وأما تخطئة المخالف قطعاً، فلأنه ملتزم، ولو وقع لم يجز مخالفته بالاجتهاد، إلا أنه لم يقع في الشرعيات"١. وعدّ بعض العلماء من الخبر المحتف بالقرائن المفيد للعلم، ما في الصحيحين سوى ما انتقده الحفاظ عليهما.
قال ابن حجر: "والخبر المحتف بالقرائن أنواع:
منها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ حد التواتر، فإنه احتف به قرائن: منها جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهها في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا يختص بما لم ينتقضه أحد من الحفاظ مما في كتابيهما، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد النقيضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته"٢.
стр. 177
ونقل السخاوي عن أبي إسحاق الإسفراييني١ قوله: "أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها، ولا يحصل الخلاف فيها بحال، وإن حصل فذلك اختلاف في طرقها، ورواتها، قال: فمن خالف حكمه خبراً منها وليس له تأويل سائغ للخبر نقضنا حكمه، لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول"٢ وتلقي الأمة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول يوجب العلم النظري"٣.
وقال ابن الصلاح: "وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به، خلافاً لقول من نفى ذلك محتجاً بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن، وأنما تلقته الأمة بالقبول، لأنه يجب بالظن والظن قد يخطيء، وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قوياً، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أوّلاً هو الصحيح، لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطيء،
стр. 178
والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المنبني على الاجتهاد حجة مقطوعاً بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك، وهذه نكتة نفيسة نافعة، ومن فوائدها القول بأن ما انفرد به البخاري أومسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره وهي معروفة عند أهل هذا الشأن"١.
وتعقب النووي٢ ابن الصلاح فقال:"الذي ذكره الشيخ في هذا الموضع خلاف ما قاله المحققون والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن، فإنها آحاد والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك،
стр. 179
وتلقي الأمة بالقبول إنما يفيد وجوب العمل بما فيهما، وهذا متفق عليه"١.
وقد أجاب ابن حجر عما ذكره النووي بما نقله عن شيخ الإسلام بن تيمية٢ وغيره.
فقال:"الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له وعملاً بموجبه أفاد العلم عند جماهير العلماء من السلف والخلف، وهو الذي ذكره جمهور المصنفين في أصول الفقه كشمس الأئمة السرخسي وغيره من
стр. 180
الحنفية، والقاضي عبد الوهّاب١ وأمثاله من المالكية، والشيخ أبي حامد الإسفراييني٢، والقاضي أبي الطيب٣ الطبري، والشيخ أبي إسحاق
стр. 181
الشيرازي١، وأمثالهم من الشافعية، وأبي عبد الله بن حامد٢، والقاضي أبي يعلى٣، وأبي الخطاب٤ وغيرهم من الحنبلية، وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشاعرة وغيره-هكذا-كأبي إسحاق الإسفراييني وأبي بكر بن
стр. 182
فورك١، وأبي منصور التميمي ٢ وابن السمعاني وأبي هاشم الجبائي وأبي عبد الله البصري.
قال: "وهو مذهب أهل الحديث قاطبة، وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح، في مدخله في علوم الحديث، فذكر ذلك استنباطاً، ووافق فيه هؤلاء الأئمة، وخالفه في ذلك من ظن أن الجمهور على خلاف قوله لكونه لم يقف إلا على تصانيف من خالف في ذلك، كالقاضي أبي بكر الباقلاني٣، والغزالي، وابن عقيل، وغيرهم، لأن هؤلاء يقولون: إنه لا يفيد العلم مطلقاً، وعمدتهم: أن خبر الواحد لا يفيد العلم بمجرده والأمة
стр. 183
إذا عملت بموجبه فلوجوب العمل بالظن عليهم، وأنه لا يمكن جزم الأمة بصدقه في الباطن، لأن هذا جزم، بل علم.
الجواب أن إجماع الأمة معصوم عن الخطأ في الباطن، وإجماعهم على تصديق الجمة –هكذا-كإجماعهم على وجوب العمل به، والواحد منهم وإن جاز عليه أن يصدق في نفس الأمر من هو كاذب أو غالط، فمجموعهم معصوم عن هذا كالواحد من أهل التواتر، يجوز عليه بمجرده الكذب والخطأ، ومع انضمامه إلى أهل التواتر ينتفي الكذب والخطأ من مجموع الأمة، ولا فرق انتهى كلامه.
قال: وأصرح من رأيت كلامه في ذلك ممن نقل الشيخ تقي الدين عنه ذلك فيما نحن بصدده: الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني فإنه قالت: أهل الصنعة يجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بها عن صاحب الشرع، وإن حصل الخلاف في بعضها، فذلك خلاف في طرقها وكثرة رواتها، كأنه يشير بذلك إلى ما نقده بعض الحفاظ. وقد احترز ابن الصلاح عنه.
وأما قول الشيخ محي الدين: لا يفيد العلم إلا إن تواتر، فمنقوض بأشياء:
стр. 184
أحدها: الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم النظري. وممن صرح به إمام الحرمين، والغزالي، والرازي١، والسيف الآمدي وابن الحاجب ومن تبعهم.
ثانيها: الخبر المستفيض الوارد من وجوه كثيرة لا مطعن فيها يفيد العلم النظري للمتبحر في هذا الشأن. وممن ذهب إلى هذا الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، والأستاذ أبو منصور التميمي، والأستاذ أبو بكر بن فورك. وقال الأنباري شارح البرهان- بعد أن حكى عن إمام الحرمين أنه ضعف هذه المقالة- بأن العرف واطراد الاعتبار لا يقتضي الصدق مطلقاً، بل وقصاراه غلبة الظن لعلية الإسناد، أراد أن النظر في أقوال المخبرين من أهل الثقة والتجربة يحصل ذلك، ومال إليه الغزالي.
وإذا قلنا: إنه يفيد العلم، فهو نظري لا ضروري، وبالغ أبو منصور التميمي في الردّ على من أبى ذلك، فقال: المستفيض- وهو الحديث الذي له طرق كثيرة صحيحة لكنه لم يبلغ التواتر- يوجب العلم المكتسب ولا عبرة بمخالفة أهل الأهواء في ذلك.
ثالثها: ما قدمنا نقله عن الأئمة في الخبر إذا تلقته الأمة بالقبول، ولا شك أن إجماع الأمة على القول بصحة الخبر أقوى في إفادة العلم من القرائن المحتفة ومن مجرد كثرة الطرق.
стр. 185
ثم بعد تقرير ذلك كله جميعاً، لم يقل ابن الصلاح ولا من تقدمه: إن هذه الأشياء تفيد العلم القطعي كما يفيده الخبر المتواتر، لأن المتواتر يفيد العلم الضروري ولا يقبل التشكيك، وما عداه مما ذكر يفيد العلم النظري الذي يقبل التشكيك، ولذا تخلفت إفادة العلم عن الأحاديث التي عللت من الصحيحين١.
قال الشوكاني: "واعلم أن الخلاف الذي ذكرناه في أوّل هذا البحث من إفادة خبر الواحد الظن أو العلم مقيد بما إذا كان خبر واحد لم ينضم إليه ما يقوّيه، وأما إذا انضم إليه ما يقوّيه، أو كان مشهوراً أو مستفيضاً فلا يجري فيه الخلاف المذكور، ولا نزاع في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه، فإنه يفيد العلم، لأن الإجماع عليه قد صيّره من المعلوم صدقه، وهكذا خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، فكانوا بين عامل به ومتأول له، ومن هذا القسم أحاديث صحيحي البخاري ومسلم، فإن الأمة تلقت ما فيهما بالقبول، ومن لم يعمل بالبعض من ذلك فقد تأوله والتأويل فرع القبول"٢.
стр. 186
وحمل بعض العلماء الرواية عن الإمام أحمد ﵀ بإفادة خبر الواحد العلم على ما قامت القرائن على صدقه دون غيره.
قال ابن قدامة: "قال بعض العلماء: إنما يقول أحمد بحصول العلم بخبر الواحد فيما نقله الأئمة الذين حصل الاتفاق على عدالتهم وثقتهم وإتقانهم ونقل من طرق متساوية، وتلقته الأمة بالقبول ولم ينكره منهم منكر، فإن الصدّيق والفاروق ﵄ لو رويا شيئاً سمعاه أو رأياه لم يتطرق إلى سامعهما شك ولا ريب، مع ما تقررها نفسه لهما، وثبت عنده من ثقتهما وأمانتهما، ولذلك اتفق السلف على نقل أخبار الصفات، وليس فيها عمل، وإنما فائدتها وجوب تصديقها واعتقاد ما فيها، ولأن اتفاق الأمة على قبولها إجماع منهم على صحتها، والإجماع حجة قاطعة"١.
وقال القاضي في مقدمة المجرد: "وخبر الواحد يوجب العلم إذا صح ولم تختلف الرواية فيه وتلقته الأمة بالقبول، وأصحابنا يطلقون القول به وأنه يوجب العلم وإن لم تتلقه بالقبول، والمذهب على ما حكيت لا غير"٢.
стр. 187
يتضح مما تقدم أن القائلين بإفادة خبر الواحد المحتف بالقرائن، لم يقولوا: إنه يفيد العلم من جهة العادة والاطراد بحيث يساوي خبر التواتر، فيفيد العلم لكل الناس، وإنما قالوا: إنه يفيد العلم النظري الناتج عن النظر والاستدلال بما احتف به من قرائن بعضها يرجع إلى: المخبر، وبعضها يرجع إلى المخبر عنه، وبعضها يرحع إلي المخبر المبلغ. وها أنا أسوق ما قاله ابن القيم ﵀ في هذا.
قال: "وأهل الحديث لا يجعلون حصول العلم بمخبر هذه الأخبار الثابتة من جهة العادة المطردة في حق سائر المخبرين، بل يقولون: ذلك الأمر يرجع إلى المخبر، وأمر يرجع إلى المخبر عنه، وأمر يرجع إلى المخبر المبلغ.
فأما ما يرجع إلى المخبر فإن الصحابة الذين بلغوا الأمة سنة نبيم كانوا أصدق الخلق لهجة، وأعظمهم أمانة، وأحفظهم لما يسمعون، وخصهم الله تعالى من ذلك بما لم يخص به غيرهم، فكانت طبيعتهم قبل الإسلام الصدق والأمانة، ثم ازدادوا بالإسلام قوة في الصدق والأمانة، وكان صدقهم عند الأمة وعدالتهم وضبطهم وحفظهم عن نبيهم أمراً معلوماً لهم بالاضطرار، كما يعلمون إسلامهم وإيمانهم وجهادهم مع رسول الله ﷺ وكل من له أدنى علم بحال القوم يعلم أن خبر الصّدّيق وأصحابه لا يقاس بخبر من عداهما، وحصول الثقة واليقين بخبرهم فوق الثقة واليقين بخبر من سواهم من سائر الخلق بعد الأنبياء.
стр. 188
فقياس خبر الصّدّيق على خبر آحاد المخبرين من أفسد قياسٍ في العالم، وكذلك الثقات العدول الذين رووا عنهم هم أصدق الناس لهجة، وأشدهم تحرياً للصدق والضبط حتى لا تعرف في طوائف بني آدم أصدق لهجه ولا أعظم تحرياً للصدق منهم"١.
وأما ما يرجع إلى المخبر عنه فإن الله سبحانه تكفل لرسوله ﷺ بأن يظهر دينه على الدين كله، وأن يحفظه حتى يبلغه الأوّل إلى من بعده، فلا بد أن يحفظ الله سبحانه حججه وبيّناته على خلقه، لئلا تبطل حججه وبيّناته، ولهذا فضح الله من كذب على رسوله ﷺ في حياته وبعد مماته، وبيّن حاله للناس، قال سفيان بن عيينة: ما ستر الله أحداً يكذب في الحديث.
قال عبد الله بن المبارك: "لو هَمَّ رجل أن يكذب في الحديث، لأصبح والناس يقولون: فلان كذاب". وقد عاقب الله الكاذبين عليه في حياته بما جعلهم به نكالاً وعبرة حفظاً لوحيه ودينه، وقد روى أبو القاسم البغوي حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني حدثنا علي بن مسهر عن صالح بن حبان عن ابن بريدة عن أبيه قال: جاء رجل في جانب المدينة، فقال: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أحكم فيكم برأيي في أموالكم وفي كذا وكذا، وكان خطب امرأة منهم في الجاهلية فأبوا أن
стр. 189
يزوجوه، ثم ذهب حتى نزل على المرأة، فبعث القوم إلى رسول الله ﷺ فقال: "كذب عدو الله"، ثم أرسل رجلاً فقال: "إن وجدته حياً فاقتله، فإن أنت وجدته ميتا فحرقه بالنار"، فانطلق فوجده قد لدغ فمات، فحرقه بالنار فعند ذلك قال النبي ﷺ : " من كذب عليّ متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار" ١.
وروى أبو بكر بن مردويه من حديث الوازعي عن أبي سلمة عن أسامة عن رسول الله ﷺ : " من تقوّل عليّ مالم أقل فليتبوأ مقعده من النار "٢ وذلك أنه بعث رجلاً فكذب عليه فوجد ميتاقد انشق بطنه ولم تقبله الأرض. فالله سبحانه لم يقر من كذب عليه في حياته وفضحه، وكشف ستره للناس بعد مماته.
وأما ما يرجع إلى المخبر به، فإنه الحق المحض، وهو كلام رسول الله ﷺ الذي كلامه وحي، فهو أصدق الصدق، وأحق الحق بعد كلام الله، فلا يشتبه بالكذب والباطل على ذى عقل صحيح، بل عليه من النور والجلالة والبرهان ما يشهد بصدقه، والحق عليه نور ساطع يبصره ذو
стр. 190
البصيرة السليمة، فبين الخبر الصادق عن رسول الله ﷺ وبين الخبر الكاذب عنه من الفرق كما بين الليل والنهار، والضوء والظلام، وكلام النبوة متميز بنفسه عن غيره من الكلام الصدق، فكيف يشتبه بالكذب، ولكن هذا إنما يعرفه من له عناية بحديث رسول الله ﷺ وأخباره وسننه١.
قال: "وأما ما يرجع إلى المخبر، فإن المخبر نوعان: نوع له علم ومعرفة بأحوال الصحابة وعدالتهم وتحريهم للصدق والضبط، وكونهم أبعد خلق الله عن الكذب وعن الغلط والخطأ فيما نقلوه إلى الأمة، وتلقاه بعضهم عن بعض بالقبول، وتلقته الأمة عنهم كذلك، وقامت شواهد صدقهم فيه، فهذا المخبر باسم المفعول يقطع بصدق المخبر باسم الفاعل، ويفيده خبره العلم واليقين لمعرفته بحاله وسيرته. ونوع لا علم لهم بذلك، وليس عندهم من المعرفة بحال المخبرين ما عند أولئك، فهؤلاء قد لا يفيدهم خبرهم اليقين، فإذا انضم عمل المخبر وعلمه بحال المخبر وانضاف إلى ذلك معرفة المخبر عنه ونسبة ذلك الخبر إليه، أفاد ذلك علماً ضرورياً بصحة تلك النسبة، وهذا في إفادة العلم أقوى من خبر رجل مبرز في الصدق والتحفظ، عن رجل معروف بغاية الإحسان والجود، أنه سأله رجل معدم فقير ما يعينه، فأعطاه ذلك، وظهرت شواهد تلك العطية على الفقير، فكيف إذا تعدد المخبرون عنه
стр. 191
وكثرت رواياتهم وأحاديثهم بطرق مختلفة، وعطايا متنوعة في أوقات متعدده؟ "١.
قلت: ففي ما ذكر شواهد تدل على صدق رواة الحديث، وبعدهم عن الكذب والخطأ، وإن جاز عليهم عقلاً. فقد ثبت امتناع وجود كذب وخطأ في حديث لا يكشف أمره ويظهر حاله، والتاريخ شاهد، فقد عرف كذب الكاذبين في حديث رسول الله ﷺ ووضع الوضاعين، فدوّن ما صحت نسبته من الحديث إلى رسول الله ﷺ وكشف حال مالم تصح نسبته إليه، كما دوّن من يروى عنه ممن لا يروى عنه حتى أصبح من المستحيل قبول حديث ليس معروفاً في الكتب التي دونت فيها السنة، ولم يبق مجال لطعن مقبول إلا بما هو مدوّن في كتب علوم الحديث، وكتب علوم الرجال، اللهم إلا ما قد يفرضه العقل، والعقل قد يفرض المحال، وإذا كان هذا هو واقع حال السنة علىالعموم، فإن ما احتف منها بالقرائن، لا يرد عليه ما افترض من احتمال كذب الراوي أو وهمه أوغلطه، لأن القرائن وحدها قد تفيد العلم، فكيف إذا انضم إليها ما صحت نسبته إلى رسول الله ﷺ ، وقامت الشواهد على صحته برواية العدل الضابط له عن مثله إلى رسول الله ﷺ .
стр. 192
فالذي يظهر لي أن الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم النظري، لأن وجود القرائن يدفع ما قد يفترض من خطأ الراوي ووهمه لاسيما أن تلقته الأمة بالقبول كما في أحاديث الصحيحين مما لم ينتقده الحفاظ، لأن تلقي الأمة وحده أقوى في إفادة العلم من القرائن، ومن مجرد كثرة الطرق القاصرة عن حد التواترولذا فقد ذهب إليه جماهير العلماء من السلف والخلف علىما تقدم نقله، تفصيله في هذا الفصل قريبا، الله تعالى أعلم.
стр. 193
هل للخلاف أثر
كان لاختلاف العلماء في إفادة خبر الواحد العلم، وعدم إفادته العلم أثر نبينه فيما يلي:
١- أن القائلين بأن خبر الواحد العدل إنما يفيد الظن، قالوا: يحتج به في الأحكام دون العقائد، لأن الآحاد لا تفيد اليقين، والعقائد لابد فيها من اليقين١.
وما ذكروه من التفريق بين ما يقبل فيه خبر الواحد، وما لا يقبل فيه يعترض عليه بما يأتي:
الأول: أن للخصم أن يطالبهم بفرق صحيح بين ما يجوز إثباته بخبر الواحد العدل من الدين، وبين ما لا يجوز إثباته به، وبالفرق بين ما المطلوب فيه القطع اليقيني، وما يكفي فيه الظن، ولا سبيل إلى تقرير شيء من ذلك البتة٢.
стр. 194
الثاني: أن القائلين بإفادته للعلم، والقائلين بإفادته للظن اتفقوا على نقل إجماع الصحابة والتابعين على العمل به١، ولم يرد عن أحد منهم أن أحداً من الصحابة منع الاستدلال بخبر الواحد العدل في العقائد لكونه لا يفيد إلا الظن، وأن العقائد لا يحتج فيها إلا بما يفيد القطع، بل الوارد عنهم قبول الخبر متى صح مطلقاً، وتخصيص ذلك بالأحكام دون العقائد يحتاج إلى دليل من: كتاب، أو سنة، أو إجماع قطعي٢.
الثالث: ما تواتر من إرسال رسول الله ﷺ رسله وسعاته إلى الآفاق والملوك المجاورين لجزيرة العرب، والقبائل، لتبليغ الرسالة، وتعليم الأحكام، وحل العهود وتقريرها، وقبض الزكوات، وفصل الخصومات، ونحو ذلك.
فمن ذلك أنه ﷺ بعث دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل عظيم بصرى، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي بكتابه إلى كسرى، وعمرو بن أمية الضمري إلى الحبشة، وعثمان بن العاص إلى الطائف، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، وشجاع بن وهب
стр. 195
الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني بدمشق، وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن خليفة باليمامة، وأمرّ أبا بكر الصديق ﵁ على الحج سنة تسع، وأرسل في أثره عليّاً لإنفاذ سورة براءة، وحمله فسخ العهود والعقود التي كانت بين النبي ﷺ وبين المشركين، وبعث عليّاً أيضاً إلى اليمن أميراً، وبعده بعث معاذاً أيضاً إلى اليمن لتعليم الشرائع وإقامة الأحكام، وبعث عتاب بن أسيد أميراً على أهل مكة ومعلماً للشرائع، وبعث لقبض الزكاة وجبايتها عمر بن الخطاب ﵁، وقيس بن عاصم، ومالك بن نويرة، والزبرقان بن بدر، وزيد بن حارثة، وعمرو بن العاص، وعمرو بن حزم، وأسامة بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم ممن يطول ذكرهم ﵃.
ولم يبعث هؤلاء إلا ليقيم بهم الحجة على من بعثوا إليهم، ومن المعلوم أن أهم ما بعث به هؤلاء هو الدعوة إلى التوحيد، كما سيأتي قريباً نص ذلك في كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك، ولم يقل أحد إنه بعث عدد التواتر في وجه واحد.
وقد ثبت باتفاق أهل السير أنه ﷺ كان يلزم من بعث إليهم رسله بقبول قول رسله وحكامه وسعاته، ولو احتاج في كل رسالة إلى إرسال عدد التواتر لم يف بذلك جميع أصحابه، ولخلت دار هجرته ﷺ من أصحابه وأنصاره، وتمكن منه أعداؤه، وفسد النظام والتدبير، وهذا أمر باطل، لا شك في بطلانه، فتبين بما ذكر أن خبر الواحد حجة توجب
стр. 196
العمل مثل خبر التواتر. فكما يجب العمل بخبر التواتر في كل ما دل عليه سواء كان في الأحكام أم العقائد، فكذلك ما دل عليه خبر الواحد العدل١.
فإن قيل: إنما كان النبي ﷺ يبعث رسله وسعاته لتعليم الأحكام، وجباية الزكاة، وتوزيعها، دون الدعوة إلى التوحيد.
أجيب عنه بأنه ورد التصريح في كتبه ﷺ إلى الملوك بالدعوة إلى التوحيد، وها أنا أسوق أمثلة لذلك.
فمن ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "لما بعث النبي ﷺ معاذاً إلى نحو أهل اليمن قال له: "إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة أموالهم تؤخذ مق غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس "٢. فالحديث نص في محل النزاع.
стр. 197
ومنها ما أخرجه البخاري أيضاً عن ابن عباس ﵄ "أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، ويدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه كسرى مزقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: "فدعا عليهم رسول ﷺ أن يمزقوا كل ممزق "١.
قال ابن حجر:"المبعوث لعظيم البحرين وإن لم يسم في هذه الرواية، فقد سمي في نحوها، وهوعبد الله بن حذافة"٢.
ومنها ما أخرجه البخاري أيضاً عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "إن وفد عبد القيس لما أتوا رسول الله ﷺ قال: "من الوفد؟ " قالوا: ربيعة. قال: "مرحباً بالوفد والقوم غير خزايا، ولا ندامى." قالوا: "يا رسول الله، إن بيننا وبينك كفار مضر، فمرنا بأمر ندخل به الجنة ونخبر به من وراءنا"، فسألوه عن الأشربة، فنهاهم عن أربع وأمرهم بأربع: أمرهم بالإيمان بالله قال: " هل تدرون ما الإيمان بالله؟ " قالوا: "الله ورسوله أعلم"، قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، -وأظن فيه صيام رمضان-، وتؤتوا من المغنم
стр. 198
الخمس"، ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير١، قال: " احفظوهن، وأبلغوهن من وراءكم "٢.
قال ابن حجر: "والغرض من قوله في آخره "احفظوهن، وأبلغوهن من وراءكم" فإن الأمر بذلك يتناول كل فرد، فلولا أن الحجة تقوم بتبليغ الواحد ما حضهم عليه"٣.
وذكر ابن حجر أيضاً أن البخاري ذكر في خبر الواحد اثنين وعشرين حديثاً كلها مكررة، وذكر من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم ثمانية وخمسين أثراً٤، فادعاء تخصيص مهمة الرسل بتعليم الأحكام وجباية الزكاة وغير ذلك، دون الدعوة إلى التوحيد يحتاج إلى دليل قطعي، لاسيما وقد دلت الأحادحث السالفة الذكر وغيرها مما لم أذكره على الدعوة إلى التوحيد.
стр. 199
الرابع: أن القائلين بأنه لا يحتج به في العقائد ثبت عنهم قبول ما ورد منه في عذاب القبر١، وسؤال منكر ونكير،٢ ورؤية المؤمنين لله تعالى بالأبصار يوم القيامة٣، وما ورد في نعيم الجنة٤، وعذاب النار٥، والحوض٦، والصراط٧ وغيرها.
وإليك بعض أقوالهم:
قال السرخسي: "ثم قد ثبت بالآحاد من الأخبار ما يكون الحكم فيه العلم فقط، نحو عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، ورؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة، فبهذا ونحوه يتبين أن خبر الواحد موجب للعلم"٨.
وقال صاحب التوضيح: "والأخبار في أحكام الآخرة لا توجب إلا الاعتقاد، وهي مقبولة، ولأنه يحتمل الصدق والكذب، وبالعدالة
стр. 200
يترجح الصدق. ولنا هذه الدلائل لكن لا نسلم أنه لا عمل إلا عن علم قطعي، والعقل يشهد أنه لا يوجب اليقين، والأحاديت في أحكام الآخرة منها ما اشتهر، ومنها ما دون ذلك، وكل ذلك يوجب ذكرنا، لأنها توجب عقد القلب، وهو عمل فيكفي له خبر الواحد.
وفي هذا نظر، لأنه يجب أن لا يختص هذا بأحكام الآخرة، بل يكون كل الاعتقاديات كذلك"١.
وذكر سعد الدين التفتازاني أن خبر الواحد في أحكام الآخرة من عذاب القبر، وتفاصيل الحشر والصراط والحساب والعقاب، وغير ذلك مقبول بالإجماع٢.
وقال البزدوي: "فأمّا الآحاد في أحكام الآخرة فمن ذلك ما هو مشهور، ومن ذلك ما هو دونه، لكنه يوجب ضرباً من العلم على ما قلنا، وفيه ضرب من العمل أيضاً، وهو عقد القلب عليه"٣.
فما اعترفوا به هنا من قبول ما ورد في أحكام الآخرة وغيرها يلزمهم قبول ما ورد منها في العقائد، لأنه لا يخرج عن عقد القلب الذي جعلوه عملاً يجب قبول خبر الواحد فيه، ولذا "اتفق السلفي على نقل
стр. 201
أخبار الصفات وليس فيها عمل، وإنما فائدتها وجوب تصديقها واعتقاد ما فيها، ولأن اتفاق الأمة على قبولها إجماع منهم على صحتها، والإجماع حجة قاطعة"١.
قال الشوكاني: "ولا نزاع في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمال بمقتضاه فإنه يفيد العلم، لأن الإجماع عليه قد صيره من المعلوم صدقه"٢.
وقال ابن القيم:"ومشهور معلوم استدلال أهل السنة بالأحاديث ورجوعهم إليها، فهذا إجماع منهم على القول بأخبار الآحاد، وكذلك أجمع أهل الإسلام متقدموهم ومتأخروهم على رواية الأحاديث في صفات الله تعالى، وفي مسائل القدر والرؤية وأصول الإيمان والشفاعة والحوض، وإخراج الموحّدين من المذنبين من النار، وفي صفة الجنة والنار، وفي الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وفي فضائل النبي ﷺ ومناقب الصحابة، وأخبار الأنبياء المتقدمين، وأخبار الرقاق وغيرها مما يكثر ذكره. وهذه الأشياء علمية لا عملية، وإنما تروى لوقوع العلم للسامع بها، فإذا قلنا خبر الواحد لا يجوز أن يوجب العلم، حملنا أمر الأمة في نقل
стр. 202
هذه الأخبار على الخطأ وجعلناهم لاغين هازلين مشتغلين بما لا يفيد أحداً شيئاً، ولا ينفعه، ويصيركأنهم قد دونوا في أمور الدين ما لا يجوز الرجوع إليه والاعتماد عليه"١.
ولذا فإننا نرى طوائف الأمة "يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد، نرى أصحاب القدر يستدلون بقوله ﷺ "كل مولود يولد على الفطرة" ٢، وبقوله: "خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم" ٣، ونرى أهل الإرجاء يستدلون بقوله: " من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة "، قيل: "وإن زنى وإن سرق؟ " قال: "وإن زنى وإن سرق ""٤.
ونرى الرافضة يحتجون بقوله ﷺ : " يجاء بقوم من أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم" ٥.
стр. 203
ونرى الخوارخ يستدلون بقوله ﷺ : " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ١، وبقوله: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" ٢، إلى غير ذلك من الأحاديث التي يستدل بها أهل الفرق"٣.
وفي المسودة عن ابن عبد البر٤ أنه قال: "وكلهم يروي خبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي، ويوالي عليها، ويجعلها شرعاً وحكماً وديناً في معتقده، على ذلك جماعة أهل السنه، ولهم في الأحكام ما ذكرناه".
قلت: هذا الإجماع الذي ذكره في خبر الواحد العدل في الاعتقادات يؤيد قول من يقول: إنه يوجب العلم، وإلا فما لا يفيد علماً ولا عملاً كيف يجعل شرعاً وديناً يوالى عليه ويعادى؟ ٥.
стр. 204
والحق أن احتمال الغلط والوهم واردان عقلاً على راوي خبر الواحد العدل الخالي عن القرائن إلا أن هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها، ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها، في الفرق بين باب الطلب وباب الخبر بحيث يحتج بها في أحدهما دون الآخر، هذا التفريق باطل بإجماع الأمة، فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميات كما تحتج بها في الطلبيات العمليات، ولاسيما والأحكام العملية تتضمن الخبر عن الله بأن شرع كذا وأوجبه ورضيه ديناً، فشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته، ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الأخبار عن الله وأسمائه وصفاته"١.
ومما تقدم يتضح أن القول بعدم الأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد مخالف لظاهر الكتاب والسنة اللذين أجمع الجميع على وجوب الأخذ بهما في قبول خبر الآحاد في الأحكام الشرعية، وذلك لعمومهما وشمولهما لوجوب الأخذ بما جاء به رسول الله ﷺ عن الله، سواء عقيدة أم حكماً فرعياً، فتخصيص ذلك بالأحكام دون العقائد يحتاج إلى دليل
стр. 205
قاطع، ثم إنه مخالف لما نقله المخالفون من إجماع الصحابة على قبول خبر الآحاد متى صحّ، ومع ذلك فلم ينقل عن أحد التفريق بين العقيدة وغيرها، ولم يرد عن أحد منهم أنه استظهر في غير أحاديث الأحكام.
والقول بعدم قبول خبر الآحاد في العقائد يستلزم ردّ السنة لندرة المتواتر، ولأن كلّ حكم شرعي عملي يقترن به عقيدة ولا بد، ترجع إلى الإيمان بأمر غيبي لا يعلمه إلا الله تعالى، ولولا أنه أخبرنا به في سنة نبيه ﷺ لما وجب التصديق به والعمل به. ولذلك لم يجز لأحد أن يحرم أو يحلل بدون حجة من كتاب أو سنة، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ١، فأفادت هذه الآية الكريمة أن التحريم والتحليل بدون إذن منه كذب على الله تعالى وافتراء عليه، فإذا كنا متفقين على جواز التحليل والتحريم بحديث الآحاد، وأننا به ننجوا من القول على الله فكذلك يجوز إيجاب العقيدة بحديث الآحاد، ولا فرق، ومن ادعى الفرق فعليه البرهان من كتاب الله وسنة رسوله، ودون ذلك خرط القتاد"٢.
стр. 206
ولأن كثيراً من الأحاديث العملية يتضمن الاعتقادية.
فمن ذلك ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "قال رسول الله ﷺ : " إذا تشهد أحدكم، فليستعذ بالله من أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال" "١.
ومنها ما أخرجه البخاري عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذاً ﵁ إلى اليمن فقال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم" ٢، إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تضمنت عقائد وأحكاماً فهل ترى أن نردها ولا نعمل بها مطلقاً لكونها أحاديث الآحاد تضمنت عقائد، أم نعمل بها في الأحكام دون العقائد من غير دليل يدل على ذلك، وهذا ما يأباه العقل، أم نعمل بها في تضمنته من عقائد وأحكام، وهذا هو الحقّ الذي قام عليه دليل.
الْكَافِرِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ ١، إلى غير ذلك من الآيات التي يدل عمومها على وجوب طاعة الرسول ﷺ .
وأخرج أبو داود عن المقدام بن معديكرب، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه. ... الحديث"٢.
فمثل هذه النصوص كثير، وهو يدل بعمومه على وجوب قبول ما صح عن رسول الله ﷺ سواء كان في العقائد، أم في الأحكام.
وذكر العلامة الشيخ محمّد الأمين بن محمد المختار الجكني ﵀ أن التحقيق الذي لا يجوز العدول عنه قبول خبر الآحاد في الأصول والفروع على حد سواء، وأن عدم قبولها يستلزم رد الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ٣.
стр. 209
الباب الثاني: في حكم العمل بخير الآحاد
الفصل الأول: في وجوب العمل به
...
الباب الثاني: في حكم العمل بخير الآحاد
أختلفت العلماء في حكم العمل به:
فذهب الجمهور الى العمل به، وذهب فريق من العلماء الى إنكار العمل به. وفي ذلك سبعة فصول:
الأول: في وجوب العمل به.
الثاني: فيذكر أدلة منكري العمل به والرد عليها.
الثالث: في العمل بخبر الواحد في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية.
الرابع: حكم قبوله خبر الواحد العدل في الحدود.
الخامس: خبر الواحد وعمل أهل المدينة.
السادس: خبر الواحد فيما تعم به البلوى.
السابع: إذا خالف الراوي مرويه.
стр. 210
الفصل الأول: في وجوب العمل به
استدل الجمهور على وجوب العمل بخبر الآحاد:
١-الكتاب.
٢-الآثار.
٣-الإجماع.
الأول: الكتاب:
فقد استدلوا منه بما يأتي:
الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ١،فالفرقة اسم للثلاثة فصاعداً، والطائفة من الفرقة: بعضها، وقد اختلف في عدد الطائفة فقيل: واحد، وقيل: اثنان، وقيل: ثلاثة، وقيل: غير ذلك، إلا أنه لم يقل أحد بشرط بلوغها عدد التواتر مع أن الله ألزم بقبول خبرها في قوله: ? ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ،بل قد
стр. 211
تصدق الطائفة على الواحد، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ١الآية، فلو اقتتل رجلان دخلا في حكم الآية. وقد نقل في سبب نزولها أنهما كانا رجلين، ثم في سياق الآية ما يدل على ذلك، فإنه تعالى قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ،وقال في الآية الأخرى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ٢،ونقل عن محمّد بن كعب في قوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ ٣ الآية، كان هذا رجلاً واحداً٤.
وقال السرخسي: "ولا يقال: الطائفة اسم للجماعة، لأن المتقدمين اختلفوا في تفسير الطائفة فقال محمّد بن كعب: اسم للواحد، وقال عطاء: اسم للاثنين، وقال الزهري: لثلاثة، وقال الحسن: لعشرة. فيكون هذا اتفاقاً منهم أن الاسم يحتمل أن يتناول كل واحد من هذه
стр. 212
الأعداد، ولم يقل أحد بالزيادة على العشرة"١.ومعلوم أن خبر العشرة غير متواتر عند الجمهور.
"فلو لم يكن خبر الواحد حجة لوجوب العمل، لما وجب الإنذار بما سمع، ثم لما ثبت بالنص أنه مأمور بالإنذار ثبت أنه يجب القبول منه، لأنه في هذا بمنزلة رسول الله ﷺ ،فإنه كان مأموراً بالإنذار، ثم كان قوله ملزماً للسامعين كيف وقد بين تعالى حكم القبول والعمل به في إشارة بقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ أي لكي يحذروا عن الرد، والامتناع عن العمل بعد لزوم الحجة إياهم، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ٢،والأمر بالحذر لا يكون إلا بعد توجه الحجة. فدل أن خبر الواحد موجب للعمل"٣.
واعترض عليه الغزالي بقوله: "هذا فيه نظر، لأنه إن كان قاطعاً، فهو في وجوب الإنذار لا في وجوب العمل، على المنذر عند اتحاد
стр. 213
المنذر، كما يجب على الشاهد الواحد إقامة الشهادة لا ليعمل بها وحدها، لكن إذا انضم إليها غيرها"١.
ويجاب عنه بأن الشاهد إذا كان وحده فليس عليه أداء الشهادة على كل حال، لأن ذلك لا ينفع المدعي في ما لا يقوم اليمين فيه مقام الشاهد، بل ربما ضرت به تأدية الشهادة عند نقص النصاب كما لو كان الشهادة في القذف.
واعترض عليه بأن الإنذار "المراد به الفتوى، وذلك لأن الإنذار متوقف على التفقه إذ الأمر به إنما هو لأجل التفقه، والموقوف على التفقه هو الفتوى لا الخبر- وما دام الأمر كذلك فالآية إنما تفيد وجوب العمل بخبر الواحد في الفتوى فقط، وليس ذلك من محل النزاع.
ويجاب عن هذا بأن تخصيص الإنذار بالفتوى يوجب تخصيص القوم في قوله تعالى: ﴿قَوْمَهُمْ﴾ بالمقلدين، لأن المجتهدين لا يقلد بعضهم بعضاً في فتواه، وذلك يجعل الآية مخصصة في موضعين: "الإنذار - والقوم" والتخصيص خلاف الأصل. أما جعل الإنذار غير مخصص بالفتوى، فإنه لا يوجب تخصيص القوم بالمقلدين بل يجعله عاماً في المقلدين والمجتهدين، ولا شك أن المجتهد
стр. 214
يستفيد من الرواية باستنباط الأحكام منها، والمقلد يستفيد منها كذلك الانزجار، وحصول الثواب، وبذلك يكون عدم التخصيص أرجح، فيجب المصير إليه"١.
واعترض بأن الضميرين في قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ و ﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾ راجعان إلى الفرقة الباقية للتفقه، لا إلى الطائفة النافرة للجهاد، وعليه فليست الآية مثبتة للعمل بخبر الواحد، لأن المنذرين هم الفرقة الباقية، وهي التي تنذر الطائفة النافرة للجهاد إذا رجعت. ويدل عليه أن الله لما توعد المتخلفين عن الجهاد في غزوة تبوك كان المؤمنون يتسارعون إلى الغزو حتى لا يبقى مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم من يسمع الوحي ويتعلم الدين، فأمر الله أن ينفرللجهاد من كل فرقة طائفة، ويقعد الباقي مع رسول الله ﷺ للتفقه في الدين، ولإنذار من خرج للجهاد إذا رجع. وعلى هذا فلابد من إضمار، والتقدير: فلولا نفر من كل فرقة طائفة، وأقام طائفة ليتفقهوا. أما على التفسير الثاني: فلا حاجة إلى إضمار، ولا إلى تقدير، ومعلوم أن الاستغناء عن التقدير أولى من التقدير٢.
стр. 215
قال الألوسي: "وذهب كثير من الناس إلى أن المراد من النفر الخروج لطلب العلم، فالآية ليست متعلقة بما فيها من أمر الجهاد، بل لما بينّ سبحانه وجوب الهجرة والجهاد، وكل منهما سفر لعبادة، فبعدما فضل الجهاد ذكر السفر الآخر، وهو الهجرة لطلب العلم، فضمير يتفقهوا وينذروا للطائفة المذكورة، وهي النافرة، وهو الذي يقتضيه كلام مجاهد، فقد أخرج عنه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما أنه قال: إن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفاً ومن الخصب ما ينتفعون به ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا، فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجاً، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبيصلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ ... ﴾ الخ.
وذكر بعضهم أن في الآية دلالة على أن خبر الواحد حجة، لأن عموم كل فرقة يقتضي أن ينفر من كل ثلاثة تفردوا بقرية طائفة إلى التفقه لتنذر قومها كي يتركوا ويحذروا، فلو لم يعتبر الإخبار مالم يتواتر لم يفد ذلك.
وقرر بعضهم وجه الدلالة بأمرين:
الأول: أنه تعالى أمر الطائفة بالإنذار، وهو يقتضي فعل المأمور به وإلا لم يكن إنذاراً.