← Тараджим

Тараджим · id 11177

داعية التوحيد محمد بن عبد الوهاب

عبد العزيز سيد الأهل

Полный текст (130 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة داعية التوحيد محمد بن عبد الوهاب تأليف: عبد العزيز سيد الأهل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس الآيات: ١٠٤-١٠٧] .

стр. 2

تقديم كانت ثورة الإمام أحمد على ردة المعتزلة والجهمية نابعة من صفوف الأمة ضد ما انحرفت نحوه الدولة ورجالها من الأفكار التي تحطم الدين وتفرق الصفوف. ولم تكن ضد نظام الدولة ولا أمنها ولا مبايعة خلفائها. وقد كان جديراً برجال الحكم أن يؤيدوها ويعتنقوا مبادءها لأنها كانت في عونهم على النجاة من التفكك والانحدار، غير أنهم عادوها وأخذوا بالتنكيل بها وأسرفوا غاية الإسراف. ومهما يكن الخليفة المتوكل قد بدأ بإخماد الفتنة وعمل على إحياء السنة فإن الآراء التي تسربت إلى فكر الأمة لم يصبح من اليسير طردها ولا التخفيف من وطأتها، بل إنها لم تلبث أن أصبحت من أفلاذ علوم المسلمين التي اشتغلت بها مدارس علم الكلام. وسارت الأفكار خليطاً من الصحيح والفاسد والنقي والكدر على مدى أزمنة طويلة فانطبع الناس عليها وصارت في جملتها كأنها دينهم الذي يدينون به. ولم يكن في قدرة الجهل والتأخر أن تعين العقول على التنقية لتسلم المعرفة، فمضى الأمر على سجيته حتى كان القرن السابع الهجري الذي نضجت فيه مدرسة حران.

стр. 3

بسبب التفرق والانقسام العدائي كان خير معوان لحب التجمع مهما حدث من التردد الذي كان الدافع إليه حب الحياة وعزة السلطان، وحيث يكون المجال مفتوحاً لإمكان إقامة منظمة جديدة تلم شمل القبائل تحت عقائد كانت تعرفها وتؤمن بها وليست غريبة عنها فيكون الأمر أقل مشقة وأكثر قبولاً. أما أن ينسب إلى الحضارة وأدواتها أنها ربما قامت عوائق في طريق الدعوات الدينية والاجتماعية السليمة -ومن أجل ذلك تفاداها ابن عبد الوهاب- فإنه غير صحيح، إذ ربما كانت هذه الحضارة أيسر تسخيراً في التوصيل السريع والنشر العاجل أكثر مما تفعله شواسع الأمكنة وجفوة الطباع في البوادي التي لم تدخلها الحضارات، ولكن لم يوجد من يجسر على التجريب. وهذا كله لو افترضت نجد بادية كلها، ولكنَّ نجداً كانت ما بين حاضرة كثيرة القرى وبادية ذات عيش رتيب، وكان عيش الحضر رغداً وأدوات الحضارة وألوانها يأتي بها تجارهم من بلاد الترك ومصر والشام وفارس واليمن والهند، وعند أهلها صناعات الأسلحة والحياكة وصياغة المعادن، وكانوا على رفاهية في الطعام والشراب وفي عناية باقتناء الجواهر واختيار الثياب وأثاث البيوت. وأما البدو فكانوا في غنى بأنعامهم وخيامهم وكان لنسائهم شركة مع الرجال في أمور المعيشة وتنظيم الخيام. وتجارات نجد كان يجلبها أهل نجد لا الغرباء عنهم وهم قوم ذوو طاقة عجيبة على مزاولة الأسفار والأعمال، وقلما يوجد فيهم من هو راكن إلى الكسل والراحة، ولا يستبعد الرحالة السفار منهم أي بلد ولو كان الصين، كما لا يستطيل أي زمن ولو كان دهراً طويلاً. ثم لا يؤوب إلى موطنه في نجد إلا بعد أن يقضي حاجاته من الارتحال.

стр. 4

ولما كانت نجد في قلب الجزيرة العربية وكانت محوطة من كل جهاتها بالقبائل والحواضر المستقلة فقد كلف نجدا في انتصارها على هذه النطاقات المحيطة بها تضحيات كثيرة غالية في الأموال والأرواح. فلم تكن الدعوة أسهل وأيسر بها مما لو كانت في غيرها كما ظن بعض المؤرخين، ولكن هذا التوسط في الجزيرة مكّن نجداً من التحرك القوي للانتصار، إذ لم يكن لهذه الجهات المبعثرة حولها أن تتألف منها وحدة تهاجم نجدا لتحاجزها بعضها عن بعض بهضاب نجد، ولولا الحرب الوهابية التي جاءت من خارج الجزيرة بعدد وعديد لما خمد للوهابية حينا سراج. وفي المراحل الأولى لغزو القبائل والبلاد كان وجه الدعوة كله وهابياً سوى أن اليد كانت سعودية، فظهر الجد في الدعوة الذي سماه بعضهم عنفاً وسماه الجهلاء بحقائق الدين بدعة. وكان مبعث هذا الجد أو العنف أن الدعوة دينية في أساسها والسياسة تسايرها وتسندها فلم يكن هناك مجال لمراعاة المشاعر المنحرفة مهما كانت هذه المشاعر قد أصبحت من الأمور المقدسة عند أصحابها. وكانت الوهابية ذات نظرة عامة فلم تفترض المسلمين منقسمين بين الفرق الكبرى والمذاهب التي تتوزع كل فرقة من هذه الفرق، بل افترضت المسلمين وحدة واحدة، ولم يكن يصح أن تتهم الوهابية بأنها كانت ضد الإسلام ولا ضد رسوله العظيم أو آل بيته الأكرمين. فلما كانت المراحل الأخيرة إبان الحرب العظمى كانت الوهابية قد لبست أثواباً سعودية من قمة رأسها إلى أخمص قدميها وكانت السياسة والدين قد اصطحبا في دولة وسارا معا يراعيان بعض الرفق الذي تعودته مشاعر الناس، وما دامت الأنظمة والقوانين تسير طبقاً لأنظمة الملة الإسلامية وقوانينها فليس من بأس بذلك الرفق بعد أن عرف العالم الإسلامي كله أن الوهابية فيما فعلت لم تكن تريد غير إرجاع الأمة عن الردة التي

стр. 5

خرجت إليها عن التوحيد الصافي. ومن قبل الوهابية وقف عمر بن عبد العزيز ﵀ في عزم وشدة ضد كل عمران يراد به الزينة والأبهة دون الحصب والإنتاج، وكان العدل عنده وإسعاد الناس أولى من هندسة المدن وتنظيمها وترميم المساجد وتذهيبها، فلم يجدد كسوة الكعبة حين بليت وباع سلاسل الذهب من مسجد دمشق وعوضها صفراً وحديداً، وكان يريد طمس كل زينة في المسجد، حتى عرف أنه صار شوكة في عين الروم فتركه باقياً بزينته وغناه. وكذلك أرادت الوهابية والسعودية، ولكن الأمر حين صار إلى السياسة فعلت كما فعل عمر، وكان حين دخل سعود الأكبر ابن عبد العزيز حاجا إلى مكة لأول مرة في عام ١٢٢٧ هـ دخل إليها حاملا كسوة الكعبة من العباء الثمين الذي يغزل من الصوف ويجلب من الحساء. ومحمد علي وتركيا معا قد جنيا الشوك من جراء الحرب الوهابية، فَقَدْ فَقَدَ محمد علي من جنده وماله كثيراً، وأوقع مصر في فقر وضنك وخراب -وسنأتي على وصفه في الباب الأخير بالكتاب من كلام المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي معاصر هذه الحروب- ولم يجد محمد علي ما كان يأمله من ثروة في بلاد العرب في الجنوب الذي كان انصرف إليه حينا، ثم لم تشفع له انتصاراته لدى الباب العالي، بل تعقدت المشاكل بينهما، وبان أن الأتراك أوقعوا والي مصر في مشكلة لا تحل، ولم تكن في صالحهم أو صالحه سواء حلت أو تعقدت، لأنها أعضل من أن تسهل أو تهون. ومن ناحية الفكر فقد صار الجدل في حركة الإصلاح على كفتي

стр. 6

وعلى ضوء ساطع بنظر سليم وحجة راجحة سار بنو تيمية وخفقت في آخر مسيرتهم راية تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الذي أفرغ جهده في التنقية والتصفية والتخريج، واعتزم في جد وصرامة أن يبعثر الركام المختلط ليكشف عن حقيقة الشريعة الصافية، فصرخ الناس في وجهه وأصلَوْهُ بنار عداوتهم. وكان حراس هذا الخليط المضطرب من رجال الحكم ورجال الدين، فأصلَوْهُ عداوتهم على سواء. غير أن مبادئ الثورة التي أشعلها الإمام أحمد وصولة الحق في أصوات المدرسة الحرانية كانت ذات أثر بالغ فحثت قلوب البصراء على البحث والنظر حتى تتكشف حقيقة المبادئ الصافية التي جاء بها الإسلام أول ما جاء وآخر ما ترك. فلما كان محمد بن عبد الوهاب كانت النفوس على استعداد لقبول دعوته تحت ضوء السراج الذي أشعله الإمام أحمد وبنو تيمية، وعلى استعداد أيضاً لردها ومحاربتها رضوخاً للجبال المركومة فوق الرؤوس من الآراء والجهالات. أما البصراء فقد قبلوا وأما المتلفعون بأردية الباطل فقد رفضوا، ولكن الدعوة وجدت سبيلها- برغم أعدائها ورافضيها -إلى المضي والنفوذ. وكذلك تم بها للحنابلة خط سليم من المنطق والعقل، كانت مقدمته أحمد بن حنبل وكان وسطه بني تيمية وكانت النتيجة محمد بن عبد الوهاب، في قضية مستقيمة لم تتعدد طرقها ولم تنعرج، بل سارت في طريق محكم قويم. ومما صار علماً لدى الناس تسمية حركة الإصلاح التي قام بها ابن عبد الوهاب بالمذهب الوهابي وإطلاق الوهابية على المذهب وعلى الحروب التي شنت على أهله -ولا سيما حملات محمد علي خاصة- ومن الحق أن تطلق الوهابية على كل الحروب التي جرت في الجزيرة العربية وفي خارجها

стр. 7

منذ بدأت دعوة الإصلاح إلى أن قامت الدولة السعودية الثالثة والقائمة الآن. وإطلاق الوهابية كما أطلقت على حركة الإصلاح والحروب التي خاضتها كانت من الخصوم لا من الأصحاب، ولكنها مهما كانت تسمية بغيضة إلى نفوس أولئك المصلحين فإنه لقب يبدو في ذاته غير بغيض، إذ هو نسبة إلى الوهاب الذي هو اسم من أسماء الله الحسنى، ولعل إطلاقه -من غير إرادة الخصوم- كان بشرى انتصار المصلحين بما رزقهم الوهاب من نصر وتأييد. والوهابية -كما سنظل ندعوها كذلك في كتابنا -لم تكن مذهبا جديدا في الإسلام ولا زائدا على مذهب أهل السنة، وإنما كانت حركة إصلاح ديني دعت إليها سيرة الحنابلة في ثورتهم على ردة المعتزلة والجهمية وفي تنقيتهم ركام الجهالة ومحاربة ما ابتدع في الإسلام من أفكار وطقوس. وانصب غرض الإصلاح على تنقية العقيدة الإسلامية مما لحق بها من الشبهات فكرا وعملا والرجوع بها إلى أصلها كما كان يعرف السلف الصالح. أما الفروع فقد أحيت المذهب الحنبلي لمواءمته للأصول، ولكنها وهي دعوة لم تبتدع فقد كانت غريبة على النفوس فكأنها كانت جديدة لم تعرف من قبل، لما غمر الناس من فساد الاعتقاد وانحراف الطباع ومناسك التعبد والتقرب. فلم يكن بد -وهي دعوة قديمة يتجدد إهابها- من أن يعتبرها صاحبها دعوة جديدة فيسلك بها الطريق التي تبدأ من أوله الدعوات حتى يضمن لها الفوز والثبات. ولم تمس الدعوة جوهر الإسلام، إذ هو لا يقبل إصلاحا يمس جذوره، لأنه واسع حر، وفيه لكل من أراد أن يجد غنى ووفرة وحياة. والقوانين الخلقية والعادات التي أورثها الإسلام بنيه كانت دائما عوامل زاجرة قادرة على ردع الإنسان عن الإذعان لاندفاعات خاطئة. وعناصر الثبات في هذه الزواجر في قدرتها أن تهيمن على الطباع والعادات

стр. 8

والزي والرأي، وفي مكنونها أن تستيقظ لدفع الانحرافات التي تدخل عناصر السلوك. ولقد حاول كثير من كتاب التاريخ والاجتماع أن يربطوا بين الدعوة الوهابية والبداوة، ولاح لهم أن قسوة الدعوة لم يلائمها إلا البادية الجافة والبداوة القبلية دون المدن وحضاراتها، وهو ربط يبدو أنه خاطئ أو باطل، إذ الدعوة الوهابية هي الدعوة الإسلامية ذاتها والتي نشأت أول ما نشأت في مكة، وكانت مكة والمدينة من بعدها وسطا تجاريا متحضرا ضخم التعقد في حضارته، وكانت الكتل البشرية التي تشترك فيه مؤلفة من أجناس وأديان شتى، ومع ذلك فلم يقل أحد أنه كان أولى بهذه الدعوة أن تنشأ في البادية أولا. وقد ثبتت صلاحية الإسلام لكل الأمكنة والأزمنة، لا بادعاء الإسلام لنفسه، ولكن بالنظر من أهله وغير أهله في سمو مبادئه وصلاحية نظامه لكل المجتمعات، ومن وراء التجارب السعيدة التي مرت بالشعوب التي اعتقدته صافيا ونفذت مبادءه. ومن ثم وجب أن لا يقال شيء غير أن محمد بن عبد الوهاب لارتباطه بأهله وتاريخ بيته بالبادية بشكل شعوري أو لا شعوري فجعل موطن ولادته مسرحاً للقيام بدعوته والسهر على تطبيقها لم يجد بداً من أن يبدأ دعوته فيها، ولو كان الوضع مختلفاً وكان هو ابناً من أبناء الحضر لبدأ دعوته به ولكان كأحد الأفذاذ الذين دعوا في الحواضر فنجحوا أو أخفقوا. وإنما يجوز أن يقال فيما بعد -استنباطاً من النجاح الذي ظفرت به الدعوة -أن التفكك الذي كان بالجزيرة والإحساس بالضعف والهوان

стр. 9

ميزان، وعرف -حين أفصح الصبح- أن اتهام الوهابية ورميها بأنها مبتدعة كان كذباً وتضليلاً، فخسر محمد علي وخسرت تركيا مرة ثانية جانب الحق في التاريخ، ولم يكن رجحان كفة الحق من انتصار السعوديين، ووقوع نجد والحجاز في حوزتهم وقيام وحدة البلاد تحت رايتهم بقدر ما كان هذا الرجحان من الرجوع إلى حقائق الدين ونصوصه المسطورة في القرآن والسيرة والحديث، وفي هدأة للتقدير الحق والوزن السليم. ويخطئ من يظن أن في قدرة قوة حربية إزالة شكل من التعبير الديني القوي. نعم إنها ستسكته حينا حين تنتصر، ولكنه سيظهر لا محالة عندما يحين له أن تغفل عنه تلك القوة. وقد ظهر أن الوهابية قد عادت إلى الظهور ثانية وثالثة بعد عدوان القوى الحربية عليها، وكان ظهورها الغالب عندما بدأ عبد العزيز الأخير (الملك) حركة من التوسع أضاف خلالها المجاهدون الوهابيون معظم بلاد العرب إلى موطنهم نجد، وظلوا طوال عشرين عاما يضمون البلاد جزءا جزءا حتى قامت المملكة العربية السعودية في سنة ١٩٣٢ م وأعلنت أن عقيدتها هي عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة ولا خروج عنها قيد شعرة بفضل الله. وبقيام هذه الدولة ضرب مثل جديد لوجوب الابتعاد عن المغالاة في تقدير أثر العوامل الحربية على نتائج الصراع الديني، فليس في إمكان أي إجراء تتخذه سلطة أن يستبقي أهل العقيدة في حظيرته وحبسه، إذ العقيدة ليست سلعة تجارية تتيسر حيازتها وفقا للطلب عليها وامتلاكها، وإنما هي لو وقعت في اليد فإن بقاءها فيها حتى ينام القابض عليها أو تغفل عينه فيسترخي، وحينئذ تتفلت من يده وهي في كاملها لم تفقد من قوتها شيئا.

стр. 10

والحروب التي شنت على الوهابية بالسلاح والنار لم تكن بأقسى من التهم التي اصطلت بنارها من الألسنة والكلمات، فقد اتهمت بأنها تحط من قدر النبوة وتنَزل من أقدار الأولياء، واتهم الوهابيون -ظلماً- بأنهم حرفوا اسم النبي بحذف ميمه الوسطى، وأشيع في بعض البلدان أنهم هدموا الكعبة بدعوى أنها حجر، كما نسبوا إليهم أنهم يحكمون بكفر كل من عداهم من المسلمين. وكل ذلك بهتان وزور، وقد شهدت بأنه إفك -قبل كل شاهد- كتب محمد ابن عبد الوهاب ورسائله، وأهم هذه الكتب (كتاب التوحيد) الذي شرحه حفيده عبد الرحمن بن حسن ابن الإمام وسماه (فتح المجيد) ثم رسالة كشف الشبهات وثلاثة الأصول وأدلتها، وشروط الصلاة، وأربع القواعد، ورسالة المغربي. وقد طبعت هذه كلها ونشرت في القاهرة التي سخرت برغم مشيئتها في محاربة الوهابيين فكانت شهادة صدق من أهلها لدعوة التوحيد. وتصدت الدعوة لكل المظاهر التي تسيء إلى الإسلام وجوهره النقي الطاهر، ولكل ما دخل على أفكاره من غريب دخيل. واتهام الداعي بأنه اعتبر كل من لم يأخذ بتعاليمه كافراً مشركاً بالله ضرب من التخليط. بل إن ابن عبد الوهاب بين طريق الشرك الأكبر وطرائق الشرك الأصغر، واستمد كل أدلته من نصوص القرآن والحديث الصحيح، وفي هذه النصوص قول الله سبحانه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُون﴾ [يوسف من الآية١٠٦] ، فلم يفصل الحق سبحانه الشرك بعد الإيمان عن الشرك الذي كان قبله إذا دخل علي التوحيد ما يجعله كدراً مدخولاً. بل إن من المشركين قبل الإيمان من كانوا يشركون في الرخاء ويخلصون التوحيد في الشدة ويلجؤون إلى الله وحده فيها، ويشهد القرآن لهم بذلك

стр. 11

فيقول سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] . أما من أشركوا بعد أن آمنوا فقد صارت دعوتهم لشركائهم في الشدة والرخاء والسراء والضراء. وحتى لا يستطرد الكتاب فيخرج عن مدار فلكه الذي رسم له من إظهار سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب ومذهبه وأثره في قيام دول دينية أقواها وأبقاها السعودية الثالثة الأخيرة، فقد رأينا أن نحيد عن التوسع والإطالة في الأسماء والأمكنة ومواقع الحروب وتفاصيلها وكثير من أمور السياسة والمواثيق والمعاهدات التي تكفلت بنشرها كتب كثيرة، ورأينا أن نقصر البحث فيما نحن بسبيله على سيرة الإمام المصلح وسيرة مذهبه -قدر المستطاع- حتى لا يضل المراد في ثنايا أمور أخرى تغلبت في أحيان خيلت للمطلع أن الوهابية صارت أمراً ثانوياً، وربما كان لها أن تتغلب حتى ولو لم تكن الوهابية قد أعانها قوم وحاربها آخرون من العرب المتخاصمين. وقد تسنى أن يكون هذا الكتاب من ستة أبواب: الباب الأول كالمقدمة الثانية أو المدخل إلى عصر ابن عبد الوهاب. والباب الثاني في داعية الإصلاح. والثالث في بيان الدعوة. والرابع في مسيرتها. والخامس في أنظمتها. والسادس في نتائجها التي انتهت بالفوز وقيام دولة التوحيد. وكل باب من هذه الأبواب يحوي خمسة فصول تتناسب وتتقارب فيه، وتتبين عنواناتها وما تحويه في أثناء الكتاب. ولما كان من الحق أن ينسب الفضل إلى أهله فإن الشيخ الجليل وزير التعليم العالي بالمملكة السعودية الشيخ

стр. 12

حسن عبد الله آل الشيخ قد أبدى ملاحظات على ما جاء في الطبعة الأولى من هذا الكتاب، وكان مصدر ذلك الذي أبديت عليه الملاحظات من الكتب المتأخرة المؤرخة لداعية التوحيد ولا سيما كتاب لمع الشهاب الذي جهل مؤلفه، وكان من الفضل الذي يذكر أن ينبه إليه رجل من أسرة الشيخ ومن الحريصين على الحق وقول الصدق فنشكر له هذا الجميل. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى أقوم سبيل. عبد العزيز سيد الأهل بيروت في ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م

стр. 13

غاشية الليل اضطراب الأفكار منذ خمدت المعركة التي انتصر فيها أحمد بن حنبل وأنصار السنة على المعتزلة والجهمية وأضرابهم من الفرق المنحرفة وتباعدت بالمعركة الأيام رجعت الآراء إلى الاختلاط والامتزاج: آراء أصحاب الرأي وأقوال أهل السنة، وحين كثر أصحاب الرأي واشتطوا وقف لهم أهل السنة يردونهم بمثل أسلحتهم فنتج عن المشاحنات انسياب المياه من هاهنا ومن هاهنا إلى بحيرة واحدة ليس فيها ما يحجز تيارا عن تيار، ووجدت الأمة هذه المياه لجة صاخبة فاغترفت منها دون أن تفصل المزيج فتشرب الرنق الصافي وتلفظ الملح الأجاج. ومع أن الخليفة المتوكل رفع المحنة وأبطل القول بخلق القرآن وناصر أهل الحديث والسنة١ فإن أثر مناصرته لم يدم طويلا، إذ ارتكب المتوكل نفسه -فيما عمل- كثيرا من الأخطاء، وابتدع أفانين الجور والانتقام من كل من ظن فيه السوء، وضد كل ما لم يرقه من الآراء، فكان أن أكسب كثيرا من القلوب حقدا وخلق فيها النية على كسر ما نصره من الأفكار٢.وبسبب غلبة الترك والفرس والمغول على الدولة وعلى الجنس العربي

стр. 14

منذ تولي المعتصم الخلافة، وبكثرة الفتن والقلاقل والانقسامات، ودخول الأجناس المختلفة في الإسلام -طغت موجات غريبة على الفكر الإسلامي الصافي اضطرت أهل الدين الحنيف إلى الوقوف عن الاجتهاد مخافة الخطأ والذوبان. واختلف في البلدان الإسلامية وفي أراضيها الواسعة الرحيبة تصوير الإسلام بسبب اختلاف الأجناس والأخلاق والعقول والديانات التي كان يدين بها سكان هذه الأرضين قبل أن يسلموا، فتسربت إلى تصورهم أشكال منها وألوان، ولم تستطع رؤوسهم أن تطرح عنها ما علق بها من الديانات ولا ما لزم نفوسهم من العادات، فنظرت كل أمة إلى الإسلام من خلال تاريخها ونظمها ودياناتها ومن خلال لغاتها وتقاليدها وثقافتها وتربيتها، فاختلطت من كل ذلك الأفكار الدينية وصارت إلى تداخل وتعقد كبير١. وكان كلما استتب أمر الاختلاط والامتزاج في الأفكار وتقادم عليه الزمن انتشر مبدأ التقديس لهذه الأفكار وما يجري بإيعازها من مظاهر وطقوس، دون تمحيص أو تنقية أو نقد تمشيا مع فكرة التقديس لكل ما هو قديم وتمسكا بما جرت عليه التقاليد٢. ومثل هذا الشعور الذي ينطلق على غير هدى محنة تعتري النفوس فتضعفها فتقبل في أثناء ضعفها التحلل وتفقد الشهوة إلى النهوض والارتقاء، ويستحيل المجتمع بهذه المحنة من رجاله ونسائه إلى عبد راضخ للواقع سليب الإحساس. وكانت محنة المسلمين في غاشية ليلهم كذلك، أفقدتهم الشعور بأنهم

стр. 15

يسيرون في ضلالة، ونام الفكر الإسلامي الصافي نومة طويلة تحت غطاء كثيف من الظلام. ولكن كانت تتخلله أضواء نجوم ولمعات بروق ما تلبث أن تنطفئ وتختفي بعد ومضات قصيرة، وذلك لضآلتها وصغرها بجوار عظيم المحنة، ولضعف أضوائها وسرعة خطفها في ظلمات غامرة؛ ولأن عيون الناس لا تسهر لتكشف مطالعها، وهي إذا استبانت وطلعت لا تعبأ بها لأنها واقفة لا تريد أن تتحرك وعمياء لا تود أن تسري إلى غاية من الغايات. وكان للدين شيوخ في كل بلد ولكن لم يصر لأحد منهم من القدر والمكانة ما ينبه النقوس إليه إلا بقدر الحاجة إليه في الدروس أو الأحاديث في المدارس والندوات، وبقدر الرغبة فيه للتسلية أو الفتوى في المسائل والخلافات. ووجدت الطوائف الباغية سبلا لأفكارها حتى تنتشر وتثبت، ومن ذلك ما وجده الخوارج والقدرية والقرامطة والراوندية وغيرهم من نفوذ بين الجماهير وأحيانا كثيرة بين ذوي العقول والمفكرين. واصطنعت الطوائف الخارجة عقائدها كما تشاء، ولم تكن تخشى أن تصنعها مضطربة أو متضاربة ما دامت تجتاز السدود إلى مناطق الأوهام، ومن هذه الطوائف طائفة القرامطة فإنهم مع اعترافهم بالوحدانية فقد أنكروا الوحي، ومع نزولهم على كثير من أحكام القرآن فقد أذاعوا الزندقة وقوضوا جميع الحواجز التي تصد العباد عن الشر والفساد١. نزعات التحلل: ولقد رفض أحمد بن حنبل كل نزعة للتحلل مما جاءت به نصوص

стр. 16

الدين، فلم يقبل من ذوي الشبه والتخييل العقلي حججهم ليخمدوا بها حجج أهل السنة، ولم يرض طريقة المتصوفة في التأمل والخلوة ولبس الخرقة وحلقات الذكر، ولم ير موجبا لأن يتعرض أئمة الدين بالرد على المبتدعة حتى لا تفشو آراؤهم فتفتن الناس ويصير الأمر -كما يسمى في عصرنا الحديث- بجريان الآراء. فسد كل الأبواب التي تخرج منها الفتن والبدع إلى مشارع النور. وبرغم ما وقف له الإمام العظيم حياته فإن اختلاط الأمم وامتزاجها اخترق في السدود التي أقامها أهل السنة فجوات تدفقت منها آراء الجهمية ذوي التخييل العقلي، وآراء الصوفية ذوي التزيد على ما أوصى به الدين من الزهد، وآراء الفلاسفة الذين غالوا في تقدير العقل البشري وإخراجه إلى فناء لا حدود له من التخمين، وآراء علماء الكلام الذين قلبوا كل فكر ليصلوا إلى حقائق ترضاها عقولهم في خدمة الدين. وفي الليل الطويل الذي خيم على الأمة الإسلامية استقرت أفكار أولئك وغيرهم مجملة ومفصلة، وصارت عند معظم الناس هي الدين الإسلامي الذي يعرفونه ويدينون به، وصارت من المناسك القديمة المقدسة التي ولدوا أمام هياكلها وعلى أعتابها. أما هي عند النابهين من ذوي النوايا الطيبة فإنها تحرر فكري، وعند النابهين من ذوي النوايا الخبيثة تحلل من ربقة الأخلاق وربقة الدين. وفي تقاتل الآراء والمذاهب التي لا تعد لم يكن يقع صريعا إلا العقيدة السليمة والإسلام الصحيح. وترابطت مهابط النّزول عند هذه الآراء الخبيثة ترابطا يدعو إلى اتهامها بالاتفاق على الخديعة، فبينما يقول محترفو الصوفية قول الغرباء بالاتحاد ووحدة الوجود١ فينْزلون بمقام الألوهية الأعظم عن مكانه العلي فإنهم

стр. 17

يرتفعون بمقامات الأولياء وصانعي الكرامات وخوارق العادات إلى أماكن من التقديس لا تقبل جدالا. ووجدت فرقة الراوندية من فكرة تقديس الأولياء طريقها إلى القول بوجوب عبادة الخلفاء كما يعبد الآلهة، وأوجبوا أن يعد بلاط الخليفة كعبة جديدة. وإذا وزعهم الخلفاء وطردوهم وجب أن يعودوا إلى الظهور والتجمع ليعبدوهم على الرغم منهم. وما هذه إلا نزعة إلى سنة العبودية التي سادت جميع الأجيال. وقالت طائفة بالإمام أو الولي المعصوم; وجعلت النبي المرسل الذي هو أعلى وسيط بشري بين الله وعباده أدنى درجة من الإمام أو الولي، لأنهم بينما قالوا إن قدرة النبي في تلقي الوحي فحسب قالوا إن الإمام الولي يتلقى الوحي ويبرز في الحكمة النظرية. وكان هذا هو مذهب السهروردي المقتول، فأصلاه تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية نارا محرقة أتت عليه فجعلته كالرميم١. وخرجت بعض الطوائف إلى نوع من التأويل سموه باطنيا، فأولوا الصلوات الخمس بأسماء أشخاص إذا ذكرها المصلي أغنت عن الصلاة والطهارة، وأولوا أيام الصيام الثلاثين بأسماء عددها من الأشخاص، ثم قالوا بقدم العالم وتناسخ الأرواح ليخلصوا من ذلك إلى إنكار البعث والنشور وتكذيب الثواب والعقاب٢. ومن هذا وما هو أكثر منه وأشنع يبدو تاريخ هؤلاء الناس وكأنهم أصبحوا بلا عقل ولا دين، وربما كان جائزا للقبائل والأمم أن تفعله في جاهليتها قبل الإسلام لأنه لم يكن لها شرع يحرمه، أما وقد حرمه

стр. 18

الإسلام فالرجوع إليه ردة تستوجب حربا أشد من وجوبها ضد قبائل الجاهلية أو ضد مانعي الزكاة في الإسلام، إذ لا يوصف المرتد عن الزكاة بأنه مشرك من حيث يوصف المرتد إلى تقديس الأجداث بالإشراك. وقد أثر هذا التفرق والتخليط في الآراء على وحدة الأمة الإسلامية المشدودة إلى وحدة الاتجاه إلى القبلة عند كل صلاة. ولو كانت وحدة استقبال الكعبة تعد أهم رمز عملي إسلامي لوجوب التوحد في كل شيء فإن الانقسام إلى فرق وآراء وأوطان وقبائل عاد تفريقا للوحدة وتهوينا من شأن الرمز الموجب أن يكون الاتجاه إلى ناحية واحدة مهما اختلفت البقاع وتوزعت القلوب. وتمزق القبائل في الجزيرة العربية التي خرجت منها أول إشارة برمز التوحيد ما بين إبراهيم ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- كان أكبر دلالة على بلوغ التمزق غاية مداه في أرض التوحيد. ابتداع الطقوس: وبحسب الأفكار التي تأصلت وثبتت قامت عادات ورسخت تقاليد، فمن آثر العقل وحده كالفلاسفة جعل العبادة للعقل وحده، ومن خاف النفس البشرية كالمتصوفة أدخلها إلى حبس بالغ الضيق وأثقلها بالقيود والتكاليف، ولم يبق رحيما بالعقل والنفس إلا الشريعة التي أخرجتهما كليهما من الضيق ومن الشرود. وكانت الشريعة الإسلامية قد محت كل الطقوس الدينية الفاسدة من الجزيرة ومن البلاد التي فتحها المسلمون وأنقذت حياة العقل المطمورة في دياجير من مشاعر الأوهام، وخلصت البشر من همجية النفسية الأولى حين ضربت بالخرافات والأساطير وشعوذة السحر عرض الحائط،

стр. 19

وأخرجت من العدم عالما مؤلفا من الحقائق المائلة لا من الأشباح الهائمة في الظلام. ولم تكن الدولة التي تشكلت على هذه الصورة النقية كممالك الأباطرة التي سريعا ما تنحل وتزول، بل كانت طليعة مدنية جديدة تسطع منها الأنوار وتتلألأ وتبقى حية مضيئة حتى لو زال سلطانها الحربي ونفوذها السياسي، وذلك لأن العرب قهروا ممالك العالم باسم الدعوة لتوحيد الله ففتحوها فتحا روحيا استمر في التوسع والانتشار بعد توقف الانتصارات المادية في الوقائع والحروب، ووجهت القلوب والوجوه والألسنة لله وحده في النيات وأعمال الجوارح في كل عبادة ولا سيما في الصلاة والحج والدعاء من غير لجوء إلى وساطة نجوم أو كهان أو أصنام، ومن غير استعانة بأبدان أو أرواح، ومن غير مذلة بركوع أو سجود أو تقديم قرابين. وأمكن للقبائل العربية بفضل التوحيد والوحدة أن تقيم في أقل من خمسين سنة دولة حلي جيدها بقلائد من أعجب المفاخر وآيات الإعجاز. ولكن سرعان ما انحرف السلوك وأعوج الطريق ورجعت الجاهلية العربية والجاهلية العالمية فزحفت على اللجة الإسلامية تيارات من الجاهليتين ولم تدع قطرا من أقطار المسلمين إلا أغرقته إغراقا، ورجع إيمان القلب من حب وذل وخوف ورجاء وتعظيم وإنابة لغير الله، وصار عمل اللسان من ثناء وحمد ودعاء واستغاثة واستعاذة وحلف معقودا بغيره، واتجهت الأبدان في الصيام والصلاة وأموال الصدقات والنذور والذبائح وحبوس الأوقاف والهبات إلى غير وجهه، وأصبحت القدرة الخارقة مأمولة في التمائم والصيغ السحرية وأجواف الظلمات والكهوف وشياطين الزار١ مما أوجب هلاكا للناس أكثر مما فعلته الأوبئة وقذائف الحروب.

стр. 20

وصار من الكرامات ابتلاع الحجر والزجاج والأفاعي وتخريق الأجساد بالمسامير والسكاكين، وقامت من ذوي الكرامات حلقات للرقص والزمر والسماع يسمونها التغبير، يعنون به التهليل وترديد الصوت بالألحان في حلقة الذكر مع الضرب والتوقيع بالقضيب وغيره. وقد فزع الإمام الشافعي من ذلك التغبير فقال ﵁: وخلفت في العراق شيئا يسمى التغبير وضعته الزنادقة يشغلون الناس عن القرآن. ومع هذه الفزعة من الشافعي فإن التغبير امتد تقليده في المواضع حتى بلغ الحاج في عرفات، ولم يبطل أمره إلا في عهد صلاح الدين١. وإثم هذا الانحراف كله عن الجادة المستقيمة واقع على اثنين: أهل الرأي الذين اغتروا بهوس العقل وتخييله فهونوا من شأن النصوص، وأضعفوا الشعور بصحة كثير من الأحاديث. وأهل النقل الذين قصّر بعضهم في تحصيل النصوص، ولم يقصّر بعضهم ولكنهم جبنوا أن يردوا الأمة إلى حظيرة إيمانها بتكرار النصائح وتثبيت عقائد الناس السليمة باستمرار، وضرورة العناية بها في التعليم، حرصا منهم على الرزق الموصول والمنصب المرموق. وفي غيبة العقل الراجح المستنير بأضواء الشريعة وغيبة شجاعة المستنيرين بها هامت الجماهير تتخطف من رواسب الديانات والخرافات وتقيم ما اندرس من الطقوس، وذلك إن حسنت النيات والطوايا. أو تقضي على العقائد والأخلاق والأمن والنظام إن ساءت نياتها وفسدت طواياها. وتبدو الصلات وثيقة بين الدين والأخلاق وإن كان بعض علماء الاجتماع تصوروهما من أصلين مستقلين ولكنهما متصلان، فالديانة تؤثر في الخلق بطريق الإرشاد إلى الاعتدال والإخافة من العقاب والإطماع في الثواب،

стр. 21

وأعقل الحكماء لا يستطيع أن يخلص آراءه ومعتقداته من تأثير الأخلاق، ولا بد للمتدين أن يكون ذا خلق، لأنه إن كان غفلا منه فإنه يحاول أن يوفق بين غرائزه السيئة وطلب العون من السماء لإتمام منكراته فيكون بلية أسوأ من بلية العاطل من الدين والأخلاق معا. وفقدان الأمة الإسلامية لأرضها ومعاركها كان للتعري من الخلق والدين، وليس ذلك وحسب، بل إن الفجرة الكفرة قطعوا أوصال البلدان والقرى والقبائل وسدوا منافذ الطرقات وعطلوا سبيل الحج وخربوا مراكز البريد وهونوا السطو وسفك الدماء ونهب المال. وصيروا البلاد التي كانت قلب الإسلام أكثر من غيرها تحت وطأة المفسدين والأشرار. وليس في استطاعة أحد من أصحاب الأقلام أن يؤرخ لهذه الحقبة على التفصيل لا في البلاد الإسلامية كلها ولا في بلد إسلامي واحد، إلا ما كان من كتاب اليوميات والرحلات وتدوين الحوادث كالمقريزي والمقدسي وياقوت إذ المشاهدات متراكمة والأحداث منقضة على رؤوس الناس بغير انتظار. ومن كتب هؤلاء وأمثالهم يظهر صدق هذا القول من وصفهم لتخريب البلاد وقتل النفوس وهياج الفتن وتكفير الناس١. وقد صنف أبو عبد الله محمد بن العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج كتابه "المدخل" في القرن الثامن الهجري في أربعة أجزاء كبيرة جمع فيه أنواع البدع والمفاسد والطقوس المحرمة التي عم الاعتقاد بها في البلاد الإسلامية، وهي أكثر من أن تحصى وأصعب على الشفاء من أن يصنع لها دواء٢.

стр. 22

وما دونه ابن الحاج في كتابه من بدعة القبور وحدها ومخالفة الشرع فيها شيء كثير من فوادح الأخطاء في اختيار أمكنتها وطريقة بنائها وبناء البيوت حولها وانحرافها عن القبلة وأطوال الحفر فيها والدفن بها والقراءة والكتابة عليها ونصب الخيام وإشعال الأضواء والنيران والإقامة أياما وليالي يطهى عندها الطعام ويسقى الشراب١. ويقول ابن الحاج: وقد صار هذا الحال في هذا الزمان أمرا معمولا به حتى لو تركه أحد منهم لكثر فيه القيل والقال فكيف لو أنكر ذلك! ولم يعلل ابن الحاج لما رآه من أنه أصبح عادة وهي إذا لزمت صار لها سلطان لا يقاوم ويعود البرهان غير مؤثر فيها. وإذا تنبه فرد وأراد الانفلات من تأثيرها فإنه لا يلبث أن يرى جميع الزمرة التي ينتسب إليها تعاديه. فإذا ثبت للعداوة ومضى في خلع العادة عد ذا خلق قوي ومزية تفوق المجتمع الذي ينتسب إليه. وهذا الذي دونه ابن الحاج في بدعة القبور صغير لو قيس بما قاله في السحر والزار والاستشفاع بأجداث الأولياء وغير ذلك من الاعوجاج والفساد. خفقات النجوم: ولم يكن ليل المسلمين طامسا بل كانت تتخله خفقات نجوم تضيء وومضات بروق تلمع، ولكنها لم تؤذن بطلوع الصبح من قريب. وكانت هذه الأضواء والومضات من رجال أتقياء أذكياء أفرغوا جهودهم الفردية في إنارة الطريق للسائرين، وربما لم يسلم واحد منهم من الخطأ والوهم أحيانا لكثرة المنعرجات في الأفكار، ومن هؤلاء أبو الحسن

стр. 23

الأشعري وأبو حامد الغزالي وكلاهما كان نقي النفس مخلصا، ومن أبرز من ظهروا في عهود التفكير الديني في الإسلام. وترك الأول مذهبا من الجدل ينصر فيه أهل السنة على المعتزلة، وقد كان أبو الحسن درس الاعتزال من قبل فتعرف طريقته وخبر عيوبه. وترك الثاني جحفلا من الكتب التي يرد فيها مسائل الزهد والتصوف إلى الفقه وشرائع الدين، وكان منها: إحياء علوم الدين، والمنقذ من الضلال ومقاصد الفلاسفة، وتهافتهم. ومع أن الرجلين لم يسلما من النقد والعتب على بعض ما أخطأ فيه، فإنهما قوما منعطفات الطريق وأضاءا منعرجات الظلام. واتخذ الأشاعرة مقالات أحمد بن حنبل تضيء لهم المسالك وتحل المشكلات كما فعل إمامهم فاقتدوا به، وقد كان من المعتزلة ثم تاب من القول بخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة يوم جمعة، وكان ذلك بأن رقي كرسيا ونادى بأعلى صوته قائلا: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرف بنفسي أنا فلان ابن فلان. كنت أقول بخلق القرآن وأن الله لا تراه الأبصار.. وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم١. ثم كتب الأشعري في الرد على الملاحدة والمعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج وسائر أصناف المبتدعة، وكان المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم زمانا حتى أظهر الله الأشعري فلاذوا يستخفون في الجحور. واستقر الأشعري وأصحابه على السنة وإثبات الصفات للذات العلية. وحين تكلموا عن صفة الكلام قالوا ما قاله الإمام أحمد والأئمة معه ومن

стр. 24

قبله، قالوا: إن كنه هذه الصفة -كسائر صفات الله محجوب عن العقل كالذات العلية، فليس لأحد أن يخوض في كنه ما يجب لذاته أو صفاته سبحانه جل وعلا١. وكذلك فعل الغزالي، وقد رد على الدهريين الذين، آمنوا بخلود المادة وأنكروا وجود الخالق، ورد على الطبيعيين الذين آمنوا بوجود الخالق ولكنهم أنكروا رجوع الأرواح إلى الأجساد وبعثها من مراقدها للثواب والعقاب. وقد قال الغزالي بكفر الطائفتين جميعا٢. وتمثلت طريقة الأشعري في مكافحة خصومه من المعتزلة والفلاسفة والفرق الضالة بالاستدلال الجدلي والبرهان المنطقي والاعتماد كل الاعتماد على القرآن والحديث. ولكن أضواء هذه النجوم لم تخترق كل الظلمات ولم تنفذ قوية إلى سطح الأرض كله فتنبه العامة إلى ما هم فيه من جهالة وضياع، فبينما كانت الآراء تتصارع وذوو الأفهام يطلعون فيعرفون أو ينكرون كان سواد الأمة ماضيا في غلوائه من التطبع بأسوأ الطباع والتزام أقبح العادات وتقديس أرذل المعتقدات. وذلك أن العامة مشحونة على استمرار بالانفعالات المتمردة والمزاج البعيد من العقل والسورة الجامحة، وهي في أشد الحاجة على الدوام إلى من يبصرها ويبعث فيها نخوة الاحتفاظ بمعتقدات سلفها أو الرجوع إليها، فإذا لم نجد هذا الذي يبصرها ليل نهار وفي كل آن ويشدها إليه شدا استسلمت لانفعالاتها وسورتها وتمردها. ومع أن الغزالي أوضح في كتابه "القسطاس المستقيم" أنه لا يمكن

стр. 25

لأحد أن يعرف جميع الحقائق والمعارف الإلهية لجميع الخلق فيرفع الاختلافات الواقعة بينهم، فإنه حاول أن يرسم طريق النجاة لكل الخلق، وأرشد إلى أن هذا الطريق قد بينه الله في كتاب بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد من الآية: ٢٥] . وقد بينت الآية أن الناس ثلاثة أصناف، وكل واحد من الكتاب والميزان والحديد علاج قوم: فالخواص أهل القريحة النافذة والفطنة القوية الخالية بواطنهم من التقليد والتعصب، فهؤلاء علاجهم بالميزان، وهو ما رسمه القرآن في الجدل الإبراهيمي الذي فيه الحجة البالغة. والعامة الذين ليس لهم فطنة لفهم الحقائق، وإن كانت لهم فطنة فطرية فليس فيهم داعية الطلب ولا داعية الجدل، وهؤلاء ليس الخوض في الخلافات من عشهم، فهؤلاء لهم الاعتقاد وما في الكتاب من أصول وفروع، من غير أن يشغلوا أنفسهم بمواقع الخلاف، ويكفيهم معرفة الفرائض وما اتفقت عليه الأمة من الحلال والحرام. ومن هؤلاء قوم هم أهل الجدل، فيرى الغزالي علاجهم بالتلطف إلى الحق من غير تعصب عليهم أو تعنيف لهم، وإنما يعالجون بما قال الله سبحانه: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النّحل من الآية: ١٢٥] . وبقي الحديد الذي فيه بأس شديد، وهو علاج الصنف الثالث، وهم الذين يتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. ورغم كل علاج فإن الخلاف لم يرتفع بين الخلائق، ولم تزل

стр. 26

الإشكالات عن القلوب١ لأن اختلاف الخلائق حكم ضروري أزلي بينه قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود من الآيتين: ١١٨-١١٩] ؛ فالناس دائما في حاجة لرحمة الله في مطلع فجر جديد. مطلع الفجر: وطلع الفجر عندما استيقظت حران المسلمة العريقة في المعرفة فولدت أضواء صبح مستعرض. هم بنو تيمية، وكان أقربهم إلى أضواء النهار تقي الدين أحمد بن عبد الحليم وتلميذه الفذ شمس الدين محمد بن قيم الجورية٢.وعلى رغم ما لقيه هذان الرجلان في نفسيهما وفيما رزقهما الله من علم وتقوى فإنهما تركا من بعدهما تراثا وقادا ما يكاد ينهتك عنه ستر الليل ويسفر صبحه حتى تبزغ الشمس عن نور منتشر مستفيض. وقد نشأت ببني تيمية مدرسة عقلية لا تقول بالرأي، وإنما تبحث عن الأدلة القاطعة التي يقدر عليها العقل الراشد والميزان السليم لإثبات أحكام الشرع. وقد فرغت هذه المدرسة من أن الأحكام الواردة في نصوص الشريعة الإسلامية لا بد أن تكون عن إرادة من الشارع الحكيم لمنفعة الناس. وتوسعت هذه المدرسة في الرد على كل مخالف لطريق السنة ولا سيما الجهمية القائلين بخلق القرآن، وتعطيل الباري جل وعلا عن صفاته،

стр. 27

وإنكار رؤية المؤمنين له في القيامة. والقائلين من الصوفية بوحدة الوجود والمفرطين في الإيمان بالذوق والشطح الصوفي. وكان من وصايا الإمام أحمد ﵁ في زمانه الأول أن لا يشغل أحد من أهل السنة نفسه بالرد عليهم، ثم عاد هو فرد عليهم، فلما استفحل الأمر من بعده وسال الناس فيه سيل الماء أو سيل البحر لم تجد مدرسة بني تيمية بدا من الرد والعنف فيه. واتجه البحر الزاخر تقي الدين اتجاهين: اتجاه نظري يرد فيه على المؤولين والمخرجين ابتغاء إحياء السنة والرجوع في الأحكام إلى النصوص والوقوف عن التأويل. واتجاه عملي حرم فيه البدع كافة. وقصد قصد العامة التي هلعت نفوسها وراء كل ما هو مبتدع بلا علم منها ولا شعور وكأنه صار قدسا لا ينال بكيد ولا تجريح١. واتخذ تقي الدين من لسانه وقلمه سلاحا للجدال والمناظرة والوعظ والتدوين، ومن سيفه للجهاد والمدافعة، وكان في سلاحه البياني بليغا عنيفا يحامي به عن أفكار الإسلام النقية كارها أشد الكره ما فعله القرامطة والباطنية من التأويلات الكاذبة بدعوى أنه علم الباطن، وهو أمر لم يقفوا فيه عند حد من الإلحاد في أسماء الله وآياته وتحريف كلم القرآن والحديث عن مواضعه، ولم تكن لهم غاية من باطنهم إلا إنكار الإيمان ومحو شرائع الإسلام٢. ثم كان تقي الدين في سلاحه القتالي جنديا مخلصا وزعيما متحمسا يدافع عن أرض المسلمين ويدعو أهلها لرد التتر الغزاة.

стр. 28

وخلف ابن تيمية من الكتب والرسائل في الخلافات الجارية ما لم يبلغ مبلغه أحد من مصنفي المسلمين، تنقية وجدالا ومحاجة وتقريرا، وصارت كتبه ورسائله ينابيع ثرة يردها كل ذي غلة ويصدر عنها راويا، وأضواء ساطعة يسير فيها كل من أراد الهداية من الحيرة والسير في الطريق المستقيم. وقد تبعه في علمه ومزاجه وطريقته ابن القيم فوسع وأكمل وحرر، ثم خلف مثل شيخه كتبا ذات قيمة نفيسة في اللغة والحديث والسنة والسيرة والفقه والتفسير، لا يستغني عنها وارد ماء ولا راشف دواء. وليس من غارة شنت على آراء جهم بن صفوان المنحرفة عن جادة الحق بعد الظاهرية أشد من الغارة التي شنها تقي الدين وصاحبه شمس الدين، وقد رد هؤلاء جميعا استدلالات الجهمية وغيرهم، بالعقل والنقل، حتى كسروا جيوشهم وردوها فلولا وأشلاء١. وشيخ الظاهرية كان داود الأصفهاني، حارب القياس الباطل وأظهر أن في الكتاب والسنة ما يفي بمعرفة الواجبات والمحرمات، وقدم ظواهر آيات القرآن والحديث على التعليل الفعلي للأحكام، وكانت وفاته في سنة ٢٧٠ هـ٢ قريبا من وفاة شيخ الأمة أحمد بن حنبل الذي توفي في سنة ٢٤١ هـ. وآخر أعلام الظاهرية علي بن أحمد بن حزم القرطبي الذي قال ببطلان القياس ورد على أتباع المذاهب المقلدين وصنف في الصحاح وفتاوى الصحابة والتابعين وأقضيتهم، وذاد عن الإسلام ذودا شديدا وتوفي في سنة ٤٥٦ هـ٣.

стр. 29

أما الشاميان الحنبليان فمع تقديمهما لظواهر القرآن والحديث فقد خالفا الظاهرية بأن بحثا عن التعليل العقلي لأحكام الشرع، معتقدين أنه لا بد أن يكون الشّارع الحكيم فرضها لخير النّاس، وكان من فضلهما أن صيّرا المعتقدات إلى معارف تبرّرها العقول ليتمّ رسوخ الإيمان. وحارب الفقيهان الحيلة على الدين وعدوها -كإمامهم أحمد- جبنا وغشا لتغطية الحق عن الناس، كما شجبا الإلهام الصوفي الذي سرى من جهة غلاة المتصوفة، واعتبره بعض المتأخرين منهم مسانيد لها قوة النصوص. وقد أقفل الحنابلة هذا الباب لأنهم رأوه مدخلا للمفاسد والشرور وطريقا واسعا للكذبة والمدلسين على الدين، وخافوا أن يدعي المدعون إثبات ما يلذ لهم بحجة الالهام والذوق والكشف، فيكون وحيا زائدا على وحي النبوات. وكذلك الرؤى والأحلام لا تكون حجة ولا تلزم العمل بها، ولا يثبت بها حكم شرعي -وإن كانت رؤية النبي ﷺ رؤيا حق- ولكن النائم ليس من أهل التحمل للرواية لانعدام قدرته على الحفظ، ومن أجل ذلك يسقط عنه التكليف١. والشريعة الإسلامية قد تمت واكتملت فلا تزيدها الإلهامات والرؤى والكشوف أحكاما، وقد منع هذه الزيادات وغيرها على الشريعة قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة من الآية: ٣] . وولد في مطلع هذا الفجر إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي نضو

стр. 30

ابن القيم في صحبته لتقي الدين ابن تيمية، وقد كان سلفي النّزعة سني المذهب، تبع شيخه في طريقته، فكان أحد الأعلام الذين نقوا الحديث ووضعوا علومه. وأزاحوا عنه الغيوم، وأما في تفسير القرآن فقد آثر أن لا يرجع إلى رأي وإنما يدون فيه ما ورد من أقوال السلف، من الصحابة والتابعين لئلا يكون هناك منفذ لرأي أو تأويل١.

стр. 31

بزوغ الشمس مولد إمام وفي سنة ١١١٥ هـ - ١٧٠٣ م أذن الله أن يسفر الصبح وتبزغ الشمس فولد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي من بني تميم الذين ينحدرون من مضر الحمراء من العرب الخلص من نزار من عدنان. وحين جاء الإسلام وأسلموا فرق النبي ﷺ فيهم عماله وصاروا من أقوى الجند الإسلامي وأكثفهم، ثم سكنوا البصرة والكوفة والحجاز، وكان منهم في خراسان بأقصى الشمال الشرقي من فارس جند كثيف، ولكثرتهم وقوتهم كانت لهم هبات وثورات، وكان الخلفاء والقواد يعتزون بهم في صدر الإسلام وفي دولة بني العباس ويخشونهم إذا ثاروا١. وتميم هذه من طابخة من عدنان وهم بنو تميم بن مر بن أد بن طانجة من خندف بن مضر. وكان لتميم من الولد زيد مناة وعمرو والحارث. وقد اتخذوا منازلهم بأرض نجد من هناك على البصرة واليمامة وامتدت إلى العذيب، من أرض الكوفة، ثم تفرقوا بعد ذلك في الحواضر٢.وطابخة ومدركة أخوان من الياس بن مضر، وكان اسم طابخة عمرا،

стр. 32

وقد سمي طابخة لأنه كان هو وأخوه عامر في إبل لهما يرعيانها فاصطادا صيدا وقعدا يطبخانه فعدت عادية على إبلهما، فقال عمرو لعامر: تدارك الإبل! فجاء بها وطبخ عمرو، فلما راحا على أبيهما إلياس أخبراه بشأنهما فقال لعامر: أنت مدركة، وقال لعمرو: أنت طابخة. فسمي بها من ذلك الحين١. وآل عبد الوهاب ينتمون بالأصالة إلى تميم، فابنهم محمد تميمي مضري. وإذا قيل تميمي أو مضري فإنما هو على طريقة القدماء ينسبون إلى الآباء الأعلين، فإذا قيل وهابي فإن ذلك على طريقة المتأخرين حين ينسبون إلى أقرب الآباء٢ وإن كان هذا اللقب أطلقه خصومه على أتباعه كما أوضحنا في مقدمة الكتاب، وكذلك سمي بالشيخ النجدي على طريقة العجم في النسب للبلدان. أما النسب للآباء والقبائل فقد جرت به عادة العرب٣. وقد أخبر الثقات أن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن سعد بن سلمة بن فلاح بن عبد الواحد بن حميد بن سالم بن سنان. وبنو سنان قبيلة من تميم. وبين سنان وتميم ثلاثة وعشرون أباً. وهو ما صح من نسبه لدى رواة الأنساب٤. وجده سليمان كان عالم نجد وفقيهها انتهت إليه فيها الرياسة الدينية وتوافدت عليه وفود العلماء والطلاب. وكذلك كان أبوه عبد الوهاب عالما فقيها تولى القضاء والإفتاء في بلاد العارض من اليمامة وفي العيينة ثم في حريملاء.

стр. 33

واستمر ذلك من أول القرن الثاني عشر الهجري إلى ما بعد منتصفه حيث مات هذا الأب في سنة ١١٥٣ هـ ١٧٣٨ م. وكانت سن ابنه محمد حينذاك قد بلغت الثامنة والثلاثين. وولد محمد بالعيينة من بلدان العارض في شمالي الرياض قصبة نجد الحاضرة، وعاش حتى أوفى على التسعين، ثم مات ﵀ عام ١٢٠٦ هـ - ١٧٩١ م بعد أن قضى يدعو بدعوته أكثر من خمسين عاما انتهت باعتكافه في شيخوخته قليلا، كما انتهت بعد جهاد عنيف إلى أن أرست أسس الثبات والانتصار. وشب محمد في بيته فقرأ القرآن وحفظه وأتقنه قبل بلوغ العاشرة من عمره، ثم قرأ على أبيه وعلى علماء اليمامة مبادئ العلم والفقه على مذهب أحمد، ومنذ بلغ رشده واستوى قدمه أبوه لإمامة الصلاة. وفي أثناء هذه الدراسة الأولى حج محمد إلى بيت الله واعتمر، وكان لم يزل بعد في إبان الشباب، ثم قصد إلى المدينة فجاور بها نحوا من شهر، حتى إذا عاد إلى بلده فتزوج بها انكب على والده يكمل الفقه الحنبلي، ثم عاود الحجاز -من بعد- فقرأ على علماء الحرمين الكبار١. وانصرف الناشئ التميمي إلى تحصيل العلم والنَّهَم فيه انصرافا خالصا، ولم يَشُبْهُ بطلب شيء غيره من مطالب العيش من صناعة أو تجارة كما كان أهل نجد في ذلك الزمان. وقد قالوا إن رجلا من عنيزة اسمه سليمان بن راشد أغراه يوما بالتجارة وحسنها له وعرض عليه أن يعطيه مالا ليس له غير نصف

стр. 34

ربحه مضاربة، وكان ذلك في مجلس من الشهود أشاروا عليه جميعا أن يقبل فأبى قائلا: إن أنا اشتغلت بالتجارة بقيت بأسر الذل والطمع وفاتني فراغ البال في تحصيل العلم والعمل. والرزاق سبحانه يهيئ الرزق، فلست ساعيا بوجه من الوجوه يشغلني عنه ويلهيني١. ويبدو أن سليمان بن راشد وشهود مجلسه أيقنوا من صفات الفتى التي رأوها من صدق ظاهره وباطنه أن تجارته ستربح وأن ربحه مضمون، كما يبدو أن الفتى النجدي لم يرفض التجارة ويحرمها إلا أن تصبح له حرفة دائمة تشغله عما سواها. أما أن يكون له شيء من زرع أو ضرع يبيعه دون احتراف فهذا الذي كان فيه وقد أغناه عن أن يحترف لطلب المال. وكثيرون من أهل نجد كانت حرفتهم التجارة والسفر والإبعاد بها مهما طالت بهم الأسفار. وكان هذا الاحتراف من الكثرة أمرا مؤثرا معديا، بل ليس هناك ما يعدي بالفتنة أكثر منه، ولكن الفتى صان نفسه عن الداء فاستشفى برزق أهل بيته وما هو فيه من رخاء البال. حتى إذ اكتمل شبابه تزوج ورزق وشيكا بابنين وابنتين ثم لم ينصرف عن التحصيل ما استطاع إلى ذلك سبيلا، مفضلا الكتاب الكريم، وما ثبت من الصحيح، ولا سيما ما كان من شيوخ الحنابلة وابن تيمية وابن القيم وتأثر بهم إلى حد كبير٢. ثم التفت عن كتبه التي يقرؤها إلى الواقع من حوله فإنه كتاب أفصح منطقا وأبلغ تأثيرا، فرأى اليمامة قد ضمرت من ستة آلاف بيت وأكثر

стр. 35

إلى ثلثمائة بيت فأقل، فقرأ في تاريخها القريب أنها منيت بالظلم والجور فتردت من الرواج إلى الإفلاس ومن هناءة العيش إلى كدره ومشقته، ورأى على هذا المنحدر من تاريخ اليمامة كيف تمزق الناس أشلاء من فرق وقبائل، وكيف لم يبق في القلوب إلا إضمار الشر واحتدام العداء والاختلاف والنفاق. دراسته ورحلاته: وكان محمد بن عبد الوهاب كلما سار نحو الاكتمال ازداد ولعه بالعلم والمبالغة في تحصيله، فحرص على أن يطلبه في كل مظنة يستطيع الوصول إليها دون أن يمنعه مانع، وفي محيط بلاده التي يعيش فيها. وحان له أن يؤدى فريضة الحج فقصد إلى البلد الحرام، وجعل من موسم الحج ما جعله الأئمة الأعلام من قبله في عصور ازدهار الإسلام، وكانوا يتخذونه أوسع رحبة يلتقون فيها ويتشاورون، وتتلاقى قلوبهم وآمالهم، ثم يعود كل فائز منهم بما حمل من علم وفقه إلى بلده ليشعل فيها مصباحا من نور جديد. ولم يكن البلد الحرام يخلو من فقهاء أجلاء قد أقاموا به من أهله ومن غير أهله، ثم في الموسم من الوافدين عليه من أقطار المسلمين. وبنُزُوله إلى مكة وزيارته لفقهائها أو زيارتهم له أعاد إليها ما كان يموج فيها من حياة العلم الديني إذا قدم عليها أمثال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين من العراق وعبد الرزاق بن همام الصنعاني من اليمن ومهنا بن

стр. 36

يحيى من الشام، ويتبادلون علم ما يعرفه كل منهم، ثم يعود كل إمام إلى بلده وفي جعبته ما ملأها من علم وبحث مستفيض. وما إن التقى الشيخ الوهابي بعلماء مكة في الموسم وتبادلوا الأقوال والآراء حتى وجد منهم قبولا لآرائه وإعجابا بإقدامه وثباته وارتياحا لدعوته، فحثوه على الدأب والصبر، وهما أولى الأخلاق بالداعي إلى الحق، فزاده رضاهم اطمئنان قلب وقوة تصميم١. فلما أدى فروض حجته وحل من مناسكها، وتزود من علمائها مضى إلى المدينة المنورة -على ساكنها صلوات الله وسلامه- وما كاد ينْزل بأرضها حتى علم شيوخها آنذاك بمقدمه فأسرعوا إليه ليلقوه مرحبين. ولقي هناك فيمن لقي شيخ فقهاء المدينة وكبير محدثيها الشيخ محمد حياة بن إبراهيم السندي نشأة والمدني دارا. وكان أحد الأعلام الذين صنفوا الكتب والشروح. والسندي المدني هو صاحب المقدمة في العقائد وشرح الأربعين النووية للشيخ النووي الحجة في الرواية وتفسير الحديث٢. وقد وجد ابن عبد الوهاب من الشيخ السندي إعجابا بسعة علمه وكريم خلقه، كما وجد منه قبولا لدعوته، وكأنما كان علماء مكة وعلماء

стр. 37

المدينة على طريقة واحدة في النية والأمل، فوجدوا في ضيفهم ما يجعل النية عملا وما يملأ الغد أملا. وحين رأى هؤلاء وأولئك ما يحمله بين برديه من قصد ونبل أجازوه رواية الصحاح والمسانيد وسنن الحفاظ من المتقدمين والمتأخرين. وهكذا لم يفرغ الإمام من الحج والزيارة إلا وهو متزود بثروة كبيرة من العلم اللغوي والديني، وبثقة لا حد لها من قلوب علماء كبار، وشهادات منهم بما تأهل له من الرواية والفتوى، ومنذ ذلك الحين وقد شمر ساعده وجهده ليقلى الباطل بالحق والزيغ بالهدى والظلام بالنور. ومهما يكن العلم واسعا والرأي مستنيرا والحجة حاضرة فإنه لا ثمرة لكل هذه ما لم يكن من ورائها عزم باعث وقلب جريء وإقدام لا ارتداد منه إلى وراء، وكذلك كان الشيخ نية وهمة وإقداما، في إطار من العلم والحجة والرأي المستنير. ثم عاد إلى نجد، ولكنه لم يطل المقام بها، فرغب في أن يرتحل إلى بعض البلاد العربية القريبة، طلبا للازدياد من العلم، ومعرفة أدواء الناس ليعد لها الدواء. ومن رأي الإمام أحمد ﵀ أن يظل طالب العلم مرتحلا أكثر منه مقيما، وقد سأله سائل: إذا لقيت في بلدي عالما يكفيني علمه أفأظل أو أرتحل؟ فقال الإمام: ارتحل فإن في الرحلة أنفاسا لا يشمها الطالب المقيم.

стр. 38

وكان محمد بن عبد الوهاب قد صار منذ رجع من الحرمين فقيها عالما، ولكنه عمل بنصيحة شيخ الأمة أحمد، فارتحل يطلب مزيدا، وكان جديرا بأن يمنح ويعطى كما يأخذ ويجمع، فلما تهيأ له أن يرتحل إلى البصرة دخلها في تواضع الأئمة، لا يظهر ما عنده من العلم، وإن كان العلم ينم عن نفسه، ويتحدث بلا لسان عن فضله. وما كاد يجول أول جولة حتى بدا فضله وبان. ولم يلبث أن تهيأ في البصرة للوعظ والإرشاد، في سمت العالم ووقاره ورقته ورفقه، فاستيقظ داء الحسد في النفوس، وسعى به الوشاة يتهمونه بأنه يحدثهم بغرائب لم يحدثهم بها شيوخهم، ويدلي بآراء لم يسمعوا بأمثالها من وعاظهم ومرشديهم، ثم ألح بهم الحسد فانبروا له يجرحونه ويؤذونه، ثم لجوا في العدوان فاعتدوا على داره ونهبوا ما كان معه من مال وكتب ومتاع، واضطروه إلى الخروج من البصرة ماشيا عاري الرأس حافي القدمين. وحين مضى في طريقه على هذه الحال، بلغ به الإعياء في الطريق حدا موجعا، فمال به أحد من رآه إلى بلدة الزبير، فلبث بها أياما يستجم مما أصابه، ثم خرج منها معرجا على الأحساء، وكأنما دفعه القدر إليها، فرأى فيها علماء أجلاء على طريقته ومذهبه، فمسحوا عنه ما أصابه من الأذى في البصرة، حتى إذا استجم عاد إلى حريملا حيث كان والده مقيما بها. ولقد كان لهدوئه في ظل هذه البلدة وفي جوار أبيه بعضد هناءة النفس، والتمكن للاستعداد، وما كاد يشعر بذلك حتى وافى القدر

стр. 39

أباه فتوفي، فصار منذ هذه الوفاة على مفترق الطريق: فإما أن يكمل استعداده ويشد عزمه على لقاء الحساد والخصوم، من ظهر منهم ومن لم يظهر، وإما أن يستسلم فلا يحقق ما نوى أن يحققه لنفسه وللأمة الإسلامية، وينتصر خصومه وحساده وينْزوي وجه الحق عن الظهور. ثم بان له وجه الحق فرأى أن يتجهز بأقوى سلاح من حجج الدين، ونصوص القرآن والحديث الصحيح، ويمضي مضي الدعاة الأبطال، بعزم لا ينثني وقلب لا يقهر، والجنة محفوفة بالمكاره، ولا مطلب له إلا أن يرغم أنف الشيطان١. هذه كل رحلة الشيخ فلم تجاوز مكة والمدينة والبصرة، وهي كما، ذكرها الثقات من أهل عصره، وقد أضيفت إليها صور من تخيلات المتأخرين فأوسعوا في الكلام عن رحلات له طويلة ومدارس متعددة، وكما أوسع لهم الخيال والتصوير٢. ولعل قصر الرحلة وضيقها وانصراف الشيخ إلى قراءة الصحاح والمسانيد، والمداومة عليها، قد سدد خطاه وحصره في مسار دعوة سليمة لم تختلط بأفكار جماعات متعددة، ولا بأوهام فاسدة، كما أن هذه الدراسة لم تكن بالأمر الهين أو الذي يحصله الطالب الذكي في وقت قصير، ولكن قدرته على التحصيل دلت على قوته وامتيازه.

стр. 40

ومنذ أن سطع نجمه في نجد، وشاع بين النجديين حفظه وفهمه أقبل عليه كل ذي مسألة يستوعبه فأفتاه، وكل ذي همة فقبل دعوته وصار له نصيرا. نزعته وميله: ومما لم يكن معه بد أن محمد بن عبد الوهاب كان مطبوعا على ما نشأ عليه في أسرته ذات الدين والسمعة العريضة برعاية أحكامه، ثم تزود بكثير من نواحي المعرفة، ثم رأى مجتمعات مختلفة تموج بالصلاح والفساد، وعاشر أقواما وأجناسا تختلف طباعها وتتفق، وتتباين صفاتها أو تتقارب. أما المجتمعات فقد رأى الأجناس والأنواع وتباين الطباع والأخلاق وطرائق السلوك والمعايش، وأنواع العبادات والطقوس، ورأى فروق ما بين الحضر والبدو; وفروق ما بين الحواضر والحواضر. والمرتحل مع العلم والصدق يعود محتقبا جعابا كثيرة من الأفكار ويتردد بينها فيصل ويفصل ويجمع ويفرق ويكره ويستحسن، وتراه حريصا على أن يستفيد منها كلها دون أن يهون من شأن ما لا يستحق التهوين. ولكن الذي يرجع وقد ركز فكره في أمر واحد وجعل كل همه فيه لا بد أن يكون قد تملكته نزعة واستهواه ميل نحو عالم من العوالم التي رآها وعرفها فيوجه نشاطه إليه ويوليه هذا النشاط على ديمة واستمرار. ولا يسمى الميل أو النّزعة باسميهما إلا إذا اتجها إلى ناحية خاصة من
следующие страницы →