يحيى من الشام، ويتبادلون علم ما يعرفه كل منهم، ثم يعود كل إمام إلى بلده وفي جعبته ما ملأها من علم وبحث مستفيض.
وما إن التقى الشيخ الوهابي بعلماء مكة في الموسم وتبادلوا الأقوال والآراء حتى وجد منهم قبولا لآرائه وإعجابا بإقدامه وثباته وارتياحا لدعوته، فحثوه على الدأب والصبر، وهما أولى الأخلاق بالداعي إلى الحق، فزاده رضاهم اطمئنان قلب وقوة تصميم١.
فلما أدى فروض حجته وحل من مناسكها، وتزود من علمائها مضى إلى المدينة المنورة -على ساكنها صلوات الله وسلامه- وما كاد ينْزل بأرضها حتى علم شيوخها آنذاك بمقدمه فأسرعوا إليه ليلقوه مرحبين.
ولقي هناك فيمن لقي شيخ فقهاء المدينة وكبير محدثيها الشيخ محمد حياة بن إبراهيم السندي نشأة والمدني دارا. وكان أحد الأعلام الذين صنفوا الكتب والشروح.
والسندي المدني هو صاحب المقدمة في العقائد وشرح الأربعين النووية للشيخ النووي الحجة في الرواية وتفسير الحديث٢.
وقد وجد ابن عبد الوهاب من الشيخ السندي إعجابا بسعة علمه وكريم خلقه، كما وجد منه قبولا لدعوته، وكأنما كان علماء مكة وعلماء
стр. 37
المدينة على طريقة واحدة في النية والأمل، فوجدوا في ضيفهم ما يجعل النية عملا وما يملأ الغد أملا.
وحين رأى هؤلاء وأولئك ما يحمله بين برديه من قصد ونبل أجازوه رواية الصحاح والمسانيد وسنن الحفاظ من المتقدمين والمتأخرين.
وهكذا لم يفرغ الإمام من الحج والزيارة إلا وهو متزود بثروة كبيرة من العلم اللغوي والديني، وبثقة لا حد لها من قلوب علماء كبار، وشهادات منهم بما تأهل له من الرواية والفتوى، ومنذ ذلك الحين وقد شمر ساعده وجهده ليقلى الباطل بالحق والزيغ بالهدى والظلام بالنور.
ومهما يكن العلم واسعا والرأي مستنيرا والحجة حاضرة فإنه لا ثمرة لكل هذه ما لم يكن من ورائها عزم باعث وقلب جريء وإقدام لا ارتداد منه إلى وراء، وكذلك كان الشيخ نية وهمة وإقداما، في إطار من العلم والحجة والرأي المستنير. ثم عاد إلى نجد، ولكنه لم يطل المقام بها، فرغب في أن يرتحل إلى بعض البلاد العربية القريبة، طلبا للازدياد من العلم، ومعرفة أدواء الناس ليعد لها الدواء.
ومن رأي الإمام أحمد ﵀ أن يظل طالب العلم مرتحلا أكثر منه مقيما، وقد سأله سائل: إذا لقيت في بلدي عالما يكفيني علمه أفأظل أو أرتحل؟ فقال الإمام: ارتحل فإن في الرحلة أنفاسا لا يشمها الطالب المقيم.
стр. 38
وكان محمد بن عبد الوهاب قد صار منذ رجع من الحرمين فقيها عالما، ولكنه عمل بنصيحة شيخ الأمة أحمد، فارتحل يطلب مزيدا، وكان جديرا بأن يمنح ويعطى كما يأخذ ويجمع، فلما تهيأ له أن يرتحل إلى البصرة دخلها في تواضع الأئمة، لا يظهر ما عنده من العلم، وإن كان العلم ينم عن نفسه، ويتحدث بلا لسان عن فضله. وما كاد يجول أول جولة حتى بدا فضله وبان.
ولم يلبث أن تهيأ في البصرة للوعظ والإرشاد، في سمت العالم ووقاره ورقته ورفقه، فاستيقظ داء الحسد في النفوس، وسعى به الوشاة يتهمونه بأنه يحدثهم بغرائب لم يحدثهم بها شيوخهم، ويدلي بآراء لم يسمعوا بأمثالها من وعاظهم ومرشديهم، ثم ألح بهم الحسد فانبروا له يجرحونه ويؤذونه، ثم لجوا في العدوان فاعتدوا على داره ونهبوا ما كان معه من مال وكتب ومتاع، واضطروه إلى الخروج من البصرة ماشيا عاري الرأس حافي القدمين.
وحين مضى في طريقه على هذه الحال، بلغ به الإعياء في الطريق حدا موجعا، فمال به أحد من رآه إلى بلدة الزبير، فلبث بها أياما يستجم مما أصابه، ثم خرج منها معرجا على الأحساء، وكأنما دفعه القدر إليها، فرأى فيها علماء أجلاء على طريقته ومذهبه، فمسحوا عنه ما أصابه من الأذى في البصرة، حتى إذا استجم عاد إلى حريملا حيث كان والده مقيما بها.
ولقد كان لهدوئه في ظل هذه البلدة وفي جوار أبيه بعضد هناءة النفس، والتمكن للاستعداد، وما كاد يشعر بذلك حتى وافى القدر
стр. 39
أباه فتوفي، فصار منذ هذه الوفاة على مفترق الطريق:
فإما أن يكمل استعداده ويشد عزمه على لقاء الحساد والخصوم، من ظهر منهم ومن لم يظهر، وإما أن يستسلم فلا يحقق ما نوى أن يحققه لنفسه وللأمة الإسلامية، وينتصر خصومه وحساده وينْزوي وجه الحق عن الظهور. ثم بان له وجه الحق فرأى أن يتجهز بأقوى سلاح من حجج الدين، ونصوص القرآن والحديث الصحيح، ويمضي مضي الدعاة الأبطال، بعزم لا ينثني وقلب لا يقهر، والجنة محفوفة بالمكاره، ولا مطلب له إلا أن يرغم أنف الشيطان١.
هذه كل رحلة الشيخ فلم تجاوز مكة والمدينة والبصرة، وهي كما، ذكرها الثقات من أهل عصره، وقد أضيفت إليها صور من تخيلات المتأخرين فأوسعوا في الكلام عن رحلات له طويلة ومدارس متعددة، وكما أوسع لهم الخيال والتصوير٢.
ولعل قصر الرحلة وضيقها وانصراف الشيخ إلى قراءة الصحاح والمسانيد، والمداومة عليها، قد سدد خطاه وحصره في مسار دعوة سليمة لم تختلط بأفكار جماعات متعددة، ولا بأوهام فاسدة، كما أن هذه الدراسة لم تكن بالأمر الهين أو الذي يحصله الطالب الذكي في وقت قصير، ولكن قدرته على التحصيل دلت على قوته وامتيازه.
стр. 40
ومنذ أن سطع نجمه في نجد، وشاع بين النجديين حفظه وفهمه أقبل عليه كل ذي مسألة يستوعبه فأفتاه، وكل ذي همة فقبل دعوته وصار له نصيرا.
نزعته وميله:
ومما لم يكن معه بد أن محمد بن عبد الوهاب كان مطبوعا على ما نشأ عليه في أسرته ذات الدين والسمعة العريضة برعاية أحكامه، ثم تزود بكثير من نواحي المعرفة، ثم رأى مجتمعات مختلفة تموج بالصلاح والفساد، وعاشر أقواما وأجناسا تختلف طباعها وتتفق، وتتباين صفاتها أو تتقارب.
أما المجتمعات فقد رأى الأجناس والأنواع وتباين الطباع والأخلاق وطرائق السلوك والمعايش، وأنواع العبادات والطقوس، ورأى فروق ما بين الحضر والبدو; وفروق ما بين الحواضر والحواضر.
والمرتحل مع العلم والصدق يعود محتقبا جعابا كثيرة من الأفكار ويتردد بينها فيصل ويفصل ويجمع ويفرق ويكره ويستحسن، وتراه حريصا على أن يستفيد منها كلها دون أن يهون من شأن ما لا يستحق التهوين. ولكن الذي يرجع وقد ركز فكره في أمر واحد وجعل كل همه فيه لا بد أن يكون قد تملكته نزعة واستهواه ميل نحو عالم من العوالم التي رآها وعرفها فيوجه نشاطه إليه ويوليه هذا النشاط على ديمة واستمرار.
ولا يسمى الميل أو النّزعة باسميهما إلا إذا اتجها إلى ناحية خاصة من
стр. 41
نواحي الحياة، واستمر هذا الاتجاه أبدا، وظهر هذا الميل أو النّزعة إلى خارج النفس كلما سنحت الفرصة لظهوره.
وهذا هو ما صار لمحمد بن عبد الوهاب إذ آثر النّزعة الدينية وأولاها إدراكه وإرادته فتعلق بها وأحبها، ومن ثم أداه هذا الميل إلى الإكثار من المعلومات ومعرفة العلاقات والروابط بين الأشياء فيما اتجه إليه من الميل الديني، أما العلوم الأخرى فكانت أدوات وأسبابا تحمل على الانتفاع بها أو الحيدة عنها بقدر ما تخدم الدين أو تعكر صفوه وتحيد عنه.
وثبت لمحمد بن عبد الوهاب أن الإغراق في التفكير الفلسفي كما أغرق المشاؤون والإشراقيون، وأن الشرود وراء الشطح والكشف كما شرد الصوفيون -لا يزيد عن أن يكون تخييلات عقلية وتلبيسات مسرفة ليس من شأنها إلا أن تميز من يعرفها بالشذوذ عن المجتمعات، وهم قليل، أما أن تقيم مجتمعا سليما قويما ينتظم فيه كل أفراد المجتمع فإن ذلك لا يكون إلا أن يشب العامة على معرفة الدين علما وعملا وفي الحدود الميسرة لكل العقول والجهود، وهذا هو الطريق الذي عرفه أهل السنة والمسلك الذي سلكوه. وكان ميل ابن عبد الوهاب وتخرجه على المذهب الحنبلي الذي يأبى الحيلة والتقليد والتأويل، فأوقعته رحلته على أنواع من الحيل والتأويلات فرجع منها ممتلئ النفس استنكارا لما ابتدعه المسلمون حاسبا أن تكون هذه الرحلة كالخلوة والتأمل لمن يريد أن يقدم لعالمه الذي هو منه والذي يحبه يدا تنجده ونورا يهديه.
стр. 42
ولقد أكثر الفتى النجدي في أثناء رحلته من الخلوة والتأمل، وكان لجوؤه إلى المدارس التي في طريقه انزواء عن الناس لئلا يفسدوا عليه فكره وتأمله، ولم يزل في كثير من المواضع التي نزل بها لا يذكر اسمه ولا قومه ولا بلده تواضعا وزهدا قد نسي كل هذه الأشياء ثم أعلن عن نسيانها في أصفهان حين حسر عن رأسه ولبس جبته الخضراء١.
وهكذا صار السفار الرحالة من العلوم التي حصلها على بصيرة، وأيقن أن انتكاس المسلمين لم يحدث إلا بمفارقة عامة الناس للشريعة وحدودها وآدابها، أما علوم الدنيا ومعارفها فقد ينال منها ما يشاؤه الصالحون والطالحون، فرأى وجوب بذل الهمة في إرجاع عامة المسلمين إلى الحقائق الميسرة في شريعتهم والتي انخلعوا عنها.
وأعجبته من بين النّزعات نزعة ابن تيمية فانكب على رسائله ينقلها بخطه ويحملها في حقائبه ويسافر -ولعلها كانت أنسه في خلوته- وقد رسمت له هذه الرسائل حدود الدين وخلصته من البدع والمنكرات وتخليط الفرق وتهافت الفلاسفة، فود ابن عبد الوهاب لو أتيح له أن يحقق للمسلمين ما عجز ابن تيمية عن تحقيقه٢! ثم فكر في الخطوة العملية فرأى أن يبدأ بقومه ويدعو بدعوته بين القبائل ثم يقاتل ويهاجر من بلد إلى بلد في الجزيرة وفي أطرفها ليرجع بالدين إلى نقاوته الأولى، فإذا خلص له ما أراد في بلاده التي نشأ فيها
стр. 43
الإسلام، فإن فكرته تكون فد بلغت غاية الصواب وخطوته قد بلغت غاية السداد١.
وفي غيبة علماء الأمصار عن محاربة البدع والخرافات لانصرافهم إلى الدنيا وتمرغهم في أبهة المناصب ومتابعة أهواء الحكام والمحكومين رجع محمد بن عبد الوهاب إلى نجد آخذا على نفسه أن يتفرغ لدعوة الإصلاح بمحاربة البدع والعقائد الفاسدة وإخلاص التوحيد لله٢.
ولم تكن النّزعة الدينية التي نزع إليها لتغض من شأن العلوم التي حصلها ولكنه جعلها أدوات ووسائل للفهم والإدراك وتمييز الخطأ من الصواب والحق من الباطل، وليس يجوز أن يتهم بقصر النظر أو الجمود.
ولو كان أتباعه من بعده -ككل أتباع المذاهب- قد حاربوا العلوم المدنية حينا ثم لم يجدوا دليلا يظاهرهم على هذه الحرب فألقوا السلاح، فإن التهم التي كيلت للوهابية من أتباع النّزعة العقلية التي كانت بعد جمال الدين لم يلحق ابن عبد الوهاب ولا الوهابية السليمة شيء منها وهم من هذه التهم براء٣.
وإن لم بكن ذلك فما قيمة الاجتهاد الذي فتحت الوهابية بابه ودعا إليه شيخهم النجدي وألح في الدعوة إليه؟! ولم يسمع أحد منه دعوة إلى نبذ علم من العلوم سوى ما رفضه أهل السنة مما ذهب بالعقول إلى
стр. 44
التخييلات والتلبيسات وذهب بالنفوس إلى الخرافات والضلالات، ولكن نزعته مالت إلى أمور الدين فأرخت سترا على ما عداها من غير أن يكون ما وراء الستر كله محرما أو مكروها.
صفاته ومناقبه:
ويصف المؤرخون محمد بن عبد الوهاب بالحفظ والذكاء وحدة الفهم وما إلى ذلك من الصفات التي تتوفر في كثير من أئمة الدين والعلم، ولكنها لا تؤهلهم لأن يقودوا حركة ثورية ناجحة كما قاد حركته محمد بن عبد الوهاب.
والأولى أن يكون أول ما يوصف به أنه رجل بليغ واضح قوي التأثير مقل من الكلام مكثر من العمل، وكان في كل ما رسم وسار من خطوط وخطوات قدوة لغيره، من غير أن يكون مملولا كالمكثرين من الأقوال المقلين من الأعمال.
ويعرف إيجازه وبلاغته في كل ما تركه من كتابات واضحة زيدت عليها من بعده تفصيلات تضرب الأمثلة وتنصر الأدلة لا شروح تفسر الغوامض كما حدث لكتاب التوحيد.
وقد وصف بأنه رجل متواضع مجامل غير مترفع، ولكن كان لتواضعه شأن في علمه وسياسته ظهر فيهما بأجلى وضوع أما في العلم فكان استخفاؤه من التظاهر بعلمه على خلق الأئمة الأولين.
وأما في السياسة فإنه حين انتصر وفازت مبادئه لم يطمع فيعتدي وينتهب سلطان ذوي السلطان وينفرد به، وقد كان متاحا له في يسر أن يصل إلى مثل ذلك ما دامت الدعوة قد استجاب لها جحفل جرار من
стр. 45
المتطوعين، ولكنه بقي في المكان الذي نبعت منه قوته وهو مكان الوعظ والفتوى.
ويوصف ابن عبد الوهاب بالصبر والصمود، وقد خرج من العارض باليمامة إلى الرحلة أكثر من عشرين عاما جمع فيها من العلم والمعرفة ولقي فيها من شظف العيش وسطوة الظلم ما اصطبر عليه.
فلما خرج من العيينة محتميا بالدرعية ثم هزمت صفوفه هزائم كثيرة لم يعدل من مسيرته ولم يخفض من جهده، وكان كلما زاد عدوه عدوانا وضراوة ازداد هو رباطة وثباتا، وكان فيما اتصف به من رباطة الجأش مقتديا بالرسول الأعظم ﷺ ومؤتسيا بصحبه وأتباعه ممن نصعت سيرتهم في البلاد والأجيال والأزمان، ثم كان هو قدوة لكل صاحب دعوة في سبيل الله.
ولم يكن الداعية النجدي قائدا متهورا، وطالما نصح للأمراء والقادة والجند بالتريث قبل دخول المعارك اتقاء للهزيمة. والقادة الحكماء هم الذين لا يتمنون لقاء العدو بل يرجون أن يكون النصر يجنونه بغير خسائر أو بأقلها. وكذلك كان قائد بني تميم.
ومن صفته أنه كان رجلا صادقا خالص الإيمان وفيا، وشاهد ذلك ما تركه في أولاده وذريته واتباعه من الصدق والإيمان والوفاء، وقد كان مخوفا أن تخمد الدعوة لو أنها انبعثت من صوت رجل يريدها لنفسه وجاهه، فإذا مات انتهت بموته، ولكن هذا الداعية الصادق الوفي ترك من بعده أمة كاملة تتبع دعوته وتحرص عليها.
ولأنه لم يكن طامعا في ملك ولا رياسة فقد حصر همه في تخليص
стр. 46
عقائد الناس إلى التوحيد الخالص، وبذل كل جهده في بيانه بلسانه وقلمه وفي جهاده بتدبيره وسيفه، ولم يتعرض لشيء سوى الشريعة التي تنتظم بها شؤون الحياة.
وكان وفيا هو وبنوه وحفدته للعقد الذي عقده مع محمد بن سعود أول الأمر في أن يتولى هو الدعوة الدينية ويتولى الأمير ابن سعود شؤون الدولة وتنفيذ الأحكام.
ولقد كان الرجل ذا نفس نزاعة عن الانعزالية -سوى فترات قليلة عكف فيها على التفكير والتأمل- إلى أن بلغ الثمانين من عمره فانقطع انقطاع الفقهاء كمالك والأوزاعي وأحمد.
ولو وصف -من بعض اعتزاله- بالانعزالية لكان أحد المتصوفة الذين تخلوا عن الناس ولم يذكروا إلا أنفسهم وخصوها بطلب القربة والوصول، ولكنه أراد أن يعيش مع قومه ثم مع المسلمين كافة عيشا متكافلا ساميا يكون من شأنه إسعاد الناس.
ولم يسقط من حسابه العامل الحربي الذي يكون عليه آخر الأمر تقريب المسافات وتقصير الأزمان.
من الممكن بعد هذه الصفات العود إلى صفتي الحفظ والذكاء. وفي الاعتقاد أنهما ضرورتان لرجل يبدأ دعوة ويصنع تاريخا. أما الحفظ فالمراد منه أكثر من حفظ العلوم -وعي التاريخ والاتعاظ بالتجارب الماضية للناجحين والمخفقين والسير على خطة منجحة بقدر الإمكان. أما الذكاء فهو معين على الحذر وتفادي الخطأ ووقوع النظر والقلب الناجع من السلوك ومسايرة الزمن وحسن سياسة الناس. وهذا وذاك ما اتصف به ابن عبد الوهاب فكان حافظا ذكيا.
والذكاء ليس وظيفة ساذجة أو ملكة مستقلة، وإنما وظيفة مركبة ذات تعقيد تتكامل فيها عدة مقومات عقلية وإرادية واجتماعية. وقد عرفه علماء النفس بأنه القدرة الفعلية على تكييف المواقف الجديدة والقدرة على التصرف والابتكار.
стр. 47
وقد دفعه ذكاء النظر وفطنة القلب والاتعاظ بالتجربة أن يلجأ إلى محمد بن سعود في الدرعية عند أول صدام في دعوته. وما من شك في أنه كان قد عرف ميول الأمير واستقامة خلقه ومدى استعداده قبل هذا الالتجاء.
وكانت المعرفة بالأمير سهلة ميسرة، فإن الدرعية لم تكن عنه ببعيد، ثم لا بد أن تكون الدرعية قد آوت من الهاربين من الظلم من اليمامة أناسا شهدوا عدل الأمير في الدرعية -ومن بينهم من هو من بني تميم- فأقاموا بها.
وبهذا الالتجاء ضمن الداعية النجاح، لأنه وإن كانت القواعد الدينية تفرض عادة من القاعدة على القمة إذ القاعدة مصدر النظم ومنبعها، فإن بدايتها من القاعدة والقمة معا مسرع بها إلى الانتشار والرسوخ والاستقرار.
أشعة الضياء:
ولما بلغ شيخ بني تميم الثمانين من عمره اعتزل الناس ولجأ ملجأ مالك والأوزاعي وأحمد وأضرابهم إلى الزهد والتعبد، ولم تعد له يد في تصريف الأمور، وترك أمر المشيخة لابنه حسين. حتى إذا كانت سنة ١٢٠٦ - ١٧٩١ م كان قد بلغ التسعين من عمره فتوفي في ذلك العام بعد أن مضى على دعوته منذ أن أعلنها في حريملاء أكثر من نصف قرن من الزمان.
ومن نافلة القول أن يذكر أن موته كان غما وحزنا أصاب الأمراء من آل سعود ومن آله وأتباعه وكل منصف من أهل الدين والعرب وغير العرب، فإن موت العظماء كالأحداث الداهمة تصيب الناس بالحزن والذهول.
стр. 48
وجريا على التقاليد في الصلاة على الأئمة صلى عليه عبد العزيز بن محمد ومعه آل سعود صلاة الجنازة في أول الناس، وكانت صلاتهم عليه في بيته، فلما حملت جنازته إلى المسجد صلى عليه الناس فوجا بعد فوج، ثم حمل جثمانه إلى مقبرة السعوديين.
وقد خلف الشيخ مبادئ دعوته في رسائله وكتبه مبادئ ميسرة في وضوح وجلاء وقرب إلى الناس جميعا وأيدها بنصوص القرآن والحديث، فلم يدع للشك أن يتسرب إلى حقائقها ولا إلى الغموض أن يذهب ببيناتها ومواضحها.
وخلف من الأولاد أربعة ذكور وست إناث: والذكور هم: حسين وعبد الله وسليمان وعلي والأخير أصغرهم.
وذكر له من قبل هؤلاء ولدان هما ناصر وعبد الوهاب كانا ولدا له قبل النجعة والارتحال ثم لم يفض عنهما ذكر بعد١. والإناث هن: سلمى وصفية وفاطمة وسعدى وعاندة وحبيبة والأخيرة صغراهن.
لم يترك الإمام غير أرض ذات نخيل وزرع وأشجار وفاكهة كان قد اشتراها في بدء حياته. أما الكتب التي كان قد اقتناها فتركها فقد قيل إنها بلغت مائتي كتاب أو نحوها، حبسها أولاده باتفاقهم جميعا وقفا على دار القضاء والفتيا.
وبقيت الأرض لم تقسم، يأكل منها الورثة. وقد اقتدى الشيخ أو أهله في شأن التركة بإمامهم أحمد، إذ كان قد أوصى بما يخرج من لواحق داره ببغداد من الطرز٢ والزرع ليكون نفقة على أولاده وأحفاده، وللذكر
стр. 49
مثل حظ الأنثى في النفقة، بعد سداد الدين١.
وتولى الشيخ النجدي مكانه في الإمامة أيام محمد بن سعود أمير الدرعية ومعظم أيام ابنه عبد العزيز. فلما قبض تولى ابنه حسين الإمامة بقية أيام عبد العزيز وفي أيام ابنه سعود. وكان حسين وهو أكبر أولاد الإمام مكفوف البصر، غير أن ذلك لم يحل بينه وبين العلم والإمامة وحسن القيادة وقد كان أبوه يستشيره لما يعرف من فهمه وبصيرته٢. ثم تولى بعده أخوه علي الإمامة بقية أيام سعود، وكان علي أصغر الأبناء.
وكما لم يخرج محمد بن سعود وابنه عبد العزيز عن مشورة الإمام صاحب الدعوة ولزومه حتى مات لم يخرج عبد العزيز ولا سعود عن إرشاد حسين ومشورته وولياه أمر الحكومة الشرعية ومنصب القضاء.
ولم يقصر الشيخ البصير القلب عن رتبة أبيه. وكان مرهف الإحساس بحيث تهديه بصيرته إلى السير في الطرق بغير قائد وإلى تمييز الألوان باللمس.
ثم كان عفيفا حلو الحديث ضحوك السن. ولما آثر السنة ولبس الثياب البيض أو المصبوغة بالورس والزعفران قلده أهل الدرعية فصارت كلها مدينة شهباء٣.
ومات حسين قبل موت سعود بثلاث سنوات فغسله أخوه علي وصلى عليه سعود ثم عامة الناس ودفن بجوار أبيه٤. ثم صارت الفتوى إلى علي فأعزه سعود وأولاه الطاعة كما كان لأخيه.
وربما كان علي أقل من أخيه وأبيه علما ولكن مهابته وترفعه عن
стр. 50
المجالس وتشدده في أمور الدين عوضته عما نقص من علمه، وكان كأخيه حسين في الثياب والتجمل. ثم امتدت شياخته إلى أيام عبد الله بن سعود١.
وكان عهد الشيخ الإمام وابنيه أيام السعودية الأولى التي انتهت بالحرب الوهابية. فلما قامت السعودية الثانية -في زمن الفترة ما بين الأولى والثالثة التي أنشأت الدولة الحاضرة- ظهرت مكانة عبد الرحمن بن حسن وابنه عبد اللطيف بن عبد الرحمن.
وقد حفلت هذه الدولة الثانية -مع كثرة ما أصيبت به من كيد- بالتحام قوي بين الدين والسياسة والأمير والشيوخ، فقد قاد الدولة أمير إمام هو فيصل بن تركي وعاونه الشيخان عبد الرحمن وابنه، وكان عبد الرحمن إماما جليلا واسع العلم بالمنقول سعة الأئمة الأعلام، وهو الذي شرح كتاب التوحيد لجده محمد شرحا مفصلا سماه: (فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد) ٢ ثم كانت نجد في عهد فيصل الإمام والشيخين ملجأ لكل مسلم يريد الإسلام الصحيح وخالص التوحيد٣.
والتف حول هذا العمود من أولاد الشيخ وأحفاده آخرون من بني العمومة، ناصب بعضهم الإمام -أول عهده بالدعوة- عداوة وإيلاما، وأرادوا إخراجه من بيته باليمامة قهرا، ولكنها كانت بداية هجرة أيدته ونصرته. وقد أعانه أخوه علي ابن عبد الوهاب فنصح له بالخروج قبل أن يجتمع عليه الأعداء ليخرجوه٤.
ثم التف حول الإمام وبنيه أربعة من بني عمه القريب المسمى حسين، ناصروا الإمام على أخيهم عبد الله بن حسين الذي تولى مدافعة الإمام
стр. 51
عن دعوته في أول ما دعا، وكانت مدافعته له بحوار مسلح أصاب فيه بسيفه يد الإمام١.
وكان له أخ غير علي اسمه سليمان بن عبد الوهاب، وهو الذي شهد بما كان عليه أخوه محمد من الذكاء مذ كان صغيرا٢.
وهذه أصول الشجرة الزكية التي تفرعت أغصانها مع الأيام وجادت ثمراتها على الأنام. وأشعة الضياء التي أرسلتها على المسلمين ذات صباح شمس نهار.
وفي الدولة الجديدة القائمة صارت الرياض مقر آل الشيخ المصلح من ذريته وما زالوا هم موئل الدين ومنبع العرفان ومقاصد ذوي الحاجات٣.
стр. 52
دعوة التوحيد
جوهر الدعوة
ولما درس ابن عبد الوهاب علوم الحرب الأصيلة والدخيلة وغلبت عليه النّزعة الدينية واطلع على أقوال المذاهب واعتنق مذهب الحنابلة وقصد البلدان سائحا، معلما ومتعلما١ أنعم النظر في ثلاثة أمور:
الأمر الأول: حال المسلمين وبني قومه في غرائزهم وميولهم وطبيعة قواهم وما صاروا إليه من فساد في العقائد وابتداع للطقوس.
والأمر الثاني: علاج هذه الأدواء باستخدام الغرائز والميول والمقدرات، ثم اهتدى إلى الثالث وهو الدواء، ولما كانت قد غلبت عليه النّزعة الدينية فإنه لم ير في غير استقامة الناس على الشريعة دواء ولا شفاء. وأس هذه الشريعة عقيدة التوحيد. وهي في الإسلام موجبة أن يترك الناس آلهتهم المتفرقة إلى إله واحد، إذ كل عابد يتصور إلهه عظيما وأعظم الآلهة، فكل من لا يقبل على عقيدة التوحيد مصغر لآلهته مدن لها من الأرض.. والعقل المسيطر الجبار لا يرضى أن يخضع لإله صغير محدود، بل هو في الملحدين يحاول أن يحطم فكرة غير المحدود.
فالدعوة إلى التوحيد في الإله الأعظم ذي الأسماء والصفات مكمل لعظمة الفكرة مقبول من كل عقل سديد٢.
стр. 53
والتوحيد الذي يطابق شرف الذات والعقل جاء به الإسلام، فرفع الوجوه عن السجود للأوثان البشرية وغير البشرية من كل كائن مخلوق، وبدأ به أولا لأنه أخطر وأشق، وبغيره لا يكون الانتقال من عبادة إلى عبادة، بل هو بمثابة الإقرار بالحق، وبدونه تكون الاستهانة، وهذا سر أسبقية الشهادتين في الإسلام وكونهما الركن الأول فيه١.
وكان أمرا ضروريا لانتظام الناس في سلك عقيدة موحدة ومساواة عادلة أن تتقدم مرتبة الإيمان فيطلب إليهم قبل كل شيء أن يؤمنوا.
ولو ترك للعقل والعلم ما وكل للإيمان لما استطاعا أن ينظما الناس في سلك واحد، إذ كما يقع الاختلاف بين العالم والجاهل يقع بين العالم والعالم، فلا يمكن جمع العلماء على نظريات علمية يختلفون في إدراكها إلا إذا أصبحت عندهم من البدائه -أي في درجة الإيمان- ولكن العقيدة في إمكانها أن تجمع بين المختلفين مهما اتسعت مسافات الاختلاف بينهم. ولا سيما إذا كانت سهلة ميسرة كالعقيدة الإسلامية التي بدأت بالتوحيد.
وفي الإمكان أن تكون مسؤولية الجميع متساوية أمام العقيدة، من حيث تختلف المسؤولية ولا يمكن أن تتساوى أمام العلم والعمل، لأن إدراكات العقل متفاوتة بنسبة الذكاء وما يدرك من مسائل العلم.
ودرجات العمل متفاوتة بحسب الذكاء والفكر والقوى المبذولة. أما العقيدة فلا تحتاج إلى جهد من عمل أو موفور من عقل وذكاء، بل يكفي فيها صحة العقل وسلامته من الآفة، ولذلك بدئ بالعقيدة لإمكان التساوي فيها بين من يعرف الدليل ومن لا يستطيع أن يتهجى حروف الاستدلال.
وقد بدأ الإسلام بالإيمان وجعله الفرض الأول ليكون حصنا يحمي الحضارة التي تبنيها العقول والجهود من أن تتسلط عليها معاول الهدم التي
стр. 54
هي الأدوات الدائمة في يد الكفر والإلحاد. وليس بدعا ما بدأ به الإسلام، فكل شريعة منظمة تفرض الإيمان بها أول ما تفرض، ثم تطلق الأيدي والأفكار في داخل نظامها، فإذا جاوزت هذا النطاق وتعدت حدوده عدت هدما وتدميرا. ولا يحتاج إدراك هذه الحقائق إلى ذكاء. أما من يطلبون أن يعمل العقل أولا ليدرك من نفسه وجه الإيمان فأولئك دعاة السير في الظلام، وفي الظلام لا يهتدى إلى حق ولا باطل، وهي منْزلة أشد خطرا على الإنسان من انعدام الإيمان.
ولئلا يحس العقل نفسه وحيدا في وحشة الدنيا مضطربا في استبانة الطريق عجل له الإسلام فلقنه الإيمان ليثبته إذا اضطرب ويؤنسه إذا استوحش، ثم يدفعه ليرى في ضوء ساطع ونور واضح.
والقلب لا يندفع إلى حركة عادلة إلا إذا هدأ، ولا يتناول الأفكار والأعمال تناولا قاصدا إلا إذا اطمأن. والإيمان - مع أنه في منْزلة البديهة إذ هو استجابة للشعور بالقوى الجبارة الخفية التي تسير الكون كله -فإنه هيوب- كما قال الرسول الكريم - يمنع صاحبه أن يقدم على الآثام والذنوب إقدام المرتكس الضال١.
والحقيقة الأولى التي هي الإله الواحد الذي ليس كمثله شيء نادى الإسلام أن يستيقظ لها العقل ويتنبه، وكانت دعوته مناسبة لجوهر العقل ذاته، إذ كل ما انحط تحت الحواس فأدركته صورة المادة أو توهمه الخيال صورة منسوجة الخيوط منها أو قعد عن إدراكه الجهل فأطلق لغريزة العناد أن تقابله بالجحود والنكران - كل ذلك حمى الإسلام العقل منه وناداه أن يعبد غير المحدود، فإذا عبد العقل غير الذات المبرأة عن
стр. 55
الحدود فقد أنكر ذاته أو تدهور، إما إلى دركات الحواس وإما إلى ظلمات الجهل والخيال.
وحين سبق الإسلام بمرتبة الإيمان وعبادة الإله الواحد المنَزه عن الشبيه ترك للعقول أن تتقلب في حدود مقدرتها لتصنع الدليل، وهي رحمة بالعقول ودفع للثقة بما تفعل.
فقد حرّضها على أن ترى الغائب من الشاهد والصانع من الصنعة والوحدانية من اتساق النظام وتناقضه في الكون المخلوق، وإذا لم يفعل العقل ذلك جهل ذاته وجوهره.
ومهما اعتورته في استدلالاته شكوك وريب واعترضته مشاق وجهود فعليه أن يجري في مجراه حتى يأتي اليوم الذي يكون علمه بالله تعالى فيه علم اضطرار غير مشوب بكلفة ولا معقود بمشقة.
ولن يكون ذلك إلا في الدار الآخرة كما ورد في آيات القرآن وأحاديث الرسول١.
وحفاظا على كيان العقل وجوهر ذاته، وتسديدا له ليسير في طريق العلم النافع، وتيسيرا للجهود أن تسلك طريق السلامة -حارب الإسلام السحر والتخرص والتنجيم والأخيلة الكاذبة والخرافات، ولم يرض بغير ما يسمو بالعقيدة ويسدد طريق العبادة ويقوم الخلق ويرقق الطباع ويرهف الملكات وينظم المعاملات ويحسن كل مقومات الحياة٢.
وقدم الإسلام دواءه الناجع في تعاليم وأحكام بناها على الحوادث اليومية في مدى ثلاثة وعشرين عاما هي زمن الوحي والنبوة، ولم تجئ تعاليم منقطعة عن الحوادث البشرية فصحت دعوى الإسلام بأنه من بين الديانات
стр. 56
كلها كان حلا لحوادث الأزمنة التي لا بد أن تكون متشابهة مهما تكررت، وليست تعاليمه غريبة عن أي زمن منها، إذ هي الأصل في تلك الحلول.
وهذا كان جوهر الدعوة أول ما جاء الإسلام، وقد رآه محمد بن عبد الوهاب جوهرها في كل مرة نسي فيها الإسلام، ولم ير غيرها صالحا للإصلاح وتسديد خطى المسلمين كلما فسد الزمان واعوج الإنسان.
الأسباب والوسائل:
ولم تهدأ فكرة الإصلاح الديني عند المسلمين يوما ما، وكانت الفكرة تعلو وتشتد كلما فسد المجتمع الإسلامي وضعف وكثرت شروره، لأن المسلمين يشعرون شعورا قويا بأن كل فساد وضعف يصيبهم فإنما مرده إلى الدين.
وقد نهض بنو تيمية في القرن السابع الهجري ينبهون المسلمين إلى ما وقعوا فيه من الانحراف عن الطريق القويم، وأخذ تقي الدين يصلي الحكام علانية تهمة المروق من الدين، ولا يرحم علماء عصره الذين ضلت طرقهم في الإرشاد والإفتاء وأهملوا هداية الناس، وكان في ذلك متبعا لإمامه أحمد الذي أنحا باللائمة على أئمة الأمصار في كتاب الصلاة لتقصيرهم في تعليم الناس.
واستنكر تقي الدين ما شاع في زمانه من العادات والطقوس المخالفة للشريعة فحث العامة حثا عنيفا على تركها.
ومع اختلاف الناس في تقدير دعوته ودعوة تلميذه ابن القيم فقد شغلتهم غارات التتر حينا وانصرف تقي الدين نفسه مع العامة إلى القتال والمدافعة باليد واللسان، وحتى لو لم تكن غارات التتر قد صادفت زمانه للقيت ثورته عنتا من
стр. 57
الجامدين والمغرضين، لأن حضارتهم الدينية كانت قد صارت خليطا غير فصيح من الإسلام والإلحاد١.
فلما مضى الزمن واعتنق هذه المبادئ محمد بن عبد الوهاب، استطاع أن يجعل منها برنامجا عمليا ينقذ الناس، ووقع في حسابه أن الدولة العثمانية المسيطرة على بلاد العرب جميعا لم تدع إصلاحا يسير في طريقه خوفا من أن يهدد كيانها ويزيدها مرضا وعناء.
وكانت تجارب ابن تيمية قد أكدت أن لا أمل في عون من رجال الدين الذين تنتظمهم الحواضر الإسلامية والذين تحولوا بفعل الأنظمة السياسية البشرية إلى موظفين رسميين جامدين لا يميلون إلى تغيير أو تبديل بسبب أرزاقهم ومناصبهم، وحتى من كان منهم ذا نفس تواقة إلى الإصلاح فإنه كان يخشى الفشل والإخفاق٢.
وأفادت هذه التجارب شيخ نجد فباعد بينه وبين الحواضر، ورأى القدر قد أعانه بأن كان أحد أبناء البادية التي تغرق طبيعتها فيما هو أكثر من الزهد والتقشف، فصمم على أن يبدأ دعوته بها، وكانت أجدر بالدعوة وأولى، إذ كانت هي الأخرى قد صارت مرتعا لفاسد العقائد والطقوس، وقد تمزقت أفلاذا بين القبائل المتعادية المتحاربة، وبات الناس فيها محكومين بأهواء الأمراء والعمال بلا شريعة ولا قانون٣ فلعلها -على ما بها من فساد- تقبل الإصلاح وتسرع إليه.
وعاد شيخ نجد من رحلته إلى العارض وبدأ بالاحتجاب عن الناس وانصرف للقراءة والتأمل، وظل على تلك العزلة ثمانية أشهر، حتى إذا
стр. 58
استوى له النظر وصدق العزم خرج إلى قومه بني تميم يحمل في يده كتيبا صغير الحجم -ولعله هو الذي أعده من أصول التوحيد وكتبه واضحا موجزا مجملا- ثم قال: أشهد الله أني مقتف ما في هذا الكتاب، وأنا أقول: إن الذي سُطِّر فيه هو الحق وحده لا غير.
وكان هذا بدءا من الداعية فيه كمال الروعة إذ بدأ بنفسه لتكون قدوة، وأشهد عليها أنه عامل بما في كتابه، ولم يقل كلاما يصح أن يغبر عليه ويتهم بما لم يقله، بل قدمه مدونا مكتوبا لتكون الحجة له فلا يغيَّر قوله ولا يزيَّف، وكأنما كان يحس بما حدث من بعد من اتهامه بالابتداع، فأراد أن يفقأ عيون متهميه بما هو مدون مكتوب.
وتقدم منه كبير من قومه الذين كانوا اجتمعوا له ونظر في الكتاب فإذا هو الحق، إلا أنه لم يرسم فيه طريق الدعوة له وضمان نجاحها فسأله عنهما فقال الشيخ: بالنصيحة فإن لم تجد فإلى السيف١.
وبدت وسائل الدعوة عند الشيخ كلاما وكتابة وسيفا، ومن وراء هذه كلها علم وسياسة وإرادة وتصميم، وسير في حدود الشريعة التي لا ينكرها منكر وركز الشيخ دعوته ودون أركانها في رسائل موجزة مستندة إلى النصوص حتى تكون حجة لا تغلب، فدون ثلاثة الأصول وأدلتها وأربع القواعد وشروط الصلاة وكشف الشبهات ورسالة المغربي وكتاب التوحيد٢.
أما ثلاثة الأصول فمعرفة العبد ربه بآياته ومخلوقاته، والله هو مستحق
стр. 59
العبادة دون شريك له من مخلوقاته التي هي الكائنات، وأدلة المعرفة وأنواع العبادة مبثوثة في القرآن، ثم معرفة الدين على مراتبه من الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، وكل مرتبة من هذه المراتب الثلاث لها أركان، ثم معرفة النبي ﷺ بنسبه ونبوته ورسالته التي ختمت بها الرسالات التي بدأت بأبي البشر الثاني نوح عليه السلام١.
وأما أربع القواعد - وقد ساق عليها الأدلة من القرآن - ففيها دراسته التاريخية لدعوة التوحيد حتى صار الأمر إلى ما صار إليه.
وأولها أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ كانوا يعلمون ويقرون بأن الله هو الخالق المدبر، ولكن ذلك لم يدخلهم في الإسلام حيث جانبوا تقوى الله وإخلاص العبادة له وحده.
وثانيا أنهم لم يدعوا الشركاء إلا ليقربوهم إلى الله زلفى فعد ذلك منهم شركا، فلم يقبل منهم أن يتخذوهم زلفى وشفعاء إليه.
وثالثها أن النبي ﷺ ظهر على أناس تفرقت عباداتهم بين الملائكة والأنبياء والصالحين والكواكب والأشجار والأحجار، وقد قاتلهم الرسول جميعا إذ هم في الضلال سواء.
ورابعها أن مثل هذا الشرك قد صار إلى زماننا الأخير، بل صار أغلظ من شرك الأولين، من أنه طمس الإسلام الصحيح ومن أنه صار شركا دائما يلجأ فيه إلى الشركاء في الشدة والرخاء، بينما كان المشركون قبل الإسلام يلجؤون إلى شركائهم في السراء ويخلصون اللجوء إلى الله في الضراء.
وأما شروط الصلاة فقد أوضح أنها تسعة: الإسلام والعقل والتمييز ورفع الحدث وإزالة النجاسة وستر العورة ودخول الوقت واستقبال القبلة والنية.
وقد فصل في رسالته هذه الشروط وأوضحها وجاء بأدلتها من
стр. 60
القرآن والحديث الصحيح. ثم استطرد ففسر الفاتحة وذكر كثيرا من سنن الأقوال والأفعال.
ورسالة كشف الشبهات فصل فيها ما أثبته في ثلاثة الأصول. ثم استطرد إلى سد أبواب الحيلة لتقديس الموتى مستدلا بما عمله النبي ﷺ وما عمله خلفاؤه في البقية التي كانت قد بقيت من الشرك. ثم ختم الرسالة بتعريف التوحيد وبيان حده مبينا أنه يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل من هذه شيء لم يكن العابد مسلما، بل يكون كافرا أو يكون منافقا.
ورسالة المغربي -وقد أرسلها في الموسم إلى شيخ الحاج المغربي- جمع فيها أنواع العبادات الفاسدة كلها، وأرشد إلى وجوب إقامة الصلاة في الجماعات على الوجه المشروع -ولعله كان تلبية لدعوة إمامه أحمد الذي دعا لكل من يبلغ كتابه في الصلاة إلى الناس١ ثم أوضح في الرسالة فروض الإسلام وأمر الحسبة فيه٢.وأما التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، فقد صنف فيه كتابا هو أجمع ما كتب.
وقد جعله أبوابا بلغت سبعة وستين بابا تختلف طولا وقصرا مع اتصافها جميعا بالإيجاز والوضوح.
وكل باب منها أسانيد من القرآن أو الحديث أو هما معا على ما يريد أن يثبته من التوحيد الصحيح أو العبادة المشوبة بالشرك. وقد تلقف أهل نجد هذا الكتاب في أيام صاحبه وانتشر سريعا في أرجائها٣.
ويبدو أن محمد بن عبد الوهاب كان قد جرد قلمه لكل بدعة يراها
стр. 61
وهو في رحلته، ثم صار يدون من القرآن والحديث ما يبرهن به على كل بدعة ويثبت فسادها، ومن أجل ذلك جاء كتابه في التوحيد حافلا بالكلام عن العبادات والعادات والطقوس الزائفة والبدع التي عمت الأمصار والبوادي، ولم ينس فيه فساد آداب المجتمعات ومغالاة الناس في الهزل وإطلاق الألقاب، كما لم ينس أن يحارب التأويل وجحدان أسماء الصفات وبدع الجهمية في التعطيل، ثم أوضح كراهة الحلف والتصوير والسماع.
وربما جاء في الكتاب ببابين أو أكثر في موضوع واحد كما فعل في السحر، مما يثبت أنه كان يكتب ما يراه ثم يعود إليه فيكمله إذا رأى فيه جديدا ويجعله بابا مستقلا١.
هذا ولم يغفل محمد بن عبد الوهاب أن يكون من أسباب دعوته ووسائلها الاستعداد والرمي وبناء الجيوش والحصون وموازنة الأموال وإقامة العدالة وتأليف القلوب وتأمين السبل ولا سيما طريق الحج، وباتخاذ الأنظمة التي تكفل قيام الدولة وبقاءها في حدود الشريعة الإسلامية وحمايتها٢.
خلق الوفاء:
ولقد كان محمد بن عبد الوهاب وآله أوفياء بكل عقد عقدوه بينهم وبين الله أو بينهم وبين الناس، وهي صفة المؤمن الخالص في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة من الآية: ١] .
أما وفاؤه ووفاء أهله لما عاهدوا الله عليه فإنهم صبروا جميعا
стр. 62
لما أصابهم من الأذى في سبيل الله، وكان أول ما لقي شيخهم من الأذى ما أصابه في اليمامة من ابن عمه عبد الله بن حسين من آل سنان حين جادله فيما سماه عبد الله بالابتداع ولوح له بالسيف فجرحه في يده وجمع له بني تميم فأخرجوه، ولم يبد من الشيخ أنه رد على هذه الأذية بعد أن اقتدر، وكأنه اهتدى بهدي رسول الله ﷺ حين دعا الله لقومه الذين أخرجوه وقاتلوه قائلا: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون "، فلم يقتصر رسول الله ﷺ على السكوت، بل عفا عنهم وأشفق عليهم ثم اعتذر عما جهلوا لتكون الرحمة مرجوة والغفران مقبولا١.
ثم وفَّى محمّد وأهله في بيعتهم لله فصبروا في كال هزيمة نزلت بهم ولم ينكسوا لدعوة راية، ولم يحوروا فيها بالتليين والترقيق لئلا تخرج عن الجادة المستقيمة بل مضوا قدما يحملون الراية واحدا في إثر واحد وهم يؤمنون بنصر الله. وضرب الله وقعة أحد مثلا رائعا لأصحاب الحق إذا انكسروا عن خطأ أو ظلم. فاتخذها ابن عبد الوهاب درسا لنفسه وللأمراء والجند إذا انهزموا في معركة من المعارك، وكان يؤثر الوعظ بها فيؤثر في النفوس تأثيرا بالغا، فترتد القلوب إلى الصدور إذا بلغت الحناجر وزلزل المؤمنون زلزالا شديدا٢.
وحين خرج محمد بن عبد الوهاب من العيينة إلى الدرعية ولقيه أميرها محمد ابن سعود هو وابنه عبد العزيز وكثير من أهل بلده وتلقوه جميعا بالإجلال والترحيب وأنزله ابن سعود في منْزله بعد أن أخلاه له وآثره به، وتبايعا على نشر الدعوة وتقويم الطريقة، وتعاقدا على أن تكون
стр. 63
إمامة الدين لمحمد بن عبد الوهاب -وهي الإمامة الكبرى- ومعها ما يقيم أمور الدنيا ومصالح المؤمنين من تدبير مال أو شن حرب وعقد صلح. وأن تكون رياسة الدولة لمحمد بن سعود رياسة تحت راية الدين منذ حدث ذلك وفّى كل منهم لصاحبه أو لعقده الذي عقده وصفت قلوبهما عن صدق ظاهر وباطن، ثم انتقل هذا الصدق في الوفاء والصفاء إلى ذريتهما فحلا مقيمين لا يرتحلان من نفوس الأولاد والأحفاد.
وكان مظهر الحب والإخلاص باديا في الدرعية بأجلى المظاهر، فكانت دار الشيخ حافلة بالأمير وآله من آل سعود لا ينقطعون عنها ليلا ولا نهارا، يتلقون عنه دروس التوحيد، ويجلسون بين يديه في حشمة ووقار، فأعادوا هيبة دروس القرآن والحديث وهيبة شيوخ الأمة حيث لم يكن الطلاب يجرؤون أن يسألوهم إلا إذا بدؤوهم بالكلام١.
وكما حدث من محمد بن سعود من الطاعة للشيخ والاهتداء به حدث من ابنه عبد العزيز له، وسار كل منهما وفيّا لصاحبه عاملا بأقصى ما فيه من جهد وإخلاص على تجديد ما اندرس من معالم الدين، وعلى توحيد ما فرق من القلوب والبلدان.
فلما صرع عبد العزيز في سنة ١٣١٨ هـ - ١٨٠٤ م بويع لابنه الأمير سعود، وكان الشيخ الإمام هو الذي أخذ له البيعة بعد أبيه في ١٣٠٢ هـ أي قبل مصرع أبيه بستة عشر عاما عاشها سعود كلها وليا لعهد أبيه، وقد كان أحق بها لأنه كان أكبر أبنائه سنا وأشدهم بأسا وأنفذهم بصيرة وأكثرهم تفانيا في الدعوة إلى خالص التوحيد٢.
ومن بعد الشيخ كان حسين وعلي وعبد الرحمن وعبد اللطيف ومن
стр. 64
بعدهم ذريتهم، كانوا هم الهداة والأئمة.
وكانت لهم المنْزلة الأولى في الدين والثانية في الدولة بعد الأمراء، ولم يبد من واحد من هؤلاء أو هؤلاء طمع أو بغي، بل ساروا صفا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.
ولقد كان لهذا الوفاء المخلص المتبادل بين الجانب الديني والجانب السياسي أثر عظيم في نفوس القبائل قريبها وبعيدها حبيبها وعدوها، وفي نفس الأحداث التي وقعت من هزائم وانتصارات، فسارت فتوح آل سعود في الجزيرة قدما تحت راية الوهابية، وكان على من لم يطع الدعوة الخالصة عن رضا أن يطلبها عن هيبة أو رهبة، وتوحدت الجزيرة بعد زمان طويل تلقت آلامه وتشبثت بآماله الأسرتان العربيتان المجيدتان.
سواعد الأنصار:
منذ انتهى عصر الخلفاء الراشدين انفصلت قوة الدولة الدينية عن قوتها السياسية وصار الأمير العباسي صاحب السلطان الأول بل المطلق في الدولة الإسلامية. أما رجال الدين فصاروا بين اثنين، واقف على باب السلطان وممتنع أبي على السلطان. وقد ثبت أن الأئمة الأباة قد اكتسبوا مجد السيرة وإكبار الأجيال. ومع رفعة مقاماتهم في النفوس وانعطاف القلوب عليهم في الحياة والموت وبعد الموت أكثر مما نال الملوك والأمراء فإنه يعز على الباحث أن يجد أميرا قد اشتهى أن يكون إماما من أئمة الدين ويبيع به منصب الأمير.
ولو أنه حدث حينا فإنه لا يتم، كما حدث من المأمون العباسي في أول عهده بالخلافة. إذ أحب أن يحدث بحديث رسول الله ﷺ فحدث مجلسا واحدا ثم انقطع، لأنه لم يجد في حديثه لذة في نفسه، ولأنه حدث حاشيته المشغولة بالمناصب العليا ولم يحدث أهل الخلقان والمحابر،
стр. 65
ولأنه لم يكن منصرفا حقا إلى أن يكون أحد أئمة الحديث١.
ومضى الأمر في الدول الإسلامية على طراز واحد أو متقارب حتى جاء محمد بن عبد الوهاب وتعاقد مع الأمراء السعوديين فأقبل كثير منهم على الإمامة مع الإمارة، ولم يأنف واحد منهم أن يتلقى دروسه ومواعظه على الشيخ وأن يبلغ في العلم والعمل والحرص على معرفة التوحيد والدعوة إليه كما حرص عليه وعرفه الإمام.
وفي السعودية الأولى بلغ عبد العزيز بن محمد بن سعود درجة الإمامة لما اتصف به في ظاهره وباطنه من التواضع والإخلاص والبعد عن زخارف العيش ورافه الملبس والمأكل، وقد تشدد في الدين ونفذ أحكامه وواصل عمل أبيه في القضاء على البدع والخرافات والمفاسد، ونشر راية التوحيد الخالص، ثم قسا كل القسوة على قطاع الطرق في البادية والعابثين بالأمن في البلاد وجعل عقوبة هؤلاء وهؤلاء في الأبدان والأموال حتى يرتدعوا٢.
وقد حدثوا عن إمامته بأحاديث لم ينسب أمثالها إلا للخلفاء الأولين، فقد سلبت امرأة من أهل بريدة ذات ليل وغاب السالب، وبعد أربعة عشر عاما جاء به الأمير مكبولا وغرمه المال ونكل به أشد تنكيل. ولو وقع مثل هذا الحادث في أشد البلاد ضبطا وغاب السارق كل هذه الأعوام لغابت المعالم واطمأن السارق، ولكنها لم تغب عن الأمير الإمام بعد أن كانت المعالم القوية قد اختفت في طيات الأزمان٣.
وحدث أن سب الأمير رجلا من جلاسه، وكان هو قد حرم
стр. 66
الشتم والسب على الناس، فشكا الرجل أميره إلى الإمام الذي أمر بإحضار أمير المسلمين. ومثل الأمير وخصمه بين يدي الشيخ وأقر الأمير بذنبه وأبدى رغبته بأن يفدي الشتم بالمال فأبى الشاكي، فما كان من محمد بن عبد الوهاب إلا أن نال الأمير بعصا التأديب١.
ولم ينكسر طوق العدالة في أيام السعودية الأولى وفي حياة الإمام ومن بعد موته حتى انتهت بعبد الله بن سعود، ومرت أيامها عدالة ومساواة برغم ما أصيبت به دولتهم بحروب طاحنة من قبائل الجزيرة ومن الغرباء.
وانفتحت أبواب العلم الديني والتاريخ والأدب وشعر الحماسة فولجها الأمراء وبنوهم. ولم يقف الإمام سدا أمام أي من العلوم إلا إذا كان محظورا من الدين٢.
وانتقلت الإمامة والإمارة في هذه الدولة من عبد العزيز إلى ابنه سعود فكان أكثر حظا من العلم بأصول الدين والفقه والحديث. وقد أعانه على هذا التوسع العلمي أن كان الشيخ جده لأمه، فكان الشيخ إذا ألقى دروسه على أفراد الأسرة لقي منه إقبالا أكثر، فآثره بالعناية والزيادة مما يرغب فيه٣.
وألغى سعود الألقاب وبدأ بنفسه فلم يحفل بلقب الأمير فتنادى الناس فيما بينهم بالأسماء والكنى، ولم يفرق بين أمير ومأمور ورئيس ومرؤوس، ولكنه أبقى على لقب الشيخ للأئمة من أهل العلم، كما لبس من الزي ما يلبسه الناس ولم يميز نفسه عن قومه بإشارة ولا لباس٤.
стр. 67
وامتدت قوة الإمامة وبقيت آثارها في أبناء الشيخ وأحفاده فلم يسيروا على غير الجادة، ومن ثم طلب فيصل بن تركي في السعودية الثانية مكان الإمامة مع مقام الإمارة. ومع أنه لم يخرج بالدعوة عن نجد والأحساء وعمان وقطر وعسير مسالمة للأتراك فإنه أدنى منه حفيد الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن فكان في الدولة في المكان الذي يليه١.
وعني الإمام فيصل بمظهر التواضع وإشاعة العدل وكفالة الأيتام وإعادة الطمأنينة للقلوب ونشر الأمن، فاستمتعت نجد والبلاد التي امتد إليها ملكه - وهي أرض السعودية الأولى ما عدا الحجاز - بالهدوء والرخاء.
وفيما بين سنة ١٢٥٩ هـ وسنة ١٢٨١ هـ التي تولى فيصل فيها الإمامة والإمارة وهي مدة تربو على عشرين عاما خضعت قبائل وبلاد شتى، وما لم يدخل تحت رايته وظله أدى إليه ضريبة الخضوع. أما مذهب التوحيد فقد ظفر ظفرا كبيرا ودخل فيه الناس أفواجا٢.
ولم يقف معظم الأمراء بعيدا عن العلم وتحصيله أو الدعوة والجهاد في سبيلها، بل اجتمعوا على نصرتها، ومن لم يكن له حظ واسع من العلم كان له حظ واسع من الجهاد، فكان لهم جميعا سواعد قوية في نصرة مذهب التوحيد.
تهافت الخصوم:
ولقد كان لاجتماع شيوخ الموحدين والأمراء السعوديين على الوفاء للعهود ونصرة التوحيد أهداف تحققت وآثار بقيت. ومهما اجتمعت نواحي
стр. 68
الجزيرة وقبائلها في أيام الدولتين الأوليين وتفرقت فإن مذهب التوحيد الخالص قد عرف وتجاوز الجزيرة كلها إلى خارجها ودق أسماع الناس في سائر البلدان.
وإذا كانت سياسة القمع والاضطهاد من الترك وعمالهم على الأقاليم قد أنزلت بأرباب الدعوة ضربات، وحشدت من علماء الأمصار وكل المذاهب عملة منافقين يرمون الدعوة بأنها بدعة، والجد فيها بأنه عنت، والأمل بأنه طمع، فإن حجة الدعوة قد قامت وتعلقت بضمير التاريخ الذي حكم عليها -فيما بعد- بأنها كانت حقا ظلم ونصرا مني بالهزيمة، وضوءا ألقيت عليه ستائر الظلمات.
ونفوس المسلمين التي أرهقتها الشروح المطولة والمقالات الغامضة فلعبت بها الحيرة والضياع كانت كالأرض الخصبة التي سيبوا عليها سيلا من الماء كالطوفان رجاء أن يرويها فأغرقها -هذه النفوس حين أضاءت لها مبادئ التوحيد التي نشرها الشيخ المعلم في كلمات موجزة واضحة ما لبثت أن عرفت أنها غرقى في طوفان من الآراء المقلقة والطقوس المريبة، وحتى لو كانت من بينها نفس تهوى ما يسمى بحرية الرأي وسعة آفاق العلم فإنها من داخل وجدانها كانت قلقة ضائعة لا ترى طريقا قويما تسير فيه.
وجزيرة العرب التي رضخت زمانا لوطأة القرامطة الذين تذرعوا بأسوأ المناحي ولم يبالوا بغير قضاء المآرب العاجلة والشهوات الفانية أفاقت على حركة مطهرة تدعو إلى الفضيلة ولا تتذرع إلى قضاء مأرب، وإنما تشيع مبادئ الرسالة التي هجرها أهلها فوطئ أرضهم قرامطة الفكر والطمع والفساد١.
وأول ما اكتسبت الدعوة آل سعود كان إيذانا باجتماع قبائل نجد
стр. 69
المتفرقة المتحاربة تحت قيادة واحدة ومذهب ذي حدود من الشريعة الغراء، واستطاع مقاتل باسل هو محمد بن سعود أن يقضي على مقاومة شيوخ العروض والأحساء ويصل بفرسان التوحيد إلى حدود الحجاز وإلى صحارى الشام وأطراف العراق مبلغين الأعراب الضاربين في تلك الصحارى والأطراف أن جزيرة العرب قد استيقظت من النوم١ فعليهم هم أيضا أن يستيقظوا.
وكثيرا ما رمي العرب بأنهم أهل فرقة واختلاف ولم تزل فيهم طباع القبلية الجاهلية وهم إذا اجتمعوا لا يلبثون أن يتفرقوا ويختلفوا. وجاء الموحدون حجة تبطل هذه الدعوى، إذ الأمة التي لم تزل قبائل في مساكن جافة متباعدة وطباع قاسية جافية تقبل على الوحدة وتتوحد وتطيع الوعظ حينا وتخضع للقوة حينا، بينما الأمصار التي ترفل في المدنية، تخضع منها أقطار واسعة تحت حكم مدني موحد، تظل قلقة متفرقة تعشق التميع باسم الحرية، وقلوب سكانها متفرقة بعدد البيوت والأفراد.
وظهرت العداوة الحقة والخصومة المريرة من الأنظمة المدنية القائمة في تركيا وولاياتها، وتهيبت السلطة السياسية لآل عثمان وعيا دينيا لو اعتنقته لكان شفاء للرجل المريض الذي كان يطلق لقبا عليها، ولكنها حاربت هذا الوعي وسلطت عليه من فورها ولاة البصرة وبغداد وجدة ومصر والشام، وحضت أشراف مكة أن لا يألوا جهدا في استئصال ما دعوه بالإلحاد الخطر، وفي ضرورة المحافظة على الحرمين الشريفين لما سيكون من امتلاك الوهابية لهما من النفوذ البعيد المدى٢.
وثارت ثائرة الصوفية وأرباب الطرق وأهل الفلسفة والكلام والمناصب فأوغروا الصدور وصوروا الدعوة خطرا داهما على الدولة والفكر وبدعة في الإسلام.
стр. 70
ولو كان من حق تركيا السياسي أن تغضب لسلطانها فما لهؤلاء العلماء من رجال الدين والمذاهب يتهمون المبادئ السامية الواضحة بأنها بدعة ويرضى بعضهم أن ينتظم في حملات الحرب عليها ليوهموا الجند المحاربين أنهم على حق ديني في محاربة الوهابية المبتدعة في الدين؟! لقد ساق محمد علي مع ابنه أحمد طوسون أربعة من أئمة مذاهب أهل السنة، حتى المذهب الحنبلي ساق إمامه أيضا، ليوهم بأنه مهتم بحرية الفكر وسلامة الدين، وليتخذهم حجة أكبر في الحرب على الوهابيين في نظر عامة الناس، ولكن كان من الشيوخ أئمة أفذاذ، فقد اعتذر عن الذهاب شيخان من رشيد ودمياط فأعفيا من السفر فاكتسبا لثغريهما تاريخا مجيدا١.
وبمسوق هؤلاء الأئمة أثبت محمد علي لابن تيمية حجته على علماء الأمصار الذين رآهم ابن تيمية في زمانه لا يصلحون لدعوة إصلاح خوفا على أرزاقهم الموصولة ومناصبهم المرموقة، فجاء أمثالهم بعد زمانه، ويجيؤون في كل زمان، وتبقى حجة ابن تيمية ثابتة على الدوام.
وبامتناع شيخي دمياط ورشيد أثبت الإمام أحمد وأتباعه من الحنابلة أن التعفف في رجال الدين يمنحهم الحرية التي تصرفهم عن الذل إن أريد بهم، ثم لا يكون في غير ذوي العفة الأحرار أمل في إصلاح ولا رجاء.
стр. 71
مسيرة الدعوة
بدء الدعوة
وبدأ ابن عبد الوهاب دعوته وهو في رعاية أبيه وكنفه، وبدأها في حريملاء، ناهيا عشيرته وأهله الأدنين من بني تميم عن البدع والطقوس التي هي شرك بالله، فلما رآه أبوه فاعلا ما يفعله عن حماسة من الشباب نصح له أن يتمهل في دعوته ويترفق في عظاته مخافة أن يصاب بأذى ممن لا يعرف الحق من الناس١ فترفق ولم يعنف حتى مات أبوه في سنة ١١٥٣ هـ - ١٧٤٠ م وكان قد انتقل إلى الدرعية منذ ثلاث سنوات.
واستمر يدعو وهو يتعالى في سنه ويبلغ أشده ويجد في الدعوة ويجتهد مركزا تعاليمه في بطلان كل عبادة لغير الله. ومن توسل أو أستغاث أو استشفع بكائن -مهما كان قدره ومظهره في الوجود- فقد عبد غيره فكان مشركا. وكل نذر لغير الله أو طواف بغير الكعبة فإنه شرك.
ومن ادعى علما من غيب لا دليل له عليه من كتاب الله وسنة رسوله كسحر أو تنجيم أو كشف فقد أشرك بالله.
وهذه نفسها رؤوس المسائل التي طرحها محمد بن عبد الوهاب على علماء عصره ليذودوا الناس عنها، فقد رآها في كل الأمكنة التي زارها في رحلاته. وفيما كان يدأب على دعوته متكلما واعظا أو كاتبا سائلا ومجيبا كان صيته يعلو في نجد يوما بعد يوم، حتى إذا كان آخر سنة
стр. 72
١١٥٠هـ جاءه أفذاذ وجماعات من أهل نجد من أهله ومن غير أهله يبايعونه على النصرة والتأييد.
وفي كلمات قليلة كان يصوغ عظاته وتعاليمه، فإذا طلب إليه أو رأى الحال تدعو إلى مزيد زاد كلامه شرحا وإثباتا بالأدلة. ولم يكن معه من قوة تسنده غير حجته وعصبيته في أهله -شأن كل داع في أيامه الأولى.
ولكن كان في أهله -ككل أهل- حساد له وجهلة مدعون، والحسد دنيء -كما قال ابن المقفع- ومن دناءته أنه موكل بالأقرب فالأقرب. فجادله ابن عمه السناني عبد الله بن حسين وجرحه بسيفه، ثم احتشد له شذاذ القبائل فلم يجد بدا من الهجرة إلى تميمي يكون أقوى من هؤلاء فرحل إلى العيينة، واتفق مع حاكمها عثمان بن حمد بن معمر على إقامة الدين علما وعملا، واجتمع إليهما الوجوه والأعيان، وقاموا بأول خطوة عملية في تقويض الطقوس المبتدعة في الدين فهدموا القباب المنصوبة على الأضرحة لمخالفتها لعقيدة التوحيد١.
ووجه الداعية المصلح بكتبه إلى علماء المسلمين في كل مصر يعرفه مبديا لهم ما أصاب الإسلام بين أعينهم، وجعل يحضهم على أن يدخلوا معه في دعوته، وكل في بلده، فتكثر بهم زمرة المصلحين٢.
وما لبث مارد الحسد أن انطلق من حبسه مرة أخرى، فرأى شيوخ القبائل أنها دعوة إلى التوحيد والاجتماع، وهم متفرقون أعزة بتفرقهم ولكل منهم سلطان وجاه، وقد صارت الأحكام إلى العرف والعادة وهي مقبولة من المحكومين مهما كانت باطلة أو حراما.
стр. 73
ووكل شيوخ نجد إلى حاكم الأحساء والقطيف وقطر وأطراف عليا من نجد أن يطلب إلى حاكم العيينة أن يجلي محمد بن عبد الوهاب من بلده، أو يمنع تجار العيينة من الطواف في كل بلد تنالهم يده فيه، وتهدد أموال عثمان نفسه وتجارته، وكان في مال ومنعة وجند كثيف مطيع.
وبلغ الطلب عثمان بن معمر فوقع في حيرة بين متعته بجنده وماله وبين حبه لِضَيْفِهِ، ثم ارتكب أخف المحظورين فأبدى رغبته لضيفه في أن يخرج عن العيينة إلى أي بلد شاء، فرضخ الشيخ للأمر، وخرج إلى الدرعية وهو عالم بما انطوى عليه قلب صاحبه الحاكم، فرغب إليه أن يظل على إيمانه وأن يكتمه بين جنبيه حتى يحكم الله بما يريد١.
ولم تغب متابعة ابن معمر لمذهب التوحيد وإيمانه به عن عيون أهل العيينة فتربصوا به وقتلوه غيلة، فجرحوا بقتله داعية الإصلاح في مذهبه وأهله إذ كان ابن معمر تميميا، فجعل ابن عبد الوهاب يتهددهم وينذرهم من مهجره الجديد، وكان كلما بلغهم عنه تهديد ووعيد طارت قلوبهم شعاعا، وما فتؤوا يصيبون أنفسهم ويخربون بيوتهم بأيديهم.
فانصرفوا عن الغرس والزرع والكسب فرارا بأنفسهم وخوفا عليها، ثم هربوا بأموالهم في قرى نجد وغير نجد، ثم أتى السيف والنفي عليهم ولم يبق منهم بقية إلا كما بقيت ثمود٢.
في الدرعية:
وموضع الدرعية كان اسمه الوادي، فلما عمر بالبيوت والسكان وقامت عليه إمارة قوية أطلق عليه اسم الدرعية تشبيها بالقميص أو درع
стр. 74
الحرب١. وكان الأمير الحاضر هو محمد بن سعود الذي ينتهي نسبه إلى بكر بن وائل من ربيعة، وهو نسب يلتقي في ذروته العليا بأحمد بن حنبل الإمام.
وقد ذكره النسابون منه إلى ربيعة في عدد كبير من الآباء أقربها له أنه ابن سعود بن محمد بن مقرن بن عمر بن فيصل بن أحمد بن سعدان، وكان أبوه سعود وجده محمد واليين على الدرعية من قبله.
ووقعت عين ابن عبد الوهاب وبصيرته على محمد هذا لا لما كان عليه من المقدرة والسعة في الرزق والزروع والنخيل والأنعام، بل لما كان عليه من السخاء وحب الخير. وقد عرف من سخائه أنه كان يسد عن الغارم دينه ويعطي صداق الزوجات ومهور الأزواج من بيت ماله - كما كان يفعل عمر بن عبد العزيز٢ -ويضمن من النفقة الزوجية ما يقصر عنه الأزواج.
وكان محمد بن سعود ذا رأي في سياسة قومه وذا دين في خاصة نفسه. أما في السياسة فقد أبطل عصبية الجاهلية في الزواج، وزوج الأكفاء من غير تقيد بالنسب وحده، وكانت هذه إحدى التهم التي ارتدت عنه. وكان يهدف بالتزويج المبكر إلى إقامة السنة التي قضت بهذه الحكمة في الزواج على الفساد وأكثرت النسل وقاربت بالمصاهرة بين المتباعدين.
وربما رأى ببصيرته وفهمه غلظة البداوة في أهل ولايته -ومن بدا جفا- فكان يتألف الشارد ويطفئ الفتن ويحارب الخداع والحقد.
стр. 75
وأما في تدينه فقد كان زاهدا كثير التعبد في السر دءوبا على العبادة دون التفاخر بها رياء وسمعة.
وهذه المحاسن في الشيخ ابن سعود رآها الشيخ ابن عبد الوهاب فرآه أصلح الأمراء لقبول مذهبه في تجريد التوحيد من شوائبه كما رآه أهلا للذود عنه والاقتدار على إذاعته ونصرته. وما كاد ابن عبد الوهاب يدخل إلى الدرعية مهاجرا حتى قبل الأمير دعوته، ووشيكا خلع عن نفسه لقب الشيخ وأمر أن لا يطلق إلا على رجل من أهل العلم والدين.
وكان ابن سعود قد سمع بصاحبه وراقت له دعوته إلى الاستقامة والجد وإصلاح المعوج، ومن أجل ذلك هب إليه عجلا في بيت تلميذ من تلاميذه نزل عليه بالدرعية وكان ذلك في سنة ١١٥٠ هـ - ١٧٣٧ م١ فذهب إليه مرحبا به مؤمنا هو وابنه عبد العزيز، وسرعان ما اتفق الرجلان على التعاون فيما بينها؛ الشيخ لدعوته ورعايتها ولزعامة دينية يرثها من بعده أبناؤه وأحفاده وذريته -متى صلحوا لها-. والأمير للرياسة الزمنية ويرثها بنوه وذريته من بعده، ولا تنعقد معاهدات أو تمضي أمور ذات شأن من حرب أو صلح إلا باتفاق منهما. واتفق الرجلان.
وانبرى الشيخ يدرس للأمراء ولمن يحضره كل يوم كتاب التوحيد - ولعله الذي كان أشار إليه وهو في يده يوم اليمامة- وظل يرغب أهل الوادي في اتباع خالص التوحيد لله من غير شائبة من شرك أو شبهة. فلم يمض غير عام واحد حتى صار أهل الوادي كلهم على التوحيد الخالص، سوى أربعة رجال ادعوا أنه مبتدع، فلما رأوا قومهم قد اتبعوه وأحسوا بانفرادهم رحلوا بأهلهم وأموالهم من الدرعية إلى قرية من قرى القصيم٢.