← Акыда

Акыда · id 11167

حماية الرسول صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد

محمد بن عبد الله زربان الغامدي

Полный текст (377 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لما رجع من عزوة تبوك وهم بالحج ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك، وإنهم يطوفون بالبيت عراة، فكره مخالطتهم، وبعث أبا بكر الصديق ﵁ أميرا على الحج تلك السنة، ليقيم للناس مناسكهم، ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا وأن ينادي في الناس ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فلما قفل أتبعه بعلي بن أبي طالب ليكون مبلغا عن رسول الله ﷺ لكونه عصبة له "١. وأعلن ذلك أبو بكر الصديق ﵁ في المشركين، ثم تبعه علي ﵁ وأعلن على الناس في منى ما نزل من آيات علىرسول الله ﷺ وهو قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٢ وآيات أخرى بعدها. أخرج البخاري ﵀ بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: "بعثني أبو بكر في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد بن

стр. 177

عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله ﷺ بعلي بأبي طالب وأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي يوم النحر في أهل مني ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان"١. وبهذا أعلنت البراءة من المشركين في ذلك اليوم العظيم والموقف العظيم وانكسرت شوكة الشرك والمشركين وارتفعت كلمة التوحيد ورايته، وانفتح الطريق لهذه الدعوة لتصل إلى الناس تخرجهم من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، واستقرت في نفوسهم هذه الدعوة وهذا الدين، وتهيأت النفوس لقبول ذلك إيمانا وطاعة لله ﵎ واتباعاً لرسوله محمد ﷺ ، وهذا هو الطريق القويم للدعوة الذي ينبغي لدعاة الإسلام أن يسلكوه في دعوتهم للناس، وهي دعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وإمامهم نبينا محمدصلى الله عليه وسلم الذي قال له ربه : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢. "إن الدعوة إلى التوحيد الخالص أساس كل إصلاح، فمن واجب دعاة الإصلاح أن يجاهدوا في تقويم العقائد، فإن العقائد السليمة مصدر كل خير، والعقائد الزائفة منشأ كل شر"٣

стр. 178

وهكذا كانت دعوته ﷺ إلى التوحيد في المدينة جهادا متواصلا باللسان والسنان، دعوة إلى هذه العقيدة ونشرا لها ودفاعا عنها وحماية لها، حتى انتشرت في أرجاء الجزيرة فعلا صوت التوحيد واختفى صوت الشرك ودخل الناس في دين الله أفواجا، ووقف رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ حماة لهذه الدعوة وهذه العقيدة ورسول الله ﷺ يبين لهم فضل الله عليهم بنعمة التوحيد وما للموحدين من عظيم الأجر ورفيع الدرجات عند ربهم، ويبين لهم خطر الشرك ويحذرهم منه ويسد كل طريق يوصل إليه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.

стр. 179

المبحث الرابع: التوحيد أول واجب على العبد التوحيد أول ما يجب على العبد معرفته والإقرار به، وأول ما فرضه على عباده، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه﴾ ٢. وقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا إلا إله إلا الله وإني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" ٣. وقوله ﵊ لما بعث معاذا إلى اليمن: "إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ... " ٤ إلى آخر الحديث.

стр. 180

والأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم كان التوحيد أو ما دعوا إليه أممهم التي أرسلهم الله إليها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ . وقص الله علينا في القرآن الكريم دعوتهم فكان أول ما قالوا لأممهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . فهو مفتاح دعوة الناس إلى ربهم، كما سبقت الأدلة على ذلك. وهو قبل ذلك الفطرة المستقرة في النفوس في الأصل، والانحراف أمر طارئ بسبب ما يقع فيه الناس من زيغ وضلال يفسد فطرتهم، عما فطروا عليه، والرسل عليهم الصلاة والسلام إنما جاءوا ليعيدوا الناس إلى ما فطرهم الله عليه من توحيده سبحانه كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ١. وكما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.

стр. 181

وفي الحديث: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ١. وفي الحديث الآخر: "خلقت عبادي حنفاء فأخذتهم الشياطين فاجتالتهم" ٢ الحديث. قال صاحب معارج القبول: "أول واجب فرضه الله على العبيد معرفة الرحمن، أي معرفتهم إياه بالتوحيد التي خلقهم له، وأخذ عليهم الميثاق به، ثم فطرهم شاهدين مقرين به، ثم أرسل به رسله إليهم، وأنزل به كتبه عليهم"٣. وقال ابن قيم الجوزية ﵀: "ولما تغيرت فطر الناس بعث الله الرسل بصلاحها وردها إلى حالتها التي خلقت عليها، فمن استجاب لهم رجع إلى الأصل، ومن لم يستجب لهم استمر على تغيير الفطرة وفسادها٤". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: "وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد الخليدي في كتابه: "شرح اعتقاد أهل السنة" لأبي علي الحسين بن أحد الطبري، وهذا لعله ممن أدرك أحمد وغيره، قال الخليدي في معرفة

стр. 182

الله: "وهي أول الفرض الذي لا يسع المسلم جهله، ولا تنفعه الطاعة – وإن أتى بجميع طاعة أهل الدنيا – ما لم تكن معه معرفة وتقوى، فالمسلم إذا نظر في مخلوقات الله تعالى، وما خلق من عجائبه، مثل دوران الليل والنهار، والشمس والقمر، وتفكر في نفسه، وفي مبدئه ومنتهاه فتزيد معرفته بذلك، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ١. ثم يقول: "وقال شيخ الإسلام الأنصاري: في أول "اعتقاد أهل السنة وما وقع عليه إجماع أهل الحق من الأمة ": أول ما يجب على العبد معرفة الله، لحديث معاذ لما قال له النبي ﷺ : "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله – سبحانه – فأخبرهم أن افترض عليهم" الحديث رواه مسلم هكذا ورواه البخاري٢. قال: فاعلم أن معرفة الله والإيمان به إنما يجب ويسمع، ويلزم بالبلاغ ويحصل بالتعريف. ثم قال بعد ذلك قلت: قد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قيل له: بماذا عرفت ربك؟ فقال: من طلب دينه بالقياس، لم يزل دهره في التباس، ضاعنا في الاعوجاج، زائغا عن المنهاج أعرفه بما عرف نفسه، وأصفه بما وصفه به نفسه"٣ اهـ

стр. 183

ومعرفة الله التي سلف ذكرها المقصود بها توحيده أول ما يجب على العبد كما علم من الأدلة السابقة. ولا شك أن هذه الفطرة مستقرة في النفوس وما يطرأ عليها مما يحدثه شياطين الجن والإنس هو الذي يزيغ بها عن جادة الحق، ومهما بلغ الإنسان في الطغيان والكفر والعناد تبقى هذه الفطرة لا يستطيع القضاء عليها مهما كابر في ذلك، وتظل دلائلها تظهر وهو يشعر أو لا يشعر، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١ وفرعون أعظم طاغية في البشر أنكر وجود الله، ودعا الناس إلى عبادته، وهدد موسى ﵇ أن اتخذ إلها غيره، قال له موسى ﵇ كما قص الله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ ٢. ثم قال وهو في أحضان الموج وقد أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣.

стр. 184

والفطرة هي الإسلام، فطر الله عليه عباده، وأرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب لإزالة ما ران عليها من الباطل وتقويم ما اعوج، وحمايتها من كل فساد وانحراف، إذ الانحراف طارئ على الناسن حين تفسد فطرتهم التي فطرهم الله عليها١. قال رسول الله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " ٢. ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ٣. وتفسير الفطرة بالإسلام هو المعروف عند عامة السلف ﵃، لما تقدم وغيره من الأدلة الكثيرة على ذلك من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . قال أبو هريرة: "الفطرة الإسلام" وكذلك قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة وأحمد وابن عبد البر وغيرهم٤.

стр. 185

ومع وضوح هذه الأدلة من الكتاب والسنة، وما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين لهم بإحسان خلف من بعدهم خلف منهم من أعرض عن نصوص الكتاب والسنة وحكم عقله، ومنهم من علمها وأولها تأويلا باطلا ناتجا عن الفهم المعوج المخالف لفهم سلف هذه الأمة. ونتيجة لذلك فقد اختلفت أقوالهم وآراؤهم في أول واجب على المكلف اختلافا كبيرا، وأطالوا الكلام فيه. فمنهم من قال: أول واجب على المكلف المعرفة. ومنهم من قال: أول واجب النظر. ومنهم من قال: القصد إلى النظر. ومنهم من حاول الجمع بين ذلك فقال: أول واجب خطابا ومقصودا: المعرفة، وأول واجب اشتغالا وأداء: القصد إلى النظر. وأشهر من اختلف في هذه المسألة: الأشاعرة والمعتزلة، وأصلها من المعتزلة كما نقل عن أبي جعفر السنماني – وهو من كبار الأشاعرة – قوله: إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة، وقد خاض في هذه المسألة خلق كثير، وفرعوا عليها بعض المسائل، وأطالوا في الكلام عنها، وخرج بعضهم عن الصواب فقال: أول واجب على العبد الشك والعياذ بالله. قال الحافظ ابن حجر- ﵀ – في الفتح: "وأفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك، وببعضهم إلى الإلحاد، وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن

стр. 186

نصوص الشارع وتطلبهم حقائق الأمور من غيره، وليس في قوة العقل ما يدرك ما في نصوص الشارع من الحكم التي استأثر بها، وقد رجع كثير من أئمتهم عن طريقهم حتى جاء عن إمام الحرمين أنه قال: "ركبت البحر الأعظم وغصت في كل شيء نهى عنه أهل العلم في طلب الحق فرارا من التقليد، والآن فقد رجعت واعتقدت مذهب السلف " ... هذا كلامه أو معناه وعنه أنه قال عند موته: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلوا عرفت أنه يبلغ بي ما بلغت ما تشاغلت به.. إلى أن قال القرطبي: ولو لم يكن في الكلام إلا مسألتان هما من مبادئه لكان حقيقا بالذم: إحداهما: قول بعضهم: إن أول واجب الشك، إذ هو اللازم عن وجوب النظر، أو القصد إلى النظر، وإليه أشار الإمام بقوله: ركبت البحر. ثانيهما: قول جماعة منهم: أن من لم يعرف الله بالطرق التي رتبوها، والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه، حتى لقد أورد على بعضهم إن هذا يلزم منه تكفير أبيك وأسلافك، وجيرانك، فقال: لا تشنع علي بكثرة أهل النار، وقد رد بعض من لم يقل بهما على من قال بهما بطريق من الرد النظري وهو خطأ منه، فإن القائل بالمسألتين كافر شرعا، لجعله الشك في الله واجبا، ومعظم المسلمين كفار حتى يدخل في عموم كلامه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وهذا معلوم الفساد من الدين بالضرورة وإلا فلا يوجد في الشرعيات ضروري.

стр. 187

وختم القرطبي كلامه بالاعتذار عن إطالة النفس في هذا الموضع لما شاع بين الناس من هذه البدعة، حتى اغتر بها كثير من الأغمار، فوجب بذل النصيحة والله يهدي من يشاء "١. والحق الذي دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة – كما سلف – أن أول واجب على المكلف التوحيد ومفتاحه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهو الذي فهمه سلف الأمة رضوان الله عليهم والذين اتبعوهم بإحسان الذين رزقهم الله الفهم الصحيح والفقه في الدين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ في تعليقه على كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري: "الصواب ما ذكره المحققون من أهل العلم أو أول واجب هو شهادة ألا إله إلا الله علما وعملا، وهي أول شيء دعا إليه الرسل، وسيدهم وإمامهم نبينا محمد ﷺ ، أول شيء دعا إليه أن قال لقومه: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا". ولما بعث معاذا إلى اليمن قال له: فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله. ولأن التوحيد شرط لصحة جميع لعبادات كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "٢.

стр. 188

الفصل الثالث: أنواع التوحيد التوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. وهذه الأنواع الثلاثة ترجع إلى قسمين هما: أولا: توحيد المعرفة والإثبات، وهو التوحيد العلمي الخبري: وهو معرفة الله وأسمائه وصفاته، وهذا يتضمن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. ثانيا: توحيد القصد والطلب وهو التوحيد الطلبي الإرادي: ويتضمن توحيد الألوهية. وفيما يلي نبذة عن أصل هذا التقسيم ثم تعريف بكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة للتوحيد: أصل هذا التقسيم: هذا التقسيم للتوحيد ليس أمرا مستحدثا اخترعه بعض العلماء من عند أنفسهم، وإنما هو تقسيم يدل عليه القرآن الكريم نفسه، فمن يتدبر آياته يجد ذلك واضحا جليا من أول سورة من سوره وهي أم الكتاب، التي ما نزل في الكتب السماوية أعظم منها، فإنها وحدها تتضمن هذه الأنواع الثلاثة للتوحيد، وهي في الوقت نفسه تتضمن القرآن الكريم كله، فقد اشتملت على الأخبار عن الله تعالى وأسمائه وصفاته، والدعوة إلى إخلاص العبادة له سبحانه، وهذه هي أنواع التوحيد.

стр. 189

والقرآن كله اشتمل على هذه الأنواع وبينها في أكثر من سورة، بل القرآن توحيد كله، فهو إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهذا هو التوحيد العلمي الخبري الذي يتضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وإما دعوة إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له والأمر بصرف العبادة له دون ما سواه، وهذا هو التوحيد الطلبي الإرادي الذي يتضمن توحيد الألوهية والعبودية، أو بيان حقوق التوحيد، وإكرام أهله وثوابهم، وأخبار الشرك وأهله وبيان جزائهم وعقابهم. ومن العلماء من كتب في ذلك واستنبطه وبينه ونص على هذه الأنواع، ومنهم أبو جعفر الطحاوي المتوفي سنة ٣٢١هـ الذي بين عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه، أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني فقال: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره"١. وهذا الذي ذكره يشمل أنواع التوحيد الثلاثة فقوله: "لا شيء مثله": أي في أسمائه وصفاته. وقوله: "ولا شيء يعجزه "أي في ربوبيته، وهذا توحيد المعرفة والإثبات. وقوله:"ولا إله غيره"أي في ألوهيته، وهذا هو توحيد القصد والطلب.

стр. 190

ومنهم الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى ابن مندة – ﵀ – المتوفى سنة ٣٩٥هـ في كتابه: "التوحيد ومعرفة أسماء الله وصفاته على الاتفاق والتفرد"حيث قسم التوحيد إلى أربعة أقسام: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وتوحيد أسماء الله الحسنى، وتوحيد الصفات، فجعل أسماء الله الحسنى قسما، والصفات قسما آخر. ثم شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي ﵀ المتوفى سنة ٧٤٦هـ يقول في شرح الطحاوية: "ثم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة، وتوحيد في الطلب والقصد١. وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، وقد بينا ذلك في غالب كتبهما أتم بيان وفصلا الكلام عنه، وكل ما يتعلق به، وصارت كتبهما مرجع كل مطلع وباحث في ذلك. وممن قسم التوحيد إلى الأقسام الثلاثة الشيخ ملا علي بن سلطان القاري الحنفي المتوفى سنة ١٠١٤هـ إذ يقول في شرحه الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة ﵀: "أقول: فابتداء الكلام في الفاتحة بالحمد لله رب العالمين، يشير إلى تقرير توحيد الربوبية المترتب عليه توحيد الألوهية المقتضي من الخلق تحقيق العبودية". ثم يقول بعد ذلك: "بل غالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، بل القرآن كله من أوله إلى آخره في بيانهما وتحقيق شأنهما، فإن القرآن

стр. 191

إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعة فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في العقبى فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب والسلاسل والأغلال، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوق أهله وثوابهم، وفي شأن ذم الشرك وعقوق أهله وجزائهم"١. ثم من بعده ممن قسم التوحيد إلى هذه الأقسام كل العلماء الذين نهجوا منهج سلف هذه الأمة ومن أشهرهم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ مجدد القرن الثاني عشر الذي بين ذلك ودعا إليه وجاهد في سبيله ومن بعده أولاده، وأحفاده ﵏. ومنهم العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني المتوفى سنة ١١٨٢هـ رحمه الله تعالى٢، والعلامة محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٥هـ رحمه الله تعالى٣، وغيرهم كثير من علماء السلف قديما وحديثا.

стр. 192

المبحث الأول: توحيد الربوبية ومعناه: الاعتقاد بأن الله تعالى هو الرب المتفرد بالخلق والرزق، وأنه المالك المدبر الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو توحيد الله تعالى بأفعاله١. وهذا النوع من أنواع التوحيد قد أقر به الكفار، وشهد لهم القرآن بذلك، ولكن ذلك لم ينفعهم شيئا فلم يخرجهم من الكفر ولم يدخلهم في الإسلام. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢ وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٣. وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٤.

стр. 193

وقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ َسَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ١. والآيات في هذا كثيرة كلها تدل على إقرار الكفار واعترافهم بربوبية الله تعالى، ولكن ذلك لم ينفعهم شيئا إذ لم يعترفوا بألوهيته ويخلصوا له العبادة سبحانه. طريقة القرآن الكريم في إثبات الربوبية لله تعالى: القرآن الكريم آخر الكتب السماوية وناسخها، فكان لابد لأن يأتي مشتملا على الحجج والبراهين الواضحة والأدلة القاطعة التي تدعوا إلى الإيمان بالله وربوبيته وألوهيته لخلقه، وتقطع في الوقت نفسه شبه المعاندين وتحريف المنحرفين وزيغ الزائفين في كل زمان ومكان كما قال سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ . وكما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ٢.

стр. 194

وقال سبحانه: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ ١. فلوا ظهر الإلحاد يوما في أي صورة وتحت أي شعار وجد في أدلة القرآن القاطعة وحججه الدامغة ما يكشف زيفه ويفضح باطله ويدحض حجته، ليأخذ بأيدي الناس إلى الحق المبين الذي يصلهم برب العالمين. وأدلة القرآن الكريم في بيان ربوبية الله تعالى لخلقه كثيرة: منها: ١- دليل الفطرة: وهذا أمر داخل الإنسان نفسه مستقر في قلبه، فهو مفطور على الإقرار بأن له خالقا، وهذا هو الأصل الذي فطر عليه البشر، وما يحصل من ضلال أو انحراف أمر طارئ على هذه الفطرة السليمة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٢. فهذه شهادة أخذها الله على بني آدم وهم في عالم الذر أنه تعالى ربهم وخالقهم٣، فاستقرت معرفته فطرة في قلوب البشر، وإن دنسها

стр. 195

أو حجبها الباطل يوما ما، فإنها تظهر وتتجلى ويزول عنها هذا الحجاب والغشاوة إما إجابة ً لداعي الإيمان، أو تحت ضغط شدة ومصيبة، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ٤. فالفطرة هي الأصل في البشر، والانحراف والضلال طارئ عليها بشهادة القرآن كما سبق، والأحاديث عن رسول الله ﷺ ، ومنها حديث

стр. 196

أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه" ١ ولم يقل يسلمانه لأن الإسلام موافق للفطرة. ومنها حديث عياض بن حمار أن رسول الله ﷺ خطب ذات يوم فكان مما جاء في خطبته: "إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا، كل مال نحلته (منحته) عبدا حلال، وأني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" ٢. بل إن توحيد الله تعالى أمر فطري كذلك، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣. ولهذا كان قول الرسل عليهم الصلاة والسلام لأممهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٤ وتجد أسلوب القرآن في آيات المعرفة الفطرية

стр. 197

أسلوب التذكير بهذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها والتي لأجلها أشهدهم على أنفسهم في الأزل، وشهدوا بذلك١. ٢- دليل الخلق والتدبير: تناول القرآن الكريم قضية الخلق والتدبير تناولا فريدا، وعني بتوجيه العقول إلى النظر في آفاق الكون وآيات الله الكثيرة، وأهاب بالعقل أن يستيقظ من سباته ليتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وما أودع فيهما من الآيات، ويكرر القرآن ذلك في أساليب متنوعة ليرى هذا الإنسان ويسمع في آفاق الكون ما يقوده إلى الإيمان بخالقه ويعلم أن هذا الكون لم يكن وليد الصدفة كما يزعم الملحدون الجاحدون، بل هو صنع الله الخالق المدبر، المستحق للعبادة وحده لا شريك له. فوا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آي

стр. 198

من الآيات وبين ما فيها من عجائب وحكم وإحكام ودقة نظام، وهي آيات كثيرة يضيق المقام عن حصرها والإحاطة بها. ومن هذه الآيات قوله تعالى عن خلق الإنسان: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ١. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ ٢. وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٣. ودعا سبحانه إلى التفكير في الخلق المتقن المتناسق فقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ٤.

стр. 199

وقال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١. وقال: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُون﴾ ٢. ومنها قوله تعالى عن خلق السموات والأرض: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ ٤. وقوله سبحانه: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ ٥.

стр. 200

وقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْم يَعْقِلُونَ﴾ ٢. وهذه قد جمعت مع خلق السموات والأرض آيات أخرى من آيات الله تعالى التي يراها البشر ويحسونها تتجلى فيها عظمة خالقها سبحانه، وآيات كثيرة تجمع عددا كبيرا من آيات الله تعالى ويعرضها القرآن للناس دلائل على الخالق سبحانه وعظمته وتدبيره وعنايته وأنه خالق كل شيء ومالكه وهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له. ومن هذه الآيات قوله سبحانه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُون وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ

стр. 201

مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ١. ومنها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. فبعد أن ذكر بعض آياته ونعمه بالتخصيص ذكرهم بأنه هو خالقها وخالقهم وخالق كل شيء وغيره ليس له شيء من ذلك، ثم ذكر عموم نعمته عليهم وعجزهم عن الإحاطة بها، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ

стр. 202

مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونََ﴾ ١. والآيات في هذا كثيرة جدا ومعظم السور المكية مليئة من هذه الآيات لمن تدبرها، كلها تبين آياته سبحانه ومخلوقاته وعظيم نعمته بذلك، وتدعوهم إلى التفكر في ذلك والتدبر، وأن هذه المخلوقات والآيات العظيمة لها خالق مدير عظيم، وأن غيره لا يملك من ذلك شيئا فكلهم مربوبون مخلوقون، وأنه سبحانه هو المستحق للعبادة سبحانه دون ما سواه، وقد أمر الله الناس بالنظر في هذا الملكوت الكبير وما فيه من الآيات العظيمة، أمرهم بذلك في آيات كثيرة من كتابه الكريم، وذم من لم ينظر في ذلك ويتفكر ليقوده ذلك إلى معرفة ربه الخالق المدبر ليعلم أنه المستحق للعبادة وحده. ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٢. وقوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣.

стр. 203

وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ١. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ٢. المنكرون لربوبية الله تعالى: سبق الكلام على أن معرفة الله تعالى والإقرار به أمر فطري، وأن الله قد أخذ الميثاق علىعباه وهم في الأزل وهم في عالم الذر أنه ربهم فشهدوا بذلك على أنفسهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٣.

стр. 204

وأقر الكفار بربوبية الله تعالى وشهد الله لهم بذلك، ولكن ذلك لم ينفعهم شيئا حيث أشركوا في ألوهيته واتخذوا شركاء وآلهة من دون الله زعموا أنها تشفع لهم عند الله. ومع هذا فقد وجد في البشر من أنكر ربوبية الله وجحدها، ونسبها إلى نفسه أو اعتقدها في غيره، وقائد هؤلاء جميعا فرعون موسى الذي ادعى الربوبية لنفسه وأرغم قومه على الاعتراف بها وأعلن ذلك فيهم كما قال الله حكاية عنه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ١. وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ٢. وقال موجها الخطاب إلى رسول الله موسى ﵊ حين دعاه إلى عبادة الله وحده: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ ٣. وبلغ به الفساد والمكابرة إلى أن قال كما حكى الله عنه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ ٤.

стр. 205

﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ١ ومثله ذلك الذي حاج إبراهيم ﵇ في ربه وناظره إبراهيم ﵇ فأفحمه، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢. وكذلك الرسل احتجت بالمعجزات على أشد الخلق عنادا، وكان هذا الذي أفحم به إبراهيم ﵇ خصمه الكافر الذي زعم أنه يحيي ويميت، فقال إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ ٣ وهو الذي احتج به موسى ﵊ على فرعون، وسماه موسى شيئا بينا كما جاء في سورة الشعراء حيث قال

стр. 206

فرعونك: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ فقال موسى ﵊: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ... ﴾ ١ الآية. ومن هؤلاء المنكرين الجاحدين لربوبية الله تعالى: الدهريون: الذين يزعمون أن العالم يسير بنفسه، وهم الذين قال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ٢. فكذبهم الله تعالى في زعمهم هذا، وبين أنهم لا علم لهم بذلك، وأن مصدرهم في ذلك الظن، وغاية حجة هؤلاء حين يدعون إلى الحق، ويسمعون آيات الله غاية حجتهم طلب إخراج آبائهم وإعادتهم، ورد الله عليهم في الآية التي بعد الآية السابقة فقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣. وهؤلاء الملحدون منهم، فوصفهم – سبحانه- بعدم العلم مرة أخرى.

стр. 207

والعجب من هؤلاء كيف يغالطون أنفسهم، ويكابرون ويجحدون فطرهم التي تقر بوجود الله تعالى، وأنه خالقهم وربهم، فينكرون ذلك وينسبونه إلى غيره كفرا وإلحادا. فصورة هؤلاء الملاحدة أن جميع الموجودات وجدت بغير موجد، وجدت مصادفة من طبيعة عمياء لا علم ولا قصد ولا شيء من الشعور الإرادي، فلو صورت المحالات والممتنعات بأوضح من هذا التصوير، وأشد مكابرة للعقول لم يهتد المصور إلى تعبير شيء ممتنع أبلغ من هذا المنطق الجنوني، وهذا جزاء من جاءه الحق فرده، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ١،٢. ومنهم: الثنوية٣: من المجوس الذين يجعلون للعالم خالقين، خالقا للخير وهو النور، وخالقا للشر وهو الظلمة٤. وكذلك: النصارى: القائلون بالتثليث، فيجعلون الآلهة ثلاثة: الأب، والابن، والروح القدس.

стр. 208

ولما وجد في الناس من ينازع في توحيد الربوبية، ويجعل لغير الله شيئا من الشركة معه في الخلق والتدبير، لم يهمل القرآن الكريم الاحتجاج له، بل قرره أبدع تقرير في سورة المؤمنين ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . يقول شارح الطحاوية عن هذه الآية: "فالآية الكريمة موافقة لما ثبت واستقر في الفطر من توحيد الربوبية، دالة مثبتة مستلزمة لتوحيد الإلهية"١. ولكن هؤلاء المنكرين الجاحدين لربوبية الله جميعا وإن أنكروا ذلك وجحدوه فإن الحقيقة التي ينبغي أن تعرف أنهم في أنفسهم يقرون بأن الله خالقهم وإن أنكروا ذلك في الظاهر، فهم كما قال الله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢. وأول هؤلاء فرعون، الذي كشف له موسى عن حقيقته التي يخفيها ويتنكر لها، فقال له موسى كما حكى الله عنه: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ ٣.

стр. 209

وكذلك موسى يجيبه في مناظرته له وتجاهله لخالقه وربه تجاهل العارف، قال الله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١ ولما وجهه موسى بهذه الحجج والحقائق الدامغة التي لا يستطيع فرعون المغالطة فيها كانت إجابته لا تعدوا الاستهتار والمكابرة ولما ظهر عجزه أطلق سلاح الجبابرة المعروف، وهو التهديد فقال: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ ٢ فكان فرعون يعلم ويتيقن أن الله ربه وخالقه ولكن كبره وعناده وغروره وتزيين الملأ من حوله الذي كان يوجه القول إليهم حين يسأله موسى، كل ذلك أبى عليه إلا أن يتمادى في طغيانه وضلاله وإضلاله قومه ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ ٣. ولقد أفصح فرعون عن هذه الحقيقة التي كان يجحدها، أفصح عنها في غير وقتها، حين عاين الموت، وأيقن بالهلاك كما قال الله عنه: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ

стр. 210

آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١. ومثل فرعون كل الملاحدة والدهريين، فهم في قرارة أنفسهم يعترفون بأن الله ربهم وخالقهم، ولكنهم يغالطون ويكابرون هذه الحقيقة، فمعرفة الله تعالى مستقرة في الفطر، ولم يعرف عن أحد من الطوائف أنه قال: إن للعالم صانعين متماثلين في الصفات والأفعال، والثنوية من المجوس، والنصارى القائلون بالتثليث مع ما في قولهم من الكفر لم يقولوا بالتساوي بين الآلهة، فالمجوس لا يسوون بين النور والظلمة، فالنور هو الأصل عندهم وهو الذي سيغلب في النهاية، والنصارى لا يقولون بتساوي الأقانيم الثلاثة، بل متفقون على أن صانع العالم واحد، ويقولون: باسم الابن والأب وروح القدس إله واحد٢. والقرآن قد بين أتم بيان وأقطع حجة أن الله تعالى هو وحده الخالق المالك المدبر رب كل شيء ومليكه كما سبق ذكره في الآية السابقة وهي قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣.

стр. 211

وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٤. وبهذه الطريقة البينة الواضحة المستقيمة، بين القرآن ربوبية الله تعالى للناس، ودعاهم إلى ربهم وخالقهم ليعبدوه وحده لا شريك له بأوضح أسلوب وأسهل طريق. أما ما سلكه كثير من المتكلمين من مسالك عقلية لإثبات الربوبية، كالاستدلال على وجود الله تعالى عن طريق الجواهر والأعراض، إلى آخر ما يقولون في ذلك من أمور يصعب فهما حتى على المتخصص فضلا عن الجمهور، مع ما عليها من اعتراضات وما فيها من اختلاف. وكذا ما سلكه الفلاسفة في هذا الباب من تقسيم الموجود إلى ممكن الوجود، وواجب الوجود، وما لهم من كلام حول ذلك ليس هذا مكان استقصائه ويجعلونه دليلا على وجود الله تعالى، ويسمونه علم ما بعد الطبيعة، وإمامهم في ذلك أرسطو، الذي يلقبونه المعلم الأول، وتبعهم في بعض ذلك بعض الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام كابن سينا وغيره، وخلطوا في ذلك بين ما سلكه المتكلمون وما سلكه الفلاسفة١. وكلا المسلكين انحراف عن الصراط المستقيم، ينتهي بأهله إلى الشك والشطح والانحراف.

стр. 212

والطريقة الشرعية تتضمن الخبر بالحق والتعريف بالطرق الموصلة إليه النافعة للخلق. وأما الكلام على كل ما يخطر ببال كل أحد من الناس من الشبهات السوفسطائية فهذا لا يمكن أن يبينه خطاب على وجه التفصيل، والعلوم الفطرية الضرورية حاصلة مع صحة الفطرة وسلامتها، وقد يعرض للفطرة ما يفسدها ويمرضها فترى الحق باطلا، كالبدن إذا فسد أو مرض فإنه يجد الحلو مرا، ويرى الواحد اثنين، فهذا يعالج بما يزيل مرضه. والقرآن فيه شفاء لما في الصدور من الأمراض، والنبي ﷺ علم أن وسواس التسلسل في الفاعل يقع في النفوس، وإنه معلوم الفساد بالضرورة، فأمر عند وروده بالاستعاذة بالله منه، والانتهاء عنه كما في الصحيحين – واللفظ لمسلم – عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله". وفي لفظ آخر: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ فيقول الله، ثم ذكر بمثله، وزاد ورسله" وفي لفظ آخر يقول: "من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فيستعذ بالله ولينته" هذا لفظ البخاري١ أو نحوه٢. ثم ذكر أحاديث أخرى في هذا المعنى.

стр. 213

١- أن ربوبية الله تعلى أمر فطري مستقر في النفوس، والإلحاد والكفر طارئ عليها. ٢- طريق القرآن الكريم في إثبات ربوبية الله تعالى هي الطريقة الأصوب والأقرب للإفهام، والموافقة لأصل الفطرة، وطريقة المتكلمين والفلاسفة ومن نحا نحوهم طريقة تثير الشك أكثر مما تدعو إلى الإيمان. ٣- وجود من يجحد الربوبية لله ويدعيها لنفسه أو ينسبها لغيره، وجاء القرآن بالرد القاطع على هؤلاء وأمثالهم. ٤- جحود المنكرين للربوبية مخالف لما في نفوسهم، إذ هم في قرارة نفوسهم يعترفون بأن الله خالقهم. ٥- الحق أنه لم يوجد في البشر من يقول بوجود خالقين متماثلين متكافئين في الصفات والأفعال. ٦- المشركون كانوا يقرون بالربوبية لله تعالى والقرآن شهد لهم بذلك، وإقرارهم هذا لم ينفعهم، لعدم إقرارهم بألوهية الله . ٧- بيان القرآن الكريم للربوبية دعوة إلى توحيد الألوهية. ٨- خطأ من جعل توحيد الربوبية هو المطلب الأول في التوحيد. ومما تقدم يتضح أن هذه الشواهد التي سلف ذكرها قد جاءت لترسيخ هذا النوع من أنواع التوحيد، وحفظهم من مزالق الإلحاد، والاستدلال به على توحيد الألوهية، التي جاءت الرسل بالدعوة إليه، ولهذا فإن حماية توحيد الربوبية وبيانه للناس مطلوب للدعوة إلى توحيد الألوهية وحمايته.

стр. 214

المبحث الثاني: توحيد الألوهية . ومعناه: إفراد الله تعالى بجميعأنواع العبادة وإخلاصها له وحده لا شريك له ظاهرا وباطنا، وهو توحيد الله تعالى بأفعال العباد. ويسمى توحيد العبادة، لأن الألوهية والعبودية بمعنى واحد، إذا معنى الإله: المعبود، قال ابن عباس ﵄: "الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين"١. مكانته وأهميته: هذا التوحيد أعظم أنواع التوحيد وأهمها، والمتضمن لها جميعا، ولا يصير العبد مؤمنا إلا بتحقيقه، وهو الذي لأجله خلق الله عباده، وأنزل كتبه، وبعث أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢ وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ٣. وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٤.

стр. 215

وهو أول واجب على العبد، والذي من أجله قامت الخصومة بين الرسل وأممهم، إذ هو أول ما دعا إليه أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام فهو مفتاح الجنة ومفتاح دعوة كل نبي إلى قومه، إذ يقول لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . "وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول لا إله إلا الله، فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة والخشية، والإجلال والتعظيم وجميع أنواع العبادة، ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة، وأشقياء أهل النار، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١ فهذا أول أمر القرآن٢. وهو أول واجب على المكلف، كما قال رسول الله ﷺ لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله – وفي رواية – إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات ... إلى آخر الحديث" ٣.
следующие страницы →