لم ينقل بطريق التواتر مع توفر الدواعي على نقلها متواترة، ولم يكن ذلك دليلاً على كذبها.
وأجيب بأن آحاد المعجزات كانت متواترة ثم استغني عن استمرار تواترها بتواتر القرآن المستمر إلى الأبد، بخلاف ما استدلوا به في إمامة علي، فإنه لا يعرفه أهل الحديث فضلاً عن غيرهم، ولوكان حقاً لما خفى على أهل بيعة السقيفة من الصحابة ﵃ الذين بايعوا أبا بكر، كما بايعه علي رضي الله عنه١.
الثالث: ما لم يعلم صدقه ولا كذبه، وهو ثلاثة أقسام:
الأول: ما ترجح احتمال صدقه كخبر العدل.
الثاني: ما ترجح احتمال كذبه كخبر الفاسق.
стр. 37
الثالث: أن يتساوى الأمران كخبر مجهول الحال١.
стр. 38
السنة لغة وشرعاً
السنة لغة: الطريقة والسيرة، حسنة كانت أو قبيحة.
قال خالد الهذلي:
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها
وقال لبيد في معلقته:
من معشر سنت أمم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها١
وقد تكرر إطلاق السنة في القرآن بمعنى الطريقة والسيرة، كقوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا
стр. 39
فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً﴾ ٢والآيات في مثل ذلك كثيرة.
وورد في الحديث لفظ السنة وما تصرف منها، ومنه بمعنى الطريقة والسيرة حديث جرير بن عبد الله: "من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء"٣.
وفي الحديث الآخر عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم، قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ "٤.
ونقل الزبيدي عن الأزهري أن السنة الطريقة المحمودة المستقيمة، ولذا قيل فلان من أهل السنة، معناه من أهل الطريقة المحمودة
стр. 40
المستقيمة١. وعزاه الشوكاني للخطابي قال: قال: "أصلها الطريقة المحمودة، فإذا أطلقت انصرفت إليها، وقد تستعمل في غيرها مقيدة كقوله: "من سن سنة سيئة""٢.
والذي تؤيده النصوص هو ما ذهب إليه الجمهور من إطلاقها على الطريقة: محمودة كانت أم غير محمودة. فما استدل به الخطابي من قيدها في الحديث بالسيئة لا دليل فيه، لورودها مقيدة بالحسنة في نفس حديث جرير بن عبد الله "من سن في الإسلام سنة حسنة "الحديث٣.
وكذلك ما تقدم من شواهد اللغة، والآيات القرآنية. فالإطلاق فيما تقدم يدل على صحة ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم. والسنة بالضم الوجه لصقالته وملاسته، كما تطلق على الصورة، قال ذو الرمة:
تريك سنة وجه غير مقرفة٤ ... ملساء ليمس بها خالد ولا ندب
وأنشد ثعلب:
стр. 41
بيضاء في المرآة سنتها
في البيت تحت مواضع اللمس
أو السنة الوجه والجبينان، وكله من الصقالة والإسالة١.
стр. 42
السنة شرعاً:
إذا أطلق لفظ السنة في الشرع، فإنما يراد بها ما أمر به النبي ﷺ ، أو نهى عنه، أو دعا إليه قولا كان أو فعلا، ولذا يقال في أدلة الشرع: الكتاب والسنة، أي القرآن والحديث، غير أنه اختلف في معنى السنة باختلاف اصطلاح العلماء، لاختلاف أغراضهم واختصاصاتهم، فهي عند المحدثين غيرها عند الأصوليين والفقهاء.
فالسنة عند المحدثين: ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أوتقرير، أو صفة خلقية أو خلقية، أو سيرة، سواء كانت قبل البعثة ... كالتحنث في غار حراء أو بعدها. وهي بهذا المعنى ترادف الحديث عند بعضهم.
والسنة عند علماء أصول الفقه: كل ما صدر عن النبي ﷺ ، غير القرآن الكريم من قول أو فعل أو تقرير، مما يصلح لأن يكون دليلاً لحكم شرعي.
والسنة عند الفقهاء: كل ما ثبت من أحكام الشرع عن النبي ﷺ مما ليس بفرض ولا واجب، وهي بهذا المعنى تقابل الواجب وغيره من أحكام الشرع الخمسة.
وقد عرفها فقهاء المالكية بأنها ما واظب عليه النبي ﷺ مع ترك ما بلا عذر، وأظهره في جماعة، وقد يسمي بعضهم ما أكد منها بالواجب. قال صاحب مراقي السعود:
وسنة ما أحمد قد واظبا ... عليه والظهور فيه وجبا
стр. 43
وبعضهم سمى الذي قد أكدا ... منها بواجب فخذ ما قيدا
يعنى أن السنة هي: ما واظب عليه النبي ﷺ ، وأظهره في جماعة. وبعض أصحاب مالك يسمي السنة المؤكدة بواجب، وعليه درج ابن أبي زيد في الرسالة حيث يقول:"سنة أو واجبة"١.
فكان لاختلاف أغراض العلماء أثر في الاختلاف في اصطلاحاتهم. فأعم تلك الاصطلاحات اصطلاح المحدثين الذين قصدوا بالسنة كل ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، أو صفة خلقية أو خلقية سواء أثبت ذلك حكما أم لا.
وأخص منه اصطلاح الأصوليين، والفقهاء، لأن الأصوليين بحثوا عن رسول الله ﷺ من حيث إنه يضع القواعد للمجتهدين من بعده، ويبين للناس دستور الحياة، فاعتنوا بأقواله وأفعاله وتقريراته التي تثبت الأحكام الشرعية وتقررها. والفقهاء إنما بحثوا عنها من حيث إنها لا تخرج عن حكم شرعي، فهم يبحثون عن حكم الشرع على أفعال العباد وجوبا وحرمة وإباحة وغيرها.
стр. 44
وقد تطلق عند العلماء على ما عمل به الصحابة -رضوان الله عليهم- سواء كان ذلك في القرآن أم الحديث، أم باجتهاد منهم كجمع المصحف، وتدوين الدواوين، وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة ويقابل ذلك البدعة١.
ويدلك على ذلك قوله ﷺ من حديث العرباض بن سارية: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ" ٢.
стр. 45
أقسام السنة باعتبار ذاتها
اختلف العلماء في تقسيم السنة:
فذهب علماء المالكية إلى أنها تنقسم إلى: قول، وفعل، ولم يروا التقرير قسماً لدخوله عندهم في الفعل، قال صاحب مراقي السعود:
والقول والفعل وفي الفعل انحصر ... تقريره كذى الحديث والخبر
يعني أن تقريره لأحد على فعل رآه يفعله ولم ينكر عليه داخل في الأفعال دخول انحصار بحيث لا يخرج منه عنها شيء١.
وقال الأسنوي في تعريف السنة وبيان أقسامها: "وتطلق على ما صدر من النبي ﷺ من الأفعال أو الأقوال التي ليست للإعجاز، وهذا هو المراد هنا، ولما كان التقرير عبارة عن الكف عن الإنكار، والكف فعل ... استغنى المصنف عنه به أي عن التقرير بالفعل"٢.
وذهب الجمهور إلى انقسامها إلى قول، وفعل، وتقرير٣.
стр. 46
أمثلة أقسام السنة:
مثال القول: أحاديث رسول الله ﷺ التي قالها في مختلف الأغراض والمناسبات، مما يتعلق بتشريع الأحكام كحديث عمر بن الخطاب: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى ... " الحديث١.
وحديث علي: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " ٢، وقوله: "لا ضرر ولا ضرار "٣، وأبي هريرة " هو الطهور ماؤه الحل ميتته "٤.
مثال الفعل: ما نقله الصحابة ﵃ من أفعال النبي ﷺ في شؤون العبادات وغيرها، كأداء الصلوات، ومناسك الحج، وآداب الصيام وقضائه ﷺ "باليمين والشاهد "٥.
стр. 47
ومثال التقرير: ما أقره الرسول ﷺ مما صدر من بعض أصحابه من أقوال وأفعال، بسكوت منه وعدم إنكاره، أو بموافقته وإظهار استحسان وتأييد.
فيعتبر ما صدر عنهم بهذه المثابة صادراً عن النبي ﷺ . فمن ذلك ما أخرجه أبو داود عن أبي سعيد ﵁: أنه خرج رجلان في سفر وليس معهما ماء فعرضت الصلاة، فتيمما صعيداً طيباً، فصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ ، فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: "أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك" وقال للذي توضأ وأعاد: " لك الأجر مرتين "١.
ومنه أيضاً: إقراره لاجتهاد الصحابة في صلاة العصر في غزوة بني قريظة حين قال لهم: " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" ففهم بعضهم هذا النهي على حقيقته، فلم يصل إلا في بني قريظة بعد المغرب، وقال: "لا نصلي حتى نأتيها"وفهم البعض أن المقصود الحث على
стр. 48
الإسراع، فصلاها في وقتها. وبلغ النبي ﷺ ما فعل الفريقان، فأقرهما ولم ينكر على أحدهما١.
стр. 49
تمهيد منزلة السنة من القرآن
مقدمة:
اختار الله تعالى محمداً ﷺ فختم به الرسالات السماوية وأرسله إلى الناس كافة، وأنزل عليه القرآن العظيم ﴿هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ ١
فالقرآن الكريم هو أساس الشريعة الإسلامية، ففيه التوحيد والأحكام، والآداب، والترغيب والترهيب والقصص، وهو كلام الله تعالى المنزل على رسوله ﷺ بواسطة الملك جبريل الأمين، المتواتر لفظه جملة وتفصيلا، المتعبد بتلاوته، المكتوب في المصاحف.
ولما كان القرآن الكريم دستور المسلمين وأساس قواعد الأحكام الشرعية، كان رسول الله ﷺ هو المبين لكتاب الله، إذ لا يمكن أن يفهم القرآن على حقيقته، وأن يعلم مراد الله من كثير من آيات الأحكام إلا من جهة رسول الله ﷺ المنزل عليه القرآن ليبينه للناس.
وذلك البيان: إما بوحي من الله تعالى، وإما باجتهاد من الرسول ﷺ ، غير أنه ﷺ لا يقر على خطأ. وعلى هذا فمرد السنة إلى الوحي.
стр. 50
فالقرآن الكريم هو الوحي المتلو المتعبد بتلاوته، والسنة وحي غير متلو ولا متعبد بتلاوتها.
قال ابن حزم: "لما بينا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع نظرنا فيه، فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله ﷺ ، ووجدناه يقول فيه واصفاً لرسوله ﷺ : قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١. فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله إلى قسمين:
أحدهما: وحي متلو مؤلف تأليفاً معجز النظام وهو القرآن.
والثاني: وحي مروى منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ ، وهو المبين عن الله مراده منا، قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢ ووجدناه قد أوجب طاعة هذا القسم الثاني، كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق٣. فالقرآن والسنة مصدران للتشريع متلازمان، لا يمكن لأي مسلم طالب علم أو مجتهد الاستغناء بأحدهما عن الآخر.
стр. 51
قال الألوسي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ١، قال: "وأعاد الفعل وإن كانت طاعة الرسول مقرونة بطاعة الله اعتناء بشأنه ﵊، وقطعاً لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس في القرآن، وإيذاناً بأن له ﷺ استقلالاً بالطاعة لم يثبت لغيره، ومن ثم لم يعد في قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ إيذاناً بأنهم لا استقلال لهم فيها استقلال الرسول ﷺ "٢.
وقال ابن حجر: "النكتة في إعادة العامل في الرسول دون أولى الأمر مع أن المطاع في الحقيقة هو الله تعالى، كون الذي يعرف به ما يقع به التكليف هما: القرآن، والسنة، فكأن التقرير أطيعوا الله فيما نص عليكم في القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بين لكم من القرآن، وما ينصّه عليكم من السنة. أو المعنى أطيعوا الله فيما يأمركم به من الوحي المتعبد بتلاوته، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحيِ الذي ليس بقرآن"٣.
стр. 52
رتبة السنة من القرآن:
رتبة السنة من القرآن التأخر عنه في الاعتبار، لأن القرآن مقطوع به جملة وتفصيلاً، أما السنة فإنما يقطع بها في الجملة لا على التفصيل، ولأن القرآن هو الأصل، والسنة له بمثابة الفرع، لأنها تبينه وتوضحه، فالأصل مقدم على الفرع، والمبين متقدم على المبين، ويدل لذلك ما جاء في حديث معاذ ﵁، ولفظه: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟، قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي" ١.
ومما كتبه عمر ﵁ إلى شريح " إذا أتاك أمر فاقض بما في كتاب الله، فإن أتاك بما ليس في كتاب الله، فاقض بما سن فيه رسول الله ﷺ ... إلخ ".
وفي رواية عنه: "إذا وجدت شيئاً في كتاب الله فاقض فيه ولا تلتفت إلى غيره". وقد بين المراد من هذا في رواية أخرى أنه قال: "انظر
стр. 53
ما تبين لك في كتاب الله، فلا تسأل عنه أحداً، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع سنة رسول الله ﷺ ".
وروي مثل هذا عن ابن مسعود: "من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيه ﷺ ".
стр. 54
أوجه السنة مع القرآن
لا خلاف بين العلماء في أن السنة مع القرآن لها ثلاث حالات:
الأولى: أن تكون موافقة للقرآن من كل وجه، كما في حديث ابن عمر: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاَ"١.
فهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٢، ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٣ الآية، ولقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ٤.
الثانية: أن تكون مبينة لأحكام القرآن من تقييد مطلق، أو تفصيل مجمل، أو تخصيص عام، كالأحاديث التي فصلت أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج والبيوع والمعاملات، التي وردت مجملة في القرآن.
стр. 55
وهذا النوع هو أغلب ما في السنة، وأكثرها وروداً١.
وها أنا أذكر أمثلة لبيان السنة لمجمل القرآن، وتقييدها لمطلقه، وتخصيصها لعامه فيما يلي:
١- مثال تبيين السنة لمجمل الكتاب كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٢ فإن هذا اللفظ لم يتضمن بيان أوقات الصلاة، وأفعالها، وقد بين النبي ﷺ ذلك بقوله وفعله لغيره بعد أن بينه له جبريل ﵇. وكذلك قوله جل شأنه: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٣، فقد بين النبي ﷺ مقدار الواجب، وصفة المواشي التي تجب فيها الزكاة، وغيرها من الأموال التي تجب فيها الزكاة شيئاً فشيئاً، كما بين الحج.
стр. 56
هل الفعل يكون بياناً؟
اختلف العلماء في الفعل هل يكون بياناً أولا؟ فالأكثرون على أنه يكون بياناً، خلافاً لطائفة شاذة.
قال الآمدي: "مذهب الأكثرين أن الفعل يكون بياناً، خلافاً لطائفة شاذة، ويدل على ذلك النقل والعقل. أما النقل فما روي عن النبي ﷺ أنه عرف الصلاة والحج بفعله، حيث قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي، وخذوا عني مناسككم" ١.
وأما العقل فهو أن الإجماع منعقد على كون القول بياناً، والإتيان بأفعال الصلاة والحج، لكونها مشاهدة أدل على معرفة تفصيلها من الإخبار عنها بالقول، فإنه ليس الخبر كالمعاينة، ولهذا كانت مشاهدة زيد في الدار أدل على معرفة كونه فيها من الإخبار عنه بذلك.
وإذا كان القول بياناً، مع قصوره في الدلالة عن الفعل المشاهد، فبكون الفعل بياناً أولى"٢.
стр. 57
٢- مثال تقييد السنة لمطلق الكتاب كما في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ ١ فاليد تصدق من الأصابع إلى المنكب، ووردت هنا مطلقة، فقيدتها السنة بما جاء في الصحيحين واللفظ للبخاري قال: "جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقالت: إني أجنبت فلم أصب الماء. فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، أما أنا فتمعكت٢ فصليت، فذكرت للنبي ﷺ ، فقال النبي لا: "كان يكفيك هكذا " فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه" ٣ فالحديث كما ترى قيد لفظ اليد بالكفين مع أن اليد تصدق مطلقاً على أكثر من ذلك.
стр. 58
كما قيدت السنة القطع في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١ الآية بالقطع من منتهى الكف دون المرفق.
٣- أ- مثال تخصيص السنة لعام القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٢ الآية.
فلفظ السارق عام، وهو قاض بقطع كل سارق سواء كان المسروق نصاباً، أم أقل، وسواء كان من حرز أم من غير حرز، إلا أن السنة خصصت ذلك بمن سرق نصاباً محرزاً.
فمن الأحاديث الدالة على ذلك ما رواه ابن عمر ﵁ " أن النبي ﷺ قطع في مجن ٣ " ثمنه ثلاثة دراهم. وفي لفظ بعضهم " قيمته ثلاثة دراهم "٤.
وعن عائشة ﵂ قالت:" قال النبي ﷺ : " تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً "٥ وفي رواية مسلم أن النبي ﷺ قال: " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً" ٦.
стр. 59
فدلت الأحاديث على اعتبار النصاب، وبمدلولها قال العلماء لما روى رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقطع في ثمر ولا كثر "١.
ومحل عدم القطع في الثمر مالم يجذ ويحرز، فإن أحرز وبلغ النصاب ففيه القطع لما في رواية الترمذي وغيره إلا ما آواه الجرين٢ والحديث أخرجه أحمد والأربعة، وصححه ابن حبان من طريق مالك٣.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " سئل رسول الله ﷺ عن الثمر المعلق فقال: "من أصاب منه بغية من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يأويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع ". وأخرجه أيضاً الحاكم وصححه، والنسائي وأبو داود والترمذي مختصراً في باب الرخصة في أكل الثمرة للمار بها، وحسنه٤.
стр. 60
ب - ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ١
قال الألوسي: "أشار إلى ما تقدم من المحرمات أي أحل لكم نكاح ما سواهن انفراداً واجتماعاً "٢.
غير أن هذا العموم خصص بما رواه البخاري في صحيحه من حديث جابر ﵁: "نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها "٣.
وما ورد في حديث أبي هريرة ﵁: " لا يجمع بين المرأة، وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" ٤.
قال ابن حجر: "قال الشافعي: "تحريم الجمع بين من ذكر هو قول من لقيته من المفتين، لا اختلاف، بينهم في ذلك".
وقال الترمذي بعد تخريجه: "العمل على هذا عند عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافاً، في أنه لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، ولا أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها..." وكذلك نقل الإجماع ابن عبد البر وابن حزم والقرطبي والنووي.
стр. 61
واستثنى ابن حزم عثمان البتي، وهو أحد الفقهاء القدماء من أهل البصرة. واستثنى النووي طائفة من الخوارج والشيعة. واستثنى القرطبي الخوارج.
قال الحافظ: قال النووي: "احتج الجمهور بهذه الأحاديث وخصوا بها عموم القرآن في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ١.
ج- ومنه قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ ٢ فإن عموم الآية يدلى على أن كل أب خلف أولاداً ذكوراً وإناثاً، أن الذكر منهم يرث مع أخته من تركة الأب نصيب أنثيين، ومحل ذلك ما لم يقم مانع من الإرث كالرق واختلاف الدين، والقتل، أو كون الموروث رسول الله ﷺ وذلك لما جاء في السنة عن رسول الله ﷺ من تخصيص عموم الآية بمنع الإرث في حق أولئك. فمن ذلك: ما جاء عن أسامة بن زيد ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم "٣.
стр. 62
ومنه: عن عمر ﵁ أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " ليس لقاتل ميراث" ١.
ومنه: حديث أبي بكر: "لا نورث ما تركناه صدقة" ٢، فإن هذا الحديث أخرج الميراث من النبي ﷺ من عموم الميراث الذي دلت عليه الآية لغة كما لا يخفى. إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا يتسع لها المجال هنا. وقد رأى البعض أن السنة مقدمة على الكتاب.
قال يحيى بن أبي كثير: "السنة قاضية على الكتاب، ليس الكتاب قاضياً على السنة"٣ لأن الكتاب قد يكون فيه ما يحتمل أمرين، فتأتي السنة فتعين أحدهما، فيعمل به دون الآخر. وقد يكون ظاهره الأمر، فتأتي السنة فتخرجه عن ظاهره. وهذا يدل على تقديم السنة.
стр. 63
وأجيب عنه بأن ليس المراد إطراح الكتاب وتقديم السنة، وإنما المراد بقضائها عليه كونها بياناً وشرحاً له، فلا يتوقف مع إجماله واحتماله إذا بنيت السنة المقصود منه، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ١.
فالآية كما ترى صريحة في أن السنة بيان للقرآن، فهي تباين مجمله، وتقيد مطلقه، وتخصص عمومه. فهذا هو وجه تقديمها عليه، وهو المنقول عن السلف"٢.
روى الخطيب البغدادي: "أن عمران بن حصين كان جالساً ومعه أصحابه، فقال رجل من القوم: لا تحدثونا إلا بالقرآن، قال: فقال له: أدنه، فدنا، فقال: أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعاً، وصلاة العصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، تقرأ في اثنتين؟ أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد الطواف بالبيت سبعاً، والطواف بين الصفا والمروة سبعاً؟ ثم قال: أي قوم خذوا عنا فإنكم والله إن لا تفعلوا لتضلن"٣.
стр. 64
المرتبة الثالثة:
"ما دل على حكم سكت عنه القرآن، فلم يثبته، ولم ينفه، كالأحاديث التي أثبتت حرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وأحكام الشفعة، ورجم الزاني المحصن، وتغريب الزاني البكر، وإرث الجدة، وغير ذلك"١.
ولا خلاف بين العلماء في المرتبتين الأوليين، وإنما الخلاف في الثالثة التي أثبتت أحكاماً لم يتعرض لها القرآن نفياً أو إثباتاً. قال الشافعي ﵀: " وسنن رسول الله مع كتاب الله وجهان:
أحدهما: نص كتاب، فاتبعه رسول الله كما أنزل الله.
والآخر: جملة، بين رسول الله فيه عن الله معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرضها: عاماً أو خاصاً، وكيف أراد أن يأتي به العباد، وكلاهما اتبع فيه كتاب الله."
قال: "فلم أعلم من أهل العلم مخالفاً في أن سنن النبي من ثلاثة وجوه، فاجتمعوا منها على وجهين: والوجهان يجتمعان ويتفرعان:
أحدهما: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبين رسول الله ما نص الكتاب.
стр. 65
والآخر: مما أنزل فيه جملة كتاب، فبين عن الله معنى ما أراد. وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما.
والوجه الثالث: ما سنّ رسول الله فيه فيما ليس فيه نص كتاب.
فمنهم من قال: جعل الله له، بما افترض من طاعته، وسبق في علمه من توفيقه لرضاه، أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب.
ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب. كما كانت سنته لتبين عدد الصلاة وعملها، على أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سن من البيوع وغيرها من الشرائع، لأن الله قال: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ١. وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٢. فما أحل وحرم، فإنما بيّن فيه عن الله، كما بين الصلاة.
ومنهم من قال: جاءته به رسالة الله، فأثبتت سنته بفرض الله.
ومنهم من قال: ألقى في روعه كل ما سن، وسنته الحكمة التي ألقى في روعه عن الله، فكان ما ألقى في روعه سنته٣.
стр. 66
فاختلف العلماء في المرتبة الثالثة من حيث إثباتها لأحكام لم يتعرض لها القرآن، لا من حيث وجودها.
فذهب الجمهور إلى أن السنة أثبتت أحكاماً لم ترد في القرآن. وذهب جماعة ومنهم الشاطبي١ إلى أنه ليس في السنة أمر إلا وله أصل في القرآن.
قال ابن القيم٢ بعد أن ذكر انقسام السنة إلى ثلاثة أقسام، وبين كل قسم قال: "فما كان منها زائداً على أصل القرآن، فهو تشريع مبتدأ من النبي ﷺ ، تجب طاعته فيه، ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديماً لها على الكتاب، بل امتثالا لما أمر الله به من طاعة رسوله، ولو كان رسوله ﷺ لا يطاع في هذا القسم، لم يكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به،
стр. 67
وأنه إذا لم تجب إلا فيما وافق القرآن، لا فيما زاد عليه، لم يكن له طاعة خاصة تختص به، وقد قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ١.
وكيف يمكن أحداً من أهل العلم أن لا يقبل حديثاً زائداً على كتاب الله، فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب، ولا حديث خيار الشرط، ولا أحاديث الشفعة، ولا حديث الرهن في الحضر، مع أنه زائد على ما في القرآن، ولا حديث ميراث الجدة، ولا حديث تخيير الأمة إذا عتقت تحت زوجها، ولا حديث منع الحائض من الصوم والصلاة، ولا حديث وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان، ولا أحاديث إحداد المتوفى عنها زوجها مع زيادتها على ما في القرآن من العدة"٢.
أدلة القائلين بأن السنة لم تثبت من الأحكام إلا ما له أصل في القرآن:
قال الشاطبي: "السنة راجعة في معناها إلى الكتاب، فهي تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره، وذلك لأنها بيان له، وهو الذي دل عليه قوِله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٣، فلا تجد في السنة أمراً إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو
стр. 68
تفصيلية، وأيضاً فكل ما دل على أن القرآن هوكلية الشريعة وينبوع لها، فهو دليل على ذلك، لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ١. وفسرت عائشة ذلك بأن خلقه القرآن، واقتصرت في خلقه على ذلك، فدل على أن قوله وفعله وإقراره راجع إلى القرآن، لأن الخلق محصور في هذه الأشياء، ولأن الله جعل القرآن تبياناً لكل شيء، فيلزم من ذلك أن تكون السنة حاصلة فيه في الجملة، لأن الأمر والنهي أول ما في الكتاب. ومثله قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢. وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٣.وهو يريد إنزال القرآن. فالسنة إذن في الأمر بيان لما فيه. وذلك معنى كونها راجعة إليه، وأيضاً فالاستقراء التام دل على ذلك"٤.
أدلة القائلين بإثبات السنة لأحكام لم يتعرض لها القرآن:
١- أن الله تعالى قرن الإيمان به بالإيمان برسوله ﷺ ، فقال جل شأنه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِه﴾ ٥ وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ
стр. 69
آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١ وقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٢.
قال الشافعي: "فجعل كمال ابتداء الإيمان، الذي ما سواه تبع له: الإيمان بالله، ثم برسوله"٣.
والإيمان به ﷺ ، يقتضي تصديقه واتباعه في كل ما جاء به، سواء كان قرآناً، أم سنة، وسواء كانت مثبتة لحكم لم يتعرض له القرآن، أم تعرض له، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٤.
٢- وجوب طاعة الرسول: دلت نصوص القر N ن على وجوب اتباعه وطاعته فيما يأمر به وينهى عنه، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٥.
стр. 70
"والرد إلى الله هو الرد إلى الكتاب، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته"١.
وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ ٢.
قال الشاطبي: "وسائر ما قرن فيه طاعة الرسول بطاعة الله، فهو دال على أن طاعة الله ما أمر به ونهى عنه لا كتابه، وطاعة الرسول ما أمر به ونهى عنه مما جاء به مما ليس في القرآن، إذ لو كان في القرآن لكان من طاعة الله. وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣ فاختص الرسول ﵊ بشيء يطاع فيه، وذلك السنة التي لم تأت في القرآن"٤.
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٥. وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٦. وقال: ﴿إِنَّ
стр. 71
الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٢.
فهذه الآيات وغيرها من أدلة القرآن، تدل على لزوم طاعة الرسول ﷺ ، في كل ما أمر به، ونهى عنه، ولو كان زائداً على ما في القرآن.
٣- وردت أحاديث كثيرة دلت على ذم ترك السنة، والاكتفاء بالقرآن، ولو كان ما في السنة في القرآن لما كان الاكتفاء به تركاً لها.
- منها ما أخرجه أبو داود عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، لا يوشك رجل شبعان على أريكته٣يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من
стр. 72
حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا، لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا أكل كل ذي ناب من السبع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغتي عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم١بمثل قراه" ٢.
- ومنها ما أخرجه أيضاً عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" ٣.
- ومنها: ما أخرجه الخطيب البغدادي عن المقدام بن معد يكرب الكندي سمعت رسول الله ﷺ حرم أشياء فذكر الحمر الإنسية، ثم قال: " يوشك رجل متكيء على أريكته يحدث بالحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا حلالا أحللناه، وما وجدنا حراماً حرمناه، ألا وإنما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله " ٤.
стр. 73
٤- "أن الاستقراء دل على أن في السنة أشياء لا تحصى كثرة، لم ينص عليها في القرآن، كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع والعقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر..."١.
أجاب القائلون بأن السنة لم تثبت من الأحكام إلا ما له أصل في القرآن، عن أدلة الفريق الآخر بما يأتي:
أما عن الدليل الأول:
فقالوا: إن السنة بيان وشرح للقرآن، قال الشاطبي: "لأنا إذا بنينا على أن السنة بيان للكتاب، فلا بد أن تكون بياناً لما في الكتاب احتمال له ولغيره، فتبين السنة أحد الاحتمالين دون الآخر. فإذا عمل المكلف على وفق البيان أطاع الله فيما أراد بكلامه، وأطاع رسوله في مقتضى بيانه، ولو عمل على مخالفة البيان عصى الله تعالى في عمله على مخالفة البيان، إذ صار عمله على خلاف ما أراد بكلامه، وعصى رسوله في مقتضى بيانه، فلم يلزم من إفراد الطاعتين تباين المطاع فيه بإطلاق، وإذا لم يلزم ذلك، لم يكن في الاَيات دليل على أن ما في السنة ليس في الكتاب"٢.
стр. 74
وأيضاً قالوا: إن زيادة الأحكام في السنة إنما هي زيادة الشرح على المشروح، وإلا لم يكن شرحاً، وهذا ليس بزيادة في الواقع. وعلى هذا المعنى ينزل الدليل الثاني١.
وأجابوا عن الدليل الثالث بما يتلخص في أن الكتاب دل على وجوب العمل بالسنة، لأنها بيان له وشرح، وإن اختلفت مآخذ العلماء في ذلك بما يأتي:
١- فمنهم من سلك سبيل العموم، وجعل العمل بالسنة عملاً بالقرآن، ومن هؤلاء عبد الله بن مسعود ﵁، فروى أن امرأة من بني أسد أتته فقالت: "بلغني أنك لعنت ذيت وذيت، والواشمة والمستوشمة، إني قد قرأت ما بين اللوحين، فلم أجد الذي تقول". فقال لها عبد الله: "أما قرأت ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ٢؟ "قالت: "بلى". قال: "فهو ذاك". وفي رواية قال عبد الله: "لعن الله الواشمات والمستوشمات٣ والمتنمصات٤ والمتفلجات للحسن
стр. 75
المغيّرات خلق الله" قال: "فبلغ ذلك امرأة من بني أسد" فقالت: "يا أبا عبد الرحمن بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت" فقال: "وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله! ". فقالت المرأة: "لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته". فقال: "لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه"،قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١.
فظاهر قوله في هو في كتاب الله ثم فسر ذلك بقوله ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ دون قوله: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ٢ أن تلك الآية تضمنت جميع ما في الحديث النبوي.
وروي عن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى محرماً عليه ثيابه، فنهاه فقال: ائتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي. فقرأ عليه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية.
وروي أن طاوسا كان يصلي ركعتين بعد العصر، فقال له ابن عباس: "أتركهما". فقال: "إنما نهى عنهما أن تتخذ سنة". فقال ابن عباس: "قد نهى رسول الله ﷺ عن صلاة بعد العصر" فلا أدري أتعذب عليهما