٩- إعلاء راية الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا:
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسالة بعث بها إلى عبد الله ابن سويلم: "وذلك أني لا أعرف شيئا يتقرب به إلى الله أفضل من لزوم طريقة رسول الله ﷺ في حال القربة، فإن انضاف إلى ذلك الجهاد عليها الكفار والمنافقين كان ذلك تمام الإيمان". ثم يضيف قائلا: "من أفضل الجهاد جهاد المنافقين في زمن الغربة" ١.
١٠- إقامة مجتمع إسلامي متكامل يؤمن بالإسلام عقيدة وعبادة وشريعة ومنهاج حياة.
١١- إقامة الإمامة الراشدة التي تقوم على أمور المسلمين بالحق.
لقد دعا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ المسلمين إلى حمل لواء الدعوة الإسلامية، وإمامة حركة إسلامية إيجابية تعيد للإمامة المسلمة فاعليتها، وتسليم القيادة إلى من يقوم بها على وجهها الصحيح. كما نعى على المسلمين تواكلهم وسلبيتهم، وأعلن أن كل مسؤول أمام الله عن إقامة هذه الإمامة الصالحة، ونصرة عقيدة التوحيد وإزالة كل صور الشرك والجاهلية من حياة المسلمين، وكان يستنصر بالأمراء والحكام لكي يحملوا لواء الدعوة إلى التوحيد الخاص ... وكانت نقطة التحول الرئيسية في حياة الدعوة
стр. 107
تحويلها إلى حركة جهادية، حين استجاب الأمير محمد بن سعود أمير الدرعية وانطلقت الدعوة إلى التوحيد تحت توجيه الإمام محمد بن عبد الوهاب وتعضيد ومناصرة وحماية الأمير محمد بن سعود.
стр. 108
الفصل الثالث: الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والرد عليها
أوضحنا في الفصل السابق حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب المنبثقة من عقيدته التي لخصها في رسالته لأهل القصيم وقلنا: إن دعوته لست مذهباً جديداً وإنما هي دعوة إلى العودة إلى الإسلام بكل مبادئه وتعاليمه الخالصة من شوائب الشرك والوثنية والبدع ... وبينا أن أساس الأسس التي قامت عليه هذه الدعوة السلفية المباركة هو تحقيق التوحيد وإخلاصه لله جل وعلا، وبينا كذلك أن غاية هذه الدعوة المباركة هي تحقيق العبودية الخالصة لله جل وعلا.
وبالرغم من وضوح حقيقة الدعوة، وشرعية الأسس التي قامت عليها، ونبل الغاية والأهداف التي سعت إلى تحقيقها، بالرغم من ذلك فقد واجهت الدعوة معارضة شديدة وأثار خصومها العديد من الشبهات والمفتريات والأكاذيب.
стр. 109
أولا: حجم المعارضة التي واجهتها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية وأهم مظاهر هذه المعارضة.
ثانيا: الأسباب والدوافع لمعارضة دعوه الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية من قبل معارضيها.
ثالثا: أشهر المعارضين للدعوة.
رابعا: استعراض بعض الشبهات والمفتريات والأكاذيب التي أثيرت حول الدعوة والرد على هذه الشبهات من خلال مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومؤلفات أتباعه.
أولا: حجم المعارضة الداخلية التي واجهتها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومظاهر هذه المعارضة
يلاحظ الباحث في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية أنها واجهت معارضة شديدة، وقد بدأت المعارضة الداخلية من الرياض ثم امتدت وتوسعت حتى شملت معظم مناطق نجد تبعا لتوسع قاعدة الدعوة، وقد شملت هذه المعارضة الخرج وحرمة وحريملاء وثرمداء ومدن سدير والوشم والقصيم وغيرها من مناطق نجد.
وكانت المعارضة إما سياسية من جهة الأمراء والحكام، وإما معارضة علمية من جهة العلماء. بل كان هناك ما يشبه التعاضد والتكاتف بين المعارضتين السياسية والعلمية، كما يبدو من المعارضة الشديدة والطويلة الأمد من دهام بن دواس أمير الرياض ضد هذه
стр. 110
الدعوة السلفية، ومعه الخصم العنيد والعدو اللدود لهذه الدعوة، وهو سليمان بن سحيم مطوع الرياض.
ويبدو هذا التعاضد أيضا، في معارضة سليمان بن عريعر أمير الأحساء لعثمان بن معمر أمير العيينة حين آزر الشيخ الإمام في بداية دعوته، وتهديده بقطع معونته الاقتصادية، فقد عززت هذه المعارضة ما فعله محمد بن عفالق أحد علماء الأحساء، حيث كتب رسالة لابن معمر، ثم تلاها برسالة أخرى يحرضه ضد هذه الدعوة، ويشككه فيها، ويورد الشبهات والدعاوى التي يحاول ابن عفالق بواسطتها إقناع ابن معمر بالتخلي عن هذه الدعوة، والتخلص من صاحبها١.
ويذكر الدكتور عبد الله العثيمين أن أكثر من عشرين عالما وطالب علم قد عارضوا دعوة الشيخ حيث يقول: "واضح من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب" أن دعوته لقيت معارضة شديدة من قبل بعض علماء نجد، فالمتتبع يلاحظ أن أكثر من عشرين عالما أو طالب علم وقفوا ضدها في وقت من الأوقات، ويأتي في مقدمة هؤلاء المعارضين عبد الله المويس من حرمة، وسليمان بن سحيم من الرياض، ويستفاد من هذه الرسائل أن معارضي الشيخ من النجديين كانوا مختلفي المواقف، فمنهم من عارض واستمر في معارضته مثل المويس، ومنهم من كان يعترف في بداية الأمر بأن ما جاء به الشيخ أو بعضه حق، لكنه غير موقفه مع مرور الزمن مثل ابن سحيم، ومنهم أيضا من كان متأرجحا في تأييده ومعارضته مثل عبد الله بن عيسى"٢.
стр. 111
كما أوضح الدكتور العثيمين أوجه المعارضة النجدية لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقوله:
"تبين الرسائل الشخصية للشيخ الإمام، أن نشاط المعارضة النجدية كان مختلف الجوانب، وفي مقدمة أوجه ذلك النشاط الكتابة ضدها والمتأمل في هذه الرسائل يرى كثرة تلك الكتابة، وإن كان من المتوقع أن أغلبها لم يكن طويل المحتوى.
الوجه الثاني: من أوجه نشاط المعارضة النجدية، مجادلة ابن إسماعيل جماعة الشيخ في ثرمداء، ومجادلة سليمان بن سحيم لابن صالح في الرياض.
الوجه الثالث: الاتصال بالعلماء وذوي النفوذ خارج نجد وتحريضهم ضد الشيخ ودعوته، مثل إرساء أصحابه إلى أهل الكواز، وقبة رجب، يخبرونهم بإنكار الشيخ لما هم عليه، يستثيرونهم ضده، كما ركب المويس مع ابن ربيعة وابن إسماعيل على أهل قبة أبي طالب وأغروهم بعدم اتباع الشيخ، وواضح أن الاستنجاد بالخارج يعكس إدراك المعارضين النجديين لضعفهم أمام دعوة الشيخ وفشلهم في إيقافها.
الوجه الرابع: من وجوه نشاط المعارضين المحليّين: ترويج الكتب التي ألفها علماء غير نجديين ضد الدعوة بين الناس كما روج المويس وابن عبيد كتاب القباني البصري، وكما روج المويس وابن إسماعيل كتاب ابن عفالق١.
стр. 112
هذه أبرز أوجه كيد المعارضة النجدية لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية كما ذكر الدكتور عبد الله بن صالح العثيمين.
وعلى العموم فإنه يمكن تلخيص مظاهر هذه المعارضة فيما يلي:
١- عمد المعارضون لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الاستهزاء والسخرية من الدعوة وأتباعها.
٢- نشر الدعايات الكاذبة والإشاعات المغرضة عن إمام الدعوة بين أوساط العلماء.
٣- كتابة الكتب والرسائل وإرسال بعض البعوث للأمراء والعلماء في المدن والقرى والبوادي ضد هذه الدعوة وأتباعها.
٤- التضييق عليها بقطع الإمدادات والمؤن والمساعدات وحصارها اقتصاديا.
٥- حمل السلاح بقطع الإمدادات والمؤن والمساعدات وحصارها اقتصاديا.
٦- السعي ضدها لدى الخلافة العثمانية ودولة الأتراك في الحجاز والولاة في الشام ومصر والعراق واليمن وغيرها وإثارة الشبهات حولها ودعوة الناس إلى حصارها والقضاء عليها.
стр. 113
ثانيا: الأسباب والدوافع لمعارضة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية من قبل معارضيها
تحدث كثير من العلماء عن الأسباب والدوافع لمعارضة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية من قبل خصوم الدعوة. فقد ذكر سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله - أن خصوم الدعوة في الحقيقة ثلاثة أقسام:
علماء منحرفون يرون الحق باطلاً والباطل حقاً، ويعتقدون أن البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها ودعاءها من دون الله والاستعانة بها وما أشبه ذلك دين وهدى، ويعتقدون أن مَنْ أنكر فقد أبغض الأولياء، وهو عدو يجب جهاده.
وقسم آخر: من المنسوبين للعلم جهلوا حقيقة هذا الرجل، ولم يعرفوا عنه الحق الذي دعا إليه بل قلدوا غيرهم وصدقوا ما قيل فيه من الخرافيين المضللين، وظنوا أنهم على هدى فيما نسبوه إليه من بعض الأولياء والأنبياء ومن معاداتهم وإنكار كراماتهم. فذموا الشيخ وعابوا دعوته ونفروا عنه.
وقسم آخر: خافوا على المناصب والمراتب فعادوه لئلا تمتد أيدي أنصار الدعوة الإسلامية إليهم فتنَزلهم عن مراكزهم وتستولي على بلادهم. ويضيف سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز موضحا أسباب
стр. 114
العداوة والنّزاع بين الشيخ وخصومه قائلا: "فالأسباب الثلاثة المتقدمة آنفا هي أسباب العداوة، والنّزاع بينه وبين الناس وهي:
أولا: إنكار الشرك والدعوة إلى التوحيد الخالص.
ثانيا: إنكار البدع والخرافات، كالبناء على القبور واتخاذها مساجد ونحو ذلك كالموالد والطرق التي أحدثها طوائف المتصوفة.
ثالثا: أنه يأمر الناس بالمعروف، ويلزمهم به بالقوة فمن أبى المعروف الذي أوجبه الله عليه، ألزم به وعزر عليه إذا تركه وينهى الناس عن المنكرات، ويزجرهم عنها ويقيم حدودها، ويلزم الناس بالحق، ويزجرهم عن الباطل١.
نعم. لقد استنكر أدعياء العلم والعوام والرعاع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وناصبوها العداء، لأنها خالفت عوائدهم الشركية ومألوفاتهم البدعية.
وبالإضافة إلى هذه الأسباب هناك سبب لهذه الخصومة والمعاداة للدعوة السلفية، وهو ما ألصق بهذه الدعوة وبصاحبها وأنصارها من التهم الباطلة والأكاذيب والمفتريات، فقد أصاب هذه الدعوة منذ بدء ظهورها حملة مكثفة شنيعة، عمت البلاد والعباد، فقد ألصق أدعياء العلم في هذه الدعوة السلفية ما ليس منها، فزعموا أنها مذهب خامس،
стр. 115
وأنهم خوارج يستحلون دماء وأموال المسلمين، وأن صاحبها يدعي النبوة وينتقص الرسول ﷺ ... إلى آخر تلك المفتريات.
وبجانب هذه الأسباب للمعارضة الداخلية يوجد سبب رئيس للمعارضة الخارجية، وهذا السبب في حقيقته سياسي ناتج عن الصراع والنّزاع بين أتباع الدعوة السلفية، وبين الأتراك من جهة، وبين أتباع الدعوة السلفية والأشراف من جهة أخرى. وقد عمدت القوى المعادية للدعوة السلفية إلى إثارة البلبلة والتحريض على مقاومة ومعارضة الدعوة السلفية وقد أشار إلى هذه الحقيقة كثير من الباحثين والمحققين.
ويقول محب الدين الخطيب: "كان الأستاذ محمد عبده ﵀ يستعيذ بالله من السياسة ومن كل ما يتفرع منها لأنها إذا احتاجت إلى قلب الحقائق وإظهار الشيء بخلاف ما هو عليه اتخذت لذلك جميع الأسباب، واستعانت على ذلك بمن لهم منافع شخصية من وراء إعانتها فتنجح إلى حين في تعمية الحق على كثير من الخلق. ومن هذا القبيل ما كان يطرق آذان الناس في مصر والشام والعراق وسائر بلاد الشرق الأدنى في المائة سنة الماضية من تسمية الدعوة التي دعا بها الشيخ المصلح محمد بن عبد الوهاب ﵀ باسم "الوهابية" " اتهاما بأنها مذهب جديد".
ويقول محمد بن عبد الله ماضي موضحاً أن العامل السياسي كان وراء التشنيع على الدعوة السلفية التي يعبر عنها بالوهابية "عامل
стр. 116
سياسي يرجع إلى الخلاف الذي قام بين آل سعود الوهابيين وبين الدولة العثمانية.. ذلك الخلاف الذي سبب الحرب النجدية المصرية بين محمد علي والوهابيين، والذي صحبه وترتب عليه كثير من الدعايات ضد الوهابيين خصوم الدولة السياسيين وإظهارهم بمظهر المعتدي على الدين الخارج على تعاليمه حتى تسهل مقاومتهم وتيسير القضاء عليهم.
كذلك الخلاف السياسي بين آل سعود الوهابيين وبين أشراف مكة ثم بينهم وبين زعماء نجد المسلمين"١.
وقد وضح الشيخ محمد رشيد رضا بعض ما فعله أشراف مكة ضد الدعوة السلفية يقول: "كانت جريدة القبلة - لسان الملك حسين آنذاك - تكيل التهم والأكاذيب على هذه الدعوة السلفية، وقد أصدر الملك حسين عدة منشورات في جريدة القبلة سنة ١٣٣٦هـ وسنة ١٣٣٧هـ رمى الوهابيين بالكفر، وقذفهم بتكفير أهل السنة والطعن في الرسول.. وقام بعض أهل دمشق وبيروت يتقربون إلى الأشراف بطبع الرسائل في تكفيرهم ورميهم بالأكاذيب، ثم سرى ذلك إلى مصر وظهر له في بعض الجرائد"٢.
"إن سبب قذف الوهابية بالابتداع والكفر سياسي محض، كان لتنفير
стр. 117
المسلمين منهم لاستيلائهم على الحجاز، وخوف الأتراك أن يقيموا دولة عربية، ولذلك أن الناس يهيجون عليهم تبعا لسخط الدولة، ويسكتون عنهم إذا سكتت ريح السياسة"١.
"ذلك بأن أمراء مكة تصدوا لمقاومة دعوة الإصلاح والتجديد الوهابية من بدء ظهورها، فأذاعوا في العالم الإسلامي كله أنها دعوة كفر وابتداع وعداوة للمسلمين والإسلام، وكان مقامهم بمكة المكرمة مسهلاً لهم ذلك، وصَدَّقَهُم أكثر الناس الذين هم أتباع كل ناعق وسعوا لحمل الدولة العثمانية على قتال آل سعود وهي استعانت على ذلك بالدولة المصرية"٢.
ومن أسباب معارضة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية دفاع خصوم الدعوة "عن معتقداتهم الفاسدة، وآرائهم الباطلة؛ فإنه لما غلب على حال كثير من المسلمين ظهور الشركيات، وانتشار البدعيات واستفحال الخرافات، والغلو في الأموات، والاستغاثة بهم، وظهور تشييد المشاهد وإقامة المزارات على القبور، وزخرفتها وتزيينها وصرف الأموال الطائلة عليها ... فلما غلب ذلك على حال عامة المسلمين، فإن هؤلاء المتصوفة والرافضة وجدوا في هذا الواقع الآسن مرتعاً خصباً لبث سمومهم العقدية.
стр. 118
فلما بدت أنوار هذه الدعوة تكشف غياهب الظلام، وتزيل أدران الشرك ونجاساته، وتدعو الناس إلى تحقيق التوحيد بصفائه ونقائه، أدرك الخصوم أن ظهور هذه الدعوة السلفية نذير بزوال عقائدهم الباطلة، فحشد أولئك الخصوم قواهم وانبروا في التشنيع بهذه الدعوة وأنصارها، وهم أثناء تشنيعهم يذكرون معتقدهم الصوفي أو الرافضي - وغيرها - ويزينونه للناس ويزعمون أنه الحق.
فنجد الصوفية أثناء ردهم على الدعوة السلفية يتبجحون بصوفيتهم ويفتخرون بانتسابهم إلى الطرق الصوفية كالنقشبندية أو القادرية أو التيجانية ويدافعون على التصوف وأدعيائه١.
ومن أسباب المعارضة لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية تحريض القوى الاستعمارية آنذاك الفرنسية والبريطانية والهولندية والإيطالية ضد الدعوة وصاحبها وأتباعها. ويعود اهتمام الدول الاستعمارية بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى أن الدعوة السلفية انتشرت خارج الجزيرة العربية وأصبح لها أتباع سواء في الدول الإسلامية أو الدول التي يوجد بها أقليات مسلمة. وقد حمل المسلمون الذين تأثروا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية راية المقاومة ضد القوى الاستعمارية فما كان من الدول الاستعمارية إلا أن أخذت
стр. 119
تحرض بكل السبل ضد هذه الدعوة مشككة في مبادئها وأهدافها وصولاً إلى تفتيت وحدة المسلمين لضمان السيطرة عليهم واستعمار بلادهم وانتهاب خيراتهم. وسوف نتحدث إن شاء الله بشيء من التفصيل عن دور الدول الاستعمارية هذا عندما نرد على الشبهة القائلة بأن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية امتداد لدعوة عبد الوهاب بن رستم الخارجية.
هذه بعض الأسباب الكامنة وراء معارضة المعارضين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية.
وأختتم هذا الموضوع برأي لفضيلة الشيخ أحمد بن حجر بن محمد آل طامي حول الأسباب التي أدت لنفرة الكثيرين عن الشيخ وأتباعه عند ظهور الدعوة، وقد حددها الشيخ في ثلاثة أسباب:
١- كانت العامة في سائر الأقطار الإسلامية، تنظر إلى دولة الأتراك إذ ذاك، أنها دولة الخلافة، وأنها هي القائمة بنصرة الدين ومحاربة الكافرين وحماية شريعة سيد المرسلين. رأوها تحارب هذه الدعوة السلفية النجدية، حتى إنها أرسلت الجيوش لمحاربة آل سعود وقمعهم.
٢- كانت تسمع من علمائهم ذم الدعوة والشيخ والعلماء الصغار، كانوا يقتدون بعلمائهم الكبار الذين أخذوا على عاتقهم محاربة الدعوة،
стр. 120
والدعاية ضدها.
٣- سمع الحجاج الوافدون إلى مكة من أشراف الحجاز وبعض علماء مكة والمدينة، ولعلماء مكة والمدينة - التقديس التام من العوام، والانقياد الكامل لأقوالهم ضد الشيخ وأتباعه، الشيء الكثير من كون أتباع الشيخ لا يحترمون الأولياء والصالحين، ويهدمون قبابهم، ويمنعون من زيارة القبور، ويقولون عصا أحدنا خير من"محمد" ولا يحبون الرسول ﷺ ويمنعون زيارته، فلهذه الأسباب التي ذكرناها، أخذ جمهور الناس في سائر الأقطار فكرة سيئة عن الشيخ وأتباعه، واعتقدوا أنه وأتباعه على غير حق"١.
ثالثا: من أشهر المعارضين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية
عارض دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عدد كبير من الحكام والأمراء، ومن العلماء وطلاب العلم. وسبق أن أشرنا إلى أن المعارضة كانت إما معارضة سياسية وإما معارضة علمية.
والمعارضة السياسية كانت تتمثل في المعارضة الداخلية من حكام وأمراء نجد كما تتمثل في المعارضة الخارجية التي تتمثل في الدولة التركية، ودوله الأشراف في الحجاز والدول الاستعمارية آنذاك، والتي انتهجت أسلوب التحريض ضد هذه الدعوة السلفية.
стр. 121
لن نتحدث عن المعارضة السياسية لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذا المقام، فأصحاب هذه المعارضة جميعاً كانوا يدافعون عن دنياهم وما يحوزون من متاعها ويخشون أن تمتد آثار الدعوة إلى ما تحت أيديهم من هذه الدنيا، في حين أنهم في شغل بدنياهم عن دينهم، الذي يتولاه عنهم أصحاب المناصب من علماء الدين.
وإذن فالذي يهمنا ويعنينا هنا هو موقف العلماء وطلاب العلم من الدعوة السلفية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لقد وقف في وجه هذه الدعوة علماء خانوا أمانة العلم، قالوا غير الحق، وكانوا فيمن قال الله عنهم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] .
"فلقد انبرى هؤلاء العلماء الذين كان يرجى منهم إصلاح ما فسد من أمر الناس في دينهم وأن يقيموا الناس على الصراط المستقيم، ودين الله القويم، انبرى هؤلاء المتاجرون بالدين لإغراق الناس في الضلال وإغراقهم بما هم فيه، وأنه هو الحق فكان أن انقاد الناس لهم.
لقد انبرى هؤلاء العلماء.. يرمون دعوة التوحيد والداعي إليها والمجتمعين على الدعوة والداعي بالإفك والبهتان وبالمروق من الدين،
стр. 122
وابتداع دين جديد، يحل محل الإسلام، وأنهم يتهجمون على مقام النبي ﷺ وينالون من أولياء الله، أصحاب الأضرحة والقباب ويكفرون من يزورونهم وينذرون لهم، ويطلبون المدد والعون منهم.. إلى غير ذلك مما استخرجه هؤلاء العلماء من عقولهم الضالة وقلوبهم المريضة، من إفك وبهتان يرمون به في وجه الدعوة ويثيرون العامة عليها، ويحرضون الحكام على القضاء عليها وعلى كل من يستجيب لها"١.
وحتى تكون الصورة أكثر وضوحاً وبياناً لبعض مكائد بعض العلماء، خصوم الدعوة السلفية وتكالبهم ضدها، بمختلف السبل، نستعرض بعض النقول المختارة من الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ والتي توضح بكل جلاء ضخامة الكيد والعداء من قبل بعض العلماء ضد الدعوة السلفية، كما توضح حجم المعاناة ومقدار المشقات التي واجهها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في سبيل دعوته٢.
ففي رسالة الشيخ الذي أجاب بها أهل القصيم عندما سألوه عن عقيدته أشار الشيخ إلى خصم الدعوة الأول سليمان بن سحيم فيقول: "وبلغني أن رسالة ابن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض
стр. 123
المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلم أن الرجل افترى عليّ أموراً لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي"١.
ويذكر الشيخ في رسالة لابن عباد مطوع ثرمداء بعضاً من مناهض المعارضين - في نجد - ضد الدعوة السلفية فيقول: "وكذلك أحمد بن يحيى راعي رغبة عداوته لتوحيد الألوهية والاستهزاء بأهل العارض لما عرفوه، فإنه كان يقر أحيانا عداوة ظاهرة.. وكذلك ابن إسماعيل إنه نقض ما أبرمت معه في التوحيد، وتعرف أنه عنده الكتاب الذي صنفه رجل من أهل البصرة كله من أوله إلى آخره في إنكار توحيد الألوهية.. وهذا الكتاب فهو عند المويس وأتباعه مثل ابن سحيم وابن عبيد يحتجون به علينا ويدعون الناس إليه"٢.
ويصف الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته لعبد الرحمن بن ربيعة مطوع ثادق بعض ما يقوم به المعارضون من جهود لصد الناس عن الدعوة السلفية فيقول: "فهذه خطوط المويس، وابن إسماعيل، وأحمد بن يحيى عندنا في إنكار هذا الدين والبراء منه، وهم الآن مجتهدون في صد الناس عنه، فإن استقمت على التوحيد وتبينت فيه ودعوت الناس إليه، وجاهرت بعداوة هؤلاء خصوصاً ابن يحيى؛ لأنه
стр. 124
من أنجسهم وأعظمهم كفراً، وصبرت على الأذى من ذلك، فأنت أخونا وحبيبنا"١.
ومع ما بذله خصوم الدعوة من جهود لإثارة الشبهات حول الدعوة السلفية وصاحبها وأتباعها، فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بذل ما في وسعه لهداية هؤلاء الخصوم وعمل كل ما من شأنه تهيئة السبل والوسائل لتحقيق ما يؤدي إلى استقامتهم والتزامهم بمتابعة الحق المؤيد بالدليل، ويظهر اللين والتلطف معهم، كما هو واضح في رسالته لعبد الله بن محمد بن عبد اللطيف أحد علماء الأحساء، حيث يقول: "فإني أحبك وقد دعوت لك في صلاتي، وأتمنى من قبل هذه المكاتيب أن يهديك الله لدينه القويم"٢.
هذه لمحة موجزة عن موقف بعض العلماء من الدعوة السلفية. لقد عارض العديد من العلماء هذه الدعوة السلفية للأسباب التي أشرنا إليها. ونظراً لكثرة العلماء المناوئين لدعوة الشيخ فلن نستطيع في هذا المقام أن نأتي على ذكرهم جميعاً، لذا فسوف نقتصر على ذكر بعض العلماء الذين عارضوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وهم:
стр. 125
كان من ألد أعداء الدعوة السلفية، وكان أول هن بدأ نسب الأكاذيب والافتراءات إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكانت رسالته المملوءة بالأكاذيب والشبهات والمفتريات ضد الدعوة السلفية من أشد الرسائل التي استخدمت من قبل المعارضين لتشويه الدعوة السلفية، وقد بعث بتلك الرسالة الهادفة لتزوير وتحريف مبادئ الدعوة السلفية إلى سائر الأقطار والأمصار الإسلامية يستحثهم ويحرضهم ضد صاحب الدعوة، ولقد كان لهذه الرسالة الوقحة آثار سيئة ضد الدعوة وصاحبها وسوف نورد هذه الرسالة عند الحديث عن الشبهات المثارة ضد الدعوة السلفية والرد عليها.
٢- محمد بن عبد الله بن فيروز النجدي أصلا الأحسائي المولد، كان من ضمن من ناصب دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب العداء وكاد لها بمختلف أنواع الكيد والمكر، ومن جملة أعماله ضد دعوة الشيخ أنه ألف كتاباً في الرد على هذه الدعوة السلفية بعنوان "الرسالة المرضية في الرد على الوهابية"١.
٣- من العلماء الذين عارضوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب محمد بن عبد الرحمن بن عفالقكانت لهذا المعارض مكانة علمية
стр. 126
في الأحساء وله طلاب كثيرون، وقد أدرك أول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أول أمرها حيث توفي"١١٦٣هـ" فعاداها أشد العداء وكاد لها. وقد ألف رسالة وجهها إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكان عنوانها "تهكم المقلدين من مدعي تجديد الدين". والأسلوب الذي كتبت به هذه الرسالة يحمل طابع الغرور والتحدي، وقد تضمنت أسئلة وجهها إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب تعجيزية تهكمية، وكان هدف ابن عفالق من كتابة هذه الرسالة الطعن في الشيخ محمد بن عبد الوهاب والنيل منه والاستخفاف به.
كما ألف ابن عفالق رسالة وجهها إلى عثمان بن معمر أمير العيينة يشككه في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويطعن فيها بهدف تخلي عثمان بن معمر عن نصرتها في بادئ الأمر، ومما ادعاه ابن عفالق في هذه الرسالة أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يخالف ابن تيمية وابن القيم في مسائل التوحيد. ولما لم يستجب عثمان بن معمر لطلب ابن عفالق، كتب ابن عفالق رسالة شنع فيها على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وابن معمر ورماهما بتكفير المسلمين وتضليلهم.
٤- عبد الله بن عيسى المويس، قاضي حرمة توفي في"١١٧٥هـ"، كانت عداوته للدعوة ظاهرة وقد حذر الشيخ محمد بن عبد الوهاب منه وبين أعماله وتشير رسائل الشيخ أن المويس من أخطر أعداء الدعوة بالرغم من أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب حاول أن يبين له وجه الحق
стр. 127
فيما اعترض عليه بأسلوب هادئ ولكن لم يستجب لداعي الخير.
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب موضحاً صدود المويس عن الحق.. "هذا ابن إسماعيل والمويس وابن عبيد جاءتنا خطوطهم في إنكار دين الإسلام وكاتبناهم، ونقلنا لهم العبارات، وخاطبناهم بالتي هي أحسن وما زادهم ذلك إلا نفورا"١.
ويقول عن عبد الله بن مويس: "استدعيته أولا بالملاطفة وصبرت منه على أشياء عظيمة"٢.
٥- محمد بن عبد الله بن حميد"توفي ١٢٩٥هـ" من العلماء الذين كتبوا ضد الدعوة يقول ابن بسام: "إن المترجم له بحكم وظيفته يتبع الدولة العثمانية - مفتي الحنابلة بالحرم المكي - التي حاربت العقيدة السلفية وبحكم وجود المترجم له بعد النكبة التي أصابت الدعوة السلفية في بلادها فقضت عليها وكثرت أعداؤها والموالون لأضدادها، وبحكم قراءته خارج نجد على علماء نذروا أنفسهم لمحاربة هذه الدعوة فإن هذه المؤثرات طبعته بطابعها الخاص، وجعلت منه خصماً وحليفاً لأعدائها"٣.
٦- أحمد بن زيني دحلان:"توفي ١٣٠٤ هـ"، كان مقيماً بالبلد
стр. 128
الحرام، وكان مفتي الشافعية في مكة المكرمة، وقد استطاع بسط نفوذه على كثير من طلبة العلم الوافدين إلى هذا البلد الأمين من شتى آفاق الإسلام، ملتمسين النور من مطلع الرسالة الإسلامية، حيث أقام هذا الرجل مصيدة يوقع في حبالها باسم العلم هؤلاء الوافدين لطلب العلم.. لقد عمد أحمد دحلان إلى بث الأكاذيب والمفتريات والشائعات الخبيثة ضد الدعوة السلفية وصاحبها: "ولقد كان لتلك الأكاذيب التي تقولها على الدعوة وأنصارها انتشار بين الناس، خاصة عند الحجاج القادمين من سائر أقطار المسلمين".
وضمن كتبه التي ألفها ضد الدعوة السلفية، رسالته المسماة: "الدرر السنية في الرد على الوهابية"١.
وهذه الرسالة كلها خلط وهذيان محموم وترهات من هنا وهناك نقلها من كتب المتصوفة وغيرهمثم جاء بهذا الخليط من اللغو يحاج به دعوة التوحيد من غير حياء أو خجل.
هذه أسماء بعض العلماء الذين عارضوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، ويطول بنا المقام لو تحدثنا عن كل من عارض دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
ولقد تصدى علماء الدعوة لهؤلاء المعارضين ومؤلفاتهم، وردوا
стр. 129
لدحض أكاذيب الخصوم والرد على شبهاتهم ومناظرتهم ومناقشتهم. وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ من أوائل الذين كتبوا الردود ضد مؤلفات الخصوم، وقد تضمنت رسائله الشخصية مختلف الردود، وأنواع الأجوبة على دعاوى الخصوم ورسائلهم.. كما تضمنت رسائل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر ردوداً كثيرة وأجوبة نافعة ضد مؤلفات المناوئين ورسائلهم منها:
النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين.
وكذلك رسالة: "الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب" وغيرهما.
كما ألف الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين"١٢٨٢ هـ" مفتي الديار النجدية - آنذاك - كتابا بعنوان "تأسيس التقديس في الرد على داود بن جرجيس".
كما ألف الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن المتوفى"١٢٩٢ هـ" كتابا رد فيه على ابن جرجيس بعنوان: "منهاج التأسيس والتقديس في الرد على داود ابن جرجيس".
وقد كان للشيخ عبد اللطيف رسائل زخرت بالحجج الدامغة والردود النافعة على دعاوى خصوم الدعوة السلفية.
وممن تصدوا بالرد على خصوم الدعوة بكل جدارة واقتدار الشيخ سليمان بن سحمان"المتوفى ١٣٤٩ هـ"، وقد تعددت مؤلفاته ﵀ في هذا الميدان ومنها: "كشف غياهب الظلام عن جلاء الأوهام".
стр. 130
و"الصواعق المرسلة الشهابية في الرد على الشبهة الشامية" و "الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق"، يعني جميل الزهاوي.
ولعل فيما ذكرناه من أمثلة لردود بعض علماء الدعوة السلفية على خصومها ما يوضح جهود علماء الدعوة السلفية للتصدي لمؤلفات المناوئين للدعوة السلفية وكشف باطل هؤلاء الخصوم.
رابعا: أهم الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والرد عليها:
بالرغم من سلامة الأسس التي قامت عليها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، ونبل الغاية التي قامت من أجلها، ووضوح الأهداف التي سعت لتحقيقها بالرغم من ذلك كله، فقد تعرضت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية للنقد من قبل خصومها وأثيرت حولها شبهات كثيرة يصعب حصرها، إذ إن هذه الشبهات في حقيقة أمرها ما هي إلا أكاذيب ومفتريات وأضاليل والكذب لا نهاية له والضلال لا حدود له.
ولكون رسالة سليمان بن سحيم، خصم الدعوة الأول التي أرسلها إلى أهل البصرة والأحساء وغيرهم يشنع فيها على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويفتري عليه أشياء باطلة تتضمن كثيرا من الشبه المثارة حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، نوردها بنصها ثم نورد جواب الشيخ محمد بن عبد الوهاب على هذه الرسالة وتفنيده لما ورد فيها من إفك وضلال، كما نورد
стр. 131
رد الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب على الشبهات المثارة حول الدعوة السلفية، وفيما يلي نص رسالة سليمان بن محمد بن سحيم١.
"من الفقير إلى الله تعالى سليمان بن محمد بن سحيم إلى من يصل إليه من علماء المسلمين، وخدام شريعة سيد ولد آدم من الأولين والآخرين.
سلام عليكم ورحمه الله وبركاته ... أما بعد:
فالذي يحيط به علمكم أنه قد خرج في قطرنا رجل مبتدع، مضل ضال، من بضاعة العلم والتقوى عاطل، جرت منه أمور فظيعة، وأحوال شنيعة منها: شيء وذاع، وملأ الأسماع، وشيء لم يتعد أماكننا بعد، فأحببنا نشر ذلك لعلماء المسلمين، وورثة سيد المرسلين، ليصيدوا هذا المبتدع صيد أحرار الصقور لصغار بغاث الطيور، ويردوا بدعه وضلالاته وجهله وهفواته.
والقصد من ذلك: القيام لله ورسوله، ونصرة الدين، جعلنا الله وإياكم من الذين يتعاونون على البر والتقوى.
فمن بدعه وضلالته أنه عمد إلى أصحاب رسول الله ﷺ الكائنين في الجبيلة: زيد بن الخطاب وأصحابه، وهدم قبورهم وبعثرها لأجل أنهم في حجارة ولا يقدرون أن يحفروا لهم، فطووا على أضرحتهم قدر ذراع ليمنعوا الرائحة والسباع، والدافن لهم خالد، وأصحاب رسول الله ﷺ .
стр. 132
وعمد أيضا إلى مسجد في ذلك وهدمه، وليس داع شرعي في ذلك إلا اتباع الهوى.
ومنها: أنه أحرق "دلائل الخيرات" لأجل قول صاحبها: سيدنا ومولانا، وحرق أيضا "روض الرياحين" وقال: هذا روض الشياطين.
ومنها: أنه صح عنه أنه يقول: لو أقدر على حجرة الرسول هدمتها، ولو أقدر على البيت الشريف أخذت ميزابه، وجعلت بدله ميزاب خشب.
أما سمع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] .
ومنها: أنه ثبت أنه يقول: الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وتصديق ذلك أنه بعث إليّ كتاباً يقول فيه: أقروا أنكم قبلي جهال ضلال.
ومن أعظمها: أن من لم يوافقه في كل ما قال ويشهد أن ذلك حق يقطع بكفره ومن وافقه وصدقه في كل ما قال، قال: أنت موحد، ولو كان فاسقاً محضاً، أو مكاسا، وبهذا ظهر أنه يدعو إلى توحيد نفسه لا إلى توحيد الله.
ومنها: أنه بعث إلى بلداننا كتاباً مع بعض دعاته بخط يده، وحلف فيه بالله: أن علمه هذا لم يعرفه مشايخه الذين ينتسب إلى أخذ العلم منهم - في زعمه، وإلا فليس له مشايخ - ولا عرفه أبوه، ولا أهل "العارض ".
стр. 133
فيا عجبا إذا لم يتعلمه من المشايخ ولا عرفه أبوه، ولا أهل قطره، فمن أين علمه..؟ وعن من أخذه؟ هل أوحي إليه ... ؟
أو رآه مناماً ... ؟ أو أعلمه به الشيطان..؟
وحلفه هذا أشرف عليه جميع أهل العارض.
ومنها: أنه يقطع بتكفير ابن الفارض وابن عربي.
ومنها: أنه قاطع بكفر سادة عندنا من آل الرسول، لأجل أنهم يأخذون النذور، ومن لم يشهد بكفرهم فهو كافر.
ومنها: أنه ثبت عنه لما قيل له: اختلاف الأئمة رحمة، قال: اختلافهم نقمة.
ومنها: أنه يقطع بفساد الوقف، ويكذب المروي عن رسول الله ﷺ وأصحابه أنهم وقفوا.
ومنها: إبطال الحج.
ومنها: أنه ترك تمجيد السلطان في الخطابة، وقال: السلطان فاسق لا يجوز تمجيده.
ومنها: أنه قال: الصلاة على رسول الله ﷺ يوم الجمعة وليلتها هي بدع وضلالة، تهوي بصاحبها إلى النار.
ومنها أنه يقول: الذي يأخذه القضاة قديما وحديثا - إذا قضوا بالحق
стр. 134
بين الخصمين، ولم يكن بيت مال لهم ولا نفقة- إن ذلك رشوة- هذا القول بخلاف النصوص عن جميع الأمة: أن الرشوة ما أخذ لإبطال حق أو لإحقاق باطل، وأن للقاضي أن يقول للخصمين: لا أقضي بينكما إلا بجعل.
ومنها: أنه يقطع بكفر الذي يذبح الذبيحة ويسمي عليها ويجعلها لله تعالى. ويدخل مع ذلك دفن شر الجن، ويقول: ذلك كفر. واللحم حرام، فالذي ذكره العلماء بذلك أنه منهي عنه فقط وذكره في حاشية"المنتهي"١.
وهذا جواب الشيخ:
من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن سحيم.
وبعد:
ألفينا مكتوبك وما ذكرت فيه من ذكرك ما بلغك، ولا يخفاك أن المسائل التي ذكرت أنها بلغتكم في كتاب العارض جملتها أربع وعشرون مسألة بعضها حق. وبعضها بهتان وكذب.
وقبل الكلام فيها، لا بد من تقديم أصل، وذلك أن أهل العلم إذا اختلفوا والجهال إذا تنازعوا، ومثلي ومثلكم إذا اختلفنا في مسألة- هل الواجب اتباع أمر الله ورسوله، وأهل العلم أو الواجب اتباع عادة الزمان التي أدركنا الناس عليها، ولو خالفت ما ذكره العلماء في جميع كتبهم؟
стр. 135
وإنما ذكرت هذا- ولو كان واضحاً- لأن بعض المسائل التي ذكرت أنا قلتها لكن هي موافقة لما ذكره العلماء في كتبهم: الحنابلة وغيرهم.
ولكن هي مخالفة لعادة الناس التي نشأوا عليها، فأنكرها علي من أنكرها لأجل مخالفة العادة. وإلا فقد رأوا تلك في كتبهم عياناً، وأقروا بها وشهدوا أن كلامي هو الحق، لكن أصابهم ما أصاب الذين قال الله فيهم: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة من الآية: ٨٩] .
وهذا هو ما نحن فيه بعينه، فإن الذي راسلكم هو عدو الله ابن سحيم، وقد بينت ذلك له فأقر به، وعندنا كتب يده في رسائل متعددة: أن هذا هو الحق. وأقام على ذلك سنين، لكن أنكر آخر الأمر لأسباب أعظمها البغي: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة من الآية: ٩٠] .
وذلك أن العامة قالوا له ولأمثاله: إذا كان هذا هو الحق، فلأي شيء لم تنهونا عن عبادة "شمسان " وأمثاله فتعذروا: أنكم سألتمونا ... ؟
قالوا: وان لم نسألكم، كيف نشرك بالله عندكم ولا تنصحونا ... ؟ وظنوا أن يأتيهم في هذا غضاضة، وأن فيه شرفاً لغيره.
стр. 136
وأيضا: لما أنكرنا عليهم أكل السحت والرشا إلى غير ذلك من الأمور فقام يدخل عندكم وعند غيركم بالبهتان.
والله ناصر دينه ولو كره المشركون.
وأنت لا تستهون مخالفة العادة على العلماء فضلاً عن العوام، وأنا أضرب لك مثلاً بمسألة واحدة، وهي مسألة الاستجمار ثلاثة فصاعداً من غير عظم ولا روث وهو كاف مع وجود الماء عند الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو إجماع الأمة، لا خلاف في ذلك- ومع هذا- لو يفعله أحد - لصار هذا عند الناس أمراً عظيماً، ولنهوا عن الصلاة خلفه، وبدعوه مع إقرارهم بذلك ولكن لأجل العادة.
إذ تبين هذا فالمسائل التي شنع بها- منها ما هو من البهتان الظاهر وهي.
قوله: أني مبطل كتب المذاهب.
وقوله: إني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء.
وقوله: إني أدعي الاجتهاد.
وقوله: إني خارج عن التقليد.
وقوله: إنى أقول: إن اختلاف العلماء نقمة.
وقوله: إنى أكفر من توسل بالصالحين.
وقوله: إني أكفر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق.
وقوله: إني أقول لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها، ولو أقدر
стр. 137
على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزابا من خشب.
وقوله: إني أنكر زيارة قبر النبي ﷺ .
وقوله: إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم، وإني أكفر من يحلف بغير الله.
فهذه اثنتا عشرة مسألة: جوابي فيها أقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
ولكن قبله من بهت النبي محمدا ﷺ أنه يسب عيسى بن مريم، ويسب الصالحين: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النّور من الآية: ١٦] .
وبهتوه بأنه يزعم أن الملائكة وعيسى وعزيرا في النار، فقال الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] .
وأما المسائل الأخرى وهي أني أقول: لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى "لا إله إلا الله".
ومنها: أني أعرف ما يأتينى بمعناها.
ومنها: أني أقول: الإله هو الذي فيه السر.
стр. 138
ومنها: تكفير الناذر إذا أراد به التقرب لغير الله وأخذ النذر كذلك.
ومنها: أن الذبح للجن كفر والذبيحة حرام ولو سمي الله عليها إذا ذبحها للجن.
فهذه خمس مسائل كلها حق وأنا قائلها.
ونبدأ بالكلام عليها لأنها أم المسائل، وقبل ذلك أذكر معنى "لا إله إلا الله " فنقول: التوحيد نوعان:
توحيد الربوبية: وهو أن الله سبحانه متفرد بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم. وهذا حق لا بد منه، لكن لا يدخل الرجل في الإسلام، لأن أكثر الناس مقرون به.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] .وأن الذي يدخل الرجل في الإسلام هو توحيد الألوهية، وهو: أن لا يعبد إلا الله، لا ملكاً مقرّباً ولا نبيّاً مرسلاً، وذلك أن النبي ﷺ بعث وأهل الجاهلية يعبدون أشياء مع الله: فمنهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة، فنهاهم عن هذا وأخبرهم أن الله أرسله ليوحد ولا يدعى أحد من دونه، لا الملائكة، ولا الأنبياء، فمن
стр. 139
تبعه ووحد الله فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله، ومن عصاه ودعا عيسى والملائكة واستنصرهم والتجأ إليهم فهو الذي جحد لا إله إلا الله مع إقراره أنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله، وهذه جملة لها بسط طويل، لكن الحاصل أن هذا مجمع عليه بين العلماء.
ولما جرى في هذه الأمة ما أخبر به نبيها ﷺ حيث قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه "١.
وكان من قبلهم كما ذكر الله عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التّوبة من الآية: ٣١] .
فصار ناس من الضالين يدعون أناساً من الصالحين في الشدة والرخاء، مثل: عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وعدي بن مسافر وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح. فأنكر عليهم أهل العلم غاية الإنكار وزجروهم عن ذلك، وحذروهم غاية التحذير والإنذار- من جميع المذاهب الأربعة في سائر الأقطار والأمصار، فلم يحصل منهم انزجار، بل استمروا على ذلك غاية الاستمرار. وأما الصالحون الذين يكرهون ذلك فحاشاهم من ذلك.
وبين أهل العلم أن أمثال هذا هو الشرك الأكبر، وأنت ذكرت في
стр. 140
كتابك تقول: يا أخي ما لنا والله دليل إلا من كلام أهل العلم.
وأنا أقول: كلام أهل العلم رضي وأنا أنقله لك، وأنبهك عليه، فتفكر فيه وقم لله ساعة ناظراً ومناظراً مع نفسك ومع غيرك، فإن عرفت أن الصواب معي وأن دين الإسلام اليوم من أغرب الأشياء- أعني دين الإسلام الصرف الذي لا يمزج بالشرك والبدع.
ثم يقول: قال الشيخ تقي الدين، وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر ومن أهل العبادة، حتى قلبوا حقيقته، فطائفة ظنت أن التوحيد هو نفي الصفات، وطائفة ظنوا أنه الاقرار بتوحيد الربوبية. ومنهم من أطال في تقرير هذا الموضع، وظن أنه بذلك قرر الوحدانية، وأن الألوهية هي القدرة على الاختراع ونحو ذلك ولم يعلم أن مشركي العرب كانوا مقرين بهذا التوحيد.
قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤] .
وهذا حق، ولكن لا يخلص به عن الإشراك بالله الذي لا يغفره الله، بل لا بد أن يخلص الدين لله فلا يعبد إلا الله، فيكون دينه لله، والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب وأطال ﵀ الكلام.
وقال- أيضا- في الرسالة "السنية " التي أرسلها إلى طائفة من أهل
стр. 141
العبادة ينتسبون إلى بعض الصالحين، ويغلون فيهم، فذكر حديث الخوارج ثم قال: فإذا كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين ممن ينتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة- فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام قد يمرق من الدين وذلك بأمور.
منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى مثل: الغلو في عدي بن مسافر أو غيره بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو صحابي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الألوهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني أو أنا في حسبك، ونحو هذا- فهذا كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد ولا يدعى معه إله آخر. والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل: الشمس والقمر والصالحين والتماثيل المصورة على صورهم- لم يكونوا يعتقدون أنها تنزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدون الملائكة والصالحين ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس من الآية: ١٨] .
فبعث الله الرسل وأنزل الكتب تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة.
وقال أيضا في أثناء الباب: ومن اعتقد أن لأحد طريقاً إلى الله غير متابعة محمد ﷺ ، أو لا يجب عليه اتباعه، أو أن لغيره خروجا عن اتباعه أو قال:
стр. 142
عقد ورقي وكلام يتكلم به أو يكتبه، أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله، ومنه ما يقتل ومنه ما يمرض، ومنه ما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها، ومنها ما يبغض أحدهما للآخر، ويحبب بين اثنين ويكفر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته.
وأما الحنفية فقال الشيخ قاسم في شرح درر البحار: النذر الذي يقع من أكثر العوام وهو أن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلاً: يا سيدي إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك كذا وكذا- باطل إجماعا لوجوه منها:-
أن النذر للمخلوق لا يجوز.
ومنها: ظن أن الميت يتصرف في الأمر واعتقاد هذا كفر. إلى أن قال: إذا عرف هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها، وينقل إلى ضرائح الأولياء فحرام بإجماع المسلمين، وقد ابتلي الناس بهذه لا سيما في مولد أحمد البدوي.
فتأمل قول صاحب النهر مع أنه بمصر ومقر العلماء، كيف شاع بين أهل مصر ما لا قدرة للعلماء على دفعه!! فتأمل قوله"من أكثر العوام" أتظن أن الزمان صلح بعده..؟
وأما المالكية، فقال الطرطوشي في كتاب "الحوادث والبدع". روى البخاري عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها "ذات أنواط"، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله أجعل
стр. 143
لنا "ذات أنواط" " كما لهم "ذات أنواط". فقال: الله أكبر هذا كما قال بنوا إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف من الآية: ١٣٨] ، لتركبن سنن من قبلكم.
فأنظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة يقصدها الناس، وينوطون بها الخرق فهي ذات أنواط، فاقطعوها.
وقال ﷺ : "بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ "١.
ومعنى هذا أن الله لما جاء بالإسلام فكان الرجل.. إذا أسلم في قبيلته غريباً مستخفياً بإسلامه، قد جفاه العشيرة فهو بينهم ذليل خائف، ثم يعود غريبا لكثرة الأهواء المضلة والمذاهب المختلفة حتى يبقى أهل الحق غرباء في الناس لقلتهم وخوفهم على أنفسهم.
وروى البخاري عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: والله ما أعرف فيهم من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعاً.
وذلك أنه أنكر أكثر أفعال أهل عصره.
انتهى كلام الطرطوشي.
فليتأمل اللبيب هذه الأحاديث، وفي أي زمان قيلت، وفي أي مكان، وهل أنكرها أحد من أهل العلم والفوائد فيها كثيرة، ولكن مرادي منها ما وقع من الصحابة، وقول الصادق المصدوق، أنه مثل كلام الذين اختارهم الله على العالمين لنبيهم: أجعل لنا إلها: يا عجبا إذا جرى هذا
стр. 144
من أولئك السادة فكيف ينكر علينا أن رجلا من المتأخرين غلط في قوله: يا أكرم الخلق كيف تعجبون من كلامي فيه، وتظنونه خيراً وأعلم منهم؟!
ولكن هذه الأمور لا علم لكم بها وتظنون أن من وصف شركاً أو كفراً أنه الكفر الأكبر المخرج عن الملة، ولكن أين كلامك هذا من كتابك الذي أرسلت إلي قبل أن يغريك الله بصاحب الشام وتذكر وتشهد أن هذا هو الحق وتعتذر أنك لا تقدر على الإنكار ... ؟
ومرادي أن أبين لك كلام الطرطوشي، وما وقع في زمانه من الشرك بالشجر، مع كونه في زمن القاضي أبي يعلى، أتظن الزمان صلح بعده..؟ وأما كلام الشافعية فقال الإمام محدث الشام أبو شامة في كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث، وقد وقع من جماعة من النابذين لشريعة الإسلام، المنتمين إلى الفقر الذي حقيقته الافتقار من الإيمان، ومن اعتقادهم في مشايخ لهم ضالين فهم داخلون تحت قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشّورى من الآية: ٢١] .
وبهذه الطرق وأمثالها كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها، ومن هذا القسم ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وإسراج مواضع في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح فيفعلون ذلك ويظنون أنهم يتقربون إلى الله، ثم يجاوزون ذلك إلى أن يعظم تلك الأماكن في قلوبهم ويرجون الشفاعة لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي بين
стр. 145
عيون وشجر وحائط وحجر، وفي دمشق صانها الله من ذلك مواضع متعددة كعوينة الحمى، والشجرة الملعونة خارج باب النصر، سهل الله قطعها فما أشبهها بذات أنواط"، ثم ذكر كلاماً طويلاً إلى أن قال: "أسأل الله الكريم معافاته من كل ما يخالف رضاه، ولا يجعلنا ممن أضله فاتخذ إلهه هواه".
فتأمل ذكره في هذا النوع أنه نبذ لشريعة الإسلام، وأنه خروج عن الإيمان ثم ذكر أنه عم الابتلاء به في الشام.
فأنت قل لصاحبكم هؤلاء العلماء من الأئمة الأربعة ذكروا أن الشرك عم الابتلاء به وغيره، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، وذكروا أن الدين عاد غريباً فهو بين اثنتين:
إما أن يقول كل هؤلاء العلماء جاهلون ضالون مضلون خارجون.
وإما أن يدعي أن زمانه وزمان مشايخه صلح بعد ذلك ... ؟
إذا تقرر هذا فخمس المسائل التي قدمت جوابها في كلام العلماء، وأضيف إليها مسألة سادسة، وهي إفتائي بكفر شمسان وأولاده ومن شابههم وسميتهم طواغيت، وذلك أنهم يدعون الناس إلى عبادتهم من دون الله عبادة أعظم من عبادة اللات والعزى يعبدونها في الرخاء، ويخلصون لله في الشدة، وعبادة هؤلاء أعظم من عبادتهم إياه في شدائد البر والبحر. فإن كان الله أوقع في قلبك معرفة الحق والانقياد له