وجود كل موجود هو نفس وجود واجب الوجود، ثم يقول بعدد ذلك: هذا مع أن إثبات الموجود الواجب الغني الخالق، وإثبات الموجود الممكن المحدث الفقير المخلوق، وهو من أظهر المعارف، وأبين المعلوم"١.
ولا شك أن انحرافهم عن المعنى الصحيح نتيجة حتمية لكل من لم يكن مرجعه الكتاب والسنة وقدم على ذلك عقله وهواه ولا يظلم ربك أحدا.
стр. 37
الفصل الأول: نماذج من دعوة الأنبياء والرسل (عليهم الصلاة والسلام) .
خلق الله تعالى الخلق وفطرهم على معرفته سبحانه، وتوحيده لا شريك له، قال مخاطباً رسوله محمداً ﷺ : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١ وقال ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٢.
وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة – وفي رواية على الملة – فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة جمعاء٣، هل تحسون فيها من جدعاء" ٤ ٥.
стр. 38
وعن عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم" ١.
وهذا دليل واضح أن الأصل في الناس أنهم مفطرون على الإسلام، وتوحيد الله ﵎، وأن الشرك والانحراف طارئ فيهم، ودخيل عليهم.
وحفاظاً على سلامة هذه الفطرة، وبقائها على توحيد الله ومعرفته بعث الله تعالى أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وأنزل عليهم كتبه، هداية للناس إلى الصراط المستقيم، الموافق للفطرة التي فطرهم الله عليها، وحماية لهم من الضلال والانحراف عن سبيله القويم، قال جل شأنه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢.
كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : " أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: الأنبياء أخوة من علات٣ وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد فليس بيننا نبي" ٤.
стр. 39
وفي هذا الفصل سأذكر – بإذن الله تعالى – نماذج من دعوة الرسل إلى توحيد الله وأن الدعوة إلى توحيد الله كانت أول ما دعوا إليه أممهم وأن دعوتهم جميعاً متفقة على هذا الأمر، وسائرة على هذا الطريق.
стр. 40
المبحث الأول: دعوة نوح ﵊
وهو أول الرسل وأحد أولي العزم منهم، بعثه الله تعالى حين انحرف الناس عن الدين الصحيح والتوحيد الحق، وظهر الشرك فيهم أول ما ظهر بعد أن كانوا على التوحيد الصحيح عشرة قرون بعد آدم ﵇ كما جاء في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام"١.
ولما رأى الشيطان ذلك ما زال يوسوس ويزين ويلبس حتى استطاع أن يصل بهم في نهاية الأمر إلى تعظيم تلك الصور وعبادتها من دون الله، ثم انتقلت بعد ذلك إلى العرب ليقعوا فيما وقع فيه من سبقهم من الشرك ولانحراف.
كما ثبت عن ابن عباس ﵄ قال: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود فكانت بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهمدان، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم بني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما نسر فكانت لآل ذع الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي يجلسون أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت٢.
стр. 41
فلما ظهر الشرك بعد أن لم يكن بعث الله نبيه ورسوله نوحاً ﵇ يدعو الناس إلى عبادة الله تعالى وحده ويحذرهم من الشرك الذي وقعوا فيه، ويبين لهم خطورة ما هم عليه١، وقص الله تعالى علينا دعوة رسوله نوح ﵇ في مواضع كثيرة من القرآن الكريم٢، ويمكن أن نلخص دعوته ﵇ إلى توحيد الله تعالى في المواقف التالية:
الأول: بداية بدء الدعوة
بدأ ﵇ دعوته بالتوحيد، والتحذير من الشرك وبيان خطورته ووخيم عاقبته، قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ ٣.
وقال : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٤.
стр. 42
وآيات أخرى تبين أن الدعوة إلى توحيد الله والنهي عن الشرك كانت أول ما بدأ به نوح ﵇ دعوته، وسار على ذلك الأنبياء والمرسلين من بعده١، ذلك أن التوحيد أول ما فرضه الله على عباده، وهو الذي من أجله بعث الأنبياء والرسل وأنزلت عليهم الكتب والرسالات، فكلما انحرف الناس عن هذا الطريق وزاغوا عنه، وظهر فيهم الشرك بالله تعالى بعث الله إليهم من يجدد لهم معالم هذه العقيدة، ويردهم إلى الصراط المستقيم وينقذهم من خطر الشرك والانحراف.
الثاني: براءة نوح من قومه ودعاؤه عليهم
ما رأى نوح ﵇ إصرار قومه على الكفر وتمسكهم به ودفاعهم عنه، ومكابرتهم للحق، رغم صبره على أذاهم، ومضيه في دعوته إلى دين الله تعالى ليلاً ونهارا ً، ذلك الزمن الطويل، وأن ذلك لم يزدهم إلا عتواً واستكباراً٢ توجه إلى ربه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلاَّ فِرَاراً وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً﴾ ٣، فأعلمه ربه بقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٤.
стр. 43
عند ذلك أعلن نوح براءته من قومه ودعا الله تعالى أن يهلكهم وأن يطهر الأرض من شركهم وضلالهم: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً﴾ ١. وكما قال عنه ربه تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ ٢، وقد استجاب له ربه كما قال : ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ ٣. وقال سبحانه: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ ٤.
وأهلك الله قومه الكافرين ومنهم ابنه الذي لم يفتأ يدعوه إلى الإيمان إلى أن أدركه الغرق، وكان يراجع ربه فيه حتى قال له ربه : ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٥. عندها تبرأ نوح منه وسأل ربه المغفرة والرحمة، لأن علاقة النسب وكل علاقة دون علاقة الإيمان لا عبرة بها، إذا لم تكن علاقة الإيمان بالله تعالى.
стр. 44
وقد عوض الله نبيه نوحاً بأن جعل في ذريته إبراهيم ﵉ النبوة والكتاب، فما بعث نبي إلا وهو من ذريتهما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية: "يخبر الله تعالى أنه منذ بعث نوحاً ﵇ لم يرسل بعده رسولاً ولا نبياً إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم ﵇ خليل الرحمن لم ينزل كتاباً ولا أرسل رسولاً ولا أوحى إلى بشر من بعده إلا هو من سلالته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ ٢، حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى بن مريم الذي بشر من بعده بمحمد صلوات الله وسلامه عليهما"٣.
وهكذا من ترك شيئاً لله تعالى عوضه الله خيراً منه، والولاء لله تعالى مطلوب من كل مؤمن، والبراءة من كل كافر ومشرك مطلوب ولو كان أقرب الناس إليه، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ
стр. 45
الظَّالِمُونَ﴾ ١. وقال جل شأنه: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
الثالث: أهم الدروس والعبر من دعوة نوح ﵇
١- أن التوحيد كان أول ما دعا إليه نوح ﵇ قومه، وبدأ به دعوته، وكذلك الرسل من بعده.
٢- أن عقيدة التوحيد هي الأصل الذي كان عليه الناس من آدم ﵇ إلى أن ظهر الشرك في قوم نوح ﵇ بعد عشرة قرون، فقد كانوا قبل ذلك على التوحيد الصحيح الموافق للفطرة التي فطر الله الناس عليها، والشرك حادث طارئ بعد أن لم يكن، وهذا معنى قوله : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا
стр. 46
جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
وقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة أن معنى قوله : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي على الهدى والتوحيد، ثم اختلفوا بأن ظهر فيهم الشرك، فبعث الله تعالى رسله عليهم الصلاة والسلام وأولهم نوح ﵇، وبهذا القول قال ابن عباس رضي الله عنهماومجاهد وعكرمة وقتادة.
ومنهم من قال: إن معنى الآية: أنهم كانوا كفاراً، وروي هذا القول عن العوفي عن ابن عباس ﵄.
والقول الأول هو الصحيح لما يأتي:
أ- ما جاء في الحديث الصحيح سالف الذكر عن ابن عباس ﵄، أن الناس كانوا عشرة قرون على التوحيد بعد آدم ﵇.
ب– ما ثبت عن ابن مسعود وأبي بن كعب ﵄ أنهما كانا يقرءان هذه الآية: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ وهما ممن أمر النبي ﷺ أن يؤخذ القرآن عنهما٢.
стр. 47
جـ – ما جاء في الآية الأخرى في سورة يونس وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية الكريمة: "ثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس، كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم على دين واحد، وهو الإسلام، قال ابن عباس ﵄: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام"، ثم وقع الاختلاف بين الناس وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان، فبعث الله الرسل بآياته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ "٢٣.
د – القول الأول أصح سنداً عن ابن عباس ﵄ من القول الثاني.
هـ – القول الثاني لا يناسب سياق الآية الكريمة، فقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ مدح يشعر بالقوة والترابط والوحدة، وهذا لا يكون إلا بالإيمان والتوحيد، أما الكفر والشرك ففرقة وشتات كما قال
стр. 48
عزَّ وجل: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء﴾ ٢.
وبهذا يتضح أن الأصل هو التوحيد الموافق للفطرة والشرك طارئ حادث، وأن الدعوة إلى التوحيد دعوة بالناس إلى الأصل الذي كانوا عليه، والفطرة التي فطرهم الله عليها، والشرك خروج عن ذلك وانحراف عنه، ولذلك اقتضت حكمة الله الحكيم الخبير أن يبعث أنبياءه ورسله وينزل الكتب للعودة بالبشرية إلى هذا المنهج القويم، وحمايتها من كل انحراف عنه وأول ذلك وأخطره الشرك بالله تعالى.
٣- من الدروس والعبر في عودة نوح ﵇: أن أول شرك ظهر في الأرض كان سببه الغلو في الصالحين، وتجاوز الحد في تعظيمهم، ولا يزال كذلك إلى يومنا هذا سبباً في وقوع كثير من الناس في الشرك بالله تعالى، والمطية الأولى التي يركبها الشيطان لفتنة بني آدم في دينهم وإيقاعهم في الشرك، وأول وسائله إلى ذلك تزيين إقامة الأنصاب والتماثيل والصور حتى يتعلقوا بها ثم لا يزال بهم حتى يعبدوها، كما جاء في الحديث عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، فذكرت له ما
стр. 49
رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﷺ : "أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى" وفي لفظ آخر في الصحيحين: "أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها" ١.
فانظر كيف كان الغلو في الصالحين طريقاً إلى الشرك بالله تعالى مع طول الفارق الزمني، ولا يزال الشيطان يدخل على كثير من ضعفاء الإيمان من هذا الباب حتى يصل في نهاية الأمر إلى الشرك، نعوذ بالله من ذلك.
٤- من الدروس والعبر في دعوة نوح ﵇: تشابه صور الشرك وأعمال أهله في كل زمان ومكان مهما كان التفاوت الزمني في ذلك، فالأصنام التي ظهرت في قوم نوح أظهرها الشيطان للعرب فكانت فيهم يوم أن أظهرها عمرو بن لحي الخزاعي أخزاه الله، وما عمله المشركون في عهد نوح ويعمله المشركون في كل زمن من التعلق بالصالحين والغلو فيهم، ثم عبادتهم من دون الله .
٥- من الدروس والعبر في هذه الدعوة: أن رابطة الإيمان والعقيدة هي الرابطة الأولى التي تغني عن كل رابطة ولا تغني عنها رابطة مهما كانت قوتها أو قربها، وأن موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين أمر مطلوب من
المبحث الثاني: دعوة هود ﵇
أرسل الله نبيه ورسوله هوداً ﵊ إلى قومه عاد وكانوا يسكنون الأحقاف. قال ابن عباس ﵄: "واد بين عُمان وأرض مَهْرَه". وقال ابن إسحاق: "الأحقاف رمل فيما بين عُمان إلى حضرموت". وقال قتادة: "الأحقاف دمال مشرفة على البحر بالشحر من أرض اليمن". ولا خلاف بين هذه الأقوال، فهي تدل على مكان واحد جنوب الجزيرة وقرب حضرمت١.
وقد ظهر فيهم الشرك بالله تعالى وكانوا أول من أظهره وعبد الأصنام بعد هلاك قوم نوح ﵇ بالطوفان، فأرسل الله تعالى إليهم رسوله هوداً ﵇ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهاهم عن عبادة غيره٢.
ونلخص دعوته ﵇ في المواقف التالية:
١- بداية دعوته ﵇:
وقد بدأها بالدعوة إلى توحيد الله ﵎، كما بدأها قبله نوح ﵇، وكما هي بداية دعوة جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. قال الله :
стр. 52
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ﴾ ٢.
فبينت هاتان الآيتان أن بداية دعوته كانت الدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له، وردهم إلى الصراط المستقيم الذي انحرفوا عنه.
٢- إعلامه قومه أنه لا طمع له في أجر منهم إنما أجره من الله تعالى وحده:
فقد بين لهم أنه لا يريد منهم أجراً على هذه الدعوة، إنما يريد منهم الاستجابة لما جاء به من عند الله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٣.
وهذا منهج الأنبياء والرسل جميعاً، وإنك لو قرأت دعوة الرسل جميعهم لرأيتهم جميعهم يواجهون قومهم بهذا القول، ليعرفوا أن شأن الرسل تمحيض النصح لأقوامهم، وذلك لا يكون إلا خلت دعوتهم عن
стр. 53
المطامع، وتمحضت لإرضاء الله تعالى، والرغبة فيما عنده من ثواب، ولذلك عقب ذلك بقوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إذ ترون نصيحة من لا يطلب أجراً إلا من الله١.
وما من شك أن هذا أبلغ في الدعوة وأدعى للاستجابة وأشرف لجانب الدعوة وصاحبها، فكم من دعوة حطمتها الأطماع الشخصية، والأهداف الدنيئة.
٣- صبره ﵇ على أذى قومه
فقد ناصبوه العداء واتهموه بالسفه وضعف العقل، وكذبوا دعوته، وأصروا على ما هم عليه من الشرك والضلال، وهو صابر على أذاهم، مستمر في دعوتهم إلى الله تعالى مرشد لهم إلى ما فيه نجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، محذر لهم عذاب الله الأليم إن هم أصروا على إعراضهم
وكفرهم وتكذيبهم لرسوله، قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ
стр. 54
وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وقد جاءت قصة دعوة هود قومه في آيات كثيرة من كتاب الله الكريم٢.
٤- نهاية عاد:
كانت عاد أول من أحدث الشرك في الأرض بعد الطوفان، بعد أن أهلك الله الشرك وأهله بالطوفان، ومع ما قام به هود ﵇ من دعوتهم وتذكيرهم بنعم الله عليهم وتحذيرهم من عذابه، مع ذلك كله لم يزدادوا إلا عتواً واستكباراً وسخرية به وبدعوته واستهزاءاً، فأرسل الله تعالى عليهم عذابه ريحاً شديدة، وسحاباً ظنوه مطراً ورحمة وهو العذاب الأليم. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ
стр. 55
مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ٢. وقال جل شأنه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ ٣.
فقد أهلكهم الله لما كذبوا رسوله وأصروا على شركهم وضلالهم ونزل بهم عذابه وبأسه الذي لا يرد، جزاءاً وفاقاً، وما ربك بظلام للعبيد. وهكذا نهاية كل من أشرك بالله تعالى غيره ورد دعوة أنبيائه ورسله.
جاء في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، وإنما كان يبتسم، وقالت: وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف في وجهه، قالت: يا رسول الله إن الناس إذا رأوا
стр. 56
الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية؟ فقال: "يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ عُذِّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا" ١.
стр. 57
المبحث الثالث: دعوة رسول الله صالح ﵊
بعثه الله تعالى إلى ثمود، وكانوا بعد عاد، وكانوا يعبدون الأصنام، وكانت مساكنهم في وادي الحجر شمال الجزيرة العربية بين المدينة والشام١، وهي مجاورة لمدينة العلا وتابعة لها.
وقد مر بها رسول الله ﷺ في سيره إلى غزوة تبوك عام ثمانية من الهجرة النبوية، ونهى أصحابه أن يشربوا منها أو يستقوا، وأمرهم أن يهريقوا الماء وأن يعلفوا العجين الذي عجنوه بمائها للدواب.
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ "لما نزل بالحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء" ٢. وعنه ﵁ أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ أرض ثمود، الحجر، واستقوا من بئرها واعتجنوا به، "فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كان تردها الناقة" ٣. وعنه ﵁: أن النبي ﷺ لما مر بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا، إلا أن تكونوا باكين
стр. 58
أن يصيبكم ما أصابهم" ثم تقنع بردائه وهو على الرحل" ١.
وكانت ثمود كما سبق ذكره يعبدون الأصنام كما كان أسلافهم عاد، فأرسل الله إليهم نبيه ورسوله صالحاً ﵇ فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك ما هم عليه من عبادة غيره، وكان يذكرهم بأسلافهم عاد وكيف كانت نهايتهم، وكيف أن الله تعالى أورثهم الأرض من بعدهم، وأغدق عليهم النعم الكثيرة، ولكنهم ردوا دعوته، وأعلنوا معارضته، وتحدوه بطلب آية من الله تدل على صدقه، وقد جاءت قصة صالح ﵇ مع قومه في مواضع كثيرة من كتاب الله عز وجل٢.
وفيما يلي أهم المواقف في دعوته ﵇:
١- بدء دعوته ﵇:
بدأ صالح ﵊ دعوته قومه بالدعوة إلى التوحيد ونبذ ما هم عليه من الشرك وعبادة غير الله من الأصنام وغيرهم فكان يذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم ويحذرهم وينذرهم عاقبة الذين كذبوا الرسل من قبل وما حصل لقوم عاد، قال الله ﵎: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ
стр. 59
وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ١. فقد بدأهم بالدعوة إلى التوحيد الذي انحرفوا عنه، كما دعا إليه من قبله من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
- موقف قومه من دعوته:
كانت ثمود من الأمم المفرطة في اللذات من مطعم ومشرب ومسكن، وبلغوا في ذلك الترف مبلغاً أوقعهم في السرف والعصيان والتمرد على كل دعوة حق لظنهم أن ما هم فيه دائم لا يزول، فعاثوا في الأرض فساداً وسخروا من صالح ﵇ ودعوته ومن آمن معه، وناصبوهم العداء وأعرضوا عن الصراط المستقيم الذي جاء به. قال الله : ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ٢. كما قال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ
стр. 60
مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ ١.
ومع تلطفه في دعوته طمعاً في هدايتهم، وتذكيره لهم بنعمة الله تعالى عليهم، ومكانته المعروفة لديهم واشتهاره بينهم بالصدق والأمانة وحسن الخلق فيهم مع ذلك كله اتهموه بالسحر، والسفه، وسخروا منه ومن دعوته، وأنهم كان لهم فيه رجاء وطمع قبل أن يظهر عليهم بهذه الدعوة الجديدة، وهذا منطق أعداء الرسل عليهم الصلاة والسلام جميعاً من قبل صالح ﵇ ومن بعده ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ٢، ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٣.
واستمر ﵇ في دعوته يلح عليهم ويخوفهم عذاب الله ولم يتبعه منهم إلا القليل المستضعفون فلما رأوا ذلك منه طلبوا منه آية، فأسل الله تعالى الناقة آية وابتلاءاً لهم وحذرهم وأخذ عليهم المواثيق، أن لا يمسوها بسوء٤، وأنذرهم أن عذابهم مرتبط بذلك وحذرهم أشد التحذير، ولكنهم خالفوه وعصوا أمره وعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم.
стр. 61
١- نهاية قوم صالح:
طلب قوم صالح أن يأتيهم بآية تحدياً له وتعللا في رد دعوته، فأرسل الله تعالى لهم الناقة فتنة لهم، وبين لهم أن لها شرب يوم ولهم شرب يوم وحذرهم من المساس بها بأي نوع من أنواع السوء، وأنهم إن فعلوا ذلك فإن العذاب واقع بهم. ولكنهم خالفوا ذلك وارتكبوا ما نهاهم الله عنه وعقروا الناقة فجاءهم العذاب صيحة من السماء ورجفة من الأرض فاضت بها أرواحهم وزهقت لها نفوسهم وهلكوا جميعاً إلا صالحاً ومن آمن معه، وهكذا انتهوا إلى هذه النهاية الأليمة جزاء تكذيبهم وردهم لدعوته إلى الله تعالى، وهي نهاية كل مشرك مكذب، ولعذاب الآخرة أكبر١. قال الله جل شأنه: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ﴾ ٢.
هكذا نزل بهم ما حذرهم منه رسولهم صالح ﵇، فكانت نهايتهم الأليمة وعاقبتهم الوخيمة عبرة وعظة لكل معتبر متعظ، فتلك
стр. 62
ديارهم خاوية على عروشها باقية إلى زماننا هذا. فليحذر أهل الشرك والضلال أن يحل بهم ما حل بأولئك فإن الله يمهل ولا يهمل، فإذا أخذ الظالم لم يفلته. ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ١.
آيات وعبر من دعوة صالح ﵇:
- البدء في دعوته بالتوحيد كما هي دعوة الرسل جميعاً عليهم الصلاة والسلام.
- أن نعم الله على عباده إذا لم تصرف في طاعته سبحانه وطاعة رسله فإنها تنقلب نقمة وعذاباً على أهلها.
- أن الله تعالى ناصر رسله وأتباعهم وإن كانوا قلة مستضعفين، وأن الكثرة لا قيمة لها ولا عبرة بها إذا لم تكن على الحق.
- أن طلب المعجزات والآيات إذا لم يتبعه الإيمان الصادق فإن العقوبة على ذلك تنزل عاجلة.
- أن آثار المعاصي والآثام قد تمتد إلى أزمنة بعيدة ليتعظ بها من بعدهم.
- أن آثار المعاصي والآثام قد تصل إلى الأراضي والمياه وغيرها، ولذلك نهى رسول الله ﷺ أصحابه عن دخول أرضهم إلا وهم باكون، ونهاهم عن الشرب من مائها، والأكل مما عجن بذلك الماء.
стр. 63
المبحث الرابع: دعوة إبراهيم الخليل ﵊
هو أبو الأنبياء وخليل الرحمن إبراهيم بن آزر ﵊، جعل الله تعالى في ذريته النبوة والكتاب، فما نزل كتاب من السماء بعده ﵇ إلا كان في ذريته وشيعته، وهذه مرتبة عظيمة ومقام رفيع اختص الله بها خليله إبراهيم عليه السلام١.
قال : ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٢. وقال جل شأنه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٣.
وقد بعث الله تعالى خليله إبراهيم ﵇ في فترة من الرسل عم فيها الشرك بأنواعه الأرض وسادت الوثنية واستحكم الجهل والضلال، فاختار الله رسوله إبراهيم واصطفاه لهذه المهمة العظيمة، فقام بها خير قيام، وأدى الأمانة خير أداء، وهو أحد أولي العزم من الرسل، دعا الله أن يبعث رسولاً في هذه الأمة فاستجاب الله تعالى دعوته وبعث
стр. 64
خاتم الأنبياء والمرسلين محمداً ﵊، وكان من إكرام الله تعالى لخليله ﵇ أن أمر رسوله محمداً ﷺ وأمته باتباع ملة إبراهيم ﵇، وقص الله تعالى دعوة إبراهيم عليه في سور كثيرة من كتابه١.
والحديث عن إبراهيم ﵇ ودعوته طويل، والمواقف والعبر فيها كثير، أكتفي بذكر أهمها:
١- في دعوة أبيه٢:
كان أبوه أول المكذبين بدعوته، والمعرضين عنها، والمعارضين لها، وقد بذل إبراهيم ﵇ جهده في دعوة أبيه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتخليصه من عبادة غير الله تعالى، واتسمت دعوته لأبيه بالأدب الجم والتواضع العظيم، مع بلاغة في الحجة، وقوة في البرهان، وقص الله
تعالى ذلك في كتابه الكريم فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً إِذْ قَالَ لأبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ
стр. 65
شَيْئاً يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ ١
يعرض القرآن الكريم هذا الحوار بين إبراهيم ﵇ وأبيه أبلغ العرض وأحسنه، وقد تجلت فيه حكمة إبراهيم الخليل ﵇ وأدبه مع أبيه، وحرصه على هدايته إلى الصراط المستقيم، وما قابله به أبوه من التكذيب والتهديد والوعيد الذي لم يزد إبراهيم عليه إلا أدباً إلى أدبه وحرصاً وصبراً على دعوة أبيه ووعده بأن يستغفر الله تعالى له، وقد وفى بوعده ﵇، حتى نهاه الله تعالى عن ذلك فانتهى.
ولم يقتصر حرصه على هداية أبيه في الدنيا بل سيكون ذلك حتى في يوم القيامة، فقد أخرج البخاري ﵀ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب، وعدتني أن لا تخزني يوم
стр. 66
يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذبح متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار"١.
وهذا الحرص من الخليل ﵇ على هداية أبيه يشبه حرص رسول الله ﷺ على هداية عمه أبي طالب، وحرصه الشديد على ذلك حتى وهو في سكرات الموت، وهو يقول:"يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله"٢،ولكن جلساء السوء ما زالوا به يذكرونه ما كان عليه من دين آبائه وأجداده حتى مات وهو على كفره، ووعد رسول الله ﷺ بالاستغفار له حتى نزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ٣.
ونزل في أبي طالب خاصة: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٤.
стр. 67
وحين رأى إبراهيم ﵇ إصرار أبيه على الكفر، وإعراضه وعداءه للحق، وعدم استجابته لدعوته، عند ذلك أعلن البراءة منه، كما بينت ذلك الآية التي سبق ذكرها، وكما جاء في قوله تعالى: في براءته ﵇ مما كان أبوه وقومه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ١.
وهذه البراءة التي أعلنها الخليل ﵇ من الشرك وأهله، وأولهم أقرب الناس إليه أبوه، هذه البراءة من أول لوازم تحقيق التوحيد وإخلاصه لله ، وهي مرتبة عالية يصل إليها من رزقه الله تعالى إيماناً صادقاً وعملاً صالحاً خالصاً لله وحده، وكلمة التوحيد لا إله إلا الله معناها الولاء والبراء، وهي العروة الوثقى، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢. وقد أولى القرآن الكريم والسنة النبوية عقيدة الولاء والبراء اهتماماً كبيراً، قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
стр. 68
وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١.وقال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢. وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٣.
ومن السنة ما جاء في الصحيحين عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" ٤.
وما جاء في الصحيحين أيضاً عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في
стр. 69
الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار" ١.
فهذان الحديثان وغيرهما يدلان على أن المسلم يجب أن تكون ولايته ومحبته لله تعالى، ولرسوله ﷺ ، لا يجوز له أن يشرك فيهما أحداً مهما كانت قرابته أو مكانته، كما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : "لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا نفسي، فقال: "والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فقال له عمر: فإنك الآن أحب إلي من نفسي، فقال: "الآن يا عمر"٢.
والآيات والأحاديث وأقوال السلف في هذا الباب كثير، في الأمر بالولاء والبراء لله تعالى والنهي عما يخالفه، وبيان لمن يكون الولاء٣.
٢- دعوته قومه:
دعا إبراهيم ﵇ قومه إلى توحيد الله تعالى وعبادته وحده لا شريك له، واجتهد في ذلك أعظم اجتهاد، وسلك كل طريق ظنه موصلاً إلى هدايتهم، وقبولهم للحق الذي جاء به، وبعدهم عن الباطل، وأتاه الله الحجة البالغة على قومه، ومن أساليبه وطرقه في دعوة قومه:
стр. 70
أ) دعوتهم بطرق الاستدراج:
فحين جَن عليه الليل رأى كوكباً من الكواكب، فقال لقومه على سبيل الاستدراج والتهكم ﴿هَذَا رَبِّي﴾ ، فلما غاب عنه قال: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ فكيف يصلح هذا الكوكب أن يكون رباً وإلهاً وهو يحضر أحياناً ويغيب أحياناً؟. وكذلك قال لما رأى القمر، والشمس، قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ١. فقد استدرجهم ﵇ حتى كشف لهم بطلان
стр. 71
ما هم عليه من عبادة الكواكب من دون الله تعالى١.
وهذه مهارة ودهاء وحكمة منه ﵇، إذ جعلهم بأنفسهم يقيمون الحجة على أنفسهم، ووضع أيديهم على مواطن الضعف منهم، وظهر لهم في موقف الباحث لئلا ينفروا منه، حتى أبطل حججهم، وأظهر باطلهم، وبعد ذلك أعلن لهم عقيدته الحقة، وبراءته منهم ومن شركهم، وولاءه وتوحيده لله تعالى وحده لا شريك له، وثقته به سبحانه، وعدم خوفه مما يشركون، وأن الخوف لهم وفيهم لشركهم بالله تعالى وعبادتهم غيره، وهذه القوة في الحجة والبلاغة في البرهان نعمة وفضل تفضل الله به خليله إبراهيم عليه السلام٢.
وفي هذه الآيات وعد بالأمن والهداية من الله تعالى لنبيه إبراهيم ﵇ ولكل موحد، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ، وقد بين الرسول ﷺ المقصود بالظلم في الآية، حين شق ذلك على أصحابه ﵃ وقالوا لرسول الله ﷺ : وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : "ليس بالذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح:
стр. 72
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ إنما هو الشرك"١.
وقصة إبراهيم ﵇ مع عباد الكوكب، زعم بعض المؤرخين أنها وقعت حين خرج من السرب وكان صغيراً، وممن ذكر ذلك ابن إسحاق.
وذلك غير صحيح مصدره أخبار إسرائيلية، والصحيح أن ذلك كان في دعوته ومناظرته لأهل حران عباد الكواكب.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب لأهل حران فإنهم كانوا يعبدونها، وهذا يرد على من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب لما كان صغيراً، كما ذكره ابن إسحاق وغيره، وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها، ولاسيما إذا خالفت الحق، وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام، وهم الذين ناظرهم في عبادتها، وكسرها عليهم، وأهانها وبين بطلانها"٢.
ومن أساليبه ﵇ في دعوته قومه:
ب) بيان عجز آلهتهم وضعفها:
بين ﵇ ضعف آلهتهم وعجزها، وأنها جمادات لا تملك لنفسها ولا لغيرها نفعاً ولا ضراً، وعزز ذلك بالدليل المادي على ذلك إذ كسرها وعلق الفأس في رقبة كبيرها، فلم تستطع دفع الضرر عن نفسها، قال الله
يَنْطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ ١.
وفي هذا الموقف أقام إبراهيم ﵇ الحجة بالغة على قومه، وقدم لهم الدليل الحسي المادي على بطلان عبادتهم لهذه الأصنام، وكيف أنها عجزت عن دفع الضر عن نفسها، فكيف يطمعون أن تدفع عنهم ضراً، أو تجلب لهم نفعاً، ويصرفون لها العبادة من دون الله ﵎ الذي يملك النفع والضر وحده لا شريك له، فهو المستحق للعبادة دون سواه.
ولكنهم مع ذلك كله أبوا إلا المكابرة والإصرار على الباطل رغم وضوح الحجة وظهور البرهان، وانكشاف بطلان عبادتهم، واستحكم الجهل في نفوسهم، وسيطر التعصب للباطل على عقولهم، وقررا الانتقام من إبراهيم ﵇ بإحراقه ولكن الله تعالى نجاه من كيدهم
стр. 75
ومكرهم، وأكرمه، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، وخذل أعداءه وأهلكهم بما ظلموا.
٣- موقفه ﵇ مع مدعي الربوبية:
ذكر المفسرون أن مدعي الربوبية هذا هو النمرود بن كنعان، ملك بابل، ونقل ذلك مجاهد وغيره١، وقد دارت بينه وبين إبراهيم ﵇ مناظرة انتهت بهزيمة عدو الله، الذي ظن أنه بقتله رجلاً وعفوه عن آخر قد تحتم قتلهما، ظن ذلك الجاهل أنه يحيي ويميت، ولكن إبراهيم ﵇ وقد آتاه الله قوة الحجة، أفحمه من أول وهلة، إذ طلب منه ما دام أنه يدعي الربوبية أن يأتي بالشمس من المغرب بدلاً من المشرق، فالرب لابد أن يكون قادراً على التصرف كيف شاء، ولكن ذلك الكافر المكابر عجز وبهت، كما قال الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
وهكذا شأن الطغاة يظنون أنهم بتلبيسهم على بعض عوام الناس وجهلتهم قادرون على تحقيق مقاصدهم الشيطانية، وأطماعهم الفاسدة، كما فعل فرعون مع قومه، وكما هو شأن الطغاة في كل زمان ومكان،