العبادة ينتسبون إلى بعض الصالحين، ويغلون فيهم، فذكر حديث الخوارج ثم قال: فإذا كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين ممن ينتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة- فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام قد يمرق من الدين وذلك بأمور.
منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى مثل: الغلو في عدي بن مسافر أو غيره بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو صحابي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الألوهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني أو أنا في حسبك، ونحو هذا- فهذا كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد ولا يدعى معه إله آخر. والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل: الشمس والقمر والصالحين والتماثيل المصورة على صورهم- لم يكونوا يعتقدون أنها تنزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدون الملائكة والصالحين ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس من الآية: ١٨] .
فبعث الله الرسل وأنزل الكتب تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة.
وقال أيضا في أثناء الباب: ومن اعتقد أن لأحد طريقاً إلى الله غير متابعة محمد ﷺ ، أو لا يجب عليه اتباعه، أو أن لغيره خروجا عن اتباعه أو قال:
стр. 142
عقد ورقي وكلام يتكلم به أو يكتبه، أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله، ومنه ما يقتل ومنه ما يمرض، ومنه ما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها، ومنها ما يبغض أحدهما للآخر، ويحبب بين اثنين ويكفر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته.
وأما الحنفية فقال الشيخ قاسم في شرح درر البحار: النذر الذي يقع من أكثر العوام وهو أن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلاً: يا سيدي إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك كذا وكذا- باطل إجماعا لوجوه منها:-
أن النذر للمخلوق لا يجوز.
ومنها: ظن أن الميت يتصرف في الأمر واعتقاد هذا كفر. إلى أن قال: إذا عرف هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها، وينقل إلى ضرائح الأولياء فحرام بإجماع المسلمين، وقد ابتلي الناس بهذه لا سيما في مولد أحمد البدوي.
فتأمل قول صاحب النهر مع أنه بمصر ومقر العلماء، كيف شاع بين أهل مصر ما لا قدرة للعلماء على دفعه!! فتأمل قوله"من أكثر العوام" أتظن أن الزمان صلح بعده..؟
وأما المالكية، فقال الطرطوشي في كتاب "الحوادث والبدع". روى البخاري عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها "ذات أنواط"، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله أجعل
стр. 143
لنا "ذات أنواط" " كما لهم "ذات أنواط". فقال: الله أكبر هذا كما قال بنوا إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف من الآية: ١٣٨] ، لتركبن سنن من قبلكم.
فأنظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة يقصدها الناس، وينوطون بها الخرق فهي ذات أنواط، فاقطعوها.
وقال ﷺ : "بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ "١.
ومعنى هذا أن الله لما جاء بالإسلام فكان الرجل.. إذا أسلم في قبيلته غريباً مستخفياً بإسلامه، قد جفاه العشيرة فهو بينهم ذليل خائف، ثم يعود غريبا لكثرة الأهواء المضلة والمذاهب المختلفة حتى يبقى أهل الحق غرباء في الناس لقلتهم وخوفهم على أنفسهم.
وروى البخاري عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: والله ما أعرف فيهم من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعاً.
وذلك أنه أنكر أكثر أفعال أهل عصره.
انتهى كلام الطرطوشي.
فليتأمل اللبيب هذه الأحاديث، وفي أي زمان قيلت، وفي أي مكان، وهل أنكرها أحد من أهل العلم والفوائد فيها كثيرة، ولكن مرادي منها ما وقع من الصحابة، وقول الصادق المصدوق، أنه مثل كلام الذين اختارهم الله على العالمين لنبيهم: أجعل لنا إلها: يا عجبا إذا جرى هذا
стр. 144
من أولئك السادة فكيف ينكر علينا أن رجلا من المتأخرين غلط في قوله: يا أكرم الخلق كيف تعجبون من كلامي فيه، وتظنونه خيراً وأعلم منهم؟!
ولكن هذه الأمور لا علم لكم بها وتظنون أن من وصف شركاً أو كفراً أنه الكفر الأكبر المخرج عن الملة، ولكن أين كلامك هذا من كتابك الذي أرسلت إلي قبل أن يغريك الله بصاحب الشام وتذكر وتشهد أن هذا هو الحق وتعتذر أنك لا تقدر على الإنكار ... ؟
ومرادي أن أبين لك كلام الطرطوشي، وما وقع في زمانه من الشرك بالشجر، مع كونه في زمن القاضي أبي يعلى، أتظن الزمان صلح بعده..؟ وأما كلام الشافعية فقال الإمام محدث الشام أبو شامة في كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث، وقد وقع من جماعة من النابذين لشريعة الإسلام، المنتمين إلى الفقر الذي حقيقته الافتقار من الإيمان، ومن اعتقادهم في مشايخ لهم ضالين فهم داخلون تحت قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشّورى من الآية: ٢١] .
وبهذه الطرق وأمثالها كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها، ومن هذا القسم ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وإسراج مواضع في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح فيفعلون ذلك ويظنون أنهم يتقربون إلى الله، ثم يجاوزون ذلك إلى أن يعظم تلك الأماكن في قلوبهم ويرجون الشفاعة لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي بين
стр. 145
عيون وشجر وحائط وحجر، وفي دمشق صانها الله من ذلك مواضع متعددة كعوينة الحمى، والشجرة الملعونة خارج باب النصر، سهل الله قطعها فما أشبهها بذات أنواط"، ثم ذكر كلاماً طويلاً إلى أن قال: "أسأل الله الكريم معافاته من كل ما يخالف رضاه، ولا يجعلنا ممن أضله فاتخذ إلهه هواه".
فتأمل ذكره في هذا النوع أنه نبذ لشريعة الإسلام، وأنه خروج عن الإيمان ثم ذكر أنه عم الابتلاء به في الشام.
فأنت قل لصاحبكم هؤلاء العلماء من الأئمة الأربعة ذكروا أن الشرك عم الابتلاء به وغيره، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، وذكروا أن الدين عاد غريباً فهو بين اثنتين:
إما أن يقول كل هؤلاء العلماء جاهلون ضالون مضلون خارجون.
وإما أن يدعي أن زمانه وزمان مشايخه صلح بعد ذلك ... ؟
إذا تقرر هذا فخمس المسائل التي قدمت جوابها في كلام العلماء، وأضيف إليها مسألة سادسة، وهي إفتائي بكفر شمسان وأولاده ومن شابههم وسميتهم طواغيت، وذلك أنهم يدعون الناس إلى عبادتهم من دون الله عبادة أعظم من عبادة اللات والعزى يعبدونها في الرخاء، ويخلصون لله في الشدة، وعبادة هؤلاء أعظم من عبادتهم إياه في شدائد البر والبحر. فإن كان الله أوقع في قلبك معرفة الحق والانقياد له
стр. 146
والكفر بالطاغوت والتبري ممن خالف هذه الأصول ولو كان أباك أو أخاك - فاكتب لي وبشرني، لأن هذا ليس مثل الخطأ في الفروع، بل ليس الجهل بهذا - فضلاً عن إنكاره - مثل: الزنا والسرقة، بل والله ثم والله ثم والله إن الأمر أعظم ... وإن وقع في قلبك إشكال فاضرع إلى مقلب القلوب أن يهديك لدينه ودين نبيه.
وأما بقية المسائل: فالجواب عنها ممكن إذا خلصنا من شهادة أن لا إله إلا الله، وبيننا وبينكم فيها كلام أهل العلم، لكن العجب من قولك: أنا هادم قبور الصحابة، وعبارة "الإقناع" في الجنائز: يجب هدم القباب التي على القبور لأنها أسست على معصية الرسول. والنبي ﷺ صح عنه أنه بعث عليا لهدم القبور"١.
هذه مقتطفات من الرسالة الوافية التي رد بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ على الشبهات التي أثارها سليمان بن سحيم في رسالته التي بعث بها إلى أهل البصرة والأحساء وغيرهم من أجل الطعن في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتشويهها.
كما رد الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب على الشبهات التي أثارها ابن سحيم وغيره حول الدعوة السلفية يقول ﵀:
"وأما ما يكذب علينا ستراً للحق وتلبيساً على الخلق بأنا نفسر القرآن برأينا ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا من دون مراجعة شرح ولا
стр. 147
معول على شيخ، وأنا نضع من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا: النبي رمة في قبره وعصا أحدنا أنفع منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله حتى أنزل الله عليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمّد من الآية: ١٩] ، مع كون الآية مدنية، وأنا لا نعتمد على أقوال العلماء ونتلف مؤلفات أهل المذاهب لكون فيها الحق والباطل، وأنا مجسمة، وأنا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا ومن بعد الستمائة إلا من هو على ما نحن عليه، ومن فروع ذلك أنا لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير عليه بأنه كان مشركا وأن أبويه ماتا على الإشراك، بالله وأنا ننهي عن الصلاة على النبي ﷺ ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقاً.
وأن من دان بما نحن عليه سقطت عنه جميع التبعات حتى الديون، وأنا لا نرى حقّاً لأهل البيت رضوان الله عليهم، وأنا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم، وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة لتنكح شاباً إذا ترافعوا إلينا.
فلا وجه لذلك فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولا"يعني علماء مكة" كان جوابنا في كل مسألة من ذلك: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النّور من الآية: ١٦] . فمن روى عنا شيئا من ذلك أو نسبه إلينا فقد كذب علينا وافترى، ومن شاهد حالنا وحضر مجالسنا وتحقق ما عندنا علم
стр. 148
قطعا أن جميع ذلك افتراه علينا أعداء الدين وإخوان الشياطين تنفيراً للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نص الله عليه بأن الله لا يغفره: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النّساء من الآية: ٤٨، و١١٦] ، فإنا نعتقد أن من فعل أنواعاً من الكبائر كقتل المسلم بغير حق والزنا وشرب الخمر وتكرر منه ذلك أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام ولا يخلد به في دار الانتقام إذا مات موحداً بجميع أنواع العبادة. والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنْزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه وتسن زيارته إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق أوقاته بالاشتغال بالصلاة عليه، ﵊ الواردة عنه فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه كما جاء في الحديث عنه، ولا ننكر كرامات الأولياء ونعترف لهم بالحق وأنهم على هدى من ربهم مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئاً من أنواع العبادات لا حال الحياة ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم فقد جاء في الحديث: "دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه"١.
стр. 149
ونثبت الشفاعة لنبينا محمد ﷺ يوم القيامة حسب ما ورد، وكذلك نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة، والأولياء والأطفال حسب ما ورد أيضا.
ونسألها من المالك لها والآذن فيها لمن يشاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها كما ورد بأن يقول أحدنا متضرعاً اللهم شفع نبينا محمداً ﷺ فينا يوم القيامة، اللهم شفع فينا عبادك الصالحين أو ملائكتك، أو نحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم، فلا يقال: يا رسول الله، أو يا ولي الله أسألك الشفاعة أو غيرها كأدركني أو أغثني أو اشفني أو انصرني على عدوي ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فإذا طلب ذلك مما ذكر في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك، إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة ولا أثر من السلف الصالح في ذلك، بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف أن ذلك شرك أكبر قاتل عليه رسول الله ﷺ .
مما سبق تتضح أهم الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وقد تولى الشيخ الرد على هذه الشبهات، كما تولى أبناؤه وأتباعه الرد عليها، وأوضحوا بكل جلاء حقيقة هذه الشبه الباطلة.
لذا لا نرى أنا بحاجة إلى استعراض المزيد من الردود على هذه الشبه سوى شبهتين منها نرى من المناسب إيراد المزيد من الردود عليها، لأن خصوم الدعوة في الوقت الحاضر على اختلاف مشاربهم وتنوع أهدافهم يركزون على هاتين الشبهتين من أجل تشويه سمعة الدعوة
стр. 150
وصاحبها وأتباعها وحماتها.
لااتهام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه بأنهم خوارج، وأن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب امتداد لدعوة عبد الوهاب بن رستم الخارجي الذي أسس الدولة الرستمية بالمغرب.
ثانيا: شبه اتهام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه بأنهم يكفرون المسلمين والرد عليها:
أولا: اتهام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه بأنهم خوارج، وأن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب امتداد لدعوة عبد الوهاب بن رستم الخارجي الذي أسس الدولة الرستمية بالمغرب.
اتهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من قبل خصومه بأنهم خوارج كما زعم خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن دعوته امتداد لدعوة عبد الوهاب بن رستم الراسبي الخارجي الذي أسس الدولة الرستمية في مدينة تاهرت بالمغرب عام ١٧١هـ.
ولبيان بطلان ما زعمه خصوم الدعوة من وصف الشيخ وأتباعه بأنهم خوارج وأن دعوته امتداد لدعوة عبد الوهاب بن رستم، سوف نعطي نبذة عن أصل الخوارج وشواهد لمعتقدهم الباطل ومن ثم نعطى نبذة عن عبد الوهاب بن رستم ونوضح الهدف الحقيقي من القول بأن دعوة الشيخ امتداد لأفكار ومعتقد ومذهب عبد الوهاب بن رستم الخارجي.
стр. 151
الخوارج: جمع خارجي وهم أقدم فرقة من الفرق الإسلامية. وأصل حركتهم كانت في صفر سنة ٣٧هـ عندما شعر معاوية ﵁ بالهزيمة في معركة صفين، فأشار عمرو بن العاص برفع المصاحف منادياً أن يحكم كتاب الله فيما بينهم فسارع معظم جند علي طالبين إيقاف القتال وقالوا لعلي: القوم يدعونا إلى كتاب الله، وأنت تدعونا إلى القتال، وبالرغم من أن علي بن أبي طالب ﵁ وضح لهم أنها خدعة فقد أصروا على إيقاف القتال وطلبوا منه حالاً إيقاف الهجوم الصاعق الذي يشنه"الأشتر" على صفوف معاوية مهددين بأن يتخلوا عنه.
وخشية من الفتنة أمر علي ﵁ "الأشتر" بالتراجع وبقية القصة معروفة باختيار الحكمين وما تم في"دومة الجندل" بين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص ﵄.
ثم خرجت طائفة لم ترض الحكم من معسكر علي وانسحبوا إلى"حروراء" وأمروا عليهم رجلاً منهم هو"عبد الله بن وهب الراسبي" وقد حاول علي بن أبي طالب ﵁ إعادتهم بالحسنى والموعظة فلم يستجيبوا فكر عليهم. وقيل: إنه لم ينج منهم إلا تسعة تفرقوا في البلدان.
ثم تزايدوا بمن كان غائبا وانضم إلى طريقتهم أو دخل في غلتهم واستمروا في تطرفهم وفي تصرفاتهم وعقائدهم والقول بالطعن في
стр. 152
سلوك عثمان واستنكار الثأر لقتله، والقول بعدم أحقية علي في الخلافة، وغير ذلك مما هو معروف عنهم وانقسموا إلى فرق عدة كما هو معروف في كتب الملل والنحل١.
تلك نبذة قصيرة عن أصل الخوارج وشواهد لمعتقدهم الباطل الذين يزعم خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن الشيخ وأتباعه على مذهبهم.
لقد تعددت مزاعم خصوم الدعوة السلفية بأن الشيخ وأتباعه خوارج، وكان ابن عفالق من أول المفترينفي ذلك حيث ينعى على الشيخ وأتباعه بأن موطنهم هو نجد- قرن الشيطان- وأنهم من بقايا فتنة مسيلمة الكذاب. يقول ابن عفالق في رسالته لابن معمر: "وفي فضل أهل الشام واليمن والحرمين وفارس ما يعرفه من له أدنى معرفة بالأحاديث، وأما أنتم يا أهل اليمامة ففي الحديث الصحيح عندكم يطلع قرن الشيطان وأنتم لا تزالون في شر من كذابكم إلى يوم القيامة"٢.
ويذكر علوي الحداد بعضا من علامات الخوارج ليدعي- ظلماً وعدواناً- وجودها عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأتباعه يقول
стр. 153
حسبه الله: "وأهم من ذلك كله ما ذكره النبي ﷺ من الأحاديث الكثيرة، المبينة لعلامات الخوارج، مما يبين أن ابن عبد الوهاب وأتباعه منهم"١.
ويدعي الصاوي - كذباً وتلفيقاً - أن علماء الدعوة وأتباعها خوارج٢.
ويؤكد ابن عابدين في حاشيته- هذا الإفك فيزعم أن اتباع الشيخ الإمام يدخلون في مسمى الخوارج٣. كما يدعي محسن بن عبد الكريم أن أتباع الدعوة السلفية وصاحبها خوارج ويصفهم بأنهم مارقة٤.
ويتمادى اللكنهوري ويجعل الخوارج سلف الوهابيين يقول حسبه الله: "وأن لهم أسوة في سلف من الخوارج الحرورية.. حيث كفروا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ وجميع المسلمين من أصحابه وأنصاره بتلفيقات تشبهها أقوال هؤلاء الوهابيين. ولو تأملت بصائب النظر في تاريخهم لوجدت الوهابية ممن يحذو حذوهم في العقائد.. ثم إنك لو أمعنت النظر لوجدت شيوخ أولئك الخوارج من أهل نجد٥.
стр. 154
ويدعي جميل الزهاوي أن من علامة نبوة محمد ﷺ إخباره عن هؤلاء الخوارج، يقصد أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب١.
ويزعم محمد جواد مغنية أن الوهابية تتفق مع الخوارج في مسألة التكفير.
هذه أمثلة من أقوال بعض المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب القائلين بأن الشيخ وأتباعه خوارج.
لقد كذب خصوم الدعوة على الشيخ محمد بن عبد الوهاب حينما قالوا: إنه يكفر المسلمين بالذنوب مثل قول الخوارج بكفرهم. وقد أوضح الشيخ- ﵀ معتقده في مرتكب الذنوب في رسالته التي بعث بها لأهل القصيم حيث يقول: "ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه عن دائرة الإسلام"٢.
وسئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر- ﵀ فقال السائل إنكم تكفرون بالمعاصي.
فأجاب: ليس هذا قولنا، بل إن هذا قول الخوارج الذين يكفرون بالذنوب ولم نكفر أحدا بعمل المعاصي، بل نكفر من فعل المكفرات كالشرك بالله بأن يعبد معه غيره، فيدعو غير الله٣.
стр. 155
كما أوضح الشيخ عبد الرحمن بن حسن- ﵀ أن رأي هذه الدعوة وصاحبها في الخوارج هو رأي الصحابة رضي الله عنهم١.
ويطول بنا المقام لو تتبعنا ما كتبه أتباع الدعوة السلفية من الردود على خصوم الدعوة بخصوص اتهام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه بأنهم خوارج لذا سوف نكتفي بما أورده الدكتور عبد الله العثيمين للرد على هذه التهمة حيث أوضح الأمور الجهورية بين معتقد الشيخ محمد ابن عبد الوهاب وأتباعه وبين معتقد الخوارج يقول الدكتور عبد الله:
"وبالإضافة إلى تسمية الشيخ وأتباعه بالوهابيين وصفهم خصومهم بصفات أخرى، مثل المبتدعة والملاحدة والخوارج. لكن الوصف الأخير أكثرها استعمالاً من قبل أولئك الخصوم. ويبدو أن مرد ذلك هو الافتراض بأن الشيخ وأتباعه، كالخوارج، يعتبرون أنفسهم فقط المسلمين، وأنهم يقاتلون من لم يوافقهم على ما يدعون إليه، وأنهم محافظون جداً على الفرائض الدينية، لكنهم غير متسامحين مع وجهات نظر الآخرين. وأنهم بالإضافة إلى ذلك ثائرون على الدولة الإسلامية المعترف بها".
وقال أيضا: "ومن الملاحظ أنه حتى الكاتب الحديث أمير علي يقول إنّ الوهابيين هم الأحفاد المباشرون للأزارقة من الخوارج
стр. 156
الذين لجأوا إلى صحراء بلاد العرب بعد هزيمتهم على يد الحجاج بن يوسف. ويدعي بأن عقيدتهم شبيهة كل الشبه بتلك الآراء التي يتبعها بدقة أتباع نافع بن الأزرق""١.
ومن المعروف أن الافتراض الذي افترضه خصوم الشيخ لا يتفق مع الحقيقة. فالشيخ وأتباعه يختلفون عن الخوارج في أمور جوهرية، خاصة في العقيدة. فهم يختلفون عن الخوارج في احترامهم لجميع الصحابة ولا ينالون من عثمان أو علي، بل يوفونهما حقهما الواجب لهما. وموقفهم من هذه القضية وفي موضوع الإمامة بصفة عامة اتباع أهل السنة والجماعة. والواقع أنه في حين كان موضوع الإمامة من الموضوعات الأساسية بالنسبة للخوارج فإنه لا يحتل إلا مكانا ضيقا من كتابات الشيخ وأتباعه. ومتى تعرضوا له فإنهم يقولون بوجوب الطاعة للحاكم وإن كان عبدا حبشيا أو جائراً، ما لم يأمر بمعصية الله.
وبالإضافة إلى ما تقدم فإنه من المعروف أن محمد بن عبد الوهاب ظهر في منطقة نجد التي لم تكن خاضعة آنذاك للدولة الإسلامية الكبيرة أو السلطان العثمانيوإنما كانت منطقة مقسمة إلى إمارات صغيرة لا يعترف زعماؤها بسلطة القسطنطينية عليهم. ومن هنا فإنه لا يصح
стр. 157
القول إن الشيخ وأنصاره قد قاموا بثورة ضد السلطة الإسلامية العليا. بل الصحيح أن يقال إنهم حتى بداية القرن الثالث عشر الهجري- على الأقل- كانوا يدافعون عن أنفسهم ووجودهم. وهجماتهم على الأحساء- وهي لم تكن أيضا خاضعة للعثمانيين آنذاك- والحجاز والعراق جاءت بعد غزوات حكام تلك الأقطار لمناطق نفوذهم.
ومن نقاط الاختلاف المهمة بين الشيخ وأتباعه وبين الخوارج موقف الطرفين من مرتكب الكبيرة غير الشرك. فالخوارج يكفرونه، لكن الشيخ وأتباعه يتبعون تجاهة مذهب أهل السنة والجماعة في أنه عاص أو فاسق، لكنهم لا يخرجونه من الإسلام.
ولقد حاول بعض خصوم الشيخ أن يستفيدوا من صدفة ظهوره في منطقة كانت في الماضي موطنا لمسيلمة الكذاب وأنصاره، كما ذكروا أحاديث ورد فيها ذم نجد، وقالوا: إن الشيخ من نسل ذي الخويصرة التميمي الذي أخبر النبي ﷺ ، أنه سيخرج من ذريته من يمرقون من الدين كما تمرق السهم من الرمية.
وكان من السهل على الشيخ وأتباعه أن يردوا بنجاح على آراء خصومهم السابقة. فقد قالوا، إن المكان لا ينبغى أن يؤخذ مقياساً توزن به الأقوال والعقائد. بل أنه لم يوجد نبى إلا كان في مسقط رأسه شرك وإلحاد وكفر في فترة من الفترات. ومن أوضح ذلك مكة المكرمة التي كانت تعبد الأصنام والتي ظهر فيها رسول الله ﷺ . وقالوا إن نجداً
стр. 158
المذمومة في الأحاديث هي نجد العراق على أية حال، وأن من أخبر النبي ﷺ بأنهم سيظهرون من نسل ذي الخويصرة كانوا تلك الفرقة الخارجية المسماة بالحرورية الذين ثاروا ضد علي بن أبي طالب ﵁.
ومن ناحية أخرى فإن أنصار الشيخ يقولون بوضوح وبساطة إن دعوتهم إحياء لعقيدة التوحيد والسنة في وقت لم يبق من الإسلام إلا اسمه. ويذكرون أنهم سائرون على الطريقة التي رسمها السلف الصالح من هذه الأمة كما يؤكدون أنهم يتمسكون برأي أهل السنة والجماعة في أصول الدين، ويتبعون مذهب الإمام أحمد بن حنبل في الفروع أو الفقه"انتهى كلام الدكتور عبد الله العثيمين.
أما ما يزعمه الخصوم بشأن وجود علاقة بين دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والوهابية الرستمية وأن دعوة الشيخ امتداد لأفكار ومذهب عبد الوهاب بن رستم الخارجي فهذا كلام يخالف الواقع.
فعبد الوهاب بن رستم في المغرب، خارجي ومعروف أن مذهب الخوارج يتعارض مع ما يؤمن به صاحب الدعوة السلفية محمد بن عبد الوهاب، وفيما يلي نورد بعض المعلومات عن عبد الوهاب بن رستم وصولا لمعرفة الهدف الحقيقي للزعم القائل بأن دعوة الشيخ محمد بن
стр. 159
عبد الوهاب امتداد لأفكار ومذهب ومعتقد عبد الوهاب بن رستم١.
ابن رستم هو مؤسس الدولة الرستمية في مدينة تاهرت بالمغرب. وعندما أحس بدنو أجله في عام ١٧١هـ أوصى بالأمر لسبعة من رجال الدولة الرستمية ومن بينهم ابنه عبد الوهاب، ويزيد بن فنديك، وقد بويع عبد الوهاب بما ترتب عليه نشوء خلاف بينه وبين ابن فنديك.
وقد انقسمت الإباضية التي هي دين ابن رستم ومن معه بذلك إلى فرقتين. الوهابية نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، والنكارية. ودارت بين الطرفين معارك ومقاتل انهزمت فيها النكارية وقتل زعيمها ابن فنديك وفي حال ضعف النكارية انضم إليه الواصلية المعتزلة.
وقد عزم عبد الوهاب هذا على الحج في آخر حياته، إلا أن أتباعه نصحوه بالبقاء خوفاً عليه من العباسيين. وقد توفي عبد الوهاب هذا الذي يعتبر المؤسس للدولة الرستمية، ذات الأشياع في شمال أفريقيا عام ٢١١هـ٢.
стр. 160
وتحدث المؤلف الفرنسي"شارلي أندري" في كتابه تاريخ أفريقيا الشمالية عن ممالك الخوارج، ومن ضمنها مملكة تاهرت التي هي الدولة الرستمية، وقد أفاض في حديثه عن معتقداتها ومعالمها الحضارية، وأبان بأنها تخالف أهل السنة في المعتقد١.
وتحدث ألفرد بل في كتابه الفرق الإسلامية في الشمال الأفريقي من الفتح العربي حتى اليوم، عن الخوارج الوهابيين وقال عن أتباع عبد الوهاب بن رستم بأنهم أشد الأباضية تقوى وكانوا يكرهون الشيعة قدر كراهيتهم لأهل السنة٢.
وهذه النبذة التي أوردناها تدل على أن هذه الفرق قد رصد عنها أشياء كثيرة، لأن عبد الوهاب هذا قد جعل من تاهرت مركزاً فكرياً، وفتح باب الجدل مع علماء السنة مما تبلور عنه آراء تفند معتقداتهم التي تتخالف مع ما يراه أهل السنة والجماعة. وهذا الحوار هو الذي تفتق عنه جذور عميقة عند علماء وفقهاء المغرب حول هذه الفرقة ومعتقداتها.
وقد استغل المستعمرون وأصحاب المصالح تلك الجذور، في إذكاء العداوة بين أبناء المسلمين فألبسوا الثوب القديم بما فيه من عيوب
стр. 161
وحزازات، للدعوة الجديدة التي جاءت لإصلاح العقائد.
فالإنجليز مثلا لمسوا آثار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية في أعظم مكان يعتزون باستعماره والاستيلاء على خيراته، عندما تلقفها المسلمون الهنود على يد الداعية الإسلامي الإمام أحمد بن عرفان الشهيد وأتباعهتلك الدعوة التي ناوأت القاديانية الكافرة، التي أرادها الإنجليز واجهة لتحقيق مآربهم.
ويظهر انزعاج الإنجليز وحرصهم على القضاء على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب- ﵀ التي تمثل يقظة جديدة في العالم الإسلامي، ودعوة إلى فهمه من مصادره الصافية كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ أنهم بذلوا جهوداً وأموالاً في هذا السبيل.
وقد أبانت رحلة"سادلر" نائب الحاكم البريطاني من حكومة الهند الشرقية، الذي قام برحلة شاقة من الهند إلى أن وصل إلى الرياض، ووقف على أطلال الدرعية التي هدمها إبراهيم باشا بناء على اتفاق مسبق مع الإنجليز ليطمئن على القضاء على قاعدة الدعوة السلفية بنفسه، لما أحدثته من خوف وقلق داخل الحكومة الإنجليزية خوفا على مصالحها، وبعد أن ارتاحت نفسه شد الرحال لاحقاً إبراهيم باشا حتى أدركه في آبار علي، على مقربة من المدينة المنورة، ليقدم له التهاني.
стр. 162
والفرنسيون أيضا لهم دور، فقد أحسوا باهتمام المغاربة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لأن سيدي محمد بن عبد الله العلوي، الذي كان سلطانا على المغرب الأقصى قد قام بمحاربة البدع والخرافات، كما كان يحارب الطرق الصوفية، ويدعو إلى العودة إلى الاجتهاد وإلى السنة١. هذا السلطان هو الذي وصفه المؤرخ الفرنسي شارلي جوليان بقوله: كان سيدي محمد وهو التقي الورع على علم بواسطة الحجيج بانتشار الحركة الوهابية في الجزيرة العربية، وتأييد آل سعود لها وقد أعجب بعباراتها وكان يؤثر عنه قوله: "أنا مالكي المذهب وهابي العقيدة"". وقد ذهبت به حماسته الدينية إلى الإذن باتلاف الكتب المتساهلة في الدين والمحللة لمذهب الأشعرية، وتهديهم بعض الزوايا٢.
والإيطاليون أقلقهم ما قام به محمد بن علي السنوسي"الذي تأثر بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" من دعوة إصلاحية في ليبيا لإعادة الإسلام إلى صفائه ووضعه الصحيح في النفوس تطبيقاً وعملاً، والوقوف ضد الإيطاليين الوافدين، الذين لا يهمهم إلا استغلال خيرات البلاد والتفريق بين المسلمين٣.
والهولنديون حركهم ما لمسوه من اهتمام جديد وبحرص بالإسلام في
стр. 163
جزر سومطرة وجاوه وسولو، مما حركه الحجاج الأندونيسيون الذين درسوا واهتموا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية، واطمأنوا إلى سلامة صلاحها للعقيدة وصفاء الدعوة، وأنها لم تقم لمآرب ذاتية، فنقلوا ذلك لبلادهم، حيث قامت دعوات متعددة مثل الجمعية المحمدية في جاكرتا، وقد بدأت الدعوة لنبذ الشوائب والخرافات، التي أدخلت على تعاليم الإسلام هذا إلى جانب تأثر الأوروبيين وبعض الأتراك والأفارقة واهتمام المسلمين بها في بلاد الشام ومصر والعراق وأفغانستان وغيرها.
فتعاون المستعمرون مع عناصر من القيادة العثمانية من أجل ضرب المسلمين بعضهم ببعض لتحقيق المآرب بإضعاف قوة المسلمين. ولذا بدأ هؤلاء الأوروبيون ينبشون الماضي، ويحركون أشياء ترضي ذوي الأهواء من أرباب المصالح، فأوهموا العامة وأنصاف المتعلمين الذين لا يقرأون ولا يتعمقون وهم الغالبية العظمى بأن هذه الدعوة الحديثة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي تحركت في الجزيرة العربية، ما هي إلا امتداد لتلك الوهابية الرستمية الإباحية الخارجية التي تخالف معتقد ومذهب المسلمين.
لقد أخذ الأوروبيون من عيوب دعوة عبد الوهاب بن رستم وألبسوها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية مستغلين التشابه في الاسم"عبد الوهاب" من باب تشويه سمعة الشيخ ودعوته ومن باب التنفير
стр. 164
خوفا من عودة المسلمين إلى النهج السليم.
ثانيا- اتهام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه بأنهم يكفرون المسلمين والرد عليها
من الاتهامات التي يتهم بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه أنهم يكفرون أهل القبلة ويستبيحون قتل المسلمين. وقد ردد هذا الاتهام في أوقات مختلفة وبألسنة وأقلام خصوم متعددين.
والواقع أن مسألة التكفير من أهم المسائل وأكثرها خطورة في أبواب العقائد. لذا نرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكذلك أتباعه من بعده وأنصار دعوته، قد اعتنوا بهذه المسألة عناية كبيرة، ووضحوا بكل جلاء ما أشكل فيها، وبينوها وفصلوها تفصيلاً شافياً وكافياًنظراً لكثرة من اتهم صاحب الدعوة السلفية بتكفير المسلمين.
لقد أشيعت تهمة تكفير المسلمين من قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في حياة الشيخ ونفاها، وبالرغم من نفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب لهذه التهمة الباطلة فلا تزال هذه التهمة تردد من قبل خصوم الدعوة. وسوف نورد نماذج من مفتريات وأكاذيب خصوم الدعوة في مسألة التكفير كما جاءت في مؤلفاتهم أو منقولة عنهم، ثم
стр. 165
نتبع ذلك بالرد على هذه التهمة من قبل صاحب الدعوة السلفية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن قبل بعض علماء الدعوة السلفية.
يعد ابن عفالق من أوائل من افتروا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ورماه بتكفير المسلمين، فقد قال عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في جوابه على رد ابن معمر:"وهذا الرجل كفر الأمة، بل والله كذب الرسل، وحكم عليهم وعلى أممهم بالشرك"١.
ويقول أيضا مخاطباً عثمان بن معمر:"فجعلتم تكفير العترة النبوية، وسبهم، ولعنهم، أصلا من أصول دينكم"٢. ويستمر ابن عفالق- في إفكه- منفراً ابن معمر عن الانتصار لهذه الدعوة السلفية، فيصف ابن عفالق الشيخ الإمام بأنه:"حلف يمينا بالله فاجرة أن اليهود والمشركين أحسن حالاً من هذه الأمة"٣.
ويقول القباني بفرية التكفير، فيزعم أن الشيخ:"كفر هذه الأمة بأسرها، وكفر كل من لم يقل بضلالتها وكفرها..٤.
стр. 166
ويقول ابن سحيم- الخصم العنيد- في رسالته التي بعثها إلى علماء الأمصار والتي سبق أن ذكرناها"ومنها أنه ثبت أنه يقول: الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء". ثم يزيد ابن سحيم في كذبه ويقول:"ومن أعظمها أن من لم يوافقه في كل ما قاله، ويشهد أن ذلك حق، يقطع بكفره، ومن وافقه، ونحى نحوه، وصدقه في كل ما قال، قال: أنت موحد، ولو كان فاسقاً محضاً أو ما شاء..١.
ويخاطب المدعو محمد بن محمد القادري الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود- لما بلغته رسالة هذا الإمام-، فكان من خطابه هذا الإفك:
"فإنك لو تدبرت فيه بعين بصيرتك واعتبرت بها، لما كنت تحكم على الأمة المحمدية بالشرك الأكبر، من غير برهان، وليس هذا إلا شقاوة وخسران وحرمان"٢.
ويقول الحداد عن الشيخ: "إذا أراد رجل أن يدخل في دينه، يقول له أشهد على نفسك أنك كنت كافراً، وأشهد على والديك أنهما ماتا كافرين، وأشهد على العالم الفلاني والفلاني أنهم كفار وهكذا فإن شهد بذلك قبله، وإلا قتله"٣.
стр. 167
ويزعم حسن بن عمر الشطي أن من صفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب:"تكفير المسلمين واعتقاده حل دمائهم وأموالهم وسبي ذراريهم"١.
ويفتري اللكنهوري على الشيخ الإمام أنه يكفر المسلمين ويقول:"علم أن عقيدته هو أن جميع المسلمين سوى أهل نحلته كفار مشركون، يحل أموالهم ودمائهم، ويجوز اتخاذهم عبيداً، ويستدل على ذلك بتلفيقات ما أنزل الله بها من سلطان"٢.
ويتهم عثمان بن منصور الشيخ الإمام بتكفير المسلمين فيقول:"قد ابتلي الله أهل نجد بل جزيرة العرب، بمن خرج عليهم، وسعى بالتكفير للأمة خاصها وعامها، وقاتلها على ذلك جملة، إلا من وافقه على قوله، لما وجد من يعينه على ذلك"٣.
ومن كذب دحلان على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه قوله:"وكانوا يصرحون بتكفير الأمة منذ ستمائة سنة، وأول من صرح بذلك محمد بن عبد الوهاب، فتبعوه على ذلك، وإذا دخل إنسان في دينه، وكان قد حج حجة الإسلام قبل ذلك، يقولون له حج ثانياً فإن حجتك الأولى فعلتها وأنت مشرك، فلا تسقط عنك الحج"٤.
стр. 168
ويتهم الزهاوي الشيخ الإمام بفرية تكفير المسلمين ويقول:"ثم إنه صنف لابن سعود رسالة "كشف الشبهات عن خالق الأرض والسموات"". كفر فيها جميع المسلمين، وزعم أن الناس كفار منذ ستمائة سنة"١. ويضف الزهاوي حسبه الله"فمما تمذهبت به الفرقة المارقة الوهابية من الأباطيل: تكفيرهم لكل من خالفهم من المسلمين"٢.
ويقول المبتدع أحمد رضا خان هذه الفرية، حاكيا حال الشيخ الإمام:"الذي يسعده أن يكفر أجداده، وهو لا يكتفي بهذا، بل يكفر سائر المسلمين، ومن بينهم الأئمة.. إن ابن عبد الوهاب قد أعلن عقب ظهور دينه الجديد أن الأمة الإسلامية منذ ستمائة سنة تتخبط في ظلام الشرك، وقد ردد الوهابيون قول زعيمهم فيما بعد"٣.
ويقول محمد بن نجيب سوقيه، عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه:"إن مذهبهم تكفير الأموات، ورمي الأحياء بالشرك من الموحدين، ولقائل أن يقول ممن عرفت إسناد الكفر والشرك لعامة الموحدين من طرف الوهابية، فالجواب أن ذلك مصرح في رسائلهم وكتبهم"٤.
стр. 169
ويقول محمد جواد مغنية وهو من خصوم الدعوة في الوقت الحاضر:"وليس من شك أنهم يريدون بالموحدين الوهابية أنفسهم، وبالمشركين جميع المسلمين بدون استثناء"١.
هذه نماذج من التهم الزاعمة أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه يكفرون المسلمين ولقد بلغت هذه التهم الشيخ في حياته ورد عليها كما رد عليها أتباعه، فيما يلي نورد أمثلة لهذه الردود. لقد تعددت ردوده وأجوبته عليها، لأن فرية تكفير المسلمين واستباحة دمائهم قد شاعت وذاعت في غالب بلاد المسلمين، وانتشرت انتشار النار في الهشيم، فقد حرص- ﵀ على تأكيد هذه الردود وإعلان براءته مما ألصق به.. فأرسل هذه الردود إلى مختلف البلاد.
يقول الشيخ في رسالة بعث بها إلى أهل الرياض ومنفوحة:
"وقولكم إننا نكفر المسلمين، كيف تفعلون كذا، كيف تفعلون كذا، فإنا لم نكفر المسلمين، بل ما كفرنا إلا المشركين"٢.
ويقول في رسالة بعثها لمحمد بن عيد أحد مطاوعة ثرمداء:"وأما ما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن، وبالموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله"٣.
стр. 170
وفي رسالته لأهل القصيم، يشير ﵀ إلى مفتريات الخصم العنيد ابن سحيم، ويبرئ نفسه من فرية تكفير المسلمين وقتلهم، يقول الشيخ الإمام:
"والله يعلم أن الرجل افترى عليّ أموراً لم أقلها، ولم يأت أكثرها على بالي، فمنها قوله: إنّي أقول إنّ الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وإنّي أكفر من توسل بالصالحين، وإنّي أكفر البوصيري، جوابي عن هذه المسائل أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم"١.
ويقول في رسالة بعث بها لشريف مكة، جواباً على سؤاله موضحاً بطلان ما نسب إليه من تكفير المسلمين:"وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: أنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وأنا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله.."٢.
ويكتب الشيخ الإمام إلى إسماعيل الجراعي صاحب اليمن تكذيبا لهذه الفرية، فيقول:"وأما القول بأنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين، ونقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النّور من الآية: ١٦] ٣.
стр. 171
ويقول في رسالة إلى عبد الرحمن السويدي:"وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله، ومنها: إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه، فضلاً عن أن يفتريه، ومنها ما ذكرتم إني أكفر جميع الناس، إلا من تبعني، وأزعم أن أنكحتكم غير صحيحة، ويا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل، هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عاقل أو مجنون..؟! "١.
وينفي ابنه عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب هذه التهمة بقوله:"وأما ما يكذب علينا ستراً للحق، وتلبيساً على الخلق بأننا نكفر الناس على الإطلاق، أهل زماننا، وبعد الستمائة، إلا من هو على ما نحن فيه، ومن فروع ذلك أنا لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير عليه بأنه كان مشركاً، وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله.. فلا وجه لذلك فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولا، كان جوابنا في كل مسألة من ذلك: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النّور من الآية: ١٦] ، فمن روى عنا شيئا من ذلك أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى، ومن شاهد حالنا، وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا علم قطعيا أن جميع ذلك وضعه علينا وافتراه أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيراً للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نص بأن الله لا يغفره، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فإنا نعتقد أن من فعل أنواعاً من الكبائر كقتل المسلم بغير حق، والزنا، والربا، وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك،
стр. 172
أنه لا يخرج بفعله ذلك من دائرة الإسلام ويخلد به في دار المقام، إذا مات موحداً بجميع أنواع العبادة"١.
ولما سئل الشيخ عبد العزيز بن حمد سبط الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن تلك الفرية، كان جوابه ﵀ بعد أن ساق السؤال-:"وأما السؤال الثاني وهو قولكم: من لم تشمله دائرة إمامتكم ويتسم بسمة دولتكم، وهل داره دار كفر وحرب على العموم إلخ".
فنقول وبالله التوفيق:"الذي نعتقده وندين الله به، أن من دان بالإسلام وأطاع ربه فيما أمر، وانتهى عما عنه نهى وزجر، فهو المسلم حرام المال والدم يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ولم نكفر أحدا دان بالإسلام لكونه لم يدخل دائرتنا، ولم يتسم بسمة دولتنا، بل لا نكفر إلا من كفره الله ورسوله، ومن زعم أنا نكفر الناس بالعموم، أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ببلده فقد كذب وافترى"٢.
كما يوضح الشيخ عبد اللطيف تورع جده - الشيخ الإمام - عن التكفير فيقول:"والشيخ محمد ﵀ من أعظم الناس توقفاً وإحجاماً عن إطلاق الكفر، حتى إنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من
стр. 173
أهل القبور، أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر مرتكبها"١.
وضح الشيخ عبد اللطيف معتقد الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسألة التكفير بقوله:"فإنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادا فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلهية"٢.
ويؤكد الشيخ عبد اللطيف أن من عرف سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أدرك براءته من تلك الفرية الكاذبة، فيقول- ﵀:"كل عاقل يعرف سيرة محمد بن عبد الوهاب ﵀، يعلم أنه من أعظم الناس إجلالاً للعلم والعلماء، ومن أشد الناس نهياً عن تكفيرهم وتنقصهم وأذيتهم، بل هو ممن يدينون بتوقيرهم وإكرامهم والذب عنهم، والأمر بسلوك سبيلهم، والشيخ ﵀ لم يكفر إلا من كفره الله ورسوله وأجمعت الأمة على كفره كمن اتخذ الآلهة والأنداد لرب العالمين"٣.
стр. 174
وينفي السهسواني تهمة الشيخ وأتباعه بتكفير المسلمين من قبل دحلان وأمثاله بقوله:"إن الشيخ وأتباعه لم يكفروا أحداً من المسلمين، ولم يعتقدوا أنهم هم المسلمون، وأن من خالفهم هم مشركون، ولم يستبيحوا قتل أهل السنة وسبي نسائهم.. ولقد لقيت غير واحد من أهل العلم من أتباع الشيخ، وطالعت كثيراً من كتبهم، فما وجدت لهذه الأمور أصلاً وأثراً، بل كان هذا بهتان وافتراء"١.
ويؤكد رشيد رضا ما نفاه السهسواني بقوله:"بل في هذه الكتب خلاف ما ذكر وضده، ففيها أنهم لا يكفرون إلا من أتى بما هو كفر بإجماع المسلمين"٢.
ويورد الشيخ سليمان بن سحمان الدفاع عن الشيخ الإمام، فيقول ﵀ حاكياً حال الشيخ-:"فإنه ﵀ كان على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها.. فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله وأجمع على تكفيره الأمة، ويوالي كافة أهل الإسلام وعلمائهم.. ويؤمن بما نطق به الكتاب وصحت به الأخبار، وجاء الوعيد عليه من تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ولا يبيح من ذلك إلا ما أباحه الشرع، ومن نسب إليه خلاف ما عليه أهل السنة
стр. 175
والجماعة من سلف الأمة وأئمتها فقد كذب وافترى، وقال ما ليس به علم..١.
من خلال ما نقلناه من ردود الشيخ وأتباعه وأنصاره من ردود على فرية خصوم الدعوة في مسألة التكفير تتضح سلامة وصحة معتقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في مسألة التكفير وأن اعتقادهم هو اعتقاد السلف الصالح فهم لا يكفرون إلا من يستحق التكفير طبقا لما ورد في الكتاب والسنة.
стр. 176
الفصل الرابع: نتائج وآثار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأمثلة لثناء العلماء المنصفين على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ووصفهم دعوته على حقيقتها ودفاعهم عنها
تمهيد:
لا يستطيع أي باحث منصف درس حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحقيقة دعوته دراسة موضوعية، وتتبع الجهود الصادقة التي بذلها آل سعود للتمكين لهذه الدعوة ونصرتها وحمايتها أن ينكر أن دعوة الشيخ السلفية التي دعا إليها، كانت بمثابة بعث للجانب الديني من الحياة الفكرية، ثم لم يلبث أن سرى هذا النشاط الفكري إلى حياة المجتمع الإسلامي من نواحي السياسة والاقتصاد والاجتماع وغيرها من شئون الحياة.
ثم هذه الدعوة المباركة تأثرت بها كثير من الدعوات الإصلاحية سليمة الاتجاه التي قامت في المجتمع الإسلامي فيما
стр. 177
بعد. وعلى هذا فدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية دعوة ناجحة بلا شك حيث تحققت الأهداف النبيلة التي سعت لتحقيقها، وخلفت في المجتمع الإسلامي والعربي وعياً مفقوداً وحركت إحساساً كان خامداً، وفتحت بصائر كانت مغلقة. ومن جهة أخرى فإن هذه الدعوة جعلت المسلمين يقلبون وجوه الرأي وأن يرجعوا إلى ما خلف السلف الصالح من آراء وسنن، ونتيجة لذلك رجع المسلمون في كثير من البلاد إلى الينابيع الأولى للإسلام، والواقع أن نجاح دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب يعود إلى عدة أسباب وعوامل يجدر بنا أن نشير إلى أهمها قبل أن نتحدث عن نتائج وآثار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
أولا: أهم أسباب وعوامل نجاح دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية:
١- طبيعة الدعوة: لقد قامت الدعوة على أسس سليمة وسعت إلى تحقيق أهداف سامية كان أساس الأسس الذي قامت عليه هو التوحيد، وكانت الغاية التي سعت إلى تحقيقها تحقيق العبودية الخالصة لله .
٢- قوة إيمان صاحب الدعوة وصدق نيته: فقد فتح الشيخ محمد بن عبد الوهاب، صاحب الدعوة قلبه لها، فولدت طيبة حتى اكتمل نموها، ودفع بها إلى الحياة تسعى بين الناس وهو من ورائها يدفعها بيقينه وإصلاحه وجمع عليها الأنصار بإيمان، والإيمان هو الصفة البارزة
стр. 178
لصاحب الدعوة، فلقد آمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب- ﵀ بأن المجتمع الإسلامي قد سرى الفساد في كل مقومات حياته، وخاصة فيما يتعلق بالعقيدة، وأن هذا المجتمع أصبح فيه الإسلام غريباً على الإسلام، وأن لا بد من جهاد وصبر وحزم في مقاومة هذا الفساد وإعادة الصحة والسلامة إلى المجتمع الإسلامي عن طريق النصح والإرشاد.
كان الشيخ يعتقد بأن الحال التي عليها المسلمون هي أسوأ حال بلغها المجتمع الإسلامي وأن الفناء مقبل عليهم إن لم يقم المصلحون منهم بدفع هذا البلاء، وإقامة الناس على نهج قويم من دين الله، وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب يؤمن بأن إصلاح هذا الفساد أمر غير مستحيل، إذا قام عليه قوم يدعون للحق ويعطونه كل ما في وسعهم من قوة وجهد. بهذا الإيمان استطاع الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يكسب الأنصار ويجعلهم يشدون أزره في حياته ويقومون مقامه بعد موته.
٣- إن أنصار هذه الدعوة السلفية بذلوا كل ما في وسعهم من أجل نجاحها وإبلاغ صوتها إلى مشارق الأرض ومغاربها ولولا الله ثم هؤلاء الأنصار لما استطاع الشيخ أن يثبت طويلاً، لقد حمل أنصار الدعوة من آل سعود لواء الدعوة في حياة الشيخ وبعد وفاته وابتلوا في أموالهم وأنفسهم فما بخلوا. والتاريخ يشهد أن أنصار هذه الدعوة من آل سعود وأهل نجد قد بذلوا كل ما في وسعهم من أجل حماية الدعوة السلفية والتمكين لها.
٤- طبيعة البيئة التي ظهرت فيها الدعوة السلفية: لقد ظهرت الدعوة السلفية في نجد، وكانت أنسب تربة لهذه الدعوة المباركة، فأهلها بسطاء متقشفون يتمتعون بصفات المروءة والشجاعة والنجدة.. ويوجد فيهم
стр. 179
الرجال الذين يصلحون لتحمل الأعباء الجسام. ومن جهة أخرى فقد كانت هذه المنطقة بعيدة عن السلطة العثمانية ومن نفوذ رجال الدين والمتصوفة، وفقهاء المذاهب المختلفة الذين يحتلون المناصب الرسمية في الدولة، والذين يتكلفون في معارضتهم للحركات الإصلاحية خوفاً على مراكزهم ومناصبهم.
٥- زمان الدعوة: الوقت الذي ظهرت فيه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان أنسب الأوقات لدعوات الإصلاح، إذ وصل الأمر غايته من فساد العقيدة وانحراف الناس عن سواء السبيل، لقد كانت حال المسلمين في أمس الحاجة إلى الإصلاح وبناء المجتمع الإسلامي على قواعد صحيحة بعد أن عبث بها الجهل والضلال.
هذه أهم الأسباب والعوامل لنجاح دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية.
وفي الصفحات التالية سوف نتحدث إن شاء الله عن أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد بشكل خاص وفي الجزيرة العربية بشكل عام ثم نتحدث عن انتشارها في العالم الإسلامي.
ثانيا: نتائج وآثار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد بشكل خاص وفي الجزيرة العربية بشكل عام.
تحققت الأهداف التي توخاها الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام
стр. 180
محمد بن سعود من الدعوة السلفية المباركة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونصرها ومكن لها آل سعود.
وفي الواقع فإن النتائج الطيبة والآثار المباركة لهذه الدعوة لم تنحصر في تصحيح العقيدة وفي النواحي الدينية، بل تجاوزت ذلك وشملت جميع جوانب الحياة.
لقد هزت هذه الدعوة المباركة المجتمع النجدي وأثرت فيه تأثيراً قوياً، حيث قضت على ما كان شائعاً في نجد من الخرافات، وأحيت معالم الشريعة بعد اندثارها إذ رجع أهل نجد إلى التوحيد الخالص من شوائب الشرك والوثنية.
وفيما يلي نستعرض أهم نتائج وأثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
أولاً: قضت هذه الدعوة المباركة قضاءاً تاماً، على ما كان شائعاً في نجد من الخرافات وما كان شائعاً من تعظيم القبور والنذر لها، والاعتقاد في بعض الأشجار، وأحيت معالم الشريعة بعد اندثارها. ولم يقتصر هذا على نجد بل طهر الله كل البلاد التي صار لهذه الدعوة المباركة فيها نفوذ وسلطة من جميع مظاهر الشرك والبدع والخرافات.
ثانيا: استطاعت الدعوة السلفية التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونصرها ومكن لها آل سعود من إقامة مجتمع إسلامي متكامل يؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة، ويقيم شعائر الإسلام الظاهرة كالمحافظة على صلاة الجماعة والجمع والأعياد،