فقلت له:
الأحاديث التي في صفات الله تعالى تُنْقد لمعرفة مدى ثبوتها، كغيرها من الروايات، فتنقد سنداً ومتناً، والمقاييس هي المقاييس، وهناك روايات حُكِم عليها بالوضع، لأنها جاءت بوصف الله تعالى بما لا يليق به - في ضوء النصوص الثابتة الأخرى – مثل الحديث المكذوب: "إذا غضب الله تعالى أنزل الوحي بالفارسية وإذا رضي أنزله بالعربية" ١".
والحديث المكذوب "إن الله خلق الخيل فأجراها حتى عرقت ثم خلق نفسه من عرقها"!!.
والقاعدة في هذا أن ما تأتي به الأحاديث المروية في صفات الله تعالى ينقسم إلى قسمين: قسم يُعْلم بطلانه لأنه يصف الله بغير ما يليق به، وقسم يُعْلم موافقته لما يليق بالله تعالى – في ضوء النصوص الثابتة – ثم هناك فرق بين ما لا يدركه العقل، وبين ما يُدْرِكُ العقلُ بطلانَهُ وأنه لا يليق به تعالى.
стр. 37
ولا ينبغي أن يعزل العقل عن محل ولايته، ولا أن تعارض السنن به"١".
стр. 38
س١٠: قال لي:
والسؤال الثاني هو: هل يستطيع أَيُّ محدث رفْضَ حديث أو آية إذا ثبت السند ثبوتاً لا خلاف فيه، وذلك بنقد المتن ؟.
قلت له:
أما عن الآي فالسؤال افتراضي، لأن القرآن متواتر، ولم يَدْخل عندهم في دائرة النقد، وأما الحديث فنَعَمْ، وعلى هذا شواهد من صنيعهم"٢" بَيْد
стр. 39
أنه لابد من التعليق على صيغة السؤال في ضوء منهج المحدثين فإن قولك: "هل يستطيع أيُّ محدث رفضَ حديث إذا ثبت السند ثبوتاً لا خلاف فيه، وذلك بنقد المتن؟ " قد يكون مبنياً على تخيُّل صورة لا تحصل في منهج المحدثين وهي: أنْ يكون السند صحيحاً والمتن باطلاً ثُمّ هُمْ - في هذه الحال- يَحْكمون للسند بالصحة بحيث يقتضي ذلك قبول المتن! إن هذا لا يحصل في منهجهم، لأنهم وإن توفرت عندهم شروط صحة السند لا يَحْكمون بصحته بحيث يرون وجوب قبول الحديث، حتى ينظروا في متنه، فإنْ رأوه باطلاً فإنهم يَرُدُّون
стр. 40
الحديث مهما كانت صورة سنده صحيحة، ولا يَحْكمون –في هذه الحال- بصحة السند إلا حُكماً نظرّياً مجرداً عن الحكم على المتن، ولهذا فإنهم يقولون في مثل هذا: "السند صحيح المتن باطل، أو موضوع". ولا يقولون: "السند صحيح" فقط، ويَسْكتون عن الحكم على المتن؛ لأن معنى ذلك –في الغالب- أن الحديث صحيح سنداً ومتناً، وذلك نظراً لما عُهِد من منهجهم أَنَّ الإمام مِنْ أئمةِ الحديث إذا قال في حديث: "سنده صحيح"، وَسكَتَ دلّ في الغالب على أنه لم يَطّلِعْ على علةٍ في المتن، وذلك دليل على صحة الحديث عنده"١".
ويقول د. الأعظمي: "إن المحدثين لم يقفوا على الأسانيد فقط""ومن ثم" أصدروا أحكامهم على الأحاديث، بل دائماً كانوا ينظروا إلى المتن حتى حكموا على الأحاديث بالبطلان بالرغم من نظافة الأسانيد ومن أمثلة ذلك:
стр. 41
قال الذهبي:
١- "محمد بن علي بن الوليد السلمي البصري، عن العدني ومحمد بن عبد الأعلى، وعنه الطبراني وابن عدي.
روى البيهقي في حديث الضب من طريقه بإسناد نظيف، ثم قال البيهقي: الحمْل فيه على السلمي هذا. وصدق البيهقي""١".
٢- محمد بن علي الشرابي، شيخٌ لِتمام الرازي.
وضع على سندٍ صحيح: "أكذب الناس الصواغون والصباغون""٢".
٣- محمد بن الفضل البخاري الواعظ، عن حاشد بن عبد الله روى بإسناد نظيف مرفوع، "قيام الليل فرض على حامل القرآن. فكذا فلْيكن الكذب""٣".
стр. 42
قلت:
وهكذا أيضاً فلْيكن النقْد والتمحيص والتثبت في الروايات إنه منهج المحدثين الفريد الذي أوصلهم إلى هذه النباهة والعقل حتى لا يفوتهم التنبه إلى الوضع على الأسانيد النظيفة! وأما غير المحدثين فماذا عساهم أن يصنعوا لو أرادوا أن يتشبهوا بالمحدثين في منهجهم فمرّتْ عليهم مثل هذه الروايات الموضوعة بأسانيد نظيفة؟!.
يقول الأعظمي: "ولأجل ذلك قالوا: صحة الإسناد لا يلزم منها صحة المتن""١" وقد علق الأعظمي على هذا بعد أن أحال فيه إلى "الباعث الحثيث" ص: ٤٣، فقال: "ولو أنني أرى أن القاعدة الكلية هي: صحة الإسناد تستلزم صحة المتن. أما في الأمثلة المذكورة أعلاه أو في أحاديث مماثلة فهي قضايا شاذة نادرة الوجود، لذلك بالرغم من وجود هذا الأصل، لا يمكن اعتباره كقاعدة".
стр. 43
والمحدثون قد يستدلون على حال الراوي مِن حيث الضبط بِمَدى استقامة رواياته، يعلم هذا مَن يتصفح كتب الجرح والتعديل، فإنه كثيراً ما يصادفه قولهم في الراوي: "مستقيم الحديث" "رواياته مستقيمة" "صالح الحديث" "صحيح الحديث"، "رواياته صالحة"، "أحاديثه صحاح" وقد يصرح أحدهم في هذه الحال بعدم معرفته بالراوي مع حكمه بصحة حديثه ومن الأمثلة على هذا ما أشار إليه الأعظمي: "سئل يحيى بن معين عن حاجب فقال: "لا أعرفه، وهو صحيح الحديث""١".
ولمعرفة ورود هذه العبارات التي تتجه للحكم على الراوي من خلال نقْد رواياته في كلام المحدثين راجع المواضع الآتية:
* سؤالات البرقاني للدارقطني التراجم: ٩٤ و٣٩٨ و٣٧٧.
* سؤالات الحاكم النيسابوري للدارقطني:
стр. 44
التراجم: ٢٧٧، ٢٧٨، ٢٨٠، ٢٨٦، ٢٩٤، ٣٢٩، ٣٣٤، ٤٠٥.
* وسؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة لعلي بن المديني: التراجم: ١٠٦، ١٦٤، ٢٢٠، ٢٤١.
* ومما يُستدل به على أن السند شرط من شروط صحة الحديث، ولا يكفي وحده لإثبات صحة الحديث، مما يُستدل به على ذلك أن الحديث قد تتعدد أسانيده، فيُروى بأسانيد كثيرة ومع ذلك لا يُحكم للحديث بالصحة ولا بالحُسْن، ومن أمثلة ذلك:
حديث الأذنان من الرأس "انظر سنن الدارقطني ١/٩٧- ١٠٧ وقد أورد له نحو "٥٥" طريقاً ليس فيها واحد مرفوع صحيح".
وأحاديث القهقهة في الصلاة "انظر سنن الدارقطني ١/١٦١- ١٧٥، وذكر نحو ٦٨ حديثاً، ليس فيها حديث واحد صحيح مرفوع".
* وأحاديث في الماء المتغير "انظر سنن الدارقطني: ١/٢٨- ٣٢ وذكر نحو ثمانية عشر حديثاً لم يُصحح واحداً منها".
стр. 45
إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة
وانتقل بنا الحال إلى السؤال الآتي:
стр. 46
س١١: قال لي:
هل نَقْد السند وحده يَثْبتُ به تصحيحُ الحديث أو تضعيفُه ؟ .
قلت له:
قد تَبيّنَ مما سبق أنّ نقْد السند يثبت به صحة السند أو ضعفه – بصورة مبدئية- دون المتن، لأنه تبقي هناك نظرة أخرى للمتن تؤيد ظاهر صحة السند أو تَرُدُّها، إذْ قد يتبين من خلال النظر في المتن عيبٌ يعود على السند بالتأثير في سَلْبه الصحةَ التي حُكِم بها ظاهراً له.
فنتيجة النظر في السند ليست نهائية في الحكم بالصحة للسند ذاته فضلاً عن أن يُحْكم بمجرد ذلك للمتن بالصحة، إذَنْ فالحكم على السند مفتقر إلى النظر فيه وفي المتن معاً وإن كان الأغلب أَنْ يصح المتنُ إذا صح السند.
стр. 47
وذلك كله تبدو هناك:
١- صور للناقدين أحياناً كثيرة عند نقدهم للسند والمتن معاً. ومن الأمثلة على هذا: ما يقوله بعض نقاد الحديث عن بعض الروايات، السند صحيح والمتن موضوع، وكذلك قوله: المتن صحيح والسند موضوع.
٢- وصورٌ عند نَقْد روايةٍ ذاتِ سند ومتن بالنظر لسندها فقط. ومن الأمثلة على هذه الحال قولهم: هذا الحديث صحيح الإسناد، أو حَسَنُ الإسناد، أو ضعيف بهذا السند، وإن كان كثيراً ما تؤدي صحة السند في الواقع إلى صحة المتن؛ لأن الأصل الغالب في حال الثقة "في اصطلاح المحدثين" أن يكون صادقاً في خبره متثبتاً.
٣- وصور بالنظر لمتنها فقط ومن الأمثلة على هذه الحال –مع أن هذه الصورة لا تكاد تَحْصُلُ معزولةً عن السند-. قولهم: هذا الحديث ثابت أو ثابت من عدة طرق.. أو من طريق أخرى، وذلك عندما يقول المحدِّث هذا عند مجيء الحديث من طريق ضعيف أو
стр. 48
لا يُعْتمد عليه. على أَنَّ هناك صورتين يستثنيان من مسألة التلازم في نقد الرواية بين النظر لسندها ومتنها معاً وهما:
الصورة الأولى:
هي إذا كان في السند ضَعْفٌ فإنه يتبين به ضعف الحديث أو الرواية –من ذلك الطريق- قبل النظر في المتن. لكن من ذلك الطريق فقط وليس من لازمه عدم ثبوت المتن من طريق أو طرق أخرى، ولهذا فإن الحكم على المتن صحةً وضعفاً إذا نُظر فيه بالنسبة لذلك السند فقط يتبين ضعفُه من خلاله، لكن لا يُحْكم بعدم ثبوته عن طريق سواه من الأسانيد، أمّا إذا نُظِر فيه من خلال استقراء كل ما ورد به من الطرق فقد يُحْكم له بالصحة من كلِّ طريقٍ جاء به، أو مِنْ أحدها، أو ضعْفه بها كلِّها، أو ثبوته بمجموعها وإن كان في كلٍ منها ضعف ينجبر بتعدد الطرق.
الصورة الثانية:
هي إذا كان الحديث مَرْويّاً بطريق التواتر فإنه لا حاجة إلى نَقْد المتن ولا يدخل في دائرة النقد؛ لأن
стр. 49
قوة النقْل في هذه الحال تغني عن نقْد المتن؛ لأن الثبوت يَحْصل بمجرد هذا النقل دون الحاجة إلى نقْد المتن لمعرفة هل هو ثابت أوْ لا؟ وتبقى في هذه الحال مقارنةُ الرواياتِ فقط.
ومن أَجْل ذلك لم يكن هناك حاجة إلى نَقْد القرآن من جهة المتن؛ لأن نقله متواتر، وهو قَطْعِيّ الثبوت، ولا معنى لنقْدِهِ في المتن إلا الاعتراض عليه بَعْدَ ثبوته، وهذا والعياذ بالله كفر به.
وكذلك من أَجْل ذلك أيضاً فإن المحدثين لا يُدْخِلون الحديث المتواتر في قسم الصحيح الذي يَحْتاج إلى نظرٍ لمعرفة صحته عن طريق نقْد سنده ومتنه، وإن كان هو من جِنْسه من حيث قبولُه، بل هو في أعلى درجات القبول –كما رأيت- لأنه قَطْعِيّ الثبوت، بَيْد أنهم يَبْحثون في قِسم المتواتر للتعرّف على مدى توافر شروط التواتر فيه فحسبُ، ولا يبحثون بَعْدَ معرفةِ تواترِه في عدالة رواته من كل طريق أو في ضبطهم.
وليس السبب في الاستثناء في هذه الصورة – هو
стр. 50
كون ذلك وحْياً، لاسيما أن السُّنّة وحْيٌ مثل القرآن كما نطقت به الآية: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ "١".
ولهذا قد أطلق عدد من العلماء على السنة: وحْي السنة"٢"، في مقابل وحْي القرآن.
وانتقل بنا الحال إلى السؤال الآتي:
стр. 51
س١٢: قال لي:
هل نقْد متن الحديث وحده يثبت به تصحيح الحديث أو تضعيفه ؟ .
قلت له:
стр. 52
نقْد متن الحديث معناه عَرْضه على شروط الصحة المتعلقة بالمتن للتعرف على توافرها أو عدمه، وهي شرطان:
١- سلامته من الشذوذ.
٢- سلامته من العلة القادحة. فإذا توافر هذان الشرطان –وهو أمر يمكن أن يعرف بالنظر للمتن فقط في بعض الحالات، وفي حالات أخرى لابد أن ينظر فيه إلى حالة السند مع المتن، وإن لم ينظر في شروط السند –فمعنى ذلك أن المتن معناه مستقيم أو سليم أو حسن، لكن هل معنى ذلك أَنْ ننسبه لأحد دون أن ننظر للسند؟ قطعاً لا. وإلا كان معنى هذا أنه لو أعجَبَنَا كلامٌ جميل مثلاً فإنه يسوغ لنا أن نجعله حديثاً. وهذا لا يقول به أحد.
إِذَنْ لكي نَحْكم على المتن لابد أن ننظر للمتن والسند معاً –ما عدا الصورتين المستثناتين السابقتين-.
وهنا نستثني حالةً أخرى في هذا الباب، وهي: إنه لا يكفي لإثبات صحة المتن توافرُ الشرطين المتعلقين
стр. 53
به، بَيْد أنه لو تخلَّفا أو تخلّف أحدُهما فإن ذلك يُضَعَّفُ الحديث.
بل في حال توافر علامات الوضع في المتن فإنه يُحْكم عليه بالوضع أو بعدم الصحة، بَيْد أن هذا باب شائك قد يخطئ فيه الناقد، فلابد فيه من التريّثِ وعدم الاقتصار في النقد على هذا الجانب، وعلينا التمشي مع الترتيب الطبيعي لنقد الرواية الذي هو: نقد السند أوّلاً، ثم المتن، ثم النظر فيهما معاً. والله تعالى أعلم.
стр. 54
س١٣: فقال لي:
ينشأ عن جوابك هذا عدة أسئلة هي:
الأول: لماذا تقول الاستثناء في الصورة السابقة إنما هو من أجْل التواتر لا من أجْل أنه وحْيٌ؟ ألا يَحْتاج التواتر إلى تعديل الرواة ؟.
فقلت له:
المتواتر لا يحتاج إلى تعديل الرواة"١"، كما هي
стр. 55
الحال في سواه، وإنما يحتاج إلى تعديل نِسْبِيّ عام، ليس هو بالدقيق كمثل رواة الحديث الصحيح والحسن، لأنه –أي المتواتر- إنما يحتاج إلى التأكد مِن توافر شروط التواتر فيه، وليس منها ثقة رواته، لكن ليس معنى ذلك أن تُقْبل رواية الكذابين وإذا تعددت تصبح متواترة، لأنه معروف بدهياً من منهج المحدثين أنه لا تُقْبل رواية الكذاب، لكن بالنسبة للمتواتر لم يكلفوا المحدث التفتيش عن عدالة راوي المتواتر وضبطه على وجه الدقة؛ لأن الضبط والعدالة يغني عن ملاحظتهما ملاحظةً دقيقة كثرةُ العدد في المتواتر وبقيةُ الشروط.
стр. 56
هذا من الناحية النظرية بَيْد أن المحدثين عملياً لا يَْحكمون للحديث بالتواتر إلا بعد التتبع لأسانيده وأحوال رواته ... إلخ.
стр. 57
س١٤: قال لي:
والسؤال الثاني: ألم يختلف المحدثون في تقويمهم للرواة من حيث الجرح والتعديل ؟.
فقلت له:
اختلاف المحدثين في تعديل الرواة وجرحهم أمر واقع، بَيْد أن هذا ليس خلافاً في أصل منهج النقد عندهم، وهو خلاف ينقسم إلى قسمين:
١- خلاف نظريٌّ في بعض فروع المنهج وضوابطه، ولا تتناول المنهج من جذوره أصلاً.
٢- خلاف عمليٌّ في تطبيق بعض قواعد المنهج وفروعه، فيما يتصل بجرح الرواة وتعديلهم، وفي تصحيح الحديث وتضعيفه. وهذا الخلاف لا يستلزم أبداً الخلاف في أصل المنهج أو في قواعده وأصوله،
стр. 58
فالاخْتِلاف بينهم في تصحيح حديث ما ليس معناه اختلافهم في شروط الحديث الصحيح، وإنما يعني أنّ بعضهم يرى شرطاً ما أو أكثر من شروط الحديث الصحيح متوافراً في هذا الحديث بينما يرى سواه أن ذلك لم يتوافر في الحديث.
стр. 59
أليس من شروط العدالة الإسلامُ بالنسبة للحديث؟ وهل نشترط الإسلام في جميع الرواة حتى رواة ما سِوى الحديث؟....إلخ
...
س١٥: فقال لي:
والسؤال الثالث: أليس من شروط العدالة الإسلامُ بالنسبة للحديث؟ وهل نشترط الإسلام في جميع الرواة حتى رواة ما سِوى الحديث؟ إذا كان الجواب نعمْ فلابد أن نرفض كل ما يَصِلُنا من نتائج الأبحاث مما يمكننا إدراكه بالحواس، ومنها إمكان الصعود إلى القمر فما يدرينا أنَّ القضية خدعة تصوير؟.
فقلت له:
العدالة شرط لصحة الحديث، ومن شروط العدالة في راوي الحديث الإسلام، ومِثْلُ الحديث ما يأخذ حُكْمَهُ مما يتصل بِنقْل الدين، أما الإخبار عن الأمور العادية الأخرى فالعدالة فيها تختلف عنها في راوي الحديث وتُدْرك هذه العدالة بالعُرْف والرأي العام عند
стр. 60
الناس غالباً، ويُمْكن الإفادة العامة مِن منهج المحدثين في إدراك هذه العدالة والحكم بها أو عدمه فالكفار فيهم العدل وفيهم غير العدل بالنسبة لهم.
стр. 61
أهمية التثبّت في الرواية ""١"
العلم عندنا نحن المسلمين يَرْجع –من حديث مصدره- إلى قسمين:
١- نَقْل.
٢- عقل.
والعقل يحتاج إلى النقل. كما أن النقل يَحْتاج في فهمه إلى العقل.
والنقل عندنا معظمه وأهمّه القرآن والسنة، أما القرآن فقد نُقِل إلينا نقْلاً صحيحاً ثابتاً بطريق القطع واليقين، إذْ نُقِلَ بطريق التواتر.
أما السنة فنُقِلتْ بأسانيد متفاوتة: منها المتواتر،
стр. 62
ومنها الصحيح، ومنها الحسن، ومنها الضعيف بل المختلق الموضوع، ومعنى هذا أَنْ ليس كل ما يروي يصح بل الروايات عن النبي ﷺ تنقسم إلى نوع مقبول ثابتٍ، وإلى نوع مردودٍ لا يثبت عن النبي ﷺ .
وإذا كان الإسلام إنما هو موجود في أَصْلَيْهِ المحفوظين: الكتاب والسنة، فإنه يجب اعتمادهما في فهم الإسلام والالتزام به، وهذا يقتضي ضرورةَ التمييز بين الكتاب والسنة وبين ما سواهما، أمّا القرآن فواضح متميز، وأما السُّنَّةَ فيَلْزم التمييز بين الثابت منها وبين ما لا يصح من رواياتها؛ لأنه ليس كل ما نُسِب إلى النبي ﷺ يَثْبت عنه. وإذا عُلِم أَن في بعض ما يُرْوى عن النبي ﷺ ما لا يصح فإن الأمر يرجع إلى مبدأ التثبت ومقاييسه وَفْق ما قرره أئمة أهل الحديث.
وبهذا جاء الشرع وأَمَرتِ النصوص الشرعية، وبهذا يتضح خطأ من يَعْتمد على ما يُنقل من غير تثبت، ومن غير عِلْم منه أنه حديث مثلاً أو ليس بحديث، ثم هو يَسْتدل به على أنه حديث عن رسول الله ﷺ !!.
стр. 63
فالقِسْم النقليّ من العِلْم يَحْتاج فيه المرء إلى التثبت من صحة النقل، والقِسْم العقليّ من العِلم يحتاج إلى سلامة الفقه والنظر والاستدلال، ومَنْ أخل يشرط أحدهما فهو المسكين الذي يسيء إلى نفسه وهو لا يشعر، ويسيء إلى العلم وهو لا يشعر. وحالُهُ تدعو إلى الرِّثاء.
وأسوأ حالاً مِنْهُ مَنْ أخلّ بشرط القِسمين كليهما: النقليّ والعقليّ فلم يَبْق عنده شيء فهو البائس حقّاً في الدنيا والآخرة.
стр. 64
تأملات في منهج النقد عند المحدثين "١"
ميزاته ومحاسنه
يتبين لنا منهج النقد عند المحدثين ومدى عنايتهم بنقد الحديث سنداً ومتناً بما لا مزيد عليه، بالنظر للأمور الآتية:
أولاً: شروطهم للحديث المقبول ودقتها وتعلقها بالسند والمتن، وشروطهم في الراوي ليكون مقبول الرواية، وأنه حتى بعد توافر شروط القبول في الراوي لم يكتفوا بذلك لقبول روايته، بل اشترطوا أيضاً شروطاً في روايته، كما هو معلوم من شروط الحديث الصحيح، وشروط الحديث الحسن مثلاً.
ثانياً: أنواع علوم الحديث التي ابتكروها
стр. 65
واصطلاحاتهم فيها، وعنايتهم بالتحقيق في تلك الاصطلاحات.
يَشْهد كلُّ ذلك بعنايتهم الدقيقة بالسند والمتن من حيث كثرة هذه العلوم وتنوعها من جهةٍ حتى شملت كلَّ الصورة الممكنة في أحوال الرواة وفي أحوال الروايات وفي أحوال الأسانيد، ومن حيث استلزام كثير من تلك الأنواع من علوم الحديث نقدَ السند والمتن جميعاً والمقارنةَ من جهة أخرى.
ثالثاً: كثرة مؤلفاتهم في الحديث وعلومه وتنوعها إلى حد مدهش حقاً، مع عنايتهم بالتحقيق فيها والتدقيق وبيان الصواب من الخطأ دون مجاملة أو تساهل.
رابعاً: إن النقد عندهم قد رافق روايتَهم للحديث منذ البداية"١"، فكان ميزاناً يعرضون عليه الروايات
стр. 66
لمعرفة صحيحها من سقيمها لِما اشتمل عليه منهج النقد عندهم من قواعد ومصطلحات دقيقة لهذا الغرض.
فتزامُنُ هذا النقد –بمنهجه الدقيق- لرواية الحديث – بغض النظر عن التدوين الرسمي للحديث- يقطع الطريق على المتقولين في ثبوت الحديث النبوي وفي سلامة منهج المحدثين في نقد الروايات.
بل وجود النقد عندهم بذلك المنهج الدقيق قبل عصر التدوين للمؤلفات الكبيرة في الحديث يعتبر دليلاً عمليّاً واقعيّاً في الرد على الشبهات، التي تثار حول ثبوت الحديث النبوي.
خامساً: إنه بمقارنة منهج النقد عند المحدثين بما يُسمى عند الغربيين منهجَ النقد التاريخي"١" نجد أن ما
стр. 67
في النقد التاريخي من محاسن موجودة في منهج المحدثين، ويزيد منهجُ المحدثين عليه بالدقة وبمجيئه في وقته بالنسبة لنقد الحديث، وصلاحه منهجاً مستمرّاً قابلاً للتطبيق.
أما منهج النقد التاريخي عندهم فإنما وضعوه في مرحلة متأخرة لحل مشكلات في تاريخهم قد حصلت بالفعل، ومن ذلك ما حَلّ منذ زمن طويل في جميع روايات كتبهم "التوراة والإنجيل" من تحريف وتبديل وما إلى ذلك، وهيهات أن يُصْلحَ ذلك المنهج ما أفسد الدهر!!.
وفرق كبير بَيْن أن يوضع منهج –مهماً كان دقيقاً- لمعالجة اختلاق وتحريف قد حَصَلا في كتابٍ ما بعد فَقْدِ كل نُسَخِهِ الصحيحة وفَقْدِ أسباب التعرف على الصواب فيه عن طريق الرواية لانقطاع الأسانيد ووجود مَنْ لا تُقْبَل روايته في الرواة من مجهول أو مجروح –كما هو الحال بالنسبة للتوراة والإنجيل- وبَيْن أن يوضع منهج لضبط الروايات الصحيحة وضمان
стр. 68
استمرارها سالمة من التحريف والتصحيف والتبديل كما هو بالنسبة للحديث النبوي.
وبَعْدَ النظر إلى جهود المحدثين في النقد يتبين لنا بوضوح وَجَلاء الأمور التالية:
١- أنها كانت كافية لتمييز صحيح الحديث من ضعيفه من حيث كثرتها وتنوعها، ومن حيث دقتها، ومن حيث شمولها.
٢- أنها لم تكن نظرية فقط بل كانت نظرية عملية"١"، فهي نظرية من حيث أَنها أصبحت قواعد للبحث في هذا المجال، وأمَّا أنها عملية فلأنها كانت وليدة الحاجة، وُجِدتْ بمقتضاها وتطورت بتطورها؛ ولأنها أصبحت المحتكَم العملي لكلِ قول يقال في هذا الميدان.
٣- أن تلك الجهود رافقت رواية الحديث منذ البداية، ولم تأت بعد فترة طويلة من روايته حَلاًّ
стр. 69
لتحريف أو اختلاق قد حَلّ بالحديث –كما مر في الفقرة: "رابعاً".
فكان من نتيجة ذلك وثمراته العظيمة حِفْظُ روايات السُّنّة النبوية، من التحريف، إذْ أن تلك الضوابط التي اتخذها المحدثون، وساروا عليها لتمييز المقبول من المردود من الروايات إنما كانت في أصل نشأتها وقائيّةً ولم تكن علاجيّةً، ثم تطورت حسب الحاجة فيما بعد، في صورتها الوقائية والعلاجية.
سادساً: من مناهجهم أنهم دوّنوا في سِيَر الرواة كل ما رُوي في حقهم جرحاً وتعديلاً، ما صَحَّ وما لم يصح؛ لأنهم –في الغالب- يعتمدون على ذكر السند في ذلك، وَيَرَون أنه يُخْليهم من عُهْدة رواية ما لم يصح في هذا الباب، وأنهم يؤدّون الأمانة حين يوردون فيه كل ما قيل وأنهم يقومون بشيء من النقد لهذه الروايات حين يذكرون أسانيدها. ومَنْ يَغْفل عن منهجهم هذا فإنه قد يحار –أحياناً- أو يضل حين يقرأ بعض السِّيَرِ والتراجم بل بعض سير الأئمة والعلماء لِما يراه مِنْ تناقضٍ مِنْ مَدْحِ وقَدْح في المترجَم له، ولا
стр. 70
يُنْقذه من هذا إلا التنبّه لمنهجهم هذا، وتمحيص تلك الروايات والأخذ بالثابت واطّرح ما عداه.
سابعاً: من مناهجهم أنهم –في كثير من الأحيان- يَنْقدون النقد، أي أنهم يطبقون منهجهم في نقد الروايات على ما يُروى من جرح وتعديل في الرواة، فقد استعملوا المنهج في نقد المنهج، ومن الأدلة والأمثلة –معاً- على هذا: شروطهم في قبول الجرح والتعديل، ومن تلك الشروط التثبت من صحة النسبة لهذا الجرح أو التعديل لإمام من الأئمة، ومن ذلك قواعدهم التي وضعوها لتمييز الجرح والتعديل المقبولَيْن من المردودَيْن، وقواعدهم فيما يتصل يتعارض الجرح والتعديل، لذلك تفاوت رجال النقد عند المحدثين وتفاوتت منازلهم، حسب اتباعهم لتلك القواعد النقدية، فقول فلان مثلاً معروف أنه ليس كقول فلان من نقاد المحدثين، والسبب هو مدى تثبته من تطبيق المنهج.
ثامناً: نقْدهم للسند إنما هو لمصلحة نقْد المتن، فعنايتهم بالسند عناية بالمتن، ومن ثمرات ذلك أنه إذا
стр. 71
جاء في السند كذاب، رَدّوا الحديث بغض النظر عن استقامة متن الحديث"١"، وهذا نقْد وعناية أبلغ مما يقصده بعض مَنْ تَعَلّق في ذهنه شبهة المستشرقين في تُهْمتهم للمحدثين في العناية بنقد السند دون المتن، فإنه لم نُقِدَ المتن في هذه الحال لربما قيل: معناه سليم وحسن في ضوء الشرع والعقل. لكن المحدثين يردونه بغض النظر عن ذلك، مهما كان حسناً، بل هم كثيراً ما لا يحتاجون إلى النظر في المتن طالما كان في سنده كذاب؛ لأن نقد السند في هذه الحال أغناهم عن نقد المتن. فأيهما أبلغ في التدقيق والتحقيق منهج
стр. 72
المحدِّثين أو منهج المُحْدِثين إن كان لهم منهج يا ترى؟!.
تاسعاً: من منهجهم في نقد الروايات أنهم قد ينطلق أحدهم في ذلك مما يبدو أن نقد المتن أسهل من نقد السند؛ فإنّ نقْد السند – في أغلب صوره- أمر لا يستطيعه إلا المحدثون، في حين أنه قد يبدو لغيرهم في حالات قليلة اختلال في المتن، لكن عناية المحدثين بالسند لم تمنعهم من العناية بالمتن فقد اعتنوا بنقد الاثنين جميعاً: السند والمتن. على أن الأمر عندهم ليس المعيار فيه السهولة والصعوبة –ولهذا اهتموا بالأمرين معاً – بَيْد أنهم اعتنوا أكثر بما لا يُحْسنه غيرهم فيما يبدو لي – والله تعالى أعلم.
عاشراً: من منهجهم في نقد الروايات أنهم لا يتقصّدون في نقدهم للرواية تصحيحها أو تضعيفها أي أنهم لا يَضعُون الحُكْم في رؤوسهم أوّلاً ثم يناضِحون عنه على أي حال، وإنما ينقدون الروايات ليعرفوا هل هي صحيحة أو غير صحيحة؟ لأنهم إنما يَحْتكمون في ذلك إلى قواعد ثابتة يَعْرضون عليها الروايات فيتضح
стр. 73
لهم بها ما إذا كانت الرواية ثابتة أو غير ثابتة، ولا يكتفون بذلك –في كثير من الأحيان- بل ينقدون النقد- كما سبق –ليميزوا صوابه من خطئه.
والمقصود أن المحدث عندما يبحث في الحديث سنداً ومتناً للتعرف على مدى صحته، لا يتقصّد –غالباً- تصحيح الحديث أو تضعيفه، لأنه ليس مُبيِّتاً حكماً يريد إثباته –وإنما يبحث ليعرف هل هو صحيح أو حسن أو ضعيف ثم بعد ذلك يُصْدِر حكمه على الحديث بحسب نتيجة البحث.
حادي عشر: ومن منهجهم في نقد الروايات أنهم لا يَتَحكّم فيهم مذهب أو هوى –غالباً- في نقدهم للروايات؛ لأن مذهبهم الحديث، وميزانهم في التصحيح والتضعيف قواعدهم الثابتة المعتبرة"١" فإذا
стр. 74
ثبت الحديث فهو دينُهم ومذهبهم"١"، وبذلك اختفى من مذهبهم كثيرٌ من السلبيات التي قد تؤخذ على مذاهب غيرهم –مهما زعم هؤلاء التحقيق- ولعل مِن أسباب هذا أن كثيراً من الطوائف الأخرى – إن انطلقت من قواعد ومناهج- إنما تضع قواعدها ومناهجها في ضوء أهوائها ومذاهبها في كثير من الأحيان. أما المحدِّثون فإنما حاولوا أن يضعوا قواعدهم ومناهجهم في ضوء الوحي المنَزَّة عن الخطأ: الكتاب والسنة"٢".
стр. 75
نتيجة الحوار
...
* ونقول في نقد الروايات التاريخية: المتن هو الأصل.
فالنتيجة العامة التي أَخْرج بها أن نقد السند هو الذي عليه الاعتماد أكثر من نقد المتن في منهج المحدثين بالنسبة للروايات الحديثية، فالسند نستطيع أن نُثْبِت به الرواية في كثير من الأحيان، ونستطيع أن ننفي به ثبوتَ الرواية، وأما المتن فنستطيع أن نعْرف به عدم ثبوت الرواية في حالات قليلة، ولا نستطيع أن نعْرف به ثبوت الرواية.
فقلت له:
أوافق على هذه النتيجة بشرط التأكيد على التقييد في الترجيح بين النظر للسند والمتن في نقد الروايات، وأن الموازنة إنما هي نسبية؛ حتى لا يُظَنّ أن السند وحده يكفي لإثبات الرواية أو نَفْيها في أغلب الأحوال، بمعنى أنه ليس من الضروري النظر للمتن طالما كان نقْد السند هو الأساس، لو حصل التساهل في هذا في رواية واحدة مثلاً لأَمْكَنَ أن تكون مِنْ تلك الروايات التي سندها صحيح ومتنها موضوع أو باطل.