← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1117

السبر عند المحدثين

عبد الكريم جراد

Полный текст (515 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقدْ بيَّنَ ابنُ الصَّلاحِ ذلكَ في موطنٍ آخرَ فقالَ: «وَإِنْ لَمْ نَسْتَوفِ النَّظَرَ المُعَرِّفَ لِكَونِ ذَلِكَ المُحَدِّثِ فِي نَفْسِهِ ضَابِطَاً مُطْلَقَاً، وَاحْتَجْنَا إِلَى حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِ اعْتَبَرنَا ذَلَكِ الحَدِيثَ وَنَظَرنَا هَلْ لَهُ أَصْلٌ مِنْ رِوَايَةِ غَيرِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ طَرِيقِ الاِعْتِبَارِ فِي النَّوعِ الخَامِسِ عَشَرَ» (١). وقدْ أوضحَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» ما يُلتبسُ على كلامِ ابنِ الصَّلاحِ، فقالَ: «مَعْرِفَةُ الاِعْتِبَارِ وَالمُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ: قُلْتُ: هَذِهِ العِبَارَةُ تُوهِمُ أَنَّ الاِعْتِبَارَ قَسِيمٌ لِلمُتَابَعَةِ وَالشَّاهِدِ وَلَيسَ كَذَلِكَ، بَلِ الاِعْتِبَارُ هُوَ الهَيئَةُ الحَاصِلَةُ فِي الكَشْفِ عَنِ الُمتَابَعَةِ وَالشَّاهِدِ، وَعَلَى هَذَا فَكَانَ حَقُّ العِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ: مَعْرِفَةُ الاِعْتِبَارِ لِلمُتَابَعَةِ وَالشَّاهِدِ، وَمَا أَحْسَنَ قَولَ شَيخِنَا فِي مَنْظُومَتِهِ: الاِعْتِبَارُ سَبْرُكَ الحَدِيثَ هَلْ … شَارَكَ رَاوٍ غَيرَهُ فِيمَا حَمَلْ فَهَذَا سالم من الاعتراض والله أعلم» (٢). وأقولُ هُنَا - واللهُ أعلمُ -: الأولى في العبارَةِ أنْ تكونَ: معرفةُ المتابعةِ والشَّاهدِ لغرض الاعتبارِ، أي لقياسِ هذِهِ الرِّوايةِ على غيرِهَا مِنَ الرِّواياتِ، لمعرفةِ التَّفرُّدِ مِنْ عدمِهِ. وأمَّا الهيئةُ الحاصلةُ في الكشفِ عنْ طرقِ الحديثِ فهوَ السَّبرُ. ولذا نجدُ أنَّ ابنَ حجرٍ بعدَ كلامِهِ هذَا رجعَ إلى قولِ العراقيِّ في تفسيرِ الاعتبارِ بالسَّبرِ، وفي هذَا بيانٌ جليٌّ أنَّ السَّبرَ هوَ آلةُ الاعتبارِ التي يُتوصَّلُ مِنْ خلالِهَا للمتابعِ

стр. 37

والشَّاهدِ، وقولِهِ للمتابعِ والشَّاهدِ: لأنَّهما السَّبيلَ لنفيِ التَّفرُّدِ عَنِ الرَّاوي والمرويِّ، ومعرفةِ أنَّ للحديثِ أصلاً يرجعُ إليهِ، قالَ ابنُ حجرٍ: «وَاعْلَمْ أَنَّ تَتَبُّعَ الطُّرُقِ مِنَ الجَوَامِعِ وَالمِسَانِيدِ وَالأَجْزَاءِ لِذَلِكَ الحَدِيثِ الذِي يُظَنُّ أَنَّهُ فَردٌ، لِيُعْلَمَ هَلْ مُتَابَعٌ أَمْ لَا، هُوَ الاِعْتِبَارُ» (١). وعلى هذَا جرى السُّيوطيِّ في تعريفِهِ للاعتبارِ (٢). وكذَا الصَّنعانيُّ، حيثُ قالَ: «الاِعْتِبَارُ عِنْدَهُمْ: طَلَبُ التَّوَابِعِ وَالشَّوَاهِدِ التِي يُعْرَفُ بِهَا أَنَّ لِلحَدِيثِ أَصْلَاً» (٣). وكذا السَّخاويُّ، وابنُ جماعةَ، والحلبيُّ، والدَّهلويُّ (٤). فالاعتبارُ: ليسَ مجرَّدَ معرفةِ طرقِ الحديثِ، وإنَّمَا هوَ الغرضُ مِنْ معرفتِهَا، لأنَّ بمعرفةِ التَّابعِ والمشاهدِ مِنْ عدمِهِ، يتَّضحُ لنَا التَّفرُّدُ مِنْ عدمِهِ في الرَّاوي والمرويِّ، وكذَا معرفةُ أنَّ للحديثِ أصلاً أولا. وبيَّنَ القاسميُّ «ت ١٣٣٢ هـ» غرضَاً آخرَ للاعتبارِ، فقالَ: «الاِعْتِبَارُ: النَّظَرُ فِي طُرُقِ الحَدِيثِ لِيُلْحَقَ بِنَوعِهِ» (٥). وهذَا صحيحٌ لكنْ ليسَ على إطلاقِهِ لأنَّهُ عامٌ في كلِّ أنواعِ

стр. 38

علومِ الحديثِ المتعلِّقةِ بالمتنِ والإسنادِ، والصَّحيحُ المعتمدُ أنْ نقولَ: ليُلحقَ بنوعِهِ مِنْ حيثُ التَّفرُّدِ وعدمِهِ فحسبُ. ولنتأمَّلْ كلامَ ابنَ حجرٍ، حيثُ يقولُ: «وَالفَرْدُ النِّسْبِيُّ إِنْ وَافَقَهُ غَيرَهُ فَهُوَ المُتَابِعُ، وَإِنْ وُجِدَ مَتْنٌ يُشْبِهُهُ فَهُوَ الشَّاهِدُ، وَتَتَبُّعِ الطُّرُقِ لِذَلِكَ هُوَ الاِعْتِبَارُ». لذلكَ، أي: لغرضِ كشفِ المتابعةِ والشَّاهدِ فقطْ، وليسَ لكشفِ العلَّةِ ولا لإبرازِ الفائدةِ فهذِهِ مِنْ أغراضِ جمعِ الطُّرقِ على العمومِ الذي هوَ السَّبرُ، وإنْ كانَ كلُّ طريقٍ للحديثِ لا يعدُو كونَهُ متابعاً أو شاهداً. ومن استخداماتِ المحدِّثينَ للاعتبارِ قولهمْ في الرَّاوِي: «يُكْتَبُ حَدِيثُهُ عَلَى الاِعْتِبَارِ» (١). وقولُ الخطيبِ (٢) «ت ٤٦٣ هـ» في عبدِ اللهِ بنِ خَيرَانَ: «اِعْتَبَرْتُ كَثِيرَاً مِنْ حَدِيثِهِ فَوَجَدْتُهُ مُسْتَقِيماً» (٣). وهذهِ الأقوالُ تعنِي قياسُ مرويَّاتِ الرَّاوي على مرويَّاتِ الثِّقات للاعتدادِ بهَا أو طرحِهَا. بيدَ أنَّهُ تنبغي الإشارةُ إلى أنَّ بعضَ المحدِّثينَ استخدمُوا مصطلحَ الاعتبارِ مرادفَاً للسَّبرِ مِنْ هؤلاءِ: أَحمدُ بنُ حنبلٍ (٤) «ت ٢٦١ هـ» (٥).

стр. 39

وابنُ حِبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في أَكْثَرَ منْ موضِعٍ منْ كتابِهِ «الثِّقَاتُ» (١). وابنُ عَدِيٍّ «ت ٣٦٥ هـ» في «الكَامِلُ» (٢). وَالخَطِيبُ «ت ٤٦٣ هـ» في «تَاريخُ بغدادَ» (٣). اصْطِلَاحَاً: معرفةُ المتابعِ والشَّاهدِ، لبيانِ التَّفرُّدِ منْ عدمِهِ في الرَّاوي والمرويِّ، ولمعرفةِ هلْ للحديثِ أصلٌ أو لَا. وخلاصةُ القولِ: أنَّ السَّبرَ ليسَ قسيمَاً للاعتبارِ بلْ إنَّ السَّبرَ أداةٌ للاعتبارِ، والاعتبارُ غرضٌ منْ أغراضِ السَّبرِ كمَا يستخدمُ الاعتبارُ كمرادفٍ للسَّبرِ عندَ المحدِّثينَ والسَّبرُ قسيمٌ لجمعِ الطُّرقِ، ويزيدُ عليهِ بالاختبارِ والمقارنةِ ولهذَا الغرضِ كانَ اختيارُ مصطلحِ السَّبرِ على غيرِهِ مِنَ المصطلحاتِ الأخرى فهوَ آلةٌ، وتتعدَّدُ أغراضُهُ بتعدُّدِ صورِهِ، ليشملَ الرَّاوي، والمرويَّ سندَاً ومتنَاً. * * * ثَالِثَاً: التَّخْرِيجُ: لغةً: مصدرُ الفعلِ خرَّجَ، بمعنى أَظْهَرَ وَأَبْرَزَ. فالتَّخريجُ: هوَ الإِظهارُ والإِبرازُ.

стр. 40

والخروجُ نقيضُ الدُّخولِ، وقدْ أَخْرَجَهُ وَخَرَجَ بِهِ، ومنهُ قولُهُ تعالَى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح/ ٢٩]، وأَخْرَجَ الحديثَ: نَقَلَهُ بالأسانيدِ الصحيحةِ (١). واصْطِلَاحَاً: يُطلقُ التَّخريجُ على معانٍ عدَّةٍ عندَ المحدِّثينَ، ومنْ هذهِ المعانِي ممَّا يتَّصلُ بموضوعِ السَّبرِ معنَيَان، بيَّنهَا السَّخَاوِيُّ «ت ٩٠٢ هـ» بقولِهِ: «وَالتَّخْرِيجُ: إِخْرَاجُ المُحَدِّثِ الأَحَادِيثَ مِنْ بُطُونِ الأَجْزَاءِ وَالمَشْيَخَاتِ وَالكُتُبِ وَنَحْوِهَا … ، وَعَزْوِهَا لِمَنْ رَوَاهَا مِنْ أَصْحَابِ الكُتُبِ وَالدَّوَاوِينِ» (٢). الأَوَّلُ: إِخْرَاجُ الحَدِيثِ، أي: إظهارُهُ وإبرازُهُ منْ مصادرِهِ الحديثيَّةِ المسنَدَةِ. لأنَّ إخراجَ الحديثِ وإبرازَهُ هو المرحلةُ الأولَى منْ مراحلِ السَّبر. والثَّانِي: ذِكْرُ مَخْرَجِ الحديثِ، أي: إظهارُ وإبرازُ موضعِ خروجِهِ، وعزوِهِ إلى مكانِهِ منَ الكُتبِ الحديثيَّةِ المسنَدَةِ. وهوَ المقصودُ بقولِ السَّخَاوِيِّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَعَزْوِهَا لِمَنْ رَوَاهَا مِنْ أَصْحَابِ الكُتُبِ وَالدَّوَاوِينِ» (٣). وعلى هذا فالتَّخريجُ اصطلاحَاً: إِخْرَاجُ الحَدِيثِ مِنْ مَصَادِرِهِ الحَدِيثِيَّةِ المُسْنَدَةِ، وَعَزْوِهِ إليهَا. والتَّخريجُ مرادفٌ للسَّبر، لأنَّهُ المرحلةُ الأولى منْ مراحِلِ السَّبرِ. * * *

стр. 41

رابعاً: المُعَارَضَةُ: لغةً: عارضَ الكتابَ معارضةً وعِرَاضَاً: قابلَهُ بكتابٍ آخرَ، وصَيَّر فيهِ كلَّ ما في الآخرِ ومنهُ الحديثُ: «إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ كَانَ يُعَارِضُهُ القُرْآَنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَأَنَّهُ عَارَضَهُ القُرْآنَ مَرَّتَينِ» (١). أي كانَ يدارسُهُ جميعَ ما نزلَ منَ القرآنِ، منَ المُعارضَةِ: المقابَلَةِ. لأنَّ المحدِّث يقابِلُ أحاديثَهُ بأحاديثِ غيرِهِ لغرضِ الضَّبطِ. ومنهُ العَرْضُ على الشَّيءِ: كعرْضِ الذَّهَبِ على النَّارِ، لأنَّ المحدِّثَ يعرضُ مرويَّاتِ الضُّعفاءِ على مرويَّاتِ الثِّقاتِ ليختبِرَهَا ويوازنَهَا ويقارِنَ بعضهَا ببعضٍ، ويعلمَ مدى اتِّفاقهِا مع رواياتِ الثِّقاتِ من اختلافِهَا، لغرضِ الاعتبارِ. ومنهُ عَرْضُ الشَّيءِ بالشَّيءِ مُعَارَضَةً: منَ المقابلةِ والمقارنةِ والموازنةِ، لغرضِ بيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، لكشفِ علَّةٍ، أو وقوفٍ على فائدةٍ. فالمعارضةُ تعنِي: العَرْضَ، والمقابلةَ، والمقارنةَ، والموازنةَ (٢). وعلى هذَا فالمعارضَةُ في اصطلاحِ المحدِّثينَ تأتي لثلاثَةِ أغراضٍ: أولاً: المقابلةُ لغرضِ ضبطِ ألفاظِ المرويَّاتِ وتصحيحِهَا: وقد عَقَدَتْ كثيرٌ من كتبِ أصولِ الحديثِ باباً في المعارضَةِ بهذا المعنى (٣).

стр. 42

ومنه قولُ هشامِ بنِ عروةَ (١) «ت ١٤٦ هـ»: «قَالَ لِي أَبِي: أَكَتَبْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: عَارَضْتَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: لَمْ تَكْتُبْ!» (٢). ثانياً: مقابلَةُ وموازنَةُ المرويَّاتِ بعضِهَا ببعضٍ لبيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ فيما بينهَا لغرضِ كشفِ علةٍ أو وقوفٍ على فائدةٍ. ثالثاً: عَرْضُ مرويَّاتِ الرَّاوي الضَّعيفِ على مرويَّاتِ الثِّقاتِ للاعتبارِ بهَا أو طرحِهَا. ومنهُ قولُ ابنُ معينٍ (٣) «ت ٢٣٣ هـ»: «رُبَّمَا عَارَضْتُ بِأَحَادِيثِ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ أَحَادِيثَ النَّاسِ، فَمَا خَالَفَ فِيهَا النَّاسَ ضَرَبْتُ عَلَيهِ» (٤). والأغراضُ الثلاثةُ مقصودةٌ في بحثنَا هذَا، وأمَّا المعارضَةُ التي بمعنى المخالفَةِ، أي: مخالفةُ حديثٍ لآخرَ فهِيَ مطَّردَةٌ في استخداماتِ المحدِّثينَ، لكنَّهَا لا تتعلَّقُ بالسَّبرِ، وإنِّما تدخُلُ في بابِ مختلفِ الحديثِ ومُشكِلِهِ. النُّقْطَةُ الثَّانِيَةُ: المُصْطَلَحَاتُ المُتَعَلِّقَةُ بِالسَّبْرِ: وهيَ المفرداتُ التي يستخدمُهَا المحدِّثونَ، أو يكثُرُ تداولُهَا على ألسنتهِمْ وفي كتبهِمْ، والتي لا بُدَّ منهَا عندَ القيامِ بعمليَّةِ سبرِ الحديثِ الشَّريفِ، وتصحيحِهِ أو تضعيفِهِ.

стр. 43

أَوَّلَاً: السَّنَدُ: السَّند: لغةً: هو ما ارتفعَ وعلا عن سفحِ الجبلِ، لأنَّ المُسْنِدَ يرفَعُهُ إلى قائلِهِ. أو منْ قولِهم: «فلانٌ سَنَدٌ». أي: معتَمَدٌ، فسُمِّيَ الإِخبَارُ عنْ طريقِ المتنِ سنداً لاعتمادِ الحفَّاظِ في صحَّةِ الحديثِ وضعفهِ عليه (١). واصطلاحاً: الطَّريقُ الموصِلةُ إلى المتنِ (٢). * * * ثَانِيَاً: المَتْنُ: والمتنُ: لغةً: من المماتنَةِ، وهي: المباعَدَةُ في الغايةِ، لأن المتنَ غايةُ السندِ. أو منْ متنتُ الكبشَ: إذا شققتُ جلدةَ بيضتِهِ واستخرجتُهَا، وكأنَّ المُسْنِدَ استخرجَ المتنَ بسندِهِ. أو منَ المتنِ: وهو ما صلُبَ وارتفعَ من الأرضِ، لأن المُسْنِدَ يقوِّيهِ بالسندِ (٣). واصطلاحاً: ما ينتهي إليهِ السَّنَدُ منَ الكلامِ (٤). * * * ثَالِثَاً: الرِّوَايَةُ: لغةً: روى الحديثَ أوِ الشِّعرَ روايةً: حملَهُ ونقلَهُ، فهوَ راوٍ، جَمْعُ رُواةٍ، وراوِي الحديثِ أو الشِّعرِ: حامِلُهُ وناقِلُهُ.

стр. 44

و تأتي بمعنَى الإلقاءِ، روَى الحديثَ: أي: ألقاهُ على السَّامعينَ (١). والرِّوايةُ: الشَّيءُ المرويُّ، والرِّوايةُ والمرويَّاتُ: تُطلقُ عندَ المحدِّثينَ على الحديثِ، لأنَّهُ يُرْوَى، أي يُلقَى علَى السَّامعينَ. والرِّوَايةُ تَشملُ الحديثَ سَنداً ومتناً. وَمنهُ عِلمُ الحديثِ روايةً، فهو: «عِلْمٌ يَشْتَمِلُ عَلَى أَقْوَالِ النَّبيِّ ﷺ وَأَفْعَالِهِ وَتَقْرِيرَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَرِوَايَتِهَا، وَضَبْطِهَا، وَتَحْرِيرِ أَلْفَاظِهَا، أَوِ الصَّحَابيِّ، أَوِ التَّابِعِيِّ» (٢). رَابِعَاً: المُتَابَعَاتُ والشَّوَاهِدُ (٣): خامسًا: الطَّرِيقُ: لغةً: السَّبِيلُ، وتطرَّقَ إلى الأمرِ: ابتغى إليهِ سبيلاً (٤). والطَّرِيقُ عندَ المحدِّثينَ: هوَ السَّندُ، لأنَّهُ السَّبيلُ والطَّريقُ للوصولِ إلى المتنِ. سادسًا: المَدَارُ: لغةً: دارَ يدورُ، بمعنى: إذا طافَ حولَ الشَّيءِ، وإذا عادَ إلى الموضِعِ الذي ابتدَأَ منهُ.

стр. 45

والمدارُ: مَفْعَل: يكون مَوضِعَاً، ويكون مَصْدَرَاً، كالدَّوَرانِ (١). ويُطلقُ على نقاطِ التقاءِ الدائرةِ. ومنهُ مدارُ الحديثِ: لأنَّ الرَّاويَ يلتقِي عندَهُ جميعُ الرُّواةِ. اصطلاحاً: الرَّاوِي الذي تلتقِي عندَهُ أسانيدُ الحديثِ مهمَا تعدَّدَتْ (٢). * * *

стр. 46

المَبْحَثُ الثَّانِي: أَهَمِّيَّةُ السَّبْرِ، وَأَقْوَالُ الأَئِمَّةِ فِيهِ: اهتمَّ العلماءُ اهتمامَاً بالغَاً بحفظِ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ المطهَّرَةِ، ولذا وضعُوا قواعِدَ دقيقةً لصيانةِ السنَّةِ النَّبويَّة منَ الوضعِ والتحريفِ، وتمييزِ الصحيحِ من الضعيفِ، والمنقولِ من الموضوعِ، من خلالِ النَّظرِ والتَّدقيقِ في الأسانيدِ والمتونِ، وكانَ دأبُهُمْ في البدايةِ النظرَ في حالِ الرَّاوي من حيثُ الأهليةِ والأداءِ، والعدالةِ والضبطِ، ولمَّا كثرَ الرُّواةُ وتعدَّدتِ الأسانيدُ للحديثِ الواحِدِ وتعدَّدتِ المتونُ بتعدُّدِ أسانيدِهَا، كانَ لا بدَّ من المقارنَةِ والموازنَةِ والمعارضَةِ بينَ مرويَّاتِ الرُّواةِ لبيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ في الحديثِ، ومن ثُمَّ كشفِ عللِهِ وغوامضِهِ أو الوقوفِ على معانٍ زائدَةٍ فيهِ. فكانَ لسبرِ الأسانيدِ والمتونِ وجمعِهَا وموازنتِهَا واختبارِهَا أهميةٌ بالغةٌ عندهُم، فَقَلَّ ما تجدُ مصنَّفاً حديثيَّاً من كتبُ السُّنَّة وعلومِ الحديثِ، إلا ويعتمدُ السَّبر في إخراجِ حديثِهِ، أو استخرَاجِ العِلَّةِ، أو استقراءِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ في الأسانيدِ والمتونِ، وكذلك أئمَّةُ الجرحِ والتعديلِ يعتمدونَ على السَّبرِ في الحكْمِ على الرِّجَالِ ومروِيَّاتِهْم، قال السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَكَمْ فِي جَمْعِ طُرُقِ الحديثِ منْ فائدةٍ» (١). وَتظهرُ أهميَّةُ السَّبرِ في نواحٍ عدةٍ نبيُّنهَا فِي المطالبِ الآتيةِ:

стр. 47

المَطْلَبُ الأَوَّلُ: إِخْرَاجُ الحَدِيثِ: والمقصودُ بهِ عملُ المصنِّفينَ منَ الأئمَّةِ المحدِّثينَ، حيثُ قاموا بسبرِ طُرُقِ الحديثِ، لإخراجِ الصَّحيحِ وتصنيفهِ، وتمييزِهِ عمَّا سواهُ من الضَّعيفِ والموضوعِ، فألَّفوا بذلكَ كتبَ الصحيحِ، والسُّنَنِ، والمسانيدِ، والمعاجمِ، وكذلك كتبَ الضعيفِ. وأغلبُ عملِ أئمَّةِ الحديثِ المصنِّفينَ قامَ على سبرِ الحديثِ وانتقاءِ ما صنَّفوهُ من جملةٍ منَ الأحاديثِ بعد فرزِهَا وتمييزِهَا، وهو ما بيَّنهُ جمعٌ منهم، قال الإمامُ أحمد «ت ٢٤١ هـ»: «جَمَعْتُ فِي المُسْنَدِ أَحَادِيثَ انْتَخَبْتُهَا مِنْ أَكْثَرِ مِنْ سَبْعِمِئَةِ ألفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَاً» (١). والمرادُ بهذهِ الأعدادِ الطُّرُقُ لا المتونُ، فالانتخابُ تمَّ من طريقِ السَّبرِ لهذهِ الأحاديثِ وانتقائِهَا بعنايَةٍ. وقالَ البخاريُّ (٢) «ت ٢٥٦ هـ»: «أَحْفَظُ مِئَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ صَحِيحٍ، وَأَحْفَظُ مِئَتَي أَلْفِ حَدِيثٍ غَيرَ صَحِيحٍ، وَمَا أَدْخَلْتُ فِي كِتَابِ الجَامِعِ إِلَّا مَا صَحَّ، وَتَرَكْتُ الصِّحَاحَ الطِّوَالَ لِحَالِ الطُّولِ» (٣). وقالَ أيضاً: «صَنَّفْتُ كِتَابِي الصَّحِيحَ فِي ستَّ عَشَرَةَ سَنَةٍ، خرَّجْتُهُ مِنْ سِتِّمِئَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ» (٤).

стр. 48

وقالَ الإمامُ مسلمٌ (١) «ت ٢٦١ هـ»: «صَنَّفْتُ هَذَا المُسْنَدَ الصَّحِيحَ مِنْ ثَلَاثِمِئَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ مَسْمُوعَةٍ» (٢). وجعلَ الإمامُ مسلمٌ لكُلِّ حديثٍ موضِعَاً واحداً جمعَ فيهِ طرقَهُ التي ارتضاهَا، واختارَ فيهَا أسانيدَهُ المتعدِّدةَ وألفاظَهُ المختلفَةَ، ليسهُلَ النظرُ في وجوهِ الحديثِ وما بينَ سندِهِ ومتنِهِ من فروقٍ. وقالَ أبو داودَ (٣) «ت ٢٧٥ هـ»: «كَتَبْتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسَمِئَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، انْتَخَبْتُ مِنْهَا أَرْبَعَةَ آَلَافِ حَدِيثٍ وَثَمَانِمِئَةِ حَدِيثٍ فِي الأَحْكَامِ» (٤). والنَّسَائيُّ (٥) «ت ٣٠٣ هـ» انتخَبَ كتابَهُ المجتبَى منْ كتابِهِ «السننُ الكبرى»، وسارَ فيهِ على طريقةٍ دقيقةٍ جمعَ إليهَا فنَّ الإسنادِ، فجمعَ أسانيدَ الحديثِ الواحدِ في موطنٍ واحدٍ. ولمْ يخلُ مصنَّفٌ حديثيٌ منَ الاعتمادِ على السَّبرِ في إخراجِ حديثِهِ، وإظهارِهِ للنَّاسِ. * * *

стр. 49

المَطْلَبُ الثَّانِي: كَشْفُ العِلَّةِ: عِلْمُ العِلَلِ منْ أجلِّ علومِ السُّنَّة المطهَّرَةِ، لأنَّ بيانَ صِحَّةِ الحديثِ من ضعفهِ قائمٌ على هذا العلمِ الدَّقيقِ، قال الخطيبُ «ت ٦٤٣ هـ»: «مَعْرِفَةُ العِلَلِ أَجَلُّ أَنْوَاعِ عِلْمِ الحَدِيثِ» (١). وكمْ منْ حديثٍ فيهِ علَّةٌ معَ أنَّ ظاهرَهُ السَّلامَةُ، وهذا لا ينكشِفُ إلا منْ خلالِ السَّبرِ لأسانيدِ الحديثِ ومتونِهِ، لأنَّ السَّبرَ كمَّا بيَّنَّا آنفَاً يكونُ للسنَدِ والمتْنِ معَاً، قال ابنُ الصلاحِ (٢) «ت ٦٤٣ هـ»: «قَدْ تَقَعُ العِلَّةُ فِي إِسْنَادِ الحَدِيثِ وَهُوَ الأَكْثَرُ، وَقَدْ تَقَعُ فِي مَتْنِهِ، ثُمَّ مَا يَقَعُ فِي الإِسْنَادِ قَدْ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الإِسْنَادِ وَالمَتْنِ جَمِيعَاً، وَقَدْ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الإِسْنَادِ خَاصَّةً» (٣). إنَّ سبْرَ الأَسانيدِ والمتونِ وموازنتَهَا معَ بعضِهَا البعْضِ، هيَ منْ أدقِّ ما تَوَصَّلَ إليهِ المحدِّثُونَ من مسالكَ في سبيلِ كشفِ العلَّةِ وبيانِهَا، وذلكَ لدقَّةِ العلَّةِ وخفائِهَا وغموضِهَا، فلا يمكنُ معرفتُهَا إلا بالنَّظَرِ الثَّاقبِ، والتَّفحُّصِ الدَّؤوبِ للأسانيدِ والمتونِ.

стр. 50

قال ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «المُعَلَّلُ هُوَ مِنْ أَغْمَضِ أَنْوَاعِ عُلُومِ الحَدِيثِ وَأَدَقِّهَا، وَلَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا مَنْ رَزَقَهُ اللُه فَهْمَاً ثَاقِبَاً، وَحِفْظَاً وَاسِعَاً، وَمَعْرِفَةً تَامَّةً بِمَرَاتِبِ الرُّوَاةِ، وَمَلَكَةً قَوِيَّةً بِالأَسَانِيدِ وَالمُتُونِ» (١). وقالَ أيضَاً: «وَتَحْصُلُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِكَثْرَةِ التَّتَبُّعِ وَجَمْعِ الطُّرُقِ» (٢). وقدْ بيَّنَ الأئمَّةُ المحدِّثونَ أهميَّةَ السَّبر في كشفِ العلَّةِ، وبيانِ الخطأِ منَ الحديثِ، قالَ ابنُ المباركِ (٣) «ت ١٨١ هـ»: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يَصِحَّ لَكَ الحَدِيثُ فَاضْرِبْ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ» (٤). وقال ابنُ مَعينٍ «ت ٢٣٢ هـ»: «اُكْتُبِ الحَدِيثَ خَمْسِينَ مَرَّةً، فَإِنِّ لَهُ آَفَاتٍ كَثِيرَةً» (٥). وقالَ ابنُ المَدينيِّ «ت ٢٣٤ هـ»: «البَابُ إِذَا لمْ تُجْمَعْ طُرُقُهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ» (٦). وقالَ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «فَبِجَمْعِ الرِّوَايَاتِ، وَمُقَابَلَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ يَتَمَيَّزُ صَحِيحُهَا مِنْ سَقِيمِهَا» (٧). وقالَ الجوهريُّ (٨) «ت ٣٨١ هـ»: «كُلُّ حَدِيثٍ لَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ مِئَةِ وَجْهٍ فَأَنَا فِيهِ يَتِيمٌ» (٩).

стр. 51

وقالَ الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ»: «السَّبِيلُ إِلَى مَعْرِفَةِ عِلَّةِ الحَدِيثِ أَنْ يُجْمَعَ بَينَ طُرُقِهِ وَيُنْظَرَ فِي اخْتِلَافِ رُوَاتِهِ، وَيُعْتَبَرَ بِمَكَانِهِمْ مِنَ الحِفْظِ وَمَنْزِلَتِهِمْ فِي الإِتْقَانِ وَالضَّبْطِ» (١). وقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَالطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ العِلَلِ: جَمْعُ طُرُقِ الحَدِيثِ، والنَّظرُ في اختلافِ رواتِهِ، وفي ضبطِهِم وإتقانِهِم، فَيَقَعُ فِي نَفْسِ العَالِمِ العَارِفِ بِهَذَا الشَّانِ أَنَّ الحَدِيثَ مَعْلُولٌ، وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ فَيَحْكُمُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ، أَوْ يَتَرَدَّدُ فَيَتَوَقَّفُ فِيهِ» (٢). وقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالسَّبِيلُ إِلَى مَعْرِفَةِ سَلَامَةِ الحَدِيثِ مِنَ العِلَّةِ أَنْ يَجْمَعَ بَينَ طُرُقِهِ، فَإِنِ اتَّفَقَتْ رُوَاتُهُ وَاسْتَوُوا ظَهَرَتْ سَلَامَتُهُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا أَمْكَنَ ظُهُورُ العِلَّةِ، فَمَدَارُ التَّعْلِيلِ فِي الحَقِيقَةِ عَلَى بَيَانِ الاِخْتِلَافِ» (٣). فالتَّفرُّدُ، والمخالفةُ، والقرائنُ المرجِّحةُ هيَ السُّبلُ لإدراكِ علَّةِ الحديثِ، وهذهِ الثَّلاثةُ معتمدُهَا السَّبرُ وتتبُّعُ الطُّرقِ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَيُسْتَعَانُ عَلَى إِدْرَاكِهَا بِتَفَرُّدِ الرَّاوِي، وَبِمُخَالَفَةِ غَيرِهِ لَهُ، وَمَعَ قَرَائِنَ تَنْضَمُّ إِلَى ذَلِكَ، تُنَبِّهُ العَارِفَ بِهَذَا الشَّانِ» (٤).

стр. 52

وقدْ دعا الأئمَّةُ منَ المحدِّثينَ إلى كثرةِ مجالسةِ العلماءِ، وعدمِ الاقتصارِ على واحدٍ منهم، لينكشفَ بتعدُّدِ المجالسِ والرِّواياتِ زَللُ الرَّاوي، وخطأُ الرِّوايةِ، قالَ السَّختيانيُّ (١) «ت ١٣١ هـ»: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ خَطَأَ شَيخِكَ فَجَالِسْ غَيرَهُ» (٢)، وقالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» مبيِّناً فوائدَ مجالسِ الإملاءِ: «وَمِنْ فَوَائِدِهَا: اعْتِنَاءُ الرَّاوِي بِطُرُقِ الحَدِيثِ، وَشَوَاهِدِهِ، وَمُتَابِعِهِ، وَعَاضِدِهِ، بِحَيثُ بِهَا يَتَقَوَّى، وَيَثْبُتُ لِأَجْلِهَا حُكْمُهُ بِالصِّحَّةِ أَوْ غَيرِهَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيهَا إِظْهَارُ الخَفِيِّ مِنَ العِلَلِ، وَيُهذِّبُ الَّلفْظَ مِنَ الخَطَأِ» (٣). ولهذَا لمْ ينبرِ لهذَا العلمِ إلا قلَّةٌ منْ جهابذَةِ أئمَّةِ الحديثِ، ولمْ يبرز فيهِ إلا قلائلُ منْ أصحابِ هذا الشَّأنِ، كابن المَدينيِّ، وابن مَعينٍ، وابنِ حنبلٍ، وأبي زُرعةَ (٤)، وأبي حاتِمٍ (٥)، وأصحابِ الكتبِ السِّتَّةِ، وأبي بكرٍ البزَّارِ (٦)، والدَّارقُطنيِّ (٧).

стр. 53

قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «اِعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ عِلَلِ الحَدِيثِ مِنْ أَجَلِّ عُلُومِ الحَدِيثِ وَأَدَقِّهَا وَأَشْرَفِهَا، وَإِنَّمَا يَضْطَلِعُ بِذَلِكَ أَهْلُ الحِفْظِ والخِبْرَةِ وَالفَهْمِ الثَّاقِبِ» (١). وقالَ الحافظُ العَلائِيُّ «ت ٧٦١ هـ» بعدَ بيانِ عللِ الأحاديثِ: «التَّعْلِيلُ أَمْرٌ خفَيٌّ لَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا نُقَّادُ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ دُونَ الفُقَهَاءِ الَّذِينَ لَا اطِّلَاعَ لَهمْ عَلَى طُرُقِهِ وَخَفَايَاهَا» (٢). وَدِقَّةُ المحدِّثينَ هيَ التي دعتْ ابنَ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» للقَولِ: «وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ عِظَمُ مَوقِعِ كَلَامِ الأَئِمَّةِ المُتَقَدِّمِينَ، وَشِدَّةِ فَحْصِهِمْ، وَقُوَّةِ بَحْثِهِمْ، وَصِحَّةِ نَظَرِهِمْ وَتَقَدُّمِهِمْ بِمَا يُوجِبُ المَصِيرَ إِلَى تَقْلِيدِهِمْ فِي ذَلِكَ وَالتَّسْلِيمِ لَهُمْ فِيهِ» (٣). * * *

стр. 54

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: الوُقُوفُ عَلَى فَائِدَةٍ، أَوْ زِيَادَةِ مَعْنَىً: فمنْ خلالِ سبرِ الأسانيدِ والمتونِ ومقارنتِهَا ببعضهَا، يتَّضحُ الزَّائدُ في الحديثِ، سواءً كانتْ هذهِ الزِّيادةُ زيادةَ فائدَةٍ أو زيادَةً في المعنى، والوقوفُ على معنىً زائدٍ، أو على فائدةٍ في الحديثِ لا تقتصرُ على المتنِ فحسب، وإنَّما تشملُ السَّندَ والمتنَ معاً، وإنْ كانت في المتنِ أكثرُ، وقدْ أشارَ الإمامُ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ» إلى ذلكِ في مقدمةِ صحيحهِ، فقالَ: «وَإِنَّا نَعْمَدُ إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنُقَسِّمُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، وَثَلَاثِ طَبَقَاتٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى غَيرِ تَكْرَارٍ، إِلَّا أَنْ يَاتِيَ مَوضِعٌ لَا أَسْتَغْنِي فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنَىً، أَوْ إِسْنَادٍ يَقَعُ إِلَى جَنْبِ إِسْنَادٍ لِعِلَّةٍ تَكُونُ هِنَاكَ؛ لِأَنَّ المَعْنَى الزَّائِدَ فِي الحَدِيثِ المُحْتَاجِ إِلَيهِ يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍّ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الحَدِيثِ الذِي فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ، أَوْ أَنْ يُفَصِّلَ ذَلِكَ المَعْنَى مِنْ جُمْلَةِ الحَدِيثِ عَلَى اخْتِصَارِهِ إِذَا أَمْكَنَ» (١). فزيادةُ المعنى التي ذكرَهَا الإمامُ مسلمٌ ﵀ هيَ التي تتكشَّفُ من خلالِ سَبرِ الأسانيدِ وجمعِ المتونِ وموازنتِهَا، ولكنْ حتَّى تكونَ هذهِ الزِّيادةُ معتبرةً لا بدَّ من صحَّةِ السَّندِ الموصِلِ إليهَا، وثقةِ الرَّاوي الذي جاءَ بهَا.

стр. 55

قالَ شعبةُ بنُ الحجَّاجِ (١) «ت ١٦٠ هـ»: «إِنَّمَا يُعْلَمُ صِحَّةُ الحَدِيثِ بِصِحَّةِ الإِسْنَادِ» (٢). وقال يحيى القطَّانُ (٣) «ت ١٩٨ هـ»: «لَا تَنْظُرُوا إِلَى الحَدِيثِ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى الإِسْنَادِ، فَإِنْ صَحَّ الإِسْنَادُ وَإِلَّا فَلَا تَغْتَرَّ بِالحَدِيثِ إِذَا لَمْ يَصِحَّ الإِسْنَادُ» (٤). وقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في «الفتحِ»: «المُتَعَيِّنُ عَلَى مَنْ يَتَكَلَّمُ عَلَى الأَحَادِيثِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَهَا، ثُمَّ يَجْمَعَ أَلْفَاظَ المُتُونِ إِذَا صَحَّتِ الطُّرُقُ، وَيَشْرَحَهَا عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فَإِنَّ الحَدِيثَ أَولَى مَا فُسِّرَ بِالحَدِيثِ» (٥). وهوَ الشَّرطُ الذي اشترطَهُ في «الفتحِ»، فقالَ: «أَسْتَخْرِجُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي ذَلِكَ الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ المَتْنِيَّةِ وَالإِسْنَادِيَّةِ، مُنْتَزِعَاً كُلَّ ذِلَكَ مِنْ أُمَّهَاتِ المَسَانِيدِ وَالجَوَامِعِ وَالمُسْتَخْرَجَاتِ وَالأَجْزَاءِ وَالفَوَائِدِ، بِشَرْطِ الصِّحَّةِ أَوِ الحُسْنِ فِيمَا أُورِدُهُ مِنْ ذَلِكَ» (٦). والحديثُ لا يُحاطُ بمعانيهِ ولا تُدركُ مغازِيهِ، إلا حينمَا نَجمعُ بينَ ألفاظِهِ، قالَ ابنُ مَعينٍ «ت ٢٣٢ هـ»: «لَو لم نَكْتُبِ الحَدِيثَ مِنْ ثَلَاثِينَ وَجْهاً مَا عَقَلْنَاهُ» (٧).

стр. 56

وقالَ ابنُ دقيقٍ (١) «ت ٧٠٢ هـ»: «عَلَى طَالِبِ التَّحْقِيقِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَ الحَدِيثِ، وَيُحْصِيَ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ فِيهِ، وَيَاخُذَ بِالزَّائِدِ فَالزَّائِدِ، فَإِنَّ الأَخْذَ بِالزَّائِدِ وَاجِبٌ» (٢). وعقَّبَ الشَّوكانيُّ (٣) «ت ١٢٥٠ هـ» على قولِهِ قائلاً: «فَجَمَعْنَا مِنْ طُرُقِ الحَدِيثِ مَا تَدْعُو الحَاجَةُ إِلَيهِ، وَتَظْهَرُ لِلاِخْتِلَافِ فِي أَلْفَاظِهِ مَزِيدُ فَائِدَةٍ، وَعَمِلْنَا بِالزَّائِدِ فَالزَّائِدِ مِنْ أَلْفَاظِهِ» (٤). وَكَمْ لَفظَةٍ غريبَةٍ أو مُصحَّفةٍ في متن حديثٍ وَرَدتْ مُفسَّرَةً ومضبوطَةً في حديثٍ آخرَ وَكَمْ من حديثٍ مُشْكِلٍ زالَ إشكَالُهُ بروايَةٍ أُخْرَى، أو علَّةٍ أصوليَّةٍ لا تستبينُ إلا منْ خلالِ روايةٍ أخرى تبيِّنُ سببَ ورودِ الحديثِ والواقعةَ التي نشَأ لأجلهَا، وقدْ يكونُ عامَّاً في حديثٍ وله مخصِّصٌ في آخرَ، أو مُطلقاً وله مُقيِّدٌ، أو مُجملاً ومُبيَّناً في آخر، ورُبَّ اسمٍ مُبهمٍ وردَ في حديثٍ وجاءَ مصرَّحاً بهِ في آخرَ، أو تكونُ فيهِ زيادَةُ ثقةٍ تأتي بزيادَةِ معنَىً وفائدَةٍ … الخ. قالَ ابنُ حنبلٍ: «٢٤١ هـ»: «الحَدِيثُ إِذَا لَمْ تُجْمَعْ طُرُقُهُ لَمْ تَفْهَمْهُ، وَالحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضَاً» (٥).

стр. 57

وقالَ الأثرمُ (١) «ت ٢٦١ هـ»: «الأَحَادِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضَاً، وَيُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضَاً» (٢). وقال ابنُ دقيقٍ العيدِ «ت ٧٠٢ هـ»: «الحَدِيثُ إِذَا اجْتَمَعَتْ طُرُقُهُ فَسَّرَ بَعْضُهَا بَعْضَاً» (٣). وقالَ أبو زُرعةَ (٤) «ت ٨٢٦ هـ»: «وَالحَدِيثُ إِذَا جُمِعَتْ طُرُقُهُ تَبَيَّنَ المُرَادُ مِنْهُ، وَلَيسَ لَنَا أَنْ نَتَمَسَّكَ بِرِوَايَةٍ وَنَتْرُكَ بَقِيَّةَ الرِّوَايَاتِ» (٥). وَهَذَا في المتنِ، أمَّا الإسنادُ فتتمخَّضُ عنهُ من خلالِ السَّبرِ فوائدُ عدَّةٌ، كتقويَةِ الأحاديثِ بعضهَا ببعضٍ، وقد يردُ حديثٌ مُنقطعٌ أو مُرسلٌ ويأتي في آخرَ متَّصِلاً، أو موقوفٌ أو مقطوعٌ وفي آخرَ مرفوعاً، أو إسنادٌ نازلٌ وفي آخرَ عالياً، وبه - أي بالسَّبرِ - يتميَّزُ المتواتِرُ من المشهورِ من الآحادِ، وتُرفَعُ الجهالةُ عن الرَّاوي، وكذلِكَ الإبهامُ، ويُعرَفُ المشْتَبِهُ من الرُّوَاةِ، ويتَّضحُ المزيدُ في متَّصلِ الأسانيدِ … الخ. قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ» مبيِّناً الوجهَ الثَّاني لمعرفَةِ صحَّةِ الحديثِ وسِقَمِهِ: «وَالوَجْهُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ الثِّقَاتِ، وَتَرْجِيحُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ الاِخْتِلَافِ، إِمَّا فِي الإِسْنَادِ، وَإِمَّا فِي الوَصْلِ وَالإِرْسَالِ، وَإِمَّا فِي الوَقْفِ وَالرَّفْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الذِي يَحْصُلُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَإِتْقَانِهِ وَكَثْرَةِ مُمَارَسَتِهِ الوُقُوفُ عَلَى دَقَائِقِ عِلَلِ الحَدِيثِ» (٦). * * *

стр. 58

المَطْلَبُ الرَّابِعُ: الحُكْمُ عَلَى الرِّجَالِ، وَالاِعْتِبَارُ بِمَرْوِيَّاتِ الرُّوَاةِ: منْ أغراضِ سبرِ الأحاديثِ، الحُكْمُ على الرِّجَالِ مِنَ الرُّوَاةِ، أو على مرويَّاتِهِم، منْ خِلالِ عرضهَا على مرويَّاتِ الثِّقاتِ، فإنْ وافقتْ مرويَّاتُ الرَّاوي أحاديثَ الثِّقاتِ حُكمَ على الراوي بأنَّه ضابطٌ، وحُكِمَ على مرويَّاتِهِ بالقبولِ. ويجبُ أنْ يتوفَّرَ في الرَّاوي شرطَا العَدالةِ والضَّبطِ حتى يُحكمَ عليهِ وعلى مرويَّاتِهِ بالقبولِ، فقدْ يكونُ الرَّاوي في نفسِهِ صدوقَاً، لكنَّهُ ضعيفُ الضَّبطِ، فهذا يُكتبُ حديثُهُ للاعتبارِ بمرويَّاتِ الثِّقاتِ، والحُكْمُ من خلالها على ضبطِهِ. وقدْ يكونُ غيرَ ثقةٍ بتنصيصِ العلماءِ على ذلكَ، فهذا لا يُطرحُ حديثُهُ ولا يُرَدُّ، وإنَّمَا يُكتَبُ حديثُهُ للاعتبَارِ، أي: للعَرضِ على مرويَّاتِ الثِّقاتِ، وبيانِ مدى موافقتِهِ أو مخالفتِهِ لمرويَّاتِ الثِّقاتِ، ومنْ خلالِ السَّبرِ يتِمُّ الحكمُ على مرويَّاتِ الرَّاوي بالقبولِ أو الرَّدِّ. ولِذَا فالحكمُ على الرِّجالِ من خلالِ السَّبر، يختلفُ عنِ الحُكمِ على مرويَّاتِهم مِنْ خلالِهِ ويجتمعانِ ويفترقانِ، فلا يلزمُ من عدالةِ الرَّاوي ضبطُهُ، لأنَّهُ قد يطرأُ على الثِّقةِ ما يُخِلُّ في ضبطِهِ منْ اختلاطٍ بسببِ ضعفٍ أو مرضٍ واحتراقِ كتبٍ … الخ، وغالباً ما يكونُ الرَّاوي الضَّابطُ عدلاً، فلا بُدَّ من التَّمييزِ بينَ الأمرينِ: النُّقْطَةُ الأُولَى: الحُكْمُ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ: إنَّ تمييزَ الرُّواةِ الثِّقاتِ منَ الضعفاءِ، يتمُّ بإحدى ثلاثِ طرقٍ:

стр. 59

أولاً: تنصيصُ العلماءِ: ممنْ خَبَرَ حالَ الرُّواةِ وعاصرهُمْ، وهذا لا بدَّ فيهِ من الإدراكِ والمعاصرةِ. ثانياً: جمعُ أقوالِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ، والموازنَةُ بينهَا، وهذَا عملُ المتأخِّرينَ كالذَّهبيِّ وابنِ حجرٍ وغيرهِمَا. ثالثاً: سَبْرُ حَدِيثِهِ ومقارنَتُهُ معَ أحاديثِ الثِّقاتِ، وهو المقصودُ من بحثنَا هذَا. لمْ يقتصِرْ منهجُ المتقدِّمينَ في الحكمِ على الرِّجالِ على التَّنصيصِ، وإنَّما كانَ جُلُّ اعتمادهِمْ في الحكمِ على الرَّاوي أو لَهُ، والاعتدادُ بمرويَّاتِهِ أو طرحُهَا، هو سَبرُ حديثهِ ومقارنتُهُ معَ أحاديثِ الثِّقاتِ، والحكمُ على الرِّجالِ منْ خلالِ السَّبرِ فرعٌ عنِ الاعتبارِ بمرويَّاتِهِ، لأنَّهم يوَثِّقُونَ من عُرِفَ بالعدالَةِ وكانتْ جُلُّ أحاديثِهِ مستقيمةً، حتى يغلبَ على الظنِّ أن الاستقامةَ مَلَكَةٌ لذلكَ الرَّاوي، وغالبُ أحكامِ الأئمَّةِ على الرُّواةِ مبنيَّةٌ على السَّبرِ، حتَّى فيمنْ عاصروهُم، وشهدُوا على دينهِمْ واستقامتهِم، قال مسلم «ت ٢٦١ هـ»: «فَبِجَمْعِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَمُقَابَلَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ … تَتَبَيَّنُ رُوَاةُ ضِعَافِ الأَخْبَارِ مِنْ أَضْدَادِهِمْ مِنَ الحُفَّاظِ، وَلِذَلِكَ أَضْعَفُ أَهْلِ المَعْرِفَةِ بِالحَدِيثِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بنُ أَبِي خَثْعَمٍ وَأَشْبَاهِهِ مِنْ نَقَلَةِ الأَخْبَارِ، لِرِوَايَتِهِمُ الأَحَادِيثَ المُسْتَنْكَرَةَ التِي تُخَالِفُ رِوَايَاتِ الثِّقَاتِ المَعْرُوفِينَ مِنَ الحُفَّاظِ» (١).

стр. 60

وقالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ»: «الإِنْصَافُ فِي نَقَلَةِ الأَخْبَارِ: اِسْتِعْمَالُ الاِعْتِبَارِ فِيمَا رَوَوا» (١). وكثيراً ما يردُ على ألسنَةِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ القَولُ في الرَّاوي: «فلانٌ يُعتبرُ بِهِ»، «فلانٌ يصلحُ للاعتبارِ». وهو حُكْمٌ للرَّاوي بعدمِ طرحِ حديثهِ، حتى ينظرَ فيهِ ويعلمَ موافقتَهُ من مخالفتِهِ للأثباتِ منَ الرُّواةِ. كما إنَّ بعضَاً منَ الرُّواةِ لَم يردْ فيهمْ جرحٌ أو تعديلٌ، ولا يُعرَفُ فيهمْ ما يرفَعُ جهالَة حالهِم، فترتفِعُ الجهالَةُ عنِ الرَّاوي منهُم بروايَةِ اثنينِ عنهُ، وهذا لا يُدرَكُ إلا بسَبْرِ حديثِهِ، ومعرفَةِ من روى عنْهُ، معَ أنَّ ارتفاعَ الجهالةِ عن الرَّاوي لا تعنِي عدالَتَهُ، وعدالَتُهُ إنَّما تُعرفُ بتنصِيصِ العلماءِ وشهودهِمْ لهُ بذلكَ، ولا تستبينُ بالسَّبرِ كمَا سيأتي بيانُهُ (٢). وقد أشارَ لهذهِ القاعدةِ ابنُ عديٍّ «ت ٣٦٥ هـ» في ترجمَةِ ابنِ أبي الأشرسِ، فقالَ: «لَهُ غَيرُ مَا ذَكَرْتُ مِنَ الحديثِ، وَقَدْ سَبَرْتُ رِوَايَاتِهِ، فَلَمْ أَرَ بِهَا بَاسَاً، وَأَمَّا رَدَاءَةُ دِينِهِ فَهُمْ أَعْلَمُ بِهِ» (٣). وقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَيُعْرَفُ كَونُ الرَّاوِي ضَابِطَاً بِأَنْ تُعْتَبَرَ رِوَايَاتِهِ بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ المَعْرُوفِينَ بِالضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ، فَإِذَا وَجَدْنَا رِوَايَاتِهِ مُوَافِقَةً-وَلَو مِنْ حَيثُ المَعْنَى- لِرِوَايَاتِهِمْ، أَوْ مُوَافِقَةً لَها فِي الأَغْلَبِ، وَالمُخَالَفَةُ نَادِرَةٌ، عَرَفْنَا حِينَئِذٍ

стр. 61

كَونَهُ ضَابِطَاً وَثَبْتَاً، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ كَثِيرَ المُخَالَفَةِ لَهمْ عَرَفْنَا اخْتِلَالَ ضَبْطِهِ وَلَمْ نَحْتَجَّ بِحَدِيثِهِ» (١). وقال الزَّركشيُّ (٢) «ت ٧٩٤ هـ»: «يَنْبَغِي أَنْ يُسْبَرَ حَالُ الشَّخْصِ فِي الرِّوَايَةِ بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ» (٣). وَعَلى هذا فضبطُ الراوي واستقامَةُ حديثِهِ تُعرفُ بعرضِ رواياتِهِ على رواياتِ الثِّقاتِ، ليتبينَ قدرُ موافقتِهِ أو مخالفتِهِ أو تفرُّدِهِ، ويُعتبرُ حالُهُ في الإتقانِ بقدرِ ما وافقَ الثِّقاتَ، وحالُهُ في الجرحِ بحسبِ ما تفرَّدَ بهِ، أو خالفَ فيهِ الثِّقَاتِ، أو وافقَ المجروحينَ. قالَ الشَّافعيُّ (٤) «ت ٢٠٤ هـ»: «يُعْتَبَرُ عَلَى أَهْلِ الحَدِيثِ بَأَنْ إِذَا اشْتَرَكُوا فِي الحَدِيثِ عَنِ الرَّجُلِ، بِأَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى حِفْظِ أَحَدِهِمْ بِمُوَافَقَةِ أَهْلِ الحِفْظِ، وَعَلَى خِلَافِ حِفْظِهِ بِخِلَافِ حِفْظِ أَهْلِ الحِفْظِ لَهُ» (٥).

стр. 62

وقالَ الذَّهبيُّ (١) «ت ٧٤٨ هـ»: «أَكْثَرُ المُتَكَلَّمِ فِيهِمْ مَا ضَعَّفَهُمُ الحُفَّاظُ إِلَّا لِمُخَالَفَتِهِمُ الأَثْبَاتِ» (٢). وقدْ أشارَ المُعَلِّميُّ (٣) «ت ١٣٨٦ هـ» لهذهِ القاعدةِ في التَّنكيلِ، فقالَ: «مِنَ الأَئِمَّةِ مَنْ لَا يُوَثِّقُ مَنْ تَقَدَّمَهُ حَتَّى يَطَّلِعَ عَلَى عِدَّةِ أَحَادِيثَ لَهُ تَكُونُ مُسْتَقِيمَةً، وَتَكْثُرُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الاِسْتِقَامَةَ كَانَتْ مَلَكَةً لِذَلِكَ الرَّاوِي، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جُلَّ اعْتِمَادِهِمْ فِي التَّوثِيقِ وَالجَرْحِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبْرِ حَدِيثِ الرَّاوِي» (٤). النُّقْطَةُ الثَّانِيَةُ: الاِعْتِبَارُ بِمَرْوِيَّاتِ الرَّاوِي: الضَّابطُ الذي وضعهُ أئمَّةُ الحديثِ لقَبولِ مَرويَّاتِ الرَّاوي، هو موافقتُهَا لمرويَّاتِ الأثباتِ مِنَ الرُّواةِ، فبقدرِ الاتِّفاقِ والاختلافِ يتمُّ القبولُ أو الرَّدُّ، وبهذا المنهجِ النَّقديِّ يتميَّزُ المقبولُ من المردودِ من الأحاديثِ، فإذا كانَ الرَّاوي عدلاً مُستقيماً، عُرضَت مرويَّاتُهُ على مرويَّاتِ الثِّقاتِ لمعرفةِ حالِ روايتِهِ، ومدى ضبطهِ لمرويَّاتهِ.

стр. 63

قال ابنُ معينٍ «ت ٢٣٢ هـ»: «قَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيَّةَ يَومَاً: كَيفَ حَدِيثِي؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ مُسْتَقِيمُ الحَدِيثِ، قَالَ: فَقَالَ لِي: وَكَيفَ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ؟ قُلْتُ لَهُ: عَارَضْنَا بِهَا أَحَادِيثَ النَّاسِ، فَرَأَينَاهَا مُسْتَقِيمَةً» (١). أمَّا إذا كانَ الرَّاوي أقلَّ من الثِّقةِ رُتبةً، وأعلى منْ شديدِ الضَّعفِ، أي: محتملَ الضَّعفِ فهذا يُكتبُ حديثُهُ للاعتبارِ، ومعنى ذلكَ: أنَّ مروياتِهِ لا تُطرحُ ولا تُردُّ جملةً، وإنَّما تُكتبُ للنَّظرِ فيهَا ومعارضتِهَا بأحاديثِ الثِّقاتِ، فما وافقَ منها قُبِلَ، وما خالفَ منها رُدَّ، ومنهُ قولهم في مرويَّاتِ الرَّاوي: «اعْتَبَرْتُ حَدِيثَهُ فَوَجَدْتُّهُ صَالِحَ الحَدِيثِ، وَلَمْ أَجِدْ فِي حَدِيثِهِ حَدِيثَاً مُنْكَرَاً» (٢). وبهذا نُدركُ أهميَّة السَّبرِ عندَ المحدثينَ، كأساسٍ يقومُ عليهِ عملُهُم في التَّصحيحِ والتَّضعيفِ، والجرحِ والتعديلِ، فمدارُ هذا العلمِ عليهِ، وعمودُهُ الفِقريُّ الذي يقومُ بهِ. قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَعَجِيبٌ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ عَنِ الحَدِيثِ فَيَرُدُّ مَا فِيهِ صِرِيحَاً بِالأَمْرِ المُحْتَمَلِ، وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ إِلَّا إِيثَارُ الرَّاحَةِ بِتَرْكِ تَتَبُّعِ طُرُقِ الحَدِيثِ، فَإِنَّهَا طَرِيقٌ تُوصِلُ إِلَى الوُقُوفِ عَلَى المُرَادِ غَالِبَاً» (٣). * * *

стр. 64

المِبْحَثُ الثَّالِثُ: شُبُهَاتٌ وَإِشْكَالاتٌ: منْ خلالِ مبحثِ - أهميَّةِ السَّبرِ وأقوالِ العلماءِ فيهِ - تتجلَّى لنَا ثلاثُ مسائلَ مهمَّةٍ، وكلُّ واحدةٍ منْ هذهِ المسائلِ تُزِيلُ شبهةً أو تدفعُ إشكالاً مُثارَاً حولَ علمِ الحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ درايةً، وهذهِ المسائلُ هيَ: ١ - الأهميَّةُ البالغَةُ للسَّبرِ عندَ المحدِّثينَ منْ خلالِ أقوالِهِم، وتطبيقاتِهِم، وحثِّهِمْ على العملِ بِهِ كمنهَجٍ علميٍّ دقيقٍ. وتدفعُ إشكالَ ذمِّ بعضِ الأئمَّةِ منَ الاستكثارِ في جمعِ طُرِقِ الأحاديثِ. ٢ - عِلمُ درايَةِ الحديثِ مبنيٌّ على أسسٍ دقيقةٍ وقواعدَ راسخةٍ، وفي مقدِّمتِهَا السَّبرُ. وتزيلُ شبهةً أُثيرَتْ - اعتمادَاً على قولٍ لابنِ مهديٍّ: «إِنَّ هَذَا العِلْمَ إِلهَامٌ» - على أنَّ تعليلَ المحدِّثينَ نوعٌ منَ التَّخرُّصِ والتَّخمينِ، لا ينبني على أسسٍ أو قواعدَ، منْ غيرِ أنْ يُدركُوا أنَّ المرادَ بقولِ ابنِ مهديٍّ «حفظٌ، وملكةٌ، ودرايةٌ». ٣ - علمُ الحديثِ درايَةً بأسسِهِ وقواعدِهِ، شمَلَ كُلاً منَ السَّندِ والمتنِ على حدٍ سواء. وتُزِيلُ شبهةً أثارَهَا المستشرقُونَ وبعضُ الكتَّابِ العصريِّينَ، بأنَّ علماءَ الحديثِ غلَّبُوا المنهجَ النَّقديَّ للحديثِ على السَّندِ دونَ المتنِ. وإليكَ حلُّ هذهِ الإشكالاتِ، وإزالةُ الشُّبهاتِ، في المطالبِ الآتيةِ:

стр. 65

المَطْلَبُ الأَوَّلُ: الذَّمُّ مِنَ الاسْتِكْثَارِ مِنْ جَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ: معَ ما رأينا مِنْ حِرصِ أئمَّةِ الحديثِ على جمعِ طُرقِ الحديثِ ومتونِهِ، والحثِّ على ذلكَ، وعدِّهِ المنهجَ العلميَّ الأدقَّ لاكتشافِ عللِ الحديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ، فقدْ جاءتْ عباراتٌ منْ أهلِ العلمِ تذُمُّ إفناءَ العمرِ في جمعِ طرقِ الأحاديثِ وتتبُّعِ الأسانيدِ، منْ ذلكَ قولُ الرَّامَهُرمزِي (١) «ت ٣٦٠ هـ» في مُقدِّمةِ كتابِهِ «المحدثِ الفاصِلِ»: «فَتَمَسَّكُوا - جَبَرَكُمُ اللهُ - بِحَدِيثِ نَبِيِّكُمْ ﷺ ، وَتَبَيَّنُوا مَعَانِيهِ، وَتَفَقَّهُوا بِهِ، وَتَأَدَّبُوا بِآدَابِهِ، وَدَعُوا مَا بِهِ تُعَيَّرُونَ مِنْ تَتَبُّعِ الطُّرُقِ، وَتَكْثِيرِ الأَسَانِيدِ، وَتَطَلُّبِ شَوَاذِّ الأَحَادِيثِ … » (٢). ومَا وردَ عنْ حمزةَ بنِ محمَّدٍ الكِنانيِّ (٣) الحافظِ «ت ٣٥٧ هـ»، قال: «خَرَّجْتُ حَدِيثَاً وَاحِدَاً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مِئَتَي طَرِيقٍ، أَوْ مِنْ نَحْوِ مِئَتَي طَرِيقٍ، فَدَاخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ الفَرَحُ غَيرُ قَلِيلٍ، وَأُعْجِبْتُ بِذَلِكَ، فَرَأَيتُ لَيلَةً مِنَ الَّليَالِي يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ فِي المَنَامِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا، خَرَّجْتُ حَدِيثَاً وَاحِدَاً عَنِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ مِئَتَي طَرِيقٍ! قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "أَخْشَى أَنْ يَدْخُلَ هَذَا تَحْتَ «أَلْهَكُمُ التَّكَاثُرُ"» (٤).

стр. 66

قالَ الشَّاطبيُّ (١) «ت ٧٩٠ هـ» معقِّبَاً على هذهِ القصَّةِ: «هَذَا مَا قَالَ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الاِعْتِبَارِ لِأَنَّ تَخْرِيجَهُ مِنْ طُرُقٍ يَسِيرَةٍ كَافٍ فِي المَقْصُودِ مِنْهُ، فَصَارَ الزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ فَضْلَاً» (٢). ومِنهَا قولُ عمَّارِ بنِ رُزَيقٍ (٣) «ت ١٥٩ هـ» لابنِهِ، لمَّا رَأى تطلُّبَهُ للحَديثِ: «يَا بُنَيَّ اعْمَلْ بِقَلِيلِهِ تَزْهَدْ فِي كَثِيرِهِ» (٤). وَيُحمَلُ ذَمُّ تتبُّعِ الطُّرقِ والاستكثارِ منَ الأسانيدِ، على ما يأتي: ١ - أنْ يكونَ الجمعُ لغرضِ الجمعِ والحشوِ فحسب، منْ غيرِ تمييزِ الصحيحِ من الضعيفِ: طلباً للتباهي والكثرةِ فقط، وعلى هذا يُحمَلُ كلامُ ابنِ معينٍ «ت ٢٣٢ هـ» «أَخْشَى أَنْ يَدْخُلَ هَذَا تَحْتَ «أَلْهَكُمُ التَّكَاثُرُ»». وإلَّا فابنُ معينٍ «ت ٢٣٢ هـ» مِنْ أوائلِ منْ دَعَا إلى جمعِ الطُّرقِ، حيثُ قالَ: «لَو لَمْ نَكْتُبِ الحَدِيثَ مِنْ ثَلَاثِينَ وَجْهَاً مَا عَقَلْنَاهُ» (٥). وقدْ بيَّنَ الخطيبُ «٤٦٣ هـ» سببَ الذَّمِّ هذا بقولِهِ: «وَلَو لَمْ يَكُنْ فِي الاِقْتِصَارِ عَلَى سَمَاعِ الحَدِيثِ وَتَخْلِيدِهِ الصُّحُفَ، دُونَ التَّمْيِيزِ بِمَعْرِفَةِ صَحِيحِهِ مِنْ فَاسِدِهِ، وَالوُقُوفِ عَلَى اخْتِلَافِ وُجُوهِهِ، وَالتَّصَرُّفِ فِي أَنْوَاعِ عُلُومِهِ، إِلَّا تَلْقِيبُ المُعْتَزِلَةِ القَدَرِيَّةِ مَنْ سَلَكَ تِلْكَ

стр. 67

الطَّرِيقَةِ ب «الحَشَوِيَّةِ»؛ لَوَجَبَ عَلَى الطَّالِبِ الأَنَفَةُ لِنَفْسِهِ، وَدَفَعُ ذَلِكَ عَنْهُ وَعَنْ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ» (١). وقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» بعدَ أنْ ذكرَ إفرادَ العُلماءِ لبعضِ طُرقِ الأحاديثِ بالتَّأليفِ: «وَعَلِيهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ تَصْحِيحُ القَصْدِ، والحَذَرُ مِنْ قَصْدِ المُكَاثَرَةِ، وَنَحْوِهِ» (٢). ثمَّ ذكرَ قصَّةَ حمزةَ الكِنانيِّ معَ ابنِ معينٍ آنفَةِ الذِّكرِ. ٢ - أنْ يكونَ الجمعُ للمنكراتِ منَ الأسانيدِ، والغرائِبِ منَ المتونِ، مع إهمالِ الصَّحيحِ وإغفالِهِ: وقدْ ذكرَ ابنُ الجوزيِّ (٣) «ت ٥٩٧ هـ» تلبيسَ إبليسَ على أصحابِ الحديثِ، فقال: «قَومٌ اسْتَغْرَقُوا أَعْمَارَهُمْ فِي سَمَاعِ الحَدِيثِ، وَالرِّحْلَةِ فِيهِ، وَجَمْعِ الطُّرُقِ الكَثِيرَةِ، وَطَلَبِ الأَسَانِيدِ العَالِيَةِ، وَالمُتُونِ الغَرِيبَةِ» (٤). ثمَّ ذكرَ أنَّ هؤلاءِ على قسمينِ، فقالَ: «القِسْمُ الثَّاني: قَومٌ أَكْثَرُوا سَمَاعَ الحَدِيثِ وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُمْ صَحِيحَاً، وَلَا أَرَادُوا مَعْرِفَةَ الصَّحِيحِ مِنْ غَيرِهِ بِجَمْعِ الطُّرُقِ، وَإنَّمَا كَانَ مُرَادُهُم العَوَالِي وَالغَرَائِبَ، فَطَافُوا البُلْدَانَ لِيَقُولَ أَحَدُهُمْ: «لَقِيتُ فُلَاناً، وَلِي مِنَ الأَسَانِيدِ مَا لَيسَ لِغَيرِي» وَ «عِنْدِي أَحَادِيثُ لَيسَتْ عِنْدَ غَيرِي»» (٥).

стр. 68

وقالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» مبيِّنَاً ما ينبغِي على طالبِ الحديثِ أنْ يقومَ بجمعِهِ مِنْ الطُرقِ والأسانيدِ: «يَنْبَغِي لِلْمُنْتَخِبِ أَنْ يَقْصِدَ تَخَيُّرَ الأَسَانِيدِ العَالِيَةِ، وَالطُّرُقِ الوَاضِحَةِ، وَالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، والرِّوَايَاتِ المُسْتَقِيمَةِ، وَلَا يُذْهِبَ وَقْتَهُ فِي التُّرَّهَاتِ، مِنْ تَتَبُّعِ الأَبَاطِيلِ وَالمَوضُوعَاتِ، وَتَطَلُّبِ الغَرَائِبِ وَالمُنْكَرَاتِ» (١). وأجابَ عمَّا كرِهَ العلماءُ تتبُّعَهُ، وإفناءَ العمرِ في تطلُّبِهِ، فقالَ: «وَالغَرَائِبُ التِي كَرِهَ العُلَمَاءُ الاِشْتِغَالَ بِهَا، وَقَطْعَ الأَوقَاتِ فِي طَلَبِهَا، إِنَّمَا هِيَ مَا حَكَمَ أَهْلُ المَعْرِفَةِ بِبُطْلَانِهِ، لِكَونِ رُوَاتِهِ ممَّنْ يَضَعُ الحَدِيثَ، أَوْ يَدَّعِي السَّمَاعَ، أَمَّا مَا اسْتُغْرِبَ لِتَفَرُّدِ رَاوِيهِ بِهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، فَذَلِكَ يَلْزَمُ كَتْبُهُ، وَيَجِبُ سَمَاعُهُ وَحِفْظُهُ» (٢). ٣ - جمعُ الطُّرقِ وتتبُّعُ الأسانيدِ، على حسابِ التَّفقُّهِ فيهِ: ممَّا ينبغِي على متتبِّعِ الطُّرقِ والأسانيدِ، أنْ يضُمَّ إليهَا جمعَ المتونِ، والنَّظَرَ في الاختلافاتِ والزياداتِ في متنِ الحديثِ، لأنَّهُ السبيلُ إلى فقهِ الحديثِ، بل هو ثمرةُ علمِ الحديثِ، قال ابنُ المدينيِّ «ت ٢٣٤ هـ»: «التَّفقُّهُ فِي مَعَانِي الحَدِيثِ نِصْفُ العِلْمِ، وَمَعْرِفَةُ الرِّجَالِ نِصْفُ العِلْمِ» (٣). وقالَ الحاكمُ (٤) «ت ٤٠٥ هـ»: «مِنْ عِلْمِ الحَدِيثِ مَعْرِفَةُ فِقْهِ الحَدِيثِ، إِذْ هُوَ ثَمَرَةُ هَذِهِ العُلُومِ، وَبِهِ قِوَامُ الشَّرِيعَةِ» (٥).

стр. 69

وقدْ رأينَا كيفَ أنَّ أئمَّةَ الحديثِ، لمْ يكُن جمعهُمْ للحديثِ على حسابِ تفقُّهِهِم فيهِ، وهذا بيِّنٌ منْ تصانيفهِمُ الَّتي بوَّبوهَا باستنباطاتٍ فِقهيةٍ غايةٍ في الدِّقَّةِ والرَّصانَة، كالكُتبِ السِّتَّةِ، ناهيكَ أنَّ الإمامَ ابنَ حنبلٍ إمامٌ لمذهَبٍ فِقهيٍ، والجمعُ المذمومُ للطُّرُقِ والأسانيدِ ما كانَ على حسابِ التَّفقُّهِ في معانيهِ، قالَ الخَطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَهَذِهِ العِلَّةُ - أي جَمْعُ الطُّرُقِ وَالأَسَانِيدِ - هِيَ الَّتِي اقْتَطَعَتْ أَكْثَرَ مَنْ فِي عَصْرِنَا مِنْ طَلَبَةِ الحَدِيثِ عَنِ التَّفَقُّهِ بِهِ، وَاسْتِنْبَاطِ مَا فِيهِ مِنَ الأَحْكَامِ» (١). ٤ - قيامُ الأحداثِ وغيرِ المتخصِّصينَ بتتبُّعِ الطُّرُقِ وجمعِ الأسانيدِ: لأنَّ قيامَ مثلِ هؤلاءِ بجمعِ الطُّرقِ وتتبعِ الأسانيدِ، لا طائلَ منهُ سوى الاستكثارُ مما ينبغِي الإقلالُ منهُ والإقلاعُ عنهُ، إذْ لا درايةَ لهمْ في استخراجِ العللِ، وإبرازِ الفوائدِ، فهُم لم يصلُوا إلى درجةٍ تُخوِّلُهم التَّمييزَ بينَ الصحيحِ والضَّعيفِ، والمقبولِ من المردودِ، فتنقضِي أعمارُهُم دونَ بلوغِ الغايةِ - إنْ وُجدَتْ - فمثلُ هذا لمْ يقُم بهِ إلا جهابذَةُ النُّقَّادِ منْ أهلِ الحديثِ. قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَأَكْثَرُ مَنْ يَجْمَعُ ذَلِكَ: الأَحْدَاثُ مِنْهُمْ، فَيَتَحَفَّظُونَهَا وَيُذَاكِرُونَ بِهَا، وَلَعَلَّ أَحَدَهُمْ لَا يَعْرِفُ مِنَ الصِّحَاحِ حَدِيثاً، وَتَرَاهُ يَذْكُرُ مِنَ الطُّرُقِ الغَرِيبَةِ وَالأَسَانِيدِ العَجِيبَةِ التِي أَكْثَرُهَا مَوضُوعٌ وَجُلُّهَا مَصْنُوعٌ، مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَقَدْ أَذْهَبَ مِنْ عُمُرِهِ جُزْآً فِي طَلَبِهِ» (٢).

стр. 70

وأمَّا جهابذةُ النُّقَّادِ منَ المُحدِّثينَ، فَجَمْعُهُم للأسانيدِ والمتونِ وتتبُّعُهُم للطُّرُقِ لغايةٍ ذاتِ فوائدَ جمَّةٍ وعظيمةٍ - ومدارُ بحثِنَا هذا على بيانِهَا - وذلكَ للاطِّلاعِ على صحيحِ السُّنَّةِ والثَّابِتِ مِنْهَا، وتمييزِ المقبولِ منَ المردُودِ، قالَ الأستاذُ عبدُ الفتَّاحِ أبو غدَّة (١) «ت ١٤١٧ هـ»: «إِنَّ المُحَدِّثِينَ الحُفَّاظَ المُتَوَسِّعِينَ فِي جَمْعِ الحَدِيثِ جَرَتْ عَادَتُهُمْ عَلَى سَمَاعِ مَا يُحدَّثُ بِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَمَا لَا يُحدَّثُ بِهِ، لِأنَّهُ يَنْفَعُ فِي وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ عُلُومِ الحَدِيثِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا وَقَرَّرُوا هَذِهِ القَاعِدَةِ، الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا الحَافِظُ ابْنُ مَعِينٍ بِقَولِهِ: «إِذَا كَتَبْتَ فَقَمِّشْ، وَإِذَا حَدَّثْتَ فَفَتِّشْ» -أَي: عِنْدَ تَحَمُّلِ الحَدِيثِ وَتَلَقِّيهِ عَنْ شُيُوخِ الرِّوَايَةِ - يَجْمَعُونَ مِنْهُ مَا اسْتَطَاعُوا عَنْ كُلِّ شَيخٍ، وَلَكِنْ عِنْدَ تَحْدِيثِهِمْ يُفتِّشُونَ فِيمَا تَحَمَّلُوهُ مِنَ الأَسَانِيدِ وَالمُتُونِ، فَلَا يُحدِّثُونَ إِلَّا بِالأَسَانِيدِ المتَّصِلَةِ بِالعُدُولِ الثِّقَاتِ الضَّابِطِينَ عَنْ مِثْلِهِمْ، وَالمُتُونِ الخَالِيَةِ مِنَ الشُّذُوذِ وَالعِلَّةِ، وَمَا تَبَيَّنَ لَهمْ مِنْ كَذِبٍ أَوْ وَهْمٍ أَوْ بَلَايَا لِلرُّوَاةِ فِي الأَسَانِيدِ، أَوِ الشُّذُوذِ أَوْ عِلَّةٍ فِي المُتُونِ يُمْسِكُونَ عَنِ التَّحْدِيثِ بِهَا، وَلَا يَذْكُرُونَهَا إِلَّا مَعَ البَيَانِ لِمَا فِي تِلْكَ الأَسَانِيدِ أَوِ المُتُونِ مِنْ ضَعْفٍ وَشُذُوذٍ» (٢). فهذهِ جُملةُ الأسبابِ الَّتي عابَ بها العلماءُ على منْ أفنَى عُمُرَهُ في جمعِ الطُّرقِ والأسانيدِ، إذَا قامَ بهَا مَنْ ليسَ مِنْ أهلهَا، وخَلَتْ مِنْ أيَّةِ فائدةٍ أو غايةٍ، وإلا فالسَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ هوَ منْ أهَمِّ وأدَّقِّ ما توَصَّلَ إليهِ المُحَدِّثونَ في كشفِ عللِ الأحاديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ. * * *

стр. 71

المَطْلَبُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ إِلهامٌ: أقامَ المحدِّثونَ المنهجَ النَّقديَّ للحديثِ على أسسٍ دقيقةٍ، وقواعدَ راسخةٍ، والسَّبرُ عمادُ هذهِ الأسسِ والقواعدِ، وقدْ جاءَتْ بعضُ عباراتِ المحدِّثينَ تُعارضُ هذا المنهجَ العلميَّ الدقيقَ - على رأيِ بعضِ المستشرقينَ ك «جولد تسيهر» (١) - وتُبيِّنُ أنَّهُ ضربٌ من الإلهامِ والكشفِ، أو الخرصِ والتَّخمينِ لا ينبني على أسسٍ، أَوْ أمرٌ مزاجيٌّ لا مُسَوِّغَ لَهُ في العِلْمِ، وأنَّهُ أقربُ إلى الكهانَةِ والعرافَةِ منهُ إلى العقْلِ والقواعِدِ العلميَّةِ الرَّصينةِ، ومنْ هذهِ الأقوالِ التي استدلُّوا بهَا: قولُ ابنِ مَهديٍّ (٢) «ت ١٩٨ هـ»: «مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ إِلْهَامٌ، فَلَو قُلْتَ لِلْعَالِمِ بِعِلَلِ الحَدِيثِ، أَينَ قُلْتَ هَذَا؟ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ».

стр. 72

قالَ ابنُ نُمَيرٍ (١) «ت ٢٣٤ هـ»: «صَدَقَ لَو قُلْتَ: مِنْ أَينَ؟ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَوَابٌ» (٢). وَقالَ أبو حاتمٍ الرَّازيُّ «ت ٢٧٧ هـ»: «مَثَلُ مَعْرِفَةِ الحَدِيثِ كَمَثَلِ فُصٍّ ثَمَنُهُ مِئَةُ دِينَارٍ، وَآَخَرَ مِثْلُهُ عَلَى لَونِهِ ثَمَنُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَكَمَا لا يَتَهَيَّأُ للنَّاقِدِ أَنْ يُخْبِرَ بِسَبَبِ نَقْدِهِ، فَكَذَلِكَ نَحْنُ رُزِقْنَا عِلْمَاً لا يَتَهَيَّأُ لنَا أَنْ نُخْبِرَ كَيفَ عَلِمْنَا بَأَنَّ هَذَا حَدِيثٌ كَذِبٌ وَأَنَّ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ إِلا بِمَا نَعْرِفُهُ» (٣). وَقَدْ بوَّبَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» لذلكَ بِقَولِهِ: «المَعْرِفَةُ بِالحَدِيثِ لَيسَتْ تَلْقِينَاً، وَإِنَّمَا هُوَ عِلْمٌ يُحْدِثُهُ اللهُ فِي القَلْبِ» (٤). وَأوردَ كلامَ الأئمَّةِ المتقدِّمِ في هذَا الشَّأنِ. ومنْ ذلكَ أيضاً قولُ ابنُ القَيِّمِ (٥) «ت ٧٥١ هـ»: «وَمَعْرِفَةُ هَذَا الشَّأنِ وَعِلَلِهِ ذَوقٌ وَنُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ فِي القَلْبِ، يَقطعُ بهِ مَنْ ذَاقَهُ وَلا يَشُكُّ فِيهِ، وَمَنْ لَيسَ لَهُ هَذَا الذَّوقُ لا شُعُورَ لَهُ بِهِ، وَهَذَا كَنَقْدِ الدَّرَاهِمِ لأَرْبَابِهِ، فِيهِ ذَوقٌ وَمَعْرِفَةٌ لَيسَتَا لِكِبَارِ العُلَمَاءِ» (٦). وَنُجِيبُ عنْ هذَا الإشكالِ المُخْتَلَقِ بِمَا يأتي:

стр. 73

١ - اجْتِزاءُ أقوالِ الأئمَّةِ، والأخذُ ببعضهِا دونَ البعضِ الآخرِ، أَوْ فَهْمُهَا بِغَيرِ مَا هِيَ عَلَيه: إنَّ مَا تمسَّكَ المستشرقونَ بأذيالِهِ منْ كلامِ أئمَّةِ الحديثِ، هوَ كلامٌ إمَّا مجزوءٌ أو مُقتطعٌ، غرضهُمْ منْ ذلكَ نسفُ صرحِ هذا العلمِ، وتقويضُ بنيانِهِ، للطَّعنِ في سنَّةِ النَّبيِّ ﷺ ، فابنُ مَهديٍّ «ت ١٩٨ هـ» الذي قالَ بأنَّ هذا العلمَ إلهامٌ، هو منْ قالَ: «إِنْكَارُنَا الحَدِيثَ عِنْدَ الجُهَّالِ كَهَانَةٌ» (١). وقيلَ لهُ: إنَّكَ تقولُ للشَّيءِ هذا يصحُّ وهذا لمْ يثبتْ، فعمَّنْ تقولُ ذلكَ؟ فقالَ: «أَرَأَيتَ لَو أَتَيتَ النَّاقِدَ فَأَرَيتَهُ دَرَاهِمَكَ، فَقَالَ: هَذَا جَيِّدٌ وَهَذَا بَهْرَجٌ، أَكُنْتَ تَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ تُسَلِّمُ الأَمْرَ إِلَيهِ؟ قَالَ: لا بَلْ كُنْتُ أُسَلِّمُ الأَمْرَ إِلَيهِ، فَقَالَ: فَهَذَا كَذَلِكَ». لكنْ ذيَّلَ كلامَهُ هذَا مُبيِّنَاً العواملَ الَّتي تبنِي الملكةَ عندَ المُحدِّثِ، بقولِهِ: «لِطُولِ المُجَادَلَةِ والمُنَاظَرَةِ وَالخِبْرَةِ» (٢). بالإضافةِ إلى أنّهمْ حَمَلُوا كلامَ الأئمَّةِ على غيرِ مُرادِهِ، فالأئمَّةُ شبَّهُوا معرفتَهُمْ للحديثِ بمعرفَةِ الصَّيرفيِّ للجوهَرِ، وهذِهِ المعرفَةُ مُكتسَبَةٌ عنْ طولِ خِبرةٍ، وكثرةِ ممارسَةٍ، ولا تأتِي منْ بابِ التَّخرُّصِ أو التَّخمِينِ. ٢ - الخبرةُ والمُمَارَسَةُ وطُولُ المُذَاكَرَةِ هِيَ العَامِلُ فِي أَحْكَامِ الرُّوَاةِ، لا التَّخَرُّصُ والتَّخمِينُ: لا يكونُ الإلهامُ إلا لأهلِ الخِبرةِ الطَّويلَةِ والتَّخَصُّصِ المكينِ في هذَا العلمِ، لذا نرى الأئمَّةَ يُشبِّهونَ تَمييزَهُمْ للحديثِ، بتمييزِ الصَّيارِفَةِ للجوهَرِ المُزيَّفِ منَ غيرِهِ،

стр. 74

وذلكَ لعُمقِ الخِبرةِ وطولِ المُمَارسةِ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «وَلا بُدَّ فِي هذَا العِلْمِ مِنْ طُولِ المُمَارسَةِ وَكَثْرَةِ المُذَاكَرَةِ» (١). وقال المُعلِّمِيُّ «ت ١٣٨٦ هـ»: «وَهَذِهِ المَلَكَةُ لَمْ يُؤْتَوهَا مِنْ فَرَاغٍ، وَإِنَّمَا هِيَ حَصَادُ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الطَّلَبِ، وَالسَّمَاعِ، وَالكِتَابَةِ، وَإِحْصَاءِ أَحَادِيثِ الشُّيُوخِ، وَحِفْظِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ، وَكِنَاهُمْ، وَأَلَقَابِهِمْ، وَأَنْسَابِهِمْ، وَبُلْدَانِهِمْ، وَتَوَارِيخِ وِلادَةِ الرُّوَاةِ وَوَفِيَّاتِهِمْ، وَابْتِدَائِهِمْ فِي الطَّلَبِ وَالسَّمَاعِ، وَارْتِحَالِهِمْ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آَخَر، وَسَمَاعِهِمْ مِنَ الشُّيُوخِ فِي البُلْدَانِ، مَنْ سَمِعَ فِي كُلِّ بَلَدٍ؟ وَمَتَى سَمِعَ؟ وَكَيفَ سَمِعَ؟ وَمَعَ مَنْ سَمِعَ؟ وَكَيفَ كِتَابُهُ؟، ثُمَّ مَعْرِفَةُ أَحْوَالِ الشُّيُوخِ الذِينِ يُحَدِّثُ الرَّاوِي عَنْهُمْ، وَبُلْدَانِهِمْ، وَوَفِيَّاتِهِمْ، وَأَوقَاتِ تَحْدِيثِهِمْ، وَعَادَتِهِمْ فِي التَّحْدِيثِ، وَمَعْرِفَةِ مَرْوِيَّاتِ النَّاسِ عَنْ هَؤُلاءِ الشُّيُوخِ، وَعَرْضِ مَرْوِيَّاتِ هَذَا الرَّاوِي عَلَيهَا، وَاعْتِبَارِهَا بِهَا، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ. هَذَا مَعَ سَعَةِ الاِطِّلاعِ عَلَى الأَخْبَارِ المَرْوِيَّةِ، وَمَعْرِفَةِ سَائِرِ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ التَّفْصِيلِيَّةِ، وَالخِبْرَةِ بِعَوَائِدِ الرُّوَاةِ وَمَقَاصِدِهِمْ وَأَغْرَاضِهِمْ، وَبِالأَسْبَابِ الدَّاعِيَةِ إِلَى التَّسَاهُلِ وَالكَذِبِ، وَبِمَظَنَّاتِ الخَطَأِ وَالغَلَطِ، وَمَدَاخِلِ الخَلَلِ. هَذَا مَعَ اليَقَظَةِ التَّامَّةِ، وَالفَهْمِ الثَّاقِبِ، وَدَقِيقِ الفِطْنَةِ، … وَغَيرِ ذَلِكَ» (٢). فعِلمُ الحديثِ علمٌ تخصُّصِيٌّ، شديدُ العمقِ، بعيدُ الغَورِ، لا يفهمهُ إلا منْ وقفَ عمرَهُ عليهِ، وصرفَ الُجهدَ فيهِ، قالَ ابنُ المَدينيِّ «ت ٢٣٤ هـ»: «أخَذَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ

стр. 75

على رجلٍ منْ أهلِ البَصرَةِ حديثاً، فغضِبَ لهُ جماعَةٌ، فأتَوهُ، فقالُوا: «يَا أبا سعيدٍ! منْ أينَ قلتَ هذا في صاحبِنَا؟ قالَ: فغضبَ عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، وقالَ: «أَرَأَيتَ لَو أَنَّ رَجُلاً أَتَى بِدِينَارٍ إلى صَيرَفِيٍّ، فَقَالَ: انْتَقِدْ لِي هَذَا. فَقَالَ: هُوَ بَهْرَجٌ. يَقُولُ لَهُ: مِنْ أَينَ قُلْتَ لي إِنَّهُ بَهرَجٌ؟ اِلزَمْ عَمَلِي هَذَا عِشْرِينَ سَنَةً، حَتَّى تَعْلَمَ مِنْهُ مَا أَعْلَمْ» (١). وقالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «أَشْبَهُ الأَشْيَاءِ بِعِلْمِ الحَدِيثِ مَعْرِفَةُ الصَّرْفِ وَنَقْدِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، يَعْرِفُهُ النَّاقِدُ عِنْدَ المُعَايَنَةِ، فَيَعْرِفُ البَهْرَجَ الزَّائِفَ وَالخَالِصَ والمَغْشُوشَ، وَكَذَلِكَ تَمْيِيزُ الحَدِيثِ، فَإِنَّهُ عِلْمٌ يَخْلُقُهُ اللهُ تَعَالَى فِي القُلُوبِ، بَعْدَ طُولِ المُمَارَسَةِ لَهُ، والاِعْتِنَاءِ بِهِ» (٢). فطولُ المذاكرةِ والممارسةِ لكلامِ النَّبيِّ ﷺ تُحدِثُ مَلَكَةً عندَ الرَّاوِي في تَمييزِ كلامِهِ ﷺ منْ كلامِ غيرِهِ، قالَ أبو حاتِمٍ الرَّازِيُّ «ت ٢٧٧ هـ»: «وَتُعْرَفُ جَودَةُ الدِّينَارِ بِالقِيَاسِ إِلَى غَيرِهِ، فَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي الحُمْرَةِ وَالصَّفَاءِ عُلِمَ أَنَّهُ مَغْشُوشٌ، وَيُعْلَمُ صِحَّةُ الحَدِيثِ بِعَدَالَةِ نَاقِلِيهِ، وَأَنْ يَكُونَ كَلامَاً يَصْلُحُ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ كَلامَ النُّبُوَّةِ» (٣). ٣ - قَصْرُ تَعْلِيلِ المُحَدِّثِينَ لِلْحَدِيثِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، دُونَ الجَهَلَةِ فِي أُصُولِ وَقَوَاعِدِ هَذَا العِلْمِ: لعمقِ علمِ العللِ عندَ المحدِّثينَ نهى نُقَّادُ الحديثِ عنْ شرحِ كثيرٍ منْ عِللِ الأحاديثِ إلا عندَ أهلِ الحديثِ، لما يُخشَى منْ شرحِ ذلكِ على غيرِ أهلِ الحديثِ أنْ يكونَ سبباً في أنْ يَفْتِنُوا أو يُفْتَنُوا. قالَ أبو داودَ «ت ٢٧٥ هـ» في «رسالتِهِ إلى أهلِ مكَّةَ»: «وَرُبَّما
следующие страницы →