خبر الواحد وحجيته
تأليف: أحمد بن محمد عبد الوهاب الشنقيطي
ال مقدمة
الحمد لله الكريم المنان. المتفضل على عباده بعظيم الالآء والإحسان. جلت نعمه عن العدّ والإحصاء فكان من أعظمها أن هدى المؤمنين إلى الإيمان به، وخصّ الأمّة الإسلامية بعلم الإسناد، فكان من علمائها الجهابذة الحفاظ والنقاد الذين ذبوّا عن السنة المطهرة منذ فجر الإسلام، بالتآليف التي حفظتها من الزيادة والنقصان. فحفظها الله بهم مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
أحمده سبحانه أجل الحمد وأعظمه على نعمه المتوالية والتي من أجلّها نعمة الإيمان. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ننجو بها من سخطه وننال بها رضاه. وأشهد أن محمّداً عبده ورسوله إلى النّاس كافة أنزل عليه القرآن، وأمره بتبيينه للناس في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢ فبينه أتم بيان، فكمل بذلك دستور الأمة الإسلامية، الذي اختاره الله لأن يكون الدستور الخالد إلى يوم القيامة. وأمره بتبليغ ما أرسل به إلى الناس كافة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ
стр. 2
رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ١ فبلّغ كما أمره الله بنفسه وبرسله أتمّ بلاغ، وأقام على الناس بذلك الحجة في الجمع العظيم واليوم العظيم والمكان العظيم، وأمرهم أن يبلغوا عنه بقوله: "ليبلغ الشاهد الغائب" ٢ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين عزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، فكانوا سادة الدنيا، وأئمة الهدى، ونقلة وحيه إلى من بعدهم.
وبعد: فلعل من توفيق الله لي أن هيأ لي أسباب إتمام الدراسة بعد أن انقطعت للتدريس سنين. فكان أن طلب مني تقديم موضوع رسالة الماجستير، فوقع اختياري على خبر الواحد وحجيته، فرأيته مناسباً. ذلك أني طالما سمعت بعض العلماء أثناء دراستي، وخارجها يمنع الاحتجاج به في العقائد، ويعيب على من يحتج به في إثباتها بدعوى أنه لا يفيد إلا الظن، وأن العقائد لا تثبت إلا بما يفيد القطع. مما جعلني أفكر طويلاً في هذا القول، وأسأل عن خبر الواحد ما هو؟
فأجاب بأن المراد بخبر الواحد هنا هو سنة رسول الله ﷺ التي ليست متواترة.
стр. 3
ويعود السؤال مرة أخرى: كم نسبة خبر الواحد في السنة؟
فأجاب مرة أخرى بأن السنة المتواترة في نظر الأصوليين، يعز وجودها، إذ منهم من يرى عدها على الأصابع.
ثم أعود فأسأل مرة أخرى هل هناك أحاديث خاصة بالعقائد دون الأحكام، أم أن الحديث الواحد قد يتضمن عقيدة وحكماً معاً؟ وإذا كان يتضمنهما معاً، فما حكم العمل به؟
فأجاب بأنه كثيراً ما يتضمن الحديث الواحد حكماً وعقيدة، وأنه حينئذ يعمل بالحديث فيما تضمنه من أحكام دون عقائد. فأعود للسؤال، وأقول لماذا فرق بين مدلولات الحديث الواحد في العمل بها، حيث يعمل ببعضها دون بعض؟
فيقال: إن العمل بخبر الواحد في الأحكام ثابت بدليل قطعي. أما العقائد فلا تثبت إلا بما يفيد القطع، وخبر الواحد إنما يفيد الظن. فرأيت صلاحية الموضوع للبحث، ودعتني الرغبة في الوقوف على أقوال العلماء، والإطلاع على أدلتهم، وأسباب خلافهم، ومعرفة أيهم أسعد بالدليل على خوض غمار البحث رجاء أن أكون ممن يخدم السنة المطهرة، والأمة المحمدية.
والبحث وإن كان في السنة، إلا أنني بحثته من الناحية الأصولية فقط، لأن السنة هي: المصدر الثاني بعد كتاب الله لإثبات الأحكام الشرعية.
стр. 4
وقد أخذت طريقة في البحث رأيت أنها توصل إلى الغاية التي أردت. وهي: أنني أستعرض آراء العلماء وأدلتهم، وما ورد عليها من اعتراضات وإجابات عن تلك الاعتراضات مع مناقشتها وترجيح ما ظهر لي رجحانه بالدليل كل ما رأيت ذلك مناسباً، وربما تركت الترجيح في موضع لاتحاده مع الذي بعده تقليلاً للتكرار الممل.
ورأيت أن الدليل الذي يحسم النزاع إنما هو الكتاب، أو السنة، أو الإجماع القطعي. على أنني أحياناً أذكر رأي كل طرف، ثم أتبعه برأي الطرف الآخر، ثم أذكر دليل كل من الطرفين وما ورد عليه من اعتراضات وإجابات مرتبة بعد ذلك. وأحياناً أتبع الدليل بالاعتراضات الواردة عليه والإجابة عنها، دفعاً للسآمة عن القارئ مما قد يصيبه من إتباع طريقة واحدة.
وهنا ألفت نظر القارئ الكريم إلى أن الموضوع مشتبك العناصر والأدلة، لأن كل دليل يستدل به لأي عنصر من عناصره يكاد يكون هو عين دليل العنصر الآخر مما اضطرني إلى التكرار، ولم أكن بدعاً في ذلك، بل إنما أنا متبع، وواقع الموضوع يفرض ذلك.
ثم إن الموضوع وإن كان قد قيل لي: إنه قد كتب فيه غير أنني ما عثرت على غير المراجع المعتمدة التي أحلت عليها في محالها.
وقد قسمت هذا البحث إلى تمهيد وبابين وخاتمة.
стр. 5
أما التمهيد فهو يشتمل على ما يأتي:
١- حقيقة الخبر عند العلماء، وأقسامه.
وقد بينت فيه تعريف الخبر لغة واصطلاحاً عند العلماء، والأنواع التي ينحصر فيها من حيث الصدق والكذب، ورأي الجاحظ في ثبوت الواسطة وأقسامه التي علم صدقها، أو علم كذبها، والتي لم يعلم صدقها ولا كذبها.
٢- السنة لغة وشرعاً.
وقد عرفتها لغة وشرعاً، وأشرت إلى الفرق بين اصطلاحات العلماء في تعريفها.
٣- أقسامها باعتبار ذاتها، بينت فيه أن من العلماء من قسمها إلى: قول وفعل، ولم ير التقرير قسماً لدخوله في الفعل، وأن البعض الآخر رأى أنه قسم ثالث.
٤- منزلتها من القرآن، ذكرت فيه أنواعها معه من حيث الاتفاق والبيان، والاستقلال بتشريع ما لم يتعرض له نفياً أو إثباتاً، وخلاف العلماء في ذلك.
٥- تقسيم الخبر إلى: متواتر وآحاد.
ذكرت فيه أن من العلماء من رأى القسمة ثنائية: متواتر، وآحاد، ومنهم من زاد قسماً ثالثاً هو المشهور، وأنه جعله واسطة بين المتواتر والآحاد.
стр. 6
الباب الأول: فيما يفيده خبر الواحد، وفيه ثلاثة فصول:
الأول: في أن خبر الواحد العدل، إنما يفيد الظن فقط.
وقد ذكرت فيه أدلة القائلين بذلك وما ورد عليها من اعتراضات وإجابات.
الثاني: في إفادته العلم.
وقد استعرضت فيه آراء وأدلة القائلين بذلك وما ورد عليها من اعتراضات أيضاً.
الثالث: في إفادته العلم إذا احتف بالقرائن.
وسلكت فيه نفسه الطريقة السابقة.
ثم ختمت الباب بذكر ثمرة الخلاف.
الباب الثاني: في حكم العمل به، وفيه سبعة فصول:
الأول: في وجوب العمل به.
الثاني: في ذكر أدلة منكري العمل بخبر الآحاد، والرد عليها.
الثالث: في العمل بخبر الواحد في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية.
الرابع: حكم قبول خبر الواحد العدل في الحدود.
وقد استعرضت فيها أدلة كل طرف وما ورد عليها من اعتراضات وإجابات.
стр. 7
الخامس: خبر الواحد وعمل أهل المدينة.
تعرضت فيه لبيان عمل أهل المدينة وأقسام ذلك العمل، وبينت محل الاتفاق والاختلاف.
السادس: خبر الواحد فيما تعم به البلوى.
السابع: إذا خالف الراوي مرويه.
بينت أدلة وآراء العلماء في كل من الفصلين الأخيرين، وفي الثاني أنه الدليل المخالف من حيث الإجمال والظهور والنص.
خاتمة في نتائج البحث:
ضمنتها بعض ما توصلت إليه من نتائج.
هذه هي عناصر البحث التي بحثتها، فأرجو من الله أن أكون قد وفقت فيما أردت، وأن يجعله وسيلة إلى مرضاته إنه على كل شيء قدير. وصلى الله وسلم على سيّدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.
стр. 8
تمهيد
...
تعريف الخبر لغة:
الخبر لغة: النبأ، وجمع الخبر أخبار، وجمع الجمع أخابير.
وأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ ١ فمعناه: يوم تزلزل تخبر بما عمل عليها.
والخَبَار أرض رخوة تتعتع فيها الدواب، قال الشاعر:
تتعتع في الخبار إذا علاه ... ويعثر في الطريق المستقيم
وفي المثل: من تجنب الخبار أمن العثار"٢.
قال الشوكاني: "الخبر مشتق من الخبار كسحاب، وهي الأرض الرخوة، لأن الخبر يثير الفائدة، كما أن الأرض الخبار تثير الغبار إذا قرعها الحافر ونحوه، وهو نوع مخصوص من القول، وقِسم من الكلام اللساني، وقد يستعمل في غير القول، كقول الشاعر:
تخبرك العينان ما القلب كاتم
وقول المعرى:
نبي من الغربان ليس على شرع ... يخبرنا أن الشعوب إلى صدع
ولكنه استعمال مجازي لا حقيقي، لأن من وصف غيره بأنه أخبر بكذا لم يسبق إلى فهم السامع إلا القول"٣.
стр. 9
الخبر في الاصطلاح عند العلماء
اختلف العلماء في حد الخبر، فذهب بعضهم إلى أنه لا يحد، والبعض الآخر إلى أنه يحد، والقائلون بحده اختلفوا في تعريفه، حيث عرفته كل طائفة بما لم تعرّفه به الطائفة الأخرى. وها أنا أذكر أهمّ ذلك فيما يلي:
الخبر عند القائلين بأنه لا يحد:
قالوا: لا يحد لعسره، ويحتمل أن يكون لوضوحه، لأن توضيح الواضحات من المشكلات١.
أو لأنه ضروري. واستدل لذلك من وجهن:
الأول: أن كل أحد يعلم أنه موجود، وهذا خبر خاص، وإذا كان الخبر المقيد ضرورياً، فالخبر المطلق الذي هو جزؤه أولى بأن يكون ضرورياَ.
واعترض على هذا بأمرين:
أحدهما: أن الاستدلال على كونه ضرورياً ينافي كونه ضرورياً، لأن الضروري لا يقبل الاستدلال٢.
стр. 10
الآخر: أنه وإن سلم أن مثل هذه الأخبار الخاصة معلومة بالضرورة، فلا يلزم أن يكون الخبر المطلق من حيث هوخبركذلك، لأن الخبر المطلق أعم من الخبر الخاص، فلو كان جزءاً من معنى الخبر الخاص، لكان الأعم منحصراً في الأخص، وهو محال١.
الثاني: أن كل أحد يعلم بالضرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر عن الموضع الذي يحسن فيه الأمر، ولولا العلم بذلك ضرورة لما كان كذلك.
وأجيب عنه بأن العلم الضروري إنما هو واقع بالتفرقة بين ما يحسن فيه بيان الأمر، وبيان ما يحسن فيه الخبر بعد معرفة الأمر والخبر، أما قبل ذلك فهو غير مسلم٢.
وإذا سلم أن العلم بمعناه غير ضروري، فقد أجمع الباقون على أن العلم بمفهوم الخبر إنما يعرف بالحد والنظر، وإن اختلفوا فيه٣.
стр. 11
حد الخبر عند الأصوليين
قالت المعتزلة: إن الخبر هو: " الكلام الذي يدخله الصدق والكذب " واعترض على تعريفهم هذا من أربعة أوجه:
الأول: أنه يرد عليه خبر الله تعالى، لأنه لا يتصور فيه دخول الكذب. وأجاب عنه القاضي عبد الجبار١ بأن المراد دخوله لغة، بحيث لو قيل فيه صدق أو كذب لم يخطأ لغة، وكل خبر كذلك، وإن امتنع صدق البعض أو كذبه.
ورد هذا الجواب بأن الصدق لغة الخبر الموافق للمخبر به، والكذب الخبر المخالف للمخبر به، وبهذا عرفهما أهل اللغة، فهما لا يعرفان إلا بالخبر فتعريف الخبر بهما دور.
الثاني: أن ما قالوه منقوض بقول القائل محمد ﷺ ، ومسيلمة صادقان في دعوى النبوة، فهذا خبر مع أنه ليس بصدق ولا كذب، إذ لو
стр. 12
قيل: إنه صدق لكان مسيلمة صادقاً، ولو قيل: إنه كذب لكان محمد ﷺ كاذباً١.
وأجاب أبو هشام٢ "بأن هذا الخبر جار مجري خبرين: أحدهما خبر بصدق الرسول ﷺ ، والآخر بصدق مسيلمة، والخبران لا يوصفان بالصدق ولا الكذب، فكذلك ههنا، وإنما الذي يوصف بالصدق والكذب الخبر الواحد من حيث هو خبر. وليس بحق فإنه إنما ينزل منزلة الخبر من حيث إنه أفاد حكماً لشخصين، وهو غير مانع من وصفه بالصدق والكذب، بدليل الكذب في قول القائل: كل موجود حادث، وإن كان يفيد حكماً واحداً لأشخاص متعددة"٣.
الثالث: أن تعريف الخبر بما يدخله الصدق والكذب، يؤدي إلى الدور لما تقدم أن الصدق لغة الخبر الموافق للمخبر به، والكذب الخبر
стр. 13
المخالف للمخبر به، وبهذا عرفهما أهل اللغة، فلا يعرفان إلا بالخبر، فتعريف الخبر بهما دور.
وأجاب القاضي عنه "بأن الخبر معلوم لنا، وما ذكرناه لم نقصد به تعرِيف الخبر، بل فصله وتمييزه عن غيره، فإذا عرفنا الصدق والكذب بالخبر فلا يكون دوراً".
ورد بأن تمييز الخبر عن غيره إنما يكون بالنظر إلى الصدق والكذب. فتمييز الصدق والكذب بالخبر يوجب توقف كل واحد من الأمرين في تمييزه عن غيره على الآخر، وهو عين الدور. ولذا قال ابن الحاجب ولا جواب عنه١.
الرابع: أن الصدق والكذب متقابلان، والواو للجمع، فيلزم الصدق والكذب معاً، وذلك محال، فيلزم أن لا يوجد خبر.
وأجيب عنه "بأن المحدود إنما هو جنس الخبر، وهو قابل لدخول الصدق والكذب فيه، كاجتماع السواد والبياض في جنس اللون.
ورد بأن الحد وإن كان لجنس المحدود، فلابد وأن يكون الحد موجوداً في كل واحد من آحاد الأخبار، وإلا لزم وصف الخبر دون حد الخبر، وهو ممتنع"٢.
стр. 14
وقال أبو الحسين١ البصري:" الأولى أن نحده بأنه كلام يفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور إلى أمر من الأمور نفياً أو إثباتاً"٢.
وقيده بنفسه احترازاً عن الأمر المقتضى لوجوب الفعل لا بنفسه، بل بواسطة ما اقتضاه من طلب الفعل.
ورد بأنه منتقض بالنسب التقييدية فيما لو قيل: حيوان ناطق، فإنه أفاد بنفسه إثبات النطق للحيوان، مع أنه ليس بخبر.
فإن قال: إن هذا ليس بكلام، وأنه قيد الحد بالكلام.
أجيب بأن ما ادعاه لا يصح، لأن حد الكلام هو: "ما انتظم من الحروف المسموعة المميزة من غير اعتبار قيد آخر، وحد الكلام بهذا الاعتبار متحقق في هذا، فكان من أصله كلاماً"٣.
وعرفه القرافي٤بأنه هو: "المحتمل للتصديق والتكذيب لذاته"، وقيده بقوله: لذاته احترازاً من تعذر الصدق والكذب لأجل المخبر عنه،
стр. 15
كخبر الله تعالى، وخبر رسوله ﷺ ، وخبر مجموع الأمة، أو ما علم صدقه بالضرورة.
قال: "لكن جميع هذه الأخبارات بالنظر إلى ذاتها مع قطع النظر عن المخبر به، والمخبر عنه، تقبلهما من حيث هي أخبار"١.
واعترض عليه من وجهين:
الأول: أن تعريف الخبر بالتصديق والتكذيب، يستلزم الدور، لتوقف التصديق والتكذيب على معرفة الصدق والكذب، المتوقف على معرفة الخبر، وقد تقدم ما فيه من الدور٢.
الثاني: أنما ذكره من قبول تلك الأخبار للتصديق والتكذيب من حيث هي أخبار مقتضاه أن خبر الله تعالى من حيث هو خبر يقبل الكذب لذاته، وهذا ليس بصحيح، لأن خبر الله تعالى لا يقبل الكذب بحال٣.
стр. 16
قال الآمدي١ "والمختار فيه أن يقال: الخبر عبارة عن اللفظ الدال بالوضع على نسبة معلوم أو سلبها على وجه يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى تمام مع قصد المتكلم به الدلالة على النسبة أو سلبها"٢.
فقيده باللفظ، لأنه كالجنس للخبر وعده من أقسام الكلام، ويمكن أن يحترز به عن الخبر المجازي، وبالدال، احترازاً عن اللفظ المهمل، وبالوضع احترازاً عن اللفظ الدال على جهة الملازمة، وبقوله: على نسبة عن أسماء الأعلام، وعن كل ما ليس له دلالة على نسبة، وبمعلوم إلى معلوم، حتى يدخل فيه الموجود والمعدوم، وبقوله: سلباً وإيجاباً، حتى يعم مثل نحو "زيد في الدار، ليس في الدار"، وبقوله: يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى تمام احترازاً عن اللفظ الدال على النسب التقييدية، وبقوله: مع قصد المتكلم به الدلالة على النسبة أو سلبها، احترازاً عن صيغة الخبر المراد بها غير الخبر، كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ
стр. 17
أَوْلادَهُنَّ﴾ ١ وقوله جل شأنه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ٢ ونحو ذلك، حيث إنه لم يقصد به الدلالة على النسبة ولا سلبها٣.
стр. 18
تعريف الخبر عند علماء البلاغة:
الخبر هو: الكلام الذي له نسبة١ تامة٢ خارجية، تطابق ذلك الكلام في الخارج، بأن يكونا ثبوتيين، أو سلبيين، أولا يطابقه، بأن تكون النسبة المفهومة من الكلام ثبوتية، والتي بينهما في الخارج والواقع سلبية أو بالعكس. ويكون تاما بحيث يحسن السكوت عليه.
فإن لم يكن له نسبة في الخارج تطابقه، فهو الإنشاء٣. والذي أراه والله تعالى أعلم- أن هذا التعريف سالم من الاعتراضات، اللهم إلا أن يقال: إن الكلام غير مقيد باللفظ، وهو وإن كان حقيقياً في اللفظ إلا أنه يطلق على غيره مجاراً، وهذا الاعتراض وارد لو لم يصرح التفتازاني في التفريق بين الخبر والإنشاء بما يدفعه، وهو قوله: "إن الكلام إما أن يكون له نسبة بحيث تحصل من اللفظ... " إلخ٤. فأنت تراه صرح هنا
стр. 19
بأن الكلام مقيد باللفظ، مع أنه لو لم يذكر هذا، لكان الاعتراض مدفوعاً بأن الأصل الحقيقة، إذ لا يعدل عنها إلا بدليل.
стр. 20
تعريف الخبر عند النحويين
عرف النحويون الخبر بأنه هو الجزء الذي تحصل الفائدة به مع المبتدأ غير الوصف، فخرج فاعل الفعل، لأنه ليس مع المبتدأ، وخرج فاعل الوصف الذي يسد مسد الخبر. وقد عرفه ابن مالك في ألفيته وبين أنواعه بقوله:
والخبر الجزء المتم الفائدة ... كالله بَرٌّ والأيادي شاهدة
ومفرداً يأتي ويأتي جملة ... حاوية معنى الذي سيقت له
وأورد ابن عقيل على ابن مالك في تعريفه هذا الفاعل من نحو قام زيد، فإنه يصدق على زيد أنه الجزء المتمم للفائدة، وليس بخبر١.
وأجيب عنه بأن دلالة المقام والتمثيل بقوله: "كالله بَرٌّ والأيادي شاهدة" يدلان على اعتبار كون الجزء المتمم للفائدة مع المبتدأ وغير الوصف٢.
وهذا التعريف كما ترى لا ينطبق على تعريف الخبر عند الأصوليين والبلاغيين، وذلك لأنه خاص بالنحويين، ولذا فهو شامل عندهم لنوعي الكلام: الخبر، والإنشاء. وأقرب من هذا التعريف إلى التعريفات السابقة تعريف موفق الدين بن يعيش حيث قال: "واعلم أن
стр. 21
خبر المبتدأ هو الجزء المستفاد الذي يستفيده السامع، ويصير مع المبتدأ كلاماً تاماً والذي يدل على ذلك أنه به يقع التصديق والتكذيب، ألا ترى أنك لو قلت: عبد الله منطلق، فالصدق والكذب إنما وقعا في انطلاق عبد الله، لا في عبد الله، لأن الفائدة في انطلاقه، وإنما ذكر عبد الله وهو معروف عند السامع، ليسند إليه الخبر الذي هو الانطلاق"١.
غير أنه يرد عليه ما أسلفت من أن الخبر عندهم شامل لنوعي الكلام: الخبر، والإنشاء.
стр. 22
الخبر عند المحدثين
يرى بعض المحدثين أن الخبر مرادف للحديث مراعاة لمدلول اللفظ اللغوي في اللفظين، فيطلقان على المرفوع١ والموقوف والمقطوع٢ فيشمل ماجاء عن النبي ﷺ ، والصحابي، والتابعي.
ويدل لذلك قول الحافظ ابن حجر في شرح نخبة الفكر: "الخبر عند علماء هذا الفن مرادف للحديث"٣.
ويفرق البعض الآخر بينهما بأن "الحديث ماجاء عن النبي ﷺ ، والخبر ما جاء عن غيره"، ومن ثم قيل لمن يشتغل بالتواريخ وماشاكلها الإخباري، ولمن يشتغل بالسنة النبوية المحدث.
وقيل بينهما عموم وخصوص مطلق، فكل حديث خبر من غير عكس"٤.
هل لاختلاف العلماء في تعريف الخبر أثر؟
стр. 23
لم يترتب على اختلاف العلماء في تعريف الخبر أثر، وغاية ما هناك أن الأصوليين أرادوا الدقة في الحد فصعبوه بما أورده بعضهم على بعض من استشكالات، وبما أجاب به البعض الآخر عن تلك الاستشكالات كما هو واضح مما نقلته عنهم.
أما غيرهم فكان طابع تعريفه البساطة والوضوح، ولذا لم يورد عليه مثل ما أورد على الأصوليين من الاستشكالات.
стр. 24
هل الخبر منحصر في الصدق والكذب؟
اختلف الناس في الخبر هل هو منحصر في الصدق والكذب؟ أم أنه غير منحصر فيهما؟ بل منه ما ليس بصدق ولا كذب، وهو واسطة. تم إن القائلين بأنه منحصر في الصدق والكذب، اختلفوا في تفسير الصدق والكذب.
فقالت طائفة: صدق الخبر مطابقة حكمه لاعتقاد المخبر سواء كان ذلك الاعتقاد صواباً أم خطأ، وكذبه عدم مطابقة حكمه لاعتقاد المخبر، فقول القائل السماء تحتنا معتقداً ذلك، صدق، وكذلك قوله: السماء فوقنا غير معتقد لذلك، كذب.
واستدلوا لذلك بأمرين:
الأول: أن من أخبر عن أمر يعتقده، ثم ظهر خلافه، لا يقاله في حقه إنه كاذب، ولكن يقال: أخطأ، بدليل ما روي عن عائشة أم المؤمنين ﵂، أنها قالت فيمن هذا شأنه: "ما كذب، ولكنه أخطأ ووهم." ورد بأن المنفى هنا تعمد الكذب، بدليل تكذيب الكافر الكتابي إذا قال: الإسلام باطل، وتصديقه إذا قال: الإسلام حق.
الثاني: قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾
стр. 25
١ فإن الله تعالى كذبهم في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه﴾ وإن كان مطابقاً للواقع، لعدم مطابقته لاعتقادهم.
وأجيب عما استدلوا به بما يأتي:
١ بأن المعنى: نشهد شهادة واطأت قلوبنا فيها ألسنتنا، فالتكذيب راجع إلى الشهادة باعتبار تضمنها خبراً كاذباً، لكونها لم تكن عن اعتقاد، بدليل تأكيد الجملة في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه﴾ بإن، واللام، وكونها اسمية.
٢ أو أن المعنى لكاذبون في تسمية هذا الإخبار شهادة، لأن الشهادة هي الإخبار بما يطابق الاعتقاد، فإن خلا عن الاعتقاد لم يكن شهادة.
٣ أو أن المراد: لكاذبون في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ عند أنفسهم، لاعتقادهم أنه خبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه٢.
وقال الجمهور: صدق الخبر مطابقة حكمه للواقع، وهو الخارج الذي يكون مطابقاً لنسبة الخبر، وكذبه عدم مطابقته للنسبة التي تكون في الخارج، وهذا هو المشهور، وعليه التعويل.
стр. 26
وأنكر الجاحظ١ انحصار الخبر في الصدق والكذب، وأثبت الواسطة، وزعم أن صدق الخبر مطابقته للواقع مع اعتقاد المطابقة، وكذبه عدم مطابقته للواقع مع اعتقاد أنه غير مطابق، وغيرهما ليس بصدق ولا كذب، وهي أربعة:
المطابقة مع اعتقاد عدم المطابقة، أو بدون الاعتقاد أصلاً، وعدم المطابقة مع اعتقاد المطابقة، أو بدون الاعتقاد أصلاً، ليس بصدق ولا كذب. بدليل قوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ ٢
وجه الاستدلال بالآية: أن الكفار عقلاء من أهل اللسان عارفون باللغة، حصروا أخبار النبي ﷺ ، بالبعث على ما يدل عليه تعالى: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٣ في الافتراء والإخبار حال الجنة على سبيل منع الخلو، وليس إخباره حالة الجنة كذباً، لأنهم جعلوه قسيم الافتراء، ولا صدقاً لأنهم اعتقدوا عدم صدقه، فمرادهم
стр. 27
بكونه أخبر حالة الجنة غير الصدق، وغير الكذب، ليكون ذلك بزعمهم بعض الخبر، فثبتت الواسطة١.
ورد بأن معنى: ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي أم لم يفتر، فعبر عن عدم الافتراء بالجنة، لأن المجنون لا افتراء له، لأن الكذب ما كان عن عمد، والمجنون لا عمد له، فالثاني ليس قسيماً للكذب، بل لما هو أخص منه، أعني الافتراء. وإن سلم فقد لا يكون خبراً، فيكون هذا حصراً للكذب بزعمهم في نوعيه: الكذب عن عمد، والكذب لا عن عمد٢.
وأيضا ً"أنهم إنما حصروا أمره بين الكذب والجنة، لأن قصد الدلالة به على مدلوله شرط في كونه خبراً، والمجنون ليس له قصد صحيح، فصار كالنائم، والساهي إذا صدرت منه صيغة الخبر، فإنه لا يكون خبراً، وحيث لم يقصدوا صدقه، لم يبق إلا أن يكون كاذباً، أو لا
стр. 28
يكون ما أتى به خبراً، وإن كانت صورته صورة الخبر. أما أن يكون خبراً، وليس صادقاً فيه ولا كاذباً فلا"١.
ووافق الراغب الجاحظ في إثبات الواسطة، وإن زاد عليه اصطلاحاً لم يذهب إليه الجاحظ، وإليك ذلك فيما ذكره البناني قال: "حاصل مذهبه أن ما طابق الواقع مع اعتقاد المطابقة يسمى صدقاً، ومالم يطابق الواقع مع اعتقاد عدم المطابقة يسمى كذبا، ويخص هذين بالصدق، والكذب التامين وما طابق الواقع مع اعتقاد عدم المطابقة، أو طابق الاعتقاد دون الواقع، فيسمى كل منهما صدقاً وكذباً، من جهتين:
فالأول: صدق من جهة مطابقة الواقع، كذب من جهة عدم المطابقة للاعتقاد.
والثاني: صدق من جهة مطابقة الاعتقاد، كذب من جهة عدم مطابقة الواقع، ويسمى الصدق والكذب المشتمل عليهما هذان القسمان بالصدق والكذب غير التامين، لما علم أنه صدق من جهة دون جهة، كذب من جهة دون جهة، فهذه أربعة أقسام، وبقي قسمان وهما: مطابقة الواقع وعدمها مع عدم اعتقاد شيء، وهذان واسطة عنده لا يوصفان بصدق ولا كذب"٢.
стр. 29
وحيث إن الراغب موافق للجاحظ في الدليل، ففي ما تقدم من الرد على ما استدل به الجاحظ كفاية.
стр. 30
الخلاف في تعريف الخبر لفظي:
والخلاف في هذه المسألة لفظي، وذلك لأن العرب إنما وضعت الخبر للصدق دون الكذب، فقول القائل: زيد قائم، معناه عند أهل اللسان العربي حصول القيام منه وصدوره منه في الزمن الماضي، ولم ينقل عن أحد من أئمة اللغة خلاف ذلك.
"ولقد أحسن من قال: إن مدلول الخبر هو الصدق، إنما الكذب احتمال عقلي، ألا يرى أنه إذا قيل لك من أين علمت أن زيداً قائم؟ تقول له: سمعته من فلان"١.
واحتمال الخبر للصدق والكذب إنما هو من جهة المتكلم، لا من جهة الوضع اللغوي، لأن المتكلم قد يستعمله صدقاً على وفق الوضع، وقد يستعمله كذباً على خلافه.
ومن هنا كان الخبر لا يخرج عن كونه صدقاً، أو كذباً، للإجماع على أن اليهودي إذا قال: الإسلام حق حكمنا بصدقه، وإذا قال: خلافه حكمنا بكذبه.
فالخبر لا يعرى البتة عن الصدق والكذب، فما ثبت صدقه لا يصح كذبه بعد، وما ثبت كذبه، لا يصح صدقه بعد، لاستحالة ارتفاع الواقع٢.
стр. 31
أقسام الخبر:باعتبار ما علم صدقه، وما علم كذبه، وما لا يعلم صدقه ولا كذبه
الأول: ما علم صدقه، وهو نوعان: متفق عليه، ومختلف فيه.
المتفق عليه وهو:
١- ما علم صدقه بالضرورة، مثل: الواحد نصف الاثنين، والكل أعظم من الجزء، أو الاستدلال، نحو: العالم حادث.
٢- خبر الله تعالى، لأن الصدق صفة كمال، والكمال واجب له تعالى، والكذب صفة نقص، وهو محال عليه سبحانه.
٣- خبر الرسول ﷺ ، فيما يخبر به عن الله لدلالة المعجزة على صدقه.
٤- خبر كل الأمة، لأنها لا تجتمع على ضلالة، لثبوت عصمتها.
٥- كل خبر يوافق ما أخبر الله تعالى عنه، أو رسوله ﷺ ، أو الأمة.
٦- الخبر المتواتر، وسيأتي الكلام عليه.
стр. 32
وأما المختلف فيه، فمنه:
خبر من أخبر بحضرة الرسول ﷺ ولم ينكر عليه، فقيل عدم إنكاره دليل صدقه، وقد عده الغزالي١ من المعلوم صدقه، فقال: "كل خبر صح أنه ذكره المخبر بين يدي رسول الله ﷺ ، ولم يكن غافلا عنه فسكت عليه، لأنه لو كان كذباً لما سكت عنه. ولا عن تكذيبه، ونعني به ما يتعلق بالدين"٢.
ونفى الآمدي صحته، لأنه من الجائز أن يكون النبي ﷺ غير سامع له، بل ذاهل عنه، وإن غلب على الظن السماع وعدم الغفلة، فمن الجائز أن لا يكون فاهماً لما يقول! وإن غلب على الظن فهمه، وكان متعلقاً بالدين وقدر كونه كاذباً فيه، فيحتمل أن يكون قد بينه له، أو علم أن إنكاره عليه ثانياً غير منجع فيه، فلم ير في الإنكار عليه فائدة، ورأى المصلحة في إهماله إلى وقت آخر.
стр. 33
وإن كان في أمر دنيوي، فيحتمل أن يكون النبي ﷺ لم يعلم لكونه كاذباً فيما أخبر به، أو أنه امتنع عن الإنكار لمانع، أو لعلمه أنه لا فائدة في إنكاره، وعلى هذا فعدم الإنكار لا يدل على صدقه قطعاً، وإن دل عليه ظناً١.
وأجاب عنه الجلال المحلى بقوله: "وأجيب في الديني بأن سبق البيان أو تأخيره لا يبيح السكوت عند وقوع المنكر لما فيه من أفهام تغيير الحكم في الأول، وتأخير البيان عن وقت الحاجة في الثاني.
وفي الدنيوي بأنه إذا كان كاذباً، ولم يعلم به النبي ﷺ ، يعلمه الله به عصمة له عن أن يقر أحداً على كذب كما أعلمه بكذب المنافقين في قوله: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ ٢من حيث تضمنه أن قلوبهم وافقت ألسنتهم في ذلك. وإن كان دينياً. أما إذا وجد حامل على الكذب والتقرير كما إذا كان المخبر ممن يعاند النبي ﷺ ، ولا ينفع فيه الإنكار، فلا يدل السكوت على الصدق قولاً واحداً"٣.
ومنه خبر من أخبر بحضرة جمع عظيم عن أمر محس وسكتوا عن تكذيبه، والعادة تقضي في مثل ذلك بالتكذيب وعدم السكوت لو كان كذباً.
стр. 34
فذهب قوم إلى أن ذلك دليل على صدقه قطعاً. وقد عده الغزالي من المقطوع بصدقه حيث قال: "كل خبر ذكر بين يدي جماعة أمسكوا عن تكذيبه والعادة تقضي في مثل ذلك بالتكذيب وامتناع السكوت لو كان كذباً، وذلك بأن يكون للخبر وقع في نفوسهم، وهم عدد يمتنع في مستقر العادة التواطؤ عليه بحيث ينكتم لو تواطؤا ولا يتحدثون به، وبمثل هذه الطريقة ثبتت أكثر أعلام رسول الله ﷺ ، إذ كان ينقل بمشهد جماعات، وكانوا يسكتون عن التكذيب مع استحالة السكوت عن التكذيب على مثلهم، فمهما كمل الشرط وترك النكير كما سبق نزل منزلة قولهم صدقت"١.
وقيل: إنه يفيد الصدق ظناً لجواز أن لا يكون لهم إطلاع على ما أخبر به، ولأن العادة لا تحيل سكوت الواحد أو الاثنين عن تكذيبه، ولاحتمال أن مانعاً منعهم من تكذيبه، ومع هذه الاحتمالات يمتنع القطع بتصديقه وإن كان صدقه مظنوناً٢.
الثاني: ما علم كذبه وهو:
الأول: ما يعلم خلافه بضرورة العقل أو نظره أو الحس المشاهد أو أخبار التواتر.
стр. 35
الثاني: ما يخالف النص القاطع من الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة.
الثالث: ما صرح بتكذيبه جمع كثير يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب.
الرابع: ما سكت الجمع الكثير عن نقله، والتحدث به مع جريان الواقعة بمشهد منهم ومع إحالة العادة السكوت عن ذكره لتوفر الدواعي على نقله، كما لو أخبر مخبر بأن أمير البلد قتل في السوق على ملأ من الناس، ولم يتحدث أهل السوق به فيقطع بكذبه، إذ لو صدق لتوفرت الدواعي على نقله، ولإحالة العادة اختصاصه بحكايته١.
وخالفت الشيعة فقالت: إن عدم تواتر الخبر لا يدل على كذبه، لأن العقل يجوّز صدقه. وقد قالوا: بصدق ما رووه في إمامة علي ﵁ من نحو: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه"، وما كان مثله مما استدلوا به على خلافته من الأحاديث التي لم تصح عند أهل السنة، ولم تسلم للشيعة، مشبهين لها بما لم يتواتر من آحاد المعجزات، كحنين الجذع٢ وتسليم الحجر، وتسبيح الحصى، وغيرها مما
стр. 36
لم ينقل بطريق التواتر مع توفر الدواعي على نقلها متواترة، ولم يكن ذلك دليلاً على كذبها.
وأجيب بأن آحاد المعجزات كانت متواترة ثم استغني عن استمرار تواترها بتواتر القرآن المستمر إلى الأبد، بخلاف ما استدلوا به في إمامة علي، فإنه لا يعرفه أهل الحديث فضلاً عن غيرهم، ولوكان حقاً لما خفى على أهل بيعة السقيفة من الصحابة ﵃ الذين بايعوا أبا بكر، كما بايعه علي رضي الله عنه١.
الثالث: ما لم يعلم صدقه ولا كذبه، وهو ثلاثة أقسام:
الأول: ما ترجح احتمال صدقه كخبر العدل.
الثاني: ما ترجح احتمال كذبه كخبر الفاسق.
стр. 37
الثالث: أن يتساوى الأمران كخبر مجهول الحال١.
стр. 38
السنة لغة وشرعاً
السنة لغة: الطريقة والسيرة، حسنة كانت أو قبيحة.
قال خالد الهذلي:
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها
وقال لبيد في معلقته:
من معشر سنت أمم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها١
وقد تكرر إطلاق السنة في القرآن بمعنى الطريقة والسيرة، كقوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا
стр. 39
فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً﴾ ٢والآيات في مثل ذلك كثيرة.
وورد في الحديث لفظ السنة وما تصرف منها، ومنه بمعنى الطريقة والسيرة حديث جرير بن عبد الله: "من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء"٣.
وفي الحديث الآخر عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم، قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ "٤.
ونقل الزبيدي عن الأزهري أن السنة الطريقة المحمودة المستقيمة، ولذا قيل فلان من أهل السنة، معناه من أهل الطريقة المحمودة
стр. 40
المستقيمة١. وعزاه الشوكاني للخطابي قال: قال: "أصلها الطريقة المحمودة، فإذا أطلقت انصرفت إليها، وقد تستعمل في غيرها مقيدة كقوله: "من سن سنة سيئة""٢.
والذي تؤيده النصوص هو ما ذهب إليه الجمهور من إطلاقها على الطريقة: محمودة كانت أم غير محمودة. فما استدل به الخطابي من قيدها في الحديث بالسيئة لا دليل فيه، لورودها مقيدة بالحسنة في نفس حديث جرير بن عبد الله "من سن في الإسلام سنة حسنة "الحديث٣.
وكذلك ما تقدم من شواهد اللغة، والآيات القرآنية. فالإطلاق فيما تقدم يدل على صحة ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم. والسنة بالضم الوجه لصقالته وملاسته، كما تطلق على الصورة، قال ذو الرمة:
تريك سنة وجه غير مقرفة٤ ... ملساء ليمس بها خالد ولا ندب
وأنشد ثعلب: