قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاَ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ ١.
وعجب أمر بني إسرائيل الذين ما كادوا يفلتون من قبضة فرعون وبطشه واستعباده لهم أنقذهم الله من الشرك والكفر إلى التوحيد والإيمان على يد رسوله ﵇، فإذا هم يريدون استبدال التوحيد بالشرك ويطلبون موسى ﵇ إلهاً حين رأوا قوماً يعبدون الأصنام، ويغيب عنهم موسى بعض الوقت فيتخذون العجل إلهاً، ولما ذهب بهم إلى ميقات ربه ليعتذروا عما حصل منهم، قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، وذلك إِلْفهم الوثنية، وما تأصل في نفوسهم من المكر والخداع، وهو باق فيهم، فهم الذين حرفوا الكتب، وقتلوا الأنبياء والرسل، وهم أهل المكر والخداع قديماً وحديثاً.
стр. 107
المبحث السادس: دعوة عيسى ﵊
وهو عيسى بن مريم ابنت عمران، عبد الله ونبيه ورسوله، أحد أولي العزم من الرسل، آخر الرسل قبل نبينا محمد ﷺ ، وآخر الرسل من بني إسرائيل، وأمه مريم ابنت عمران، عليها وعلى ابنها السلام، كان أبوها عالماً كبيراً، وصاحب صلاة بني إسرائيل، وقدكانت مريم من العابدات١، وقصتها وقصة عيسى ﵇ وولادته ودعوته قد قصها القرآن الكريم في أكثر من موضع٢.
وقد بعثه الله إلى بني إسرائيل بعد أن انحرفوا عن منهج الله تعالى الذي جاء به موسى ﵇ فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وذكر بما جاء به موسى ﵇ من قبله من الهدى والبينات.
وقد اخترت من دعوته ﵇ عدداً من المواقف:
١- بدء دعوته ﵇
ظهرت علامات نبوته ومظاهر فضله ﵇ منذ ولادته، وجرت على يديه منذ صغره معجزات وانتشر خبره في الناس، واختاره الله تعالى
стр. 108
لرسالته، والله أعلم حيث يجعل رسالته١، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة التي اصطفاه الله لحملها، وجاء إلى بني إسرائيل وقد غيروا الشريعة التي جاء بها موسى ﵇، وحرفوا التوراة، فمنهم المكذبون المنكرون للبعث والحساب، ومنهم المنغمسون في لهوهم وملذاتهم المعرضون عن طاعة الله تعالى، فكانوا في أمس الحاجة إلى رسول من الله تعالى يعيدهم إلى جادة الصواب وينقذهم من الضلال والشرك، ويردهم إلى ما تركهم عليه موسى ﵇.
وقد بين عيسى ﵇ لبني إسرائيل دعوته التي جاء بها أول الأمر كما أخبر الله عنه: ﴿وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٢.
بين لهم عيسى ﵇ الذي جاء به، وأهم ذلك توحيد الله إفراده بالعبادة فهو الصراط المستقيم الذي يسير عليه الأنبياء والرسل جميعاً ويدعون الناس إليه، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء
стр. 109
أبناء علاة١، ليس بيني وبينه نبي" ٢.
وقال : ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٣.
واستمر عيسى ﵇ في دعوته لبني إسرائيل، يبين لهم الحق ويدعوهم إليه، ويحذرهم العواقب الوخيمة لما هم عليه من الباطل والضلال إن لم يرجعوا عنه وكانت معارضتهم له على أشدها، وعداؤهم له ولأتباعه كذلك، والله يؤيده بأنواع التأييد من حفظه له ولأتباعه، وإظهار المعجزات التي بهرتهم ووقفوا حائرين عاجزين أمامها، ورأوا أنها لا تصدر من مخلوق من عند نفسه.
قال الله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ
стр. 110
فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وقال جل شأنه: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٢.
ومن المعجزات التي آتاها الله تعالى رسوله عيسى ﵇، ما طلبه أتباعه الحواريون من إنزال المائدة، وقد نصحهم عيسى بأن يعدلوا عن سؤالهم، ولكنهم أصروا على ذلك فسأل الله تعالى ذلك فاستجاب الله تعالى له٣، قال الله : ﴿إذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ
стр. 111
يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ١.
ومع هذه المعجزات العظيمات والآيات البينات فقد أصر قومه على ما هم فيه من الشرك والضلال، فأعلن ﵇ في قومه: من أنصاري إلى الله فاستجاب له الحواريون وهم أنصاره، كما ثبت أن رسول الله ﷺ لما ندب الناس يوم الأحزاب فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير ﵁ فقال النبي ﷺ "لكل نبي حواري، وحواري الزبير" ٢.
قال الله : ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٣.
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ
стр. 112
مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ ١.
وكما فعل عيسى ﵇ فعل نبينا محمد ﷺ حين أصر كفار مكة على ما هم عليه، فقد كان يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج، ويطلب منهم من يقبل دعوته ويؤيده حتى يبلغ رسالة ربه حيث أبتْ قريش ذلك، فأيده الله تعالى بالأنصار ﵃ جميعاً٢.
٢- عقيدة أهل الكتاب في عيسى ﵇:
بين الله أن عيسى بن مريم ﵇ عبد من عباده اصطفاه لرسالته، وأنه كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وقص ذلك وبينه لنبينا محمد ﷺ في القرآن الكريم فقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣.
ومما أمر الله تعالى عبده ورسوله عيسى ﵇ أن يقول لقومه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٤. وهي دعوة الأنبياء
стр. 113
والرسل جميعاً عليهم الصلاة والسلام، ولكنهم كانوا كما قال الله : ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
ولقد ضل في عيسى بن مريم ﵇ طائفتان:
الأولى: اليهود عليهم لعنة الله تعالى عليهم الذين قالوا عنه: إنه ابن زنية، أخزاهم الله تعالى، فهو رسول الله تعالى الطاهر ابن الطاهرة مريم ﵍ التي قال الله تعالى عنها: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ٢. وقال عنهم: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ ٣.
والطائفة الثانية: التي قابلت اليهود في الكفر هم النصارى لعنهم الله تعالى، قالوا عنه: إنه الله تعالى، ومنهم من قال: ابن الله، ومنهم من قال: ثالث ثلاثة: الأب والابن والروح القدس، وقد توعد الله تعالى الطائفتين بقوله سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٤.
стр. 114
وهدى الله أهل الحق والإيمان إلى القول الحق في ذلك فقالوا: هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.
وقد أكذب الله تعالى النصارى وأخبر عن كفرهم بما قالوه في عيسى عليه السلام١، قال : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢.كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
ثم بين سبحانه القول الحق في ذلك فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ
وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل"١.
ونهى ﷺ عن مشابهة النصارى، وحذر من الوقوع مما وقعوا من الغلو في عيسى ﵇، فقال: ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله"٢.
وسيأتي الكلام عن ذلك عند الحديث عن الإطراء والغلو إن شاء الله تعالى.
رفع عيسى ﵇ إلى السماء، وبطلان عقيدة الصلب
بقي عيسى ﵇ دائباً في دعوته، مجاهداً في سبيلها، يلاقي من بني إسرائيل الإعراض والصدود والأذى، مع ما أتاه الله من الحجج والآيات والمعجزات.
بدأ الناس يقبلون على دعوته، وأتباعه وأنصاره المؤمنون بدعوته يزيدون يوماً بعد يوم، وتحرك في نفوس اليهود مكرهم المعهود، وأخذوا يتآمرون على عيسى ﵇ لاستئصال دعوته والقضاء عليها، وعزموا على قتله، كما هو طبعهم وشأنهم مع أنبياء الله تعالى ورسله
стр. 117
عليهم الصلاة والسلام، ﴿فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ ١. ودخلوا عليه وهو ﵇ جالس مع بعض أصحابه ليقتلوه، فألقى الله تعالى شبهه على بعض أصحابه ورفعه إليه وأخذ اليهود ذلك الشاب وقتلوه وصلبوه ظانين أنه عيسى، وضلوا في ذلك ضلالاً بعيداً٢.
قال الله : ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ٣.
وللمفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ أقوال، أرجحها، أن المراد بالوفاة هنا النوم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ ٤. وكما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٥.
стр. 118
وكان رسول الله ﷺ إذا قام من النوم يقول: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" ١.
وهذا يرجح القول بأن المراد بالتوفي النوم على قول من قال: إن الله أماته ساعات ثم أحياه، أو قول من قال: إن الله تعالى أماته ثلاثة أيام ثم أحياه، وغير ذلك من الأقوال٢.
وقد أكذب الله تعالى اليهود في زعمهم قتل عيسى ﵇ فقال سبحانه: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ٣.
فقد فضح الله تعالى كيد اليهود ومكرهم وكذبهم أنهم قتلوا عيسى، أما النصارى فمع كونهم لم يشاهدوا ذلك، فإن عامتهم قد سلموا بذلك، وضلوا فيه ضلالاً مبيناً، وصار الصليب شعار عبادتهم ورمز تعارفهم وتفاخرهم.
نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان:
سبق الكلام عن رفع عيسى ﵇ إلى السماء، وسينزل عليه
стр. 119
السلام في آخر الزمان، ويقيم العدل في الأرض، ويحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ، ويقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويفرض الجزية، كما ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ومنها:
ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" ١. ثم يقول أبو هريرة: واقرؤا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلأَ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ ٢.
وعن ابن عمر ﵄ قال: ذكر رسول الله ﷺ يوماً بين ظهراني الناس المسيح الدجال فقال: "إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية٣، وأراني الله عند الكعبة في المنال رجلاً آدم٤ كأحسن ما يرى من أُدم الرجال، يضرب لمته٥ بين
стр. 120
منكبيه، ورَجْل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعاً يديه على منكبي رجلين، وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: هو المسيح بن مريم، ورأيت رجلاً وراءه قططاً١ أعور العين اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن٢، وضعاً يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال" ٣.
وفي رواية البخاري: "بينما أنا نائم أطوف بالكعبة، وإذا رجل آدم سبط الشعر، يُهَوِّد٤ بين رجلين، ينظف رأسه ماءاً، أو يهرق ماءاً، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا المسيح ابن مريم، فذهبت التفت فإذا رجل أحمر حسيم جعد الرأس، أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، قلت: من هذا؟ قالوا: الدجال، وأقرب الناس به شبهاً ابن قطن" ٥.
وعن النواس بن سمعان ﵁ في حديث طويل عن الدجال وما يكون من أمره، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: "فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق في
стр. 121
مهروذين١، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان٢ كاللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه حيث انتهى طرفه، فيطلبه حيث يدركه بباب لد٣ فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قوماً قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم عن درجاتهم في الجنة" ٤. الحديث.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنتم إذا نزل فيكم عيسى بن مريم وإمامكم منكم" ٥.
وهذه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ تدل صراحة على أن رسول الله عيسى ﵇ سوف ينزل في آخر الزمان، ويقع منه ما أخبر عنه رسول الله ﷺ ، وترد على الذين أنكروا ذلك، وقدموا عقولهم وتأويلاتهم الباطلة على سنة رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
стр. 122
الفصل الثاني: دعوة الرسول محمد ﷺ
المبحث الأول: حالة العرب قبل بعثته ﷺ
...
المبحث الأول: حالة العرب قبل بعثته ﷺ
العرب:
هم ذرية إسماعيل بن إبراهيم ﵉، أسكن إبراهيم ابنه إسماعيل وأمه بمكة وتوجه إلى ربه قائلا: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ ١.
وكان نزوله بإسماعيل وأمه إلى مكة وتركهما فيها بأمر ربه، روى البخاري ﵀ عن ابن عباس ﵄ قال: "أول ما اتخذ النساء المنطق٢ من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفى أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند درجة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها مار، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قضى إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذا
стр. 123
لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي ... إلى قوله: ﴿يَشْكُرُونَ﴾ ١.
وكانت ولاية البيت في بني إسماعيل من بعده حتى انتزعتها قبيلة جرهم، ثم انتزعتها منهم خزاعة، ثم عادت إلى قصي وبنيه حتى بعث رسول الله ﷺ .
وبقي بنوا إسماعيل من بعده على دين إسماعيل وإبراهيم ﵉ زمنا، ثم بدأ الشرك يدب فيهم حينما خرج بعضهم من مكة وقد ضاقت بهم، فكان من أراد أن يسافر أخذ معه حجرا من الحرم تعظيما له، فأينما نزل وضعه وطاف به ثم خلف من بعدهم خلوف تمادى بهم الغلو فعبدوا هذه الحجارة وغيرها، حتى جاء عمرو الخزاعي٢ فكان أول من جاء بالأصنام إلى مكة سواء منها ما جاء به من البلقاء أو التي كانت من عهد قوم نوح، فكان – أخزاه الله – أول من نصب الأوثان وغير دين إسماعيل وأول من سيب السوائب٣. كما أخبر عنه رسول الله ﷺ في بعض
стр. 124
أحاديثه فقال: "رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا ورأيت عمرا يجر قصبه وهو أول من سيب السوائب" ١.
وفي حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب ".
فانتشرت عبادة الأصنام والأوثان في جزيرة العرب وعادت تلك الأصنام التي كانت في عهد قوم نوح مرة أخرى وظهرت في جزيرة العرب وعبدت من دون الله تعالى كما سبق أن ذكرنا ما أخرجه الإمام البخاري ﵀ في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد: أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم بني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم ... الحديث"٢.
ولم تقتصر عبادة الأصنام في الجزيرة على هذه المذكورة في حديث ابن عباس ﵄، بل ظهرت أصنام كثيرة وصارت عبادتها مسيطرة عليهم لا يرون الاستغناء عنها في حضر أو سفر، مع اعترافهم بوجود الله
стр. 125
تعالى ولكنهم كانوا يقولون كما قال الله تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١ وكانوا كما سلف ذكره يحملون حجارة الحرم إذا سافروا خارجه، وأكثر من ذلك ما ورد في صحيح الإمام البخاري ﵀ عن رجاء العطاردي قال: "كنا في الجاهلية إذا لن نجد حجرا جمعنا حثية من التراب وجئنا بالشاة فحلبناها عليه ثم طفنا بها "٢.
ودخلت عبادتها في كل دار، فجعلت لها صنما تعبده مع عبادة أصنامهم الكبيرة المشهورة، قال ابن إسحاق: "واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه، فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به حين يركب، فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا قدم من سفره تمسح به فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله "٣.
وكانوا إذا أهلّوا بالتلبية قالوا: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، فأشركوا مع الله غيره، فدعوا أصنامهم معه سبحانه، وجعلوا ملكها بيده.
قال السهيلي: "وكانت التلبية من عهد إبراهيم: لبيك لا شريك لك لبيك حتى كان عمرو بن لحي، فبينما هو يلبي تمثل له الشيطان في صورة
стр. 126
شيخ يلبي معه، فقال عمرو: لبيك لا شريك لك، فقال الشيخ: إلا شريكا هو لك، فأنكر ذلك عمرو، وقال: وما هذا؟ فقال الشيخ قل: تملكه وما ملك، فإنه لا بأس بهذا، فقالها عمرو، فدانت بها العرب"١.
وقد كان الرسول ﷺ يكره هذه التلبية وينكرها قبل أن يبعث، فقد أخرج الإمام مسلم ﵀ في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: "كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، فيقول رسول الله ﷺ : "ويلكم قدٍ قدٍ"٢، فيقولون: إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت "٣.
قال ابن إسحاق: "واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات، وفيهم مع ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها، من تعظيم البيت، والطواف به، والحج والعمرة، والوقوف على عرفة والمزدلفة وهدي البدن، والإهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه، فكانت كنانة وقريش إذا أهلّوا قالوا: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك"فيوحدونه بالتلبية، ثم يدخلون معه أصنامهم، ويجعلون ملكها بيده، يقول الله ﵎ لمحمد ﷺ : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ
стр. 127
وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ١ أي ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا من خلقي٢.
وقد بلغت عبادة الأصنام في جزيرة العرب مبلغا لم تبلغه من قبل، فأصنام خاصة وأصنام عامة وأحجار وأشجار وبيوت بل أدخلوها داخل الكعبة وعلقوها عليها وحولها، ومنها هبل الذي كان على صورة إنسان من ذهب داخل الكعبة أمامه القداح وأساف ونائلة وغيرها كثير.
قال ابن الكلبي في كتاب الأصنام: "واستهترت٣ العرب في عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتا، ومنهم من اتخذ صنما، ومن لم يقدر عليه، ولا على بناء بيت نصب حجرا أمام الحرم، وأمام غيره مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت، وسموها الأنصاب، فإذا كانت تماثيل دعوها الأصنام والأوثان، وسموا طوافهم الدوار، فكان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربا، وجعل ثلاثا أثافي لقدره، وإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك، فكانوا ينحرون ويذبحون عندها ويتقربون إليها وهم مع ذلك عارفون بفضل
стр. 128
الكعبة عليها يحجونها ويعتمرون إليها "١.
وأكثر ما كان عليه المشركون قبل بعثة الرسول ﵊ وفي مبعثه دعوى الشريك لله تعالى والولد، ولذلك جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تنزه الله تعالى عن هذين الشركين، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٢.
وكقوله سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ ٣ وسورة الإخلاص وآيات كثيرة أخرى في كتاب الله تعالى٤.
ولم يقتصر الشرك في جزيرة العرب على الأصنام المشار إليها، وإن كانت هي الكثرة الغالبة عليهم، بل وجدت بينهم ديانات وعبادات أخرى من أشهرها: الصائبة، وهم عبدة الكواكب والنجوم، ولكل جماعة أو قبيلة منهم كوكب يعبدونه ويتقربون إليه ويعتقدون أنها تنفعهم تضرهم.
ومنها ما دب إليها من بلاد الفرس من عبادة المجوس واعتقاد في النار وعبادة لها وأكثر ما كانت في قبيلة تميم، ومعها كذلك تسربت الزندقة
стр. 129
التي اعتنقها الدهريون الملحدون الذين لا يقرون بإله١ وهم كما قال الله تعالىعنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ٢.
ومنها المسيحية وقد دخلت على الجزيرة من بعض البلاد المجاورة من بلاد الشام والعراق ومن الحبشة إلى اليمن، ثم انتشرت في بعض نواحي الجزيرة ومنها طيء ودومة الجندل ونجران وغيرها، وقد بقيت في نجران حتى بعد بعثة رسول الله ﷺ حيث وفدوا عليه وفرض عليهم الجزية حيث لم يسلموا.
أخرج الإمام البخاري ﵀ في صحيحه عن حذيفة ﵁ قال: "جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه٣ قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعننا
стр. 130
لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا، فقال: "لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين"، فاستشرف له أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح"، فلما قام قال رسول الله ﷺ : "هذا أمين هذه الأمة" ١.
ومنها: اليهودية التي وجدت في شمال الجزيرة في يثرب وخيبر ووادي القرى وفي جنوب الجزيرة في اليمن، ولكن على الرغم من وجود اليهود وتعايشهم مع العرب واشتغالهم بأنواع كثيرة من الحرف، فإن اليهودية لم تنتشر في العرب، ولعل من أسباب ذلك عدم اهتمامهم بنشر عقيدتهم، واعتقادهم أنهم شعب الله المختار كما يزعمون، واحتقارهم للعرب، وانشغالهم بجمع الأموال واحتكار الأعمال.
وقد هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة وبها ثلاث قبائل منهم وهم بنو قينقاع، وبنو قريظة وبنو النظير وقد عاهدهم رسول الله ﷺ أول ما قدم المدينة، ولكنهم نكثوا وغدروا كما هي سجيتهم، فكانت نهايتهم القتل أو الجلاء، حتى كان آخر جلائهم في خلافة عمر ﵁.
ومع هذا الخليط من العقائد والديانات والوثنيات التي انتشرت في جزيرة العرب، مع هذا كله كانت جماعة من الناس قد نبذت هذا كله، ولم يكن له قبول عندها فترفعوا عما كان عليه المشركون والكفار من الكفر والضلال، وتمسكوا ببقايا من دين إبراهيم عليه السلام٢، وقد
стр. 131
اجتمع عدد منهم وتشاوروا فيما عليه قومهم من الباطل وما الذي يجب عليهم للحفاظ على أنفسهم، فتفرق بعضهم في البلاد التماسا للحق، وهي الحنفية ملة إبراهيم، ولهذا فقد سمي هؤلاء بالحنفاء، والمتحنفين، وكان منهم من تنصر وكان عنده قسط كبير من علم أهل الكتاب، مثل ورقة بن نوفل، ابن عم خديجة بنت خويلد زوج النبي ﷺ ، الذي طمأنها بما نزل على الرسول ﷺ ، وكان يتمنى أن يبقى ألى مبعثه ليناصره ويؤازره، وكان يستبطئ مبعثه ويقول: حتى متى؟
ومنهم زيد بن عمرو بن نفيل الذي بقي على ما هو عليه مما بقي من الحنفية ملة إبراهيم، وخرج إلى بلاد الشام والعراق يبحث فيها عن دين إبراهيم ثم عاد إلى مكة وكان يلوم قومه على ما يفعلونه من عبادة الأصنام والأوثان ومما قال في ذلك:
أربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور
عزلت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها ... ولا صنمي بني عمرو أزور
ولا هبلا أدين وكان ربا ... لنا في الدهر إذا حلمي يسير
عجبت وفي الليالي معجبات ... وفي الأيام يعرفها البصير
بأن الله قد أفنى رجالا ... كثيرا كان شأنهم الفجور
وأبقى آخرين ببر قوم ... فيربل منهم الطفل الصفير
стр. 132
وبينا المرء يفتر ثاب يوما ... كما يتروح الغصن المطير
ولكن أعبد الرحمن ربي ... ليغفر ذنبي الرب الغفور
فتقوى الله ربكم احفظوها ... متى ما تحفوظوها لا تبوروا
ترى الأبرار دراهم جنان ... وللكفار حامية سعير
وخزي في الحياة الدنيا وإن يموتوا ... يلاقوا ماتضيق به الصدور١
وأخرج الإمام البخاري ﵀ في صحيحه عن عبد الملك بن عمر ﵁: "أن النبي ﷺ لقي زيد بن عمر بن نفيل بأسفل بلدح٢ قبل أن ينزل عليه الوحي، فقُدِّمت إلى النبي ﷺ سفرة٣ فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم٤، ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه، وإن زيد بن عمرو يعيب على قريش ذبائحهم تذبحها على غير اسم الله، إنكارا لذلك وإعظاما له "٥.
стр. 133
ومن هؤلاء قس بن ساعدة بن عمرو بن عدي بن مالك الأيادي، الذي كان يخبر عن قرب بعثة رسول الله ﷺ ورآه الرسول ﷺ قبل البعثة وهو يخطب في سوق عكاظ١ يعظ الناس ويذكرهم، ويبشرهم ببعثته محمد ﷺ ، وكان أحد حكماء العرب وخطبائهم، أول من خطب متوكئا على سيف أو عصا، وأول من قال أما بعد.
стр. 134
المبحث الثاني: بعثة الرسول ﷺ
كانت الحال وقت بعثته ﷺ امتدادا لتلك الحال التي كانت تعيشها جزيرة العرب ومن حولها، والتي أشرت إليها في المبحث السابق، بل زادت على ذلك حيث استحكم الشر وتغلغل الشرك والضلال وسرى الفساد، فوثنية جائرة ظالمة تتخذ الأحجار والأشجار آلهة مع الله، تدعوها وتحتكم إليها وتتقرب لها، ودهرية زنادقة لا يعرفون غير شهواتهم وأهوائهم، لا يؤمنون بشيء غير ما يرونه في هذه الحياة الدنيا، ومسيحية ضالة تقول على الله ما لم يقله أحد، وتتخذ رهبانها أربابا من دون الله تعالى، ويهودية ماكرة، مخادعة لا تعرف غير الغدر والخيانة، والاستغراق في جمع المادة من أي طريق وبأي وسيلة تتعالى على الناس وتحتقرهم، وعباد كواكب يعتقدون فيها التأثير في الكون، وجلب النفع ودفع الضر.
وغير هذا من الشرك والكفر التي بلغ غايته ومنتهاه والناس مشتتون ممزقون بين هذه الأهواء والضلالات، كل حزب بما لديهم فرحون.
وإلى جانب هذا الضلال المبين ذلك الانحراف والفساد الخلقي والاجتماعي من القتل والنهب والسلب وارتكاب الفواحش والمنكرات وشرب الخمور ووأد البنات وغير ذلك من الفساد الذي استحقوا به مقت الله وغضبه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "اعلم أن الله سبحانه بعث محمدا ﷺ إلى الخلق على فترة من الرسل، وقد مقت١
стр. 135
أهل الأرض عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب ماتوا أو أكثرهم قبيل مبعثه، والناس إذ ذاك أحد رجلين: إما كتابي معتصم بكتاب إما مبدل وإما منسوخ، ودين دارس، بعضه مجهول، وبعضه متروك، وإما أمي من عربي وعجمي، مقبل على عبادة ما استحسنه، وظن أنه ينفعه: من نجم أو وثن أو قبر أو تمثال أو غير ذلك، والناس في جاهلية جهلاء، من مقالات يظنونها علما وهي جهل، وأعمال يحسبونها صلاحا وهي فساد، وغاية البارع منهم علما عملا، أن يحصل قليلا من العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين قد اشتبه عليهم حقه بباطله١.
وأخرج الإمام مسلم ﵀ في صحيحه بسنده عن عياض بن حمار المجاشعي: أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته وذكرها وفيها: "وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليكم كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا" ٢ ثم ذكر بقية الخطبة.
ولقد كانت تلك الفترة التي سبقت بعثة محمد ﷺ فترة اختلطت فيها العقائد والأهواء والتبس الدين الحق على الناس، فتاهوا في الضلال وغرقوا في بحور الجهل، وبلغت مشاكل الناس حدا عجزت أماه كل الثقافات والعادات والأعراف عن حلها، وأصبحوا في أمس الحاجة إلى من ينقذهم
стр. 136
من هذا الهلاك الذي يحبط بهم ويأخذ بأيديهم إلى سبيل النجاة بعد ما أخذ منهم الباطل كل مأخذ، فأينما يممت وجدت الضلال والجهل ضارباً أطنابه، والناس سكارى يتخبطون في ذلك الظلام الحالك، الذي خيم عليهم، فهم أحوج ما يكونون إلى نور يهتدون به إلى السبيل القديم الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور.
وهذه سنة الله في خلقه إذ يسبق الفرج استحكام الضيق والكرب، ويسبق النور حلكة الظلام، ويسبق النصر شدة تبلغ بالقلوب الحناجر، وكلما اشتد الأول كان للثاني قوته ووقعه وقيمته، وبينما الناس يتجرعون هذا كله، إذ الفرج والنور والنصر يطل عليهم ببعثة محمد ﷺ .
قال الشيخ محمد خليل هراس:"وبينما البشر على حالتهم هذه قد غرقوا في بحر لجي من الظلمات المتراكمة إذا بالنور المحمدي يشرق من مكة فيملأ الكون هدى وضياءً، سطع نور خاتم الرسل والأنبياء ﷺ لينقذ البشر من هذا الجحيم الذي أججوه لأنفسهم ثم ألفوا العذاب فيه، ويقيهم من التردي في مجاهل الانحطاط البشري البهيمي، ويرشدهم إلى السبيل السوي للحياة يهديهم سبل السلام بإذن الله تعالى ويوضح لهم أسباب السعادة كاملة دنيا وأخرى "١.
وشب رسول الله ﷺ وعاش عمره ما قبل الأربعين في قومه مشهورا بينهم بالصدق والأمانة، لم يصبه شيء من دنس الجاهلية التي كان يغرق
стр. 137
فيها قومه، وأولها الإشراك بالله تعالى، ثم تزوج بتلك المرأة المشهورة بمكانتها وعفافها – خديجة بنت خويلد – ﵂، فكانت له نعم المعاون والنصير١.
وقبيل الأربعين من عمره زاد انتشار خبر بعثته وصارت حديث علماء أهل الكتاب، فيما يجدونه في كتبهم، وكثير من العرب الذين يسمعون ذلك منهم، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ ٢ ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٣ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ﴾ ٤.
كما أخذ الله الميثاق على النبيين من قبله إن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه، وأن يأخذوا هذا الميثاق على أممهم، قال تعالى:
стр. 138
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١.
قال ابن عباس ﵄: "ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهي حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق، لئن بعث الله محمدا وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه "٢.
فيتضح مما سبق أن البشارة بمحمد ﷺ كانت على ألسنة الأنبياء والرسل جميع، وقد كان من دعاء خليل الله إبراهيم وابنه إسماعيل ﵉ كما قص الله ذلك في القرآن الكريم فقال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣ وكانت بعثته ﷺ حين بلغ من العمر أربعين سنة، وكان أول ما بدئ من ذلك الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء والبعد عن الناس، فكان يذهب إلى غار حراء خارج مكة وينقطع فيه الأيام والليالي يعبد الله على دين إبراهيم، ثم يعود إلى زوجه خديجة ويتزود لمدة أخرى ويعود إلى خلوته، حتى كان
стр. 139
ذلك اليوم الذي أشرق فيه النور وبزع فجر الحق على العالمين، وهم في تلك الظلمة الحالكة والحيرة المتناهي، فجاءه رسول الله إلى أنبيائه ورسله، أمين الملائكة، جبريل ﵇ مرسل من ربه إلى محمد ﷺ ليلقى عليه أول أنوار هذه الرسالة التي بها نجاة الناس وفلاحهم وسعادتهم.
ولنسمع كيف تصف عائشة ﵂ بدء نزول الوحي عليه ﷺ فيما أخرجه الإمام البخاري ﵀ بسنده عنها ﵂ أنها قالت: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي، الرؤيا الصادقة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه – وهو التعبد – الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: "اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ١ فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال: "زملوني"٢، فزملوه حتى
стр. 140
ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: - وأخبرها الخبر- "لقد خشيت على نفسي"، فقالت خديجة: "كلا، والله لا يخزيك الله أبدا- إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق"، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني١، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى، ياليتني فيها حذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : "أو مخرجي هم؟ " فقال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا" ٢.
стр. 141
المبحث الثالث: بدء دعوته ﷺ
بعد نزول الوحي عليه ﷺ بدأت شمس الهداية تسطع على البشرية تضيء لها الطريق إلى ربها، فمنهم من هدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة، وقد جاء الأمر للرسول ﷺ ليبدأ هذه المسيرة العظيمة التي سار فيها الأنبياء والمرسلون من قبله عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، وكلهم كانوا لأممهم خاصة، أما محمد ﷺ فقد جاء للناس جميعا كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ١، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعا﴾ ٢، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣، وقال ﵊: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" ٤.
وجاء الأمر له من ربه : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ ٥.
فبدأ ﵊ دعوته سرا يفضيها إلى من يثق في قناعته وتصديقه وقبوله لهذا الدين، فسبق إليها أولئك السابقون الذين أكرمهم
стр. 142
الله بالإيمان بهذه الرسالة، وأولهم أبو بكر الصديق، وخديجة زوجه ﷺ وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة، وبلال وغيرهم من السابقين ﵃ أجمعين، وكان رسول الله ﷺ يعلمهم الإسلام أول ما يعلمهم نبذ عبادة غير الله وإخلاص العبادة لله وحده، وفي سرية من قريش لئلا يفتنوهم عن دينه، وبدأ هذا النور يسري وسط ذلك الظلام الدامس الذي يحيط به من كل جانب.
قال ابن إسحاق: "ثم تتام الوحي إلى رسول الله ﷺ ، وهو مؤمن بالله مصدق بما جاء منه، قد قبله بقبوله، وتحمل منه ما حمله على رضا العباد وسخطهم، والنبوة أثقال ومؤنة، لا يحملها ولا يستطيع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله تعالى وتوفيقه، لما يلقون من الناس، وما يرد عليهم مما جاءوا به عن الله ، فمضى رسول الله ﷺ على أمر الله، على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى "١
أ- دعوة الرسول ﷺ في مكة إلى التوحيد وموقف المشركين منها:
تقدم الكلام عن دعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأنها متفقة جميعا في الدعوة إلى التوحيد، بل كان أول ما دعوا إليه أممهم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢.
стр. 143
وبعث الله نبيه ورسوله محمدا ﷺ خاتما للنبيين وجعل رسالته خاتمة الرسالات، فكانت الدعوة إلى التوحيد أول أمرها وأعظم مقصودها ومفتاح الدخول إليها، وعنيت به أعظم عناية، فكانت حياته ﷺ كلها دعوة إلى التوحيد وجهادا في سبيله حتى بنى تلك القاعدة المتينة الراسخة من أصحابه رض الله عنهم في مكة قبل هجرته إلى المدينة ثم في المدينة بعد الهجرة، فآمنوا بها بصدق وحملوها بجد وتلقوا كل التكاليف بعد ذلك وهم في غاية الامتثال والخضوع والمحبة والطاعة لله ورسوله ﷺ ، وبذلوا أموالهم وأنفسهم رخيصة في سبيل الله حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، وبلغت هذه الدعوة أرجاء المعمورة، وشهد التاريخ منهم ما لم يشهده من قبل ولن يشهده من بعد، وأتت تلك الدعوة التي أسسها رسول الله ﷺ في خلال الفترة المكية ثمارها اليانعة في المدينة، فجنى المؤمنون ثمارها إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وسأذكر فيما يلي نبذة عن دعوته ﵊ في مكة وطبيعة هذه الدعوة وموقف المشركين منها.
وقد سبق الكلام بالتفصيل عما كانت عليه الحال في جزيرة العرب قبل بعثته ﷺ وتاريخ الشرك فيها، وأن جزيرة العرب وبما فيها قريش التي كانت لها ولاية البيت وضيافة الحجيج، كانت فيها صور شتى من الشرك من عبادة الأصنام والأوثان من أشجار وأحجار وعبادة الكواكب والنار، وديانة يهودية ونصرانية، مع وجود بقايا للحنفية ملة إبراهيم ﵇، وإن كانت الأصنام والأوثان تحتل المقام الأول عندهم، إلا أن جميع هذه
стр. 144
الأصناف كانت موجودة، وما لم يكن منها موجودا في قريش فقد كان موجودا عند غيرهم من العرب.
طبيعة الدعوة إلى التوحيد في العهد المكي:
أشرت في المبحث السابق إلى الحالة التي كان عليها المجتمع المكي خاصة والعربي عامة قبيل بعثته ﷺ ووقته، وما كان من ألوان الشرك المختلفة، وصلت بالبشرية وقتئذ إلى دركات الضلال والفساد حتى مقتها الله تعالى، كما ثبت عنه ﷺ إنه قال في إحدى خطبه: "وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظانا" ١.
وفي هذا الوسط المخيف، والمجتمع المتخبط في دياجير الظلم سطع نور الهداية للبشرية ببعثته محمد ﵊، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال والحيرة إلى الهدى والرشاد، وبدأ رسول الله ﷺ يفضي بهذا الأمر ويدعو إليه من يثق به ويتوسم فيه القبول، فآمن به نفر كان لهم فضل السبق، وأولهم أبو بكر الصديق ﵁، وعلي بن أبي طالب ﵁، وخديجة بنت خويلد، وزيد بن حارثة ﵃ أجمعين، وسارت دعوة التوحيد هذا المسار مدة ثلاثة سنوات وآمن عدد من الناس من مختلف الطبقات ولكن أكثرهم من
стр. 145
الضعفاء والرقيق، والقرآن ينزل على رسول الله ﷺ مبينا هذه الدعوة داعيا الناس إليها ومحذرا لهم من مخالفتها.
الجهر بالدعوة:
ثم بعد ذلك جاء الأمر لرسول الله ﷺ بإعلان هذه الدعوة لجميع الناس كما قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ٢ فأعلنها على الناس ودعاهم إلى عبادة الله وحده وحذرهم من عذاب الله إن هم أعرضوا، كما أورد ذلك الإمام مسلم ﵀ في صحيحه في عدة روايات منها:
ما رواه بسنده عن عائشة ﵂ قالت: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ قام رسول الله ﷺ على الصفا فقال: "يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم" ٣.
ما رواه بسنده عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ : "يا معشر قريش اشتروا أنفسكم