جاء في السند كذاب، رَدّوا الحديث بغض النظر عن استقامة متن الحديث"١"، وهذا نقْد وعناية أبلغ مما يقصده بعض مَنْ تَعَلّق في ذهنه شبهة المستشرقين في تُهْمتهم للمحدثين في العناية بنقد السند دون المتن، فإنه لم نُقِدَ المتن في هذه الحال لربما قيل: معناه سليم وحسن في ضوء الشرع والعقل. لكن المحدثين يردونه بغض النظر عن ذلك، مهما كان حسناً، بل هم كثيراً ما لا يحتاجون إلى النظر في المتن طالما كان في سنده كذاب؛ لأن نقد السند في هذه الحال أغناهم عن نقد المتن. فأيهما أبلغ في التدقيق والتحقيق منهج
стр. 72
المحدِّثين أو منهج المُحْدِثين إن كان لهم منهج يا ترى؟!.
تاسعاً: من منهجهم في نقد الروايات أنهم قد ينطلق أحدهم في ذلك مما يبدو أن نقد المتن أسهل من نقد السند؛ فإنّ نقْد السند – في أغلب صوره- أمر لا يستطيعه إلا المحدثون، في حين أنه قد يبدو لغيرهم في حالات قليلة اختلال في المتن، لكن عناية المحدثين بالسند لم تمنعهم من العناية بالمتن فقد اعتنوا بنقد الاثنين جميعاً: السند والمتن. على أن الأمر عندهم ليس المعيار فيه السهولة والصعوبة –ولهذا اهتموا بالأمرين معاً – بَيْد أنهم اعتنوا أكثر بما لا يُحْسنه غيرهم فيما يبدو لي – والله تعالى أعلم.
عاشراً: من منهجهم في نقد الروايات أنهم لا يتقصّدون في نقدهم للرواية تصحيحها أو تضعيفها أي أنهم لا يَضعُون الحُكْم في رؤوسهم أوّلاً ثم يناضِحون عنه على أي حال، وإنما ينقدون الروايات ليعرفوا هل هي صحيحة أو غير صحيحة؟ لأنهم إنما يَحْتكمون في ذلك إلى قواعد ثابتة يَعْرضون عليها الروايات فيتضح
стр. 73
لهم بها ما إذا كانت الرواية ثابتة أو غير ثابتة، ولا يكتفون بذلك –في كثير من الأحيان- بل ينقدون النقد- كما سبق –ليميزوا صوابه من خطئه.
والمقصود أن المحدث عندما يبحث في الحديث سنداً ومتناً للتعرف على مدى صحته، لا يتقصّد –غالباً- تصحيح الحديث أو تضعيفه، لأنه ليس مُبيِّتاً حكماً يريد إثباته –وإنما يبحث ليعرف هل هو صحيح أو حسن أو ضعيف ثم بعد ذلك يُصْدِر حكمه على الحديث بحسب نتيجة البحث.
حادي عشر: ومن منهجهم في نقد الروايات أنهم لا يَتَحكّم فيهم مذهب أو هوى –غالباً- في نقدهم للروايات؛ لأن مذهبهم الحديث، وميزانهم في التصحيح والتضعيف قواعدهم الثابتة المعتبرة"١" فإذا
стр. 74
ثبت الحديث فهو دينُهم ومذهبهم"١"، وبذلك اختفى من مذهبهم كثيرٌ من السلبيات التي قد تؤخذ على مذاهب غيرهم –مهما زعم هؤلاء التحقيق- ولعل مِن أسباب هذا أن كثيراً من الطوائف الأخرى – إن انطلقت من قواعد ومناهج- إنما تضع قواعدها ومناهجها في ضوء أهوائها ومذاهبها في كثير من الأحيان. أما المحدِّثون فإنما حاولوا أن يضعوا قواعدهم ومناهجهم في ضوء الوحي المنَزَّة عن الخطأ: الكتاب والسنة"٢".
стр. 75
نتيجة الحوار
...
* ونقول في نقد الروايات التاريخية: المتن هو الأصل.
فالنتيجة العامة التي أَخْرج بها أن نقد السند هو الذي عليه الاعتماد أكثر من نقد المتن في منهج المحدثين بالنسبة للروايات الحديثية، فالسند نستطيع أن نُثْبِت به الرواية في كثير من الأحيان، ونستطيع أن ننفي به ثبوتَ الرواية، وأما المتن فنستطيع أن نعْرف به عدم ثبوت الرواية في حالات قليلة، ولا نستطيع أن نعْرف به ثبوت الرواية.
فقلت له:
أوافق على هذه النتيجة بشرط التأكيد على التقييد في الترجيح بين النظر للسند والمتن في نقد الروايات، وأن الموازنة إنما هي نسبية؛ حتى لا يُظَنّ أن السند وحده يكفي لإثبات الرواية أو نَفْيها في أغلب الأحوال، بمعنى أنه ليس من الضروري النظر للمتن طالما كان نقْد السند هو الأساس، لو حصل التساهل في هذا في رواية واحدة مثلاً لأَمْكَنَ أن تكون مِنْ تلك الروايات التي سندها صحيح ومتنها موضوع أو باطل.
стр. 76
وكذلك أُسلِّم بأن الروايات التي رُدَّ متْنُها رغم صحة سندها قليلة بالنظر إلى الروايات التي قُبِلَتْ نظراً لصحة سندها وعدم ظهور علة في متنها لكنّي أضيف على هذا بأن تلك القلة كان مُسْتوعِبةً للحالات التي هي مِنْ هذا النوع، أعني الحالات القليلة التي كان على المحدِّثين أن يَقِفوا منها ذلك الموقف، فلم يكن في منهجهم تساهل في هذا الجانب يُمْكن أن تَمُرَّ منه بعض هذه الروايات التي تَتَسِمْ بصحة السند مع بطلان المتن دون أن يتنبهوا ويردوها.
ولا يفوتني أخيراً أن أشكر مُحاوري وأعترف بفضله في إخراج هذه الأوراق وأنّ ما كان فيها من خير فهو سببه؛ ذلك أنه وإن كان في موقف المتسائل الذي لا يشرح أفكاراً كثيرة مطولة إلا أنه كان ذلك المتسائل المدقق النَّابِهَ، ولقد كان له أثر مشكور في تتبع الإجابات مَرّة بعد مَرّة وإثارة التساؤل حولها، فاقتضى هذا إعادة النظر لبسْطِ بعض الإجابات، وإزالة اللبْس في بعضها، والتثبت والتوثيق لبعض آخر، كما أشكر كل من عَرَضْتُ عليه هذا الحوار من إخواني فأبدوا لي
стр. 77
ملاحظاتهم القيّمة، وأسأله تعالى أن يجزي الجميع خيراً، وأن يوفقنا للإخلاص والصواب في القول والعمل.
والحمد لله رب العالمين أولاً وآخِراً،،
стр. 78
مصادر ومراجع
...
مراجع توثيق بعض الأجوبة
- تقدمة الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم، ط. دائرة المعارف العثمانية، الهند، ط.١، ١٣٧١هـ- ١٩٥٢م.
- الرسالة، للإمام الشافعي، ط. أحمد شاكر.
- علوم الحديث، لابن الصلاح، بتحقيق نور الدين عتر، المكتبة العلمية، المدينة المنورة، ط.٢، ١٩٧٢م.
- الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي، ط. دار الإفتاء، بتحقيق إسماعيل الأنصاري، الرياض، ط.١، ١٣٨٩هـ.
- الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي، مصر، ط.١.
- مجموع الفتاوى، للإمام ابن تيمية، ط. المكتب
стр. 79
التعليمي السعودي بالمغرب، ط.٢، ١٤٠١هـ- ١٩٨١م.
- المغني في الضعفاء، للإمام الذهبي، بتحقيق نور الدين عتر، مطبعة البلاغة، حلب، ط.١، ١٣٩١هـ- ١٩٧١م.
- المنار المنيف في الصحيح والضعيف، لابن القيم، طبعة حلب، المكتبة الإسلامية.
- منهج النقد عند المحدثين: نشأته وتاريخه، للدكتور محمد مصطفى الأعظمي، الرياض، ط.٢، ١٤٠٢هـ- ١٩٨٢م.