قال: وإنما قلنا: ما كان هذا سبيله من الأخبار، فإنه يوجب العلم بصحة مخبره من قبل أنا إذا وجدنا السلف قد اتفقوا على قبول خبر هذا وصفه من غير تثبت فيه، ولا معارضة بالأصول، أو خبر مثله مع علمنا بمذاهبهم في قبول الأخبار، والنظر فيها، وعرضها على الأصول، دلنا ذلك من أمرهم على أنهم لم يصيروا إلى حكمه إلا من حيث ثبت عندهم صحته واستقامته، فأوجب لنا العلم بصحته. هذا لفظ أبي بكر الرازي في كتابه أصول الفقه١.
стр. 142
أدلة القائلين: بإفادة خبر الواحد العدل العلم
١-"أنه لو لم يفد العلم لما جاز اتباعه، لنهيه تعالى عن اتباع الظن بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١، وذمه على اتباعه في قوله ﷻ : ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ ٢، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣. وقد انعقد الإجماع على وجوب الاتباع على ما تبيّن، فيستلزم إفادة العلم لا محالة"٤. وحذر النبي ﷺ من اتباع الظن فيما ثبت عنه "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" ٥.
٢- قال السرخسي: "إن العمل يجب بخبر الواحد، ولا يجب العمل إلا بعلم، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٦، ولأن الله تعالى قال في نبأ الفاسق: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ﴾ ٧،وضد الجهالة
стр. 143
العلم، وضد الفسق العدالة، ففي هذا بيان أن العلم إنما لا يقع بخبر الفاسق وأنه يثبت بخبر العدد.
ثم قد ثبت بالآحاد من الأخبار ما يكون الحكم فيه العلم فقط، نحو: عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، ورؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة. فبهذا ونحوه يتبين أن خبر الواحد موجب للعلم١.
٣- قوله جل شأنه: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ٢، فقد أمرتعالى بأن تنفر من كل فرقة طائفة لتتفقه في الدين، وتنذر قومها إذا رجعت إليهم، وذلك يقتضي وجوب قبول إنذارها، ولفظ الطائفة - في لغة العرب التي بها خوطبنا- يقع على الواحد فصاعداً، وطائفة من الشيء بمعنى بعضه، هذا ما لا خلاف فيه بين أهل اللغة٣.
стр. 144
وذكر ابن حجر أن البخارى يريد من سياق قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ أن لفظ"طائفة" يتناول الواحد فما فوقه، ولا يختص بعدد معين. وهو منقول عن ابن عباس وغيره كالنخعي ومجاهد نقله الثعلبي وغيره. وعن عطاء وعكرمة وابن زيد أربعة، وعن ابن عباس أربعة إلى أربعين، وعن مالك أن الأربعة أقل من يحضر رجم الزاني، وعن الراغب أن لفظ طائفة يراد بها الجمع والواحد طائفة، ويراد بها الواحد. قال البخاري: ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ١، فلو اقتتل رجلان دخلا، في معنى الآية٢.
قال ابن حجر:"وهذا الاستدلال سبقه إلى الحجة به الشافعي، وقبله مجاهد، ولا يمنع ذلك قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣، لكون سياقه يشعر بأن المراد أكثر من واحد، لأنا لم نقل أن الطائفة لا تكون إلا واحداً"٤. والطائفة وإن اختلفوا في عدد ما تطلق عليه، فما ذكروه من الأعداد فيها، لا يخرج قوله عند الجمهور عن كون خبره خبر آحاد.
стр. 145
٤- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ ١ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ ٢، في هاتين الآيتين نهى لكل واحد عن الكتمان، وأمر بالبيان على ما هو الحكم في الجمع المضاف إلى جماعة أنه يتناول كل واحد منهم، ولأن أخذ الميثاق من أصل الدين. والخطاب للجماعة بما هو أصل الدين يتناول كل واحد من الآحاد، ومن ضرورة توجه الأمر بالإظهار على كل واحد أمر السامع بالقبول منه والعمل به، إذ أمر الشارع لا يخلو من فائدة حميدة، ولا فائدة في النهي عن الكتمان، والأمر بالبيان سوى هذه. ولا يدخل عليه الفاسق، فإنه داخل في عموم الأمر بالبيان، ثم لا يقبل بيانه في الدين لأنه مخصوص من هذا النص بنص آخر، وهو ما فيه أمر بالتوقف في خبر الفاسق، ثم هو مزجور عن اكتساب سبب الفسق مأمور بالتوبة عنه، ثم يترتب البيان عليه، فعلى هذا الوجه بيانه يفيد وجوب القبول والعمل به٣.
стр. 146
٥- قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١، أمر بسؤال أهل الذكر، ولم يفرق في المأمورين بين المجتهد وغيره، وسؤال المجتهد لغيره منحصر في طلب الأخبار بما سمع دون الفتوى، لأن المجتهد لا يقلد غيره، ولو لم يكن القبول واجباً، لما كان السؤال واجباَ.
٦- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ ٢ الآية، أمر بالقيام بالقسط والشهادة لله، ومن أخبر عن رسول الله بها سمعه، فقد قام بالقسط وشهد لله، وكان ذلك واجباً عليه بالأمر، وإنما يكون واجباً، لو كان القبول واجباً، وإلا كان وجوب الشهادة كعدمها، وهو ممتنع٣.
٧- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٤، وقال: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٥، وقال النبي ﷺ : "بلغوا
стр. 147
عني" ١، وقال لأصحابه في الجمع الأعظم يوم عرفة: " أنتم تسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ " قالوا: "نشهد إنك قد بلغت وأبديت ونصحت" ٢، ومعلوم أن البلاغ هو الذي تقوم به الحجة على المبلغ ويحصل به العلم، فلوكان خبر الواحد لا يحصل به العلم لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجة الله على العباد، فإن الحجة إنما تقوم بما يحصل به العلم. وقد كان رسول الله ﷺ يرسل الواحد من أصحابه يبلغ عنه فتقوم الحجة على من بلغه، وكذلك قامت حجته علينا بما بلغنا العدول الثقات من أقواله وأفعاله وسننه، ولو لم يفد العلم لم تقم علينا بذلك حجة، ولا على من بلغه واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو دون عدد التواتر، وهذا من أبطل الباطل. فيلزم من قال: إن أخبار رسول الله ﷺ لا تفيد العلم أحد أمرين:
إما أن يقول: إن الرسول لم يبلغ غير القرآن وما رواه عنه عدد التواتر، وما سوى ذلك لم تقم به حجة ولا تبليغ.
стр. 148
وإما أن يقول: إن الحجة والبلاغ حاصلان بما لا يوجب علماً ولا يقتضي عملاً، وإذا بطل هذان الأمران بطل القول بأن أخباره ﷺ التي رواها الثقات العدول الحفاظ وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد علماً، وهذا ظاهر لا خفاء به١.
٨- قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ٢، ومن المتفق عليه أنه ﷺ بلغ الرسالة، ومعلوم يقيناً أنه ما أتى كل واحد بنفسه فبلغه مشافهة، ولكنه بلغ قوماً بنفسه، وآخرين برسول أرسله إليهم، وآخرين بكتاب، وكتبه إلى ملوك الآفاق مشهورة، لا يمكن إنكارها، فقد بعث ﷺ لكل ملك من ملوك الأرض المجاورين لبلاد العرب كتاباً يدعوه فيه هو وقومه إلى الإسلام، وقد ألزم كل ملك ورعيته قبول ما أخبرهم به الرسول الموجه إليهم من شرائع دينهم.
من ذلك ما أرسله مع دحية الكلبي ﵁ إلى هرقل، ولفظه: " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله
стр. 149
أجرك مرتين، وإن توليت فعليك إثم الأريسيين" ١، "ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون "٢.
وقد صرح النووي ﵀-بأن دعاية الإسلام هي: كلمة التوحيد٣، ولم ينقل عن هرقل أنه قال لدحية: إن خبرك خبر آحاد، وإنما نقل عنه أنه قال: "فسيملك موضع قدمي هاتين"٤، ولولم يكن خبر الواحد حجة، لما كان رسول الله ﷺ مبلغاً رسالات ربه بهذه الطريقة إلى الناس كافة.
٩- قال ابن حزم: قال الله عن نبيه ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٥، وقال تعالى آمراً لنبيّه
стр. 150
صلى الله عليه وسلم أن يقول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيّ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٣.
فصح أن كلام رسول الله ﷺ كله في الدين وحي من عند الله لا شك في ذلك، ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون أن لا يضيع منه وأن لا يحرف منه شيء أبداً، تحريفاً لا يأتي البيان ببطلانه، إذ لوجاز غير ذلك لكان كلام الله تعالى كذباً وضمانه خائساً٤، وهذا لا يخطر ببال ذى مسكة عقل، فوجب أن الدين الذى أتانا به محمد ﷺ محفوظ بتولي الله تعالى حفظه، مبلغ كما هو إلى كل من طلبه ممن يأتي أبداً إلى انقضاء الدنيا. قال تعالى: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ٥.
стр. 151
فإذ ذلك كذلك فبالضرورة ندري أنه لا سبيل البتة إلى ضياع شيء قاله رسول ﷺ في الدين، ولا سبيل البتة إلى أن يختلط به باطل موضوع اختلاطاً لا يتميز عن أحد من الناس بيقين إذ لو جاز ذلك لكان الذكر غير محفوظ، ولكان قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١كذباً ووعداً مخلفاً، وهذا لا يقوله مسلم.
فإن قال قائل: إنما عنى الله تعالى بذلك القرآن وحده فهو الذي ضمن تعالى حفظه، لا سائر الوحي الذي ليس قرآناً. قلنا له، وبالله تعالى التوفيق: هذه دعوى كاذبة مجردة عن البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل وما كان هكذا فهو باطل لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢. فصح أن من لا برهان له على دعواه فليس بصادق فيها، والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه ﷺ من قرآن أو من سنة وحي بيّن به القرآن، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٣.
стр. 152
١٠- وأيضاً فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ١، فصح أنه ﵇ مأمور ببيان القرآن للناس وفي القرآن مجمل كثير كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم مما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه، لكن ببيان رسول الله ﷺ ، فإذا كان بيانه ﵇ لذلك المجمل غير محفوظ ولا مضمون سلامته مما ليس منه، فقد بطل الانتفاع بنص القرآن، فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه، فإذا لم ندر صحيح مراد الله تعالى منها، فما أخطأ فيه المخطيء أو تعمد فيه الكذب الكاذب ومعاذ الله من هذا٢.
١١- حث النبي ﷺ على استماع الحديث منه، وحفظه وتأديته لإقامة الحجة على من بلغ إليه، ولا تقوم الحجة إلا بما يفيد العلم، ويدل لهذا ما رواه الشافعي ﵀ عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيهٍ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم". قال: فلما ندب رسول الله إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرءا يؤديها والامرء -هكذا-واحد، دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا
стр. 153
من تقوم به الحجة على من أدى إليه، لأنه إنما يؤدي عنه حلال، وحرام يجتنب، وحد يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا.
قال: ودل على أنه قد يحمل الفقه غير فقيه، يكون له حاففاً، ولا يكون فيه فقيهاً. وأمر رسول الله بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في أن إجماع المسلمين- إن شاء الله- لازم١.
١٢- ما تواتر من بعث النبي ﷺ أمراءه وسعاته إلى البلاد، المفتوحة لتعليم أهلها الدين وأحكام الشرع ولأخذ الزكاة. ومعلوم أنه ﷺ لم يبعث إلا من تقوم به الحجة، فكانوا يقبلون من كل واحد منهم ما يعلمهم من القرآن وأحكام الدين، ولا خلاف أن رسول الله ﷺ إنما بعث من بعث من رسله إلى الآفاق لينقلوا إليهم عنه القرآن، والسنة والشرائع. ومعلوم أن أهم أمور الدين إنها هو العقيدة، فهي أول شيء كان الرسل يدعون الناس إليه، ويدل لذلك ما أخرجه مسلم عن ابن عباس ﵄ أن معاذاً ﵁ قال: "بعثني رسول الله ﷺ قال: "إنك تأتي قوماً
стр. 154
من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب "١.
وجاء في حديث وفد عبد القيس أن النبي ﷺ : " أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: "الله ورسوله أعلم"، قال: " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس "، ونهاهم عن أربع.... وقال: " احفظوهن، وأخبروا بهن من وراءكم "٢.
فهذان حديثان دالان على وجوب الأخذ بالآحاد في العقائد، وذلك مما يقتضي إفادة العلم عند الجمهور.
١٣- اتفاق الصحابة والتابعين على أن من نزلت به النازلة منهم سأل الصاحب عنها وأخذ بقوله فيها بروايته له من النبي ﷺ ، "فصح بهذا إجماع الأمة كلها على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ .
стр. 155
وأيضاً فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ يجري على ذلك كل فرقة في علمها كأهل السنة والخوارج١ والشيعة٢ والقدرية٣ حتى حدث متكلمو المعتزلة٤ بعد المائة من
стр. 156
التاريخ، فخالفوا الإجماع في ذلك"١.
١٤- ما ورد من الوعيد في حقّ من خالف أمر الرسول ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢، فالضمير في قوله ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ راجع إلى الرسول ﷺ ، أو إلى الله تعالى، ولا منافاة، لأن الأمر لله تعالى في الحقيقة، والرسول مبلغ عن الله، وهو المقصود هنا٣.
قال الألوسي: "والمخالفة كما قال الراغب: أن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو فعله، والأكثر استعمالها بدون عن. فيقال: خالف زيد عمراً، وإذا استعملت بعن فذلك على تضمين معنى الإعراض"٤.
قال: "وقيل: على تضمين معنى الصد. وقيل: إذا عدى بعن يراد به الصد دون التضمين، ويتعدى إلى مفعولين بنفسه، يقال: خالف زيداً
стр. 157
عن الأمر، أي صده عنه، والمفعول عليه هنا محذوف، أي يخالفون المؤمنين أي يصدونهم عن أمره. وحذف المفعول، لأن المراد تقبيح حال المخالف، وتعظيم أمر المخالف عنه، فذكر الأهم، وترك ما لا اهتمام به"١.
واستدل ابن القيم ﵀ بالآية على إفادة خبر الواحد العلم فقال:"وهذا يعم كل مخالف بلغه أمر رسول الله ﷺ إلى يوم القيامة، ولوكان ما بلغه، لم يفد علماً، لما كان متعرضاً بمخالفته ما لا يفيد علماً للفتنة والعذاب الأليم، فإن هذا إنما يكون بعد قيام الحجة القاطعة التي لا يبقى معها لمخالف أمره عذر"٢. وهذه الآية الكريمة قد استدل بها الأصوليون على أن الأمر المجرد عن القرائن يقتضي الوجوب، لأنه جل وعلا توعد المخالفين عن أمره بالفتنة أو العذاب الأليم، وحذرهم من مخالفة الأمر. وكل ذلك يقتضي أن الأمر للوجوب، مالم يصرف عنه صارف، لأن غير الواجب لا يوجب تركه الوعيد الشديد والتحذير.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة من اقتضاء الأمر المطلق الوجوب دلت عليه آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا
стр. 158
قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ١، فإن قوله: ﴿ارْكَعُوا﴾ أمر مطلق، وذمه تعالى للذين لم يمتثلوه بقوله ﴿لا يَرْكَعُونَ﴾ يدل على أن امتثاله واجب.
وكقوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ٢، فإنكاره تعالى على إبليس موبخاً له بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ألا تسجد إذ أمرتك يدل على أنه تارك واجباً، وأن امتثال الأمر واجب، مع أن الأمر المذكور مطلق، وهو قوله: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ ٣.
وكقوله عن موسى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ٤، فسمى مخالفة الأمر معصية، وأمره المذكور مطلق، وهو قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٥.
стр. 159
وكقوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١. وإطلاق اسم المعصية على مخالفة الأمر يدلّ على أن مخالفه عاص، ولا يكون عاصياً إلا بترك واجب، أو ارتكاب محرم.
وكقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٢، فإنه يدل على أن أمر الله وأمر رسوله مانع من الاختيار موجب للامتثال، وذلك يدل على اقتضائه الوجوب. وأشار إلى أن مخالفته معصية بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ ٣. واقتضاء الأمر المطلق الوجوب هو مذهب الجمهور، وإن خالف فيه بعض العلماء، ومن أراد تحقيق ذلك فليرجع إليه في محله، إذ غرضنا إنما هو بيان وجوب طاعة رسول الله ﵁ في كل ما صح نقله عنه المقتضي إفادة العلم على ما ذهب إليه القائلون بذلك.
стр. 160
١٥- "أن الرسل - صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم - كانوا يقبلون خبر الواحد، ويقطعون بمضمونه، فقبله موسى من الذي جاء من أقصى المدينة قائلا له: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ ١، فخرج بخبره وخرج هارباً من المدينة، وقبل خبر بنت صاحب مدين لما قالت له: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ ٢. وقَبِلَ خبر أبيها في قوله: هذه ابنتي، وتزوجها بخبره.
وقبل يوسف الصديق خبر الرسول الذي جاءه من عند الملك، وقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ ٣.
وقبل النبي ﷺ خبر الآحاد الذين كانوا يخبرونه بنقض عهد المعاهدين له وغزاهم بخبرهم، واستباح دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم.
ورسل الله صلواته وسلامه عليهم، لم يرتبوا على تلك الأخبار أحكامها، وهم يجوزون أن تكون كذباً وغلطاً، وكذلك الأمة لم تثبت الشرائع العامة الكلية بأخبار الآحاد، وهم يجوزون أن يكون كذباً على رسول الله ﷺ في نفس الأمر، ولم يخبروا عن الرب ﵎ في أسمائه
стр. 161
وصفاته وأفعاله بما لا علم لهم به، بل يجوز أن يكون كذباً وخطأ في نفس الأمر، هذا مما يقطع ببطلانه كل عالم متبصر"١.
١٦-"أن السلف الصالح وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون: قال رسول الله ﷺ : كذا وفعل كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وهذ معلوم في كلامهم بالضرورة.
وفي صحيح البخاري: قال رسول الله ﷺ في عدة مواضع وكثير من أحاديث الصحابة يقول فيها أحدهم: قال رسول الله ﷺ ، وإنما سمعه من صحابي غيره، وهذه شهادة من القائل وجزم على الرسول ﷺ بما نسبه إليه من قول أو فعل، فلوكان خبر الواحد لا يفيد العلم، لكان شاهداً على رسول الله ﷺ بغير علم.
١٧- أن أهل العلم بالحديث لم يزالوا يقولون: صح عن رسول الله ﷺ . وذلك جزم منهم بأنه قاله، ولم يكن مرادهم ما قاله بعض المتأخرين: إن المراد بالصحة صحة السند لا صحة المتن، بل هذا مراد من زعم أن أحاديث رسول الله ﷺ لا تفيد العلم، وإنما كان مرادهم صحة الإضافة إليه، وأنه قال، كما كانوا يجزمون بقولهم قال رسول الله ﷺ وأمر ونهى وفعل رسول الله ﷺ ، وحيث كان يقع لهم الوهم في ذلك يقولون: يذكر عن رسول الله ﷺ ، ويروى عنه، ونحو ذلك، ومن له خبرة
стр. 162
بالحديث يفرق بين قول أحدهم: هذا الحديث صحيح وبين قوله: إسناده صحيح، فالأوّل جزم بنسبة صحته إلى رسول الله ﷺ ، والثاني شهادة بصحة سنده، وقد يكون فيه علة، أو شذوذ، فيكون سنده صحيحاً ولا يحكمون أنه صحيح في نفسه١.
اعتراض الجمهور على القائلين بإفادة خبر الواحد العلم
اعترض الجمهور على القائلين بأن خبر الآحاد العدل المستوفي لشروط القبول يفيد العلم بما سبق أن استدلوا به في الفصل الأوّل على إفادته الظن. وأهم ما اعترضوا به هو:"أنك لو سئلت عن أعدل رواة خبر الواحد أيجوز في حقه الكذب والغلط؟ لاضطررت أن تقول: نعم، فيقال: قطعك إذن بصدقه مع تجويزك عليه الكذب والغلط لا معنى له"٢.
وأجيب عنه بأنا وإن كنا لا ندعي عصمة الرواة، إلا أنا نقول: إن الراوي إذا كذب أو غلط أو سها، فلا بد أن يكون في الأمة من يكشف غلطه وكذبه وسهوه، وهذا هو واقع السنة المطهرة بحمد الله، فقد قيض الله لها من جهابذة العلماء ذوي الصدق والورع والتحري من دوّنها في الأسفار، وبين صحيحها، وضعيفها، والموضوع منها. كما صنفوا في
стр. 163
الرواة مصنفات مكنتنا ومن يأتي بعدنا إلى يوم القيامة من التمكن من معرفة صحة ما ينسب إلى النبي ﷺ .
وإذا كان العلماء اليوم يمكنهم الحكم على الحديث بالصحة حتى يقول أحدهم: قال رسول الله ﷺ ، فما بالك بمن أفنى معظم أوقاته وأيامه مشتغلاً بالحديث والبحث عن سيرة النقلة والرواة، ليقف على رسوخهم في هذا العلم وكبير معرفتهم به، وصدق ورعهم في أقوالهم وأشعالهم، وشدة حذرهم من الطغيان والزلل، وما بذلوه من شدة العناية في تمهيد هذا الأمر والبحث عن أحوال الرواة، والوقوف على صحيح الأخبار وسقيمها، وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحداً في كلمة واحدة يتقولها على رسول الله ﷺ ، ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك، وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم، وأدوا كما أدى إليهم، وكانوا في العناية والاهتمام بهذا الشأن ما يجل عن الوصف ويقصر دونه الذكر، فإذا وقف المرء على هذا من شأنهم وعرف حالهم وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه١.
قال ابن حزم: "فنقول لمن قال: إن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغاً إلى النبي ﷺ لا يوجب العلم، وأنه يجوز فيه الكذب والوهم، وأنه غير مضمون الحفظ، أخبرونا هل يمكن عندكم أن تكون شريعة فرض أو
стр. 164
تحريم أتى بها رسول الله ﷺ ومات عنها وهي باقية لازمة للمسلمين غير منسوخة، فجهلت حتى لا يعلمها علم يقين أحد من أهل الإسلام في العالم أبداً، وهل يمكن عندكم أن يكون حكم موضوع بالكذب أو بخطأ بالوهم قد جاز ومضى واختلط بأحكام الشريعة اختلاطاً لا يجوز أن يميزه أحد من أهل الإسلام في العالم أبداً، أم لا يمكن عندكم شيء من هذين الوجهين؟ فإن قالوا: لا يمكننا أبداً، بل قد أمنا ذلك، صاروا إلى قولنا وقطعوا أن كل خبرٍ رواه الثقة عن الثقة مسنداً إلى رسول الله ﷺ في الديانة فإنه حق قد قاله ﵇ كما هو، وأنه يوجب العلم، ونقطع بصحته، ولا يجوز أن يختلط به خبر موضوع أو موهوم فيه لم يقله رسول الله ﷺ قط اختلاطاً لا يتميز الباطل فيه من الحق أبداً.
وإن قالوا: بل كل ذلك ممكن، كانوا قد حكموا بأن الدين دين الإسلام قد فسد وبطل أكثره واختلط ما أمر الله تعالى به مع مالم يأمر به اختلاطاً لا يميزه أحد أبداً. وأنهم لا يدرون أبداً ما أمرهم به الله تعالى مما لم يأمرهم به، ولا ما وضعه الكاذبون والمستخفون مما جاء به رسول الله ﷺ إلا بالظن الذي هو أكذب الحديث، والذي لا يغني من الحق شيئاً. وهذا انسلاخ من الإسلام، وهدم للدين، وتشكيك في الشرائع"١.
стр. 165
هذا، وإن مما استدل به القائلون بإفادة خبر الواحد العلم، ما استدل به الجمهور على وجوب العمل به، مما سيأتي تفصيله - إن شاء الله- في باب وجوب العمل به.
стр. 166
العلم بمعنى الظاهر:
ذهب بعض القائلين بإفادة خبر الواحد العلم إلى أن المراد بالعلم فيه هو العلم الظاهر، وممن نقل عنه ذلك الحسين بن علي الكرابيسي، وأبو بكر القفال، وصرح به السرخسي أثناء استدلاله على وجوب العمل بخبر الواحد حيث قال: "فإنه عندنا عمل هو ثابت من حيث الظاهر، ولكنه غيرمقطوع به، وقد سمى الله تعالى مثله علماً، فقال: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ ١، وإنما قالوا ذلك سماعاً من مخبر أخبرهم به، وقال: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ ٢وإنما قالت ذلك باعتبار غالب الرأي واعتماد نوع من الظاهر، فدل على أن مثله علم لا ظن إنما الظن عند خبر الفاسق، ولهذا أمر الله بالتوقف في خبره، وبين المعنى فيه بقوله: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ﴾ ٣فيكون بالتوقف في خبره ذلك بياناً أن من اعتمد خبر العدل
стр. 167
في العمل به يكون بعلم لا بجهالة، إلا أن ذلك علم باعتبار الظاهر، لأن عدالته ترجح جانب الصدق في خبره"١.
واعترض عليه بأن العلم ليس له ظاهر وباطن، وبأن العلم في الآَية محمول على"الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات، وإنما سماه علماً إيذاناً بأنه كالعلم في وجوب العمل به"٢.
ونقل الخطيب البغدادي عن القاضي أبي بكر محمد بن الطيب أنه قال:"فأما من قال من الفقهاء: إن خبر الواحد يوجب العلم الظاهر دون الباطن، فإنه قول من لا يحصل علم هذا الباب، لأن العلم من حقه أن لا يكون علماً على الحقيقة بظاهر أو باطن، إلا بأن يكون معلومه على ماهو به ظاهراً وباطناً، فسقط هذا القول".
قال: "وتعلقهم في ذلك بقوله : ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ ٣ بعيد، لأنه أراد تعالى وهو أعلم، فإن علمتموهن في إظهارهن الشهادتين،
стр. 168
ونطقهن بهما، وظهور ذلك منهن معلوم يدرك إذا وقع، وإنما سمى النطق إيماناً على معنى أنه دال عليه، وعلم في اللسان على إخلاص الاعتقاد ومعرفة القلب مجازاً واتساعاً، ولذلك نفى الله تعالى الإيمان عمن علم أنه غير معتقد له في قوله: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ١، أي قولوا أسلمنا فزعاً من أسيافهم"٢.
وأجاب عنه الصنعاني بقوله: "كيف يقال: إنه قول من لا يحصل علم هذا الباب؟ على أنه لا يخفى أن من أخبر عن نفسه بأنه حصل له العلم بأي سبب من الأسباب المحصلة له يصدق في نفسه.
وأما حكمه بأنه يحصل لغيره ما حصل له من العلم بذلك السبب، فهذه دعوى على الغير مستندها القياس على النفس واختلاف الإدراكات معلوم، فلا يكاد يستوي اثنان في رتبة.
فالقول: بأن هذا السبب الفلاني مثلاً يفيد العلم أو لا يفيده، لكل من حصل له ليس بمقبول"٣.
стр. 169
وأما استبعاده التعلق بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ فهو خلاف الظاهر، لأن الأصل حمل اللفظ على ظاهره مالم يأت دليل يدل على صرفه عن ظاهره، ولم يذكر ما يصرف اللفظ هنا عن ظاهره، بل في السياق ما يدل على إرادة الظاهر وذلك ما ورد في سياق الآية من ترتيب العلم على الامتحان بالنطق بالشهادتين في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ الاَية.
قال ابن كثير:"فيه دلالة على أن الإيمان يمكن الاطلاع عليه يقيناً"١.
وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ على اعتبار المجاز في الآية الأولى، فيعكره ما ورد من تفسير الآية الثانية في أحد وجهي التفسير فيها أن المراد بنفي الإيمان في قوله: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ نفى كمال الإيمان لا نفيه من أصله. وعليه فلا إشكال، لأنهم مسلمون مع أن إيمانهم غيرتام، وهذا لا إشكال فيه عند أهل السنة والجماعة القائلين بأن الإيمان يزيد وينقص"٢.
стр. 170
هل معنى هذا أنه يفيد العلم؟
الحق أن ما ذكره الجمهور من احتمال غلط الراوي ووهمه وارد قطعاً لعدم عصمته، وأن جانب صدق الراوي وإن كان راجحاً، وسلم عدم إفادته العلم اليقيني لهذا الاحتمال، فإن العمل بكل ما دل عليه الحديث الصحيح السالم من معارض واجب، سواء كان في الأحكام، أم في العقائد، لأن العمل به هو مقتضى ما دل عليه ظاهر الكتاب العزيز من وجوب طاعة رسول الله لم تؤمنوا، واتباعه في كل ما جاء به، سواء كان في العقائد أم الأحكام كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ١، فقد ذكر ابن جرير الطبري في تفسيرها أن الله أمر بطاعته وطاعة رسوله، لأنها طاعة لله وذلك باتباع سنته.
قال: "وذلك أن الله عم بالأمر بطاعته، ولم يخص ذلك في حال دون حال، فهو على العموم حتى يخص ذلك بما يجب التسليم له"٢.
وكذلك مثلها من الآيات التي يدل عمومها على وجوب طاعة الرسول ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا
стр. 171
فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ١. فالأخذ بعمومهما وما كان على مثلهما من آيات القرآن، وهو كثير هو مقتضى ما نقله الجمهور من إجماع السلف٢ على العمل بأخبار الآحاد. وما ادعاه المفرق بين ما يعمل به من السنة في الأحكام دون العقائد يحتاج إلى دليل من كتاب أو سنة أو إجماع قطعي، لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٣، والتحاكم هنا إنما هو لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لقوله ﷻ : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ٤، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول بعد وفاته ﷺ هو الرد إلى سنته. ونحن إذا رجعنا إليهما نجد أن ظاهرهما يوجب العمل بكل ما صح عن النبي ﷺ وسلم من معارض من غير تفريق فيما دل عليه سواء كان في العقائد، أم الأحكام.
стр. 172
قال ابن كثير في تفسير الآية: "قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله. وهذا أمر من الله بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ١. فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ، فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمناً بالله، ولا باليوم الآخر"٢. وسيأتي لهذا زيادة بيان -إن شاء الله - في أثر الاختلاف٣.
стр. 173
الفصل الثالث: في إفادته العلم إذا احتف بالقرائن
ذهب بعض العلماء إلى أن خبر الواحد العدل المحتف بالقرائن الزائدة على ما لا ينفك عنه التعريف، أنه يفيد العلم النظري، لأن القرينة قد تفيد الظن مجردة عن الخبر، فإذا اقترن بالخبر المفيد للظن قرينة مفيدة للظن، فإنها تقوم مقام خبر آخر، ثم لا يزال التزايد في الظن بزيادة اقتران القرائن بالخبر إلى أن يحصل العلم كل في خبر التواتر.
وممن اختار هذا القول سيف الدين الآمدي وابن الحاجب، وإمام الحرمين١ والبيضاوي والشيخ أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي وغيرهم٢ ومثلوا له بأمثلة:
стр. 174
منها: أنه لو أخبر واحد بموت ولد الملك المشرف على الموت، وانضم إلى ذلك إحضار الكفن والنعش، وخروج الجنازة مع الصراخ وخروج المخدرات على حالة منكرة مع تغير حال الملك عما كان من عادته من التزام الهيئة، والمحافظة على أسباب المروءة، فإن كل عاقل سمع مثل هذا الخبر، وشاهد هذه القرائن، يحصل له العلم بصدق مخبره، كما يحصل له العلم بصدق خبر التواتر.
ومنها:"إذا أخبر واحد، مع كمال عقله، وحسه بحياة نفسه وكراهيته للألم، وهو في أرغد عيشة، نافذ الأمر، قائم الجاه، أنه قتل من يكافئه عمداً عدواناً، بآلة يقتل مثلها غالباً، ومن غير شبهة له في قتله، ولا مانع له من القصاص، كان خبره مع هذه القرائن موجباً بصدقه عادة.
ومنها: أنه إذا كان بجوار إنسان امرأة حامل، وقد انتهت مدة حملها، فسمع الطلق من وراء الجدار، وضجة النسوان حول تلك الحامل، ثم سمع صراخ الطفل، وخرج نسوة يقلن إنها قد ولدت، فإنه لا يستريب في ذلك، ويحصل له العلم بها قطعاَ"١.
وبهذا نعلم خجل من هجن، ووجل من خوف، باحمرار هذا، واصفرار هذا، ونعلم وصول اللبن إلى جوف الطفل عند ارتضاعه، بكثرة
стр. 175
امتصاصه وازدراده، وحركة حلقه، مع كون المرأة شابة نفساء، وبسكون الصبي بعد بكائه إلى غير ذلك من القرا ئن١.
الاعتراضات التي أوردت على ذلك، والإجابة عنها.
١- أن العلم يكون حاصلاً بالقرائن، لا بالخبر.
وأجيب عنه بأن العلم إنما حصل بالخبر مع ضميمة القرائن،"إذ لا يمتنع أن يكون سبب ما وجد من القرائن موت غير ولد الملك فجأة، فإذا انضم إليها الخبر بموت ذلك المريض بعينه، كان اعتقاد موته آكد من اعتقاد موته مع القرائن دون الخبر"٢.
٢- قال المخالفون:"أدلتكم على امتناع إفادته للعلم بلا قرينة، تأبى كونه مفيداً له بقرينة للزوم الاطراد، وتناقض المعلومين، والقطع بتخطئة مخالفه.
والجواب: أنها لا تتأتى في الخبر مع القرائن. أما الاطراد فلأنه ملتزم في مثله، فإنه لا يخلو عن العلم، وأما تناقض المعلومين فلأن ذلك إذا حصل في قضية، امتنع أن يحصل مثله في نقيضها عادة.
стр. 176
وأما تخطئة المخالف قطعاً، فلأنه ملتزم، ولو وقع لم يجز مخالفته بالاجتهاد، إلا أنه لم يقع في الشرعيات"١. وعدّ بعض العلماء من الخبر المحتف بالقرائن المفيد للعلم، ما في الصحيحين سوى ما انتقده الحفاظ عليهما.
قال ابن حجر: "والخبر المحتف بالقرائن أنواع:
منها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ حد التواتر، فإنه احتف به قرائن: منها جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهها في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا يختص بما لم ينتقضه أحد من الحفاظ مما في كتابيهما، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد النقيضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته"٢.
стр. 177
ونقل السخاوي عن أبي إسحاق الإسفراييني١ قوله: "أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها، ولا يحصل الخلاف فيها بحال، وإن حصل فذلك اختلاف في طرقها، ورواتها، قال: فمن خالف حكمه خبراً منها وليس له تأويل سائغ للخبر نقضنا حكمه، لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول"٢ وتلقي الأمة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول يوجب العلم النظري"٣.
وقال ابن الصلاح: "وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به، خلافاً لقول من نفى ذلك محتجاً بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن، وأنما تلقته الأمة بالقبول، لأنه يجب بالظن والظن قد يخطيء، وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قوياً، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أوّلاً هو الصحيح، لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطيء،
стр. 178
والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المنبني على الاجتهاد حجة مقطوعاً بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك، وهذه نكتة نفيسة نافعة، ومن فوائدها القول بأن ما انفرد به البخاري أومسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره وهي معروفة عند أهل هذا الشأن"١.
وتعقب النووي٢ ابن الصلاح فقال:"الذي ذكره الشيخ في هذا الموضع خلاف ما قاله المحققون والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن، فإنها آحاد والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك،
стр. 179
وتلقي الأمة بالقبول إنما يفيد وجوب العمل بما فيهما، وهذا متفق عليه"١.
وقد أجاب ابن حجر عما ذكره النووي بما نقله عن شيخ الإسلام بن تيمية٢ وغيره.
فقال:"الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له وعملاً بموجبه أفاد العلم عند جماهير العلماء من السلف والخلف، وهو الذي ذكره جمهور المصنفين في أصول الفقه كشمس الأئمة السرخسي وغيره من
стр. 180
الحنفية، والقاضي عبد الوهّاب١ وأمثاله من المالكية، والشيخ أبي حامد الإسفراييني٢، والقاضي أبي الطيب٣ الطبري، والشيخ أبي إسحاق