمر ﷺ وعمر وعلياً بسؤال الاستغفار من أويس ففعلا.
стр. 103
الشفاعة والحلف بغير الله والتوسل له
ونثبت الشفاعة لنبينا محمد ﷺ يوم القيامة حسب ما ورد، وكذا نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسب ما ورد أيضاً، ونسألها من المالك والإذن فيها لمن يشاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها كما ورد، بأن يقول أحدنا متضرعاً إلى الله تعالى: اللهم شفع نبينا محمداً صلى لله عليه وسلم فينا يوم القيامة، أو اللهم اشفع فينا عبادك الصالحين أو ملائكتك، أو نحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم، فلا يقال: يا رسول الله. أويا ولي الله أسالك الشفاعة أو غيرها، كأدركني، أو أغشى، أو اشفني أو انصرني على عدوّي، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى.
فإذا طلبت ذلك مما ذكر في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك إذا لم يرد يذلك نص من كتاب أو سنة ولا أثر من السلف الصالح على ذلك، بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف أن ذلك شرك أكبر قاتل عليه رسول الله ﷺ .
فإن قلت: ما تقول في الحلف بغير الله والتوسل به؟ قلت: ننظر إلى حال المقسم إن قصد به التعظيم كتعظيم الله أو شد كما يقع لبعض غلاة المشركين من أهل زماننا
стр. 104
إذا استحلفه بشيخه: أي معبوده الذي يعتمد في جميع أموره عليه لا يرضى أن يحلف إذا كان كاذباً أو شاكًا، وإذا استحلف بالله فقط رضي- فهو كافر من أقبح المشركين وأجهلهم إجماعاً. وإن لم يقصد التعظيم بل سبق لسانه إليه، فهذا ليس بشرك أكبر، فينهى عنه ويزجر، ويؤمر صاحبه بالاستغفار من تلك الهفوة.
وأما التوسل وهو أن يقول القائل: اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك محمد ﷺ ، أو بحق نبيك، أو بجاه عبادك الصالحين، أو بحق عبدك فلان، فهذا من أقسام البدعة المذمومة، ولم يرد بذلك نص، كرفع الصوت بالصلاة على النبي ﷺ عند الأذان
стр. 105
تكريم أهل البيت والتزاوج معهم
وأما أهل البيت فقد ورد سؤال على الدرعية في مثل ذلك وعن جواز نكاح الفاطمية غير الفاطمي، وكان الجواب عليه ما نصه: أهل البيت رضوان الله عليهم لا شك في طلب حبهم ومودتهم، لما ورد فيه من كتاب وسنة، فيجب حبهم ومودتهم، إلا أن الإسلام ساوى بين الخلق فلا فضل لأحد إلا بالتقوى، ولهم مع ذلك التوقير والتكريم والإجلال، ولسائر العلماء مثل ذلك، كالجلوس في صدر المجالس، والبداية بهم في التكريم، والتقديم في الطريق إلى موضع التكريم، ونحو ذلك إذا تقارب أحدهم مع غيره في
стр. 106
السن أو العلم. وما أعتيد في بعض البلاد من تقديم صغيرهم وجاهلهم على من هو أمثل منه، حتى إنه إذا لم يقل يده كلما صافحه، عاتبه وصارمه، أو ضاربه أو خاصمه، فهذا مما لم يرد به نص، ولا دل عليه دليل، بل منكر تجب إزالته، ولو قبل يد أحدهم لقدوم من سفر، أو لمشيخة علم، أو في بعض أوقات، أو لطول غيبة فلا بأس به، إلا أنه لما ألف في الجاهلية الأخرى أن التقبيل صار علماً لمن يعتقد فيه، أو في أسلافه، أو عادة المتكبرين من غيرهم، نهينا عنه مطلقاً لاسيما لمن ذكر حسما لذرائع الشرك ما أمكن.
وإنما هدمنا بيت السيدة خديجة، وقبة المولد، وبعض الزوايا المنسوبة لبعض الأولياء، حسما لتلك المادة، وتنفيراً عن الإشراك بالله ما أمكن، لعظم شأنه فإنه لا يغفر ١
стр. 107
وهو أقبح من نسبة الولد لله تعالى، إذ الولد كمال في حق المخلوق، وأما الشرك فنقص حتى في حق المخلوق، لقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ١ الآية.
وأما نكاح الفاطمية غير الفاطمي فجائز إجماعاً، بل ولا كراهة في ذلك، وقد زوج عليّ عمر بن الخطاب وكفى بهما قدوة، وتزوجت سكينة بنت الحسين بن على بأربعة ليس فيهم فاطمي، بل ولا هاشمي، ولم يزل عمل السلف على ذلك من دون إنكار. إلا أنا لا نجبر أحداً على تزويج موليته ما لم تطلب هي، ويمتنع من غير الكفء، والعرب أكفاء بعضهم لبعض، فما أعتيد في بعض البلاد من المنع دليل التكبير وطلب التعظيم، وقد يحصل بسبب ذلك فساد كبير، كما ورد ٢، بل يجوز الإنكاح لغير الكفء، وقد تزوج زيد وهو من الموالى زينب أم المؤمنين وهى ٣ قريشية، والمسألة معروفة النقول عند أهل المذهب. انتهى ٤
стр. 108
عذر الجهل والخطأ في شبهة الشرك
فإن الله قائل منفر عن قبول الحق والإدغان له: يلزم من تقريركم وقطعكم في أن من قال: يا رسول الله أسألك الشفاعة- أنه مشرك مهدر الدم- أن يقال بكفر غالب الأمة ولاسيما المتأخرين لتصريح علمائهم المعتبرين أن ذلك مندوب وشنوا الغارة على من خالف في ذلك.
قلت: لا يلزم ذلك ١، لأن لازم المذهب ليس بمذهب كما هو مقرر، ومثل ذلك لا يلزم أن تكون مجسمة، وإن قلنا بجهة العلو، كما ورد الحديث بذلك
стр. 109
الجهل المانع عن التفكير
ونحن نقول فيمن مات ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ١ ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجة، وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبراً معانداً كغالب من نقاتلهم اليوم، يصرون على ذلك الإشراك، ويمتنعون من فعل الواجبان، ويتظاهرون بأفعال الكبائر المحرمات.
стр. 110
وغير الغالب إنما نقاتله لمناصرته لمن هذه حاله، ورضاه به، ولتكثير سواد من ذكر، والتغليب معه، فله حينئذ حكمه في حل قتاله، ونعتذر عمن مضى بأنهم مخطئون معذورون لعدم عصمتهم من الخطأ، والإجماع في ذلك ممنوع قطعيا، ومن شن الغارة فقد غلط ولا بدع أن يغلط فقد غلط من هو خير منه، كمثل عمر بن الخطاب ﵁، فلما نبهته المرأة رجع في مسألة المهر وفي غير ذلك، يعرف ذلك في سيرته، بل غلط الصحابة وهم جمع ١ ونبينا ﷺ بين أظهرهم سار فيهم نوره، فقالوا: اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط.
فإن قلت: هذا فيمن ذهل فلما نبه انتبه، فما القول فيمن حرر الأدلة: واطلع على كلام الأئمة القدوة، واستمر مصرًّا على ذلك حتى مات؟
قلت: ولا مانع أن نعتذر لمن ذكر، ولا نقول إنه كافر، ولا لما تقدم إنه مخطئ ,وإن استمر على خطئه، لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته بلسانه، وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة، ولا وضحت له المحجة، بل الغالب على زمن المؤلفين المذكورين التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأسا، ومن اطلع عليه أعرض عنه قبل أن يتمكن في قبله، ولم تزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن مطلق