← Тараджим

Тараджим · id 11177

داعية التوحيد محمد بن عبد الوهاب

عبد العزيز سيد الأهل

Полный текст (130 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مسيرة الدعوة بدء الدعوة وبدأ ابن عبد الوهاب دعوته وهو في رعاية أبيه وكنفه، وبدأها في حريملاء، ناهيا عشيرته وأهله الأدنين من بني تميم عن البدع والطقوس التي هي شرك بالله، فلما رآه أبوه فاعلا ما يفعله عن حماسة من الشباب نصح له أن يتمهل في دعوته ويترفق في عظاته مخافة أن يصاب بأذى ممن لا يعرف الحق من الناس١ فترفق ولم يعنف حتى مات أبوه في سنة ١١٥٣ هـ - ١٧٤٠ م وكان قد انتقل إلى الدرعية منذ ثلاث سنوات. واستمر يدعو وهو يتعالى في سنه ويبلغ أشده ويجد في الدعوة ويجتهد مركزا تعاليمه في بطلان كل عبادة لغير الله. ومن توسل أو أستغاث أو استشفع بكائن -مهما كان قدره ومظهره في الوجود- فقد عبد غيره فكان مشركا. وكل نذر لغير الله أو طواف بغير الكعبة فإنه شرك. ومن ادعى علما من غيب لا دليل له عليه من كتاب الله وسنة رسوله كسحر أو تنجيم أو كشف فقد أشرك بالله. وهذه نفسها رؤوس المسائل التي طرحها محمد بن عبد الوهاب على علماء عصره ليذودوا الناس عنها، فقد رآها في كل الأمكنة التي زارها في رحلاته. وفيما كان يدأب على دعوته متكلما واعظا أو كاتبا سائلا ومجيبا كان صيته يعلو في نجد يوما بعد يوم، حتى إذا كان آخر سنة

стр. 72

١١٥٠هـ جاءه أفذاذ وجماعات من أهل نجد من أهله ومن غير أهله يبايعونه على النصرة والتأييد. وفي كلمات قليلة كان يصوغ عظاته وتعاليمه، فإذا طلب إليه أو رأى الحال تدعو إلى مزيد زاد كلامه شرحا وإثباتا بالأدلة. ولم يكن معه من قوة تسنده غير حجته وعصبيته في أهله -شأن كل داع في أيامه الأولى. ولكن كان في أهله -ككل أهل- حساد له وجهلة مدعون، والحسد دنيء -كما قال ابن المقفع- ومن دناءته أنه موكل بالأقرب فالأقرب. فجادله ابن عمه السناني عبد الله بن حسين وجرحه بسيفه، ثم احتشد له شذاذ القبائل فلم يجد بدا من الهجرة إلى تميمي يكون أقوى من هؤلاء فرحل إلى العيينة، واتفق مع حاكمها عثمان بن حمد بن معمر على إقامة الدين علما وعملا، واجتمع إليهما الوجوه والأعيان، وقاموا بأول خطوة عملية في تقويض الطقوس المبتدعة في الدين فهدموا القباب المنصوبة على الأضرحة لمخالفتها لعقيدة التوحيد١. ووجه الداعية المصلح بكتبه إلى علماء المسلمين في كل مصر يعرفه مبديا لهم ما أصاب الإسلام بين أعينهم، وجعل يحضهم على أن يدخلوا معه في دعوته، وكل في بلده، فتكثر بهم زمرة المصلحين٢. وما لبث مارد الحسد أن انطلق من حبسه مرة أخرى، فرأى شيوخ القبائل أنها دعوة إلى التوحيد والاجتماع، وهم متفرقون أعزة بتفرقهم ولكل منهم سلطان وجاه، وقد صارت الأحكام إلى العرف والعادة وهي مقبولة من المحكومين مهما كانت باطلة أو حراما.

стр. 73

ووكل شيوخ نجد إلى حاكم الأحساء والقطيف وقطر وأطراف عليا من نجد أن يطلب إلى حاكم العيينة أن يجلي محمد بن عبد الوهاب من بلده، أو يمنع تجار العيينة من الطواف في كل بلد تنالهم يده فيه، وتهدد أموال عثمان نفسه وتجارته، وكان في مال ومنعة وجند كثيف مطيع. وبلغ الطلب عثمان بن معمر فوقع في حيرة بين متعته بجنده وماله وبين حبه لِضَيْفِهِ، ثم ارتكب أخف المحظورين فأبدى رغبته لضيفه في أن يخرج عن العيينة إلى أي بلد شاء، فرضخ الشيخ للأمر، وخرج إلى الدرعية وهو عالم بما انطوى عليه قلب صاحبه الحاكم، فرغب إليه أن يظل على إيمانه وأن يكتمه بين جنبيه حتى يحكم الله بما يريد١. ولم تغب متابعة ابن معمر لمذهب التوحيد وإيمانه به عن عيون أهل العيينة فتربصوا به وقتلوه غيلة، فجرحوا بقتله داعية الإصلاح في مذهبه وأهله إذ كان ابن معمر تميميا، فجعل ابن عبد الوهاب يتهددهم وينذرهم من مهجره الجديد، وكان كلما بلغهم عنه تهديد ووعيد طارت قلوبهم شعاعا، وما فتؤوا يصيبون أنفسهم ويخربون بيوتهم بأيديهم. فانصرفوا عن الغرس والزرع والكسب فرارا بأنفسهم وخوفا عليها، ثم هربوا بأموالهم في قرى نجد وغير نجد، ثم أتى السيف والنفي عليهم ولم يبق منهم بقية إلا كما بقيت ثمود٢. في الدرعية: وموضع الدرعية كان اسمه الوادي، فلما عمر بالبيوت والسكان وقامت عليه إمارة قوية أطلق عليه اسم الدرعية تشبيها بالقميص أو درع

стр. 74

الحرب١. وكان الأمير الحاضر هو محمد بن سعود الذي ينتهي نسبه إلى بكر بن وائل من ربيعة، وهو نسب يلتقي في ذروته العليا بأحمد بن حنبل الإمام. وقد ذكره النسابون منه إلى ربيعة في عدد كبير من الآباء أقربها له أنه ابن سعود بن محمد بن مقرن بن عمر بن فيصل بن أحمد بن سعدان، وكان أبوه سعود وجده محمد واليين على الدرعية من قبله. ووقعت عين ابن عبد الوهاب وبصيرته على محمد هذا لا لما كان عليه من المقدرة والسعة في الرزق والزروع والنخيل والأنعام، بل لما كان عليه من السخاء وحب الخير. وقد عرف من سخائه أنه كان يسد عن الغارم دينه ويعطي صداق الزوجات ومهور الأزواج من بيت ماله - كما كان يفعل عمر بن عبد العزيز٢ -ويضمن من النفقة الزوجية ما يقصر عنه الأزواج. وكان محمد بن سعود ذا رأي في سياسة قومه وذا دين في خاصة نفسه. أما في السياسة فقد أبطل عصبية الجاهلية في الزواج، وزوج الأكفاء من غير تقيد بالنسب وحده، وكانت هذه إحدى التهم التي ارتدت عنه. وكان يهدف بالتزويج المبكر إلى إقامة السنة التي قضت بهذه الحكمة في الزواج على الفساد وأكثرت النسل وقاربت بالمصاهرة بين المتباعدين. وربما رأى ببصيرته وفهمه غلظة البداوة في أهل ولايته -ومن بدا جفا- فكان يتألف الشارد ويطفئ الفتن ويحارب الخداع والحقد.

стр. 75

وأما في تدينه فقد كان زاهدا كثير التعبد في السر دءوبا على العبادة دون التفاخر بها رياء وسمعة. وهذه المحاسن في الشيخ ابن سعود رآها الشيخ ابن عبد الوهاب فرآه أصلح الأمراء لقبول مذهبه في تجريد التوحيد من شوائبه كما رآه أهلا للذود عنه والاقتدار على إذاعته ونصرته. وما كاد ابن عبد الوهاب يدخل إلى الدرعية مهاجرا حتى قبل الأمير دعوته، ووشيكا خلع عن نفسه لقب الشيخ وأمر أن لا يطلق إلا على رجل من أهل العلم والدين. وكان ابن سعود قد سمع بصاحبه وراقت له دعوته إلى الاستقامة والجد وإصلاح المعوج، ومن أجل ذلك هب إليه عجلا في بيت تلميذ من تلاميذه نزل عليه بالدرعية وكان ذلك في سنة ١١٥٠ هـ - ١٧٣٧ م١ فذهب إليه مرحبا به مؤمنا هو وابنه عبد العزيز، وسرعان ما اتفق الرجلان على التعاون فيما بينها؛ الشيخ لدعوته ورعايتها ولزعامة دينية يرثها من بعده أبناؤه وأحفاده وذريته -متى صلحوا لها-. والأمير للرياسة الزمنية ويرثها بنوه وذريته من بعده، ولا تنعقد معاهدات أو تمضي أمور ذات شأن من حرب أو صلح إلا باتفاق منهما. واتفق الرجلان. وانبرى الشيخ يدرس للأمراء ولمن يحضره كل يوم كتاب التوحيد - ولعله الذي كان أشار إليه وهو في يده يوم اليمامة- وظل يرغب أهل الوادي في اتباع خالص التوحيد لله من غير شائبة من شرك أو شبهة. فلم يمض غير عام واحد حتى صار أهل الوادي كلهم على التوحيد الخالص، سوى أربعة رجال ادعوا أنه مبتدع، فلما رأوا قومهم قد اتبعوه وأحسوا بانفرادهم رحلوا بأهلهم وأموالهم من الدرعية إلى قرية من قرى القصيم٢.

стр. 76

وواصل الشيخ أيامه في نشر الدعوة بالوعظ وكتابة الرسائل لعلماء الأمصار مكتفيا بهذه الوسائل السلمية زمانا١. حتى إذا لمح ببصيرته مستقبل الأيام أخذ يعد للمستقبل من القوة ومن رباط الخيل ما استطاع، وأمر شباب الدرعية أن يتعلموا رمي البندق وتسديد الرمي. والرمي سنة عن النبي ﷺ ومن بعض حديثه يحث على الرمي قوله: " ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا "٢ ومنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال من الآية: ٦٠] ، قوله ﷺ وهو على المنبر: " ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي" ٣. وقد حرص عليه الأئمة وكان عمر بن الخطاب ﵁ أشد الناس حرصا عليه وأجاده الشافعي الإمام حتى قالوا: إنه كان يرمي فيصيب من عشرة الأهداف العشرة بكاملها٤. ولم يقتصر الشيخ على الكلام في التوحيد وتدريب الشباب على الرمي ولكنه دخل في المعركة الحامية قبل أن تبدأ فجعل يحث النفوس على الصبر وتحمل الأذى إذا احتدمت بينهم وبين خصومهم العداوة، ولا بد أن تحتدم، وكان -من قبل- قد رأى الخصومة في اليمامة، وليست البلدان والبوادي أفضل من اليمامة إيثارا للحق وصبرا عليه. واجتمع الأمير والشيخ وأهل الدرعية ومن والاهم فشادوا مسجدا جامعا٥ يؤمه المصلون من رجال ونسوة للصلاة والدرس. وفرش المسجد بالحصباء تشبها بمسجد رسول الله ﷺ وجعل التعزير عقوبة مَنْ لا يحضر الجماعة، فلما قويت الدعوة اشتد التعزير٦.

стр. 77

واحتدمت الخصومة بين الدرعية من جانب وبين الرياض والعيينة من الجانب الآخر، إذ رأى البلدان معونة الدرعية للدعوة قد شددت من أزرها وأعانت على انتشارها، وشن شيخ الرياض الغارة على الدرعية فاستشهد في الغارة ولدان للأمير ابن سعود. فلم يكن من الدرعية إلا أن ساقت عسكرا جرارا من الموحدين المطهرين لتأديب المعتدين، غير أن التناوش ظل بينهما ثمانية وعشرين عاما كان يعلو فيها شأن الشيخ والأمير وينتشر مذهبهما، ويسفل فيها شأن أعدائهما حتى ظفر عبد العزيز بن محمد بعدوه ودانت الرياض له ولأبيه١. وأما العيينة فلم تزل تطغى حتى قتلت أميرها عثمان بن معمر غيلة فاستفز الغضب أمير الدرعية واستفز أهلها، فنصح الشيخ له ولابنه أن يصبرا، حتى إذا مضت تسع سنوات جهز عبد العزيز جيشا من أربعة آلاف مقاتل ودخل به العيينة عنوة وقوضها تقويضا، فلم يبق بها من أهلها إلا من دخل في الطاعة والمذهب إيمانا أو خوفا. وبفتح العيينة دخلت نجد كلها تحت لواء سياسي واحد ومذهب في الدين صاف سليم٢. القبائل والأطراف: وحين توحدت نجد تحت راية المذهب والإمارة السعودية قويت الدولة، وسواء أكانت قوتها٣ من المذهب أم كانت قوة المذهب منها فقد أقبلت القبائل من حول نجد تدخل في وحدة سياسية دينية كان من شرف القبائل دخولها والسبق إليها، كما كان شرفا لكل سابق إلى الإسلام من الجاهلية القديمة فلا يحسب دخوله فيه ذلة ولا انقهارا.

стр. 78

فما لبثت قبائل قحطان أن دخلت في مذهب التوحيد وبالغت فيه كل مبالغة. وكان أكثر القحطانيين يسكن بأطراف العارض من نجد، فأخذوا على أنفسهم عهدا لآل سعود أن يطوعوا تهامة اليمن وأهل حضرموت والشحر وما جاورهم من أرض الحجاز. واعتنقت زعاب -أهل جزيرة الحمراء- مذهب التوحيد، وكانوا تحت إمرة القواسم أصحاب رأس الخيمة، فلما دخلت زعاب في المذهب كان دخولها سببا في تحررها من إمرة القواسم وظلمهم. فلم يمض غير قليل حتى صاروا أندادا لسادتهم الأقدمين في البر والبحر. وحين قويت زعاب كل هذه القوة أغرى ذلك القواسم فدخلت في المذهب حتى تحتفظ بمكانتها وقوتها١. وكان بنو عتبة على خوف دائم من العجم فلم يروا منقذا لهم من هذا الخوف إلا أن يدخلوا في الوحدة العربية الجديدة وتحت راية مذهبها فدخلوا وأخلصوا الدين لله فأمنوا على أنفسهم وسكنوا نواحي البحرين في أقرب جوار للعجم من غير أن يفزعهم عدو أو يقلقهم خوف. وأقبل بدر حاكم مسقط في أخريات أيامه فاعتنق المذهب وأخلص في اعتناقه، وكان دخوله فيه دخولا مثيرا أكثر من دخول الحكام والقبائل. إذ كان بدر إباضيا من الخوارج وكان مقاتلا شجاعا وطالما ناصب آل سعود العداء. وقد أحسن بدر لاسمه في التاريخ إذ لا يبقى في هذه الحياة إلا الاسم والذكرى، وأحسن إذ دخل في وحدة عربية وحتى لو لم تدم غير أيام ومهما كان جزاؤه ظالما من قومه الإباضية بأن اغتالوه لخروجه

стр. 79

من مذهبهم١ فإنه لم يعمل إلا ما يحسد عليه من تحري الحق ومن الشجاعة والإقدام. وبلغت الدعوة الطائف فكاتب أهلها الأمير الإمام عبد العزيز على البيعة له والدخول في مذهبه، ثم طلبوا إليه معلمين يعلمونهم المذهب وقضاة يقضون بينهم بأحكامه أصولا وفروعا، وبات المذهب والإمارة الموحدة الجديدة بدخول أهل الطائف في ظلهما يهددان عتبة الحجاز وتقويض حكم أشرافه الذين طالما ردوا سعود ين عبد العزيز عن دخول مكة لأداء الفريضة كلما أراد أن يؤديها٢. ودخل الخوالد في الطاعة والمذهب بعد قتال مرير سنوات طويلة وانقلبوا يعملون على النصرة والتأبيد بعد الحرب والعداوة، ونصبت السعودية حكاما على الخوالد بالتراضي وفتح الطريق إلى الأحساء ففتح سعود بن عبد العزيز شرقيها ودخل قراها. وحين غلب سعود على البحرين أرسل إلى أهلها معلمين من لدنه يعلمونهم ويرشدونهم إلى طريق الحق والتوحيد الخالص، ويبدو أنه كان لدى البحرين معلمون قد درسوا المذهب ولكن سعودا أصر أن يكونوا من نجد فأرسل عشرين من علماء نجد للتعليم والإرشاد٣. والحق أنه لا يغيب عن ذي وعي من المعلمين المسلمين في كل بقاع الأرض وفي شتى المذاهب أن يعرف الحق من الباطل والصحيح من الزائف متى برئ من التقليد والعناد، وكان مرجعه كتاب الله وحديث رسوله وسنته، فلم يبعد أن تكون دعوى أهل البحرين من المعلمين العارفين

стр. 80

المنصفين صحيحة، ولكن سعودا لحرصه على أن يسير الحق سيرا سليما سريعا أراد أن يرسل هو بالمعلمين الذين يطمئن إليهم والذين خبرهم بنفسه وجربهم، فلم يكن ذلك عنتا منه ولم يكن ضيما لمعلمي البحرين. ولقد هدأت العداوات بين القبائل من داخلها حين هدأت المنافسات على رياستها، وكان هذا الهدوء بفضل كل ما سن الإمام التميمي من عقوبة قاسية للتقاتل على الرياسات، ولم يجعل حدا لهذه العقوبة، وإنما تتصاعد بقدر البغي والنهم في الباطل، فلم يكن هناك دواء أنجع مما رأى هذا الطبيب وكان في دوائه كل الشفاء١. ولم تمض سنة ١٢١٦ هـ - ١٨٠٥ م حتى كان شبه الجزيرة العربية بما فيه جزء كبير من اليمن وعمان يخضع لآل سعود ويدخل في مذهب التوحيد٢. ثم رأى سعود بعد أن دخلت الجزيرة - ما عدا الحجاز- تحت لوائه أن يغزو أطراف الشام والعراق فبدأ غزوها، وما لبث أن توغل في الشام حتى بلغ حلب، وكان في دخوله إلى سورية قائدا لبيبا إذ تفادى أن يحارب المدن، بل تركها جيوبا في طريقه يقضي عليها حين يقوى ويشتد عليها الحصار ويطول، وقد تفاداها لئلا يضطر جنده إلى الوقوف أمامها وأمام حصونها، وكان عصره لم يزل عصر الحصون والقلاع. وحتى يخضع العواصم هدد الطرق بين بغداد ودمشق، وبين دمشق وحلب، وكاد يصل في غزوه إلى أرض القادسية من العراق. وغزا سعود بنفسه أطراف السماوة ثم سار في عشرين ألفا من جنده ومن انضم إليهم من الأعراب فدخلوا مشهد كربلاء وهدموا طرفا من القبة. ثم قصد

стр. 81

إلى البصرة بعد كربلاء بأربع سنوات فغزاها بنفسه في جند من أربعين ألفا وغزا في طريقه أطراف الكويت ثم رجع إلى الدرعية. وأعاد سعود الكرة على البصرة بعد ست سنوات في عشرين ألفا، وكانت هذه الكرة عرضا بينما كان راجعا من أطراف السماوة، ولأمر ما لم يدخلها سعود، وقد قيل إنه ارتد عنها لاستبسال أهلها فمنعوه من دخولها، ولعله آثر أن يعود بجنده قويا سليما١. واستمر سعود يضيق السبل في أطراف الشام والعراق. ثم ابتدأ دور الرجوع عن الأطراف إذ مات سعود ونشطت تركيا لرد الغزاة عن ولاياتها وانتقاص أطرافها٢. إلى الحرمين: وكان الحرمان الشريفان تحت أشراف من بني حسن منذ زمن بعيد يتوارثون إمارتهما. وفي سنة ١٢٠٥ هـ قبل موت ابن عبد الوهاب بعام واحد -وكان قد مضى على أحدهم في الولاية أربع سنوات وكان اسمه غالب- حدث أن لجأ قوم من العرب إلى الشريف غالب هربوا من الأمير عبد العزيز حين غزاهم لأنهم نقضوا عهدا كانوا قد عقدوه معه فبدأ الشريف غالب يعد العدة لمقاتلة السعوديين ونجدة اللاجئين. ولم يكن ذلك من الشريف إلا حين رأى نجدا كلها قد دانت لآل سعود، ثم بدأت الأطراف تدين، فخاف أن تعتدي السعودية على الحرمين فتنتقص الحجاز من أطرافه أو تبتلعه كله، فأخذ يستميل القبائل التي لم

стр. 82

تدخل في طاعة نجد أو المعاندة لها حتى يتخذها ردءا له، فعقد حلفا مع بعض بني خالد على مهاجمة الملك النجدي الجديد؛ الشريف من جهة الحجاز والخوالد من الجهة المقابلة، ونصب الشريف أخاه أميرا على الجيش وسيره إلى مكان يقال له تربة وأمره أن يقيم فيه حتى يفد عليه بعسكر آخر يقوده. وخرج سعود بن عبد العزيز ليرد عسكر الشريف عن بلاده، ولكنه رأى أن يتريث فلا يهاجمه وقدم طلائع من خمسة وعشرين رجلا فنَزلوا حصنا صغيرا كالقصر يقال له الأشيقر، فحمل القائد الحجازي على الحصن ورماه بالمدافع فرمته الحامية من أعلى الحصن بالبندق، وما زال الطرفان يتراميان حتى وهن عسير الحجاز وانكسر فسقطت هيبة الأمير من النفوس حينما أعجزه أن يتغلب على قصر تحميه طليعة من عدد قليل١. وأسرع الشريف غالب لنجدة أخيه ثم أخذ يبالغ في الحملة على القصر بالمدافع والرجال فلم يستطع التغلب على حاميته وفقد من عسكره وذخيرته كثيرا فارتد هو الآخر عاجزا، وبقيت في قلبه حسرة الانكسار من ضعف التدبير وضياع الأمل عمرا طويلا٢. فلما انكسر الشريف هذه الكسرة الخاذلة تركه حلفاؤه وحالفوا آخرين على حرب سعود، فمال سعود على الحلف الجديد بجيشه تقتيلا وتشريدا، ثم اندفع يسوق فلولهم بخيله ورجله، فانهزمت جموع البوادي وكثر القتلى والجرحى والأسرى وغنم سعود في معاركه معهم غنائم لا تحصى، ومات من رؤسائهم من مات وفر من فر إلى العراق. ولجأت فلول المنكسرين إلى سعود تطلب الأمان فأمن من وثق فيه ورد له ماله، وأما من لم

стр. 83

يثق فيه فقد رحمه وشاطره المال١. ومنذ هذا الانتصار على الحليفين أخذ بداة نجد يدقون أبواب الحجاز، وما لبث أن أطاعت عتبته وأطرافه، فلما كان الموسم قدم سعود أميرا للحاج في عهد أبيه عبد العزيز فأباح له الشريف أن يأتي عرفة للوقوف دون أن يدخل مكة للطواف٢ وذلك بحجة أن الحج إنما هو عرفة فلا يتهم الشريف بأنه منع سعودا عن أداء الفريضة، فأتى سعود عرفة، ولكنه أضمرها لخصمه وأذاع اتهامه بأنه يصده عن البيت. وصرع عبد العزيز بعد وفاة الشيخ الإمام بثماني سنوات بيد متطوع شيعي يسمى عليا أغراه وزير الترك في بغداد بمال وعيش رغد له ولأهله من بعده يدوم بدوام الدولة العثمانية. وذهب الرجل إلى الدرعية في ثياب ناسك وأظهر أنه راغب في مذهب التوحيد، وكان داهية فصيحا جذابا فلما اطمأن له الناس وملكهم الإعجاب بخلابته ومظهره وتفانيه انقض على فريسته فأرداه. ففي يوم الجمعة وكان الأول من رجب لسنة ١٢٢٠ هـ أقدم الآثم على غدرته فاستل خنجره وانسل بين صفوف المصلين وأغمده في الأمير فخر من فوره صريعا. وانهال أهل الدرعية على الغادر فقطعوه إربا إربا. ثم طار الخبر إلى بغداد فبلغها بعد شهر، فوفى الوزير لأهله بما وعدهم من مال٣. ثم جرت الأحداث فلم تدم العثمانية ولم يدم العطاء! وتولى سعود بعد مصرع أبيه إمرة نجد والأطراف، وفي سنة ١٢٢٢ هـ. وبعد عامين من ولايته سار إلى الحج في جيش جرار من مائة وعشرين

стр. 84

ألف مقاتل ومدافع محمولة على ظهور الإبل، كان بدأ إعداده من أربعة أعوام١ -وأعلن أنه يريد أداء الفريضة وتأدية المناسك كلها فإذا منع وقسر على الموقف وحده في عرفات دخل مكة قهرا وعنوة. ولم يكن في مذهبه ولا في الإسلام كله ما يرده عن القتال في الحرم إذا منع من دخوله حاجا، فإذا كان دخوله إلى مكة لإنقاذ أهلها من الضيم والخسف الذي هم فيه كان دخولها واجبا حتى يرد عليها من هجرها من أهلها يطلبون العيش في ظلال الأمن والعدل في شتى البلدان. فلما كان سعود على فرسخين من مكة أرسل بكتابين مع عشرين فارسا من فرسانه، أحدهما لغالب الشريف وثانيهما لأهل مكة كافة. وكتب لغالب أن الجدال معه على دين الحق قد طال، وأنه لم يعد كفئا ليقاتل الجند الكثيف السائر إليه، وخيره بين التسليم بدخول مكة صلحا أو بترك الحكم للسيف. أما كتابه لأهل مكة ففيه أن غالبا قد عصى الله ورسوله، ومنع المسلمين من أداء الفريضة، وليس يرضى المسلمون أن يصد أحد منهم عن المسجد الحرام، وأنه قد كتب له ليؤوب إلى الحق ولكنه لم يؤب وليس بآيب. وذكر له أنه يريد دخول الحرم، ولن يتردد في دخوله. وترك لأهل مكة الخيار، فمن دخل في عهده صار آمنا في دمه وماله، ومن اعترض طريقه صار دمه هدرا٢. وأتى الكتاب غالبا فأخذه الرعب فركب من فوره بحاشيته وأهله وماله إلى جدة وترك على مكة نائبا له، فكتب النائب إلى سعود يخبره خبر الشريف فكتب إليه سعود يقول: ما كان على الشريف ضرر منا

стр. 85

لو بقي، وكيف ونحن ضيوف الله وهو جار بيته! وإننا سندخل البلدة بعد الوقوف بعرفات١. ووقف سعود ونائب الشريف وأهل مكة مع الناس على عرفات في يوم التاسع. فأما أهل مكة فقد أقبل كثير منهم يعاهدون سعودا. وأما النائب فأخذ للشريف الأمان.. وأما سعود فمضى بعد الإفاضة من عرفات إلى مكة يطوف بالبيت ويؤدي المناسك. وبقي فيها كل أيام التشريق. ورأى سعود كثرة ما بمكة من فقير فمد إليهم يد معونته وسد حاجاتهم، ثم مضى إلى المدينة تاركا للشريف كتابا يقول له فيه: إن هذه مكة، وأنت صاحبها، وقد عملنا فيها ما هو الحق. وإن شئت -حسبما أخبرنا وليك الذي جعلته مكانك- فأرسل إلينا من نأخذ العهد عليه ويأخذ العهد علينا نائبا عنك. ورد شريف مكة يد الرجل العظيم وسماحته وخاشنه قائلا: ليس بيني وبينك عهد ولا صداقة. فإن سلمت لي جميع البلاد التي أخذتها من ملك الحجاز عاهدتك، وإلا فلا، واصنع ما بدا لك. ووصل رد الشريف وسعود على باب المدينة عند الثنية يريد دخولها. وكأنما عرف أهل المدينة برد الشريف فتألبوا على سعود ووقفوا لرده ونكثوا عهده وكانوا قد عاهدوه على نصرته قبل عامه هذا بثلاث سنوات، فحمل عليهم سعود حملة قاسية استمرت خمسة وعشرين يوما ثم دخل المدينة فاستباح دماء الناكثين٢. وكان نكث أهل المدينة سببا في عنف سعود فاستنقذ منهم أموال المسجد والتحف والقناديل والجواهر، وهدم قباب البقيع وأحد، وولى

стр. 86

على المدينة سعوديا من أهله، وبعد أربعة أيام أقامها عند أحد وقف خطيبا في جنده، فحمد الله وبشر قومه والمسلمين بالفتوح، ثم فرق من الغنائم على جنده بقدر المنازل والدرجات١. ولم يقف الأمر عند فتح الحرمين والحجاز فتحا عسكريا، وإنما كان وراء هذا الفتح أن يدخل الناس في التوحيد الخالص ويتركوا الأرباب والطقوس المبتدعة في الإسلام، فدخل الناس وصاروا جميعا من أنصار التوحيد وأتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب وأخلصوا العبادة لله ودام اتباعهم وانقيادهم ثمانية أعوام امتدت من سنة ١٢٢٠ إلى سنة ١٢٢٨ هـ حيث بدأت تركيا في محاربة المذهب وأتباعه بأقصى ما لديها ولدى ولاتها من عسف وحديد٢. الحرب الوهابية: لم يقع اختيار أتباع محمد بن عبد الوهاب على لقب الوهابية ولم يرضوا بإطلاقه عليهم. ولكنه أطلق من قبل خصومهم إرادة تنفير الناس منهم وإيهاما بأنهم ابتدعوا مذهبا جديدا يزيد على مذهب أهل السنة. وإنما هم يرضون لأنفسهم بلقب السلفيين أو المحمديين٣ وكذلك سموا بالموحدين والمطهرين، ثم أطلق على أتباعهم وأمثالهم في الهند لقب أهل الحديث٤. وسواء رضوا باللقب أو لم يرضوا به فإن نسبته إلى اسم الوهاب سبحانه -وإن كان خصومهم لم يتنبهوا له- فيه ضد ما أراد خصومهم، إذ كانت بشرى بأنهم موهوبون نصرا مؤزرا قريبا.

стр. 87

أما الحرب الوهابية فإن تركيا كلفت واليها على مصر "محمد علي" بمحاربة الوهابيين بعد أن لم تتمكن من إخضاعهم أو إيقافهم عن التوسع في الجزيرة وتهديد مقام الخلافة ومهابتها بانتقاص أرضها وكسر جيوشها وتعلل محمد علي في أول الأمر باشتغاله بتصفية المماليك، ثم لم يجد مفرا من تنفيذ الرغبة حتى تتجدد ولايته ويتمكن سلطانه ويرتفع شأنه. ويبدو أنه كان متيقنا من النصر لقوة سلاحه ولاستطاعته أن يسخر مصر كلها رجالا ومالا، فمضى إلى الحرب بعد أن تلكأ عن الإجابة ثلاث سنوات، ثم خاضها بحجة استرداد الحرمين وتأمين سبيل الحاج، وسير جندا كثيفا خليطا من الفلاحين والأتراك والمرتزقة وشذاذ الأعراب إلى أرض الجزيرة١. وجهز محمد علي أول حملة بقيادة ابنه أحمد طوسون وكان لم يزل بعد في السابعة عشرة من عمره فسارت الحملة برا وبحرا في قسمين يلتقيان في ينبع. وقد حانت الفرصة لمحمد علي فاتخذها تكأة ليبني له أسطولا ودور تجارة وصناعة لجلب مواد البناء والتشييد والإصلاح، وخبأ القدر عن تركيا أن هذا الأسطول سيتوجه إلى شواطئها وشواطئ ولاياتها في مستقبل الأيام. واستخدم محمد علي في الحملة طوائف الصناع من كل الحرف كما استخدم عددا من العربان الذين خبروا البادية وعرفوا مواقعها وطرق السير فيها. ولم يفته أن يوهم بأنه مهتم بالفكر والدين، فزود الحملة بأربعة من أئمة مذاهب أهل السنة- حتى المذهب الحنبلي مذهب الوهابيين، ساق إمامه أيضا ليكون قوله حجة أقوى على الوهابيين في نظر الناس واعتذر عن الذهاب شيخان من رشيد ودمياط فأعفيا من السفر٢. ووقف الجيش المصري موقفا ضنكا أمام صلابة سعود بن عبد العزيز

стр. 88

الذي التزم خطة الدفاع، واستطاعت حملة طوسون أن تحتل ينبع وأن تتقدم في البر فتحتل موقع بدر المشهور. وفي وادي الصفراء انهالت القذائف من القمم على جيش طوسون وهو يمر بجنده في أسفل الوادي فهلك الجيش وتراجعت فلوله إلى ساحل البحر١. ووصلت الأمداد إلى طوسون الذي غير خطته فبذل صناديق الأموال والكسى للقبائل التي في طريق مكة والمدينة فمهدت خطته لاستيلائه على الحرمين ثم على جدة والطائف. ولكن سعودا تربص بجيش الغزاة وظل يرقب سيره ويدرسه أساليبه، حتى إذا احتل طوسون الطائف وأغفلته سكرة الانتصار غافله سعود قبل أن يصحو من سكرته ولم يدعه يلتقط أنفاسه، فزحف على رأسه جيش يقوده هو، وجيش آخر يقوده ابنه فيصل في اتجاه الحرمين. وفي مكان يقال له تربة التقى الخصمان فلقي جيش طوسون قتلا وهلاكا فارتدت فلوله إلى الطائف تاركة سلاحها وذخيرتها في أرض المعركة غنيمة للوهابيين الذين كانوا في هذه المعركة أكثر حمية وأشد حماسا، لأن امرأة من نبلائهم "عالية" تولت إثارة الحمية في نفوس الموحدين٢. وأخذ موقف طوسون يتحرج، ودبت الأمراض في جنده ففتكت بهم فتكا ذريعا، فاعتصم طوسون بالحرمين وثغريهما جدة وينبع وأرسل يطلب مددا من أبيه، فقاد محمد علي بنفسه حملة جديدة وركب من السويس إلى جدة فمكة فحصنها واحتمى بها وأرسل ابنه طوسون ليهاجم خصومه فلم يزد طوسون إلا هزيمة وانكسارا. وبانهزام محمد علي نفسه في بعض المواقع أرسل يطلب المدد من مصر

стр. 89

فجاءه مدد من أخلاط الناس والمرتزقة محملا مصر تضحيات جديدة -وكانت في كل حملة تضحيات من النفوس والأموال- وشكا الناس واستغاثوا بمشايخ العلماء فلم تجد الشكاوى ولم يقف سيل التضحيات١. ومات سعود فوافى الحظ والي مصر إذ لم يجد الوهابيون بدا من فك حصارهم للطائف وكانوا قد حاصروها، وحان لمحمد علي أن يكسب معركته عند سبل، ثم توالت مكاسبه، فطلب عبد الله بن سعود الصلح -وكان قد تولى الإمارة بعد أبيه- فأجيب إلى طلبه وتهادن الطرفان، ورجع محمد علي إلى مصر ليراقب مؤامرة توشك أن تنصب له٢. ولم تنفذ شروط الصلح من الطرفين فانتهت الهدنة واستؤنف النّزاع، وقاد الحملة الجديدة إبراهيم بن محمد علي. وبعد معارك طويلة مريرة انتهى الأمر بإبراهيم إلى احتلال الدرعية مكان انبثاق الدعوة والتعاقد على نصرتها. وقد بذل أهل الدرعية جهد ما فوق الطاقة دفاعا عن بلدهم مما استوجب عنف الغازي عليهم بعد هزيمتهم عنفا بالغ الجسارة. وسلم الأمير عبد الله نفسه ووقف القتال بعد حرب دامت سبع سنوات. وقد انتهى هذا النّزاع الأول بأن تصور محمد علي أنه بسط نفوذه على بلاد العرب، ولكنه كان واهما، إذ سرعان ما تقلص ظل الوهم وتبين له خطأ تصوره، وتحققه قبل أن يموت، فتنازل عن الحرمين منصرفا لأمر علاقاته مع الباب العالي، بعد أن كلفته هذه الحملات ثمنا باهظا أثمن ما فيه سخرية التاريخ٣. ولقد كثرت نتائج الحروب الوهابية وآثارها وشملت الأمكنة التي وقع فيها القتال والتي حشدت له والتي لم تحشد، وتناولت العباد والعتاد والأفكار.

стр. 90

أما في مصر فمع ما تحمله سكانها جميعا من تضحيات وأعباء فإن الحكومة لم تكتف بالضرائب والإتاوات، فاحتكرت الأرزاق وصادرت الأراضي الزراعية والممتلكات، وجعلت حياة الناس كلها ضنكا وذلا وبؤسا. ومذ موهت انتصارات محمد علي عليه مضى مغترا بقوته إلى حروبه في السودان والمورة، ثم عادى الباب العالي طمعا في سورية، وكانت النهاية الأليمة إغراق أسطوله الذي كلفه غاليا في وقعة "نافارين". وقد نتج عن إنشاء دور الصناعة والتجارة أن نشأت طائفة من الفلاحين اتجهت إلى الصناعات وكانت نواة التحول في مصر للصناعة التي خمدت في آخر العصر العلوي ولا سيما بعد دخول الإنجليز إلى البلاد في عهد توفيق، ثم استيقظت بعد زوال ذلك العصر كله. وفي أثناء هذه الحرب أنشئت في الجزيرة العربية حصون وحفرت خنادق وعبدت طرق وحفرت آبار، ثم نظر في تجديد السلاح واستخدام المدافع وقذائف البارود. ثم رئي أن تقام دولة دينية تقوم على مذهب التوحيد ووحدة البلاد١.

стр. 91

بناء الدولة مقام الأمير لأول مرة في التاريخ الحديث للجزيرة العربية قامت إمارة لها نظام وطيد يسود فيه القانون وتنتظم العدالة وتنفذ أحكام الدين. وقد عهد إلى الإمام محمد بن عبد الوهاب أن يضع هذا النظام فتلتزمه الدولة أتم التزام. ولقد نزل شيخ الإمارة الأول محمد بن سعود عن لقبه وعن قيام الناس له مهابة وإجلالا، ولم يعد من حق أحد أن يحمل لقب الشيخ إلا رجل من رجال الدين، ثم يتساوى في الدولة الغني والفقير، وكما فرض الإسلام من مساواة. وكان نزول الأمير عن لقبه وعن قيام الناس له بداية هذه المساواة، بل هي بداية انحسام داء الرياء الذي هو الشرك الأصغر -كما كانوا يعدونه على عهد رسول الله ﷺ وكذلك انسد باب الغلو والإطراء١. وكان الكبار جميعا من قبل محمد بن سعود يتخذون الحجاب والحراس، فأزال الروح الديني الجديد هذه الأبهة والفخامة- ودام ذلك التقليد طوال أيام محمد بن سعود وابنه عبد العزيز، فلما صرع عبد العزيز عاد الأمير اضطرارا إلى اتخاذ الحراس والحجاب وتحصنت بيوت الأمراء وفرض الإذن للدخول عليهم.

стр. 92

والإذن بالدخول كان بادئ ذي بدأة ومن غير هذه الغدرة فريضة الإسلام بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النّور الآيتان: ٢٧-٢٨] . ولكن الأمراء كانوا قد أمنوا الناس فلم يفرضوا الإذن عليهم، فلما وقعت هذه الغدرة رجعوا إلى الإذن والتحصن والتحجب وأحاطوا منازلهم بحراس الليل١.وكان صلاح الدين يوسف بن أيوب أحسن حظا من عبد العزيز بن سعود إذ حذر فاحتجب منذ أخطأته طعنة الغادر. وكان صلاح الدين يدني الناس منه ويتحبب إليهم، وما لبث أن أقلع عن عادته هذه وأقلع عنها مضطرا فامتنع واحتجب ولم يعد يلقى أحدا عن قريب إلا من أراده هو وضرب للقائه موعدا. وقد وقع منه التمنع والاحتجاب حين اعتدت عليه طائفة الحشاشين مرتين فأخطأه الاعتداء فاحتجب عن العامة احتياطا، إلا في المواقع وقد أمن من حوله فيها، فقد صار يضرب حول سرادقه سرادقات تحميه ويقف عليها الحراس٢ وكأنها الأسلاك الشائكة في زماننا. وإنه لمن الحق على كل زعيم صارت للناس عليه جرأة أو لم يمتنع ويحتجب، ولا سيما حين يصير ملك الناس وحصن آمالهم، وإن ذلك وإن كان يظهر فيه بعض الترفع والكبرياء فإنه من خيرهم وصالح

стр. 93

بلادهم ومستقبل أيامهم، وذلك حين يصير أميرهم ملك الأمة وحصن المسلمين١. وقد أصبح على جلساء الأمير شروط لم تكن هي أيضا بدعة محمد بن عبد الوهاب أو بدعة الأمير، وإنما كانت الشروط التي اشترطها عمر بن عبد العزيز على جلسائه ورآها لخير الوالي ولخير الناس وخير الجلساء أنفسهم، إذ الأمير هو ولي العدل، وولي العدل مشغول عن سوى ما يصلحه ويصلح الرعية. وقد روى الأوزاعي أن " عمر قال لجلسائه: من صحبني منكم فليصحبني بخمس خصال: يدلني من العدل إلى ما لا أهتدي إليه. ويكون لي على الخير عونا. ويبلغني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ولا يغتاب عندي أحدا. ويؤدي الأمانة التي حملها بيني وبين الناس. فإذا كان ذلك فحيهلا، وإلا فقد خرج من صحبتي والدخول علي "٢. ونفذ الأوزاعي هذه النصيحة فلم يصحب واليا إلا على شرط عمر، ولم يجد بدا من التزامها. ولقد كان أحيان يتردد في أن ينصح أو يصرح بالنصح، ولكنه كان يدفع عنه هذا التردد حين يتمثل وقوفه بين يدي الله فيسأله عن صحبة الولاة. ولذا فقد قال للمنصور: يا أمير المؤمنين، مهلا فإن مثلك لا ينبغي أن ينام. وإنما جعلت الأنبياء وعاظا لعلمهم بالرعية، يجبرون الكسير ويسمنون الهزيلة ويردون الضالة. وإن الله أوحى إلى داود ﵇ فقال: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [صّ من الآية: ٢٦] . وقيل إنه أوحى إليه: يا داود،

стр. 94

إذا جاءك الخصمان فلا يكونن لأحدهما على صاحبه الفضل فأمحوك من ديوان نبوتي١. فهذه قولة قالها الأوزاعي لأبي جعفر المنصور، وفيها من العظات ما لم يكن خافيا على أبي جعفر المنصور الذي نشأ وربي في المدينة بين جلة الفقهاء وعلية العلماء، ولكنه رضيها من الإمام إذ كان له فيها ناصحا أمينا. وكذلك فتح محمد بن عبد الوهاب بين يدي الأمراء باب هذا الأدب الجم للجلساء، وكأنه حدد أصنافهم، فاختار أن يكونوا من أهل العلم والصلاح. وكذلك رحب الأمراء بجلسائهم من هؤلاء، فكان حتما للدولة أن تسلم من عثراتها وأن تقوم بعد هزائمها، إذ تنَزه مقام الأمير عن كل هون إلا ما كان في صلاحه وصلاح الأمة وصلاح الدين. تنظيم الأمور: وقد كان للإمارة نظام أشبه بالنظام العسكري أو هو ذاته، تتقلب حياتها فيه، وكان ذلك بسبب العداوات التي منيت بها فاضطرتها إليه، فبنيت الحصون والقلاع وحفرت الخنادق وألفت الحاميات، ودرب الشبان على الفروسية والرمي. وعلى قدر ما تسع موارد البلاد تدفع الأجور. وجعل شرط انتظام الرجل في الحاميات أن يكون من أتباع مذهب التوحيد عن صدق وإيمان، ويعرف ذلك منه بالممارسة والتجربة والاختبار. وكان من الخير لهذه الدولة بل لمثيلاتها أن تقوم حمايتها على أسس من الخلق والدين، ولا يتسنى لها القيام إلا على أيدي جند من المؤمنين

стр. 95

المتطوعين، وقد فرض ذلك في الإمارة الجديدة على الجند، وجند الحاميات خاصة، كما كان شرطا أكيدا في اختيار أمراء الجيش فكانوا كلهم من الموحدين. وانقسمت الإمارة إلى كور يتولى كل كورة منها أمير، يعاونه -إن كانت كورته كبيرة- عالم في درجة المفتين، ويعاونه عالم في درجة القضاة -إن كانت الكورة صغيرة- وكذلك عين في كل كورة إمام للصلاة وعامل على الزكاة. وقد يتعدد العمال إذا اتسعت الكورة على عامل واحد للزكاة. وقد روعي أن يبقى رؤساء القبائل في البادية كما هم رؤساء على قبائلهم ما لم يتمردوا، فإذا تمردوا خلعوا. ونصب مع هؤلاء الرؤساء شيوخ من شيوخ الدين على القضاء والإفتاء والصلاة والتعليم وكان الاهتمام بتعليم حدود الله في البوادي والأعراب بالغا مبلغه، لأن أهلها وقعوا في فوضى من العصبية وحميتها أزمنة طويلة، وصاروا عبيدا لعاداتهم الطليقة من الخضوع للشرائع التي تردع عن ارتكاب المظالم وتقيد المعتدين عن العدوان. ومما لم يكن منه بد أن تتألف قلوب رؤساء البدو رويدا رويدا، فكان يكتفى منهم بإظهار الطاعة، فإن أظهروها تركت لهم الأموال المجبية خراجا من بواديهم، تأليفا لقلوبهم - كفعل النبي ﷺ مع المؤلفة قلوبهم من ملء جعابهم بالعطايا. فإذا لم يظهر الطاعة رئيس من هؤلاء الرؤساء أدب بالعزل أو الحبس أو أشد منهما حسب درجة التمرد والعصيان، وكان النفي إلى منأى من منائي البادية الفسيحة إحدى عقوبات المتمردين. وجعل للإمارة بيت مال عام تأتي موارده من عامة كور الدولة وأطرافها

стр. 96

والخاضعين لها في الأطراف، كما تأتي الموارد من أموال الغنائم إذ افترض الموحدون أن البلاد التي لم تدخل في التوحيد الخالص لهم أن يغنموا منها وأن يسبوا ويأسروا. وكذلك أحلت لهم الغنائم، لأن كل الأقاليم التي كان الدين فيها ملتبسا بصور من الكفر والإشراك كانت دار حرب لا دار سلام. ويتبع بيت المال مراقبة حسابه وموازنة الدخل والخرج فيه، وهو ما أمر به أن يراعى أشد مراعاة الإمام محمد بن عبد الوهاب، فتتسع النفقات أو تضيق بحسب ما تكون السعة أو يكون الضيق، وعلى حسبها تكثر المشروعات أو تقل، وتعلو الأجور أو تنخفض، وكان صاحب الدعوة وأولاده وذريته يأخذون أرزاقهم ضيقة أو واسعة حسبما يفد إلى بيت المال من أموال أسوة بكل المستحقين فيه١. وروقبت أسواق البيع والشراء وأقيم عليها محتسبون يتولون الحسبة فيها ويراقبون المعاملات والموازين وتنفيذ شرائع الأموال والتجارات في الإسلام. والحسبة ومراقبة الأسواق كان لها شأن أي شأن في الإسلام يتولاها المحتسب نائبا عن ولي الأمر أو متطوعا. وبدأ رسول الله ﷺ بتولية المحتسبين والمراقبين على الأسواق وكان أن استعمل سعيد بن سعيد بن العاص يوم الفتح على سوق مكة٢. " واستعمل عمر بن الخطاب ﵁ سليمان بن أبي حثمة على سوق المدينة ". وكان سليمان معدودا في كبار التابعين٣.

стр. 97

وقد عني بالحسبة علماء المذهب الحنبلي أشد العناية وصنف في أركانها وأبوابها كثير من علمائهم الأولين والآخرين١ ولم تنس حقوق أهل الصلاح والتعفف والشهداء في الحروب على بيت المال، فوظفت لهم ولأولادهم وذراريهم الوظائف فيه، وجعلت حقوق هؤلاء حقوقا ذات قدسية، فيجب أن تؤدى لهم حتى لو عجز بيت المال، وكان على ذوي اليسار من الناس عند عجز بيت المال أن يسدوا حاجات هؤلاء، وعلى من يطوع فيعطي مع أهل اليسار. وقد سد الأغنياء وذوو المروءات هذه الحاجات عن رضا وطيب خاطر، لا عن خوف أو انقهار. ولم يكن فرض هذه الأنظمة بمانع من الشر أو قاطع لدابر الأشرار. ومن أجل هذه الطبائع البشرية فرض الثواب وضرب العقاب، ومن ثم فقد كان على هذه الدولة وهي تبذل أقصى جهدها في تسديد خطى الناس وإسعاد حياتهم وقضاء حقوقهم أن تأخذ حقها، وأخذ الحق كثيرا ما يكون بإنزال العقاب. وقد رأى الإمام محمد بن عبد الوهاب أن ينْزل العقاب خفيفا وثقيلا، ولكنه أنف أن ينْزل عقابا بمذنب غدرا أو سرا، بل أمر أن يؤخذ المذنبون بذنوبهم جهرا حتى يبدي المجرم صفحته وعذره، وحتى يرتدع من تحوم في صدره نية الإثم والتمرد والفساد. طريق الحاج: ولقد وقع طريق الحاج في عصور مظلمة استمرت طويلا، فلم يكن

стр. 98

يأمن أحد ممن يقصد أداء الفريضة على ماله أو نفسه، وكان إقبال المسلمين من أرجاء الأرض على الموسم برغم ما يتعرضون له من الشر والأذى يزيد كل عام في أعداد الضحايا، فلا المسلمون يمتنعون ولا الأشرار يتوبون. والحج في الإسلام "أحد الجهادين" كما قال عمر بن الخطاب ﵁ وكثيرا ما اقترنت أحاديثه بأحاديث الجهاد، وكان من حكمته تدريب الأمة على الجهاد، ولزوم الطاعة فيه، فلم تتخلف الأمة قط عن هذا الجهاد مهما أصابها فيه من تضحيات. وليس من حق دولة تكون الجزيرة والحجاز تحت ولايتها بمستطيعة أن تدعي لها سلطانا عليها ومهابة في أعين المسلمين وكل الناس ما لم تؤمن طريق الحج، فإذا لم تعمل لتأمينه أو لم تستطع لم تكن ولايتها عليها إلا شكلا من أشكال الضعف والمهانة التي تتشبث بهما ليكونا ثوبين من أثواب الزيف والرياء. وكذلك كانت الدول التي حكمت الجزيرة بعد ضعف الدولة الإسلامية، ثم استمرت الحال كما هي حتى العهد التركي كله في الجزيرة والأشراف في الحجاز، وطالما اعترض شذاذ الأعراب طريق الحاج وفرضوا عليهم المكوس، ولم يكونوا يعفون من المكس عربيا ولا عجميا، وامتد ذلك في طول الجزيرة وعرضها حتى أبواب مكة والمدينة وفي دائرة الحرم كله، وكان أعراب جهينة في جباية هذه المكوس أشد الأعراب. فلما قام بإصلاحه محمد بن عبد الوهاب رأى تأمين طريق الحاج أول الواجبات، إذ البلاد المقدسة هي قبلة العالم الإسلامي كله. وما جزيرة العرب إلا مكة والمدينة واليمامة واليمن وتهامة كما ذكر في الأحاديث١.

стр. 99

فما لم تكن الطريق إلى حرميها ومناسكها آمنة فإنها تكون وصمة عار في جبين المهيمنين على الطريق ووصمة عار في جبين كل مؤمن لا يسعى جهده في تأمينها وتيسير السبيل. واتفق شيوخ المذهب ورجال الدولة أن تفرض على الفور أحكام الشريعة وتنفذ على اللصوص وقطاع الطريق، ونظر في أمر القبائل التي تفعله، فإن كان ما تفعله عن حاجة عوضت عن حاجتها من بيت المال بعد أن تؤخذ عليها العهود والمواثيق بأن لا تعود إلى فعله، وإن كانت تفعله عن هوى السرقة وحب الأذى فإن أحكام الشرع التي فرضت القطع كفيلة بأن تقضي على السراق واللصوص وتؤمن الطريق. وكان هذا فرضا فرضه الإمام والأمير معه على كل من أصبحوا تحت سلطانهم من أعراب نجد أو الحجاز، ومن أي قبيلة في الأطراف لهم عليها سلطان أو بينهم وبينها حلف وعهود. وسرعان ما قضت هذه السياسة على الفوضى والسرقة، ودخلت القلوب في الصدور، وسار الحاج آمنا في الجزيرة العربية وفي أي ناحية منها بادية أو حضرا. فلا يعترضه معترض بأذى، حتى المرأة كانت تسير في أمان في الأسواق وفي البرية وتحمل من حليها ما تشاء نهارا أو ليلا فلا يتعرض لها إنسان١. ولقد بين رسول الله لعدي بن حاتم فرق ما بين الجاهلية والإسلام في أمن الجزيرة بعد تسعيرها فقال له في بعض حديث له: "يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ قال: لم أرها وقد أنبئت عنها. قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله. فقال عدي في نفسه: فأين دُعَّارُ طيء

стр. 100

الذين قد سعروا البلاد؟! ثم عاش عدي وطالت به حياة ورأى ما نبأ به رسول الله ﷺ حقا ماثلا. فقال: رأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله " ١. ثم غاب الإسلام عن الجزيرة زمانا طويلا، ولقي الركب من الرجال عنتا وشقاء وقتلا، فما بال أمر النسوة إذا ارتحلن في طريق الحج، وكان أكثر السير بالإبل والدواب والمشي على الأقدام سيرا بطيئا، فلا يستطعن من الأشرار نجاة ولا فرارا؟! فلما كان أول ما جاء ابن عبد الوهاب وأمن هو وعبد العزيز بن محمد بن سعود طريق الحج وكل طريق، تعرض سارق مقنع لامرأة من بريدة، في طريق البرية، كانت قد خرجت إليها في إهلال الربيع -كعادة العرب في استقباله خارج قراهم- وبينما هي راجعة من البرية اعترضها رجل لمحت فيه سمات الخبث والإثم، فسألها عن اسمها فأجابته في صدق وشجاعة باسمها ونسبها. ثم قالت له: انظر إلى من وراءك! فارتعب الرجل ونظر خلفه فلم ير أحداً. فقال لها: من ذا الذي ترهبيني به؟ قالت: عبد العزيز بن سعود! ولم يفق الرجل من سكرته ولم يرجع إلى عقله فاندفع غير ناظر إلى عاقبة أمره وكانت عاقبة أمره خسرا.. فطلب إليها أن تنْزع عنها حليها فنَزعتها ليخلي سبيلها، فأخذ الحلي ومضى ورجعت المرأة إلى دارها. ورفع الأمر إلى عبد العزيز فجعل يسأل ويتفحص ويبحث ويلح في البحث معلنا ومسرا، وكلما مرت الأيام اقتربت منه المعرفة وكشفت الجريمة عن بعض ملامحها. أما السارق الأثيم فكان كلما مرت الأيام

стр. 101

وكرت الشهور والسنين اطمأن وهدأ وأيقن أن الجريمة قد ماتت في أكفان الزمان. وبعد أربعة عشر عاما من التسآل والفحص عرف عبد العزيز، فأرسل إلى مرتكب الجريمة من يأتي به، فلما جاءه قال له: أتدري ما لنا عليك من الدين؟ قال: أيها الإمام، إني لم أقترض منك دينا! قال عبد العزيز: بل الحلي التي سلبتها! فإنها دين يجب أن يؤدى فراغ الرجل على الأمير احتيالا على الخلاص وكذبا، فحاصره الأمير بالأدلة، ولم يزل به حتى خارت قواه فأقر بجريمته، فحكم عليه الأمير برد ما لديه من الحلي وضمان ما فقد منها، ثم أوقع به عقوبة الدين١. وحين يستقر أمن الطريق استقرارا كاملا وتؤدى المناسك كما كانت تؤدى فرض نظام الدولة على أمراء الحج الوافدين من كل أقطار المسلمين أن يمروا بالدرعية، وفرضت لهم الضيافة فيها ثلاثة أيام، وقد أبلغت البلدان كافة بهذا الأمر، فمن خالف وأبى أن يمر كما أُمِرَ أنزل به العقاب والردع على قدر ما أظهر من خلاف. وفي الظن أنها كانت أيام لا تخلص كلها للضيافة، وإنما يتلقى فيها أمير الحاج التعاليم الإسلامية عرضا وفي رفق عن المناسك التي يجب أن تؤدى وعن الغلو والمبالغات التي يجب أن لا تؤدى، حتى يمر موسم الحج خالصا لله وحده دون شوب من شرك أو رياء، وفي مراقبة ذلك فرض أن يتولى أمير من الدرعية الموسم كله في كل عام. ولكن ذلك لم يتم لهم كاملا حتى فتحوا الحجاز -فيما بعد- فالتزموه.

стр. 102

التأديب والتعليم: وسادت بين الناس في هذه الدولة أخلاق وآداب في المبادلات والمعاملات هي أخلاق الإسلام وآدابه، ورسول الله ﷺ يقول: " الدين المعاملة ". وامتنع الجدال الآثم بين الناس، وما داموا قد رجعوا إلى نصوص الدين وامتنع الرأي والتأويل -كما هو مذهب أحمد وأهل السنة- فقد امتنع ذلك الجدال، وإن كان الرجوع لم يمنع العلماء من الاجتهاد في نطاق النصوص والفروع، وهو مجال الاجتهاد عند أئمة المسلمين. وفي الآداب العامة اختفي السب والشتم، وكان قد صار أقل ما يرمى به خصم من خصمه عند النّزاع أو بغيره، وقد كانت المساواة التي فرضت بين الأفراد عامة سببا في ارتفاع السب والشتم من الأسواق. ومع هذا الارتفاع فقد كان الإمام يعظ أن يرتفع دائما، وكان الأمير يراقبه فلا يقع بين الخصوم على سبيل الجد أو سبيل المزاح١. فإذا وقع فيه آثم رفع أمره إلى الحاكم الشرعي فإن ثبت أنه ارتكبه حكم عليه بالتعزير٢. وكما حرم السب والشتم على الناس عامة حرم على الأمير، أليس الناس متساوين؟! وارتكب الأمير عبد العزيز الذنب أو هفا الهفوة فسب رجلا لعله أضجره في مجلسه، ولكنه لم يقترف ما يدعو إلى أن يخرج الأمير عن وقاره فلما انقضى المجلس مضى الرجل إلى محمد بن عبد الوهاب فشكا إليه الأمير، فأرسل إليه الشيخ أن يأتيه، فلما جاءه أجلسه مع خصمه ولم يفرق بين مجلسيهما وقال: إن الدين لا يسعه إلا هذه المساواة. ثم تخاصما، فاعترف الأمير بذنبه، وعرض على خصمه أن يشتري

стр. 103

المسبة بالفداء، فأبى الرجل، فعزز حاكم الشرع -وكان هو الإمام محمد بن عبد الوهاب- أن يؤدب المذنب بالعصا ككل الناس، وتلقى الأمير الضرب وهو يقول: سمعا وطاعة لما يحكم به الشرع الحنيف. وسرى الخبر إلى آل سعود وإلى الرعية، فحمد جميع الناس هذه العدالة التي تنتمي إلى الفضل والنبل، وصارت سابقة في الحكم أقرها من بعده ولده سعود وحفيده عبد الله بن سعود١. وأما في التعليم فقد حرص محمد بن عبد الوهاب على نشر العلوم المرغوبة، وحث أن يتعلم الناس ما تعلمه هو من قبل، من علوم الآلات: آلات العربية من نحو وشعر وبلاغة وبيان، وحض على أن يتعلم المتعلمون في مدارسهم وبيوتهم ومجتمعاتهم شعر الحماسة، والشعر الذي يحث على التخلق بالمكارم والاستمساك بأهداب الدين. وهذا الباب في لغتنا أهملته الدول العربية فلم يعد له من ظهير يشد ظهره ويقوي شأنه، وأطلقوا للمعلمين وطلبة العلم أعنة البرامج، يعرفون من الشعر ما يسلك بهم كل سبيل إلا سبيل الجد، وشاعت في فصول الدراسة القاعدة التي تقول "إذا سلك الشعر سبيل الخير لان" ٢، وفي ذلك إطلاق للغرائز وتحسين للشر ومخالفة لآداب الدين وسنة الأولين. ولكن ابن عبد الوهاب لم يفته ذلك، وكأنه وحده الذي بقي على القويم من دينه والإخلاص لأمته، ففرض أن يكون الشعر الذي يقبل عليه المتعلمون هو شعر الحماسة وشعر الدين، وكان ذلك منه اقتداء بإمامه أحمد بن حنبل الذي كانت له قصة في هذا الشأن مع أبي العباس ثعلب نضو أبي العباس المبرد -وكانا معا إمامي العصر العباسي كله في اللغة والأدب والشعر-:

стр. 104

سمع ثعلب من الإمام أحمد شعرا أملاه أحمد عليه، وروى في شأنه ثعلب قال: كنت أحب أن أرى أحمد بن حنبل فصرت إليه فرأيت رجلا كأن النار توقد بين عينيه، فسلمت عليه فرد وقال: من الرجل؟ قلت: ثعلب. قال: ما الذي تطلب من العلم؟ قلت: القوافي والشعر ونحو العربية، ولقد وددت أني قلت غير ذلك -فلعله رأى الإمام قد تغير- فقال أحمد: اكتب، ثم أملي علي: إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل عليّ رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما تخفي عليه يغيب لهونا عن الأيام حتى تتابعتْ ... ذنوب على آثارهن ذنوب فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ... ويأذن في توباتنا فنتوب١ وهكذا ضرب أحمد بن حنبل لمعلم عصره مثل الشعر الذي يجب أن يستمليه وأن يعلمه. وقد تأثر ثعلب فكان له شعر في الباب الذي علمه إياه الإمام يقول فيه: رب ريح لأناس عصفت ... ثم ما إن لبثت أن ركدت وكذاك الدهر في أفعاله ... قدم زلت وأخرى ثبتت وترى الأيام من عاداتها ... أنها مفسدة ما أصلحت ثم تأتيك مقادير لها ... فترى مصلحة ما أفسدت٢ وأوصى محمد بن عبد الوهاب أن يتعلم المتعلمون جميعا السير والتاريخ إذ لا غنى عنها لأمير أو معلم أو فقيه أو متعظ. ثم أوصى بإيثار علوم

стр. 105

الدين والتفرغ لها، ولن يكون أئمة في هذه الملة إلا إذا تفرغوا لهذه العلوم. وقد حسب بعض الأتباع -فيما بعد- أن الإمام كان خصما لما عدا علوم الدين من علوم، ولكن أحدا منهم لم يدل بحجة في أن الإمام منع الناس أن يتعلموا ما ينفعهم ويرفع شأنهم في دنياهم من علوم الدين وعلوم الدنيا، وقد تعلم هو منها حتى ارتوى، فمضى أمر التعلم على سجيته السمحة في الدولة الأخيرة، وكان الفضل لذوي العلم البصراء من آل الشيخ الإمام. وقد تشبثت الإمارة السعودية الأولى في نجد بأن ترسل معلميها إلى النواحي لئلا يقتصر التعليم الديني على نجد ففرض أيضا على القبائل والبلدان التي تطلبه والتي لا تطلبه، لأن علماء نجد درسوا على الشيخ الإمام وكانوا من أهله ومن غير أهله، فصاروا أوسع الناس معرفة بحدود التوحيد وبكل ما يخرجه عن هذه الحدود. مطاردة الأوهام: ولقد يكون في الإمكان أن تنشأ دولة قد انتظمت فيها الأمور وتحددت الحدود وعني فيها بالتعليم واستقرار الأمن من حيث تكون دولة كافرة بالألوهية أو وثنية مشركة، ولا تكون دولة إسلامية إلا إذا برئت عقيدتها من الكفر وتنَزهت هي وطقوسها عن عبادة الأوثان واتخاذ الشركاء، وصار مآل أنظمتها كلها في خدمة عقيدة التوحيد. وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران من الآية ١١٠] ، إنما هو تقرير بأن الأمة الإسلامية هي الوسط

стр. 106

أو هي خير أمة أخرجت للناس، وكان ذلك لأن الإسلام افترض على متبعيه أن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر، فلا يميل بهم الجور على أنفسهم ولا على الناس، وهذا خلق الأمة الإسلامية والذي لم يزل يميزها فلا يشتط لها هوى ولا يمتد منها أذى. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليسا شيئا واحدا، وإنما هما قسيمان، وأولهما أيسر من ثانيهما، والأمر بالمعروف أيسر من الائتمار به فقد يأمر به آمر ولا يعمل به، لأن العمل أثقل على النفس من القول، ولأن العمل عبئه على النفس لا على الغير. والنهي عن المنكر أيسر من الانتهاء عنه، إذ النفس لو وقعت في عادة من عادات السوء كرهت من ينهاها عنها، وهي أشد كرها لمن يعمل على انتزاعها منها. وهذه الحال الأخيرة من النهي عن المنكر والانتهاء عنه هي التي تعرض لها محمد بن عبد الوهاب حين جاء بإصلاحه لتجريد التوحيد، فكان إصلاحه كله قولا بالنهي وعملا للانتزاع، فبدا الأمر بالغ الصعوبة عصيا على الإصلاح، ولكنه لم يأبه بصعوبة ولا عصيان. وكانت أوهام العادات قد سيطرت على الناس رؤوسا وأوساطا وأذنابا، فالأمراء والرؤساء غارقون في أوهام الألقاب والمناصب والشهوات، والأوساط غارقون في أوهام الرياء والنفاق للتقرب إلى الرؤساء والتغلب على الأذناب، وخشاش الناس غرقى في أوهام الذل لرؤسائهم يستشفعون بالأوساط لديهم لعلهم يرحمون. وعمل ابن عبد الوهاب على إنقاذ الغرقى جميعا من أوهامهم وانتزاعهم من الأعماق التي غاصوا إليها، ولم يفرق بين ذنب ووسيط ورئيس، إلا بقدر الصورة التي غشيته من الوهم والخداع. أما الرؤساء فبأن ينخلعوا عن الألقاب والتعالي على الناس وجحدان

стр. 107

أحكام الشرع وتسمية الضعفاء بالعبيد والإماء١. وأما الأوساط فبأن ينخلعوا عن التشبه بالأمراء والرؤساء فيسمي الرجل منهم نفسه برئيس الرؤساء وسلطان العلماء وقاضي القضاة، أو يحاول ذو العقل الواهم منهم أن يتألى٢ على الله أو يشتط في التأويل أو ينكر القدر أو يجحد أسماء الله وصفاته، أو يدعي الكهانة أو السحر أو التنجيم. وأما عامة الناس فبأن ينخلعوا عن الذل والخوف والجهل فلا يعبدوا غير الله وحده ولا يستشفعوا بسواه ولا يتقربوا إلا له، وأن يطرحوا عنهم كل وهم في ند أو شريك أو وسيلة من الوسائل تستجلب نفعا أو تدفع ضرا غير الدعاء الخالص والعمل الصالح الذي يكون لوجه الله وحده وباسمه وحده٣. وانتزاع العادات السيئة من هذه الطوائف الثلاث التي تكون الأمة جميعها قد تعرض لها محمد بن عبد الوهاب ثلاث مرات: مرة بالنصح، ومرة بالكتابة والتدوين اللذين يدل عليهما كتاب التوحيد، ومرة ثالثة بالتنفيذ حينما تولى إدارة شؤون الدولة هو ومحمد بن سعود حينا، وحينا ثانيا مع عبد العزيز بن محمد بن سعود. وعلى طريق واحد اجتمعت الأمة في الجزيرة العربية في الفهم والوعي والقصد، واتجهت الأفئدة والأبصار، وتيقظت المشاعر والعقول، واحتشدت الأبدان والجهود في الطريق الواحد الذي يخلو من أهواء الشبع والجشع والرغبة في الثراء والجاه وحب التحكم والسلطان، كما تحررت نفوس الضعفاء من الخوف ومن المذلة والهوان.

стр. 108

وظهرت لعيون المسلمين - بعد طمس دامس في زمان طويل- صورة زاهية لمحاسن دينهم الكريم، وما صوره الدين للحياة الشريفة والموت الشريف، وما رسمه من القول المسموع والعمل المقبول. وفي طريق واحد ذي تيار واحد اختلطت حبات مياهه فصارت لجة واحدة وبحرا هادرا وسلوكا قويما من إخلاص وصدق وعمل حق، وتصاعدت به القوة كل يوم وكل ساعة، وما لبثت الدولة أن عوضت ما فات الناس في أزمنة الجهل والضياع، إذ رجعت إلى البداية الكريمة التي بدأ عندها الإسلام فانتظم البلاد والأقوام.

стр. 109

ضمان الانتصار فضل البادية دعوة نجد الجديدة -أو الإصلاح النجدي- تأثيرا بالغا، فأرجع الناس في نجد والجزيرة وفي خارجها من قريب ومن بعيد إلى معرفة وحدانية الله خالصة من شوائب الشركين: الأكبر والأصغر. وسواء في ذلك من قبل الدعوة طائعا ومن عارضها منكرا ومن افترى عليها كاذبا. وقضت الدعوة قضاء مبرما على كل ما كان شائعا في نجد خاصة من خرافة الأغوار والأشجار والرفات المبعثرة في القبور. وعرف الناس ما صفا من الفكر وما استقام من المناسك والعبادات مما أرشدتهم إليه الدعوة أو نهتهم عنه في العظات والدروس التي ألقاها الإمام، وفي الرسائل التي تركها، وفي الشروح التي صنفها أولاده وأحفاده، وأصبحت صلاة الجماعة الركن الركين في مجتمع الجزيرة لا يتخلف عنها قائم ولا قادم، فتحقق ما أوصى به الإمام أحمد في كتابه "الصلاة" وكان محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من أول المستجيبين. وفي عهد السعودية الأولى من أيام محمد بن سعود إلى أيام عبد الله بن سعود بن عبد العزيز كانت نظم الشريعة الغراء أسسا قام عليها البناء وأرسي الحكم في كل مرفق من مرافق الحياة. وفرض هذا النظام مقاما كريما لعلماء الدين -من غير غلو- لم يحلم به علماء أي مصر من الأمصار- بعد العز بن عبد السلام وابن دقيق العيد

стр. 110

والنووي في عصر المماليك وأول حكم العثمانيين١ -وصار لمن يتولى القضاء أو الإفتاء منهم مكان مرموق. أما آل الشيخ جميعا فقد صار إجلالهم في النفوس إجلال الهداة المرشدين. واقترن اسم آل الشيخ وآل سعود بعقيدة التوحيد وأعمال التطهير فأطلق عليهم اسم الموحدين واسم المطهرين ولقبوا بأهل السنة وأهل الحديث، وكان جديرا بأن يطلق عليهم أيضا أهل القرآن. وكان الحماس للمذهب في إقليم العارض باليمامة أشد ظهورا منه في أي جهة من جهات الجزيرة٢. وذلك لأمرين متضادين: الأول أنهم كانوا أول من عارض المصلح فعوضوا التأخر في الاتباع بالحماس، والثاني أن الداعية المصلح كان منهم فهو حماس الاعتزاز بالقريب ينهض للحق وينهض أهله معه، وكان حماسا مشكورا لأنه للإسلام الذي يدين به من قديم أهل هذا الحماس. وهذان الأمران كلاهما لسبب قريب، وربما كان هناك سبب خفي بعيد، ربما كان أثره باقي الوراثة في هذا الإقليم: فاليمامة كانت بلد يحيى بن أبي كثير الذي كان في الطبقة الرابعة من علماء الرواية، ولحق به عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي وسمع منه الحديث وأعجب بزهده وتحزنه وعلمه. ويحيى هذا مات في آخر الأموية أيام مروان بن محمد آخر خلفائها٣. وكان العلم والفقه في أيامه قد انتشر في البادية فأينعت منه واخضرت، وصارت فيها مدارس الحديث ومقاصده، ولم ينحصر في المدن التي تكثر فيها الغاشية من العلماء والطلاب وجمهور
следующие страницы →