← Акыда

Акыда · id 11167

حماية الرسول صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد

محمد بن عبد الله زربان الغامدي

Полный текст (377 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٤. وبهذه الطريقة البينة الواضحة المستقيمة، بين القرآن ربوبية الله تعالى للناس، ودعاهم إلى ربهم وخالقهم ليعبدوه وحده لا شريك له بأوضح أسلوب وأسهل طريق. أما ما سلكه كثير من المتكلمين من مسالك عقلية لإثبات الربوبية، كالاستدلال على وجود الله تعالى عن طريق الجواهر والأعراض، إلى آخر ما يقولون في ذلك من أمور يصعب فهما حتى على المتخصص فضلا عن الجمهور، مع ما عليها من اعتراضات وما فيها من اختلاف. وكذا ما سلكه الفلاسفة في هذا الباب من تقسيم الموجود إلى ممكن الوجود، وواجب الوجود، وما لهم من كلام حول ذلك ليس هذا مكان استقصائه ويجعلونه دليلا على وجود الله تعالى، ويسمونه علم ما بعد الطبيعة، وإمامهم في ذلك أرسطو، الذي يلقبونه المعلم الأول، وتبعهم في بعض ذلك بعض الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام كابن سينا وغيره، وخلطوا في ذلك بين ما سلكه المتكلمون وما سلكه الفلاسفة١. وكلا المسلكين انحراف عن الصراط المستقيم، ينتهي بأهله إلى الشك والشطح والانحراف.

стр. 212

والطريقة الشرعية تتضمن الخبر بالحق والتعريف بالطرق الموصلة إليه النافعة للخلق. وأما الكلام على كل ما يخطر ببال كل أحد من الناس من الشبهات السوفسطائية فهذا لا يمكن أن يبينه خطاب على وجه التفصيل، والعلوم الفطرية الضرورية حاصلة مع صحة الفطرة وسلامتها، وقد يعرض للفطرة ما يفسدها ويمرضها فترى الحق باطلا، كالبدن إذا فسد أو مرض فإنه يجد الحلو مرا، ويرى الواحد اثنين، فهذا يعالج بما يزيل مرضه. والقرآن فيه شفاء لما في الصدور من الأمراض، والنبي ﷺ علم أن وسواس التسلسل في الفاعل يقع في النفوس، وإنه معلوم الفساد بالضرورة، فأمر عند وروده بالاستعاذة بالله منه، والانتهاء عنه كما في الصحيحين – واللفظ لمسلم – عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله". وفي لفظ آخر: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ فيقول الله، ثم ذكر بمثله، وزاد ورسله" وفي لفظ آخر يقول: "من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فيستعذ بالله ولينته" هذا لفظ البخاري١ أو نحوه٢. ثم ذكر أحاديث أخرى في هذا المعنى.

стр. 213

١- أن ربوبية الله تعلى أمر فطري مستقر في النفوس، والإلحاد والكفر طارئ عليها. ٢- طريق القرآن الكريم في إثبات ربوبية الله تعالى هي الطريقة الأصوب والأقرب للإفهام، والموافقة لأصل الفطرة، وطريقة المتكلمين والفلاسفة ومن نحا نحوهم طريقة تثير الشك أكثر مما تدعو إلى الإيمان. ٣- وجود من يجحد الربوبية لله ويدعيها لنفسه أو ينسبها لغيره، وجاء القرآن بالرد القاطع على هؤلاء وأمثالهم. ٤- جحود المنكرين للربوبية مخالف لما في نفوسهم، إذ هم في قرارة نفوسهم يعترفون بأن الله خالقهم. ٥- الحق أنه لم يوجد في البشر من يقول بوجود خالقين متماثلين متكافئين في الصفات والأفعال. ٦- المشركون كانوا يقرون بالربوبية لله تعالى والقرآن شهد لهم بذلك، وإقرارهم هذا لم ينفعهم، لعدم إقرارهم بألوهية الله . ٧- بيان القرآن الكريم للربوبية دعوة إلى توحيد الألوهية. ٨- خطأ من جعل توحيد الربوبية هو المطلب الأول في التوحيد. ومما تقدم يتضح أن هذه الشواهد التي سلف ذكرها قد جاءت لترسيخ هذا النوع من أنواع التوحيد، وحفظهم من مزالق الإلحاد، والاستدلال به على توحيد الألوهية، التي جاءت الرسل بالدعوة إليه، ولهذا فإن حماية توحيد الربوبية وبيانه للناس مطلوب للدعوة إلى توحيد الألوهية وحمايته.

стр. 214

المبحث الثاني: توحيد الألوهية . ومعناه: إفراد الله تعالى بجميعأنواع العبادة وإخلاصها له وحده لا شريك له ظاهرا وباطنا، وهو توحيد الله تعالى بأفعال العباد. ويسمى توحيد العبادة، لأن الألوهية والعبودية بمعنى واحد، إذا معنى الإله: المعبود، قال ابن عباس ﵄: "الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين"١. مكانته وأهميته: هذا التوحيد أعظم أنواع التوحيد وأهمها، والمتضمن لها جميعا، ولا يصير العبد مؤمنا إلا بتحقيقه، وهو الذي لأجله خلق الله عباده، وأنزل كتبه، وبعث أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢ وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ٣. وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٤.

стр. 215

وهو أول واجب على العبد، والذي من أجله قامت الخصومة بين الرسل وأممهم، إذ هو أول ما دعا إليه أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام فهو مفتاح الجنة ومفتاح دعوة كل نبي إلى قومه، إذ يقول لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . "وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول لا إله إلا الله، فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة والخشية، والإجلال والتعظيم وجميع أنواع العبادة، ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة، وأشقياء أهل النار، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١ فهذا أول أمر القرآن٢. وهو أول واجب على المكلف، كما قال رسول الله ﷺ لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله – وفي رواية – إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات ... إلى آخر الحديث" ٣.

стр. 216

وكما قال ﵊: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ... إلى آخر الحديث" ١. والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة، كلها تبين أن هذا التوحيد هو لب الإسلام وحقيقته وأساسه، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله" ٢ الحديث. أدلة توحيد الألوهية: الأدلة على هذا النوع من أنواع التوحيد كثيرة جدا من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، فلا تكاد تخلو سورة من سور القرآن الكريم من هذا التوحيد. ومن هذه الأدلة: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣. وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٤

стр. 217

وقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ منْ أَمْرِهِ عَلَى منْ يَشَاءُ منْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ١. وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢. وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٣. وقولهِ: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ٤. وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٥. وقوله: ﴿وَما أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إلا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٦ وسورة الكافرون بكاملها.

стр. 218

والآيات في هذا كثيرة، والأحاديث سبق ذكر بعضها، وغيرها كثير في الدلالة على هذا النوع العظيم من التوحيد والأمر به، وبيان تحقيقه والتحذير من مخالفته. منهج القرآن الكريم في الدعوة إلى توحيد الألوهية: سبق الكلام على أن القرآن كله توحيد، وتوحيد الألوهية أعظم التوحيد، بل هو التوحيد كله، إذ هو متضمن له. ولهذا جاء القرآن الكريم مبينا لهذا التوحيد، وآمرا به وداعيا إليه بأساليب متنوعة ومناسبة لمعالجة ما كان عليه الناس وقت نزول القرآن، وما يأتي بعد ذلك، من صورة ترجع في كثير من الأحيان إلى تلك الصورة الأولى التي كان عليها المجتمع الجاهلي وقت نزول القرآن من فساد في العقيدة وضلال عن الصراط المستقيم، وانحراف عن العبودية الحقة لله تعالى التي هي أشرف مقام. "ولما كان توحيد الألوهية هو مناط الإيمان بالله ورسله كان لابد أن يعنى القرآن بتقريره والبرهنة عليه بالأدلة العقلية والبراهين الصحيحة، لأن الشرك الذي وقع فيه جميع الأمم، كان في هذا النوع، فإن عامة مشركي الأمم كانوا مقرين بالصانع، ويعترفون بتوحيد الربوبية، ولكنهم مع إقرارهم بربوبيته قد أشركوا بعبادته غيره، وكان ما عابه مشركو العرب على محمد "أن جعل الآلهة إلها واحدا"وقالوا له: "إن هذا لشيء عجاب".

стр. 219

ولا شك في وجب الإيمان بتوحيد الربوبية إلا أنه ليس كل الواجب، وليس هو مناط الإيمان والكفر، ولا مناط التوحيد والشرك، وليس بمجرد الإقرار به يكون الفرد موحدا "١ وإليك أهم الأساليب التي جاء بها القرآن الكريم في الدعوة إلى هذا النوع من التوحيد: منها: بيان آيات ربوبيته سبحانه التي يراها الناس، ويقرون بها، وإنه سبحانه هو خالقها، ثم يختمها بالدعوة إلى أفراده سبحانه بالعبادة، فكما أنه المتفرد بهذا الخلق، فيجب أن يكون وحده سبحانه المتفرد بالعبادة لا شريك له، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢. وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَفَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٣.

стр. 220

وقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ َ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُون قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ َ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُون بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ مَا اتَّخَذَ اللهُ

стр. 221

مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. والآيات في هذا كثيرة جدا، وأنت ترى أن الله تعالى يبين للناس آيات ربوبيته ودلائل خلقه التي يعترفون بها ويعلمون أن الله سبحانه هو خالقها وحده ولكنهم مع ذلك يشركون في ألوهيته سبحانه غيره، فالآيات تحتج عليهم بما أقروا به من توحيد الرببوبية، فإن ذلك في الوقت نفسه دليل على توحيد الألوهية، إذ هما متلازمان، ولا يكفي الإقرار بتوحيد الربوبية وحده، بل هم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ فإن الله تعالى كما أنه الواحد في ربوبيته لا شريك له، فكذلك الواحد في ألوهيته لا شريك له، وهذا حق الله تعالى على عباده كما جاء في حديث معاذ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا"، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا" ٢.

стр. 222

"وحاجتهم إليه في عبادتهم إياه وتألهم كحاجتهم وأعظم في خلقه لهم، وربوبيته إياهم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم، وبذلك يصيرون عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح، ولا نعيم ولا لذة بدون ذلك بحال، بل من أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، ولهذا كان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ولهذا كانت لا إله إلا الله أحسن الحسنات، وكان التوحيد بقول: لا إله إلا الله رأس الأمر"١.

стр. 223

* ومن أساليب القرآن الكريم في الدعوة إلى الألوهية: بيان عجز الآلهة التي يدعونها من دون الله تعالى، وإنها لا تملك لنفسها كما لا تملك لغيرها نفعا ولا ضرا من دون الله، وجاء ذلك في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى: منها: قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين َ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ ١. وقوله في سورة النحل في موضعين: الأول قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ٢.

стр. 224

والآخر: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ١. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٢. وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٣. والآيات في هذا كثيرة تبين عجز هذه الآلهة التي اتخذوها من دون الله تعالى وأنها لا تملك لنفسها ولا لغيرها نفعا ولا ضرا، بل إن الذين اتخذوها هم أنفسهم أكمل وأقدر من آلهتهم التي يعبدونها، ومنهم من يعرف عجزها وضعفها، ولكنه مع ذلك قد ارتضى ذلك لنفسه، ليعيش في حضيض الشرك وحمأة الكفر بدلا من كرم التوحيد وعزة الإيمان٤، كما

стр. 225

ورد أن رسول الله ﷺ سأل حصينا والد عمران قبل إسلامه "كم تعبد اليوم من إله؟ قال سبعة آلهة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال ﷺ : فمن تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء، قال: ألا تسلم فأعلمك كلمات، فأسلم فقال النبي ﷺ : "قل: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي" ١. ومن أساليب القرآن الكريم في الدعوة إلى توحيد الألوهية: بيان حال عباد هذه الآلهة، والتنديد بهم، والتشنيع عليهم، ووصفهم بالضلال والغي والعمى، والبعد عن الهدى والرشاد، فآلهتهم عاجزة قاصرة وقد اتخذوها من دون الله، فهم قاصروا الأفهام ضالوا العقول، وإلا لما عبدوا آلهة هم أكمل منها وأقوى. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٢. وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.

стр. 226

وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ ١. والآيات في هذا كثيرة تبين قصور أفهام من يشرك بالله ويتخذ من دونه آلهة عاجزة وقاصرة ليعبدها مندون الله أو يجعلها واسطة وشافعة تقربه من الله كما كان المشركون يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢. * ومن أساليب القرآن الكريم في الدعوة إلى توحيد الألوهية: بيان ما يقع يوم القيامة بين هؤلاء المشركين وآلهتهم من براءة بعضهم من بعض، وتخليهم عن عابديهم وتنكرهم لأتباعهم، في حال هم أحوج ما يكون إلى من يشفع لهم ويدافع عنهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ

стр. 227

الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ ٢. * ومن أساليب القرآن الكريم في الدعوة إلى توحيد الألوهية: ما جاء في قصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في دعوتهم أممهم إلى توحيد الله تعالى وإفراده وحده بالعبادة، وكان ذلك مفتاح دعوة كل نبي ورسول منهم، وما جرى بينهم وبين أقوامهم لأجله من خصومة وما دارت بسببه من معارك عظيمة بالبيان والسنان، وما كان من ذلة وهلاك لأعداء الله وأعداء رسله، ونصر ومنعة وغلبة للرسل وأتباعهم، وتلك سنة الله في خلقه، وهو الذي يقول بعد ما قص دعوة عدد من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ٣.

стр. 228

والآيات عن قصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مع أممهم كثيرة جدا نكتفي بمثال واحد لذلك وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وَمَا لَنَا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ ١.

стр. 229

والحديث عن قصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مع أممهم في دعوتهم يوضح أن توحيد الله وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له، هو المهمة الأولى للرسل عليهم الصلاة والسلام كما قال لله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ١. ومما تقدم يتبين أهمية توحيد الألوهية المتضمن لأنواع التوحيد جميعا والمطلوب من الناس كافة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وإنما التوحيد الذي أمر الله به العباد هو توحيد الألوهية المتضمن توحيد الربوبية بأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، فيكون الدين كله لله لا يخاف إلا الله ولا يدعو إلا الله، ويكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، فيحبون لله، ويبغضون لله، ويعبدون الله، ويتوكلون عليه، والعبادة تجمع غاية الحب وغاية الذل، فيحبون الله بأكمل محبة ويذلون أكمل ذل، ولا يعدلون به ولا يجعلون له أندادا ولا يتخذون من دونه أولياء ولا شفعاء كما قد بين القرآن هذا التوحيد في غير موضع، وهو فطب رحى

стр. 230

القرآن الذي يدور عليه القرآن، وهو يتضمن التوحيد في العلم والقول، والتوحيد في الإرادة والعمل "١. فتوحيد الربوبية وحده لا يكفي، وإلا لما بعث الرسل لأن أممهم كانت مقرة به وإنما انحرافهم في جانب توحيد الألوهية، وإذاً فلا بد مع توحيد الربوبية من توحيد الألوهية المتضمن له، وتحقيق ذلك بصرف جميع العبادات لله تعالى وحده لا شريك له وإخلاصها له سبحانه دون من سواه، وذلك يشمل جميع العبادات القولية والقلبية والعملية والمالية. فالعبادات القولية: هي ما يتعلق باللسان من الدعاء والذكر والاستعاذة والاستعانة والاستغاثة والحلف وغير ذلك، فلا يصرف شيئا منه لغير الله سبحانه، وإن شابت ذلك شائبة من الشرك فقد أشرك مع الله على قدر ما اقترف من ذلك. والعبادات القلبية: وهي التي تتعلق بالقلب، وهي أهم العبادات كلها فهي أساسها وأصلها، ومن هذه العبادات الحب، والخوف، والإخلاص، والصبر، والرغبة، والرهبة... وغيرها من العبادات المتعلقة بالقلب، وأدلة ذلك كثيرة ومعروفة من الكتاب والسنة، تأمر بإخلاصها لله وتنهى عن صرفها لأحد غيره.

стр. 231

والعبادات البدنية: وهي المتعلقة بالجوارح كالصلاة والصيام والحج وغير ذلك، فكلها يجب إخلاصها لله تعالى وحده لا شريك له. والعبادات المالية: وهي ما يتعلق بأموال العباد، وما يجب عليهم فيها عبادة لله تعالى وحده لا شريك له كالزكاة والنذر والصدقات المالية والذبح وغير ذلك مما يتعلق بالأموال١. والعبادات التي شرعها الله كلها تتضمن إخلاص الدين كله لله تحقيقا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٢ فالصلاة لله وحده، والصدقة لله وحده، والصيام لله وحده، والحج لله وحده، وإلى بيت الله وحده٣. ومما تقدم من الكلام عن هذين النوعين من التوحيد وما جاء فيهما من الأدلة والشواهد يتبين لنا أن الله قد جعل ذلك صيانة لهذا التوحيد وترسيخا له في النفوس، وحفظا له نقيا صافيا بعيدا عن

стр. 232

مزالق الشرك والإلحاد، يربط الناس بخالقهم وإلههم وحده لا شريك له فيخلصوا له العبادة وحده، وقد بين ذلك رسوله محمد ﷺ ودعا إليه وحمى جانبه، وحذر من كل ما يدنسه أو يشوبه، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك، ونهى عن كل وسيلة تؤدي إليه وإن لم تكن شركا، كل ذلك حماية لجناب التوحيد الذي هو أول واجب على العبد، وأول ما دعا إليه الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه، وإمامهم وخاتمهم محمد ﷺ .

стр. 233

المبحث الثالث: توحيد الأسماء والصفات ومعناه: الإيمان بما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه وأثبته له رسوله ﷺ في سنته من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنه تعالى موصوف بها على الحقيقة كما يليق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل فهو توحيد الله تعالى بأسمائه وصفاته. الأسس التي يقوم عليها توحيد الأسماء والصفات: من هذا التعريف لهذا النوع من التوحيد يتبين لنا أنه يقوم على ثلاثة أسس: الأول: أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، فلا نثبت لله تعالى ولا ننفي عنه إلا بدليل من الكتاب أو من السنة، إذ لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا من هذا الطريق. الثاني: الإيمان بأن الله تعالى لا يشبه أحدا من خلقه في أسمائه ولا صفاته كما لا يشبهه أحد من خلقه، وإن سمى أو وصف أحدا من المخلوقين بتلك الأسماء والصفات، فذلك اشتراك في اللفظ لا يوجب مماثلة المخلوقين له فيما دلت عليه هذه الأسماء والصفات، فأسماء الله تعالى وصفاته على ما يليق به وما يسمى به من المخلوقين أو يوصف من ذلك فعلى ما يليق بالمخلوق نفسه، فكل على ما يليق به.

стр. 234

وإذا علم هذا فلا حاجة إلى ما سلكه أهل الكلام من تعسف في تأويل النصوص وصرفها عن معانيها بحجة تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين١. قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢. وهذا الموضع من فهمه فهما جيدا وتدبره، زالت عنه عامة الشبهات وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام٣. قال نعيم بن حماد٤ شيخ الإمام البخاري رحمهما الله تعالى: "من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه أو وصفه رسوله كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله تشبيه ولا تمثيل"٥. الثالث: أن صفات الله كلها صفات كمال، فله سبحانه الكمال المطلق، وهو المنزه عن كل نقص، وكل صفة كمال تثبت للمخلوق

стр. 235

وأمكن أن يتصف به الله فهو أحق بها وأولى، وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالله أولى وأحق بالتنزه عنه، ومما ينبغي معرفته في الإيمان بأسماء الله وصفاته أن يقطع الطمع في كيفيتها وألا يسأل عن ذلك، إذ لا يسأل عن صفات الله تعالى بكيف وأن يعلم مع ذلك ويعتقد أن هذه الصفات معلومة المعنى، فلم يخاطب الله تعالى عباده ويتعبدهم بأمور لا يعلمون معناها، ولهذا قال الإمام مالك ﵀ وغيره من السلف لمن سأل عن كيفية استواء الله تعالى على عرشه: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة". وقال ربيعة شيخ مالك قبله: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان"١. أدلة هذا النوع من التوحيد: الأدلة عليه من الكتاب الكريم والسنة النبوية الصحيحة كثيرة، فقد لا تخلو سورة من سور القرآن الكريم من ذكر اسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته ومن ذلك سورة الإخلاص فهي بكاملها عن أسماء الله وصفاته، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٢.

стр. 236

وقد وردت أحاديث في فضل هذه السورة العظيمة منها ما أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ "أن رجلا سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد يرددها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك، وكان الرجل يتقالها، فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن" ١. ومن أدلة هذا النوع من التوحيد: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٢. وقد اشتملت على عدد من أسماء الله تعالى وصفاته، وهي أعظم آية في القرآن كما أخبر عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقد أخرج الإمام مسلم ﵀ في صحيحه عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا المنذر: أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ "قال: الله ورسوله أعلم، قال: قلت: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال فضرب في صدري: "والله ليهنك العلم أبا المنذر" ٣.

стр. 237

ومنها قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. والآيات في هذا كثيرة جدا. ومن السنة قوله ﷺ : "اللهم رب السماوات السبع والأرض رب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، أقض عني الدين واغنني من الفقر" ٢. ومنها قوله ﷺ : "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى تلك الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" ٣. والأحاديث في ذلك أيضا كثيرة جدا.

стр. 238

مناهج المتكلمين في أسماء الله وتعالى وصفاته: تقدم فيما سبق الكلام عن مذهب السلف في أسماء الله تعالى وصفاته، وأنه المنهج الحق الذي لا يجوز العدول عنه، فهو الموافق لما جاء عن الله ، وعن رسوله ﷺ ، وتشهد له الفطر السليمة والعقول المستقيمة، ناهيك عما في القرآن والسنة من أدلة دامغة. إلا أن أقواما ساءت أفهامهم وزلت أقدامهم، وعميت بصائرهم عن معرفة هذا الحق وسلوك سبيله وسلكوا في هذا الباب مناهج مختلفة مرجعهم فيها عقولهم القاصرة وأفهامهم العاجزة، فخبطوا في ذلك خبط عشواء حتى انتهى الأمر بأكثرهم إلى الحيرة والشك، ومن اشهر مناهجهم: منهج أهل التشبيه: وهم الذين جعلوا صفات الله تعالى من جنس صفات المخلوقين، وقاسوها عليها، فلم يفهموا منها إلا مثل للمخلوقين، وأنه لا حقيقة لها سوى ذلك، وأن هذا هو ما يعقل منها، والله لا يخاطب الناس بما لا يعقلون١. ولا شك أن هذا فساد في الفهم وانحراف في الاعتقاد، وعمى في البصائر، إذ يحصرون ذلك فيما يشبه المخلوق، ولو رزقوا صحة في الفهم وسلامة في الاعتقاد لعلموا يقينا أن صفات الله سبحانه ثابتة له على ما

стр. 239

يليق بجلاله وعظمته لا بشبه صفات المخلوق، إذ صفاتهم على ما يليق بهم، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . أهل التأويل: ومنهم الجهمية والمعتزلة، ومنهجهم: "أن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول ﷺ أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني، ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص من مدلولها ومقصوده امتحانهم وتكليفهم واتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته، وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة، ومن دخل في شيء من ذلك"١. فحقيقة مذهبهم أنهم يقررون أن الصفات لا تدل على حقائق معانيها، فيؤولون ذلك إلى معان أخرى، كتأويلهم اليد بالنعمة، والاستواء بالاستيلاء وغير ذلك، وبناءً عليه فإن صفات الله لا تدل على ما وصف به نفسه حقيقة بل مجازا، فحكموا عقولهم في ذلك واضطربوا فيه اضطرابا كبيرا،"وهم أشد الناس اضطرابا، إذ لم يثبت لهم قدم في الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول، ولا ضابط مطرد منعكس تجب مراعاته، وتمتنع مخالفته"٢.

стр. 240

ولا ريب أن هذا تحكيم للعقل في نصوص الكتاب والسنة، بل تقديم له عليهما، وفتح لباب الضلال والانحراف، فكل طائفة لا تقبل عقول أهلها أمرا تؤوله ليوافق العقل، وهذا باب واسع لا ينحصر، يفقد معه الفهم الصحيح لمعاني كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وتنعدم الثقة بدلالتهما، وإرشادهما للعباد، إذ اصبح الميزان هو العقل، والعقول تختلف وتتفاوت١. أهل التفويض: ومنهجهم: أن نصوص الصفات من آيات وأحاديث لا تعقل معانيها، ولا يعلمها إلا الله، وأن الرسول ﷺ لا يعلم معانيها ولا جبريل ولا السلف السابقون، ثم تناقضوا في ذلك: فمنهم من قال: تجري على ظواهرها وتأويلها بما يخالفه باطل، ولا يعلم تأويلها إلا الله. ومنهم من يقول: المعنى المراد بها خلاف مدلولها الظاهر، ولا يعلم هذا المعنى أحد من الأنبياء ولا غيرهم. وهذا تناقض عجيب، إذ يقولون تجري على ظاهرها، ثم يقولون الظاهر غير مراد، ويقولون مع هذا لها تأويل لا يعلمه إلا الله، وهذا يخالف معنى التفويض الذي حقيقته ألا يحكم المفوض بنفي ولا إثبات.

стр. 241

ومنشأ غلطهم وتناقضهم أنهم جعلوا نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، فضلوا بذلك عن الفهم الصحيح الذي فهمه سلف الأمة وأتباعهم بإحسان، إذ لم يرد عنهم أنهم جعلوا نصوص الصفات من المتشابه، وفهموا وبينوا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ وعقلوا المعنى الصحيح للتأويل من تفسير الشيء أو حقيقته التي يؤول إليها. ومنهج أهل التفويض هذا له نتائجه الخطيرة التي من أخطرها: أ - أن الله أمر الناس بألفاظ مجردة لا يعلمونها ولا يعقلون معانيها، وهو في الوقت نفسه يأمرهم بالتدبر والتفكر في أمور لا يعلمها حتى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فضلا عن غيرهم. ب - أن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم جاهلون بربهم لا يعلمون ما وصف به نفسه، وكانوا يكلمون الناس ويبلغونهم ما لا يعلمون معناه. ت - أن هذا يؤدي إلى إنكار صفات الله تعالى الثابتة بالكتاب والسنة وتعطيلها ورد ما رضيه الله تعالى لنفسه ورضيه له رسوله عليه الصلاة والسلام١.

стр. 242

المبحث الرابع: منهج الرسول ﷺ في دعوته إلى التوحيد سبق الكلام عن الحالة التي وصلات إليها جزيرة العرب قبيل مبعث رسول الله ﷺ وما بلغته من انحطاط عقدي وخلقي واجتماعي، حتى مقت الله تعالى أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، ثم تدارك من شاء منهم برحمته إذ بعث نبيه ورسوله محمدا ﷺ رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا، فهدى به من شاء هدايته فأخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى ومن الغي إلى الرشاد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وبلغ رسول الله ﵊ دعوة ربه كما أمره ربه وجاهد في سبيله حق الجهاد حتى أتاه اليقين وانتشرت هذه الدعوة في العالمين، وربى عليها أصحابه ﵃ في مكة ثلاث عشر سنة ثم في المدينة فكانوا خير من حمل لواء هذه الدعوة دعوة التوحيد وبلغوها إلى الناس وجاهدوا في سبيلها وحموا حماها يقودهم رسول الله ﷺ ، ومن بعده خلفاؤه الراشدون الذين أوصى ﵊ باتباع هديهم، واقتفاء أثرهم، وكذلك سائر الصحابة جاهدوا في سبيل هذه الدعوة ونشرها والدفاع عنها وحمايتها من كل شك وشرك كما علمهم رسول الله ﷺ ورباهم. وفيما يلي سأتحدث عن المنهج الذي نهجه رسول ﷺ في دعوته إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة وترسيخ هذا النوع من التوحيد في نفوس الأمة، وتحصينها من الوقوع فيما يناقضه أو يخالفه، إذ هو أول واجب

стр. 243

على العبد، وأساس إيمانه وإسلامه، كما هو محور دعوة الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام. والحديث عن ذلك فيما يلي: أولا: بيان أن دعوته ﷺ إنما كانت تدور حول تحقيق التوحيد تقدم الكلام عن دعوة الأنبياء والرسل وأنها كانت كلها إلى التوحيد، كما جاء بيان ذلك في القرآن الكريم، فكلما انحرف الناس عن عقيدة التوحيد واندرست معالمه، بعث الله رسولا يجدد هذه الدعوة، ويعيد الناس إلى الصراط المستقيم، ويجدد لهم ما اندرس من هذه العقيدة، التي هي أول واجب عليهم، وأساس كل عمل يعملونه طاعة لربهم، فمن أجل ذلك خلق الله الخلق، وبعث الرسل وأنزل الكتب، وبسببه قامت الخصومة بين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وبين أعدائهم في كل زمان ومكان، وفي سبيله جاهد الرسل وأتباعهم، وكذلك كان رسول الله محمد ﷺ فهو خاتم الأنبياء والرسل ورسالته خاتمة الرسالات، وبعثته لجميع العالمين، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ١. وقال ﵊: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، وذكر منها: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" ٢.

стр. 244

فكانت دعوته ﵊ أعظم دعوة إلى التوحيد، فالقرآن كله يدعو إلى التوحيد ويأمر به ويبين الأدلة ويضرب الأمثلة لتقريره والنهي عما يخالفه من الشرك وغيره، ويحكي أخبار أهل التوحيد من الرسل وأتباعهم وكيف كانت العاقبة لهم، وأخبار أعدائهم، وكيف كانت الدائرة عليهم، وما وعد الله أهل توحيده من ثواب ونعيم وما توعد به أعداءهم من عقاب وعذاب. وكان رسول الله ﷺ يتلو ذلك على الناس ويبينه لهم قولا وعملا في مكة ثلاث عشرة سنة، وعشر سنوات في المدينة كلها كانت في سبيل دعوة التوحيد، باللسان والسنان، والحجة والبيان، يرسل الرسل ويأمرهم بأن يكون التوحيد أول ما يدعون إليه الناس كما بعث معاذا ﵁ إلى اليمن وقال له: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله"١. وكان يكتب الرسائل إلى الملوك يدعوهم وأقوامهم إلى توحيد الله ويحذرهم من الشرك به سبحانه ويحملهم إثم من تبعهم على ما هم عليه. وحين أذن الله له في الجهاد أعلن في الناس قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" ٢ وفي الوقت نفسه يبين لأصحابه مكانة هذا التوحيد وفضله، وينهاهم عن كل

стр. 245

ما يدنسه أو يكون ذريعة إلى ما يخالفه، صيانة لهذا التوحيد وحماية له من كل ما يعارضه. ثانيا: الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك وهذا أساس دعوةته ﵊ ومن قبله جميع المرسلين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت﴾ ١. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢. وكما سبق ذكره أن دعوة الرسول ﷺ كانت كلها إلى التوحيد، وتفصيل ذلك سيأتي، وفي هذا المبحث سأذكر أمثلة مما ثبت عنه ﵊ في دعوته لهذا التوحيد ونهيه وتحذيره من الشرك. منها: قوله ﷺ : "أمرت أن أقتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ... " الحديث٣. وقوله ﵊ كما سبق ذكره في بعثه لمعاذ ﵁: "إنك تأتي قوما أهل كتاب ... "الحديث٤.

стр. 246

وقوله ﵊ فيما رواه معاذ ﵁ قال: "كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ "فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به"، فقلت يا رسول الله: أفلا أبشر الناس، قال: "لا تبشرهم فيتكلوا". وما رواه عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله حرم الله عليه النار" ١. وما رواه جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار" ٢. وما رواه ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار" ٣. وما رواه أبو هريرة ﵁ وقد كانوا مع رسول الله ﷺ في عزوة تبوك ثم ذكر من حديثه فقال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله لا يلفى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة" ٤.

стр. 247

وما رواه جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "أني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، أني أنهاكم عن ذلك" ١. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" ٢. والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة جدا، منها ما يأمر بالتوحيد، ومنها ما يحذر من الشرك وينهى عنه، ومنها ما يحذر من الوسائل والذرائع المفضية إلى الشرك حتى ولو لم تكن شركا، كل ذلك لتقرير هذا التوحيد وترسيخه في القلوب وصيانته من كل ما يخالفه.

стр. 248

الفصل الرابع: أنواع الشرك المبحث الأول: الشرك الأكبر ... كما أن التوحيد أنواع فكذلك الشرك أنواع بيّنها رسول الله ﷺ وحذّر من الوقوع فيها حماية لجناب التوحيد وحرصاً على أهله من الشرك أيا كان نوعه لأنه إما أن يخرج صاحبه من الإسلام ويحرمه نعمة التوحيد، ويورده النار وبئس المصير، وإما أن ينافي كماله فيحرم العبد تمام نعمة التوحيد، وقد ينتهي به إلى الخروج من الإسلام آخر الأمر، أو يخدش توحيده ويلوث صفاءه. المبحث الأول: الشرك الأكبر وهو اتخاذ الأنداد من دون الله، ودعوتهم ومحبتهم والتقرب إليهم من دون الله تعالى، وهو أعظم الذنوب، وأشد المحرمات لا يغفره الله تعالى لمن لم يتب منه توبة نصوحا، ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ١. وقال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ٢. وقال: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٣.

стр. 249

وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١. وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ ٢. وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار" ٣. وعنه ﵁ قال: "سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك" ٤. وهذا النوع من أنواع الشرك ينقسم إلى أقسام: أحدها: شرك الدعاء: كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٥. وهذا إخبار عن حال المشركين وأنهم في حال الرخاء يدعون غير الله ويسألون غيره، فإذا نزلت بهم مصيبة لجأوا إلى الله وسألوه كشف الضر عنهم، حتى إذا كشفه عنهم واستجاب لهم وتحقق مطلبهم عادوا إلى ما

стр. 250

كانوا عليه من الشرك بالله والإعراض عنه، ثم خلف من بعدهم خلف أشد منهم شركا وإعراضا فهم على شركهم وعنادهم في الرخاء والشدة فهم أسوأ حالا من أسلافهم. فهؤلاء أشركوا مع الله تعالى غيره في الدعاء الذي هو العبادة، كما يفعله مشركوا اليوم ممن ينتسبون إلى الإسلام، وهو منهم براء كغلاة المتصوفة والرافضة وأضرابهم. الثاني: شرك النية والقصد والإرادة: ومن أدلته قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَمَنْ أَرَادَ الاخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ ٢.
следующие страницы →