← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11172

خبر الواحد وحجيته

أحمد بن عبد الوهاب الشنقيطي

Полный текст (362 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الناسخة، وإما أن تتفق الأمة على عدم العمل بحديث لا ناسخ له فهذا لم يقع أصلاً، ونسبته للأمة قدح فيها١. ويجاب عن الثالث: "بأنه ﵇ إنما توقف في خبر ذي اليدين لتوهمه غلطه لبعد انفراده بمعرفة ذلك دون من حضره من الجمع الكثير. ومع ظهور الوهم في خبر الواحد يجب التوقف فيه، فحيث وافقه الباقون على ذلك ارتفع حكم الأمارة الدالة على وهم ذي اليدين، وعمل بموجب خبره. كيف وأن عمل النبي ﷺ بخبر أبي بكر وعمر وغيرهما مع خبر ذي اليدين عمل بخبر من لم ينته إلى حد التواتر، وهو موضع النزاع وفي تسليمه تسليم المطلوب"٢. ويجاب عن الرابع: بأن ما ذكره المخالف اعتراف بقبول خبر الآحاد لأن شهادة محمد بن مسلمة مع المغيرة، وشهادة أبي سعيد مع أبي موسى لا تنقل الخبر عن كونه آحاداً، لأن خبر الاثنين خبر آحاد، وأن ما توقفوا فيه إنما كان لأمور اقتضت ذلك من وجود معارض، أو فوات شرط، لا لعدم الاحتجاج بها في جنسها مع كونهم متفقين على العمل بها، بدليل قبولهم لها بعد الاستظهار، لأن تلك الأحاديث لم تخرج بالاستظهار

стр. 247

عن كونها آحاداً، وهم قبلوها بعد الاستظهار، ولذا قال عمر لأبي موسى: "إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ "١. وبين ﵁ سبب رده لخبر فاطمة بنت قيس بقوله: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها صدقت أم نسيت" ٢،فقوله: "نسيت" صريح في سبب الرد٣. قال الغزالي: "الذي رويناه قاطع في عملهم، وما ذكرتموه رد لأسباب عارضة تقتضي الرد، ولا تدل على بطلان الأصل، كما أن ردهم بعض نصوص القرآن، وتركهم بعض أنواع القياس، ورد القاضي بعض أنواع الشهادات لا يدل على بطلان الأصل"٤. وأما رد عائشة ﵂ خبر ابن عمر ﵄ فلأنه عارض القطعي، حيث استدلت بقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٥.فهي لم ترده لكونه خبر واحد.

стр. 248

"وعلى الجملة فلم يأت من خالف في العمل بخبر الواحد بشيء يصلح للتمسك به، ومن تتبع عمل الصحابة من الخلفاء وغيرهم، وعمل التابعين فتابعيهم بأخبار الآحاد وجد ذلك في غاية الكثرة، بحيث لا يتسع له إلا مصنف بسيط، وإذا وقع من بعضهم التردد في العمل به في بعض الأحوال، فذلك لأسباب خارجة عن كونه خبر واحد من ريبة في الصحة، أو تهمة في الراوي، أو وجود معارض راجح ونحو ذلك"١.

стр. 249

الفصل الثالث: في العمل بخبر الواحد العدل في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية اتفق العلماء على العمل بخبر الواحد العدل في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية. واختلفوا في حكم العمل به. فمنهم من قال: يجب العمل به في الكل، ومنهم من قال: يجوز العمل به فيها، ومنهم من فصل فقال: يجب العمل به في الفتوى والشهادة ويجوز في الأمور الدنيوية وإليك تفاصيل ذلك: قال البيضاوي: "اتفقوا على الوجوب في الفتوى والشهادة، والأمور الدنيوية"١،وقرر الأسنوي ذلك بقوله: "اتفق الكل على وجوب العمل بخبر الواحد في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية كإخبار طبيب أو غيره بمضرة شيء مثلاً، وإخبار شخص عن المالك أنه منع من التصرف في ثماره بعد أن أباحها، وشبه ذلك من الآراء والحروب ونحوها. قال: "وهذه العبارة التي ذكرها المصنف ذكرها صاحب الحاصل"٢.

стр. 250

وقال ابن السبكي: "يجب العمل به في الفتوى والشهادة إجماعاً، وكذا سائر الأمور الدنيوية"،وتابعه على الوجوب في الكل الجلال المحلي، والبناني والشيخ حسن العطار في حاشيتيهما عليه، فلم يفرقوا بين المذكورات في الحكم١. وأشار صاحب المراقي إلى ذلك بقوله: وفي الشهادة وفي الفتوى العمل ... به وجوباً اتفاقا قد حصل كذاك جاء في اتخاذ الأدوية ... ونحوها كسفر والأغذية أي يجب العمل إجماعاً بخبر الواحد العدل في الشهادة بشرطها، وفي الفتوى وحكم الحاكم من لدن محمد إلى الآن من غير نكير من أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعيهم، كما جاء الأخذ إجماعاً بخبر الواحد العدل في الأمور الدنيوية كاستعمال الأدوية لمعالجة المرضى، وارتكاب الأسفار إلى البلاد، واستعمال الأغذية اعتماداً على خبر عدل عارف مؤتمن٢.

стр. 251

وأما القول بالجواز فيها كلّها، فقد نقله الأسنوي عن صاحب المحصول حيث قال. إنه قال: "إن الخصوم بأسرهم اتفقوا على جواز العمل بالخبر الذي لا يعلم صحته في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية"١. ووجه البدخشي عبارة المحصول بما ينفى الفرق بين العبارتين حيث قال: "إلا أن الظاهر أنه أراد بالجواز معناه الأعم الشامل للوجوب القطعي بتأثيم العامي بترك العمل بقول المجتهد الذي قلده، وتأثيم القاضي بترك الحكم بعد شهادة الشهود العدول"٢.لكن بقي عليه حكم الأمور الدنيوية فإنه لم يتعرض لها في التوجيه كما هو ظاهر منه. وفرق القرافي بين المذكورات لا الحكم حيث أجاز العمل به في الأمور الدنيوية، وأوجبه في الفتوى والشهادة فقال: "ومعنى قولي: اتفقوا على أنه حجة في الدنيويات: أنه يجور الاعتماد على قول العدل في الأسفار، وارتكاب الأخطار إذا أخبر أنها مأمونة، وكذلك سقي الأدوية ومعالجة المرضى وغير ذلك من أمور الدنيا، ويجوز، بل يجب الاعتماد على قول المفتي وإن كان قوله لا يفيد عند المستفتين إلا الظن، ولذلك

стр. 252

أجمعت الأمة على أن الحاكم يجب عليه أن يحكم بقول الشاهدين، وإن لم يحصل عنده إلا الظن"١. قلت: التفصيل الذي ذكره القرافي أولى، لأن العمل بالأحكام واجب، أما العمل به في الأمور الدنيويه، فأصله الجواز ما لم يترتب عليه حكم شرعي كما إذا أخبر طبيب مريضاً أنه إذا لم يستعمل العلاج أدى ذلك إلى هلاكه، فإنه يجب عليه العمل بقوله، لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٢. فالمريض إذا لم يأخذ بقول الطبيب العارف عرض نفسه للتهلكة لعدم أخذه بالأسباب المأمور بها شرعاً، والله تعالى أعلم.

стр. 253

الفصل الرابع: في حكم قبول خبر الواحد في الحدود ذهبت الشافعية والحنابلة وأبو يوسف وأبو بكر الرازي من الحنفية، وأكثر الناس إلى قبول خبر الواحد في كل ما يوجب الحد، ويسقط بالشبهة١. وقال صاحب التحرير: "ومنعه الكرخي وأبو عبد الله البصريَ وأكثر الحنفية٢،وما ذكره من قوله: "وأكثر الحنفية" يعكره ما قال الراهوي وهو: "ما يندريء بالشبهات كالحدود والكفارات ذهب جمهور العلماء وأكثر أصحابنا إلى أن إثبات الحدود بأخبار الآحاد جائز، وهو المنقول عن أبي يوسف في الأمالي، واختاره الجصاص، وتبعه المصنف، وذهب الكرخي إلى أنه لا يجوز، وإليه مال فخر الإسلام وشمس الأئمة وصاحب التنقيح"٣.

стр. 254

استدل المانعون بأن في اتصال الخبر بالنبي ﷺ شبهة، وهي احتمال الكذب، فلا يقام الحد به لحديث "ادرؤوا الحدود بالشبهات" أخرجه أبو حنيفة١.

стр. 255

وخبر الواحد إنما يفيد الظن. وعدم إفادة القطع شبهة فيدرأ بها الحد١. ويجاب عن الحديث الذي استدلوا به بأن كل طرقه ضعيفة. وأيضاً أن المراد بالشبهة التي يُدْرَأُ بها الحد: الشبهة في نفس السبب، لا المثبتة للسبب وإلا لو كان المراد بها الشبهة في مثبت السبب لانتفت الشهادة وظاهر الكتاب في الحدود لانتفاء القطع فيها، إذ احتمال الكذب في الشهادة، واردة غير ظاهر الكتاب فيه تخصيص وإضمار ومجاز قائم لكن الحد يجب بها اتفاقاً٢. استدل الجمهور بما يأتي: ١- قالوا: خبر عدل ضابط جازم روى في حكم عملي، فتقبل روايته في الحدود كما تقبل في غير الحدود من العمليات. ٢- أن الاتفاق حاصل على ثبوت الحدود بالبينات، وهي أخبار آحاد، فكذلك تثبت بخبر العدل، ولا يلتفت إلى احتمال الكذب فيه، كما لا يلتفت إلى احتمال الكذب في البينات.

стр. 256

ويدل على عدم الالتفات إلى احتمال الكذب في البينات حديث أم سلمة أن النبي ﷺ قال: " إنما أنا بشر١وإنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" ٢. فهذا الحديث كما ترى نص في ورود الاحتمال في البينات، وأن الاحتمال فيها لا يمنع من إيجاب الحكم بها كما هو محل الاتفاق، فيكون إيجاب الحدود بما ثبت عن النبي ﷺ أولى.

стр. 257

قال ابن حجر: "والحديث حجة لمن أثبت أنه قد يحكم بالشيء في الظاهر ويكون الأمر في الباطن بخلافه، ولا مانع من ذلك إذ لا يلزم محال عقلاً ولا نقلاً"١. ٣- استدلوا "بدلالة النص الذي ورد في زنا ماعز، فإن حد الزنا ثابت في غير ماعز بدلالة هذا النص مع أنه فيه شبهة"٢. "ولا عبرة بالشبهة بعد ما ثبت كون الحديث حجة على الإطلاق بالدلائل القطعية"٣. ٤- المشهور جواز القياس في الحدود قال الأزميري: "وقد يستدل عليه بما أوجب أبو يوسف حد الزنا باللواط بدلالة نص الزنا، مع أن مواضع الشبهة مخصوصة عنه، والعام المخصوص دليل فيه شبهة، والدلالة الظنى ظنى أيضاً –هكذا-،فإذا جوز إثباته فبالخبر الواحد أولى، إذ القياس يعارض العام المخصوص دون الخبر الواحد"٤. وعقده صاحب المراقي بقوله:

стр. 258

والحدوالكفارة التقدير ... جوازه فيها هو المشهور والضمير في"جوازه" راجع إلى القياس وإذا جاز فيها القياس فخبر الواحد أولى منه ١. ٥- "أن الحدود شرع عملي من الشرائع فجاز إثباتها بخبر الواحد كسائر الشرائع، واحتمال مجرد الشبهة مع صحة الخبر غير معتبر في سقوط الحدود، إذ لو كان ذلك الاحتمال شبهة، لكان احتمال كذب الشاهد وغلطه ونسيانه على ما شهد به شبهة"٢. والحق الذي يجب اتباعه هو: قبول الخبر متى صح وسلم من معارض راجح سواء كان في الحدود، أم في غيرها، لأن ذلك هو مقتضى ما دل عليه ظاهر القرآن الكريم والسنة المطهرة، وإجماع السلف الصالح، فلا يعدل عن العمل بالحديث الصحيح إلا لدليل أقوى منه، والله تعالى أعلم.

стр. 259

الفصل الخامس: خبر الواحد وعمل أهل المدينة مقدمة حظيت المدينة بما لم تحظ به مدينة أخرى، فقد اختارها الله دار هجرة النبيصلى الله عليه وسلم ومهبط الوحي وموضع قبره، ومستقرّ الإسلام، ومجمع الصحابة، وفيها نزل أكثر الأحكام الشرعية، وفيها بدأ تطبيق الأحكام في العبادات، والمعاملات من صلاة، وزكاة، وصيام، وحج، وبيع، وأنكحة ومواريث، وجهاد، وحدود، وأقضية، إلى غير ذلك من أحكام الشرع إلى أن أكمل الله الدين الإسلامي للأمة الإسلامية. ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتلقون تلك الأحكام من رسول الله ﷺ مدة حياته في حله وترحاله وفي جميع أوقاته، فكانوا أشد الناس حرصاً على اتباعه في كلّ ما يصدر عنه ﷺ ،إذ كان بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعون، ويسن لهم فيتبعون حتى توفاه الله، واختار له ما عنده، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته١.ثم

стр. 260

كان لتلك الصحبة ما ميز المجتمع المدني عن غيره، بما اكتسبه من علم وأدب وأخلاق، أخذها أصحاب ذلك المجتمع من رسول الله ﷺ قولاً وفعلاً. وطبيعي أن يستوطن المدينة من الصحابة زمن النبي ﷺ ما لم يستوطن غيرها، وكان في مقدّمتهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، كما كانت المدينة مجتمع الصحابة في عصر الخلفاء الراشدين، خصوصاً أهل السبق والشورى الذين كان الخليفة يستبقيهم عنده عوناً له على تدبير شؤون الأمة الإسلامية، واستعانة بعلمهم، واسترشاداً بآرائهم ومشورتهم، وقد استمرّوا على ذلك إلى أن انتقل بعضهم إلى الأمصار الإسلامية بعد وفاة عمر ﵃ أجمعين-، فلا عجب أن تكون المدينة أغنى من أي مصر آخر في الحديث، فالنبي ﷺ كان فيها أكثر أيام التشريع، كما كان فيها الخلفاء الراشدون، وكانت حاضرة الخلافة في أيام ثلاثة منهم تصدر منها الآراء في المسائل الفقهية، كما كان المدنيّون أكثر الناس تمكناً من مشاهدة التشريع العملي، فهم أعرف الناس بما كان يفعله النبي ﷺ في وضوئه وصلاته، وما كما يحكم به، وما كان يفعله كبار الصحابة. وكان كل جيل يتلقى ذلك عمن قبله، فأخذ التابعون عن الصحابة وبعض التابعين عن بعض، فكان لتلك الثروة التي توارثوها عن رسول الله ﷺ أثر في تثبيت قواعد الفقه بصفة عامة، وفي الفقه المدني بصفة خاصة.

стр. 261

ومن تلك القواعد عمل أهل المدينة الذين أخذ عنهم مالك بن أنس، وعليهم تعلم وتفقه، فكان فقهه وأصوله يعتمدان على فقه وأصول أهل المدينة، لأنه عاش فيها وعن علمائها أخذ، فكان ﵀-أعلم أهل المدينة بتلك الثروة. قال ابن المديني: نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة وهم: - محمد بن مسلم بن شهاب لأهل المدينة. - وعمرو بن دينار لأهل مكة. - وقتادة بن دعامة السدوسي، وأبو الخطاب، ويحيى بن أبي كثير، وأبو نصر لأهل البصرة. - وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن عبيد، وسليمان بن مهران لأهل الكوفة ثم إن علم هؤلاء صار لأصحاب التصانيف ممن صنف، وكان لأهل المدينة مالك بن أنس١. وقال: "وأصحاب زيد بن ثابت كانوا يأخذون عنه، ويفتون بفتواه، منهم من لقيه ومنهم من لم يلقه اثنا عشر رجلاً: سعيد بن

стр. 262

المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصمة بن ذؤيب، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وأبان بن عثمان، وعبيد الله بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو سلمة بن عبد الرحمن.... قال: ولم يكن بالمدينة بعد هؤلاء أعلم بهم من ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وأبي الزناد، وبكير بن عبد الله الأشج، ث م لم يكن أحد أعلم بهؤلاء بمذهبهم من مالك ابن أنس"١. ولقد كان اعتبار مالك إجماع أهل المدينة أصلاً من أصول الأحكام اتباعاً لسلفه من أهل المدينة، حيث إن هذا المفهوم ظهر مبكراً، ويدل لذلك ما ذكره القاضي عياض عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: "إذا رأيت أهل المدينة على شيء فاعلم أنه السنة". وقال ابن عمر: "لو أن الناس إذا وقعت فتنة ردوا الأمر فيها إلى أهل المدينة، فإذا أجمعوا على شيء يعني فعلوه صلح الأمر، ولكنهم إذا نعق ناعق تبعه الطاس".

стр. 263

قال: وقال مالك: "كان ابن مسعود يسأل بالعراق عن شيء فيقول فيه، ثم يقدم المدينة، فيجد الأمر على غير ما قال. فإذا رجع لم يحط راحلته ولم يدخل منزله حتى يرجع إلى ذلك الرجل، فيخبره بذلك"١. مثاله: قال يحيى عن مالك عن غير واحد إن عبد الله بن مسعود استفتى وهو بالكوفة عن نكاح الأم بعد الابنة إذا لم تكن الابنة مست، فأرخص في ذلك. ثم إن ابن مسعود قدم المدينة فسأل عن ذلك فأخبر أنه ليس كما قال، وإنما الشرط في الربائب فرجع ابن مسعود إلى الكوفة، فلم يصل إلى منزله حتى أتى الرجل الذي أفتاه بذلك فأمره أن يفارق امرأته. انظر الموطأ مع الزرقاني:٤ ص ٢٨،ط الحلبي. تحقيق إبراهيم عطوه عوض. فسلك مالك طريقهم في اعتبار إجماع أهل المدينة على أنه "ضرب من طريق النقل والحكاية الذي يؤثره الكافة عن الكافة وعملت به عملاً لا يخفى، ونقله الجمهور عن الجمهور عن زمن النبي ﷺ "٢وما كان هذا حاله فهو حجة.

стр. 264

أما مكانة هذا العمل، ومدى تقديم المالكية له على خبر الواحد العدل فهذا ما قصدت بالترجمة له في هذا الفصل، وما أريد أن أبينه إن شاء الله. مكانة عمل أهل المدينة، ومدى تقديمه على خبر الواحد نسب إلى مالك ﵀ تقديم عمل أهل المدينة على خبر الواحد العدل، لاعتبار أن إجماع أهل المدينة من الصحابة والتابعين حجة. فقيل: ذلك محمول على إجماعهم في المنقولات المستمرّة كالأذان، والإقامة والصاع والمدّ. وقيل محمول على أن روايتهم مقدّمة على رواية غيرهم، وصحح ابن الحاجب التعميم. وهذا الإجماع: إما أنه في مقام إجماع الأمة، وإما أنهم إذا أجمعوا على شيء صار إجماعاً وإن خالفهم غيرهم، خلافاً للجمهور الذين لا يرون الإجماع إلا لمجموع الأمة. واستدل لذلك بما يأتي:

стр. 265

١- قوله ﷺ : "إن المدينة طيبة، تنفي خبثها كما ينفى الكير١ خبث الحديد"، والخطأ خبث وقد نفي عنهم، ونفيه عنهم يوجب متابعتهم٢ كما استدلوا بالأحاديث الدالة على فضل المدينة. وأجيب عن الحديث الذي استدلوا به بأنه وإن دل على خلوص المدينة من الخبث، فليس فيه ما يمنع أن يكون الخارج عنها خالصاً من الخبث ولأن إجماعهم دون غيرهم لا يكون حجة، لأنهم بعض الأمة، وبأن تخصيصها بالذكر في الحديث وغيره من الأحاديث الدالة على فضلها

стр. 266

إنما هو لبيان شرفها، وما اشتملت عليه من صفات موجبة لذلك، ولا تأثير للبقاع في الإجماع١. ٢- أن المدينة دار هجرة النبي ﷺ ، وموضع قبره، ومهبط وحيه، ومستقرّ الإسلام، ومجمع الصحابة، وفيها خرج العلم، ومنها صدر، فلا يجوز أن يخرج الحق عن قولها٢. وأجيب عنه بأن اشتمالها على تلك الصفات الموجبة لفضلها، لا يدل على انتفاء الفضيلة عن غير أهلها، ولا على الاحتجاج بإجماع أهلها، فمكة اشتملت على أمور موجبة لفضلها كالبيت العظيم، والمقام وزمزم... ولم يدل ذلك على الاحتجاج بإجماع أهلها، لأن الاعتبار بعلم العلماء واجتهاد المجتهدين، وليس للبقاع أثر في ذلك٣.

стр. 267

٣- أن أهل المدينة شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، وكانوا أعرف بأحوال الرسول ﷺ من غيرهم، فوجب أن لا يخرج الحقّ عنهم١. وأجيب عنه بأن شهودهم التنزيل، لا يدل على انحصار أهل العلم فيها، والمعتبرين من أهل الحل والعقد، ومن تقوم الحجة بقولهم، فإنهم كانوا منتشرين في البلاد، ومفترقين في الأمصار، وكلّهم فيما يرجع إلى النظر والاعتبار سواء٢. ٤- قالوا: إنهم شهدوا آخر العمل من النبي ﷺ وعرفوا ما نسخ وما لم ينسخ٣. وأجيب عنه بأن الخارجين من الصحابة عن المدينة شهدوا من ذلك كالذي شهده المقيم بها منهم سواء كعليّ وابن مسعود وأنس وغيرهم ولا فرق٤.

стр. 268

٥- أن من خرج من الصحابة عن المدينة اشتغل بالجهاد. وكان ابن مسعود إذا أفتى بفتيا أتى المدينة فيسأل عنها، فإن أفتى بخلاف فتياه، رجع إلى الكوفة وفسخ ما عمله١. وأجيب عنه بأن الخروج إلى الجهاد لم يمنع من تعليم الدين، فالتعليل به قول باطل، وأما ما وقع من ابن مسعود فإنما جاء في مسألتين فقط، فأمر عمر بفسخ ذلك، وهو الخليفة، فلم يمكن ابن مسعود خلافه٢. ٦- أن رواية أهل المدينة مقدّمة على رواية غيرهم، ولأن أخلافهم تنقل عن أسلافهم، فيخرج نقلهم عن خبر الظن إلى اليقين، فكان إجماعهم حجة على غيرهم٣. وأجيب عنه بأن تمثيلهم الاجتهاد بالرواية في التقديم، تمثيل من غير دليل، موجب للجمع بين الرواية والدراية، لأن الرواية مستندها السماع ووقوع الحوادث المروية عن النبي ﷺ وبحضرته، ولما كان أهل المدينة أعرف بذلك، وأقرب إلى معرفة المروي كانت روايتهم أرجح. وأما

стр. 269

الاجتهاد فطريقه النظر والبحث بالقلب والاستدلال على الحكم، وذلك مما لا يختلف بالقرب والبعد، ولا يختلف باختلاف الأماكن١. ٧- أن من الممتنع أن يخفي حكم النبي ﷺ على الأكثر، وهم الذين بها، ويعلمه الأقل، وهم الخارجون عنها، وأن العادة تقتضي بأن مثل هذا الجمع المنحصر من العلماء الأحقين بالاجتهاد، لا يجمعون إلا عن راجح. فإن قيل لا نسلم بذلك، لأنهم بعض الأمة، ويجوز أن يكون متمسك غيرهم راجحاً، فرب راجح لما يطلع عليه البعض. قلنا لا نقول: العادة قاضية باطلاع الكل، فيرد ذلك، بل اطلاع الأكثر، والأكثر كاف في تتميم الدليل، فإذا وجب اطلاع الأكثر، امتنع أن لا يطلع عليه من أهل المدينة أحد، ويكون ذلك الأكثر غيرهم، وما فيه أحد منهم، والاحتمالات البعيدة لا تنفي الظهور٢. وأجيب عنه بأن ذلك ممكن لو وجدت مسألة رويت من طريق كل من بالمدينة من الصحابة ﵃، وأفتى بها كل من بقي

стр. 270

بالمدينة من الصحابة، وأما ولا يوجد هذا أبداً، ولا في مسألة واحدة، فممكن أن يغيب حكم النبيصلى الله عليه وسلم عن النفر من الصحابة، ويعلمه الواحد والأكثر منهم، وقد يمكن أن الذي حضر ذلك الحكم يخرج عن المدينة، ويمكن أن يبقى بها، ويمكن خلاف ذلك. ولا فرق١. وبالرجوع إلى احتجاج مالك بإجماع أهل المدينة، واستدلاله عليه، نرى أنه يحكى إجماعهم فقط، فيقول في الموطأ: "الأمر المجتمع عليه عندنا كذا، ولم ينقل عنه أن إجماعهم حجة قاطعة لازمة لجميع الأمة، وإنما هو اختيار منه لما رأى عليه العمل، ولذا فإنه كتب إلى الليث بن سعد يقول له: "إنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا، وببلدنا الذي نحن فيه، وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاءهم منك، حقيق بأن تخاف على نفسك، وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه، فإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ

стр. 271

وَالأَنْصَارِ﴾ ١الآية. وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ٢. فإنما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن وأحل الحلال، وحرم الحرام، إذ رسول الله بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه، ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله واختار له ما عنده، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته، ثم قام من بعده أتبعُ الناسِ له من أمته ممن ولي الأمر من بعده، فما نزلت بهم مما علموا أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم، وإن خالفهم مخالف، أو قال: امرؤ غيره أقوى منه وأولى ترك قوله، وعمل بغيره. ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبيل، ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به، لم أر لأحد خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العمل ببلدنا،

стр. 272

وهذا الذي مضى عليه من مضى منا، لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم"١. فإن قيل: فقد جاء في هذه الرسالة ما يدل على أن مالكاً يرى أن الإجماع هو إجماع أهل المدينة، وذلك في قوله: "إنما الناس تبع لأهل المدينة". أجيب عنه بأن مالكاً لا يرى في هذا تخصيص الإجماع بأهل المدينة، وأن إجماعهم إجماع قاطع لا تجوز مخالفته، وإنما أوضح ﵀ مكانة أهل المدينة، وأنهم قدوة لغيرهم لما اختصوا به من ملازمة رسول الله ﷺ ومشاهدة الوحي وتطبيق الأحكام... وغاية ما يدل عليه أن عمل أهل المدينة حجة عنده، ولا يلزم من كونه حجة عنده أن يكون إجماعاً بمنزلة إجماع الأمة، ولو كان مالك يرى إجماع أهل المدينة لازماً للأمة لما وسعه منع الرشيد من إلزام الناس بالموطأ، حتى قال له: "قد تفرق أصحاب رسول الله ﷺ في البلاد، وصار عند كل طائفة منهم علم ليس عند غيرهم". وهذا يدل على أن عمل أهل المدينة ليس عنده حجة لازمة لجميع الأمة، وإنما هو اختيار منه لما رأى عليه العمل، ولم يقل قط في

стр. 273

موطّئه ولا غيره: "لا يجوز العمل بغيره"، بل يخبر إخباراً مجرداً أن هذا عمل أهل بلده"١. وقد رد القاضي عياض وغيره من علماء المالكية ما نسبه إليهم مخالفوهم مما لم يقولوه. فقال: "اعلموا أكرمكم الله، أن جميع أرباب المذاهب من الفقهاء والمتكلمين وأصحاب الأثر والنظر، أَلْبٌ واحد على أصحابنا على هذه المسألة، مخطئون لنا في زعمهم، محتجون علينا بما سنح لهم حتى تجاوز بعضهم حدّ التعصب والتشنيع إلى الطعن في المدينة وعدّ مثالبها، وهم يتكلمون في غير موضع الخلاف، فمنهم من لم يتصور المسألة، ولا تحقق مذهبنا، فتكلموا فيها على تخمين وحدس، ومنهم من أخذ الكلام فيها من لم يحققه عنا، ومنهم من أطال، وأضاف إلينا ما لا نقوله فيها، كما فعل الصيرفي والمحاملي والغزالي، فأوردوا عنا في المسألة مالا نقوله، واحتجوا علينا بما يحتج به على الطاعنين على الإجماع. وها أنا أفصل الكلام فيها تفصيلاً، لا يجد المنصف إلى جحده بعد تحقيقه سبيلاً، وأبين موضع الاتفاق فيه، والخلاف، إن شاء الله تعالى"٢.

стр. 274

مراتب عمل أهل المدينة، ومتى يقدم العمل على خبر الواحد قال القاضي عياض: "اعلموا أن إجماع أهل المدينة على ضربين: ضرب من طريق النقل والحكاية، الذي تؤثره الكافة عن الكافة وعملت به عملاً لا يخفى، ونقله الجمهور عن الجمهور عن زمن النبي ﷺ ، وهذا منقسم إلى أربعة أقسام: أوّلها: ما نقل شرعاً من جهة النبي ﷺ من قول أو فعل، كالصاع والمدّ، وأنه ﵇ كان يأخذ منهم بذلك صدقاتهم وفطرتهم، وكالأذان والإقامة وترك الجهر بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، وكالوقوف والأحباس. فنقله لهذه الأمور من قوله وفعله كنقل موضع قبره ومسجده ومنبره ومدينته وغير ذلك مما علم ضرورة من أحواله وسيره، وصفة صلاته، من عدد ركعاتها وسجداتها وأشباه هذا. أو نقلهم إقراره ﵇ لما شاهده منهم، ولم ينقل عنهم إنكاره، كنقل عهدة الرقيق وشبه ذلك. أو نقل تركه لأمور، وأحكام لم يلزمهم إياها مع شهرتها لديهم، وظهورها فيهم، كتركه أخذ الزكاة من الخضروات مع علمه ﵇ بكونها عندهم كثيرة. فهذا النوع من إجماعهم في هذه الوجوه حجة يلزم المصير إليها، ويترك ما خالفه من خبر واحد، أو قياس، فإن هذا النقل محقق معلوم،

стр. 275

موجب العلم القطعي، فلا يترك لما توجبه غلبة الظنون، وإلى هذا رجع أبو يوسف وغيره من المخالفين، ممن ناظر مالكاً، وغيره من أهل المدينة في مسألة الأوقاف والمد والصاع، حين شاهد هذا النقل وحققه. ولا يجب لمنصف أن ينكر الحجة هنا، وهذا الذي تكلم عليه مالك عن أكثر شيوخنا، ولا خلاف في صحة هذا الطريق، وكونه حجة عند العقلاء، وتبليغه العلم يدرك ضرورة، وإنماخالف في تلك المسائل من أهل المدينة من لم يبلغه النقل الذي بها. قال القاضي عبد الوهاب: "ولا خلاف بين أصحابنا في هذا، ووافق عليه الصيرفي١وغيره من أصحاب الشافعي، كما حكاه الآمدي، وقد خالف بعض الشافعية عناداً، ولا راحة للمخالف في قوله: إن ما هذا سبيله، فهم وغيرهم من أهل الآفاق من البصرة، والكوفة، ومكة

стр. 276

سواء، إذ قد نزل هذه البلاد وكان بها جماعة من الصحابة، ونقلت السنن عنهم، والخبر المتواتر من أي وجه ورد، لزم المصير إليه، ووقع العلم به، فصارت الحجة في النقل، فلم تختص المدينة بذلك، وسقطت المسألة، وهذه من أقوى عمدهم. فتقول لهم: كذلك نقول لو تصورت المسألة في حق غيرهم، لكن لا يوجد مثل هذا النقل كذلك عند غيرهم، فإن شرط نقل التواتر تساوي طرفيه ووسطه، وهذا موجود في أهل المدينة، ونقلهم الجماعة عن الجماعة عن النبي ﷺ ، أو العمل في عصره، وإنما ينقل أهل البلاد غيرها عن جماعتهم، حتى يرجعوا إلى الواحد أو الاثنين من الصحابة، فرجعت المسألة إلى خبر الآحاد، وبالحري أن تفرض المسألة في عمل أهل مكة في الأذان، ونقلهم المتواتر عن الأذان بين يدي النبي ﵇ بها، لكن يعارض هذا آخر أمر من رسول الله ﷺ ، والذي مات عليه بالمدينة، ولهذا قال مالك لمن ناظره في المسألة: ما أدري أذان يوم وليلة، هذا مسجد رسول الله ﷺ يؤذن فيه من عهده، ولم يحفظ عن أحد إنكار على مؤذن فيه. النوع الثاني: إجماعهم على العمل من طريق الاجتهاد والاستدلال، وهذا النوع اختلف فيه أصحابنا. فذهب معظمه إلى أنه ليس بحجة، ولا فيه ترجيح، وهذا قول كبراء البغداديين: منهم ابن بكير، وأبو يعقوب الرازي، وأبو الحسن بن

стр. 277

المنتاب، وأبو الحسن بن القصار، قالوا: لأنهم بعض الأمة، والحجة إنما هي لمجموعها، وهو قول المخالفين أجمع. ولهذا ذهب القاضي أبو بكر بن الخطيب وغيره، وأنكر هؤلاء أن يكون مالك يقول هذا، أو أن يكون مذهبه، ولا الأئمة أصحابه، وذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة، ولكن يرجح به على اجتهاد غيرهم، وهو قول جماعة من متفقهيهم، وبه قال بعض الشافعية، ولم يرتضه القاضي أبو بكر، ولا محققو أئمتنا وغيرهم. وذهب بعض المالكية إلى أن هذا النوع حجة كالنوع الأول، وحكوه عن مالك. قال القاضي أبو نصر: "وعليه يدل كلام أحمد بن المعدل، وأبي مصعب، وإليه ذهب القاضي أبو الحسين بن عمر من البغداديين، وجماعة من المغاربة من أصحابنا، ورآه مقدّماً على خبر الواحد والقياس، وأطبق المخالفون أنه مذهب مالك، ولا يصح كذا عنه مطلقاً". قال القاضي أبو الفضل -رحمه الله تعالى-: "ولا يخلو عمل أهل المدينة مع أخبار الآحاد من ثلاثة وجوه: ١- إما أن يكون مطابقاً لها، فهذا آكد في صحتها إن كان من طريق النقل، وترجيحه إن كان من طريق الاجتهاد بلا خلاف في هذا، إذ لا يعارضه هنا إلا اجتهاد آخر بيّن، وقياسهم عند من يقدم القياس على خبر الواحد وإن كان مطابقاً لخبر يعارضه خبر آخر، كان عملهم مرجحاً

стр. 278

لخبرهم، وهو أقوى ما ترجح به الأخبار إذا تعارضت، وإليه ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ومن تبعه من المحققين من الأصوليين، والفقهاء من المالكية وغيرهم. ٢- وإن كان مخالفاً للأخبار جملة، فإن كان إجماعهم من طريق النقل، ترك له الخبر بغير خلاف عندنا في ذلك، وعند المحققين من غيرنا، على ما تقدم، ولا يجب عند التحقيق تصور خلاف في هذا، ولا التفات إليه، إذ لا يترك القطع واليقين لغلبات الظنون، وما عليه الاتفاق لما فيه من الخلاف، كما ظهر هذا للمخالف المنصف فرجع، وهذه نكتة مسألة الصاع والمد والوقوف وزكاة الخضروات وغيرها. ٣- وإن كان اجتماعهم اجتهاداً قدم خبر الواحد عليه عند الجمهور، وفيه خلاف كما تقدم من أصحابنا"١. والذي يتضح من كلام عياض ﵀ أنه قسم عمل أهل المدينة إلى قسمين: قسم اعتبره من طريق النقل المتواتر الذي تؤثره الكافة عن الكافة، وعملت به عملاً لا يخفى، وأنه مبتدأ من رسول اللهصلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، فهذا النوع حجة يلزم اتباعها، وبترك ما خالفها من خبر واحد

стр. 279

أو قياس، لأنه رآه قطعياً موجباً للعلم، فلا يترك لما يوجب غلبة الظنون، ولذا رجع إليه أبو يوسف، وبهذا قال القاضي عبد الوهاب، ووافق عليه الصيرفي من الشافعية. القسم الثاني: ما كان من طريق الاجتهاد والاستدلال، ذكر أنهم اختلفوا فيه، فكان منهم من يرى أنه ليس بحجة، ولا يرجح به، ونسبه إلى أكثر البغداديين، وأنكر أن يكون مذهب مالك، والأئمة من أصحابه تقديمه على الخبر. وقال: إن بعض المالكية يرى أنه حجة كالنوع الأول وحكوا ذلك عن مالك، وأنه مقدم على خبر الواحد والقياس. وصحح ابن الحاجب اعتبار عملهم حجة مطلقاً١ سواء كان من طريق النقل، أو من طريق الاجتهاد، خلافاً للجمهور، وأكثر البغداديين من أصحاب مالك. ولم يتعرض عياض لبيان حال العمل القديم المنقول عن الصحابة -رضى الله عنهم- ولعله ألحقه بالمنقول، لأنه يستحيل "أن يجمعوا على

стр. 280

شيء نقلاً أو عملاً متصلاً من عندهم إلى رسول الله ﷺ ، وأصحابه وتكون السنة الصحيحة الثابتة قد خالفته، هذا من أبين الباطل"١. ووافقه ابن القيم في ما كان نقلاً فقال: "بل نقلهم للصاع والمد والوقوف والأخابر وترك زكاة الخضروات حق، ولم يأت عن رسول الله ﷺ سنة تخالفه البتة. ولهذا رجع أبو يوسف إلى ذلك كله بحضرة الرشيد لما ناظره مالك وتبين له الحقّ، فلا يلحق بهذا عملهم من طريق الاجتهاد، ويجعل ذلك نقلاً متصلاً عن رسول الله ﷺ ،وتترك له السنن الثابتة، فهذا لون وذلك لون، وبهذا التمييز والتفصيل يزول الاشتباه ويظهر الصواب"٢. وقال أيضاً: "وهذا العمل حجة يجب اتباعها، وسنة متلقاة بالقبول على الرأس والعينين، وإذا ظفر العالم بذلك قرت عينه، واطمأنت إليه نفسه"٣. وقال ابن تيمية: "والتحقيق أن مسألة إجماع أهل المدينة، أن منه ما هو متفق عليه بين المسلمين، ومنه ما هو قول جمهور أئمة المسلمين،

стр. 281

ومنه مالا يقول به إلا بعضهم. وذلك أن إجماع أهل المدينة على أربع مراتب: الأولى: ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ ،مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد، وكتركهم صدقة الخضروات، والأحباس. فهذا مما هو حجة باتفاق العلماء. وأما الشافعي وأحمد وأصحابهما، فهذا حجة عندهم بلا نزاع كما هو حجة عند مالك، وذلك مذهب أبي حنيفة وأصحابه. المرتبة الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان ﵁. فهذا حجة في مذهب مالك، وهو المنصوص عن الشافعي. قال في رواية يونس بن عبد الأعلى: "إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء، فلا تتوقف في قلبك ريباً أنه الحق". وكذا ظاهر مذهب أحمد أن ما سنّه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها. المرتبة الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان: كحديثين وقياسين، جهل أيهما أرجح، وأحدهما يعمل به أهل المدينة. فيه نزاع. فمذهب مالك والشافعي، أنه يرجح بعمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يرجح بعمل أهل المدينة، ولأصحاب أحمد وجهان: أحدهما: وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل أنه لا يرجح. الثاني: وهو قول أبي الخطاب وغيره أنه يرجح به.

стр. 282

قيل هذا هو المنصوص عن أحمد، ومن كلامه قال: إذا رأى أهل المدينة حديثاً وعملوا به فهو الغاية، وكان يبني على مذهب أهل المدينة، ويقدّمه على مذهب أهل العراق تقديماً كثيراً١. فهذه مذاهب من نقلت عنهم توافق مالكاً في حجية ما كان نقلاً عن النبي ﷺ ، وما كان من العمل القديم قبل مقتل عثمان ﵁، ويوافقه أغلبهم في ترجيح الخبر على الخبر الآخر بعمل أهل المدينة. أما العمل المتأخر، فالجمهور لا يعتبرونه حجة على غيرهم من العلماء، لأن المدينة لم تجمع علماء المسلمين لا قبل الهجرة، ولا بعدها، لأن العصمة لم تضمن لهم دون غيرهم. المرتبة الرابعة: قال ابن تيمية: العمل المتأخر بالمدينة، فهذا هل هو حجة شرعية يجب اتباعها أم لا؟ فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعية. هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وهو قول المحققين من أصحاب مالك، كما ذكر ذلك القاضي عبد الوهاب في

стр. 283

كتابه أصول الفقه، وغيره، ذكر أن هذا ليس إجماعاً ولا حجة عند المحققين من أصحاب مالك، وربما جعله حجة بعض أهل المغرب من أصحابه، وليس معه للأئمة نص ولا دليل، بل هم أهل تقليد. قلت: ولم أر في كلام مالك ما يوجب جعل هذا حجة، وهو في الموطّأ إنما يذكر الأصل المجتمع عليه عندهم، فهو يحكي مذهبهم. وتارة يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا يصير؟ إلى الإجماع القديم وتارة لا يذكر"١. وقال ابن عقيل: "وعندي أن إجماعهم حجة فيما طريقه النقل، وإنما لا يكون حجة في باب الاجتهاد، لأن معنا مثل ما معهم من الرأي، وليس لنا مثل ما معهم من الرواية، ولاسيما نقلهم فيما تعم به بلواهم، وهم أهل نخيل وثمار، فنقلهم مقدم على نقل غيرهم، لاسيما في هذا الباب"٢. وقال الآمدي: "ولما كان أهل المدينة أعرف بذلك يعني السماع من النبي ﷺ وأقرب إلى معرفة المروي، كانت روايتهم أرجح.

стр. 284

وأما الاجتهاد فطريقه النظر والبحث بالقلب، والاستدلال على الحكم وذلك مما لا يختلف بالقرب والبعد، ولا يختلف باختلاف الأماكن"١. وقال ابن القيم: "وهذا الأصل قد نازعهم فيه الجمهور، وقالوا: عمل أهل المدينة كعمل غيرهم من أهل الأمصار، ولا فرق بين عملهم وعمل أهل الحجاز والشام، فمن كانت السنة معهم، فهم أهل العمل المتبع، وإذا اختلف علماء المسلمين لم يكن عمل بعضهم حجة على بعض، وإنما الحجة اتباع السنة، ولا تترك السنة لكون عمل بعض المسلمين على خلافها، أو عمل بها غيرهم، ولو ساغ ترك السنة لعمل بعض الأمة على خلافها، لتركت السنن، وصارت تبعاً لغيرها، فإن عمل بها ذلك الغير عمل بها وإلا فلا. والسنة هي العيار٢ على العمل، وليس العمل عياراً على السنة. ولم تضمن لنا العصمة قط في عمل مصر من الأمصار، دون سائرها"٣. فكانت المالكية هدفاً لمخالفيهم نتيجة لأخذهم بعمل أهل المدينة، لتوسع بعضهم في هذا الباب حتى قيل عليهم مالم يقولوه.

стр. 285

قال القاضي عياض: "وكثر تحريف المخالف فيما نقل عن مالك، من ذلك سوى ما قدمناه، فحكى أبو بكر الصيرفي وأبو حامد الغزالي أن مالكاً يقول: لا يعتبر إلا إجماع أهل المدينة دون غيره، وهذا مالا يقوله هو، ولا أحد من أصحابه. وحكى بعض الأصوليين أن مالكاً يرى إجماع الفقهاء السبعة بالمدينة إجماعاً، ووجه قوله بأنه لعلهم كان عنده أهل الاجتهاد في ذلك الوقت دون غيرهم، وهذا مالم يقله مالك ولا روي عنه. وحكى بعضهم عنا أنا لا نقبل من الأخبار إلاّ ما صححه عمل أهل المدينة وهذا جهل أو كذب، لم يفرقوا بين قولنا: يرد الخبر الذي في مقابلة عملهم، وبين من لا يقبل منه إلاّ ما وافقه عملهم"١. وعلى أصلهم هذا ردوا كثيراً من أخبار الآحاد لمعارضتها عمل أهل المدينة. منها حديث خيار المجلس الثابت بحديث الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "البيعان بالخيار مالم يتفرقا" ٢ لعمل أهل المدينة بخلافه٣.
следующие страницы →