← Акыда

Акыда · id 11167

حماية الرسول صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد

محمد بن عبد الله زربان الغامدي

Полный текст (377 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ما هم عليه من عبادة الكواكب من دون الله تعالى١. وهذه مهارة ودهاء وحكمة منه ﵇، إذ جعلهم بأنفسهم يقيمون الحجة على أنفسهم، ووضع أيديهم على مواطن الضعف منهم، وظهر لهم في موقف الباحث لئلا ينفروا منه، حتى أبطل حججهم، وأظهر باطلهم، وبعد ذلك أعلن لهم عقيدته الحقة، وبراءته منهم ومن شركهم، وولاءه وتوحيده لله تعالى وحده لا شريك له، وثقته به سبحانه، وعدم خوفه مما يشركون، وأن الخوف لهم وفيهم لشركهم بالله تعالى وعبادتهم غيره، وهذه القوة في الحجة والبلاغة في البرهان نعمة وفضل تفضل الله به خليله إبراهيم عليه السلام٢. وفي هذه الآيات وعد بالأمن والهداية من الله تعالى لنبيه إبراهيم ﵇ ولكل موحد، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ، وقد بين الرسول ﷺ المقصود بالظلم في الآية، حين شق ذلك على أصحابه ﵃ وقالوا لرسول الله ﷺ : وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : "ليس بالذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح:

стр. 72

﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ إنما هو الشرك"١. وقصة إبراهيم ﵇ مع عباد الكوكب، زعم بعض المؤرخين أنها وقعت حين خرج من السرب وكان صغيراً، وممن ذكر ذلك ابن إسحاق. وذلك غير صحيح مصدره أخبار إسرائيلية، والصحيح أن ذلك كان في دعوته ومناظرته لأهل حران عباد الكواكب. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب لأهل حران فإنهم كانوا يعبدونها، وهذا يرد على من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب لما كان صغيراً، كما ذكره ابن إسحاق وغيره، وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها، ولاسيما إذا خالفت الحق، وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام، وهم الذين ناظرهم في عبادتها، وكسرها عليهم، وأهانها وبين بطلانها"٢. ومن أساليبه ﵇ في دعوته قومه: ب) بيان عجز آلهتهم وضعفها: بين ﵇ ضعف آلهتهم وعجزها، وأنها جمادات لا تملك لنفسها ولا لغيرها نفعاً ولا ضراً، وعزز ذلك بالدليل المادي على ذلك إذ كسرها وعلق الفأس في رقبة كبيرها، فلم تستطع دفع الضرر عن نفسها، قال الله

стр. 73

سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ ١. وقال جل شأنه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَتَاللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا

стр. 74

يَنْطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ ١. وفي هذا الموقف أقام إبراهيم ﵇ الحجة بالغة على قومه، وقدم لهم الدليل الحسي المادي على بطلان عبادتهم لهذه الأصنام، وكيف أنها عجزت عن دفع الضر عن نفسها، فكيف يطمعون أن تدفع عنهم ضراً، أو تجلب لهم نفعاً، ويصرفون لها العبادة من دون الله ﵎ الذي يملك النفع والضر وحده لا شريك له، فهو المستحق للعبادة دون سواه. ولكنهم مع ذلك كله أبوا إلا المكابرة والإصرار على الباطل رغم وضوح الحجة وظهور البرهان، وانكشاف بطلان عبادتهم، واستحكم الجهل في نفوسهم، وسيطر التعصب للباطل على عقولهم، وقررا الانتقام من إبراهيم ﵇ بإحراقه ولكن الله تعالى نجاه من كيدهم

стр. 75

ومكرهم، وأكرمه، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، وخذل أعداءه وأهلكهم بما ظلموا. ٣- موقفه ﵇ مع مدعي الربوبية: ذكر المفسرون أن مدعي الربوبية هذا هو النمرود بن كنعان، ملك بابل، ونقل ذلك مجاهد وغيره١، وقد دارت بينه وبين إبراهيم ﵇ مناظرة انتهت بهزيمة عدو الله، الذي ظن أنه بقتله رجلاً وعفوه عن آخر قد تحتم قتلهما، ظن ذلك الجاهل أنه يحيي ويميت، ولكن إبراهيم ﵇ وقد آتاه الله قوة الحجة، أفحمه من أول وهلة، إذ طلب منه ما دام أنه يدعي الربوبية أن يأتي بالشمس من المغرب بدلاً من المشرق، فالرب لابد أن يكون قادراً على التصرف كيف شاء، ولكن ذلك الكافر المكابر عجز وبهت، كما قال الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢. وهكذا شأن الطغاة يظنون أنهم بتلبيسهم على بعض عوام الناس وجهلتهم قادرون على تحقيق مقاصدهم الشيطانية، وأطماعهم الفاسدة، كما فعل فرعون مع قومه، وكما هو شأن الطغاة في كل زمان ومكان،

стр. 76

ولكنه ما إن تشرق شمس الحق ونوره، يتبدد ظلام باطلهم، وينهزم كبرياؤهم، وتدحض حجتهم ويفضح الله أمرهم١. بعض الدروس والعبر من دعوة خليل الله إبراهيم ﵇: الدروس والعبر من دعوة إبراهيم ﵇ كثيرة أكتفي بذكر بعضها: - الصبر العظيم: وقد كان هذا أعظم زاد تزود به إبراهيم ﵇، وأقوى سلاح تسلح به، حتى كان من أولي العزم من الرسل، فمع عناد قومه وإيذائهم له وردهم لدعوته ومحاربتهم لها، وفي مقدمتهم أبوه، وكانت العداوة منهم جميعاً لإبراهيم ﵇ على كافة مستوياتهم، ولم يؤمن به أحد منهم، فصبر وصابر وجاهد، وأخبر الله تعالى عنه أنه أمة، قال : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢. - قوة الحجة: وهي نعمة عظيمة تفضل الله بها عليه، فكان كثير ما يناظر قومه فيظهره الله عليهم، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ

стр. 77

نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ١. وهذه النعمة يؤتيها الله ويمتن بها على أنبيائه وأتباعهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. - تنوع أساليب الدعوة وطرقها في دعوته: وهذا ظاهر في دعوته ﵇، فتارة بالاستدراج، كما فعل مع عباد الكواكب، وتارة بإقامة الأدلة الحسية على بطلان عبادتهم لغير الله، كما فعل بأصنامهم حين كسرها وعلق الفأس في رقبة كبيرهم، وأحياناً بالمناظرة كما فعل بالذي ادعى الربوبية، ومرة بإظهار الشفقة والخوف عليهم من العذاب كما فعل مع أبيه. وهذا التنويع مطلوب في الدعوة إلى الله تعالى حتى تصل إلى قلوب الناس، والدعاة محتاجون إلى هذه الأساليب لاختلاف أفهام الناس ومداركهم. - الولاء والبراء في دعوته ﵇: فقد كان إبراهيم في دعوته لهم وتنوعه أساليب هذه الدعوة، يظهر لهم في كل موقف أن ولاءه لله وحده لا شريك له وخوفه منه وحده، وبراءته منهم ومما هم عليه من الشرك والضلال، حتى جعل الله ذلك أسوة للمؤمنين من هذه الأمة: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ

стр. 78

إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ١. وسبق الكلام عن ذلك عند الحديث عن دعوته أباه. وجاءت الآيات في أكثر من سورة تبرئ إبراهيم من الشرك، وتشهد له بالتوحيد، وهذا أول ما يجب أن يتحلى به كل داعية أن يعلن ولاءه لله تعالى، وبراءته من كل ما سواه، وهو كذلك أول ما يجب أن يتحلى به كل مسلم كما قال الله تعالى لرسوله محمدصلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢.

стр. 79

المبحث الخامس: دعوة موسى ﵊ وهو نبي الله ورسوله موسى ﵊ ابن عمران بن لاهب بن عازر بن لاوي بن يعقوب ﵇، قال الحافظ في الفتح: لا اختلاف في نسبه١. وهو أحد أولي العزم من الرسل، كليم الله ورسوله إلى بني إسرائيل، بعثه الله وقد طغى فرعون واستكبر في الأرض بغير الحق، وبلغ شره البلاد والعباد ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢. والطائفة المذكورة في الآية هم بنوا إسرائيل، وقد بلغ فرعون من الفساد والإلحاد والطغيان مبلغاً فاق به كل كفر وإلحاد، فقد ادعى الربوبية والألوهية على قومه، وأنه لا إله غيره، كما أخبر الله تعالى عنه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٣.

стр. 80

وقال جل شأنه: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ ١.وقال مهدداً لرسول الله موسى ﵇: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ ٢. فدعاه موسى ﵇ إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وشد الله أزر موسى بأخيه هارون ﵇ وأناط بهما دعوة بني إسرائيل وتخليصهم من عبودية فرعون وجبروته واستذلاله لهم، رغم ما بذله فرعون لصد هذه الدعوة والقضاء عليها منذ أن أخبره الكهان والمنجمون عن أمر موسى، ولكن الله تعالى غالب على أمره، وناصر رسله وأتباعهم، نصر موسى وهارون وأهلك فرعون وجنوده، وأورث بني إسرائيل الأرض من بعدهم: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ٣. وقد ذكر الله تعالى قصة موسى ودعوته في مواضع كثيرة من كتابه الكريم٤.

стр. 81

والحديث عن موسى ﵇ ودعوته طويل والمواقف فيه كثيرة، أكتفي بذكر أهمها: ١- تكليم الله تعالى له وبدء الرسالة: بعد أن قضى موسى الأجل الذي اتفق عليه مع صاحب مدين، وكان ﵇ قد قضى أتم الأجلين وأكملهما، كما ورد عن سعيد بن جبير ﵀ قال: "سألني يهودي من أهل الحيرة، أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس فقال: "قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل"١. بعد ذلك سار موسى ﵇ بأهله في ليلة مظلمة مطيرة باردة، وتاهوا عن الطريق المألوف، وفي تلك الحال رأى ناراً عن بعد، في جانب جبل الطور، فأمر أهله بالمكوث وذهب يلتمس خبر النار، فلما وصل كان وعد الله في ذلك المكان، وسمع النداء الإلهي من الشجرة، وأراه ربه من الآيات والمعجزات ماشاء سبحانه، وحصلت له أمور عظيمة في تلك البقعة، وهي: كلام الله له، وجعله رسولاً، وإظهار المعجزات على يديه٢. قال الله عز ووجل: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ

стр. 82

أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ ٢. وقال جل شأنه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ

стр. 83

يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ ١. وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ ٢. فقد بينت الآيات السابقة ما حصل لموسى ﵇ بعد خروجه بأهله من مدين إلى مصر، وما رأى من آيات ربه تعالى إعداداً له تهيئة لحمل الرسالة، وما سيلاقيه في سبيلها. وفي فهم هذه الآيات زلت أقدام أقوام وانحرفت أفهامهم عن الطريق المستقيم في فهم كتاب الله تعالى، فزعموا أن الله تعالى خلق الكلام في الشجرة، وسمع ذلك موسى من الشجرة، لا أن الله سبحانه هو المتكلم فعلاً٣.

стр. 84

وهذا من الضلال المبين في فهم كتاب الله تعالى، ومن تقديم العقول العاجزة القاصرة عليه، إذ لم يفهموا معنى النداء، وأنه الكلام من بُعْد، كما لم يفهموا معنى قوله تعالى: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ فأنت حين تقول: سمعت كلام فلان من البيت، ليس معنى ذلك أن البيت هو المتكلم. وكذلك ضلوا عن فهم ما بعد ذلك، فلو كان الأمر كما زعموا أن الكلام مخلوق في الشجرة، فمن الذي يقول: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ؟ هل تقول ذلك الشجرة؟ وهل تقول: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ؟. وعلى فهمهم ففرعون لم يكن مخطئاً حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ وهذا من فساد العقول وانحراف الأفهام، نعوذ بالله من ذلك. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأما إطلاق القول بأن الله لم يكلم موسى، فهذه مناقضة لنص القرآن، فهو أعظم من القول بأن القرآن

стр. 85

مخلوق، وهذا بلا ريب يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فإنه أنكر نص القرآن، وبذلك أفتى الأئمة والسلف في مثله، والذي يقول: القرآن مخلوق هو في المعنى موافق له، فلذلك كفره السلف"١. الموقف الثاني: بدء دعوة موسى ﵇ ما تقدم ذكره مما حصل لموسى ﵇ من آيات ربه سبحانه وكلامه له، كان تهيأة للمهمة العظيمة التي اختاره الله تعالى لها، وإشعاراً بالرسالة التي اصطفاه الله لحملها، وعدة له في دعوته فرعون وملأه. قد أدرك ﵇ ثقل هذه المسئولية، وجسامة العبء، وشكى ذلك لربه سبحانه مع ما سلف منه من قتل القبطي، إضافة إلى ما يشعر به من عدم فصاحة اللسان ومشيراً إلى فصافحة أخيه هارون، فأوحى إليه ربه بأنه معه وناصره في دعوته ومؤيده في مسيرته. ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآياتِنَا

стр. 86

بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ١. هذه الآيات البينات تحكي قصة دعوة موسى، منذ بدايتها ووعد الله له بالتأييد، ثم ما واجهه من فرعون من الطغيان والتكبر، فقد أعلن ادعاه للربوبية معارضاً به دعوة موسى ﵇ ومستنكراً لها، ومتهماً أنها سحر مختلق من عند موسى، ثم كيف كانت نهايته وعاقبة تكذيبه لهذه الدعوة. وتكبره على رسول الله موسى ﵇ واستخفافه بأمور الله، وله يوم القيامة عذاب وخزي فوق ذلك٢. وكان موسى ﵇ قد بدأه بتذكيره بعظمة الخالق سبحانه، مستدلاً ومذكراً لهم ببعض هذه الآيات التي يشاهدونها، وأن الذي أوجدها هو الإله الحق المستحق للعبادة وحده.

стр. 87

الموقف الثالث: مناظرة موسى لفرعون وقد قص الله تعالى في القرآن في أكثر من موضع مناظرة موسى ﵇ لفرعون، وكيف كان فرعون يلجأ فيها إلى المكابرة والتهديد بالقوة والبطش، وهذه حيلة العاجز عن المناظرة. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ قَالَ كَلاَ فَاذْهَبَا بِآياتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ قَالَ

стр. 88

لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ ١. لقد كانت هزيمة فرعون في هذه المناظرة من أول الوهلة، ولكنه كان يسترها بتجاهله لموسى ﵇، والامتنان عليه بما قام به من الإنفاق عليه يوم كان رضيعاً وطفلاً، وتذكير موسى بقتله الرجل القبطي، ثم بتجاهله ربوبية الله ، وإعلانه أنه هو الرب، وتهديد إن اتخذ إلهاً غيره، وتأييد بطانة السوء له في كل ما يقول. كل ذلك كان من فرعون تغطية لهزيمته التي أحس بها أمام موسى ﵇، وهو في قرارة نفسه يعلم أن الله تعالى هو الإله الحق، وهو رب العالمين سبحانه، كما بين الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢. وكما ذكره موسى ﵇ بذلك بقوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلأ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ٣.

стр. 89

ثم كان من عجزه أن التجأ إلى بطانة السوء من حوله يستشيرهم في أمر موسى بعد أن أعلن لهم أنه ساحر، فأشاروا عليه بجمع السحرة، وكانت نتيجتها حجة أخرى على فرعون، وهزيمة لم يكن يتوقعها١. وهذه حالة كثير من الطغاة الذين يقفون أنفسهم على عداوة دعوة الله تعالى، وإيذاء حملتها، يلصقون بهم التهم، ويبررون لأنفسهم كل أنواع الانتقام منهم والاتهام لهم، وبطانة السوء تزين ذلك لهم، وتعينهم على الإثم والعدوان. الموقف الرابع: إسلام السحرة اتهم فرعون موسى ﵇ بالسحر، واستشار ملأه في ذلك فأشاروا عليه بجمع السحرة من أنحاء البلاد، وكان السحرة منتشراً فيها، ثم التقوا بموسى ﵇ في جمع مشهود، وفرعون يعدهم ويمنيهم، وموسى ﵇ يعظمهم وينصحهم: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ ٢. ولكنهم لم يستجيبوا، فقد ركبهم ما ركب فرعون من الطغيان. وتقابل الفريقان، وألقى السحرة ما عندهم من باطل، وألقى موسى عصاه بأمر ربه تعالى له، فإذا هي كما قال : ﴿تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ ،

стр. 90

وحين رأى السحرة ذلك علموا يقيناً أن ذلك ليس من صنع البشر ولا من صنع موسى، وإنما هو من الله وحده، عندها أعلنوا إسلامهم لله تعالى وتوحيدهم له وحده لا شريك له، وإيمانهم به، وإذا هم ينتقلون هذه النقلة الكبيرة العظيمة من عبودية فرعون لا إلى عبودية موسى، ولكن إلى عبادة رب موسى سبحانه الذي رأوا آياته تجري على يد موسى ﵇، وأعلنوا ذلك على فرعون ومن معه بعد أن خروا ساجدين لله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ ١. وجن جنون فرعون، إذ جاءته الهزيمة من حيث أراد النصر، وقبل أن يتهدد ويتوعد يعلن السحرة تحديهم لذلك وثباتهم أمامه. قال ابن عباس وعبيد بن عمير: "كانوا أول النهار سحرة، وآخره شهداء بررة"٢. قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَاناً سُوَىً قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى

стр. 91

قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ ١. لقد كان هذا أول انتصار لدعوة التوحيد التي جاء بها موسى ﵇، وأول هزيمة لشرك فرعون وكفره أمام ملائه، وعلى مرأى

стр. 92

ومسمع كثير من الناس الذين جمعهم لشهود هذه المناظرة التي كان جازماً أنها لصالحه، وكان يتمنى لو أن ما فعله السحرة تم بإذنه، أو بعيداً عن أعين الناس، كما يفهم ذلك من قوله: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ . ثم اتهم السحرة بالاتفاق مع موسى ﵇ على ما حدث، وهو أمر مرفوض، إذ لم يكن موسى على معرفة ولا صلة بهم، إنما هذه التهم من فرعون حين أسقط في يده بإسلام السحرة، فمرة يعتب عليهم أنهم آمنوا قبل إذنه، ومرة يتهمهم بتآمرهم مع موسى ﵇، ثم يرجع إلى تهديده ووعيده، كل ذلك ليخفف على نفسه وقع الهزيمة المرة، ووقع المصيبة العظيمة، كما هو شأن الطغاة، إذا تكشف باطلهم وانفضح طغيانهم١. وكان إيمان السحرة مدعاة لافتضاح فرعون، لأنهم كانوا علماء لهم مكانتهم، فكان لإيمانهم ضجة كبرى، أحدثت في حاشية فرعون هزة عنيفة، وزلزالاً كبيراً ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ ٢، ٣.

стр. 93

ولكن العبرة ليست بالكثرة أو القلة، بل باتباع الحق، فأتباع الحق هم الأكثرون ولو كانوا قليلي العدد، وهم الجماعة ولو كان واحداً١. الموقف الخامس: موقف ملأ فرعون من دعوة موسى ﵇ ملأ فرعون هم بطانته وأعوانه وكبراء قومه الذين يعيشون حوله، يزينون له الباطل ويحببونه إليه، ويظهرون له الحق في صورة الباطل ويكرهونه إليه، ويتفانون في سبيل ذلك، خشية أن يكشف الحق باطلهم وكذبهم، لأنهم يعيشون على حساب غيرهم، ويعلمون أنهم لا بقاء لهم إلا مع بقاء الباطل، وهم في كل زمان ومكان، ومع كل رسول ونبي وداع ومصلح هم حجر عثرة في سبيل دعوة التوحيد سلاحهم الكذب والنفاق والوشاية بأهل الحق، والتحريض عليهم وتلفيق التهم حولهم٢. وملأ فرعون من أشد هؤلاء فتنة، وأعظمهم شراً، وباختصار اذكر بعض مواقفهم من دعوة التوحيد التي جاء بها موسى ﵇: ١- الاستهزاء والسخرية بموسى ودعوته: وكان ذلك منذ بداية الدعوة حين قابلوا هذه الدعوة بالاستهزاء والازدراء بموسى، وكانوا ينفخون ذلك في فرعون، الذي كان يعتز بهم ويفاخر ويشاورهم في أمر موسى ودعوته. قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَلَمَّا جَاءَهُمْ

стр. 94

بِآياتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ﴾ ١. فلقد كان لهؤلاء الملأ الدور الأول في وصول فرعون إلى ما وصل إليه من الطغيان والضلال، ولذلك ترى أنه لا يذكر فرعون إلا معه ذكر الملأ غالباً، لكثرة ملاحقتهم وملازمتهم له. ٢- هم السبب في جمع السحرة حين شاورهم فرعون ظناً منهم أن في ذلك القضاء على موسى ودعوته، لكن الله غالب على أمره، فقد جاءهم عكس ما أرادوا وخططوا، إذ آمن السحرة على مشهد من الناس الذين اجتمعوا لذلك، وهذا ما لم يكن لفرعون وملائه في حسبان. ٣- لم يكفهم ما كان من جمع السحرة وهزيمتهم في ذلك حين أعلن السحرة إسلامهم، بل بالغوا في عداوة موسى ﵇ ودعوته

стр. 95

خوفاً على أنفسهم وطمعاً في مآربهم الدنيئة، فاستعدوا فرعون واستفزوه بأسلوب يعلمون تأثيره عليه، وهو زوال ملكه وسلطانه. قال الله جل شأنه: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ ١. لكن موسى تسلح بسلاح لا يغلب وأوصى قومه بذلك: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٢. الموقف السادس: مؤمن آل فرعون كان من نصر الله لموسى ﵇ أن بعث له ناصراً من داخل أسرة فرعون، آمن به ولكنه كان يكتم إيمانه عن فرعون وملائه، وقد كان له موقف عظيم تجلى فيه النصح الخالص والحرص على موسى، والحكمة البالغة في وعظ فرعون وملائه، وبدأهم بقوله على وجه المشاورة لهم: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٣. ثم تدرج في وعظهم يجمع لهم بين الترغيب والترهيب، ويخوفهم بزوال

стр. 96

ملكهم الذي هو أغلى ما يحرصون عليه، ويبين لهم أنه يدعوهم إلى النجاة والسعادة، بينما هم يدعونه إلى الشرك والكفر والهلاك، ويذكرهم بمن سبقهم من الأمم وكيف كان مصيرها١. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ ٢ إلى آخر الآيات. الموقف السابع: نهاية فرعون وقومه اشتد أذى فرعون وقومه لموسى ومن معه، وكان موسى يقابل ذلك بالصبر، ويوصي أتباعه بذلك، وبالتوكل على الله وحده، وأمرهم بوحي من الله تعالى أن يجعلوا بيوتهم قبلة، لتكون معروفة بينهم، وليتمكنوا من الصلاة فيها إذا اشتد عليهم الأذى. ثم أمره ربه تعالى بأن يسير ببني إسرائيل، فاشتد غيظ فرعون فتبعهم بقومه، فأدركهم قرب ساحل البحر، وكاد أتباع موسى ﵇ أن ييأسوا حين رأوا البحر أمامهم والجبال تحيط بهم وفرعون وقومه يطلبونهم، وقالوا لموسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ولكن موسى ذكرهم بالتوكل على

стр. 97

الله تعالى وأنه معه سبحانه، وبوحي من الله تعالى ضرب موسى بعصاه البحر، فانفلق وجعل الله تعالى لهم طريقاً يبساً في البحر فسلكوه حتى دخلوا جميعاً، فانطبق عليهم بعد أن خرج موسى ومن معه، ولما رأى فرعون ذلك أدرك تمام الإدراك أنها لهلاك المبين نزل به وبمن معه، فأعلن ما كان يجحده من توحيد الله والاعتراف له بالربوبية والألوهية، وأعلن توبته بعد فوات الأوان، ولم تقبل، وأخرج الله جسده ليكون عبرة وعظة، ووردت قصة هلاكه وقومه في أكثر من موضع من القرآن الكريم: ﴿وجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرائيلَ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ

стр. 98

فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ١. وبهذه النهاية والأليمة تنتهي حياة أكبر طاغوت نشأ على الأرض، وهي نهاية كل طغاة أعداء الرسل ودعوتهم إلى توحيد الله تعالى وعبادته وحده لا شريك له، ثم يوم القيامة يكون حال فرعون كما أخبر الله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ ٢. فنهاية أليمة في الدنيا وخزي عظيم يوم القيامة، نعوذ بالله من ذلك. الموقف الثامن: بنوا إسرائيل بعد خروجهم من البحر: بعد خروج بني إسرائيل من البحر ونجاتهم من فرعون وجنوده، وهلاك فرعون ومن معه بالغرق، وقد رأى بنو إسرائيل من آيات الله ﵎ ما يكفي لترسيخ الإيمان وعقيدة التوحيد في قلوبهم، وما بذله موسى ﵇ من أجل ذلك، مع هذا كله ما أن تجاوزوا البحر، ورأوا قوماً لهم أصنام يعبدونها، يزعمون أنها تنفع وتضر حتى طلبوا من

стр. 99

موسى ﵇ أن يجعل لهم إلهاً كما لأولئك آلهة، ولكن موسى رد عليهم بوصفهم بالجهل، وأي جهل أعظم من جهل من يتخذ آلهة من دون الله يزعم فيها النفع والضر من دون الله تعالى، وهكذا لا ييأس الشيطان من فتنة العبد عن دينه، فقد يجد الشيطان بعض النفوس الضعيفة، يحقق من خلالها أهدافه وآماله التي عاهد الله تعالى على تحقيقها، ولكن وجود الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يفوت على الشيطان مراده، ويحمي الناس من خطر الشرك وأهله١. قال الله سبحانه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٢. وشبيه بهذا الموقف ذلك الموقف من أصحاب نبينا محمد ﷺ وهم في طريقهم إلى حنين وكانوا حدثاء عهد بكفر، فرأوا سدرة للمشركين يعلقون بها أسلحتهم يسمونها ذات أنواط، فطلبوا من رسول الله ﷺ أن يجعل لهم مثلها، فذكَّرهم وشبه قولهم بقول بني إسرائيل لموسى.

стр. 100

كما روى أبو واقد الليثي١ ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أتواط، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ لتركبن سنن من قبلكم" ٢. وسيأتي الكلام عن ذلك إن شاء الله عند الحديث عن دعوة نبينا محمد ﷺ . الموقف التاسع: سؤال موسى رؤية ربه تعالى لما كلم الله تعالى رسوله موسى ﵇ تطلعت نفسه أن يرى ربه سبحانه، فسأل الله تعالى ذلك، ولما كان موسى لا يطيق تحمل ذلك، أمره ربه ﵎ أن ينظر إلى الجبل، فسوف يتجلى الله تعالى للجبل، فإن بقي الجبل وثبت فلعل موسى ﵇ يثبت لذلك، وإن لم يثبت مع كبره وقوته، فموسى من باب أولى، فما أن تجلى الله للجبل حتى اندك على أوله، فلما رأى موسى ذلك لم يطق تحمله فخر مغشياً عليه،

стр. 101

فلما أفاق أعلن توبته لربه تعالى معترفاً بضعفه وعجزه١. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢. وقد فهم بعض المتكلمين من هذه الآية نفي رؤية المؤمنين لربهم في الدنيا والآخرة، وأن معنى قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يدل على ذلك، ومن هؤلاء الجهمية والمعتزلة٣. وهذا تحريف لكلام الله ، وتأويل له بالباطل، والحق أن رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة ثابتة بالآيات الظاهرة والأحاديث المتواترة، قال الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٤. وقال سبحانه مخبراً عن حال الكفار يوم القيامة: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٥. وقال

стр. 102

جل شأنه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ١. والحسنى هي الجنة، والزيادة هي رؤيتهم ربهم ، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ فيما رواه صهيب ﵁ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله تعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتجنبنا النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم، وهي الزيادة"٢. ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ . وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أن ناساً قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال:"هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟ " قالوا: لا، قال: "إنكم ترون ربكم كذلك" ٣. وعن جرير ﵁ قال: كنا جلوساً عند النبي ﷺ إذ نظر رسول الله ﷺ إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" ٤.

стр. 103

فهذه الأحاديث تدل دلالة لا تقبل الشك على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وهذا من عظيم نعمة الله على عباده المؤمنين يوم القيامة. أما ما استدل به من نفى الرؤية من قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ فغير صحيح، فالله تعالى قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ولم يقل لا أرى، أو لا تجوز رؤيتي، ثم لو كانت الرؤية غير ممكنة لما سألها موسى ﵇، وهو العالم بربه سبحانه، ولذلك لم ينكر عليه ربه سبحانه سؤاله، ولو كان باطلاً لأنكر عليه كما أنكر على نوح ﵇ سؤاله في ابنه، وإنما بيَّن لموسى ﵇ عدم قدرته على تحمل رؤيته تعالى في الدنيا، وعلق الرؤية بالجبل الذي لم يتحمل ذلك مع قوته، فكيف بموسى وهو البشر الضعيف أمام ربه تعالى، وإذا كانت الرؤية تجوز للجماد فهي للإنسان المؤمن أولى. و"لن" لا تدل على تأبيد النفي في الدنيا والآخرة، فإن الله قال عن الكفار ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ ١، ثم قال عنهم في الآخرة: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ٢. قال ابن مالك: ومن رأى النفي بلن مؤبداً ... فقوله أردد وسواه فاعضدا٣

стр. 104

الموقف العاشر: بنو إسرائيل وعبادة العجل لما ذهب موسى ﵇ لميقات ربه سبحانه، استغل السامري غيبة موسى ﵇ وجهل بني إسرائيل، وإِلْفَهم الوثنية أيام فرعون، فصنع لهم من حلي القبط الذي استعاره منهم هيكلاً على صورة العجل١، إذا مرت الريح من داخله أحدثت صوتاً يشبه خوار العجل، وقال لهم: إن هذا هو إله موسى نسيه هنا وذهب يبحث عنه في الطور، وبين لهم هارون أن ذلك كذب مفترى من السامري ليضلهم عن طريق التوحيد الذي جاء به موسى ﵇، ولكنهم أصروا على قبول ما جاء به السامري واستمرارهم على ذلك حتى يرجع موسى، وأخبر الله رسوله موسى بما فعل قومه من بعده، فرجع إليهم غاضباً آسفاً لما وقعوا فيه من الشرك بالله تعالى، الذي كان ينهاهم عنه ويحذرهم منه، وعوقب السامري بأن لا يمسه أحد ولا يمس أحداً في الدنيا. قال الله : ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ

стр. 105

أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَبذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. وقال جل شأنه: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي

стр. 106

قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاَ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ ١. وعجب أمر بني إسرائيل الذين ما كادوا يفلتون من قبضة فرعون وبطشه واستعباده لهم أنقذهم الله من الشرك والكفر إلى التوحيد والإيمان على يد رسوله ﵇، فإذا هم يريدون استبدال التوحيد بالشرك ويطلبون موسى ﵇ إلهاً حين رأوا قوماً يعبدون الأصنام، ويغيب عنهم موسى بعض الوقت فيتخذون العجل إلهاً، ولما ذهب بهم إلى ميقات ربه ليعتذروا عما حصل منهم، قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، وذلك إِلْفهم الوثنية، وما تأصل في نفوسهم من المكر والخداع، وهو باق فيهم، فهم الذين حرفوا الكتب، وقتلوا الأنبياء والرسل، وهم أهل المكر والخداع قديماً وحديثاً.

стр. 107

المبحث السادس: دعوة عيسى ﵊ وهو عيسى بن مريم ابنت عمران، عبد الله ونبيه ورسوله، أحد أولي العزم من الرسل، آخر الرسل قبل نبينا محمد ﷺ ، وآخر الرسل من بني إسرائيل، وأمه مريم ابنت عمران، عليها وعلى ابنها السلام، كان أبوها عالماً كبيراً، وصاحب صلاة بني إسرائيل، وقدكانت مريم من العابدات١، وقصتها وقصة عيسى ﵇ وولادته ودعوته قد قصها القرآن الكريم في أكثر من موضع٢. وقد بعثه الله إلى بني إسرائيل بعد أن انحرفوا عن منهج الله تعالى الذي جاء به موسى ﵇ فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وذكر بما جاء به موسى ﵇ من قبله من الهدى والبينات. وقد اخترت من دعوته ﵇ عدداً من المواقف: ١- بدء دعوته ﵇ ظهرت علامات نبوته ومظاهر فضله ﵇ منذ ولادته، وجرت على يديه منذ صغره معجزات وانتشر خبره في الناس، واختاره الله تعالى

стр. 108

لرسالته، والله أعلم حيث يجعل رسالته١، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة التي اصطفاه الله لحملها، وجاء إلى بني إسرائيل وقد غيروا الشريعة التي جاء بها موسى ﵇، وحرفوا التوراة، فمنهم المكذبون المنكرون للبعث والحساب، ومنهم المنغمسون في لهوهم وملذاتهم المعرضون عن طاعة الله تعالى، فكانوا في أمس الحاجة إلى رسول من الله تعالى يعيدهم إلى جادة الصواب وينقذهم من الضلال والشرك، ويردهم إلى ما تركهم عليه موسى ﵇. وقد بين عيسى ﵇ لبني إسرائيل دعوته التي جاء بها أول الأمر كما أخبر الله عنه: ﴿وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٢. بين لهم عيسى ﵇ الذي جاء به، وأهم ذلك توحيد الله إفراده بالعبادة فهو الصراط المستقيم الذي يسير عليه الأنبياء والرسل جميعاً ويدعون الناس إليه، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء

стр. 109

أبناء علاة١، ليس بيني وبينه نبي" ٢. وقال : ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٣. واستمر عيسى ﵇ في دعوته لبني إسرائيل، يبين لهم الحق ويدعوهم إليه، ويحذرهم العواقب الوخيمة لما هم عليه من الباطل والضلال إن لم يرجعوا عنه وكانت معارضتهم له على أشدها، وعداؤهم له ولأتباعه كذلك، والله يؤيده بأنواع التأييد من حفظه له ولأتباعه، وإظهار المعجزات التي بهرتهم ووقفوا حائرين عاجزين أمامها، ورأوا أنها لا تصدر من مخلوق من عند نفسه. قال الله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ

стр. 110

فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١. وقال جل شأنه: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٢. ومن المعجزات التي آتاها الله تعالى رسوله عيسى ﵇، ما طلبه أتباعه الحواريون من إنزال المائدة، وقد نصحهم عيسى بأن يعدلوا عن سؤالهم، ولكنهم أصروا على ذلك فسأل الله تعالى ذلك فاستجاب الله تعالى له٣، قال الله : ﴿إذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ
следующие страницы →