← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11172

خبر الواحد وحجيته

أحمد بن عبد الوهاب الشنقيطي

Полный текст (362 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ومنه مالا يقول به إلا بعضهم. وذلك أن إجماع أهل المدينة على أربع مراتب: الأولى: ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ ،مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد، وكتركهم صدقة الخضروات، والأحباس. فهذا مما هو حجة باتفاق العلماء. وأما الشافعي وأحمد وأصحابهما، فهذا حجة عندهم بلا نزاع كما هو حجة عند مالك، وذلك مذهب أبي حنيفة وأصحابه. المرتبة الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان ﵁. فهذا حجة في مذهب مالك، وهو المنصوص عن الشافعي. قال في رواية يونس بن عبد الأعلى: "إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء، فلا تتوقف في قلبك ريباً أنه الحق". وكذا ظاهر مذهب أحمد أن ما سنّه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها. المرتبة الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان: كحديثين وقياسين، جهل أيهما أرجح، وأحدهما يعمل به أهل المدينة. فيه نزاع. فمذهب مالك والشافعي، أنه يرجح بعمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يرجح بعمل أهل المدينة، ولأصحاب أحمد وجهان: أحدهما: وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل أنه لا يرجح. الثاني: وهو قول أبي الخطاب وغيره أنه يرجح به.

стр. 282

قيل هذا هو المنصوص عن أحمد، ومن كلامه قال: إذا رأى أهل المدينة حديثاً وعملوا به فهو الغاية، وكان يبني على مذهب أهل المدينة، ويقدّمه على مذهب أهل العراق تقديماً كثيراً١. فهذه مذاهب من نقلت عنهم توافق مالكاً في حجية ما كان نقلاً عن النبي ﷺ ، وما كان من العمل القديم قبل مقتل عثمان ﵁، ويوافقه أغلبهم في ترجيح الخبر على الخبر الآخر بعمل أهل المدينة. أما العمل المتأخر، فالجمهور لا يعتبرونه حجة على غيرهم من العلماء، لأن المدينة لم تجمع علماء المسلمين لا قبل الهجرة، ولا بعدها، لأن العصمة لم تضمن لهم دون غيرهم. المرتبة الرابعة: قال ابن تيمية: العمل المتأخر بالمدينة، فهذا هل هو حجة شرعية يجب اتباعها أم لا؟ فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعية. هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وهو قول المحققين من أصحاب مالك، كما ذكر ذلك القاضي عبد الوهاب في

стр. 283

كتابه أصول الفقه، وغيره، ذكر أن هذا ليس إجماعاً ولا حجة عند المحققين من أصحاب مالك، وربما جعله حجة بعض أهل المغرب من أصحابه، وليس معه للأئمة نص ولا دليل، بل هم أهل تقليد. قلت: ولم أر في كلام مالك ما يوجب جعل هذا حجة، وهو في الموطّأ إنما يذكر الأصل المجتمع عليه عندهم، فهو يحكي مذهبهم. وتارة يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا يصير؟ إلى الإجماع القديم وتارة لا يذكر"١. وقال ابن عقيل: "وعندي أن إجماعهم حجة فيما طريقه النقل، وإنما لا يكون حجة في باب الاجتهاد، لأن معنا مثل ما معهم من الرأي، وليس لنا مثل ما معهم من الرواية، ولاسيما نقلهم فيما تعم به بلواهم، وهم أهل نخيل وثمار، فنقلهم مقدم على نقل غيرهم، لاسيما في هذا الباب"٢. وقال الآمدي: "ولما كان أهل المدينة أعرف بذلك يعني السماع من النبي ﷺ وأقرب إلى معرفة المروي، كانت روايتهم أرجح.

стр. 284

وأما الاجتهاد فطريقه النظر والبحث بالقلب، والاستدلال على الحكم وذلك مما لا يختلف بالقرب والبعد، ولا يختلف باختلاف الأماكن"١. وقال ابن القيم: "وهذا الأصل قد نازعهم فيه الجمهور، وقالوا: عمل أهل المدينة كعمل غيرهم من أهل الأمصار، ولا فرق بين عملهم وعمل أهل الحجاز والشام، فمن كانت السنة معهم، فهم أهل العمل المتبع، وإذا اختلف علماء المسلمين لم يكن عمل بعضهم حجة على بعض، وإنما الحجة اتباع السنة، ولا تترك السنة لكون عمل بعض المسلمين على خلافها، أو عمل بها غيرهم، ولو ساغ ترك السنة لعمل بعض الأمة على خلافها، لتركت السنن، وصارت تبعاً لغيرها، فإن عمل بها ذلك الغير عمل بها وإلا فلا. والسنة هي العيار٢ على العمل، وليس العمل عياراً على السنة. ولم تضمن لنا العصمة قط في عمل مصر من الأمصار، دون سائرها"٣. فكانت المالكية هدفاً لمخالفيهم نتيجة لأخذهم بعمل أهل المدينة، لتوسع بعضهم في هذا الباب حتى قيل عليهم مالم يقولوه.

стр. 285

قال القاضي عياض: "وكثر تحريف المخالف فيما نقل عن مالك، من ذلك سوى ما قدمناه، فحكى أبو بكر الصيرفي وأبو حامد الغزالي أن مالكاً يقول: لا يعتبر إلا إجماع أهل المدينة دون غيره، وهذا مالا يقوله هو، ولا أحد من أصحابه. وحكى بعض الأصوليين أن مالكاً يرى إجماع الفقهاء السبعة بالمدينة إجماعاً، ووجه قوله بأنه لعلهم كان عنده أهل الاجتهاد في ذلك الوقت دون غيرهم، وهذا مالم يقله مالك ولا روي عنه. وحكى بعضهم عنا أنا لا نقبل من الأخبار إلاّ ما صححه عمل أهل المدينة وهذا جهل أو كذب، لم يفرقوا بين قولنا: يرد الخبر الذي في مقابلة عملهم، وبين من لا يقبل منه إلاّ ما وافقه عملهم"١. وعلى أصلهم هذا ردوا كثيراً من أخبار الآحاد لمعارضتها عمل أهل المدينة. منها حديث خيار المجلس الثابت بحديث الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "البيعان بالخيار مالم يتفرقا" ٢ لعمل أهل المدينة بخلافه٣.

стр. 286

وأجاب القاضي عياض عن هذه الدعوى "بأن قول مالك هذا ليس مراده به ردّ البيعين بالخيار، وإنما أراد بقوله ما قال في بقية الحديث وهذا قوله: "إلا بيع الخيار" فأخبر أن بيع الخيار ليس له حد عندهم، لا يتعدى إلاّ قدر ما تختبر فيه السلعة، وذلك يختلف باختلاف المبيعات فيرجع فيه إلى الاجتهاد، والعوائد في البلاد وأحوال المبيع. وإنما ترك العمل بالحديث لغير هذا، بل تأول التفرق فيه بالقبول وعقد البيع، وأن الخيار لهما ما داما متراوضين ومتساومين. وهذا هو المعنى المفهوم من المُتَفَاعِلَيْنِ، وهما المتكلفان للأمر الساعيان فيه، وهذا يدلّ أنه قبل تمامه، ويعضده قوله: "لا يبع أحدكم على بيع أخيه "، وهذا أيضاً في المُتَسَاوِمَيْنِ. فقد سماه بيعاً قبل تمامه وانعقاده. وقال بعض أصحاب الحديث: منسوخ بقوله في الحديث الآخر "إذا اختلف المتبايعان، فالقول ما قال البائع، ويترادان" ١،ولو كان لهما الخيار لما احتاجا إلى تحالف وتخاصم، وقد يكون قول مالك عن طريق

стр. 287

الترجيح لأحد الخبرين بمساعدة عمل أهل المدينة لما خالفهم كما تقدم. وقد قال بالخيار والعمل به كثير من أصحابنا ابن حبيب"١. وأجيب عنه بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأن الترجيح لا يصار إليه ما أمكن الجمع، وهو هنا ممكن بين الأدلة المذكورة من غير تعسف ولا تكلف٢. قال ابن عبد البر: "أجمع العلماء على ثبوت هذا الحديث، وقال به أكثرهم، وردّه مالك وأبو حنيفة وأصحابهما، ولا أعلم أحداً ردّه غيرهم". وقال بعض المالكية: رفعه مالك بإجماع أهل المدينة على ترك العمل به، وذلك أقوى عنده من خبر الواحد كما قال أبو بكر بن عمرو ابن حزم: إذا رأيت أهل المدينة أجمعوا على شيء فاعلم أنه الحق. وقال بعضهم: لا تصحّ هذه الدعوى، لأن سعيد بن المسيب وابن شهاب روي عنهما نصاً ترك العمل به، وهما من أجل فقهاء المدينة ولم يرد عن أحد من أهلها نصاً ترك العمل به إلا عن مالك وربيعة بخلف عنه، وأنكر ابن أبي ذئب، وهو من فقهائها في عصر مالك عليه ترك

стр. 288

العمل به حتى جرى في ذلك قول فحش، حمله عليه الغضب لم يحسن مثله عنه، وهو قوله: من قال: البيعان بالخيار حتى يتفرقا، استتيب"١. وذكر ابن حجر "أنه قال به ابن عمر ثم سعيد بن المسيب ثم الزهري ثم ابن أبي ذئب كما مضى. وهؤلاء من أكابر علماء أهل المدينة في أعصارهم ولا يحفظ عن أحد من علماء المدينة القول بخلافه سوى ربيعه"٢. يتضح مما تقدم أن مالكاً ﵀ لم يترك العمل بالحديث في إثبات خيار المجلس، لأن أهل المدينة أجمعوا على عدم إثبات خيار المجلس، وإنما ترك العمل بخيار المجلس، لأنه أول التفرق الوارد في الحديث بالتفرق بالأقوال، وعلى هذا فهو خارج عن الموضوع، لأنه ليس من باب تقديم عمل أهل المدينة على خبر الواحد، ويؤيد ذلك ما سبق نقله عن القاضي عياض من أن مالكاً إنما أراد أن بيع الخيار ليس له حد عندهم لا يتعداه إلا بقدر ما تختبر فيه السلعة، وذلك يختلف باختلاف المبيعات، فيرجع فيه إلى الاجتهاد والعوائد في البلاد وأحوال المبيع، وذكر أن أئمة المالكية فسروا التفرق في الحديث بالتفرق بالأقوال وعقد البيع.

стр. 289

وأما ما نقل عن بعض المالكية من أن مالكاً ترك العمل بالحديث لإجماع أهل المدينة على ترك العمل به، وذلك عنده أقوى من خبر الواحد. فهو منقوض من وجهين: الأول: ما تقدم من أنه إنما تركه لتفسيره التفرق في الحديث بالتفرق بالأقوال. الثاني: أنه كيف يدعي إجماع أهل المدينة على ترك العمل بالحديث مع مخالفة من ذكروا؟ وقد اشتد إنكار ابن عبد البر وابن العربي على من زعم من المالكية أن مالكاً ترك العمل به لكون عمل أهل المدينة على خلافه. قال ابن عبد البر: "إنما يأخذ به مالك، لأن وقت التفرق غير معلوم فأشبه بيوع الغرر كالملامسة"١. ومنها: ردهم للأخبار الواردة في السجود في ثانية الحج عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢. وفي السجدة التي في آخر

стр. 290

سورة النجم عند فوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ ١. وفي التي في إذا السماء انشقت عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ ٢،ولا في القلم عند قوله تعالى،: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ ٣، تقديماً لعمل أهل المدينة على الأخبار الواردة فيها. وادعوا أن الأخبار الواردة فيها منسوخة لعدم عمل أهل المدينة بها. قال الدردير بعد أن ذكر مواضع سجود التلاوة: "لا ثانية الحج عند قوله تعالى: واركعوا واسجدوا إلخ، ولا في النجم لعدم سجود فقهاء المدينة وقرائها فيها،ولا في الانشقاق ولا القلم، ت قديم للعمل على الحديث لدلالته على نسخه".

стр. 291

قال الدسوقي: "قوله تقديماً للعمل أي عمل أهل المدينة في ترك السجود في هذه المواضع الأربعة. وقوله على الحديث أي الدال على طلب السجود فيها"١. قال الأبي عند الكلام على قول خليل في مختصره في قوله: "لا ثانية الحج والنجم والانشقاق والقلم" لعدم سجود فقهاء المدينة وقرائها فيها، وعملهم مقدّم على الحديث الصحيح، لدلالته على نسخه عند تعارضهما، لأنهم أعلم الأمة بآخر ما كان عليه الرسول ﷺ وأشدها حرصاً على اتباعه ﷺ "٢. واستدل الخرشي على عدم السجود فيها بما نقله عن الذخيرة من "أن إجماع فقهاء المدينة وقرائها على ترك السجود فيها مع تكرر القراءة ليلاً ونهاراً يدلّ على النسخ إذ لا يجمعون على ترك سنة ... قال: تقديماً للعمل على الحديث"٣.

стр. 292

وحمل الأخبار الواردة فيها على النسخ عند مالك، وأن الذي استقر من أمره ﷺ إحدى عشرة سجدة١. وأيدوا ذلك بما رواه أبو داود عن ابن عباس أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل٢ منذ تحول إلى المدينة٣. وبما ورد من إنكار أبي سلمة وأبي رافع على أبي هريرة لما سجد في "إذا السماء انشقت"،حتى قال له أبو سلمة: "لقد سجدت في سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها"،فدل على أن الناس تركوه، وجرى العمل على تركه"٤.

стр. 293

ويجاب عمّا استدلوا به بما يأتي: أمّا عن دعوى الإجماع، فيجاب عنها بما رواه أبو عمر بما حاصله: "أي عمل يدعى مع مخالفة المصطفى ﷺ والخلفاء الراشدين بعده"١. وأما دعوى النسخ فإن إثبات النسخ يحتاج إلى دليل، ولم يذكروا من الدليل غير ما ادعوه من إجماع أهل المدينة، وسبق آنفاً ما ورد من قول أبي عمر: "أي عمل يدعى مع مخالفة المصطفىصلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده". وأما استدلالهم بأنهم أعلم الأمة بآخر ما كان عليه ﷺ بحرصهم على اتباعه، فذلك لا يثبت نسخ ما ثبت عنه ﷺ ، ولا يكفي لردّه. ويدلّ لذلك عدم معارضة أبي سلمة وأبي رافع لأبي هريرة حين بين لهما السنة في ثبوت السجود في ﴿إذا السماء انشقت﴾ وذلك يدل على عدم إجماع أهل المدينة، إذ كيف يتصوّر إجماع أهل المدينة مع مخالفة الخلفاء الراشدين؟ اللهم إلا أن يراد إجماع فقهائها وقرائها، غير الصحابة، وهم حينئذٍ بعض الأمة، وذلك لا ينسخ ما ثبت عن النبي ﷺ مما رواه مالك ﵀ وغيره عن الصحابة من السجود فيها، مما سأورده- إن شاء الله- أثناء الجواب عمّا استدلوا به هنا.

стр. 294

وأما حديث ابن عبّاس ﵄،فيجاب عنه بأن المحدثين ضعفوه "لضعف في بعض رواته، واختلاف في بعض إسناده، وعلى تقرير ثبوته، فالمثبت مقدّم على النافي"١،ويدل على ذلك ما رواه مالك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن "أن أبا هريرة قرأ لهم: إذا السماء انشقت، فسجد فيها، فلمّا انصرف أخبرهم أن رسول الله ﷺ سجد فيها"٢،وفي لفظ عند البخاري "لو لم أر النبي ﷺ يسجد لم أسجد"٣. ويجاب عن إنكار أبي سلمة وأبي رافع السجود على أبي هريرة بأنهما لم ينازعاه بعد أن أعلمهما بالسنة في هذه المسألة. قال ابن عبد البر: "أي عمل يدعى مع مخالفة النبي ﷺ ،والخلفاء الراشدين بعد"٤. وأما ما استدلوا به من قول مالك٥ ﵀ الأمر عندنا أن

стр. 295

عزائم١ سجود القرآن إحدى عشرة سجدة٢، ليس في المفصل منها شيء، وفي رواية لابن بكير وغيره: الأمر المجمع عليه عندنا٣. فيجاب عنه بما نقله المواق عن القاضي عبد الوهاب من أن مالكاً "لم يمنع السجود في المفصل، وإنما منع أن يكون من عزائم السجود التي يعزم على الناس في السجود فيها، ومن أحكام ابن العربي: ثبت في الصحيح أن أبا هريرة قرأ إذا السماء انشقت فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله ﷺ سجد فيها. وقد قال مالك: إنها ليست من عزائم السجود، والصحيح أنها منه، وهي رواية المدنيين عنه، وقد اعتضد فيها القرآن والسنة"٤.

стр. 296

وحتى يتضح عدم الإجماع على عدم السجود فيها، فإنني أسوق من النصوص وأقوال العلماء ما يثبت السجود فيها لكل طالب علم منصف إن شاء الله. ١ قال الربيع١: "قلت للشافعي: فإنا نقول: اجتمع الناس على أن سجود القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء". فقال الشافعي: "إنه يجب عليكم أن لا تقولوا: اجتمع الناس إلا لما إذا لقي أهل العلم، فقيل لهم: اجتمع الناس على ما قلتم إنهم اجتمعوا عليه، قالوا: نعم، وكان أقل قولهم لك أن يقولوا: لا نعلم من أهل العلم مخالفاً فيما قلتم اجتمع الناس عليه، فإما أن تقولوا: اجتمع الناس وأهل المدينة معكم يقولون: ما اجتمع الناس على ما زعمتم أنهم اجتمعوا عليه، فأمران أسأتم النظر بهما لأنفسكم: في التحفظ في الحديث، وأن تجعلوا السبيل إلى من سمع قولكم اجتمع الناس إلى ردّ قولكم، ولاسيما إن كنتم إنما أنتم معتضدون على علم مالك -رحمنا الله وإياه-، وكنتم تروون عن النبي ﷺ

стр. 297

أنه سجد في "إذا السماء انشقت" وأن أبا هريرة سجد فيها، ثم تروون عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر من يأمر القراء أن يسجدوا فيها"١. ٢ أخرج مالك في موطّئه، والبخاري في صحيحه، في سجود ﴿إذا السماء انشقت﴾ ، واللفظ لمالك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قرأ هم ﴿إذا السماء انشقت﴾ ،فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله ﷺ سجد فيها"٢، زاد البخاري قلت: "يا أبا هريرة، ألم أرك تسجد؟ " قال: "لو لم أر النبي ﷺ يسجد لم أسجد"٣. والحديث كما ترى نص صريح في ثبوت السجود في ﴿إذا السماء انشقت﴾ " وأن النبي ﷺ سجد فيها بالمدينة، لتصريح أبي هريرة بذلك، ولأنه ﵁ إنما أسلم بالمدينة. ٣ وأخرج مالك أيضاً عن ابن شهاب عن الأعرج "أن عمر بن الخطاب قرأ بالنجم إذا هوى، فسجد فيها، ثم قام فقرأ سورة أخرى"٤.

стр. 298

قال الباجي: "فذهب مالك إلى أنها ليست من عزائم السجود، وذهب ابن وهب وابن حبيب إلى أنها من عزائم السجود، وبه قالت أبو حنيفة، والشافعي. ووجه ما تعلق به مالك: ما روى عن زيد بن ثابت "قرأت على النبي ﷺ النجم، فلم يسجدفيها". ووجه ما قاله ابن وهب: "ما روى عن عبد الله بن مسعود: "أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم فسجد فيها، فما بقي أحد من القوم إلا سجد"، فأخذ رجل من القوم كفا من حصى وتراب، فرفعه إلى وجهه وقال: يكفيني هذا. قال عبد الله: "لقد رأيته قتل بعد كافراً". وما تعلق به ابن وهب أجرى على أصولها، لأن قول مالك ﵀: "إن سجود التلاوة ليس بواجب، ولا يمنع أن يمسك النبي ﷺ عن السجود حين رآه زيد بن ثابت ترك السجود، ليرى ترك جواز السجود، ويعلم أنه ليس بواجب، وقد فعل ذلك عمر ابن الخطاب، ويحتمل أن يترك ذلك، لأنه لم يكن على طهارة"١.

стр. 299

٤ قال النووي: "وأما قوله: وزعم١ أنه قرأ على رسول الله ﷺ والنجم فلم يسجد، فاحتج به مالك -رحمه الله تعالى- ومن وافقه في أنه لا سجود في المفصل، وأن سجدة النجم، وإذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك منسوخة بهذا الحديث، أو بحديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ ، لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة". وهذا مذهب ضعيف، فقد ثبت حديث أبي هريرة ﵁ المذكور بعده٢ في مسلم. قال: "سجدنا مع رسول الله ﷺ في إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك"، وقد أجمع العلماء على أن إسلام أبي هريرة ﵁ كان سنة سبع من الهجرة فدل على السجود في المفصل بعد الهجرة. وأما حديث ابن عباس ﵄ فضعيف الإِسناد، لا يصح الاحتجاج به. وأما حديث أبي زيد٣ فمحمول على بيان جواز ترك السجود، وأنه سنة، ليس بواجب. ويحتاج إلى هذا التأويل للجمع بينه وبين حديث أبي هريرة٤.

стр. 300

٥ وأخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "قرأ النبي ﷺ النجم بمكة، فسجد فيها، وسجد من معه، غير شيخ أخذ كَفًّا من حصى" الحديث١. ٦ قال ابن حجر: "وروى البزار والدارقطني من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ سجد في سورة النجم، وسجدنا معه ". الحديث رجاله ثقات. وروى ابن مردويه في التفسير بإسناد حسن عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه رأى أبا هريرة يسجد في خاتمة النجم، فسأله فقال: "إنه رأى رسول الله ﷺ يسجد فيها "٢. وأبو هريرة إنما أسلم بالمدينة. وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن الأسود بن يزيد عن عمر أنه سجد في إذا السماء انشقت. ومن طريق نافع عن ابن عمر أنه سجد

стр. 301

فيها. وفي هذا ردّ على من زعم أن عمل أهل المدينة استمر على ترك السجود في المفصل"١. ٧ أخرج مالك عن نافع مولى ابن عمر أن رجلاً من أهل مصر أخبره أن عمر بن الخطاب قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين، ثم قال: "إنّ هذه السورة فضلت بسجدتين"٢. ٨ روى مالك أيضاً عن عبد الله بن دينار أنه قال: "رأيت عبد الله بن عمر يسجد في سورة الحج سجدتين"٣. ٩ قال الشافعي: "أخبرنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، أن عمر بن الخطاب صلى بهم بالجابية بسورة الحج فسجد فيها سجدتين. فقلت للشافعي: فإنا لا نسجد فيها إلا سجدة واحدة. فقال الشافعي: فقد خالفتم ما رويتم عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر معا، فكيف تتخذون قول عمر وحده حجة، وابن عمر وحده حجة حتى تردوا بكل واحد منهما السنة، وتبنون عليهما عدداً من الفقه ثم تخرجون عن قولهما لرأي أنفسكم؟ "٤.

стр. 302

والذي ظهر لي أن مالكاً ﵀-قدّم عمل أهل المدينة هنا على الأخبار وإن كان بعض المالكية وجه تركه للأخبار، بأنه لم ير السجود في تلك السجدات من عزائم السجود. وكون تلك السجدات ليست من عزائم السجود لا يكفي لردّ الأخبار الواردة فيها، لأن المالكية لا يقولون بوجوب سجود التلاوة وإنما المشهور في المذهب اختلافهم في حكم السجود في العزائم هل هو سنة غير مؤكدة، أو فضيلة١. مما تقدم: يتضح للقاريء المنصف أنه لم يكن هناك إجماع من أهل المدينة ترد به النصوص الثابتة عن رسول الله ﷺ ،ويكون ذلك الإجماع خالياً عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة ﵃،ولم يثبت نسخ تلك الأخبار. وسواء كان ترك المالكية للأخبار في هذين المثالين لعمل أهل المدينة، وفي غيرهما من الأمثلة التي قيل عليهم: إنهم تركوا الأخبار فيها لعمل أهل المدينة أم كان تركهم لها لسبب آخر، فإن الحقّ الذي لا غبار عليه هو اتباع السنة متى صحّت، وخلت عن معارض، وأنه لا يعدل عنها لأي عمل مالم تصحبه سنة راجحة على غيرها، إذ لو تركت السنن

стр. 303

لعمل لتعطلت سنن رسول اللهصلى الله عليه وسلم،وَدَرَسَتْ رسومها، وعفت آثارها، وكم من عمل قد اطرد بخلاف السنة الصريحة على تقادم الزمان وإلى الآن، وكل وقت تترك سنة، ويعمل بخلافها، ويستمر عليها العمل، فتجد يسيراً من السنة معمولاً به على نوع تقصير..... فقد تقرر أنّ كلّ عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل البتة، وإنما يقع من طريق الاجتهاد، والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردوداً، وكل عمل طريقه النقل، فإنه لا يخالف سنة صحيحة ألبتة"١. ويدل على اعتبار تقديم السنة على العمل ما ثبت من رجوع الصحابة -رضوان الله عليهم- إلى الأخبار متى ثبتت. فمن ذلك رجوع عمر إلى خبر الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله ﷺ ورّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فقضى به عمر. ورجوع الصحابة إلى خبر عائشة في الغسل من التقاء الختانين، ورجوعهم إلى خبر أبي بكر الأئمة من قريش، والأنبياء يدفنون حيث ماتوا، ونحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة إلى غير ذلك من

стр. 304

الأمثلة مما هو موجود بكثرة١. "فالسنة هي العيار على العمل، وليس العمل عياراً على السنة"٢. وحيث إن غرضي من التعرض لهذه المسألة في هذا البحث كان مقصوراً على معرفة ما قيل عن المالكية من تقديم عمل أهل المدينة على خبر الواحد، وبيان الحقّ في ذلك، وقد كتبت في ذلك ما يسّر الله لي، ورأيت أنّ فيه كفاية لكلّ طالب علم، ولم يكن من موضوعي تتبع المسائل التي قيل: إن المالكية قدموا فيها عمل أهل المدينة على خبر الواحد، فإنني أقتصر على المثالين اللذين ذكرتهما كنموذج لغيرهما لكل باحث عن الحقّ. وأسأل الله تعالى أن يرينا الحقّ حقاً ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه، إنه على كل شيء قدير وبالإِجابة جدير آمين.

стр. 305

الفصل السادس: خبر الواحد فيما تعم به البلوى تعريف ما تعم به البلوى. هو ما يحتاج إليه الكل حاجة متأكدة تقتضي السؤال عنه، مع كثرة تكرره، وقضاء العادة بنقله متواتراً١. حكم العمل به. اختلف العلماء في وجوب العمل بخبر الواحد العدل فيما تعم به البلوى. كحديث بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ" ٢. وكحديث أبي هريرة ﵁ في غسل اليدين عند القيام من نوم الليل، أن رسول ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في الوضوء، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" ٣.

стр. 306

وكحديث ابن عمر ﵄ في رفع اليدين عند الركوع والرفع منه أن رسول الله ﷺ "كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضاً، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود" ١. فمنعه بعض الأحناف، بل عامة الحنفية كما قال ابن الهمام٢،وقبله الجمهور٣. دليل الأحناف على عدم قبوله: قالوا: إن العادة تقضي بإلقائه إلى كثيرين لحاجة الناس إلى معرفة حكم ما ابتلوا به، دون تخصيص الواحد والاثنين به، وذلك يستلزم اشتهاره وقبوله، وتلقي الأمة له بالقبول، لأنه مما يتكرر السؤال عنه

стр. 307

والجواب، وتتوفر الدواعي على نقله، وحيث لم يشتهر، ولم تتلقه الأمة بالقبول، وتفرد به الواحد، دلّ ذلك على خطأ الراوي أو النسخ١. قال السرخسي: "والغريب فيما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته للعمل به، فإنه زيف: لأن صاحب الشرع كان مأموراً أن يبيّن للناس ما يحتاجون إليه، وقد أمرهم بأن ينقلوا عنه ما يحتاج إليه من بعدهم، فإذا كانت الحادثة مما تعم به البلوى، فالظاهر أن صاحب الشرع لم يترك بيان ذلك للكافة وتعليمه، وأنهم لم يتركوا نقله على وجه الاستفاضة، فحين لم يشتهر النقل عنهم، عرفنا أنه سهو، أو منسوخ، ألا ترى أن المتأخرين لما نقلوه اشتهر فيهم، فلو كان ثابتاً في المتقدمين، لاشتهر أيضاً، وما تفرد الواحد بنقله مع حاجة العامة إلى معرفته"٢. أدلة الجمهور: استدل الجمهور بالنص، والإجماع، والمعقول، والإلزام: أما النص: فقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ٣،

стр. 308

أوجب الإنذار على كل طائفة خرجت للتفقه في الدين، وإن كان آحاداً، وهو مطلق فيما تعم به البلوى، وما لا تعم، ولولا أنه واجب القبول لما كان لوجوبه فائدة. وأما الإجماع: فهو أن الصحابة اتفقت على العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى. فمن ذلك: ما روي عن ابن عمر أنه قال: "كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأساً، حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ ،نهى عن ذلك، فانتهينا"١. ومن ذلك رجوع الصحابة بعد اختلافهم في وجوب الغسل من، التقاء الختانين من غير إنزال إلى خبر عائشة، وهو قولها: "إذا التقى الختانان، وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ ،واغتسلنا" ٢.

стр. 309

ومن ذلك رجوع أبي بكر وعمر في سدس الجدة، لما قال لها: "لا أجد لك في كتاب الله شيئاً" إلى خبر المغيرة، وهو قوله: إن النبي ﷺ أطعمها السدس١،وصار إجماعاً. وأما المعقول: فمن وجهين: الأول: أن الراوي عدل ثقة، وهو جازم بالرواية فيما يمكن فيه صدقه، وذلك يغلب على الظن صدقه، فيجب تصديقه كخبره فيما لا تعم به البلوى٢. الثانى: أن ما تعم به البلوى "يثبت بالقياس، والقياس مستنبط من الخبر وفرع له، فلأن يثبت بالخبر الذي هو أصل أولى"٣. وأما الإلزام: فسيأتي قريباً- إن شاء الله- أثناء الجواب عن أدلة الأحناف على منع العمل به. الإجابة عن أدلة الأحناف: ١- بالإلزام حيث إن الأحناف عملوا بأخبار الآحاد في وجوب الوضوء من القهقهة في الصلاة لما روى أبو العالية، قال: "جاء رجل في

стр. 310

بصره ضر فدخل المسجد ورسول الله ﷺ يصلي بأصحابه، فتردى في حفرة كانت في المسجد، فضحكت طوائف منهم، فلما انصرف رسول الله ﷺ ، أمر من كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة "١،وفي وجوب الوضوء من الفصد والحجامة والقيء والرعاف، لما روى أبو مليكة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من أصابه قيء أو رعاف، أو قلس، أو مذيء فليتوضأ... " الحديث٢. ولحديث " الوضوء من كل دم سائل" ٣،كما عملوا بها في الوتر، وتثنية الإقامة، لما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد قال: " كان أذان رسوله الله ﷺ شفعاً شفعاً، في الأذان والإِقامة" ٤.

стр. 311

وما رواه خارجة بن حذافة أنه قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ ،فقال: "إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، الوتر، جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر" ١. فهذه أخبار آحاد، قبلوها فيما تعم به البلوى، ومس الذكر وإن كان أعم في الوقوع من تلك الصور، فذلك لا يخرج تلك الصور، عن كونها واقعة في عموم البلوى. قال الغزالي: "فإن زعموا أن ليس عموم البلوى فيها كعمومها في الأحداث، فنقول: فليس عموم البلوى في اللمس والمس كعمومها في خروج الأحداث. فقد يمضي على الإنسان مدة لا يلمس ولا يمس الذكر إلا في حالة الحدث، كما لا يفتصد ولا يحتجم إلا أحياناً، فلا فرق. ٢- قال: "وهو التحقيق أن الفصد والحجامة، وإن كان لا يتكرر كل يوم ولكنه يتكرر، فكيف أخفي حكمه حتى يؤدي إلى بطلان صلاة خلق كثير؟ وإن لم يكن هو الأكثر فكيف وكل ذلك إلى الآحاد؟

стр. 312

ولا سبيل له إلا أن الله تعالى لم يكلف رسوله ﷺ إشاعة جميع الأحكام بل كلفه إشاعة البعض، وجوز له ردّ الخلق إلى خبر الواحد في البعض، كما جوز له ردّهم إلى القياس في قاعدة الربا وكان يسهل عليه أن يقول: لا تبيعوا المطعوم بالمطعوم، أو المكيل بالمكيل حتى يستغنى عن الاستنباط من الأشياء الستة الواردة في حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد" ١. فيجوز أن يكون ما تعم به البلوى من جملة ما تقتضي مصلحة الخلق أن يردوا فيه إلى خبر الواحد، ولا استحالة فيه، وعند ذلك يكون صدق الراوي ممكناً، فيجب تصديقه. وليس علة الأشياء عموم الحاجة، أو ندورها، بل علته التعبد والتكليف من الله، وإلا فما يحتاج إليه كثير كالفصد والحجامة، كما يحتاج إليه الأكثر، في كونه شرعاً لا ينبغي أن يخفى"٢.

стр. 313

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومعلوم أن أحاديث نقض الوضوء من مس الذكر أثبت وأعرف من أحاديث القهقهة، فإنه لم يرو عن أحد منها في السنن شيئاً،وهي مراسيل ضعيفة عند أهل الحديث، ولهذا لم يذهب إلى وجوب الوضوء من القهقهة أحد من علماء الحديث لعلمهم أنه لم يثبت فيها شىء"١. ٣- وأما ما ادعوه من أنه يشترط لقبوله أن يشتهر، وتتلقه الأمة بالقبول، فهذه الدعوى تحتاج إلى دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع ولا سبيل إلى ذلك ألبتة. كما أنه "لا تلازم كلياً بين الاشتهار، وبين تلقي الأمة له بالقبول،إذ قد يوجد الاشتهار للشيء بلا تلقي جميع الأمة له بالقبول، وقد تتلقى الأمة الشيء بالقبول بلا روايته على سبيل الاشتهار"٢. ومما يدلّ على قبول خبر الواحد متى صح، وإن كان فيما تعم به البلوى ما ثبت عن الصحابة ﵃ من الرجوع إلى خبر الواحد، فقد رجعوا إلى خبر عائشة: "إذا التقى الختانان، فقد وجب

стр. 314

الغسل" ١ وإن لم ينزل، ولم يرد عن أحد منهم أنه كان يشترط لقبول الخبر ما اشترطه الأحناف من لزوم الاشتهار، وتلقي الأمة له بالقبول. بل في حديث ابن عمر ﵄ ما يصح أن يكون نصاً في محل النزاع، ولفظه عند مسلم: "عن نافع أن ابن عمر كان يكرى مزارعه على عهد رسول الله ﷺ ،وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من خلافة معاوية حتى بلغه في آخر خلافة معاوية أن رافع ابن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي ﷺ ،فدخل عليه وأنا معه، فسأله. فقال: "كان رسول الله ﷺ ينهى عن إكراء المزارع ". فتركها ابن عمر بعد، وكان إذا سئل عنها بعد قال: "زعم رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ نهى منها"٢. وعمل عمر ﵁ بخبر أبي موسى في الاستئذان، ولفظه عند مسلم: "عن بسر بن سعيد قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: كنت جالساً بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى فزعاً أو مذعوراً. قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إليّ أن آتيه، فأتيت بابه، فسلمت ثلاثاً، فلم يرد عليّ، فرجعت. فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت إني أتيتك، فسلمت على بابك ثلاثاً، فلم يردّ عليّ، فرجعت، وقد قال رسول الله ﷺ :

стр. 315

"إذا استأذن أحدكم ثلاثاً، فلم يؤذن له، فليرجع ". فقال عمر: أقم عليه البينة وإلا أوجعتك. فقال أبي بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم. قال أبو سعيد: أنا أصغر القوم. قال: فاذهب به"١. فهذان الحديثان كلّ منهما نصّ في محل النزاع، لأن ابن عمر ثبت عنه أنه ترك المخابرة بقول رافع بن خديج الذي لم يبلغه إلا في آخر خلافة معاوية وذلك ينافي اشتهار هذا الحديث إذ لو اشتهر لعلمه ابن عمر الأثري الراوية لحديث رسول الله ﷺ ، والمقيم بالمدينة دار الحديث. كما أن عمر ﵁ مع ملازمته لرسول الله مدة حياته، ثم أبي بكر ﵁ مدة خلافته خفي عليه هذا الحديث حتى توعد أبا موسى الأشعري ﵁ إن لم يأته بمن يشهد له على ما حدث به عن النبي ﷺ مما لا يعلمه عمر. وفي توعد عمر لأبي موسى على ما ذكر في الاستئذان إن لم يأته بمن يشهد معه على ما قال، ما يدلّ على أن الدين كله تعظم به البلوى. قال ابن حزم: "إن الدين كله تعظم به البلوى، ويلزم الناس معرفته، وليس ما وقع في الدهر مرة من أمر الطهارة والحج بأوجب في أنه

стр. 316

فرض أو حرام مما يقع في كل يوم"١. وقال: "وخفي على عمر ﵁ أمر جزية المجوس، والأمر بقبض رسوله الله ﷺ لها من مجوس هجر عاماً بعد عام، وأبي بكر... عاماً بعد عام، أشهر من الشمس. ولم تكن فضة قليلة بل قد ثبت أنه لم يقدم قط على رسول الله ﷺ مال أكثر منه على قلة المال هناك حينئذ، وخفي على عمر وابن عمر الوضوء من المذي، وهو مما تعم به البلوى"٢. وأما النسخ فلا، يثبت إلا بدليل، ولم يذكروا ما يدل عليه، وحيث لم يرد دليل عليه فيجب العمل بالدليل الثابت حتى يثبت النسخ. وإذا كان قد خفي على هؤلاء الصحابة الأجلاء ﵃ مثل هذه الأخبار التي يجب في مستقر العادة أن لا يخفى مثلها على مثلهم، وثبت عنهم العمل بها بمجرد ثبوتها. وكان قد ثبت عن النبي ﷺ الحثّ على التبليغ عنه فيما ثبت عنه في الجمع الغفير يوم عرفة في قوله ﷺ : "ليبلغ الشاهد الغائب" ٣. وثبت عنه ﷺ قوله: " نضر الله امرأ سمع منا

стр. 317

حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" ١. فإن الحقّ الذي لا يجوز العدول عنه هو قبول أخبار الآحاد متى صحت وسلمت من معارض راجح، سواء كانت فيما تعم به البلوى، أم كانت فيما لا تعم به البلوى. والله تعالى أعلم.

стр. 318

الفصل السابع: إذا خالف الراوي مرويه اختلف العلماء فيما إذا خالف الراوي مرويه من أخبار الآحاد، هل يقدم مذهب الراوي أو يقدم الخبر؟ وهذا الخبر لا يخلو من أن يكون: مجملاً١،أو ظاهراً٢، أو نصاً٣.

стр. 319

فإن كان مجملاً وحمله الراوي على أحد محمليه، فذهب أكثر الأحناف إلى عدم قبول مذهب الراوي، وذهب الجمهور إلى قبول مذهبه. دليل الأحناف: استدلّ الأحناف بأن تعيين الراوي بعض محتملات الخبر إذا كان اللفظ مجملاً وحمله الراوي على أحد معنييه، فإن ذلك لا يمنع من العمل بظاهر الحديث، لأنه غير خلاف بيقين، والحديث هو الحجة، وبتأويله لا يتغير، فيبقى الحديث معمولاً به على ظاهره، ولأنهم لا يرون تقليد الصحابي١. دليل الجمهور: استدل الجمهور بأن الحديث إذا كان مجملاً، فقد سقطت الحجة منه، إذ لا يمكن العمل بأحد محتملاته إلا بدليل،وحيث وجد تفسير الراوي فيعتمد عليه، لأنه أعلم بحال المتكلم، ولم يعارضه ظاهر شرعي.٢ قال الآمدي: "وإن قلنا بامتناع حمله على جميع محامله، فلا نعرف خلافاً في وجوب حمل الخبر على ما حمله الراوي عليه، لأن الظاهر من

стр. 320

حال النبي ﷺ ،أنه لا ينطق باللفظ المجمل، لقصد التشريع وتعريف الأحكام، ويخليه من قرينة حالية أو مقالية تعين المقصود من الكلام. والصحابي الراوي الشاهد للحال أعرف بذلك من غيره، فوجب الحمل عليه. ولا يبعد أن يقال: بأن تعيينه لا يكون حجة على غيره من المجتهدين حتى ينظر، فإن انقدح له وجه يوجب تعيين غير ذلك الاحتمال، وجب عليه أتباعه، وإلا فتعيين الراوي صالح للترجيح، فيجب أتباعه"١. وهذا الاعتراض الذي أورده مدفوع بأن الصحابي الراوي للحديث مشاهد من قرائن الأحوال ما يرجح مذهبه على غيره من المجتهدين في حمل الخبر على أحد محمليه. ويجاب عن دليل الأحناف بأنه جاء في دليلهم التعبير بالظاهر عن المجمل. ومن المعلوم أن الظاهر غير المجمل، لأن الظاهر لا يعدل عنه إلا بدليل راجح. وعن عدم تقليدهم للصحابي بأن العمل بما ذهب إليه الصحابي الراوي للحديث المجمل دليل مرجح للمراد من محتملاته، لأن "تفسير الصحابي الراوي لأحد محتملات الخبر أولى من تفسير غيره، وحجة يترك لها تفسير من خالفه، لمشاهدته الرسول، وسماعه ذلك
следующие страницы →