الفصل الأول: حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
...
حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحقيقة دعوته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم بقلم معالي الشيخ / صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ نائب وزير الشئون الإِسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
الحمد لله الذي نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده وصلى الله على محمد وآله وصحبه، أما بعد:
فإن الحديث عن المصلحين وأئمة الدين لا يبلى مهما تعدد، ولا يمل مهما تردد، لأن الحديث عنهم معين ثر، يستطيبه الكاتب والمتَحدث، كما يولع به المتلقي والسامع.
وإمامنا محمد بن عبد الوهاب أجزل الله له الثواب تعددت الكتابات عنه لكنها سير على أثر، والتجديد فيها فكرًا ولفظًا لم يتح، ولهذا بقيت الأجيال محتاجة، وإلى تجديد وتقريب تواقة.
ودعوة الإمام "التي هي دعوة الإسلام، ودعوة السلف الصالح" يمكن أن يتحدث عنها المؤرخ فيسهب، والأديب فيطنب، والعالم فيؤسس، والمربي فيقرب، وغيرهم.
وإحساس المربي بحاجة الأجيال إلى تذكيرهم بالدعوة وأسسها وأصولها وفروعها جعل هذا البحث الذي أقدم له ينهض من رقدته ويفزع من طول نومته.
стр. 2
وحقا إن المربي وعالم التربية لينظر إلى تليده كما ينظر إلى وليده، فبذاك وصلنا هنا، وبهذا سنصل إلى آماد بعيدة بإذن الملك الأعلى العزيز المقتدر.
وهذا النظر هو الذي دعا العالم التربوي والمعلم لأجيال الأستاذ الدكتور سليمان بن عبد الرحمن الحقيل أن يبعث مؤلفه هذا بعد طول عتاب من المؤلف يشكو فيه هجر كاتبه له مع حاجة الجيل الملحة لمثله.
ولما أتحفني أخي الكريم د / سليمان بنسخة منه وقلبت صفحاتها الذهبية، وأجلت النظر فيما كتب ضممت عتبي إلى عتب البحث فصرنا معاتبين، وحق لنا ذلك فإن هذا البحث متميز عن نظائره، فإذا بدء به قارئه مر فيه كما يمر بالروض الأنيق، لا ملال ولا كلال، لما اشتمل عليه من حسن عرض وتوسط في الأسلوب فلا يرتفع عنه الأديب، ولا يستوعره الشاب الأريب مع توثيق للنقول والنصوص المستشهد بها، وأدى للدعوة حقها فرد على شبه المناوئين بكلام علمائها وجواب أئمتها قضاء بالحق لا يرد، تمر في الروض وكأنك ترى الدعوة في صور متلاحقة، تروقك وتشوقك تأريخا مجيدا، وعقيدة راسخة هي عقيدة الإسلام ودعوة محمد ﷺ .
ولم يتركك المربي حتى أوقفك على تأثر كثير من الدعوات الإصلاحية بدعوة إمامنا الأواب، إما في الكل أو في بعض و"هم درجات عند الله".
فأهنئ أخي على هذا البحث، كما أني أعتذر له عن قصر هذه
стр. 3
المقدمة وقد وعدته بأن تكون كثيرة المباحث، جديدة السمات لكنها مرجأة إِلى طبعة أخرى فيها -إِن شاء الله- نظر عبرة، ودروس لهذه الدعوة أعلى الله لها منارا وأخمد لعدوها نارا.
وأحث الناشئة والشباب، كما أحث الباحثين أن يستفيدوا من هذا الكتاب، قارئين مطالعين وباحثين مدققين، كما أرغب أن لو جعلته المدارس هدية لكل طالب، فقد كتب بقلم من يحسن مخاطبة هؤلاء وأولئك.
أسأل الله لإمام الدعوة ومن نصره وأيده الرحمة ورفعة الدرجة، كما أسأل الله أن يبارك في أحفادهما وينصر بهما الملة إنه سميع مجيب، كما أسأله سبحانه أن يبارك في مؤلفه د / سليمان الحقيل وأن يجزيه عما كتب وتعب جزاء الدعاة والصالحين، وأن يوفقه وذريته وأحبابه إلى ما فيه عز الإسلام ونفع العباد.
وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.
وكتبه
صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ
في الرياض: ٢٦ / ١٠ / ١٤١٩هـ
стр. 4
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله.
أما بعد:
فالكتاب الذي أقدمه "حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحقيقة دعوته " هو في أصله بحث قدمته في عام ١٣٩٣ هـ إلى جامعة الأزهر للحصول على شهادة الماجستير في الحضارة والتاريخ.
ولقد قررت نشر هذا البحث بعد تنقيحه وتطويره بإضافة مواضيع جديدة إليه، من أجل إلقاء المزيد من الضوء على حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته وجهوده وجهاده وبيان الجهود التي بذلها أنصاره من آل سعود من أجل التمكين لهذه الدعوة المباركة وحمايتها ونشرها..
стр. 5
كما يهدف الكتاب إلى بيان حقيقة الدعوة السلفية وذلك بتوضيح الأسس السليمة التي قامت عليها، وبيان الغاية النبيلة التي قامت من أجلها، وإبراز الأهداف السامية التي سعت إلى تحقيقها.
وبالإضافة إلى ذلك فإن الكتاب يهدف إلى كشف الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والرد عليها بأسلوب علمي دقيق، كما يهدف الكتاب إلى تعزيز ثقافة المسلم، بالمعلومات الصحيحة عن حقيقة الدعوة السلفية ومسارها السليم، ليتمكن من تقديم المعلومات الصحيحة عن الدعوة لمن يجهلون حقيقتها ويرد بالأسلوب المناسب على خصومها. ذلك أن الدعوة تواجه اليوم نوعين من الخصوم:
النوع الأول من الخصوم يجهلون حقيقة هذه الدعوة وكل ما يعرفونه عنها من معلومات خاطئة حصلوا عليها من أعداء الدعوة الذين يعملون على تشويه سمعة الدعوة وصاحبها وأنصارها ودولتها، والواقع فإن هؤلاء الخصوم ضحايا للدعايات المغرضة للدعوة قبل أن يكونوا خصوما للدعوة نفسها، هؤلاء الخصوم المضللون بحاجة إلى من يعرفهم بحقيقة الدعوة السلفية لكي يستقيم موقفهم السلبي منها.
النوع الثاني من الخصوم يعرف حقيقة الدعوة السلفية لكنه ناصب الدعوة وصاحبها وأنصارها العداء، بسبب التعصب وخبث الطوية، والحقد والغيرة، وكراهية الخير للآخرين وحب الظهور، وعدم التفكير بعواقب الأمور ... هذا النوع من الخصوم يحتاج من يتصدى للرد عليه
стр. 6
أن يكون لديه ثقافة واسعة لكي يقارع الحجة بالحجة والدليل بالدليل، والذي لا شك فيه أن من عرف حقيقة الدعوة السلفية وتسلح بالعلم النافع سوف يكون دليله أقوى وحجته أظهر وأبلغ من دليل وحجة خصوم الدعوة السلفية مهما غالطوا واختلقوا من الأكاذيب.. ومن هنا تأتي أهمية تعزيز ثقافة المسلم حول الدعوة السلفية لكي يعرف بحقيقتها ويدافع عنها عن علم وبصيرة.
يتألف الكتاب الذي أعد لتحقيق الأهداف النبيلة المذكورة أعلاه من أربعة فصول:
خصصت الفصل الأول فيه للحديث عن حال العالم الإسلامي الدينية بشكل عام، ونجد بشكل خاص عند ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كما تحدث عن نسب الشيخ ونشأته ورحلاته في طلب العلم وعن اللقاء التاريخي بين الإمام محمد بن سعود حاكم الدرعية والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وما ترتب على هذا اللقاء المبارك.. كما شمل هذا الفصل على بيان برامج الشيخ الإصلاحية في العيينة والدرعية. كما تضمن التعريف بأهم مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وقد اختتمت هذا الفصل بالحديث عن سيرة حاكمين من حكام آل سعود الذين عاصرهم الشيخ وهما: محمد بن سعود المؤسس الأول للدولة السعودية الأولى وعبد العزيز بن محمد بن سعود المؤسس الثاني للدولة السعودية الأولى.
أما الفصل الثاني فقد خصصته للحديث عن حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والتي تتلخص في أن الشيخ لم يأت بمذهب جديد وأن
стр. 7
جوهر دعوته هو تنقية التوحيد من شوائب الشرك. ولإيضاح حقيقة الدعوة تناولت في هذا الفصل بالتفصيل أربعة موضوعات هي: توضيح الأهداف الحقيقية لتسمية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية بالوهابية. من قبل خصوم الدعوة السلفية كما بينت عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من خلال مؤلفاته ومؤلفات أتباعه، وأوضحت الأسس العامة التي قامت عليها دعوته والغاية النبيلة التي قامت من أجلها الدعوة والأهداف السامية التي سعى الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى تحقيقها.
وفي الفصل الثالث تحدثت عن الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من قبل خصوم الدعوة السلفية موضحًا حجم المعارضة التي واجهتها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأسباب هذه المعارضة وأشهر المعارضين، واختتمت هذا الفصل باستعراض أهم الشبهات المثارة حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولأن رسالة سليمان بن سحيم التي بعث بها إلى الأمصار من أجل تشويه سمعة الدعوة السلفية وصاحبها اشتملت على أهم الشبهات المثارة حول دعوة الشيخ فقد أوردت هذه الرسالة بنصها ثم ذكرت جواب الشيخ محمد بن عبد الوهاب عليها، كما أوردت بعض ردود علماء الدعوة على هذه الشبهات.
في هذا الفصل ركزت في الرد على شبهتين من الشبه التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لأن هاتين الشبهتين ما زالتا تتداولان بين خصوم الدعوة في كثير من البلاد الإسلامية والشبهتان هما:
стр. 8
الشبهة الأولى: اتهام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه بأنهم خوارج وأن دعوة الشيخ امتداد لدعوة عبد الوهاب بن رستم الخارجي مؤسس الدولة الرستمية في المغرب.
الشبهة الثانية: اتهام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتْباعه بأنهم يكفرون المسلمين.
أما الفصل الرابع فقد تحدثت فيه عن النتائج والآثار المباركة لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب موضحًا أسباب نجاح الدعوة السلفية ومدى انتشارها في نجد والجزيرة العربية والعالم الإسلامي. واختتمت هذا الفصل بذكر أمثلة لثناء العلماء على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ووصفهم دعوته على حقيقتها ودفاعهم عنها.
وفي ختام هذه المقدمة أسأل الله العلي القدير أن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعنا بما علمنا وأن ينفع بما كتبنا وأن يجعله في ميزان حسناتنا يوم تنصب الموازين إنه سميع مجيب الدعاء. وصلى الله وسلم على نبينا وعلى آله وصحبه أجمعين.
أ. د. سليمان بن عبد الرحمن الحقيل
الرياض في ٨ / ١١ / ١٤١٨ هـ
стр. 9
التّمهيد:
حالة العالم الإسلامي الدينية بشكل عام
ونجد بشكل خاص عند ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
بدأت الدعوة الإصلاحية المباركة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بمساعدة ومؤازرة وحماية الإمام محمد بن سعود في مطلع القرن الثاني عشر الهجري الثامن عشر الميلادي. وتوضح المصادر التاريخية وكتاب السير على اختلاف مناهجهم وتباين أفكارهم الصورة القاتمة المؤلمة التي كانت عليها الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية في هذا العصر.
وطبقا لهذه المصادر فإن العالم الإسلامي عند قيام هذه الدعوة الإصلاحية المباركة كان على حافة الانهيار يكابد انحطاط جميع المجالات الفكرية والعقدية، كما يموج بالفوضى والضياع والظلم والاضطهاد في مجال السياسة والاجتماع.. فلقد انحرف الناس في كثير من البلاد الإسلامية عن مفهوم الإسلام سواء في تصورهم لحقيقة الألوهية وخصائصها وصفاتها أم مظاهر حياتهم السياسية والاجتماعية والأخلاقيةففي مجال العقيدة نشأ الشرك وغلب على
стр. 10
تصورات كثير من الناس وأصبحت عبادة الأضرحة والقباب والتوسل بالمشائخ والصالحين أحياء وأمواتا جزءا من جوهر الدين. وانتشرت البدع والعادات والتقاليد التي حرمها الإسلام وغلبت الطرق الصوفية التي أصبحت المرجع الأساس عند هؤلاء الناس في أمور الدين.
يصور الشيخ سليمان بن سحمان هذه الحالة في نجد بقوله: "قد خلع"الناس" ربقة التوحيد والدين، وجدوا واجتهدوا في الاستغاثة والتعلق بغير الله تعالى من الأولياء والصالحين والأصنام والأوثان والشياطين " و "كثير منهم يعتقد النفع في الأحجار والجمادات، ويتبركون بالأشجار، ويرجون منها القبول في جميع الأوقات١. وما ذكره الشيخ بن سحمان لم يكن قاصرا على مصر دون مصر وإنما كان شاملا وعاما في كثير من بلاد المسلمين إلا من عصم ربي. "ففي مصر بلد"الأزهر" رفع الناس لواء العبادات الوثنية والدعاوى الفرعونية وقامت دولة الأدعياء الدراويش٢.
والقارئ لكتاب الطبقات الكبرى للشعراني وغيره من الكتب التي كانت متداولة في ذلك العصر، يرى عجبا من العجب وكفرا بواحا. ومن ذلك ما يقول الشعراني: "إن الله وكل بقبر كل وليّ ملكا يقضي حاجة من سأل ذلك الوليّ".
стр. 11
وفي الحجاز: أصبح الدعاء عند القبور من الأمور المألوفة عند كثير من الناس. فيما يفعل عند قبر خديجة في المعلاة وعند قبة أبي طالب من استغاثة وطلب شفاعة شيء تهول له النفوس، وفي اليمن يوجد قبور يتبرك بها العوام وفي الحديدة وحضرموت ويافع.. وفي الشام توجد قبور في دمشق وحلب وأقصى الشام يتبرك بها. وفي العراق قبر أبي حنيفة، ومعروف الكرخي، وكذلك ما يفعله الشيعة عند مشهد علي بن أبي طالب ﵁ في النجف ومشهد الحسين والكاضم في كربلاء. وهذه القبور وغيرها يأتيها الناس فيستغيثون بها ويسألونها قضاء حاجاتهم وتفريج كرباتهم١.
لقد انتشرت الأضرحة والقبور في كل مكان وفي كل مدينة من العالم الإسلامي وأخذ علماء السوء يضعون الكتب للعامة لبيان كيفية الحج لهذه القبور وإقامة البدع عندها.
يصور الحالة التي وصل إليها المسلمون إبان ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أبلغ تصوير الكاتب الأمريكي"لوتروب ستودارد" بقوله: "في القرن الثامن عشر كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ، ومن التدني والانحطاط أعمق درك، فأربد جَوه وطبعت الظلمة كل صقع من أصقاعه ورجا من أرجائه وانتشر فيه
стр. 12
فساد الأخلاق والآداب، وتلاشى ما كان باقيا من آثار التهذيب العربي واستغرقت الأمم الإسلامية في اتباع الأهواء والشهوات وماتت الفضيلة في الناس، وساد الجهل، وانقلبت الحكومات الإسلامية إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال"١.
"وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجفا من الخرافات وقشور الصوفية، دخلت المساجد من أرباب الصلوات وكثر عدد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور، وغابت عن الناس فضائل القرآن - فصار شرب الخمر والأفيون في كل مكان وانتشرت الرذائل وهتكت ستر الحرمات على غير خشية ولا استحياء، ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام، وعلى الجملة بدل المسلمون غير المسلمين وهبطوا مهبطا بعيد القرار فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى ما كان يدعى الإسلام لغضب"٢.
ويصور لنا ابن غنام الحالة التي وصلت إليها نجد قبل دعوة الشيخ
стр. 13
محمد بن عبد الوهاب بقوله: "فقد كان في بلدان نجد من ذلك أمر عظيم وهول مقيم، كان الناس يقصدون قبر زيد بن الخطاب في الجبيلة يدعونه لتفريج الكرب، وكشف النوب، وقضاء الحاجات، وكانوا يزعمون أن في قرية في الدرعية قبور بعض الصحابة فعكفوا على عبادتها وصار أهلها أعظم في صدورهم من الله خوفا، ورهبة فتقربوا إليهم، وهم يعنون أنهم أسرع إلى تلبية حوائجهم من الله.... ". وكانوا يأتون إلى شعيب غبيرا من المنكر ما لا يعهد مثله يزعمون أن فيه قبر ضرار بن الأزور. وفي بلدة"العفرا" ذكر النخل المعروف"بالفحال" يذهب إليه الرجال والنساء ويفعلون عنده من المنكرات ما ينكره الدين، فالرجل الفقير يذهب إلى الفحال ليوسع له رزقه، والمريض يذهب إليه ليشفيه من المرض. والمرأة التي لم يتقدم لها خاطب تتوسل إليه في خضوع وتقول له: يا فحل الفحول ارزقني زوجا قبل الحول.
وكان هناك شجرة تدعى شجرة الذئب يؤمها النساء اللاتي يرزقن بمواليد ذكور ويعلقن عليها الخرق البالية لعل أولادهن يسلمون من الموت والحسد.
وكان في الخرج رجل يدعى"تاج" نهج الناس فيه سبل الطواغيت فانهالت عليه النذر واعتقدوا فيه النفع والضرر وكانوا يذهبون للحج إليه أفواجا وينسجون حوله كثيرا من الأساطير والخرافات ... ١.
ويلخص لنا الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن حال العصر
стр. 14
الذي ظهر فيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقوله: "كان أهل عصره ومصره في تلك الأزمان قد اشتدت غربة الإسلام بينهم وعفت آثار الدين لديهم، وانهدمت قواعد الملة الحنيفية، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان، وغلب الجهل والتقليد والإعراض عن السنة والقرآن وشب الصغير لا يعرف من الدين إِلا ما كان عليه أهل تلك البلدان، وهرم الكبير على ما تلقاه عن الآباء والأجداد، وأعلام الشريعة مطموسة، ونصوص التنْزيل وأصول السنة فيما بينهم مدروسة، وطريق الآباء والأسلاف مرفوعة الأعلام وأحاديث الكهان والطواغيت مقبولة غير مردودة ولا مدفوعة قد خلعوا ربقة التوحيد والدين وجدّوا واجتهدوا في الاستغاثة والتعلق بغير الله من الأولياء والصالحين والأوثان والأصنام والشياطين، وعلماؤهم ورؤساؤهم على ذلك مقبلون وببحر الأجاج ساربون به قد أغشتهم العوائد والمألوفات وحبستهم الشهوات والإرادات عن الارتفاع إلى قلب الهدى من النصوص المحكمات والآيات البينات ... " ١.
هذه نبذة موجزة عن الحالة الدينية في العالم الإسلامي بشكل عام ونجد بشكل خاص عند ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أوردتها كمدخل للحديث عن حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحقيقة دعوته التي سوف نتناولها إن شاء الله بالتفصيل.
стр. 15
٢- نشأة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
نسبه:
ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد ابن بريد بن مشرف التميمي سنة ١١١٥هـ"١٧٠٣ م" فأصله ينحدر إلى قبيلة تميم تلك القبيلة التي حافظت على موطنها في إقليم نجد واستقرت واستوطنت وتركت حياة البدو واشتغلت بأوجه النشاط الأخرى من زراعة وتجارة١.
والمعروف عن أسرة الشيخ أنه ما كان في نجد في القرون الخمسة الأخيرة أسرة أنجبت من العلماء مثلما أنجبت هذه الأسرة، لقد كان جده سليمان بن علي مرجع المستفتين في زمانه وملاذ العلماء والمتعلمين، وكان فقيها عارفا بالمذاهب يقول ابن بشر: "أن جده الأعلى سليمان بن علي كان عالم نجد في زمانه، له اليد الطولى في العلم، وإليه انتهت الرياسة في نجد، ضربت إليه آباط الإبل، صنف وأفتى. وكان علماء نجد في زمانه يرجعون إليه في كل مشكلة من الفقه وغيره. أخذ العلم
стр. 16
عن علماء أجلاء منهم الشيخ أحمد بن محمد بن مشرف وغيره "١.
كان لسليمان ولدان هما عبد الوهاب وإبراهيم اشتغلا بالعلم وبرزا فيه أما إبراهيم فقد اقتصر على القراءة والتعليم، وكان كأبيه يفتي ويدرس.
وأما عبد الوهاب فقد تولى قضاء العيينة في إمارة عبد الله بن حمد بن معمر، ولكنه عزل فيما بعد عندما تولى إمارة العيينة محمد بن حمد، وكان لعبد الوهاب ولدان هما محمد وسليمان. فسليمان كان عالما فقيها وقد خلف أباه في قضاء حريملاء وكان من أشد أعداء الدعوة في أول الأمر ولكن الله هداه فيما بعد.
أما محمد فهو صاحب الدعوة الإصلاحية في نجد والذي سوف نتكلم عنه بالتفصيل في الفصول الآتية:
ولد الشيخ محمد في بلدة العيينة، عندما كان والده عبد الوهاب قاضيا فيها سنة ١١١٥ هـ"١٧٠٣ م"، وكان الشيخ عبد الوهاب آنذاك، بجانب وظيفته القضائية يقوم بتدريس الحديث والتفسير على مذهب أحمد بن حنبل وكان بيته مكانا يتجه إليه طلاب العلم وبعض العلماء حيث يمضون الوقت في جدال فقهي أو نقاش ديني وكان الطفل وقد شب وأصبح صبيا، يحلو له أن يراقب مجلس أبيه عن كثب فينصت
стр. 17
أحاديث القوم ومجادلاتهم١.
ولذا نشأ محمد بن عبد الوهاب واسع الثقافة بالنسبة للجيل الذي عاصره، واستطاع أن يحفظ القرآن قبل أن يبلغ العاشرة من العمر، وكان حاد الذكاء سريع الحفظ، فصيحا "روى أخوه سليمان أن أباه كان يتوسم فيه خيرا كثيرا فيتعجب من قوة إدراكه مع صغر سنه، وكان يتحدث بذلك ويقول: إنه استفاد من ولده محمد فوائد من الأحكام٢.
وهكذا ما كاد يبلغ الثانية عشرة من عمره حتى بدت عليه علامات النجابة بأبهى وأوضح صورها، وتوسعت مداركه وتفتح تفكيره. فأدرك ما كان شائعا في مجتمعه من البدع والخرافات والضلال فلم تعجبه الطريقة التي كان يسير عليها علماء الدين في نجد وهي طريقة السكون والهدوء، لذا فقد عقد العزم على انتهاج طريقة السلف الصالح بالدعوة لنبذ البدع وتطهير الإسلام مما علق به من الأوهام والخرافات.
وقد بدأ ينكر هذه الخرافات ويدعو الناس إلى اجتنابها ولما أدرك الشيخ تقاعس مواطنيه في العيينة عن سماع الحق قرر الابتعاد عن نجد واتجه إلى الديار المقدسة في الحجاز للحج أولا وطلب العلم ثانيا.
стр. 18
٣- الرحلة إلى الحجاز
استأذن الشيخ محمد والده بالسفر إلى الحجاز، فأذن الوالد للولد وزوده بما يحتاج إليه في رحلته، فأم الشيخ مكة المكرمة وأدى فريضة الحج واطلع على حالة المسلمين هناك، ثم توجه إلى المدينة المنورة، وقد قابل في المدينة عالمين جليلين وكان لهما أكبر الأثر في حياته واتجاهه.
أول العالمين هو شيخ نجدي، من عائلة لها الوجاهة والرئاسة في مدينة المجمعةعالم عاقل، من العاكفين على كتب ابن تيمية والمتتبعين له المعجبين بآرائه، هذا العالم هو الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف وكان هذا الرجل متألما مما وصلت إليه الحالة في نجد، من فشو الجهل، وظهور المنكرات، والبعد عن التوحيد، فأنكر ذلك وأراد إزالة الجهل وتوابعه عن طريق الحجة والإقناع، فكان يرى أن خير وسيلة لتحقيق التوحيد هي سبيل الدعوة والإرشاد، ونشر العلم، يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: كنت ذات يوم عند الشيخ عبد الله فقال لي: ألا تحب أن ترى ما أعددنا للمجمعة من سلاح؟ فقلت: بلى، فأخذ بيدي إلى حجرة ملئت كتبا ومجلدات وقال: هذا ما أعددنا للمجمعة.
وفي المدينة أيضا اجتمع الشيخ محمد بعالم آخر ذي مكانة عالية وهذا الشيخ هو محمد بن حياة السنديهندي الأصل سلفي العقيدة وكان هذا الشيخ شديد الصلة بابن سيف فعرّفه على الشيخ محمد، وكان
стр. 19
السندي ينكر البدع والمحدثات إنكارا صريحا وقد قويت صلة الشيخ محمد بالسندي وتتلمذ عليه وقد أثر السندي تأثيرا قويا في الشيخ محمد بن عبد الوهاب والواقع أن الشيخ محمد لم يقتصر على الأخذ من هذين العالمين وإنما أخذ من علماء آخرين في المدينة المنورة مثل الشيخ الداغستاني، وإسماعيل العجلوني.
لقد كانت البدع شائعة في المدينة، وكان محمد بن عبد الوهاب ذات يوم قريبا من قبر الرسول ﷺ فشاهد جماعة عند الحجرة الشريفة، يستغيثون ويدعون ويعملون ما يخالف ما جاء به محمد ﷺ فأنكر ما رآه في رفق ولين، ولما رأى عالم المدينة الشيخ السندي مقبلا إِليه، سأله قائلا ما تقول في هؤلاء؟ فأجابه الشيخ السندي: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٩] ١.
ومما لا شك فيه أن رحلة الشيخ إلى الحجاز أفادته كثيرا، فقد وقف على حياة شعوب العالم الإسلامي ممثلة في حجاج بيت الله الحرام، وعرف علماء مكة المكرمة والمدينة المنورة، وأخذ عنهم ما هو في حاجة إليه من العلم، وبعد أن أدى الغرض من رحلته إلى الحجاز، قرر العودة إلى نجد حيث الشرك والجهل يغشيانها، وقرر محاربة البدع والخرافات والأوثان مهما كلفه الأمر، ثم ودع أصحابه ومشايخه فدعوا له بالتوفيق والسداد، فترك المدينة راجعا إلى نجد.
стр. 20
٤- العودة إلى نجد
رجع الشيخ إلى نجد سعيدا، وأفاد من رحلته إلى الحجاز كثيرا، فقد أدى فريضة الحج، وزار مدينة الرسول على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وتزود من علماء الديار المقدسة، وعندما استقر به المقام في مسقط رأسه العيينة عكف على مواصلة دراسته على والده، ومباحثته في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وكان يدون مباحثه ودروسه بيده، وكان سريع الكتابة حسن الخط، بحيث كان يخط بالخط البديع الجميل في المجلس الواحد كراسا واحدا من غير سآمة ولا تعب١.
وهكذا استمر الشيخ على هذه الطريقة حتى قرر الرحيل، إلى العراق للاتصال بمن فيها من أعلام الدين للحصول على المزيد من العلم فترك العيينة عام ١١٣٦ هـ - ١٧٢٤ م متوجها إلى العراق.
٥- الشيخ محمد في البصرة
لما وصل الشيخ محمد إلى البصرة، وجد فيها عالما سلفيا هو الشيخ محمد الجموعيفدرس عليه اللغة والحديث "فأقام مدة يقرأ عليه فيها وينكر أشياء من الشركيات والبدع وأعلن بالإنكار واستحسن شيخه قوله وأقر له بالتوحيد وانتفع به"٢.
стр. 21
والحق أن الشيخ محمدا لم يقصر جهده خلال إقامته في البصرة على الدراسة فقط، بل إنه حارب البدع التي يقوم بها غلاة الشيعة مثل تقديس القبور وتعظيم الأولياء، لقد هاله ما وجد هناك من الخرافات والبدع، التي ألصقت بالدين، وتوارثها الناس جيلا بعد جيل حتى أصبحت عندهم حقائق راسخة.
فأظهر الشيخ محمد إنكاره لهذه البدع وبدأ يبشر بما ظهر له من حقائق التوحيد في مجالسه، وقد وصف لنا هذه المجالس فقال: "كان أناس من مشركي البصرة يأتون إلي بشبهات يلقونها علي فأقول وهم قعود لدي لا تصلح العبادة كلها إلا لله فيبهت كل منهم فلا ينطق فاه" ١.
وهكذا بدأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ينكر البدع في البصرة، كما أنكرها من قبل في الحجاز والعيينة، ولقد عز على بعض أهالي البصرة أن ينكر محمد معتقداتهم المبتدعة، فأخذوا يسألونه أسئلة محرجة، وكان هدفهم إيقاعه في الشبهات، ولكن الشيخ كان يجيبهم بأجوبة دقيقة تزيل الشك، وتوضح الحق، وتدفع الشبهات. وكان من ضمن أجوبته عندما يسأل عن ذلك قوله: "لا تصلح العبادة كلها إلا لله وحده دون سواه، ويخطئ من يدعو غيره٢.
وبالرغم مما واجهه الشيخ في البصرة من غلاة الشيعة، فقد كان له
стр. 22
أتباع يؤمنون بدعوته ويدافعون عنها، ولكن الأعداء أكثر من الأصدقاء، فتآمروا عليه وعقدوا العزم على الإيقاع به "فجاءه قسم منهم ظهرا وعلامة الشر بادية في وجوههم وهددوه بالقتل أو الرحيل من البصرة، فأثر الشيخ السلامة والنجاة بنفسه فغادر البصرة "١.
ترك الشيخ البصرة بعد هذه المؤامرة متوجها إلى الزبيربغير زاد ولا راحلة، منفردا يمشي على رجليه، فاشتد به العطش وأوشك على الهلاك -لولا لطف الله به، فلقد لقيه رجل من أهل الزبير يقال له أبو حميدان، فرق لحاله وحمله على حماره حتى أوصله إلى الزبير.
بقي الشيخ في الزبير أياما، وأراد السفر إلى الشام، بيد أن ما لديه من مال قد نهبه سفهاء البصرة الذين أخرجوه، وبجانب ذلك وصلته أنباء انتقال والده من العيينة إلى حريملاء بسبب النّزاع الذي حصل بين والده وبين أمير العيينة محمد بن حمد بن معمر.
فرأى الشيخ محمد أن يرجع إلى نجد، وفي طريقه إلى نجد مر بالأحساء فنزل على الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الطيف الأحسائي. فأكرمه، وأقام لديه أياما حافلة بالمطالعة والبحث. ثم ترك الأحساء وانضم إلى والده في بلدة حريملاء.
٦- الأدلة على عدم ذهاب الشيح لبلاد فارس
وقبل أن ننهي الحديث عن رحلات الشيخ خارج نجد أحب أن أشير
стр. 23
إلى خطأ وقع فيه كثير من المؤرخين، وهو القول: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحل إلى بلاد فارس وأقام في كردستان، لقد وقع في هذا الخطأ كثير من المؤرخين. لقد ذكر على سبيل المثال المستشرق مارجيليوت الذي ذكر في دائرة المعارف الإسلامية، أن الشيخ تزوج في بغداد امرأة، وماتت بعد زمن فورث عنها الشيخ ألفي دينار وأنه رحل إلى بلاد الكردستان وهمدان.
وقد ذكر هذه الروايات كثير من الرحالة الأوروبيين مثل برجس زويمر وبلجريف١. ولم يقتصر هذا الخطأ على المستشرقين فهذا مؤلف كتاب "لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب "فقد ذكر أن الشيخ رحل إلى بلاد فارس وتعلم الحكمة، وعن صاحب هذا الكتاب نقل حافظ وهبه أخبار الرحلة إلى بلاد فارس في هامش كتابه جزيرة العرب في القرن العشرين ص ٣٣٦. ولقد وجدت بعد تتبع كل ما كتب في هذا أن جميع الذين ذكروا هذا الرأي اعتمدوا على مصدر واحد وهو كتاب: "لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب". فهذا الرأي لم يذكر في أي مصدر من المصادر الأصلية في هذا الموضوع مثل: كتاب ابن غنام"تاريخ نجد"، وكتاب ابن بشر"عنوان المجد" لذا فإننا لا نستطيع الأخذ بالروايات التي تذكر أن الشيخ ذهب إلى بلاد فارس لعدة أسباب أهمها:
أولا: أننا بعد دراسة كتب الشيخ ورسائله نستطيع القول: إنه لم يذكر بلاد فارس كبلاد زارها، ولم نجد رسالة واحدة موجهة إلى أي عالم من علماء فارس في زمنه. وهل يعقل أن يعيش الشيخ في
стр. 24
فارس ويدرس فيها دون أن يكون له علاقة مع أحد فيها؟
ثانيا: لم يتطرق إلى الحديث عن الرحلة إلى بلاد فارس أي من المؤرخين ابن غنام وابن بشر، ولو حدث شيء من هذا لكتباه خاصة وأنهما كانا حريصين كل الحرص على تسجيل أخبار الشيخ، وكل الذين نقلوا رواية الرحلة أخذوها عن مصدر واحد كما قلنا وهو مؤلف كتاب "لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب "، وهذا المؤرخ لا يعتمد عليه، حيث إن مؤلفه يتحامل على الدعوة وصاحبها ومؤيديها.
ثالثا: بالرغم من أن جميع الذين كتبوا عن الشيخ محمد حرصوا على ذكر ما يدل على براعته وذكائه، فإنهم لم يذكروا أن الشيخ كان يعرف اللغة الفارسية. وبجانب ذلك فإننا لا نجد بين آثار الشيخ ما يدل على معرفته باللغة الفارسية. لكل هذه الأسباب فإننا لا نستطيع الأخذ بالرأي القائل إن الشيخ زار بلاد فارس، أثناء رحلته لطلب العلم.
٧- العوامل التي أثرت في الشيخ محمد فجعلته مصلحا دينيا
يوجد عدة عوامل أثرت في الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن أهم هذه العوامل ما يأتي:
أولا: البيت، فلقد رأينا كيف نشأ الشيخ في بيت علم وفقه وقضاء، بين والده عبد الوهاب الذي كان فقيها حنبليا، وجده سليمان الذي كان شيخ نجد في زمانه، ولا شك أن من يتوفر له مثل هذا الجو، يتأثر
стр. 25
به، ويكون اتجاهه في الغالب اتجاها دينيا.
ثانيا: ومن بين العوامل التي أثرت في تكوين شخصية الشيخ محمد واتجاهه السلفي بجانب البيت شخصية أحمد تقي الدين بن تيمية، الذي عاش في القرن الثامن الهجريوبالرغم من طول الفترة الزمنية التي تفصل بينهما إلا أن الشيخ محمد درس آثار ابن تيمية دراسة عميقة، لقد درس كتبه ورسائله وفتاويه، وأخذ عنها ونسخ بعضها بنفسه "وفي المتحف البريطاني بعض رسائل لابن تيمية مكتوبة بخط ابن عبد الوهاب"بل إن المبادئ التي نادى بها الشيخ محمد، كانت نفس المبادئ التي نادى بها ابن تيمية. فكل منهما نادى بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله. وما كان عليه السلف الصالح، ومقاومة البدع التي ألصقت بالإسلام، وعلى هذا فإن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، تعد امتدادا لدعوة ابن تيمية.
"وكان ابن تيمية حرا في تفكيره في دائرة الكتاب والسنة وما صح عن الصحابة من آثار بشرط وقوفه بصدورها عنهم"١. وكان ابن تيمية شديدا لمحاربة المنكرات والبدع، خاصة ما كان منها وسيلة للشرك مثل الاستعانة بغير الله والتبرك بالأشجار
стр. 26
والأحجار التي يقدسها المسلمون ويعتقدون أنها تدفع الضرر وتجلب النفع مما يدل على تأثر الشيخ بابن تيمية. أن معظم رسائل الشيخ التي وجهها إلى الناس مملوءة بشواهد من كلام الشيخ ابن تيمية أو من شروحه لبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
ثالثا: الرحلات: لقد كان للرحلات التي قام بها الشيخ أكبر الأثر في نفسه، لقد ذهب إلى مكة المكرمة واجتمع بكثير من الحجاج وعن طريقهم عرف - الكثير عن أحوال المسلمين في البلاد الإسلامية خارج الجزيرة، وعندما ذهب إلى مدينة الرسول ﷺ اجتمع بعلماء أجلاء، كان لهم أكبر الأثر في دعوة الشيخ، كما شاهد البدع منتشرة في المدينة، وعندما ذهب إلى البصرة شاهد ما شاهده من الخرافات والبدع التي ليست من الدين في شيء. والحق أن جميع رحلات الشيخ قد وسعت من أفقه، ونبهته إلى الأخطاء المنتشرة في العالم الإسلامي، وجعلته يصمم على القيام بدعوته الإسلامية المباركة.
رابعا: المجتمع الذي عاش فيه: لقد كان المجتمع الذي نشأ فيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ مجتمعا يحتاج إلى إصلاح عقيدته، فالبيئة التي عاش فيها كانت بيئة خرافات وبدع، لقد جعلت هذه البيئة الفاسدة الشيخ محمدا يصمم على محاربة الخرافات والبدع، والعمل على نشر مبادئ الإسلام السليمة.
стр. 27
٨- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في حريملاء بداية المرحلة التأسيسية للدعوة
رجع الشيخ محمد من البصرة مارا بالأحساء إلى بلدة حريملاء حيث يعيش والده هناك، وبوصوله إلى حريملاء تبدأ المرحلة التأسيسية للدعوة، فقد دخلت الدعوة مرحلة جديدة، ويمكن القول إن هذه الفترة التي أمضاها الشيخ في حريملاء، والتي استمرت نحو خمس عشرة سنة، أي منذ وصوله سنة ١١٣٩ هـ إلى سنة مغادرته إلى العيينة سنة ١١٥٣ هـ كانت فترة استعداد للوثبة الكبرى التي أعدته لها العناية الإلهية وألهمته إياها. والواقع أن الشيخ محمدا لم يلزم جانب الهدوء، ويخلد إلى السكون والراحة، بل واصل التعلم والتعليم مع أبيه، وعندما رأى حال الجهل التي يعيشها الناس في حريملاء اشتد حماسه في سبيل إنقاذ مواطنيه مما هم فيه من الجهل بأصول الدين، فأخذ يجاهر بدعوته، ويدعو الناس للعودة إلى الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، ولم يكن مجتمع نجد مستعدا لقبول ما يدعو إليه الشيخ ولهذا عارضوا ما نادى به وحاولوا التخلص من صاحب الدعوة، ولما ظهر لعبد الوهاب أن ولده متحمس لدعوته وأن الناس يعارضون هذه الدعوة ويتربصون بصاحبها الدوائر، خاف عبد الوهاب على ابنه محمد ونصحه بلزوم الاعتدال وعدم التسرع في دعوته.
فأخذ برأي والده وبعد وفاة والده عام ١١٥٣ هـ"١٧٢٩ م" نشط في دعوته، وبذل فيها ما أعطي من قوة واندفاع. شاع خبر محمد في المنطقة
стр. 28
كلها وتناقل الناس أخبار الدعوة والداعي فأقبل عليه كثيرون واتبعوا دعوته، ولزموا مجلسه فأخذ يعظ الناس ويرشدهم، ثم بدأ يرسل دعاته ورسائله إلى البلدان المجاورة لنشر دعوته، وهذه أول رسالة أرسلها لأهل العارض وهي بمثابة البيان الأول وهذا نصها: ١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين:
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد فاعلموا، رحمكم الله، أن الله بعث محمدا ﷺ إلى الناس بشيرا ونذيرا، مبشرا لمن اتبعه بالجنة، ومنذرا لمن لا يتبعه بالنار. وقد علمتم إقرار كل من له معرفة، أن التوحيد الذي بينه للناس هو الذي أرسل الله به رسله، وأن الذي عليه غالب الناس من الاعتقادات في الصالحين وفي غيرهم هو الشرك، الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٢.
فإذا تحققتم هذا، وعرفتم أنهم يقولون، لو يترك أهل العارض التكفير والقتال كانوا على دين الله ورسوله، ونحن ما جئناكم في التكفير والقتال، ولكن لننصحكم بهذا الذي قطعتم أنه دين الله ورسوله، أن تعلموا به إن كنتم أمة محمد باطنا وظاهرا.
стр. 29
وأنا أبين لكم هذه بمسألةالقبلة: أن النبي ﷺ وأمته يصلون، والنصارى يصلون ولكل قبلته، فقبلته ﷺ وأمته بيت الله الحرام وقبلة النصارى مطلع الشمس. فالكل منا يصلي، ولكن اختلفنا في القبلة، ولو أن رجلا من أمة محمد ﷺ يقر بهذا ولكن يكره من يستقبل القبلة، ويحب من يستقبل الشمس، أتظنون أن هذا مسلم؟ وهذا ما نحن فيه، فالنبي ﷺ بعثه الله بالتوحيد وأن لا يدعو مع الله أحدا، لا نبي ولا غيره، والنصارى يدعون عيسى رسول الله، ويدعون الصالحين، ويقولون ليشفعوا لنا عند الله. فإذا كان كل "مطوع"" مقرا بالتوحيد، فاجعلوا التوحيد مثل القبلة، واجعلوا الشرك من استقبال الشرق، مع أن هذا أعظم من القبلة.
وأنا أنصحكم وأنخاكم"أستثير نخواتكم" لا تضيعوا حظكم من الله، وتحبوا دين النصارى على دين نبيكم، فما ظنكم بمن واجه الله، وهو يعلم من قلبه أنه عرف أن التوحيد دينه ودين رسوله، وهو يبغضه ويبغض من اتبعه، أتظنون أن الله يغفر لهذا والنصيحة لمن خاف عذاب الآخرة، وأما القلب الخالي فلا حيلة لنا فيه ".
ولم يكتف محمد أثناء إقامته في حريملاء بهذا، بل ألف أثناء هذه الفترة كتابه القيم، الذي كتب فيه مبادئ دعوته، وهذا الكتاب، هو كتاب "التوحيد الذي هو حق الله على العبيد" وفي هذا الكتاب
стр. 30
يشرح محمد بن عبد الوهاب العقيدة الإسلامية شرحا واضحا، مستندا في هذا إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة، وطريقته يأتي بالآية التي تدعو إلى التوحيد، وتبين حقيقته ... ثم يورد ما ثبت عن رسول الله ﷺ من حديث في هذا المعنى، ثم يكشف بعد هذا ما يفسد عقيدة المسلم ويذهب بالناس مذهب الشرك. ومن أمثلة ذلك قوله تحت عنوان: "باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين". يقول قال الله : ﴿أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النّساء، من الآية: ١٧١] . وفي الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح: ٢٣] . قال:"أي ابن عباس" هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت، وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال:"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله "وعلى هذه الطريقة سار محمد بن عبد الوهاب في كتابه وكان هدفه بيان حقيقة التوحيد، وقد أسفرت جهوده في حريملاء عن نتائج طيبة فوالاه أناس وأيدوه، واعتقدوا أنه محق في دعوته وصادق.
وعلى الجانب الآخر عارض دعوته آخرون، وسفهوا الشيخ وقاوموا
стр. 31
دعوته، وقد ساعد الوضع السياسي المضطرب في حريملاء الحزب المعارض على الانتصار، حيث كان في حريملاء قبيلة كبيرة انقسمت مع الزمن إلى فرعين وكان كل منهما يتطلع إلى الزعامة، وكانت الرئاسة دولة بينهما، فإذا حكم أحدهما لم يكن له على الآخر أمر ولا نهي، فكان الفرع القائم على الزعامة بمثابة الحزب المعارض اليوم، ولكنها معارضة قائمة على الشغب والعدوان والإفساد في الأرض١.
وكان للفرع الحاكم زمن محمد بن عبد الوهاب عبيد أشداء عتاة مفسدون كثر فسقهم واعتداؤهم على الناس، وكثرت جرائمهم، فنهاهم الشيخ فكبر ذلك عليهم، فهموا باغتياله، فبيتوا مؤامرة للقضاء عليه، وتسوروا عليه جدار منْزله ليلا، وكادوا يقتلونه لولا أن رآهم أحد الجيران فصاح بهم ونبه الناس إليهم فهربوا. ولقد أدرك الشيخ بعد هذه المؤامرة أن لا بقاء له في حريملاء وأن من الأفضل له ولدعوته أن يهاجر إلى العيينة دار نشأته، وموطن أسرته وأصدقائه.
وكان أمير العيينة في ذلك الوقت عثمان بن معمر الذي أعلن قبوله للدعوة وتأييدها. ومما سبق نستطيع القول أن الفترة التي قضاها الشيخ محمد في حريملاء هي الفترة التأسيسية الأولى من مراحل الدعوة، ففي خلال هذه الفترة كان الشيخ قد أعد نفسه للوثبة الكبرى وهي البدء في تنفيذ برنامجه الإصلاحي.
стр. 32
٩- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العيينة
عندما وصل الشيخ إلى العيينة رحب به أميرها عثمان بن معمر أجمل ترحيب، وأنزله على الرحب والسعة، ولقد ارتاح الشيخ لما ناله من تأييد الأمير عثمان بن معمر، وحرصا من عثمان بن معمر على تقوية أواصر الود والصداقة بينه وبين الشيخ فقد زوجه من السيدة، "الجوهرة عمته"، وكان الأمير عثمان بن معمر يأمل أن يتعاون مع الشيخ محمد، فحقق الله أمنيته وتحدث إليه قائلا:"إني أرجو إن قمت بنصر لا إله إلا الله أن يظهرك الله تعالى، وتملك نجد وأعرابهاورضي عثمان بما عرض عليه الشيخ فبايعه على النصر والتأييد وتبعه في دعوته، وأعانه بكل ما يستطيع من قوة وقام ابن معمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحكم شرع الله في وطنه، وأزال الظلم، وقمع أهل البغي.
ولما رأى أنصار الشيخ مكانته في العيينة التحقوا به ونالوا من ابن معمر ما يليق بهم من التكريم والحفاوة، ولم يقتصر الشيخ أثناء إقامته في العيينة على إرشاد أهلها، بل كان يكتب الرسائل ويرسلها إلى بعض البلدان مثل الدرعية وثادق والمجمعة يبيّن في هذه الرسائل حقيقة التوحيد ومعنى الإسلام. ولنأخذ هذه الرسالة مثالا لمكاتباته.
стр. 33
كتب الشيخ إلى عبد الله بن عيسى عالم الدرعية رسالة جاء فيها:١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن عيسى
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فقد قال ابن القيم "في إعلام الموقعين " قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ، [القصص، من الآية: ٥٠] ، فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما: إما الاستجابة للرسول وإما اتباع الهوى، وذكر كلاما في تقرير ذلك إلى أن قال: ثم أخبر سبحانه أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم عليه. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النّساء، من الآية: ٦٠] . قال، والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه- بغير الله ورسوله- أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة الله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها، رأيت أكثرهم ممن أعرض عن طاعة الله ومتابعة رسوله، إلى طاعة الطاغوت ومتابعته وهؤلاء لم يسلكوا
стр. 34
طريق الناجين من هذه الأمة- وهم الصحابة ومن تبعهم- قال الله تعالى: ﴿َتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] .
والزبر: الكتب أي كل فرقه صنفوا كتبا أخذوا بها، وعملوا بها دون كتب الآخرين كما هو الواقع سواء.
وقال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران، من الآية: ١٠٦] . قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف وتسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف. هذا كله كلام ابن القيم.
وقال الشيخ تقي الدين في كتاب الإيمان: قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة، من الآية: ٣١] .
وفي حديث ابن حاتم أنه قال للنبي ﷺ :"إنا لسنا نعبدهم. قال أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قلت بلى. قال: فتلك عبادتهم". رواه أحمد والترمذي وغيرهما.
وقال أبو العالية: إنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه فقالوا لن نسبق أحبارنا بشيء، فما أمرونا به ائتمرنا، وما نهونا عنه انتهينا لقوله "نبذوه وراء ظهورهم" انتهى كلام ابن تيمية.
стр. 35
فتأمل هذا الكلام بقلبك، نم نزله على أحوال الناس وحالك وتفكر في نفسك وحاسبها بأي شيء تدفع هذا الكلام، وبأي حجة تحتج يوم القيامة على ما أنت عليه؟
فإن كان عندك شبهة فأذكرها، فأنا أبينها إن شاء الله تعالى والمسألة مثل الشمس ولكن من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وإن لم يتسع عقلك لهذا فتضرع إلى الله بقلب حاضر، خصوصا في الأسحار، ليهديك للحق ويريك الباطل باطلا، وفر بدينك فإن الجنة والنار أمامك والله المستعان ولا يستهجن هذا الكلام فوالله ما أردت به إلا الخير، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
١٠- برنامج الشيخ الإصلاحي في العيينة: إزالة المنكرات:
كان في العيينة كما كان في كثير من بلدان العالم الإسلامي، أشجار تقدس، وقبور تعظم، وأحجار يعتقد أنها تدفع الضرر وتجلب النفع، فرأى الشيخ أن من واجبه، إزالة هذه المنكرات التي حرفت المسلمين عن العقيدة الصحيحة.
١- قطع الأشجار التي يتبرك بها:
لقد بلغت الخرافة ببعض المسلمين في نجد إلى التوسل والتبرك ببعض الأشجار والنخيل، وكان عندهم نخل يفعلون عنده أقبح الفعال، فالمرأة التي تأخر عنها الزواج تذهب إلى فحل النخل وتضمه بيدها وتدعوه قائلة: "يا فحل الفحول أريد زوجا قبل الحول ". وكان هناك شجرة مشهورة"شجرة الطرفية" كان الناس يتعلقون بها ويرجون منها الشفاء والبركة.
стр. 36
فكان الشيخ ﵀ يستأجر رجالا يدفع إليهم من ماله، ليقطعوا هذه الأشجار، وبقيت شجرة واحدة بالعيينة وكانت كبيرة تعرف بشجرة الذئب، لم يستطع أتباع الشيخ قطعها لكثرة روادها وقاصديها، فذهب الشيخ إلى هذه الشجرة بنفسه وقطعها وهو يتلو قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ الإسراء: ٨١] . ولما أصبح الناس لم يجدوا هذه الشجرة، فترقبوا بالشيخ الضرر فوجدوه لم يصب بمكروه.
٢- هدم القباب:
وخطا الشيخ خطوته الثانية وهي التصميم على هدم القباب المقامة على القبور التي ضل الناس بها عن الهدف، فتبادل الرأي مع الأمير عثمان بن معمر فوافق على ذلك وكان ببلدة الجبيلة قبة على القبر المنسوب إلى زيد بن الخطاب، يقدسها ويحجون إليها، ويعكفون على القبر ويتمسحون به، فأراد الشيخ أن يهدمها وشاور عثمان بن معمر فقال له عثمان: دونكما فأهدمها فأعرب الشيخ لعثمان عن خوفه من أهل الجبيلة، فطلب مساعدته، فذهب الشيخ ومعه عثمان بن معمر بنحو ستمائة رجل، فلما اقترب منها، هب أهل الجبيلة لمنعهما بالقوة، فاستعد عثمان لحربهم، ورتب جنده، وأعد سلاحه، فلما رأوا عزم عثمان تخلّوا عن المقاومة بأيديهم، فأقبلوا يمنعونهما بألسنتهم ويخوفونهما من عاقبة عملهما، وعندما رأى الشيخ ذلك، أخذ الفأس وضرب جوانبها، وتابعه أتباعه وأزيلت القبة. وما أصاب الشيخ ضرر،
стр. 37
ولقد ضجت نجد كلها لهذه الأعمال، وتناول الناس أخبار الشيخ، واتهموه بأنه صاحب بدعة منكرة وخارج عن الدين الإسلامي، ولكن الشيخ لم يقف موقف المتفرج إزاء هذه الدعاية الخبيثة بل التزم جانب الدفاع عن دعوته والرد على خصومه بالحكمة والموعظة الحسنة، وبعث رسائل إلى بعض العلماء وهذه الرسالة مثال من رسائله إلى أولئك العلماء أرسلها إلى مطاوعةأهل سدير والوشم والقصيم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه هذا الكتاب:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، خصوصا محمد بن عبيد وعبد القادر العديلي وابنه، وعبد الله بن سحيم، وعبد الله بن عضيب، وحميدان بن تركي، وعلي بن زامل، ومحمد أبا الخيل بن عبد الله، أما بعد:
فإن الله أرسل محمدا ﷺ على حين فترة من الرسل، فهدى الله به إلى الدين الكامل، والشّرع التام وأعظم ذلك وأكبره وزبدته هو إخلاص الدين لله، بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك وهو: أن لا يدعي أحد من دون الله من الملائكة والنبيين، فضلا عن غيرهم. فمن ذلك لا يسجد إلا لله، ولا يركع إلا له، ولا يدعى لكشف الضر إلا هو، ولا يجلب الخير إلا هو، ولا ينذر إلا له، ولا يحلف إلا به، ولا يذبح إلا له، وجميع
стр. 38
العبادات لا تصلح إلا له وحده لا شريك له. وهذا معنى قوله: "لا إله إلا الله فإنه المألوه والمقصود والمعتمد عليه "، وهذا أمر هين عند من لا يعرفه، كبير عظيم عند من عرفه، فمن عرف هذه المسألة عرف أن أكثر الخلف قد لعب بهم الشيطان، وزين لهم الشرك بالله، وأخرجه في قالب حب الصالحين وتعظيمهم، والكلام في هذا يبنى على قاعدتين عظيمتين:
القاعدة الأولى:
أن تعرف أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يعرفون الله، ويعظمونه، ويحجون ويعتمرون، ويزعمون أنهم على دين إبراهيم الخليل، وأنهم يشهدون أنه لا يخلق ولا يرزق، ولا يدبر إلا الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس، من الآية: ٣١] . فإذا عرفت أن الكفار يشهدون بهذا كله فأعرف:
القاعدة الثانية:
وهي أنهم يدعون الصالحين، مثل الملائكة وعيسى وعزير، وغيرهم، وكل من ينتسب إلى شيء من هؤلاء سماه إلها، ولا يعني بذلك أنه يخلق ويرزق، بل يدعون الملائكة وعيسى، ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس، من الآية: ١٨] . ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزّمر، من الآية: ٣] ، والإله في لغتهم هو الذي يسمى في لغتنا: "الذي فيه سر". والذي يسمونه الفقراء شيخهم يعنون بذلك أنه يدعي وينفع ويضر وإلا فإنهم مقرون لله بالنفوذ
стр. 39
بالخلق والرزق، وليس ذلك معنى الإله، بل الإله: المقصود المدعو الموجود، ولكن المشركون في زماننا أضل من الكفار الذين في زمن رسول الله ﷺ من وجهين:
أحدهما: أن الكفار إنما يدعون الأنبياء والملائكة في الرخاء وأما في الشدائد فيخلصون لله الدين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء، من الآية: ٦٧] .
والثاني: أن مشركي زماننا يدعون أناسا لا يوازون عيسى والملائكة. إذا عرفتم هذا فلا يخفى عليكم ما ملأ الأرض من الشرك الأكبر، عبادة الأصنام هذا يأتي إلى قبر نبي وهذا إلى قبر صحابي كالزبير وطلحة ... فإن كان الاستدلال بالقرآن هزئا وجهلا، كما هي عادتكم ولا تقبلونه، فانظروا في "الإقناع " في باب حكم المرتد وما ذكر فيه من الأمور الهائلة التي ذكر أن الإنسان إذا فعلها- فقد ارتد وحل دمه، مثل الاعتقاد في الأنبياء والصالحين، وجعلهم وسائط بينه وبين الله ... فإن بان لكم في كلامي هذا شيء من الغلو من أن هذه الأفاعيل لو كانت حراما فلا تخرج من الإسلام، وأن فعل أهل زماننا في الشدائد في البحر والبر، وعند قبور الأنبياء والصالحين، ليست من هذه.
بينوا لنا الصواب، وأرشدونا إليه. وإن تبين لكم هذا هو الحق الذي لا ريب فيه، وأن الواجب إشاعته في الناس، وتعليمه
стр. 40
النساء والرجال، فرحم الله من أدى الواجب عليه، وتاب إلى الله، وأقر على نفسه.
فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وعسى الله أن يهدينا وإياكم وإخواننا لما يحب ويرضى والسلام١.
هكذا كان محمد بن عبد الوهاب يرد على خصوم الدعوة معتمدا في رده على القرآن الكريم وسنة رسول الله ﷺ وما كان عليه السلف الصالح من هذه الأمة.
٣- إقامة حد الزنا:
لقد استطاع محمد بن عبد الوهاب أن يؤثر تأثيرا عميقا في المجتمع الذي عاش فيه، وأن يجعل كل إنسان يحاسب نفسه على ما فعل. وبلغ من تأثيره في الناس أن جاءته فتاة نجدية، تعترف بأنها قد زنت وهي متزوجة وطلبت من الشيخ أن يقيم الحد عليها. وكانت هذه الفتاة تعرف أن الحد هو أشد عقوبة عرفها البشر، الرجم، ومع ذلك فقد أقدمت على الاعتراف بالذنب وطلبت من الشيخ إقامة الحد عليها، بسبب ما تمكن في قلبها من العقيدة الصادقة، وما ثبت فيه من الإيمان، والحق أن هذا أسمى ما يتخيل من ألوان التضحية بالنفس في سبيل الواجب.
ولما كانت الحدود في الشريعة الإسلامية السمحة تدرأ بالشبهات فقد فتح لها الشيخ طريقا للنجاة فسألها هل غصبت غصبا فأجابت أنها