الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٢.
فهذه الآيات وغيرها من أدلة القرآن، تدل على لزوم طاعة الرسول ﷺ ، في كل ما أمر به، ونهى عنه، ولو كان زائداً على ما في القرآن.
٣- وردت أحاديث كثيرة دلت على ذم ترك السنة، والاكتفاء بالقرآن، ولو كان ما في السنة في القرآن لما كان الاكتفاء به تركاً لها.
- منها ما أخرجه أبو داود عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، لا يوشك رجل شبعان على أريكته٣يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من
стр. 72
حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا، لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا أكل كل ذي ناب من السبع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغتي عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم١بمثل قراه" ٢.
- ومنها ما أخرجه أيضاً عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" ٣.
- ومنها: ما أخرجه الخطيب البغدادي عن المقدام بن معد يكرب الكندي سمعت رسول الله ﷺ حرم أشياء فذكر الحمر الإنسية، ثم قال: " يوشك رجل متكيء على أريكته يحدث بالحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا حلالا أحللناه، وما وجدنا حراماً حرمناه، ألا وإنما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله " ٤.
стр. 73
٤- "أن الاستقراء دل على أن في السنة أشياء لا تحصى كثرة، لم ينص عليها في القرآن، كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع والعقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر..."١.
أجاب القائلون بأن السنة لم تثبت من الأحكام إلا ما له أصل في القرآن، عن أدلة الفريق الآخر بما يأتي:
أما عن الدليل الأول:
فقالوا: إن السنة بيان وشرح للقرآن، قال الشاطبي: "لأنا إذا بنينا على أن السنة بيان للكتاب، فلا بد أن تكون بياناً لما في الكتاب احتمال له ولغيره، فتبين السنة أحد الاحتمالين دون الآخر. فإذا عمل المكلف على وفق البيان أطاع الله فيما أراد بكلامه، وأطاع رسوله في مقتضى بيانه، ولو عمل على مخالفة البيان عصى الله تعالى في عمله على مخالفة البيان، إذ صار عمله على خلاف ما أراد بكلامه، وعصى رسوله في مقتضى بيانه، فلم يلزم من إفراد الطاعتين تباين المطاع فيه بإطلاق، وإذا لم يلزم ذلك، لم يكن في الاَيات دليل على أن ما في السنة ليس في الكتاب"٢.
стр. 74
وأيضاً قالوا: إن زيادة الأحكام في السنة إنما هي زيادة الشرح على المشروح، وإلا لم يكن شرحاً، وهذا ليس بزيادة في الواقع. وعلى هذا المعنى ينزل الدليل الثاني١.
وأجابوا عن الدليل الثالث بما يتلخص في أن الكتاب دل على وجوب العمل بالسنة، لأنها بيان له وشرح، وإن اختلفت مآخذ العلماء في ذلك بما يأتي:
١- فمنهم من سلك سبيل العموم، وجعل العمل بالسنة عملاً بالقرآن، ومن هؤلاء عبد الله بن مسعود ﵁، فروى أن امرأة من بني أسد أتته فقالت: "بلغني أنك لعنت ذيت وذيت، والواشمة والمستوشمة، إني قد قرأت ما بين اللوحين، فلم أجد الذي تقول". فقال لها عبد الله: "أما قرأت ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ٢؟ "قالت: "بلى". قال: "فهو ذاك". وفي رواية قال عبد الله: "لعن الله الواشمات والمستوشمات٣ والمتنمصات٤ والمتفلجات للحسن
стр. 75
المغيّرات خلق الله" قال: "فبلغ ذلك امرأة من بني أسد" فقالت: "يا أبا عبد الرحمن بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت" فقال: "وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله! ". فقالت المرأة: "لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته". فقال: "لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه"،قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١.
فظاهر قوله في هو في كتاب الله ثم فسر ذلك بقوله ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ دون قوله: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ٢ أن تلك الآية تضمنت جميع ما في الحديث النبوي.
وروي عن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى محرماً عليه ثيابه، فنهاه فقال: ائتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي. فقرأ عليه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية.
وروي أن طاوسا كان يصلي ركعتين بعد العصر، فقال له ابن عباس: "أتركهما". فقال: "إنما نهى عنهما أن تتخذ سنة". فقال ابن عباس: "قد نهى رسول الله ﷺ عن صلاة بعد العصر" فلا أدري أتعذب عليهما
стр. 76
أو تؤجر؟ لأن الله قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ .١
٢- أن السنة بيان لما أجمل ذكره من الأحكام، إما بحسب كيفيات العمل، أو أسبابه، أو شروطه، أو موانعه، أو لواحقه، أو ما أشبه ذلك، كبيانها للصلوات على اختلافها، في مواقيتها وركوعها وسجودها وسائر أحكامها، وبيانها الزكاة ومقاديرها، ونصب الأموال المزكاة، وتعين ما يزكى مما لا يزكى، وبيان أحكام الصوم، وما فيه مما لم يقع النص عليه في الكتاب، وكذلك الطهارة الحدثية والخبثية، والحج والذبائح والصيد وما يؤكل مما لا يؤكل، والأنكحة وما يتعلق بها من الطلاق، والرجعة والظهار واللعان، والبيوع وأحكامها، والجنايات من القصاص وغيره، كل ذلك بيان لما وقع مجملاً في القرآن. وهو الذي يظهر دخوله تحت الآية الكريمة: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢.
وقد روي عن عمران بن حصين أنه قال لرجل: "إنك امرؤ أحمق أتجد في كتاب الله الظهر أربعاً لا يجهر فيها بالقراءة؟ " ثم عدد إليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال: "أتجد هذا في كتاب الله مفسراً؟ إن كتاب الله أبهم هذا وإن السنة تفسر ذلك".
стр. 77
وقيل لمطرف بن عبد الله بن الشخير: "لا تحدثونا إلا بالقرآن". فقال مطرف: "والله لا نريد بالقرآن بدلاً، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا".
وروى الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: "كان الوحي ينزل على رسول الله ﷺ ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك". قال الأوزاعي: "الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب". قال ابن عبد البر: "يريد أنها تقضي عليه وتبين المراد منه".
وسئل أحمد بن حنبل عن الحديث الذي روي أن السنة قاضية على الكتاب، فقال: "ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكني أقول: السنة تفسر الكتاب وتبينه"١.
٣- "أن القرآن قد ينص على حكمين متقابلين، ويكون هناك ما فيه شبه بكل واحد منهما؟ فتأتي السنة فتلحقه بأحدهما أو تعطيه حكماً خاصاً يناسب الشبهين، وقد ينص القرآن على حكم بشيء لعلة فيه، فيلحق به الرسول ﷺ ما وجدت فيه العلة، عن طريق القياس"٢.
стр. 78
٤- أن القرآن تضمن المقاصد الكلية للتشريع التي يقصدها في مختلف نصوصه وإنما في السنة من أحكام لا يعدو هذه المقاصد، لأن القرآن جاء بما يكفل مصالح العباد في الدارين، وجماع سعادة العباد في الدارين في ثلاثة أشياء:
стр. 79
١- الضروريات وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل.
٢- الحاجيات وهي: كل ما يؤدي إلى التوسعة ورفع الضيق والحرج كإباحة الفطر في السفر والمرض.
٣- التحسينيات وهي: ما يتعلق بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات كالطهارة وأخذ الزينة في اللباس ومحاسن الهيئات والطيب١.
وقد دل الاستقراء على أن هذه المقاصد الثلاثة ومكملاتها قد جاء بها القرآن الكريم أصولاً يندرج تحتها كل ما في القرآن من أحكام، وجاءت بها السنة بياناً وتفصيلاً لما ورد في القرآن منها.
فالسنة إذن في مجموعها ترجع بالتحليل إلى هذه الأصول الثلاثة٢.
الإجابة عما أجيب به عن أدلة الجمهور: للجمهور أن يردوا على تلك الإجابات بما يأتي:
أما عن الجواب الأول والثاني:
فإنما كان من السنة بياناً لما احتمله الكتاب، فهذا لا نزاع في أنه بيان للكتاب وشرح له، وإنما الخلاف، فيما استقلت السنة بتشريعه مما لم
стр. 80
يتعرض له الكتاب نفياً أو إثباتاً، وهو الذي دلت النصوص السابقة على وجوب طاعة رسول الله ﷺ فيه، وطاعته ﷺ فيه طاعة لله لأمره تعالى بطاعة رسوله فيما شرعه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ١ الآية. وقال جل شأنه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢.
وقول الشاطبي: ﵀ إن قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٣ وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ ٤ وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٥ وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٦ والآيتين اللتين ذكرتهما قبل هذه الآيات آنفا، لم يكن فيها دليل على أن
стр. 81
ما في السنة ليس في الكتاب، تقدم١ توجيه دلالة النصوص على أن في السنة من التشريع مالم يتعرض له القرآن نفياً أو إثباتاً. ويرد على الجواب الأول مما أجابوا به عن دليل الجمهور الثالث والرابع بأن ما استدلوا به مما نقلوه عن عبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن يزيد، وعبد الله بن عباس ﵃ فإنما يدل على وجوب اتباع رسول الله ﷺ بامتثال ما يأمر به واجتناب ما ينهى عنه، لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ٢الآية، لا يدل بمنطوقه أو مفهومه على لعن الواشمة والمستوشمة... إلخ، وإنما يدل على لزوم اتباع الرسول ﷺ في كل ما جاء به، واتباعه ﷺ في كل ما جاء به محل اتفاق.
ويجاب على الدليل الثاني عن دليل الجمهور الثالث والرابع: بأن ما استدلوا به من أن السنة بيان لما أجمل ذكره من الأحكام ... إلخ. يقال فيه: إن الخلاف فيما أثبتته السنة مما لم يتعرض له القرآن نفياً أو إثباتاً، أما ما كان داخلاً تحت نصوصه فلا خلاف فيه.
وما رووه عن عمران بن حصين وغيره، لا يرد علينا، لأنا لا نرى الاكتفاء بالقرآن، وعدم الاحتجاج بالسنة، بل نرى أن السنة بيان للقرآن فيما يمكن أن يدخل تحت منطوقه أو مفهومه، وأما ما لا يمكن دخوله
стр. 82
تحته، مما لم يتعرض له القرآن نفياً أو إثباتاً، نرى أنه تشريع استقلت به السنة، يجب اتباعه بنص كتاب الله١.
ويجاب عن الثالث منه: بأنه لا داعي إلى الإلحاق بالشبه والقياس، لثبوت تلك الأحكام بالسنة، لا سيما وأننا متفقون جميعاً على وجوب العمل بما ثبت بالسنة.
ويجاب عن الرابع منه: بأن ما استدلوا به من أن القرآن تضمن المعاني الكلية الكفيلة بسعادة الدنيا والآخرة، وإنما في السنة لا يعدو تلك المعاني وهي:
١-الضروريات.
٢-الحاجيات.
٣- التحسينيات ومكملاتها، حيث كان القرآن أصولا يندرج تحتها كل ما في القرآن من أحكام، والسنة بياناً وتفصيلاً لما فيه منها. فإن ذلك لا يمنع أن تثبت السنة من الأحكام مالم يكن في القرآن، ويتضمن تلك المقاصد، لا سيما وقد ثبت في السنة من ذلك ما يعسر استنباطه من نصوص القران.
- فمن ذلك حديث أبي قتادة ﵁ "من قتل قتيلاً فله سلبه "٢.
стр. 83
- ومنه حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ " قضى بيمين وشاهد" ١.
- ومنه حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ " نهى عن بيع الكاليء بالكاليء"، يعني الدين بالدين٢.
- ومنه حديث عائشة ﵂ قالت: "اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعاماً بنسيئة، فأعطاه درعا له رهناً "٣.
- ومنه حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: " قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل مالم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة "٤.
- ومنه ما أخرجه مالك عن قبيصة بن أبي ذئب أنه قال: "جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال أبو بكر: "مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك من سنة رسول الله ﷺ شيئاً، فارجعي حتى
стр. 84
أسأل الناس". فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: "حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس". فقال أبو بكر: "هل معك غيرك؟ " فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر الصديق"١.
- ومنه ما أخرجه البخاري عن عائشة ﵂ في تخيير الأمة إذا عتقه تحت عبد. قالت عائشة: "فدعاها- تعني بريرة- النبي ﷺ ، فخيرها من زوجها. فقالت: "لو أعطيتني كذا وكذا ما ثبت عنده، فاختارت نفسها"٢.
- ومنه في إحداد المتوفى عنها زوجها، ما أخرجه مسلم عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ أنها قالت: "سمعت النبي ﷺ يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً" ٣.
- ومنه في العقل وفكاك الأسير ما أخرجه البخاري من حديث أبي جحيفة قال: " سألت علي بن أبي طالب ﵁ هل عندكم من شيء مما ليس في القرآن؟ "وقال ابن عيينة مرة: "ما ليس عند الناس". فقال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهماً يعطى رجل في
стр. 85
كتابه، وما في الصحيفة". قلت: "وما في الصحيفة؟ " قال: "العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر"١.
- ومنه ما أخرجه مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : " يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة "٢.
- ومنه ما أخرجه الترمذي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ " قضى أن الخراج بالضمان " قال: هذا حديث صحيح غريب٣.
- ومنه ما أخرجه البخاري عن عروة عن عبد الله بن الزبير-﵄ أنه حدثه "أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير عند النبي ﷺ في شراج الحرة٤ التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: "سرح الماء يمر" فأبى عليه فاختصما عند النبي ﷺ . فقال رسول الله ﷺ للزبير: "اسق يا زبير،
стр. 86
ثم أرسل الماء إلى جارك"، فغضب الأنصاري، فقال: "أن كان ابن عمتك"، فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" ١.
- ومنه ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: " بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل، فقال: "يا رسول الله هلكت"، قال: "مالك؟ " قال: "وقعت على امرأتي وأنا صائم"، فقال رسول الله ﷺ : "هل تجد رقبة تعتقها؟ " قال: "لا". قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: "لا". فقال: "فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ " قال: "لا". قال فمكث النبي ﷺ فبينا نحن على ذلك أوتي النبي ﷺ بعرق فيها تمر، والعرق المكتل، قال: "أين السائل" فقال: "أنا"، قال: "خذ هذا فتصدق به"، فقال الرجل: "أعلي أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها- يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي"، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: "أطعمه أهلك "٢.
- ومنه ما أخرجه البخاري أيضاً عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : "أليس إذا حاضت -يعني المرأة-لم تصل ولم تصم؟ "٣.
стр. 87
- ومنه ما أخرجه مسلم عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه مالم يتفرقا إلا بيع الخيار" ١.
فقد تضمنت هذه الأحاديث وغيرها من الأحكام ما لم يتعرض له القرآن نفياً أو إثباتاً، بل أحكام السنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثر منها لم تنص عنها"٢.
هل للخلاف أثر؟
لم يترتب على اختلاف، الفريقين أثر، لاتفاقهما على وجوب العمل بكل ما ثبت بالسنة. وغاية الخلاف: أن أحدهما يقول بإثبات السنة لأحكام ليست في القرآن، والفريق الآخر يقول: لم تثبت إلا ما هو مندرج تحت نص من القرآن، أو تحت قاعدة عامة من قواعده.
стр. 88
أقسام الخبر باعتبار عدد رواته، وبيان ما يفيده كل قسم: ينقسم الخبر باعتبار عدد رواته إلى: متواتر، وآحاد:
الأول التواتر:
التواتر في اللغة: تتابع أمور واحداً بعد واحد بفترة بينهما، مأخوذ من الوتر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾ ١. أي واحداً بعد واحد بينهما فترة، والتاء الأولى مبدلة من واو كتاء تقوى.
وقيل: التواتر التتابع مطلقا، ومنه قول لبيد في معلقته:
يعلو طريقة متنها متواتراً ... في ليلة كفر النجوم غمامها٢
وقول حميد:
قرينة سبع إن تواترن مرة ... ضربن وصفت أرؤس وجنوب٣
الخبر المتواتر في اصطلاح الأصوليين:
اختلفت عبارات الأصوليين تعريف الخبر المتواتر، وإن كانت متفقة في المعنى، وإليك تعريفاتهم:
стр. 89
فقد عرفه ابن الحاجب١ بأنه: " خبر جماعة مفيد بنفسه العلم بصدقه"٢.
وقال الآمدي: "والحق أن المتواتر في اصطلاح المتشرعة عبارة عن خبر جماعة مفيد بنفسه العلم بمخبره"٣.
فكل منهما قيده بكونه خبر جماعة، احترازاً من خبر الواحد، وبكونه مفيداً بنفسه العلم احترازاً من خبر جماعة لا يفيد العلم بنفسه، وإنما أفاد العلم بغير نفسه كالخبر المحتف بالقرائن، أو بغير القرائن، كالعلم بمخبره ضرورة أو نظراً، فهما متفقان كما ترى٤.
وعرفه البيضاوي٥ بأنه " خبر بلغت رواته في الكثرة مبلغاً
стр. 90
أحالت العادة تواطؤهم على الكذب"١.
وهذا التعريف كما ترى لا يختلف عن التعريفين السابقين، وكلها خلت عن قيد كون الخبر عن أمر محسّ، فيرد على تلك التعريفات ما كان متواتراً بالنظريات، وما كان كذلك لا يفيد العلم، لأن الجم الغفير إذا أخبروا عن قدم العالم، فإن خبرهم قد لا يفيد العلم، وقد يقال بأن قيدهم بإفادته للعلم يخرج ما كان متواتراً بالنظريات.
وعرفه القرافي بأنه "خبر أقوام عن أمر محسّ، يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة"٢.
فقيده بكونه خبر أقوام احترازاً من خبر الواحد، وبكونه عن أمر محسّ، احترازاً عن النظريات، فإن الجمع العظيم إذا أخبروا عن حدوث العالم أو غير ذلك، فإن خبرهم لا يحصل العلم، ويعني بالمحسِّ ما يدرك بإحدى الحواس الخمس. وقيده باستحالة تواطئهم على الكذب، احترازاً عن أخبار الآحاد، وبقوله: عادة احترازاً من العقل، لأن العلم
стр. 91
المتواتر عادي لا عقلي، إذ العقل يجوز الكذب على كل عدد وإن عظم١.
فهذه التعريفات ترجع إلى أنه كل خبر بلغ رواته في الكثرة عدداً يستحيل عادة معه تواطؤهم وتوافقهم على الكذب، عن أمر مدرك بإحدى الحواس الخمس، نحو سمعت ورأيت، لأن تواطؤ العدد الكثير في المعقولات غير مستحيل، بل واقع فقد تواطأ الجم الغفير على قدم العالم، وهو باطل.
стр. 92
تعريف الخبر المتواتر عند أهل الحديث
ذكر ابن الصلاح١ أن: "أهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، وإن كان الحافظ الخطيب٢ قد ذكره، ففي كلامه ما يشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث، ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم، فإنه عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولابد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه"٣.
ولعل ما ذكره ابن الصلاح من عدم ذكر أهل الحديث لتعريفه خاص بالقدماء منهم، لأن متأخريهم يعرفونه بما يتفق مع تعريف أهل الأصول وإن لم يفصلوا فيه القول مثل أهل الأصول.
стр. 93
وما أشار إليه من تعريف الحافظ الخطيب له فهو قوله: "فأما الخبر المتواتر، فهو ما يخبر به القوم الذين يبلغ عددهم حداً يعلم عند مشاهدتهم بمستقر العادة، أن اتفاق الكذب منهم محال، وأن التواطؤ منهم في مقدار الوقت الذي انتشر الخبر عنهم فيه متعذر، وإنما أخبروا عنه لا يجوز دخول اللبس والشبهة في مثله، وأن أسباب القهر والغلبة والأمور الداعية إلى الكذب منتفية عنهم، فمتى تواتر الخبر عن قوم هذه سبيلهم قطع على صدقه، وأوجب وقوع العلم ضرورة"١.
كما عرفه ابن حجر٢ بقوله: " المتواتر هو الخبر الذي جمع أربعة شروط، وهي:
- عدد كثير أحالت العادة تواطؤهم، وتوافقهم على الكذب.
- رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء.
- وكان مستند انتهائهم الحس.
стр. 94
- وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه١.
ثم قال: "وإنما أبهمت شروط المتواتر في الأصل، لأنه على هذه الكيفية ليس من مباحث علم الإسناد، إذ علم الإسناد يبحث فيه عن صحة الحديث أوضعفه، ليعمل به أو يترك من حيث صفات الرجال وصيغ الأداء، والمتواتر لا يبحث عن رجاله، بل العمل به من غير بحث"٢.
فلاح بما ذكر أن التعريف لعلماء أصول الفقه، وأن من عرفه من المحدثين إنما اتبع طريقة الأصوليين.
وقد عرفه السيوطي في ألفيته في المصطلح بقوله:
وما رواه عدد جم يجب
إحالة اجتماعهم على الكذب
فالمتواتر ... ٣.
هل فيه فرق بين تعريف الأصوليين والمحدثين له؟
لا فرق بين التعريفين كما هو واضح مما أسلفت نقله عنهما، ولعل ذلك راجع إلى أن من عرفه من أهل الحديث اتبع في تعريفه تعريف الأصوليين، ويدل لذلك ما تقدم آنفا من قول ابن الصلاح إن أهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، ولذا فقد عرفه
стр. 95
بأنه عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، وهذا التعريف مثل تعريف الآمدي، حيث قال: "خبر جماعة مفيد بنفسه العلم بمخبره " ١.
وما ذكره الخطيب، والحافظ ابن حجر، والسيوطي ﵏ لا يختلف عن ذلك كما ترى. والله أعلم.
стр. 96
شروط التواتر
يشترط في الخبر لتواتره عند الأصوليين شروط: منها ما اتفق عليه، ومنها ما اختلف فيه.
الشروط المتفق عليها هي:
١- أن يبلغ رواته عدداً يستحيل معه التواطؤ على الكذب عادة.
٢- أن يكون مستند خبرهم إلى أمر محسوس نحو قولهم: رأينا وسمعنا.
٣- أن لا يقل عدد رواته في كل طبقة من طبقات السند من أوله إلى آخره عن عدد التواتر، من غير قيده بعدد معين، لأن ضابطه حصول العلم الضروري، فمتى حصل علم أنه متواتر، وإلا فهو غير متواتر. وبهذا قال الجمهور.
وذهب البعض إلى أنه لا يحصل بأقل من خمسة للاتفاق على تزكية الأربعة في شهادة الزنا.
وقيل: خمسة، لأن الخمسة عدد أولي العزم من الرسل، وقيل: سبعة عدد أهل الكهف، وقيل: عشرة، لأن ما دونها جمع قلة. وقيل: اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل لقوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ ١. وقيل: عشرون لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ
стр. 97
يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ١. وقيل: أربعون، لأنه العدد المعتبر في الجمعة. وقيل: سبعون لقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا﴾ ٢ وقيل: ثلاثمائة وبضعة عشر عدد أهل بدر.
وبالنظر إلى هذه الأدلة نجد أنها لا تمت لموضوع الخلاف بصلة، ولذا قال الشوكاني: "يا لله للعجب من جري أقلام أهل العلم بمثل هذه الأقوال التي لا ترجع إلى عقل، ولا نقل، ولا يوجد بينها وبين محل النزاع جامع"٣.
وذكر الغزالي أن ما ذكروه "تحكمات فاسدة باردة لا تناسب الغرض ولا تدل عليه، ويكفي تعارض أقوالهم دليلاً على فسادها، فلا سبيل لنا إلى حصر عدده، لكنا بالعلم الضروري نستدل على العدد الذي هو الكامل عند الله تعالى. قد توافقوا على الأخبار"٤.
стр. 98
واختاره الآمدي قال: "وذلك لأنا لا نجد من أنفسنا معرفة العدد الذي حصل علمنا بوجود مكة، وبغداد وغير ذلك من المتواترات عنده"١.
الشروط المختلف فيها:
١- اختلفوا في اشتراط كونهم عالمين بالمخبر عنه، فعده الآمدي والغزالي من الشروط المتفق عليها٢.
وقال ابن الحاجب: "إنه غير محتاج إليه، لأنه إن أريد الجميع فباطل، لأنه لا يمتنع أن يكون بعض المخبرين مقلداً فيه، وإن أريد البعض فلازم مما قبل"٣ أي أن توفر الشروط الثلاثة المتقدمة يقتضي حصول العلم للبعض.
٢- اختلفوا في اشتراط العدالة والإسلام، كما في الشهادة، ولأن الكفر عرضة للكذب والتحريف، والعدالة والإسلام ضابط الصدق والتحقيق وإلا أفاد إخبار النصارى بقتل المسيح العلم.
وأجيب بأن أخبارهم لم تستوف شروط التواتر في المرتبة الأولى.
стр. 99
ورد بأنا نجد من أنفسنا العلم بما نقله عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب وإن كانوا كفاراً كما لو أخبر أهل قسطنطينية وإن كانوا غير عدول أو كفار بقتل ملكهم، لأن الكثرة تمنع من الكذب.
٣- واختلفوا في عدم الاجتماع في البلد والنسب والدين والوطن، كما اشترطت الشيعة أن يكون منهم معصوم، وإلا لم يمنع الكذب. واشترط اليهود أن يكون فيهم أهل الذلة، فإنهم يمتنع تواطؤهم عادة للخوف بخلاف أهل العزة، فإنهم لا يخافون. والكل فاسد، للعلم بحصول العلم بدون ذلك١.
وقد عرفه صاحب مراقي السعود مشيراً إلى ما تقدم وإلى قسميه الآتيين بقوله:
واقطع بصدق خبر التواتر ... وسو بين مسلم وكافر
واللفظ والمعنى وذاك خبر ... من عادة كذبهم منحظر
من غير معقول، وأوجب العدد ... من غير تحديد على ما يعتمد
وقيل بالعشرين أو بأكثر ... أو بثلاثين أو اثنى عشرا
الغاء الأربعة فيه راجح ... وما عليها زاد فهو صالح
وأوجبن في طبقات السند ... تواترا وفقاً لدى التعدد٢
стр. 100
ولا يخفى أن قوله: "ما زاد على الأربعة صالح لأن يكون خبره خبراً متواتراً" أنه رأى لبعض العلماء، وقد تقدم إبطاله آنفاً.
стр. 101
أقسام التواتر:
المتواتر قسمان:
أ- تواتر في اللفظ: وهو ما تواتر عليه رواته في اللفظ نحو: حديث أبي هريرة ﵁ "من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"١.
٢- معنوي: وهو ما اتفق رواته في المعنى دون اللفظ، كأحاديث الشفاعة٢، وأحاديث رؤية المؤمنين لله يوم القيامة، وغير ذلك٣.
ما يفيده الخبر المتواتر:
اتفق العقلاء أن الخبر المتواتر بشروطه يفيد العلم بصدقه، وخالفت
стр. 102
السمنية١ والبراهمة٢ في ذلك، حيث قالوا: "لا علم في غير الضروريات إلا بالحواس دون الأخبار".
وما ذكروه من نفي إفادة الخبر المتواتر للعلم مكابرة وخلاف باطل لا يستحق قائله الجواب عليه. فإنا نجد من أنفسنا العلم الضروري بالبلاد النائية، والأمم الخالية، والقضايا الماضية بما يرد علينا من الأخبار، كما نجد العلم بالمحسوسات من غير فرق بينهما فيما يعود إلى الجزم بالعلم بالصدق في كل ذلك. وليس ذلك إلا بالأخبار قطعاً، ومن أنكر حصول العلم بذلك، فقد سقطت مكالمته وظهر جنونه أو مجاحدته.
стр. 103
أقوال العلماء في نوع العلم الحاصل به:
١- أن الخبر المتواتر يفيد العلم النظري، وهو ما كان عن نظر واستدلال، وهذا منقول عن الكعبي، وأبي الحسين البصري.
٢- أنه يفيد العلم الضروري، وهو الذي يضطر الإنسان إليه بحيث لا يمكنه دفعه، وهذا هو المعتمد، وبه قال الجمهور.
احتج الجمهور على كون العلم الحاصل بخبر التواتر ضرورياً، بأنه لو كان نظرياً لما حصل لمن لا يكون من أهل النظر كالصبيان المراهقين. وكثير من العوام، إذ النظر ترتيب أمور معلومة، أو مظنونة ليتوصل بها إلى علوم، أو ظنون، وليس في الصبيان، ولا العوام أهلية لذلك، فلوكان نظرياً لما حصل لهم العلم به، فلما حصل لهم به العلم علمنا أنه غير نظري١.
الثاني الآحاد.
الآحاد جمع أحد، وهو بمعنى الواحد، وهمزة أحد مبدلة من واو، فأصلها وحد، وربما جاءت على الأصل كما في قول نابغة ذبيان:
كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل على مستأنس وحد٢
стр. 104
ويجمع الواحد على أحدان، والأصل وحدان، فقلبت الواو همزة لانضمامها.
قال الهذلي:
يحمى الصريبة أحدان الرجال له
صيد ومجتريء باللين هماس١
وأما تعريف خبر الآحاد عند الأصوليين فقد اختلفوا فيه:
فقيل: "ما أفاد الظن". وهذا التعريف غير مطرد ولا منعكس.
أما عدم الاطراد، فلأن القياس يفيد الظن، وهو ليس بخبر.
أما عدم الانعكاس، فهو فيما إذا أخبر واحد بخبر لم يفد الظن.
وقيل: "ما لم يصل إلى حد التواتر، وإن روته جماعة". وهذا التعريف كما ترى شامل للخبر الذي لم يترجح جانب الصدق فيه.
وأجيب عنه بأن المقصود تعريف الخبر الذي يعتد به في الأحكام، ولا يكون متواتراً.
وعلى هذا يصح أن نعرفه: بأنه الخبر الذي لم ينته إلى حد التواتر، ولم يقصر عن درجة الاحتجاج به، وإن روته جماعة، وعليه فالمشهور منه، إذ لا واسطة بين المتواتر والآحاد.
стр. 105
وخالفت الحنفية، فجعلت القسمة ثلاثية: متواتراً، ومشهوراً، وآحاداً.
المشهور عند الحنفية:
عرفت الحنفية المشهور بأنه ما كان من الآحاد في الأصل ثم تواتر في القرن الثاني والثالث، وهو عندهم يفيد علم طمأنينة، وبمنزلة المتواتر في الاحتجاج به، ويضلل جاحده ولا يكفر، وهو دون المتواتر، وفوق الآحاد، ومثلوا له: بحديث المسح على الخفين١، وحديث الرجم٢.
وعرف صاحب مراقي السعود خبر الآحاد بقوله:
وخبر الآحاد مظنون عرا ... عن القيود في الذي تواترا
والمستفيض منه وهو أربعة ... أقله وبعضهم قد رفعه
عن واحد وبعضهم عما يلي ... وجعله واسطة قوله جلي٣
стр. 106
المشهور عند المحدثين:
عرفه ابن حجر بأنه: "ما له طوق محصورة بأكثر من اثنين، سمي بذلك لوضوحه، وهو المستفيض على رأي جماعة، سمي بذلك لانتشاره من فاض الماء يفيض، ومنهم من غاير بين المستفيض والمشهور: بأن المستفيض ما يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهور أعم من ذلك، وهو يشمل ما له إسناد واحد فصاعداً، وما ليس له إسناد أصلاً"١.
стр. 107
الباب الأول: فيما يفيد خبر الواحد
الفصل الأول: في أن خبر الواحد العدل إنما يفيد الظن فقط
...
الباب الأول فيما يفيده خبر الواحد
اختلف العلماء فيما يفيده خبر الواحد العدل١ الضابط٢ عن مثله إلى رسول الله ﷺ ، أو إلى من انتهى إليه من صحابي أو غيره.
стр. 108
فمن قائل: إنه يفيد العلم، وهؤلاء منهم من قال: يفيد العلم على اطراد، ومنهم من قال: يفيده لا على اطراد.
وذهب البعض الآخر إلى أنه إنما يفيد العلم بانضمام القرائن غير اللازمة للتعريف.
وقالت طائفة أخرى: إنه إنما يفيد الظن، واستدلت كل طائفة بأدلة واعترض على كل طائفة من مخالفيها. وها أنا أذكر ذلك إن شاء الله في الفصول الآتية:
стр. 109
الفصل الأول: في أن خبر الواحد العدل إنما يفيد الظن فقط
ذهب جمهور الأصوليين إلى أن خبر الواحد العدل، لا يفيد إلا الظن، واستدلوا على ذلك بأدلة، أهمها ما يأتي:
١- قالوا: لأنا نعلم ضرورة أنا لا نصدق كل خبر نسمعه.
٢- أنه لو أفاد العلم لأدى إلى تناقض المعلومين، فيما لو أخبر ثقة آخر بضد ما أخبر به الأول.
٣- أنه لو أفاد العلم، لحصل العلم بنبوة من يخبر بكونه نبيا من غير حاجة إلى معجزة دالة على صدقه.
٤- لو أفاد العلم، لجاز نسخ القرآن والأخبار المتواترة به، لكونه بمنزلتها في إفادة العلم.
٥- لو أفاد العلم، لوجب تخطئة مخالفه بالاجتهاد، وتفسيقه وتبديعه، فيما يفسق فيه ويبدع.
٦- لو أفاد العلم، لوجب الحكم بالشاهد الواحد من غير حاجة إلى شاهد آخر، ومن غير افتقار إلى تزكية.
стр. 110
٧- قالوا: لجواز الكذب، والغلط على الراوي، لكونه غير معصوم١، لأن صفة كل خبر واحد هي أنه يجور عليه الكذب والوهم٢.
الأجوبة عن أدلة الجمهور:
أما عن الأول: فإن المخالفين لا يقولون: بإفادة خبر كل واحد العلم، بل يشترطون لإفادة الخبر العلم أن يرويه العدل الضابط على مثله حتى ينتهي به إلى النبي ﷺ ، أو إلى من انتهى به إليه. ولهذا قال الإمام الشافعي ﵀:"ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً:
منها: أن يكون من حدث به ثقة في دينه؟ معروفاً بالصدق في حديثه، عاقلاً، لما يحدث به، عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدت به على المعنى، لأنه إن حدث به على المعنى وهو غير عالم بها يحيل معناه، لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام. فإن أداه بحروفه، فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته